Qur'an&Sunnah

Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)

Section V02/P254–V02/P256

ولا نسلم أن إباحة نكاح الأمة بطريق الضرورة لما بينا أن الرقيق في النصف الباقى مساو للحر فكما أن نكاح الحرة يكون أصلا مشروعا لا بطريق الضرورة فكذلك نكاح الأمة في النصف الباقى لها ونعتبرها بالعبد بل أولى لأن معنى عدم الضرورة في حق الأمة أظهر منه في حق العبد فإنها تستمتع بمولاها بملك اليمين والعبد لا طريق له سوى النكاح ثم لم نجعل بقاء ما بقى في حق العبد بعد التنصيف بالرق ثابتا بطريق الضرورة ففي حق الأمة أولى وعلل الشافعي رحمه الله فيما إذا أسلم أحد الزوجين في دار الإسلام أو في دار الحرب فإن كان قبل الدخول يتعجل الفرقة وإن كان بعد الدخول يتوقف على انقضاء العدة فإن الحادث اختلاف الدين بين الزوجين فيوجب الفرقة عند عدم العدة كالردة وسوى بينهما في الجواب فقال إذا ارتد أحدهما قبل الدخول تتعجل الفرقة في الحال وبعد الدخول يتوقف على انقضاء ثلاث حيض وبيان أثر هذا الوصف في ابتداء النكاح فإن مع اختلاف الدين عند إسلام المرأة وكفر الزوج لا ينعقد النكاح ابتداء كما أن عند ردة أحدهما لا ينعقد النكاح ابتداء فكذلك في حالة البقاء تستوي ردة أحدهما وإسلام أحدهما إذا كان على وجه يمنع ابتداء النكاح وفي الردة إنما يثبت هذا الحكم للاختلاف في الدين لا لمنافاة الردة النكاح فإنهما لو ارتدا معا نعوذ بالله لا تقع الفرقة بينهما وإنما انعدم الاختلاف في الدين هنا فأما الردة فمتحققة ومع تحقق المنافي لا يتصور بقاء النكاح كالمحرمية بالرضاع والمصاهرة وقلنا نحن الإسلام سبب لعصمة الملك فلا يجوز أن يستحق به زوال الملك بحال وكفر الذي أصر منهما على الكفر كان موجودا وصح معه النكاح ابتداء وبقاء فلا يجوز أن يكون سببا للفرقة أيضا ولا يقال هذا الكفر إنما لم يكن سببا للفرقة في حال كفر الآخر لا بعد إسلامه كما لا يكون سببا للمنع من ابتداء النكاح في حال كفر الآخر لا بعد إسلامه لأن اعتبار البقاء بالابتداء في أصول الشرع ضعيف جدا فإن قيام العدة وعدم الشهود يمنع ابتداء النكاح ولا يمنع البقاء والاستغناء عن نكاح الأمة بنكاح الحرة يمنع نكاحها ابتداء ولا يمنع البقاء إذا تزوج الحرة بعد الأمة فإن ظهر أن واحدا من هذين السببين لا يصلح سببا لاستحقاق الفرقة ولا بد من دفع ضرر الظلم المتعلق عنها لأن ما هو المقصود بالنكاح وهو الاستمتاع فائت شرعا جعلنا السبب تفريق القاضي بعد عرض الإسلام على الذي يأبى منهما وهو قوي الأثر بالرجوع إلى الأصول فإن التفريق باللعان وبسبب الجب والعنة وبسبب الإيلاء يكون ثابتا باعتبار هذا المعنى محالا به على من كان فوات الإمساك بالمعروف من جهته فهنا أيضا يحال به على من كان فوات الإمساك بالمعروف بالإصرار على الكفر من جهته ولا يثبت إلا بقضاء القاضي فأما الردة فهي غير موضوعة للفرقة بدليل صحتها حيث لا نكاح وبه فارق الطلاق وإذا لم يكن موضوعا للفرقة عرفنا أن حصول الفرقة بها لكونها منافية للنكاح حكما وذلك وصف مؤثر فإن النكاح يبتنى على الحل الذي هو كرامة وبعد الردة لا يبقى الحل لأن الردة سبب لإسقاط ما هو كرامة ولإزالة الولاية والمالكية الثابتة بطريق الكرامة فجعلها منافية للنكاح حكما يكون قوي الأثر من هذا الوجه ومع وجود المنافي لا يبقى النكاح سواء دخل بها أو لم يدخل فأما إذا ارتدا معا فحكم بقاء النكاح بينهما معلوم بإجماع الصحابة بخلاف القياس وقد بينا أن المعدول به عن القياس بالنص أو بالإجماع لا يشتغل فيه بالتعليل ولا بإثبات الحكم فيه بعلة وقد بينا فساد اعتبار حالة البقاء بحالة الابتداء فلا يجوز أن يجعل امتناع صحة النكاح بينهما ابتداء بعد الردة علة للمنع من بقاء النكاح وهذا لأن البقاء لا يستدعي دليلا مبقيا وإنما يستدعي الفائدة في الإبقاء وبعد ردتهما نعوذ بالله يتوهم منهما الرجوع إلى الإسلام وبه تظهر فائدة البقاء

Section V02/P256–V02/P258

فأما الثبوت ابتداء يستدعي الحل في المحل وذلك منعدم بعد الردة وعند ردة أحدهما لا يظهر في الإبقاء فائدة مع ما هما عليه من الاختلاف وعلى هذا علل الشافعي رحمه الله في عدد الطلاق فإنه معتبر بحال الزوج لأنه هو المالك للطلاق وعدد الملك معتبر بحال المالك كعدد النكاح وهذا بين الأثر لأن المالكية عبارة عن القدرة والتمكن من التصرف فإذا كان الزوج هو المتمكن من التصرف في الطلاق بالإيقاع عرفنا أنه هو المالك له وإنما يتم الملك باعتبار كمال حال المالك بالحرية كما أن ملك التصرف بالإعتاق وغيره إنما يتم بكمال حال المالك بالحرية وقلنا نحن الطلاق تصرف بملك بالنكاح فيتقدر بقدر ملك النكاح وذلك يختلف باختلاف حال المرأة في الرق والحرية لأن الملك إنما يثبت في المحل باعتبار صفة الحل والحل الذي يبتنى عليه النكاح في حق الأمة على النصف منه في حق الحرة فبقدر ذلك يثبت الملك ثم بقدر الملك يتمكن المالك من الإبطال كما أن بقدر ملك اليمين يتمكن من إبطاله بالعتق حتى إنه إذا كان له عبد واحد يملك إعتاقا واحدا فإن كان له عبدان يملك عتقين ثم ظهر قوة الأثر لما قلنا بالرجوع إلى الأصل وهو أن ما يبتنى على ملك النكاح ويختص به فإنه يختلف باختلاف حالها وذلك نحو القسم في حال قيام النكاح والعدة وحق المراجعة باعتبارها بعد الطلاق فعرفنا أنه يتقدر ما يبتنى على ملك النكاح بقدر الملك الثابت بحسب ما يسع المحل له وعلى هذا علل في تكرار المسح بأنه ركن في الوضوء فيسن فيه التكرار كالغسل وقلنا نحن إنه مسح فلا يسن فيه التكرار كالمسح بالخف ثم كان تأثير المسح في إسقاط التكرار أقوى من تأثير الركنية في سنة التكرار فيه فإن التكرار مشروع في المضمضة والاستنشاق وليسا بركن وتأثير المسح في التخفيف فإن الاكتفاء بالمسح فيه مع إمكان الغسل ما كان إلا للتخفيف وعند الرجوع إلى الأصول يظهر معنى التخفيف بترك التكرار بعد الإكمال مع ما فيه من دفع الضرر الذي يلحقه بإفساد عمامته بكثرة ما يصيب رأسه من البلة وعلى هذا علل في اشتراط تعيين النية في الصوم بأنه صوم فرض وهو بين الأثر فإن اشتراط النية لمعنى التقرب وصفة الفرضية قربة كالأصل وقلنا نحن صوم عين وتأثيره أن اشتراط النية في العبادة في الأصل للتمييز بين أنواعها بتعين نوع منها وهذا متعين شرعا فلا معنى لاشتراط النية للتعيين ومعنى القربة يتم بوجود أصل النية فباعتبار قوة الأثر من هذا الوجه يظهر الترجيح وما يخرج على هذا من المسائل لا يحصى وفيما ذكرنا كفاية لمن يحسن التأمل في نظائرها وأما الوجه الثاني وهو الترجيح بقوة ثبات الحكم المشهود به فلأن أصل ذلك إنما يكون عن نص أو إجماع وما يكون ثبوته بالنص أو الإجماع يكون ثابتا متأكدا فما يظهر فيه زيادة القوة في الثبات عند العرض على الأصول يكون راجحا باعتبار ما به صار حجة وبيان ذلك في مسألة مسح الرأس أيضا فإن الوصف الذي عللنا به له زيادة قوة الثبات على الحكم المشهود به ألا ترى أن سائر أنواع المسح كالتيمم والمسح على الخف والمسح على الجورب عند من يجيزه والمسح على الجبائر يظهر الخفة فيها بترك اعتبار التكرار وليس للوصف الذي علل به قوة الثبات بهذه الصفة فإن في الصلاة أركانا كالقيام والقراءة والركوع والسجود ثم تمامها يكون بالإكمال لا بالتكرار فعرفنا أن الركنية ليس بوصف قوي ثابت في إثبات سنة التكرار به وكذلك في الصوم فإن صفة العينية قوي ثابت في إسقاط اشتراط نية التعيين فيه حتى يتعدى إلى سائر العبادات كالزكاة إذا تصدق بالنصاب على الفقير وهو لا ينوي الزكاة والحج إذا أطلق النية ولم يعين حجة الإسلام والإيمان بالله تعالى ويتعدى إلى غير العبادات نحو رد الودائع والغصوب ورد المبيع على البائع لفساد البيع وصفة الفرضية ليس بقوي ثابت في اشتراط نية التعيين بعدما صار متعينا في الصوم لا في غير الصوم

Section V02/P258–V02/P260

وكذلك ما علل به علماؤنا في أن المنافع لا تضمن بالإتلاف لأن ضمان المتلفات مقدر بالمثل بالنص وباعتبار ما هو المقصود وهو الجبران وبين العين والمنفعة تفاوت في المالية من الوجه الذي ذكرنا فلا يجوز أن يوجب على المتلف فوق ما أتلف في صفة المالية كما لا يوجب الجيد بإتلاف الرديء وقال الشافعي رحمه الله المنافع تضمن بالعقد الجائز والفاسد بالدراهم فتضمن بالإتلاف كالأعيان ثم تأثيره تحقق الحاجة إلى التحرر عن إهدار حق المتلف عليه فإنه نظير تحقق الحاجة إلى ملك المنفعة بالعوض بالعقد ثم هو يزعم أن علته أقوى في ثبات الحكم المشهود به عليه من وجهين أحدهما أنه إذا لم يكن بد من الإضرار بأحدهما فمراعاة جانب المظلوم وإلحاق الخسران بالظالم بإيجاب الزيادة عليه أولى من إهدار حق المظلوم والثاني أن في إيجاب الضمان إهدار حق الظالم فيما هو وصف محض وهو صفة البقاء وفي الأصل هما شيئان وهو كونهما منتفعا به غير أن في طرف الظالم فضل صفة وهو البقاء فبهدر صيانة الأصل ( هدر ) حق المظلوم وإذا قلنا لا يجب الضمان كان فيه إهدار حق المتلف عليه في أصل المالية ولا شك أن الوصف دون الأصل ونحن نقول قوة ثبات الحكم فيما اعتبرناه لأن في إيجاب الزيادة معنى الجور ولا يجوز نسبة ذلك إلى الشرع بغير واسطة من العباد بحال من الأحوال وإذا لم نوجب الضمان فإنما لا نوجب لعجزنا عن إيجاب المثل في موضع ثبت اشتراط المماثلة فيه بالنص وبه فارق ضمان العقد فإنه غير مبني على المماثلة بأصل الوضع وكيف يكون مبنيا على ذلك والمبتغى به الربح والامتناع من الإقدام عند تحقق العجز أصل مشروع لنا والثاني أن في إيجاب الزيادة إهدار حق المتلف في هذه الزيادة في الدنيا والآخرة وإذا قلنا لا يجب الضمان لا يهدر حق المتلف عليه أصلا بل يتأخر إلى الآخرة وضرر التأخير دون ضرر الإهدار ولا يدخل على هذا إتلاف ما لا مثل له من جنسه لأن الواجب هو مثل المتلف في المالية شرعا إلا أنه آل الأمر إلى الاستيفاء وذلك يبتنى على الوسع قلنا يتقدر بقدر الوسع ويسقط اعتبار أدنى تفاوت في القيمة لأنه لا يستطاع التحرز عن ذلك ولكن لا يتحقق في هذا معنى نسبة الجور إلى الشرع فالواجب شرعا هو المثل لا غير وما اعتبر من ترجيح جانب المظلوم فهو ضعيف جدا لأن الظالم لا يظلم ولكن ينتصف منه مع قيام حقه في ملكه فلو لم نوجب الضمان لسقط حق المظلوم لا بفعل مضاف إلينا وهو أنا نلزمه أداء ذلك بطريق الحكم به عليه ومراعاة الوصف في الوجوب كمراعاة الأصل ألا ترى أن في القصاص الذي يبتنى على المساواة التفاوت في الوصف كالصحيحة مع الشلاء يمنع جريان القصاص ولا ينظر إلى ترجيح جانب المظلوم وإلى ترجيح جانب الأصل على الوصف فعرفنا أن قوة الثبات فيما قلنا وعلى هذا قلنا إن ملك النكاح لا يضمن بالإتلاف في الشهادة على الطلاق قبل الدخول وملك القصاص لا يضمن بالإتلاف في الشهادة على العفو وقد بينا فيما سبق أن وجوب الدية عند إتلاف النفس أو الأطراف على وجه لا يمكن إيجاب المثل فيه حكم ثابت بالنص بخلاف القياس وهو لصيانة المحل عن الإهدار لا للماثلة على وجه الخبران لأن النفوس بأطرافها مصونة عن الابتذال وعن الإهدار وأما الوجه الثالث وهو الترجيح بكثرة الأصول فلأن كثرة الأصول في المعنى الذي صار الوصف به حجة بمنزلة الاشتهار في المعنى الذي صار الخبر به حجة وهذا يظهر إذا تأملت فيما ذكرنا من المسائل وغيرها وما من نوع من هذه الأنواع الثلاثة إذا قررته في مسألة إلا وتبين به إمكان تقرير النوعين الآخرين فيه أيضا

Section V02/P260–V02/P262

وأما الوجه الرابع وهو الترجيح بعدم الحكم عند عدم العلة فهو أضعف وجوه الترجيح لما بينا أن العدم ( لا يوجب شيئا وأن العدم لا يكون متعلقا بعلة ولكن انعدام الحكم عند انعدام العلة ) يصلح أن يكون دليلا على وكادة اتصال الحكم بالعلة فمن هذا الوجه يصلح للترجيح وبيانه في المسح بالرأس أيضا فإن التعليل بأنه ركن لا يكون في القوة كالتعليل بأنه مسح لأن حكم ثبوت التكرار لا ينعدم بانعدام الركنية كما في المضمضة والاستنشاق وحكم سقوط التكرار ينعدم بانعدام وصف المسح كما في اغتسال الجنب والحائض فإنه يسن فيه صفة التكرار لأنه ليس بمسح وكذلك في كل ما يعقل تطهيرا صفة التكرار فيه يكون مسنونا وفيما لا يعقل تطهيرا لا يسن فيه صفة التكرار وقولنا مسح ينبىء عن ذلك وكذلك قلنا في الأخ إذا ملك أخته إن بينهما قرابة محرمة للنكاح وينعدم حكم العتق بالملك عند انعدام هذا المعنى كما في بني الأعمام وهو إذا قال شخصان يجوز لأحدهما أن يضع زكاة ماله في صاحبه فلا يعتق أحدهما على صاحبه إذا ملكه لانعدام هذا الحكم عند انعدام هذا المعنى فإن المسلم لا يجوز له أن يضع زكاة ماله في الكافر وذلك لا يدل على أنه يعتق أحدهما على صاحبه إذا ملكه وكذلك قلنا في بيع الطعام بالطعام إنه لا يشترط قبضه في المجلس لأنه عين بعين وينعدم هذا الحكم عند انعدام هذا الوصف فإنه في باب الصرف يشترط القبض من الجانبين لأن الأصل فيه النقود وهي لا تتعين في العقود فكان دينا بدين وفي السلم يشترط القبض في رأس المال لأن المسلم فيه دين ورأس المال في الغالب نقد فيكون دينا بدين فعرفنا أنه ينعدم الحكم عند انعدام العلة وهو يعلل فيقول مالان لو قوبل كل واحد منهما بجنسه يحرم التفاضل بينهما فيشترط التقابض في بيع أحدهما بالآخر كالذهب والفضة ثم الحكم لا ينعدم عند انعدام هذا المعنى في السلم فإنه يشترط قبض رأس المال في المجلس وإن جمع العقد هناك بدلين لا يحرم التفاضل إذا قوبل كل واحد منهما بجنسه فهذا بيان الفصل الرابع فصل وأما المخلص من التعارض في دليل الترجيح فطريق بيانه أن نقول إن كل محدث موجود بصورته ومعناه الذي هو حقيقة له ثم تقوم به أحوال تحدث عليه فإذا قام دليل الترجيح لمعنى في ذات أحد المتعارضين وعارضه دليل الترجيح لمعنى في حال الآخر على مخالفة الأول فإنه يرجح المعنى الذي هو في الذات على المعنى الذي هو في الحال لوجهين أحدهما أن الذات أسبق وجودا من الحال فبعدما وقع الترجيح لمعنى فيه لا يتغير بما حدث من معنى في حال الآخر بعد ذلك بمنزلة ما لو اتصل الحكم باجتهاد فتأيد به ثم لم ينسخ بما يحدث من اجتهاد آخر بعد ذلك وإذا اتصل الحكم بشهادة المستورين بالنسب أو النكاح لرجل لم يتغير بعد ذلك بشهادة عدلين لآخر والثاني أن الأحوال التي تحدث على الذات تقوم به فكان الذات بمنزلة الأصل وما يقوم به من الحال بمنزلة التبع والأصل لا يتغير بالتبع على أي وجه كان وبيان هذا فيما اتفقوا عليه أن ابن الأخ لأب وأم يكون مقدما في العصوبة على العم لأن المرجح فيه معنى في ذات القرابة وهو الأخوة التي هي مقدمة على العمومة وفي العم المرجح هو زيادة القرب باعتبار الحال وكذلك العمة لأم مع الخالة لأب وأم إذا اجتمعتا فللعمة الثلثان باعتبار أن المرجح في حقها هو معنى في ذات القرابة وهو الإدلاء بالأب وفي الأخرى معنى في حالها وهو اتصالها من الجانبين بأم الميت ولو كانا أخوين أحدهما لأب وأم والآخر لأب فإنه يقدم في العصوبة الذي لأب وأم لأنهما استويا في ذات القرابة فيصار إلى الترجيح باعتبار الحال وهو زيادة الاتصال لأحدهما ولو كان ابن الأخ لأب معه ابن ابن أخ لأب وأم فإن الأخ لأب يقدم في العصوبة باعتبار الحال لما استويا في ذات القرابة وهو الأخوة

Section V02/P262–V02/P264

وربما خفي على الشافعي هذا الحد في بعض المسائل فهو معذور لكونه خفيا ومن أصاب مركز الدليل فهو مأجور مشكور وبيانه في مسائل الغصب فإن علماءنا أثبتوا الترجيح باعتبار الصناعة والخياطة والطبخ والشي وقالوا فيمن غصب ساحة وأدخلها في بنائه ينقطع حق المغصوب منه عن الساحة لأن الصنعة التي أحدثها الغاصب فيها قائمة من كل وجه غير مضاف إلى صاحب العين وعين الساحة قائم من وجه مستهلك من وجه لأنه صار مضافا إلى الحادث بعمل الغاصب وهو البناء فرجحنا ما هو قائم من كل وجه باعتبار معنى في الذات وأسقطنا اعتبار معنى قوة الحال في الجانب الآخر وهو أنه أصل وفي الساحة إذا بنى عليها لما استويا في أن كل واحد منهما قائم من كل وجه فرجحنا باعتبار الحال حق صاحب الساحة على حق صاحب البناء ( لأن قوام البناء ) للحال بالساحة وقوام الساحة ليس بالبناء وكذلك الثوب إذا قطعه وخاطه واللحم إذا طبخه أو شواه لأن الوصف الحادث بعمل الغاصب قائم من كل وجه وما هو حق المغصوب منه قائم من وجه مستهلك من وجه باعتبار العمل المضاف إلى الغاصب فيترجح ما هو قائم من كل وجه وكذلك قلنا صوم رمضان يتأدى بالنية الموجودة في أكثر النهار لأن الإمساك في جميع النهار ركن واحد وشرط كونه صوما شرعيا النية ليحصل بها الإخلاص فإذا ترجح جانب الوجود باقتران النية بأكثر هذا الركن قلنا يحصل به امتثال الأمر ف الشافعي يقول يؤخذ في العبادات بالاحتياط فإذا انعدمت النية في جزء من هذا الركن يترجح جانب العدم على جانب الوجود لأجل الاحتياط في أداء الفريضة فكان ما اعتبره معنى في الحال وهو أنه فرض يؤخذ فيه بالاحتياط وما اعتبرناه معنى في الذات والمرجح في الذات أولى بالاعتبار من المرجح في الحال وقال أبو حنيفة إذا كان لرجل مائتا درهم وخمس من الإبل السائمة فسبق حول السائمة فأدى عنها شاة ثم باعها بمائتي درهم فإنه لا يضم ثمنها إلى ما عنده ولكن ينعقد على الثمن حول جديد فلو استفاد مائتي درهم بهبة أو ميراث فإنه يضمها إلى أقرب المالين في الحول وإن كان المستفاد ربح أحد المالين أو زيادة متولدة من عين أحد المالين يضم ذلك إلى الأصل وإن كان أبعد في الحول لأن المرجح هنا معنى في الذات وهو كونه نماء أحد المالين فيسقط بمقابلته اعتبار الحال في المال الآخر وهو القرب في الحول وفي الأول لما استوى الجانبان فيما يرجع إلى الذات صرنا إلى الترجيح باعتبار الحال والمسائل على هذا الأصل يكثر تعدادها والله أعلم فصل وأما الفاسد من الترجيح فأنواع أربعة أحدها ما بينا من ترجيح قياس بقياس آخر لأن كل واحد منهما علة شرعية لثبوت الحكم بها فلا تكون إحداهما مرجحة للأخرى بمنزلة زيادة العدد في الشهود وكذلك ترجيح أحد القياسين بالخبر فاسد لأن القياس متروك بالخبر فلا يكون حجة في مقابلته والمصير إلى الترجيح بعد وقوع التعارض باعتبار المماثلة كما بينا وكذلك ترجيح أحد الخبرين بنص الكتاب فاسد لأن الخبر لا يكون حجة في معارضة النص والنوع الثاني الترجيح بكثرة الأشباه فإنه فاسد عندنا وبيانه فيما يقوله الخصم إن الأخ يشبه الأب من وجه وهو المحرمية ويشبه ابن العم من وجوه نحو جريان القصاص من الطرفين وقبول شهادة كل واحد منهما لصاحبه وجواز وضع الزكاة لكل واحد منهما في صاحبه وحل حليلة كل واحد منهما لصاحبه وغير ذلك من الأحكام قالوا فيرجح باعتبار كثرة الأشباه وهو فاسد عندنا لأن الأصول شواهد وقد بينا أن الترجيح بزيادة عدد الشهود في الخصومات فاسد وفي الأحكام الترجيح بكثرة العلل فاسد فكذلك الترجيح بكثرة الأشباه والنوع الثالث الترجيح بعموم العلة وذلك نحو ما يقوله الخصم إن تعليل حكم الربا في الأشياء الأربعة بالطعم أولى لأنه يعم القليل والكثير والتعليل بالقدر يخص الكثير وما يكون أعم فهو أولى

Section V02/P264–V02/P266

وعندنا هذا فاسد لأن إثبات الحكم بالعلة فرع لإثبات الحكم بالنص وعندنا الترجيح في النصوص لا يقع بالعموم والخصوص وعنده الخاص يقضي على العام كيف يقول في العلل إن ما يكون أعم فهو مرجح على ما يكون أخص ثم معنى العموم والخصوص يبتنى على الصيغة وذلك إنما يكون في النصوص فأما العلل فالمعتبر فيها التأثير أو الإحالة على حسب ما اختلفا فيه ولا مدخل للعموم والخصوص في ذلك والنوع الرابع الترجيح بقلة الأوصاف وذلك نحو ما يقوله الخصم في أن ما جعلته علة في باب الربا وصف واحد وهو الطعم فأما الجنسية عندي شرط وأنتم تجعلون علة الربا ذات وصفين فتترجح علتي باعتبار قلة الأوصاف وهذا فاسد عندنا لما بينا أن ثبوت الحكم بالعلة فرع لثبوته بالنص والنص الذي فيه بعض الإيجاز والاختصار لا يترجح على ما فيه بعض الإشباع في البيان فكذلك العلة بل أولى لأن ثبوت الحكم هناك بصيغة النص الذي يتحقق فيه الاختصار والإشباع وهنا باعتبار المعنى المؤثر ولا يتحقق فيه الإيجاز والإشباع & باب وجوه الاعتراض على العلل الطردية التي يجوز الاحتجاج بها & هذه الوجوه أربعة القول بموجب العلة ثم الممانعة ثم بيان فساد الوضع ثم النقض فنقدم بيان القول بموجب العلة لأن المصير إلى المنازعة عند تعذر إمكان الموافقة وأما مع إمكان الموافقة وتحصيل المقصود به فلا معنى للمصير إلى المنازعة ثم تفسير القول بموجب العلة هو التزام ما رام المعلل التزامه بتعليله وبيان ذلك فيما علل به الشافعي رحمه الله في تكرار المسح بالرأس أنه ركن في الوضوء فيسن تثليثه كالغسل في المغسول لأنا نقول بموجب هذا فنقول يسن تثليثه وتربيعه أيضا لأن المفروض هو المسح بربع الرأس عندنا وعنده أدنى ما يتناوله الاسم ثم استيعاب جميع الرأس بالمسح سنة وبالاستيعاب يحصل التثليث والتربيع ولكن في محل غير المحل الذي قام فيه الفرض لأنه لا فرق بين أن يكون تثليث الفعل في محل أو محال فإن من دخل ثلاث أدور يقول دخلت ثلاث دخلات كما أن من دخل دارا واحدة ثلاث مرات يقول دخلت ثلاث دخلات فإن غير الحكم فقال وجب أن يسن تكراره قلنا الآن هذا في الأصل ممنوع فإن المسنون في الغسل ليس هو التكرار مقصودا عندنا بل الإكمال وذلك بالزيادة على الفريضة إلا أن هناك الاستيعاب فرض فالزيادة بعد ذلك الإكمال لا يكون إلا بالتكرار فكان وقوع التكرار فيه اتفاقا لا أن يكون مقصودا وهنا الاستيعاب ليس بفرض فيحصل الإكمال فيه بالاستيعاب لوجود الزيادة على القدر المفروض والإكمال يحصل به في الأركان نحو القراءة في الصلاة فالإكمال يكون فيه بالإطالة لا بالتكرار وكذلك الإكمال في الركوع والسجود ولأن الإكمال فيما يعقل فيه المعنى وهو التطهير بتسييل الماء على العضو إنما يكون بالتكرار كما في غسل النجاسة العينية عن البدن أو الثوب يكون الإكمال فيه بالتكرار إلى طمأنينة القلب فأما في المسح الذي لا يعقل فيه معنى التطهير لا يكون للتكرار فيه تأثير في الإكمال بل الإكمال فيه يكون بالاستيعاب الذي فيه زيادة على القدر المفروض وعند ذلك يضطر المعلل إلى الرجوع إلى طلب التأثير بوصف الركنية ووصف المسح الذي تدور عليه المسألة ثم يظهر تأثير المسح في التخفيف وتحقيق معنى الإكمال فيه بالاستيعاب كما في المسح بالخف ويتبين أنه لا أثر للركنية في اشتراط التكرار فإن التكرار مسنون في المضمضة والاستنشاق مع انعدام الركنية ويتبين أن ما يكون ركنا وما يكون سنة وما يكون أصلا وما يكون رخصة في معنى الإكمال بالزيادة على القدر المفروض سواء ثم في المسح الذي هو رخصة لما لم يكن الاستيعاب ركنا كالمسح بالخف كان الإكمال فيه بالاستيعاب لا بالتكرار وكذلك في المسح الذي هو أصل وفيما يكون مسنونا لما كان إقامة أصل السنة فيه بالاستيعاب كان الإكمال فيه بالتكرار كالمضمضة وكذلك فيما هو ركن إذا كان إقامة الفرض لا تحصل إلا بالاستيعاب كان الإكمال فيه بالتكرار فيظهر فقه المسألة من هذا الوجه

Section V02/P266–V02/P268

ومن ذلك ما علل به الشافعي في صوم التطوع إنه باشر فعل قربة لا يمضي في فاسدها فلا يلزمه القضاء بالإفساد لأنا نقول بموجب هذه العلة فإن عندنا القضاء لا يجب بالإفساد وإنما يجب بما وجب به الأداء وهو الشروع فإن غير العبارة وقال وجب أن لا يلزم بالشروع كالوضوء قلنا الشروع في العبادة باعتبار كونها مما لا يمضي في فاسدها لا يكون ملزما عندنا بل باعتبار كونها مما تلتزم بالنذر وعدم اللزوم باعتبار الوصف الذي قاله لا يمنع اللزوم باعتبار الوصف الذي قلنا ولا بد من إضافة الحكم إلى الوصف الذي هو ركن تعليله فإن لم يجب باعتبار وصف لا يدل على أنه لا يجب باعتبار وصف آخر وعند ذلك يضطر إلى إقامة الدليل على أن الشروع غير ملزم وأنه ليس نظير النذر في كونه ملزما فتبين فقه المسألة ومن ذلك قولهم إسلام المروي في المروي جائز لأنه أسلم مذروعا في مذروع فيجوز كإسلام الهروي بالمروي لأنا نقول بموجبه فإن كونه مذروعا في مذروع لا يفسد العقد عندنا ولكن هذا الوصف لا يمنع فساد العقد باعتبار معنى آخر هو مفسد ألا ترى أنه يفسد بذكر شرط فاسد فيه وبترك قبض رأس المال في المجلس مع أنه أسلم مذروعا في مذروع فإذا جاز أن يفسد هذا العقد مع وجود هذا الوصف باعتبار معنى آخر بالاتفاق فلماذا لا يجوز أن يفسد باعتبار الجنسية فيضطر عند ذلك إلى الشروع في فقه المسألة والاشتغال بأن الجنسية لا تصلح علة لفساد هذا العقد بها إن أمكنه ذلك ومن ذلك تعليلهم في الطلاق الرجعي إنها مطلقة فتكون محرمة الوطء كالمبانة لأنا نقول بموجبه فإنا لا نجعلها محللة الوطء لكونها مطلقة بل لكونها منكوحة وبالاتفاق مع كونها مطلقة إذا كانت منكوحة تكون محللة الوطء كما بعد المراجعة فإن الطلاق الواقع بالرجعة لا يرتفع ولا تخرج من أن تكون مطلقة فيضطر حينئذ إلى الرجوع إلى فقه المسألة وهو أن وقوع الطلاق هل يمكن خللا في النكاح أو هل يكون محرما للوطء مع قيام ملك النكاح وعلى هذا يدور فقه المسألة ومن ذلك ما قالوا في المختلعة لا يلحقها الطلاق لأنها ليست بمنكوحة فإن عندنا باعتبار هذا الوصف لا يكون محلا لوقوع الطلاق عليها عند الإيقاع ولكن هذا لا يبقى وصفا آخر فيها يكون به محلا لوقوع الطلاق عليها وهو ملك اليد الباقي له عليها ببقاء العدة فيضطر بهذا إلى الرجوع إلى فقه المسألة ومن ذلك تعليلهم في إعتاق الرقبة الكافرة عن كفارة الظهار فإنه تحرير في تكفير فلا يتأدى بالرقبة الكافرة كما في كفارة القتل لأنا نقول بموجب هذا فإن عندنا لا يتأدى الواجب من الكفارة بهذا الوصف الذي قال بل بوجود الامتثال منه للأمر كما يتأدى بصوم شهرين متتابعين وبإطعام ستين مسكينا عند العجز عن الصوم فيضطر عند ذلك إلى الرجوع إلى فقه المسألة وهو أن الامتثال لا يحصل هنا بتحرير الرقبة الكافرة كما لا يحصل في كفارة القتل لأن المطلق محمول على المقيد ومن ذلك قولهم في الأخ إنه لا يعتق على أخيه إذا ملكه لأنه ليس بينهما جزئية فإنا نقول بموجبه فباعتبار انعدام الجزئية بينهما لا يثبت العتق عندنا ولكن انعدام الجزئية لا ينفي وجود وصف آخر به تتم علة العتق وهو القرابة المحرمة للنكاح فيضطر عند ذلك إلى الشروع في فقه المسألة وهو أن القرابة المحرمة للنكاح هل تصلح متممة لعلة العتق مع الملك بدون الولاد أم لا وأكثر ما يذكر من العلل الطردية يأتي عليها هذا النوع من الاعتراض وهو طريق حسن لإلجاء أصحاب الطرد إلى الشروع في فقه المسألة فصل في الممانعة قال رضي الله عنه الممانعة على هذا الطريق على أربعة أوجه إحداها في الوصف والثانية في صلاحية الوصف للحكم والثالثة في الحكم والرابعة في إضافة الحكم إلى الوصف وهذا لأن شرط صحة العلة عند أصحاب الطرد كون الوصف صالحا للحكم ظاهرا وتعليق الحكم به وجودا وعدما

Section V02/P268–V02/P270

أما بيان النوع الأول فيما علل به الشافعي في الكفارة على من أفطر بالأكل والشرب قال هذه عقوبة تتعلق بالجماع فلا تتعلق بغير الجماع كالرجم لأنا لا نسلم أن الكفارة تتعلق بالجماع وإنما تتعلق بالإفطار على وجه يكون جناية متكاملة وعند هذا المنع يضطر إلى بيان حرف المسألة وهو أن السبب الموجب للكفارة الفطر على وجه تتكامل به الجناية أو الجماع المعدم للصوم وإذا ثبت أن السبب هو الفطر بهذه الصفة ظهر تقرر السبب عند الأكل والشرب وعند الجماع بصفة واحدة وبيان النوع الثاني في تكرار المسح بالرأس فإن الخصم إذا علل فقال هذه طهارة مسح فيسن فيها التثليث كالاستنجاء بالأحجار قلنا لا نسلم هذا الوصف في الأصل فإن الاستنجاء إزالة النجاسة العينية فأما أن يكون طهارة بالمسح فلا ولهذا لو لم يتلوث شيء من ظاهر بدنه لا يكون عليه الاستنجاء ولهذا كان الغسل بالماء أفضل ثم المسح الذي يدل على التخفيف لا يكون صالحا لتعليق حكم التثليث به وبدون الصلاحية لا يصلح التعليل فيضطر عند هذا المنع إلى الرجوع إلى حرف المسألة وهو إثبات التسوية بين الممسوح والمغسول بوصف صالح لتعلق حكم التكرار به أو التفرقة بينهما بوصف المسح والغسل فإن أحدهما يدل على الاستيعاب والآخر يدل على التخفيف بعين المسح وكذلك تعليلهم في بيع تفاحة بتفاحتين إنه باع مطعوما بمطعوم من جنسه مجازفة فلا يجوز كبيع صبرة بصبرة من حنطة لأنا نقول يعني بهذا المجازفة ذاتا أم قدرا فلا يجد بدا من أن يقول ذاتا فنقول حينئذ يعني المجازفة في الذات صورة أم عيارا فلا يجد بدا من أن يقول عيارا لأن المجازفة من حيث الصورة في الذات لا تمنع جواز البيع بالاتفاق فإن بيع قفيز حنطة بقفيز حنطة جائز مع وجود المجازفة في الذات صورة فربما يكون أحدهما أكثر في عدد الحبات من الآخر وإذا ادعى المجازفة عيارا قلنا هذا الوصف إنما يستقيم فيما يكون داخلا تحت المعيار والتفاح وما أشبهه لا يدخل تحت المعيار فلا يكون هذا الوصف صالحا لهذا الحكم ولأن المساواة كيلا شرط جواز العقد في الأموال الربوية بالإجماع ومن ضرورته أن يكون ضده وهو الفضل في المعيار مفسدا للعقد والفضل في المعيار لا يتحقق فيما لا يدخل تحت المعيار كما أن المساواة في المعيار الذي هو شرط الجواز عنده لا يتحقق فيما لا يدخل تحت المعيار فيضطر عند هذا إلى بيان الحرف الذي تدور عليه المسألة وهو أن حرمة العقد في هذه الأموال عند المقابلة بجنسها أصل والجواز يتعلق بشرطين المساواة في المعيار واليد باليد وعندنا جواز العقد فيها أصل كما في سائر الأموال والفساد باعتبار فضل هو حرام وهو الفضل في المعيار وذلك لا يتحقق إلا فيما تتحقق فيه المساواة في المعيار إذ الفضل يكون بعد تلك المساواة ولا تتحقق هذه المساواة فيما لا يدخل تحت المعيار أصلا ومن ذلك تعليلهم في الثيب الصغيرة لا يزوجها أبوها لأنها ثيب يرجى مشورتها فلا ينفذ العقد عليها بدون رأيها كالنائمة والمغمى عليها

Section V02/P270–V02/P272

لأنا نقول ما تعنون بقولكم بدون رأيها رأي قائم في الحال أم رأي سيحدث أم أيهما كان فإن قالوا أيهما كان فهو باطل من الكلام لأن الثيب المجنونة تزوج في الحال ورأيها غير مأنوس عنها لتوهم الإفاقة فلا نجد بدا من أن نقول المراد رأي قائم لها وهذا ممنوع في الفرع فإنه ليس لها رأي قائم في الحال في المنع ولا في الإطلاق فإن من لم يجوز تزويجها لم يفصل في ذلك بين أن يكون العقد برأيها ( وبدون رأيها ) ومن جوز العقد فكذلك لم يفصل فعرفنا أنه ليس لها رأي قائم وما سيحدث من علة أو مانع لا يجوز أن يكون مؤثرا في الحكم قبل حدوثه ومن جوز حدوثه في المنع لا في الإثبات إذ الحكم لا يسبق علته فيضطر عند بيان المنع بهذه الصفة إلى الرجوع إلى حرف المسألة وهو أن رأي الولي هل يقوم مقام رأيها لانعدام اعتبار رأيها في الحال شرعا فيما يرجع إلى النظر لها كما في المال والبكر والغلام أم لا يقوم رأيه مقام رأيها لما في ذلك من تفويت الرأي عليها إذا صارت من أهل الرأي بالبلوغ وبمثل هذا الحد يتبين عوار من شرع في الكلام بناء على حسن الظن قبل أن يتميز له الصواب من الخطأ بطريق الفقه وبيان الممانعة في الحكم كثيرة منها تعليلهم في تكرار المسح بأنه ركن في الوضوء فيسن تثليثه كغسل الوجه لأنا لا نسلم هذا الحكم في الأصل فالمسنون هناك عندنا ليس التكرار بل الإكمال بالزيادة على قدر المفروض في محله من جنسه كما في أركان الصلاة فإن إكمال ركن القراءة بالزيادة على القدر المفروض في محله من جنسه وهو تلاوة القرآن وكذلك الركوع والسجود إلا أن في الغسل لما كان الاستيعاب فرضا لا يتحقق فيه الإكمال بهذه الصفة إلا بالتكرار فكان التكرار مسنونا لغيره وهو تحصيل صفة الإكمال به لا لعينه وفي الممسوح الاستيعاب ليس بركن فيقع الاستغناء عن التكرار في إقامة سنة الكمال بل بالزيادة على القدر المفروض باستيعاب جميع الرأس بالمسح مرة واحدة يحصل الإكمال وما كان مشروعا لغيره فإنما يشرع باعتباره في موضع تتحقق الحاجة إليه فأما إذا كان ما شرع لأجله يحصل بدونه لا يفيد اعتباره ألا ترى أنه لو كرر المسح في ربع الرأس أو أدنى ما يتناوله الاسم لا يحصل به كمال السنة ما لم يستوعب جميع الرأس بالمسح فبهذا يتبين أن الإكمال هنا بالاستيعاب وأنه هو الأصل فيجب المصير إليه إلا في موضع يتحقق العجز عنه بأن يكون الاستيعاب ركنا كما في المغسولات فحينئذ يصار إلى الإكمال بالتكرار ولا يلزمنا المسح بالأذنين فإنه مسنون لإكمال المسح بالرأس وإن لم يكن في محل المفروض حتى لا يتأدى مسح الرأس بمسح الأذنين بحال لأن ذلك المسح لإكمال السنة في المسح بالرأس ولهذا لا يأخذ لأذنيه ماء جديدا عندنا ولكن يمسح مقدمهما ومؤخرهما مع الرأس والمسح فيهما أفضل من الغسل إلا أن كون الأذنين من الرأس لما كان ثابتا بالسنة دون نص الكتاب يثبت اتحاد المحل فيما يرجع إلى إكمال السنة به ولا تثبت المحلية فيما يتأدى به الفرض الثابت بالنص فقلنا لا ينوب مسح الأذنين عن المسح بالرأس لهذا ومن ذلك تعليلهم في صوم رمضان بمطلق النية أنه صوم فرض فلا يتأدى بدون التعيين بالنية كصوم القضاء فإنا نقول ما تعنون لهذا الحكم ألتعين بالنية بعد التعين أو قبل التعين أم في الوجهين جميعا فلا يجدون بدا من أن يقولوا قبل التعين لأن بعد التعين التعيين غير معتبر وهو ليس بشرط في تأدي صوم القضاء وإذا قالوا قبل التعين قلنا هذا ممنوع في الفرع فإن التعين حاصل هنا بأصل الشرع إذ المشروع في هذا الزمان صوم الفرض خاصة فغيره ليس بمشروع فلا نجد بدا حينئذ من الرجوع إلى حرف المسألة وهو أن نية التعيين هل يسقط اشتراطه بكون المشروع متعينا في ذلك الزمان أم لا يسقط اعتباره

Section V02/P272–V02/P273

ومن ذلك تعليلهم في بيع المطعوم الذي لا يدخل تحت المعيار بجنسه أنه باع مطعوما بمطعوم من جنسه لا تعرف المساواة بينهما في المعيار فيكون حراما كبيع صبرة حنطة بصبرة حنطة فإنا نقول إيش تعنون بهذا الحكم أهو حرمة مطلقة أم حرمة إلى غاية التساوي فإن قالوا بنا غنية عن بيان هذا قلنا لا كذلك فالحرمة الثابتة إلى غاية غير الحرمة المطلقة والحكم الذي يقع التعليل له لا بد أن يكون معلوما فإن قال أعني الحرمة المطلقة منعنا هذا الحكم في الأصل لأن الحرمة هناك ثابتة إلى غاية وهي المساواة في القدر وإن عنى الحرمة إلى غاية فقد تعذر إثبات هذه الحرمة بالتعليل في الفرع لأن إثبات الحرمة إلى غاية إنما يتحقق في مال تتصور فيه تلك الغاية وما لا يدخل تحت المعيار لا يتصور فيه الغاية وهي المساواة في المعيار فكيف يتحقق إثبات الحرمة فيه إلى غاية وعند هذا المنع يضطر إلى الرجوع إلى حرف المسألة كما أشرنا إليه ومن ذلك تعليلهم في السلم في الحيوان أنه مال يثبت دينا في الذمة مهرا فيثبت دينا في الذمة سلما كالثياب فإنا نقول ما معنى قولكم يثبت دينا في الذمة أتريدون به معلوم الوصف أم معلوم المالية والقيمة فإن قال أعني معلوم الوصف منعنا ذلك في الأصل وهو المهر فقد قامت الدلالة لنا على أنه لا يشترط فيما يثبت في الذمة مهرا أن يكون معلوم الوصف فإن قال نعني معلوم المالية والقيمة منعنا ذلك في الفرع فإن الحيوان بعد ذكر الأوصاف يتفاوت في المالية تفاوتا فاحشا وإن قالوا لا حاجة بنا إلى هذا التعيين قلنا لا كذلك فاعتبار أحد الدينين بالآخر لا يصح ما لم يثبت أنهما نظيران ولا طريق لثبوت ذلك إلا الإيجاد في الطريق الذي يثبت به كل واحد من الدينين في الذمة وعند ذلك يضطر إلى الرجوع إلى حرف المسألة وهو أن إعلام المسلم فيه على وجه لا يبقى فيه تفاوت فاحش فيما هو المقصود وهو المالية على وجه يلتحق بذوات الأمثال في صفة المالية هل يكون شرطا لجواز عقد السلم أم لا ومن ذلك تعليلهم في اشتراط التقابض في المجلس في بيع الطعام بالطعام أن العقد جمع بدلين يجري فيهما ربا الفضل فيشترط التقابض كالأثمان فإنا نقول إيش المراد بقولكم فيشترط فيهما تقابض أهو التقابض لإزالة صفة الدينية أو لإثبات زيادة معنى الصيانة وأحدهما يخالف الآخر فلا بد من بيان هذا فإن قالوا لمعنى الصيانة منعنا هذا الحكم في الأثمان فاشتراط التقابض هناك عندنا لإزالة صفة الدينية فإن النقود لا تتعين في العقود ما لم تقبض والدين بالدين حرام شرعا وإن قالوا لإزالة صفة الدينية لا يتمكنون من إثبات هذا الحكم في الفرع فالطعام يتعين في العقد بالتعيين من غير قبض فلا يجدون بدا من الرجوع إلى حرف المسألة وهو بيان أن اشتراط القبض في الصرف ليس لإزالة صفة الدينية بل للصيانة عن معنى الربا بمنزلة المساواة في القدر ومن ذلك قولهم في من اشترى أباه ناويا عن كفارة يمينه إنه عتق الأب فلا تتأدى به الكفارة كما لو ورثه لأنا نقول إن عنيتم أنه لا تتأدى الكفارة بالعتق فنحن نقول في الفرع لا تتأدى الكفارة بالعتق بل الكفارة تتأدى بفعل منسوب إلى المكفر والعتق وصف في المحل ثابت شرعا وإن عنيتم الإعتاق فهذا غير موجود في الأصل لأنه لا صنع للوارث في الإرث حتى يصير به معتقا وعند هذا لا بد من الرجوع إلى حرف المسألة وهو أن شراء القريب هل هو إعتاق بطريق أنه متمم علة العتق أم ليس بإعتاق وإنما يحصل العتق به حكما للملك ومن ذلك قولهم في أن الكفارة لا تتأدى بطعام الإباحة إنه نوع تكفير يتأدى بالتمليك ( فلا يتأدى بدون التمليك ) كالكسوة لأنا نقول لا تتأدى بدون التمليك مع امتثال الأمر ( أم بدون امتثال الأمر

Section V02/P273–V02/P275

فإن قال بي غنية عن بيان هذا قلنا لا كذلك لأن التكفير مأمور به شرعا فلا يتأدى المأمور به إلا بما فيه امتثال الأمر فإن قال مع امتثال الأمر منعنا هذا الحكم في الأصل وهو إعارة الثوب من المسكين وإن قال بدون امتثال الأمر ) قلنا هذا مسلم ولكنا نمنع انعدام امتثال الأمر في الفرع والمأمور به هو الإطعام وحقيقته التمكين من الطعام فيضطر إلى الرجوع إلى حرف المسألة وهو أن حقيقة معنى الإطعام أهو التمكين بالتغدية والتعشية أم التمليك ومنه قولهم في القطع والضمان إنهما يجتمعان لأنه أخذ مال الغير بغير إذن مالكه فيكون موجبا للضمان كالأخذ غصبا فإنا نقول ما معنى هذا الحكم أهو أن يكون موجبا للضمان مع وجود ما ينافيه أم عند عدم ما ينافيه فإن قال مع وجود ما ينافيه منعنا ذلك في الأصل فإن غصب الباغي مال العادل لا يكون موجبا للضمان وإن كان آخذا بغير حق وبغير إذن المالك وإن قال عند عدم ما ينافيه قلنا بموجبه ولكن لا نسلم انعدام ما ينافي الضمان هنا فإن قطع اليد بسبب السرقة مناف للضمان عندنا أو مسقط له كالإبراء فلا يجد بدا من الرجوع إلى حرف المسألة وهو أن استيفاء القطع هل يكون منافيا للضمان أم لا وأما بيان إضافة الحكم إلى الوصف فهو على ما ذكرنا في القول بموجب العلة فإن إضافة الحكم إلى العلل الطردية ليس بدليل موجب إضافة الحكم إلى ذلك الوصف بل لكونه موجودا عند وجوده ومعدوما عند عدمه وقد بينا أن العدم لا يصلح لإضافة الحكم إليه وكذلك كل تعليل يكون بنفي وصف أو حكم فإنا نمنع صلاحية ذلك الوصف لإضافة الحكم إليه نحو تعليلهم في الأخ أنه لا يعتق على أخيه إذا ملكه لأنه ليس بينهما بعضية كابن العم فإنا نمنع في ابن العم أن يكون انتفاء العتق عند دخوله في ملكه لهذا الوصف إذ العدم لا يجوز أن يكون موجبا شيئا وكذلك قولهم في النكاح إنه لا يثبت بشهادة الرجال والنساء لأنه ليس بمال كالحدود فإنا نمنع إضافة هذا الحكم في الحدود إلى هذا الوصف لأنه كون الحد ليس بمال لا يصلح علة لامتناع ثبوته بشهادة النساء مع الرجال وتعليلهم في الإحصار بالمرض أنه لا يفارقه ما حل به بالإحلال كالذي ضل الطريق الممانعة في الأصل على هذا الوجه وتعليلهم في المبتوتة أنها لا تستوجب النفقة ولا يلحقها الطلاق لأنها ليست بمنكوحة كالمطلقة قبل الدخول فإنا نمنع إضافة هذا الحكم في الأصل إلى هذا الوصف إذ العدم لا يصلح أن يكون موجبا شيئا وعلى هذا فخرج ما شئت من المسائل فصل في بيان فساد الوضع قال رضي الله عنه اعلم بأن فساد الوضع في العلل بمنزلة فساد الأداء في الشهادة وأنه مقدم على النقض لأن الاطراد إنما يطلب بعد صحة العلة كما أن الشاهد إنما يشتغل بتعديله بعد صحة أداء الشهادة منه فأما مع فساد في الأداء لا يصار إلى التعليل لكونه غير مفيد ثم تأثير فساد الوضع أكثر من تأثير النقض لأن بعد ظهور فساد الوضع لا وجه سوى الانتقال إلى علة أخرى فأما النقض فهو جحد مجلس يمكن الاحتراز عنه في مجلس آخر وبيانه فيما قال الشافعي في إسلام أحد الزوجين إن الحادث بينهما اختلاف الدين فالفرقة به لا تتوقف على قضاء القاضي كالفرقة بردة أحد الزوجين لأنا نقول هذا الاختلاف إنما حصل بإسلام من أسلم منهما فأما باعتبار بقاء من بقي على الكفر الحال حال الموافقة فقد كان بينهما الموافقة وهذا على دينه فعرفنا أن الاختلاف الحادث بإسلام المسلم منهما هو سبب لعصمة الملك وزيادة معنى الصيانة فيه فالتعليل به لاستحقاق الفرقة يكون فاسدا وضعا في الفرع وإن كان صحيحا في الأصل من حيث إن الاختلاف هناك حادث بالردة وهي سبب لزوال الملك والعصمة

Section V02/P275–V02/P278

وكذلك قولهم في المسح بالرأس إنه ركن في الطهارة فيسن تثليثه كغسل الوجه فاسد وضعا لأنه يرد المسح المبني على التخفيف إلى الغسل المبني على المبالغة ليثبت في المسح زيادة غلظ فوق ما في الغسل فإن في الغسل الإكمال بالتثليث في محل الفرض خاصة وبهذا التعليل يجعل التثليث في الممسوح مشروعا للإكمال في موضع الفرض وغير موضع الفرض فإن الفرض يتأدى بالربع وهو يجعل التثليث مسنونا بالاستيعاب ومن ذلك قولهم في الضرورة إذا حج بنية النفل يقع عن الفرض لأن فرض هذه العبادة يتأدى بمطلق النية فيتأدى بنية النفل أيضا كالزكاة فإن التصدق بالنصاب على الفقير بمطلق النية لما كان يتأدى به الزكاة فنية النفل كان كذلك ولكنا نقول هذا فاسد وضعا لأنه بهذا الطريق يرد المفسر إلى المجمل ويحمل المقيد على المطلق وإنما المجمل يرد إلى المفسر ليصير به معلوم المراد والمطلق يحمل على المقيد عنده في حادثتين أو في حكمين وعندنا في حادثة واحدة في حكم واحد حتى رددنا مطلق القراءة في صوم ثلاثة أيام في اليمين إلى المقيد بالتتابع في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه وأحد لا يقول المقيد يحمل على المطلق وهو نظير مطلق النقد ينصرف إلى نقد البلد المعروف لدلالة العرف فأما المقيد بنقد آخر فإنه لا يحمل على المطلق لينصرف إلى نقد البلد ومن ذلك قولهم في علة الربا إن صفة الطعم معنى يتعلق به البقاء يعنون أن بقاء النفس يكون بالطعم فيكون ذلك علة موجبة لزيادة شرطين في العقد على المطعوم عند مقابلة الجنسية ونحن نقول هذا فاسد وضعا لأن البيع في الأصل ما شرع إلا للحاجة ولهذا اختص بالمال الذي بذله لحوائج الناس وصفة الطعم تكون عبارة عن أعظم أسباب الحاجة إلى ذلك المال لأن ما يتعلق به البقاء يحتاج إليه كل واحد وذلك إنما يصلح علة لصحة العقد وتوسعة الأمر فيه لا للحرمة لأن تأثير الحاجة في الإباحة بمنزلة إباحة الميتة عند الضرورة ولهذا حل لكل واحد من الغانمين تناول مقدار الحاجة من الطعام والعلف الذي يكون في الغنيمة في دار الحرب قبل القسمة بخلاف سائر الأموال فكانت العلة فاسدة وضعا مع أنه لا تأثير لها في إثبات المماثلة بين العوضين الذي هو شرط جواز العقد بالنص ومن ذلك قولهم في طول الحرة إن الحر لا يجوز له أن يرق ماءه مع غنيته عنه كما لو كان تحته حرة فإن تأثير الحرية في أصل الشرع في استحقاق زيادة النعمة والكرامة وفي إثبات صفة الكمال في الملك ولهذا حل للحر أربع نسوة بالنكاح ولم يحل للعبد إلا اثنتان فالتعليل لإثبات الحجر عن العقد بصفة الحرية فيما لا يثبت الحجر عنه بسبب الرق يكون فاسدا في الوضع مخالفا لأصول الشرع ومن ذلك قولهم فيمن جن في وقت صلاة كامل أو في يوم واحد في الصوم إنه لا يلزمه القضاء لأن الخطاب عنه ساقط أصلا ووجوب القضاء يبتنى على وجوب الأداء بمنزلة ما لو جن أكثر من يوم وليلة في الصلاة أو استوعب الجنون الشهر كله في الصوم ونحن نقول هذا فاسد وضعا لأن الحادث بالجنون عجز عن فهم الخطاب والائتمار بالأمر ولا أثر للجنون في إخراجه من أن يكون أهلا للعبادة لأن ذلك يبتنى على كونه أهلا لثوابها والأهلية لثواب العبادة بكونه مؤمنا والجنون لا يبطل إيمانه ولهذا يرث المجنون قريبه المسلم ولا يفرق بين المجنونة وزوجها المسلم والدليل عليه أنه لا يبطل إحرامه بسبب الجنون فدل أنه لا يبطل به إيمانه فكذلك لا يبطل صومه حتى لو جن بعد الشروع في الصوم بقي صائما ولا وجه لإنكار هذا فإن بعد صحة الشروع في الصوم لا يشترط قيام الأهلية للبقاء فيها سوى الكف عن اقتضاء الشهوات والجنون لا ينفي تحقق هذا الفعل وإذا بقي صائما حتى تأدى منه عرفنا أنه تأدى فرضا كما شرع فيه ولا يتحقق ذلك إلا مع تقرر سبب الوجوب في حقه

Section V02/P278–V02/P279

والدليل عليه بقاء حجة الإسلام فرضا له بعد الجنون وبقاء ما أدى من الصلاة في حالة الإفاقة فرضا في حقه فبهذا التحقيق يتبين أن سبب الوجوب متحقق مع الجنون والخطاب بالأداء ساقط عنه لعجزه عن فهم الخطاب وذلك لا ينفي صحة الأداء فرضا بمنزلة من لم يبلغه الخطاب فإنه تتأدى منه العبادة بصفة الفرضية كمن أسلم في دار الحرب ولم تبلغه فرضية الخطاب لا يكون مخاطبا بها ومع ذلك إذا أداها كانت فرضا له وكذلك النائم والمغمى عليه فإن الخطاب بالأداء ساقط عنهما قبل الانتباه والإفاقة ثم كان السبب متقررا في حقهما فكان التعليل بسقوط فعل الأداء عنه لعجزه عن فهم الخطاب على نفي سبب الوجوب في حقه أصلا فيكون فاسدا وضعا مخالفا للنص والإجماع ولأن الخطاب بالأداء يشترط لثبوت التمكن من الائتمار وذلك لا يكون بدون العقل والتمييز فسقوطه لانعدام شرطه لا يجوز أن يكون دليلا على نفي تقرر السبب وثبوت الوجوب الذي هو حكم السبب على وجه لا صنع للعبد فيه بل هو أمر شرعي يختص بمحل صالح له وهو الذمة فإذا ثبت تقرر السبب ثبت صحة الأداء ووجوب القضاء عند عدم الأداء بشرط أن لا يلحقه الحرج في القضاء فإن الحرج عذر مسقط بالنص قال تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج وقال تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها فعند تطاول الجنون حقيقة أو حكما بتكرار الفوائت من الصلوات وباستيعاب الجنون الشهر كله أسقطنا القضاء لدفع الحرج وهو عذر مسقط ومعنى الحرج فيه أنه تتضاعف عليه العبادة المشروعة في وقتها ولا يشتبه معنى الحرج في الأداء عند تضاعف الواجب ولهذا أسقطنا بعذر الحيض قضاء الصلوات لأنها تبتلى بالحيض في كل شهر عادة والصلاة يلزمها في اليوم والليلة خمس مرات فلو أوجبنا القضاء تضاعف الواجب في زمان الطهر ولا يسقط بالحيض قضاء الصوم لأن فرضية الصوم في السنة في شهر واحد وأكثر الحيض في ذلك الشهر عشرة فإيجاب قضاء عشرة أيام في أحد عشر شهرا لا يكون فيه كثير حرج ولا يؤدي إلى تضاعف الواجب في وقته وكذلك إذا لزمها صوم شهرين في كفارة القتل فأفطرت بعذر الحيض لم يلزمها الاستقبال بخلاف ما إذا لزمها صوم عشرة أيام متتابعة بالنذر فأفطرت بعذر الحيض في خلالها يلزمها الاستقبال لأنها قلما تجد شهرين خاليين عن الحيض عادة ففي التحرز عن الفطر بعذر الحيض في شهرين معنى الحرج ولا يتحقق ذلك في عشرة أيام ولهذا أسقطنا قضاء العبادات عن الصبي بعد البلوغ لأن الصبي لا يكون إلا متطاولا عادة فيتحقق معنى الحرج في إيجاب القضاء ولم يسقط القضاء عن النائم لأنه لا يكون متطاولا عادة فلا يلحقه الحرج في إيجاب القضاء بعد الانتباه وألحقنا الإغماء بالجنون في حكم الصلاة لأن ذلك يوجد عادة في مقدار ما يتكرر به الفائت من الصلاة وألحقناه بالنوم في حكم الصوم لأنه لا يتطاول عادة بقدر ما يثبت به حكم تطاول الجنون في حكم الصوم وهو أن يستوعب الشهر كله

Section V02/P279–V02/P281

ومن ذلك قولهم في النقود إنها تتعين في عقود المعاوضات لأنها تتعين في التبرعات كالهبة والصدقة فتتعين في المعاوضات بمنزلة الحنطة وسائر السلع لأنا نقول هذا التعليل فاسد وضعا فإن التبرعات مشروعة في الأصل للإيثار بالعين لا لإيجاب شيء منها في الذمة والمعاوضات لإيجاب البدل بها في الذمة ابتداء ألا ترى أن البيع في العرف الظاهر إنما يكون بثمن يجب في الذمة ابتداء والنكاح يكون بصداق يجب في الذمة ابتداء فكان اعتبار ما هو مشروع للإلزام في الذمة ابتداء إنما هو مشروع لنقل الملك واليد في العين من شخص إلى شخص في حكم التعيين فاسدا وضعا ألا ترى أن البيع لما كان لنقل الملك واليد في عين المعقود عليه لم يجز أن يكون موجبا المبيع في الذمة ابتداء لا رخصة بسبب الحاجة إليه في السلم وذلك حكم ثابت بخلاف القياس ففيما يكون البيع موجبا له في الذمة ابتداء وهو الثمن لا يجوز أن يجعل موجبه نقل الملك واليد فيه من شخص إلى شخص بالتعيين وقد عرفنا أنه لا يستحق النقد بالعقد الذي هو معاوضة إلا ثمنا ومع التعيين لا يمكن إثبات موجبه فظهر أن هذا التعيين لم يصادف محله وأنه بمنزلة هبة المال دينا في ذمته من إنسان فإنه لا يكون صحيحا لأن موجب الهبة نقل الملك واليد في العين فلا يجوز أن يجعل موجبه الإيجاب في الذمة ابتداء بالشك وما كان تعيين النقد في عقد المعاوضة إلا نظير الإيجاب في الذمة ابتداء بعقد الهبة فكما أن ذلك ينافي صحة العقد لأن موجبه نقل الملك في العين واليد فبدون موجبه لا يكون صحيحا فهنا لو تعين بطل العقد لأنه ينعدم ما هو موجب هذا العقد في الثمن وهو الالزام في الذمة ابتداء وفي الحنطة كذلك فإنه متى كان ثمنا كان واجبا في الذمة ابتداء فأما بعد التعيين يصير مبيعا فيكون موجب العقد فيه تحويل ملك العين واليد من شخص إلى شخص والسلع لا تكون إلا مبيعة ولهذا لا يجوز ترك التعيين فيها في غير موضع الرخصة وهو السلم الذي هو ثابت بخلاف القياس لأنه لو صح ذلك كان ثابتا بالعقد في الذمة ابتداء وهو خلاف موجب العقد فيها ومن ذلك قولهم في المشتري إذا أفلس في الثمن قبل النقد إنه يثبت للبائع حق نقض البيع واسترداد سلعته لأن الثمن أحد العوضين في البيع فالعجز عن تسليمه بحكم العقد يثبت للمتملك حق فسخ العقد دفعا للضرر عن نفسه كالعوض الآخر وهو المبيع إذا كان عينا فعجز البائع عن تسليمه بالإباق أو كان دينا كالسلم فعجز البائع عن تسليمه بانقطاعه عن أيدي الناس لأنا نقول هذا التعليل فاسد وضعا فإن موجب البيع في المبيع استحقاق ملك العين واليد ولهذا لا نجوز بيع العين قبل وجود الملك واليد للبائع في المبيع لأنه لا يتحقق منه اكتساب سبب استحقاق ذلك لغيره إذا لم يكن مستحقا له وكذلك في المبيع الدين يشترط قدرته على التسليم باكتسابه حكما بكونه موجودا في العالم وباشتراط الأجل الذي هو مؤثر في قدرته على التسليم باكتسابه في المدة أو إدراك غلاته فإنه موجب بالعقد في الثمن التزامه في الذمة ابتداء والشرط فيه ذمة صالحة للالتزام فيها ولهذا لا يشترط قيام ملك المشتري في الثمن وقدرته على تسليمه عند العقد حقيقة وحكما فتبين بهذا أن بسبب العجز عن تسليم المعقود عليه يتمكن خلل فيما هو موجب العقد فيه ( وهو ) مستحق به وبسبب العجز عن تسليم الثمن لا يتمكن الخلل فيما هو موجب العقد فيه وهو التزام ( الثمن ) في الذمة وأي فساد أبين من فساد قول من يقول إذا ثبت حق الفسخ عند تمكن الخلل في موجب العقد ينبغي أن يثبت حق الفسخ بدون تمكن الخلل في موجب العقد والدليل على ما قلنا جواز إسقاط حق قبض الثمن بالإبراء أصلا وعدم جواز ذلك في المبيع المعين قبل القبض حتى إنه إذا وهبه من البائع وقبله كان فسخا للبيع بينهما

Section V02/P281–V02/P283

ولا يدخل على ما ذكرنا الكتابة فإن عجز المكاتب عن أداء بدل الكتابة بعد محل الأجل تمكن المولى من الفسخ والبدل هناك معقود به يثبت في الذمة ابتداء ولا يتمكن الخلل فيما هو موجب العقد فيه بسبب العجز عن تسليمه لأن موجب العقد لزوم بدل الكتابة على أن يصير ملكا للمولى بعد حل الأجل بالأداء فإن المولى لا يستوجب على عبده دينا ولهذا لا تجب الزكاة في بدل الكتابة ولا تصح الكفالة به فعرفنا أن الملك هناك لا يسبق الأداء فإذا عجز عن الأداء فقد تمكن الخلل في الملك الذي هو موجب العقد فيه فأما هنا موجب العقد ملك الثمن دينا في الذمة ابتداء وذلك قد تم بنفس العقد وبسبب الإفلاس لا يتمكن الخلل فيما هو موجب العقد ولهذا لو مات مفلسا لا يتمكن البائع من فسخ العقد أيضا وإن لم تبق صلاحية المحل وهو الذمة بعد موته مفلسا لأن بنفس العقد قد تم موجب العقد فيه فما كان فواته بعد ذلك إلا بمنزلة هلاك المبيع بعد القبض وذلك لا يوجب انفساخ العقد ولا يثبت للمشتري به حق الفسخ فهذا مثله وهذه المسائل فقههم فيها بطريق إحالة العلة أظهر وأنور للقلوب وقد بينا فساد الوضع في عللهم فيها ليتبين لك أن أكثر ما يعللون به في المسائل بهذا الطريق فاسد إذا تأملت فيه وأن أعدل الطرق في تصحيح العلة ما كان عليه السلف من اعتبار التأثير فصل المناقضة قد بينا تفسير النقض وحده فيما مضى وهذا الفصل لبيان الدفع بالمناقضة يلجىء أصحاب الطرد إلى الاحتجاج بالتأثير وبيانه فيما علل به الشافعي رحمه الله في اشتراط النية في الوضوء أن التيمم والوضوء طهارتان كيف يفترقان لأن عند إطلاق إنكار التفرقة بينهما ينتقض بكل وجه يفترقان فيه من اشتراط أصل الفعل في التيمم دون الوضوء ومن اشتراط الأعضاء الأربعة في الوضوء دون التيمم ومن صفة كل واحد منهما وغير ذلك مما يفترقان فيه فإن قال عنيت إثبات التسوية بينهما في اشتراط النية خاصة بهذا الوصف قلنا هو باطل بغسل النجاسة عن الثوب أو البدن فإنه طهارة ثم لا يشترط فيه النية فيضطر عند ذلك إلى الرجوع إلى التأثير وهو أن كل واحد منهما طهارة حكمية غير معقولة المعنى بل ثابتة شرعا بطريق التعبد إذ ليس على الأعضاء شيء يزول بهذه الطهارة والعبادة لا تتأدى بدون النية بخلاف غسل النجاسة فإنه معقول بما فيه من إزالة عين النجاسة عن الثوب أو البدن ونحن نقول الماء بطبعه مطهر كما أنه بطبعه مزيل فإنه خلق لذلك قال الله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا والطهور الطاهر بنفسه المطهر لغيره يعمل في التطهير من غير النية كالنار لما كانت محرقة بطبعها تعمل في الإحراق بغير النية ثم الحدث لا يختص بالأعضاء بل يثبت حكمه في جميع البدن كالجنابة والحيض والنفاس لأنه لو اختص بموضع كان أولى المواضع به مخرج الحدث ولا يثبت لزوم التطهير في ذلك الموضع فعرفنا أنه ثابت في جميع البدن إلا أن الشرع أقام غسل الأعضاء التي هي ظاهرة وهي بمنزلة الأمهات في تطهيرها بالماء مقام جميع البدن تيسيرا على العباد لأن إقامة الغسل فيها تيسير على وجه لا يتيسر في سائر أجزاء البدن وسبب الحدث تعم به البلوى ويعتاد تكراره في كل وقت وبقي حكم تطهير جميع البدن بالغسل في الجنابة والحيض والنفاس على أصل القياس فظهر أن ما لا يعقل فيه المعنى بل هو ثابت شرعا إقامة المحال المخصوصة مقام جميع البدن لا فعل هو استعمال الماء في حصول الطهارة به وكلامنا في اشتراط النية في الفعل الذي يحصل به الطهارة دون المحل وفي هذه الطهارة من الحدث والجنابة بمنزلة غسل النجاسة

Section V02/P283–V02/P285

وكذلك المسح بالرأس فإنه قائم مقام فعل الغسل الذي هو تطهير في ذلك العضو بمعنى التيسير بخلاف التيمم فإنه في الأصل تلويث وتغبير وهو ضد التطهير ولهذا لا يرتفع به الحدث فعرفنا أنه جعل طهارة لضرورة الحاجة إلى أداء الصلاة فإنما يكون طهارة بشرط إرادة الصلاة وهذا الشرط لا يتحقق إلا بالنية وما يقول إن في الوضوء والاغتسال معنى العبادة فشرط العبادة النية فهو مسلم عندنا ومتى لم توجد النية لا يكون وضوءه عبادة ولكن الطهارة التي هي شرط صحة أداء الصلاة ما يكون مزيلا للحدث لا ما يكون عبادة واستعمال الماء في محل الطهارة بدون النية مزيل للحدث فبهذا التقرير تبين أن الوضوء نوعان نوع هو عبادة وهو لا يحصل بدون النية ونوع هو مزيل للحدث وهو حاصل بغير النية بمنزلة الغسل الذي هو مزيل للنجاسة وهو مثبت شرط جواز الصلاة ومن ذلك قولهم الطلاق ليس بمال فلا يثبت بشهادة النساء مع الرجال كالحدود فإن مطلق هذه العبارة تنتقض بالبكارة والرضاع فلا بد من الرجوع إلى التأثير وهو أن شهادة النساء مع الرجال ليس بحجة أصلية ولكنها حجة ضرورة يجوز العمل بها شرعا فيما تكثر به البلوى والمعاملة فيه بين الناس في كل وقت وذلك الأموال وما يتبع الأموال ففيما لا يكثر فيه البلوى لا تجعل فيه شهادة النساء حجة والنكاح والطلاق والوكالة وما أشبه ذلك لا يوجد فيها من عموم البلوى مثل ما يكون في الأموال ونحن نقول إنها حجة أصلية بمنزلة شهادة الرجال ولكن فيها ضرب شبهة باعتبار نقصان عقل النساء لتوهم الضلال والنسيان لكثرة غفلتهن ولهذا ضمت إحدى المرأتين إلى الأخرى ليكونا كرجل واحد في الشهادة فإنما لا يثبت بهذه الشهادة ما يندرىء بالشبهات كالحدود فأما النكاح يثبت مع الشبهات ألا ترى أنه أسرع ثبوتا من المال حتى يصح من الهازل والمكره والمخطىء عندنا وكذلك الطلاق والوكالة فإنها تثبت مع الجهالة فتحتمل التعليق بالشرط فكانت أقرب إلى الثبوت مع الشبهة من الأموال بخلاف الحدود ومن ذلك قولهم الغصب عدوان محض فلا يكون سببا للملك في العين كالقتل لأن هذا ينتقض باستيلاد الأب جارية ابنه واستيلاد أحد الشريكين الجارية المشتركة فإنه عدوان من حيث إنه حرام ثم كان سببا للملك فيضطر المعلل عند إيراد هذا النقض إلى الرجوع إلى التأثير وهو أن الفعل إنما يتمخض عدوانا إذا خلا عن نوع شبهة واستيلاد أحد الشريكين لم يخل عن ذلك فإنه باعتبار جانب ملكه يتمكن شبهة في هذا الفعل وكذلك ما للأب من الحق في مال ولده يمكن شبهة فنقول عند ذلك الغصب الذي هو عدوان محض لا يكون سببا لملك العين عندنا ولكن ثبوت الملك في بدل العين وهو حكم مشروع غير موصوف بأنه عدوان هو الذي ثبت به الملك في العين شرطا له على ما قررنا ومن ذلك قوله في المنافع إن المتلف مال فيكون مضمونا على المتلف ضمانا يستوفى كالعين لأن ظاهر هذا ينتقض بما إذا كان المتلف معسرا لا يجد شيئا فإن قال هناك الضمان واجب عندي ولكن يتأخر الاستيفاء لعجز من عليه عن المثل الذي يؤدي به الضمان قلنا هكذا نقول في الفرع فإن عندنا يتأخر استيفاء الضمان إلى الآخرة للعجز عن المثل الذي يوفي به هذا الضمان فإن ضمان العدوان يتقدر بالمثل بالنص وليس للمنفعة مثل في صفة المالية يمكن استيفاؤها في الدنيا وعند ذلك يتبين فقه المسألة أن المانع من إلزام الضمان عندنا انعدام المماثلة لظهور التفاوت بين المنافع والأعيان في صفة المالية وقد تقدم بيان ذلك فيقرر بما ذكرنا أن الاعتماد على الاطراد من غير طلب التأثير ضعيف في باب الاحتجاج وأنه بمنزلة الاحتجاج بلا دليل على ما أوضحنا فيه السبيل فصل في بيان الانتقال قال رضي الله عنه الانتقال على أربعة أوجه انتقال من علة إلى علة أخرى لإثبات الأولى بها وانتقال من حكم إلى حكم لإثباته بالعلة الأولى وانتقال من حكم إلى حكم ( آخر ) لإثباته بعلة أخرى

Section V02/P285–V02/P287

وهذه الأوجه الثلاثة مستقيمة على طريق النظر لا تعد من الانقطاع أما الأول فلأن المعلل إنما التزم إثبات الحكم بما ذكره من العلة ويمكنه من ذلك بإثبات العلة فما دام سعيه فيما يرجع إلى إثبات تلك العلة يكون ذلك وفاء منه بما التزم لا أن يكون إعراضا عن ذلك واشتغالا بشيء آخر وبيان هذا فيما إذا عللنا في نفي الضمان عن الصبي المستهلك للوديعة بأنه استهلاك عن تسليط صحيح ثم نشتغل بإثبات هذه العلة فإنه يكون هذا انتقالا من علة إلى أخرى لإثبات العلة الأولى بها ولا يشك أحد في أن ذلك مستقيم على طريق النظر وعلى هذا إذا اشتغل بإثبات الأصل الذي يتفرع منه موضع الخلاف حتى يرتفع الخلاف بإثبات الأصل فإن ذلك حسن صحيح نحو ما إذا وقع الاختلاف في الجهر بالتسمية فإذا قال المعلل هذا يبتنى على أصل وهو أن التسمية ليست بآية من الفاتحة ثم يشتغل بإثبات ذلك الأصل حتى يثبت الفرع بثبوت الأصل يكون مستقيما وكذلك إذا علل بقياس فقال خصمه القياس عندي ليس بحجة فاشتغل بإثبات كونه حجة بقول صحابي فيقول خصمه قول الواحد من الصحابة عندي ليس بحجة فاشتغل بإثبات كونه حجة بخبر الواحد فيقول خصمه خبر الواحد عندي ليس بحجة فيحتج بكتاب على أن خبر الواحد حجة فإنه يكون طريقا مستقيما ويكون هذا كله سعيا في إثبات ما رام إثباته في الابتداء وأما الثاني فلأن الانتقال من حكم إلى حكم إنما يكون عند موافقة الخصم في الحكم الأول وما كان مقصود المعلل إلا طلب الموافقة في ذلك الحكم فإذا وافقه خصمه فيه فقد تم مقصوده ثم الانتقال بعده إلى حكم آخر ليثبته بالعلة الأولى يدل على قوة تلك العلة في إجرائها في المعلولات وعلى حذاقة المعلل في إثبات الحكم بالعلة وذلك نحو ما إذا عللنا في تحرير المكاتب عن كفارة اليمين لأن الكتابة عقد معاوضة يحتمل الفسخ فلا تخرج الرقبة من أن تكون محلا للصرف إلى الكفارة كالبيع فإذا قال الخصم عندي عقد الكتابة لا يخرج الرقبة من الصلاحية لذلك ولكن نقصان الرق هو الذي يخرج الرقبة من ذلك فنقول بهذه العلة يجب أن لا يتمكن نقصان في الرق لأن ما يمكن نقصانا في الرق لا يكون فيه احتمال الفسخ فهذا إثبات الحكم الثاني بالعلة الأولى أيضا وهو نهاية في الحذاقة وكذلك إن تعذر إثبات الحكم الثاني بالعلة الأولى فأراد إثباته بالعلة بعلة أخرى لأنه ما ضمن بتعليله إثبات جميع الأحكام بالعلة الأولى وإنما ضمن إثبات الحكم الذي زعم أن خصمه ينازعه فيه فإذا أظهر الخصم الموافقة فيه واحتاج إلى إثبات حكم آخر يكون له أن يثبت ذلك بعلة أخرى ولا يكون هذا انقطاعا منه فأما الوجه الرابع وهو الانتقال من علة إلى علة أخرى لإثبات الحكم الأول فمن أهل النظر من صحح ذلك أيضا ولم يجعله انقطاعا استدلالا بقصة الخليل عليه السلام حين حاج اللعين بقوله تعالى ربي الذي يحيي ويميت فلما قال اللعين أنا أحيي وأميت حاجه بقوله تعالى فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب وكان ذلك ( منه ) انتقالا من حجة إلى حجة لإثبات شيء واحد وقد ذكر الله تعالى ذلك عنه على وجه المدح له به فعرفنا أنه مستقيم وكذلك المدعي إذا أقام شاهدين فعورض بجرح فيهما كان له أن يقيم شاهدين آخرين لإثبات حقه والمذهب الصحيح عند عامة الفقهاء أن هذا النوع من الانقطاع لأنه رام إثبات الحكم بالعلة الأولى فانتقاله عنها إلى علة أخرى قبل أن يثبت الحكم بالعلة الأولى لا يكون إلا لعجز عن إثباته بالعلة الأولى وهذا انقطاع على ما نبينه في فصله ثم مجالس النظر للإبانة فلو جوزنا الانتقال فيها من علة إلى علة أدى ذلك إلى أن يتطاول المجلس ولا يحصل ما هو المقصود وهو الإبانة وكان هذا نظير نقض يتوجه على العلة فإنه لا يشتغل بالاحتراز عنه ولكن إذا تعذر دفعه بما ذكره المعلل في الابتداء يظهر به انقطاعه في ذلك المجلس فهذا مثله

Section V02/P287–V02/P289

فأما قصة الخليل عليه الصلاة والسلام فهو ما انتقل قبل ظهور الحجة الأولى له ولكن الأولى كانت حجة ظاهرة لم يطعن خصمه فيها إنما ادعى دعوى مبتدأة بقوله أنا أحيي وأميت وكل ما صنعه معلوم الفساد عند المتأملين إلا أنه كان في القوم من يتبع الظاهر ولا يتأمل في حقيقة المعنى فخاف الخليل عليه الصلاة والسلام الاشتباه على أمثالهم فضم إلى الحجة الأولى حجة ظاهرة لا يكاد يقع فيها الاشتباه فبهت الذي كفر وهذا مستحسن في طريق النظر لا يشك فيه فإن المعلل إذا أثبت علته يقول والذي يوضح ما ذكرت فيأتي بكلام آخر هو أوضح من الأول في إثبات ما رام إثباته وهذا لأن حجج الشرع أنوار فضم حجة إلى حجة كضم سراج إلى سراج وذلك لا يكون دليلا على ضعف أحدهما أو بطلان أثره فكذلك ضم حجة إلى حجة وإنما جعلنا هذا انقطاعا في موضع يكون الانتقال للعجز عن إثبات الحكم بالعلة الأولى ثم كل هذه التصرفات للمجيب لا للسائل فإن المجيب بان والسائل هادم مانع والحاجة إلى هذه الانتقالات للباني المثبت لا للمانع الدافع على ما أخبر الله به عن اللعين عند إظهار الخليل صلى الله عليه وسلم حجته بقوله فبهت الذي كفر فصل بيان الانقطاع ووجوه الانقطاع أربعة أحدها وهو أظهرها السكوت والثاني جحد ما يعلم ضرورة بطريق المشاهدة لأن سعي المعلل ليجعل الغائب كالشاهد والعلم بالمشاهدات يثبت ضرورة فإذا اشتغل الخصم بجحد مثله علم أنه ما حمله على ذلك إلا عجزه عن دفع علة المعلل فكان انقطاعا والثالث المنع بعد التسليم فإنه يعلم أنه لا شيء يحمله على المنع بعد التسليم إلا عجزه عن الدفع لما استدل به خصمه ولا يقال يحتمل أن يكون تسليمه عن سهو أو غفلة لأن عند ذلك يبين وجه الدفع بطريق التسليم ثم يبنى عليه استدراك ما سها فيه فأما أن يرجع عن التسليم إلى المنع من غير بيان الدفع بطريق التسليم فذلك لا يكون إلا للعجز والرابع عجز المعلل عن تصحيح العلة التي قصد إثبات الحكم بها حتى انتقل منها إلى علة أخرى لإثبات الحكم فإن ذلك انقطاع لأن حكم الانقطاع مقتضب من لفظه وهو قصور المرء عن بلوغ مغزاه وعجزه عن إظهار مراده ومبتغاه وهذا العجز نظير العجز ابتداء عن إقامة الحجة على الحكم الذي ادعاه والله أعلم & باب أقسام الأحكام وأسبابها وعللها وشروطها وعلاماتها & اعلم أن جملة ما ثبت بالحجج الشرعية الموجبة للعلم بما تقدم ذكرها قسمان الأحكام المشروعة وما يتعلق بها المشروعات فنبدأ ببيان قسم الأحكام فنقول هذه الأحكام أربعة حقوق الله خالصا وحقوق العباد خالصا أيضا وما يشتمل على الحقين وحق الله فيه أغلب وما يشتمل عليهما وحق العباد فيه أغلب فأما حقوق الله خالصة فهي أنواع ثمانية عبادات محضة وعقوبات محضة وعقوبة قاصرة ودائرة بين العبادة والعقوبة وعبادة فيها معنى المئونة ومئونة فيها معنى العبادة ومئونة فيها معنى العقوبة وما يكون قائما بنفسه وهي على ثلاثة أوجه ما يكون منه أصلا وما يكون زائدا على الأصل وما يكون ملحقا به فأما العبادات المحضة فرأسها الإيمان بالله تعالى والأصل فيه التصديق بالقلب فإنه لا يسقط بعذر ما من إكراه أو غيره وتبديله بغيره يوجب الكفر على كل حال والإقرار باللسان ركن فيه مع التصديق بالقلب في أحكام الدنيا والآخرة جميعا وقد يصير الإقرار أصلا في أحكام الدنيا بمنزلة التصديق حتى إذا أكره على الإسلام فأسلم باللسان فهو مسلم في أحكام الدنيا لوجود ركن الإقرار وقيام السيف على رأسه دليل على أنه غير مصدق بالقلب ولهذا لا يحكم بالردة إذا أكره المرء عليها لأن التكلم باللسان هناك دليل محض على ما في الضمير من غير أن يجعل أصلا بنفسه والإقرار باللسان وإن كان دليلا على التصديق فعند الإكراه يجعل أصلا بنفسه يثبت به الإيمان في أحكام الدنيا بمنزلة التصديق ويستوي إن أكره الحربي على ذلك أو الذمي عندنا لهذا المعنى

Section V02/P289–V02/P291

وعند الشافعي متى كان الإكراه بحق بأن كان المكره حربيا لا أمان له كذلك الجواب ومتى كان بغير حق بأن أكره الذمي عليه فإنه لا يصير مسلما به ثم الصلاة بعد الإيمان من أقوى الأركان فإنها عماد الدين ما خلت عنها شريعة المرسلين وهي تشمل الخدمة بظاهر البدن وباطنه ولكنها صارت قربة بواسطة البيت الذي عظمه الله وأمرنا بتعظيمه لإضافته إلى نفسه فقال أن طهرا بيتي للطائفين الآية حتى لا تتأدى هذه القربة إلا باستقبال القبلة في حالة الإمكان وفي ذلك من معنى التعظيم ما أشار الله تعالى إليه في قوله فأينما تولوا فثم وجه الله ليعلم به أن المطلوب وجه الله ووجه الله لا جهة له فجعل الشرع استقبال جهة الكعبة قائما مقام ما هو المطلوب لأداء هذه القربة وأصل الإيمان فيه تقرب إلى الله تعالى بلا واسطة وفي الصلاة تقرب بواسطة البيت فكانت من شرائع الإيمان لا من نفس الإيمان ثم الزكاة التي تؤدي بأحد نوعي النعمة وهو المال فالنعم الدنيوية نعمتان نعمة البدن ونعمة المال والعبادات مشروعة لإظهار شكر النعمة بها في الدنيا ونيل الثواب في الآخرة فكما أن شكر نعمة البدن بعبادة تؤدي بجميع البدن وهي الصلاة فشكر نعمة المال بعبادة مؤداة بجنس تلك النعمة وإنما صار الأداء قربة بواسطة المصروف إليه وهو المحتاج على معنى أن المؤدي يجعل ذلك المال خالصا لله تعالى في ضمن صرفه إلى المحتاج ليكون كفاية له من الله تعالى لهذا كان دون الصلاة بدرجة فإنها قربة بواسطة البيت الذي ليس من أهل الاستحقاق بذاته وهذا قربة بواسطة الفقير الذي هو من أهل أن يكون مستحقا بنفسه لحاجته ثم الصوم الذي هو من جنس المشروع شكرا لنعمة البدن ولكنه دون الصلاة من حيث إنه لا يشتمل على أعمال متفرقة على أعضاء البدن بل يتأدى بركن واحد وهو الكف عن اقتضاء الشهوتين شهوة البطن وشهوة الفرج فإنما صارت قربة بواسطة النفس المحتاجة إلى نيل اللذات والشهوات فهي أمارة بالسوء كما وصفها الله تعالى به ففي قهرها بالكف عن اقتضاء شهواتها لابتغاء مرضاة الله تعالى معنى القربة وبالتأمل في هذه الوسيلة يتبين أنه دون ما سبق ثم الحج الذي هو زيارة البيت المعظم وعبادة بطريق الهجرة يشتمل على أركان تختص بأوقات وأمكنة وفيها معنى القربة باعتبار معنى التعظيم لتلك الأوقات والأمكنة فأما العمرة فإنها سنة قوية باعتبار أن أركانها من جنس أركان الحج وما بينا من الوسيلة لا يوجب عددا من القربة ولهذا لا تتكرر فرضية الحج في العمر فعرفنا أن العمرة زيارة وهي سنة قوية فعلها رسول الله عليه السلام وأمر بها والجهاد قربة باعتبار إعلاء كلمة الله وإعزاز الدين ولما فيه من توهين المشركين ودفع شرهم عن المسلمين ولهذا سماه رسول الله عليه السلام سنام الدين وكان أصله فرضا لأن إعزاز الدين فرض ولكنه فرض كفاية لأن المقصود وهو كسر شوكة المشركين ودفع شرهم وفتنتهم يحصل ببعض المسلمين فإذا قام به البعض سقط عن الباقين والاعتكاف قربة زائدة لما فيها من تعظيم المكان المعظم بالمقام فيه وهو المسجد ولما في شرطها من منع النفس عن اقتضاء الشهوات يعني الصوم والمقصود بها تكثير الصلاة إما حقيقة أو حكما بانتظار الصلاة في مكانها على صفة الاستعداد لها بالطهارة وأما صدقة الفطر فهي عبادة فيها معنى المئونة ولهذا لا تتأدى بدون نية العبادة بحال ولا تجب إلا على المالك لما يؤدي به حقيقة بمنزلة الزكاة ولكن لا يشترط لوجوبها صفة كمال الملك والولاية حتى تجب على الصبي في ماله بخلاف الزكاة وتجب على الغير بسبب الغير فعرفنا أن فيها معنى المئونة كالنفقة وأما العشر فهو مئونة فيه معنى العبادة

Section V02/P291–V02/P293

والخراج مئونة فيه معنى العقوبة من حيث إن وجوب كل واحد منهما باعتبار حفظ الأراضي وإنزالها إلا أن في الخراج معنى الذل على ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى آلة الزراعة في دار قوم فقال ما دخل هذا في دار قوم إلا ذلوا وكأن ذلك لما في الاشتغال بالزراعة من الإعراض عن الجهاد وإنما يلتزم الخراج من يشتغل بعمل الزراعة ولهذا لا يبتدأ المسلم بالخراج في أرضه ويبقى عليه الخراج بعد إسلامه لأنه يتردد بين المئونة والعقوبة فلا يمكن إيجابه على المسلم ابتداء لمعنى المئونة لمعارضة معنى العقوبة إياه ولا يمكن إسقاطه بعد الوجوب إذا أسلم باعتبار معنى العقوبة لمعارضة معنى المئونة إياه وأما العشر ففيه معنى العبادة على معنى أنه مصروف إلى الفقير كالزكاة وقد بينا أن بواسطة هذا المصروف يثبت فيه معنى القربة وإن كان وجوبه باعتبار مئونة الأرض ولهذا يجب في الأراضي النامية من غير اشتراط المالك لها نحو الأراضي الموقوفة وأرض المكاتب ولهذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه إذا تحولت الأرض العشرية إلى ملك الذمي تصير خراجية لأن فيها معنى العبادة والكافر ليس من أهل العبادة أصلا وكل واحد منهما واجب بطريق المئونة فعند تعذر أحدهما يتعين الآخر والخراج يبقى وظيفة الأرض بعد انتقال الملك فيها إلى المسلم لأن المسلم من أهل أن توجب عليه المئونة التي فيها معنى العقوبة فإنه بعد الإسلام أهل لإلزام العقوبة عند تقرر سببها منه والكافر ليس بأهل العبادة أصلا فالأهلية للعبادة تبتنى على الأهلية لثوابها وقال أبو يوسف رحمه الله يتضاعف العشر على الكافر اعتبارا بالصدقات المضاعفة في حق بني تغلب وأبى هذا أبو حنيفة رحمه الله لأن التضعيف حكم ثابت بخلاف القياس بإجماع الصحابة في قوم بأعيانهم وغيرهم من الكفار ليسوا بمنزلتهم فأولئك لا تؤخذ منهم الجزية وغيرهم من الكفار تؤخذ منهم الجزية و محمد رحمه الله يقول تبقى عشرية كما كانت لأن البقاء باعتبار معنى المئونة كالخراج في حق المسلم ثم عنه روايتان في مصرف هذا العشر في إحداهما يصرف إلى المقاتلة كالخراج لاعتبار معنى المئونة الخالصة ( وفي الأخرى تكون مصروفة إلى الفقراء والمساكين لأنها لما بقيت باعتبار معنى المئونة تبقى ) على ما كانت مصروفة إلى من كانت مصروفة إليه قبل هذا كالخراج في حق المسلم وأما الحق القائم بنفسه فنحو خمس الغنائم والمعادن والركاز فإنه لا يكون واجبا ابتداء على أحد ولكن باعتبار الأصل الغنيمة كلها لله تعالى كما قال تعالى قل الأنفال لله وهذا لأنها أصيبت لإعلاء كلمة الله تعالى إلا أن الله تعالى جعل أربعة أخماسها للغانمين على سبيل المنة عليهم فبقي الخمس له كما كان في الأصل مصروفا إلى من أمر بالصرف إليه وكذلك خمس المعادن فإن الموجود ما كان لأحد فيه حق فجعل الشرع أربعة أخماسه للواجد وبقي الخمس لله مصروفا إلى من أمر بالصرف إليه ولهذا جاز وضع خمس الغنيمة فيمن هو من جملة الغانمين عند حاجتهم وفي آبائهم وأولادهم وجاز وضع خمس المعدن في الواجد عند الحاجة فعرفنا أنه ليس بواجب عليه بل هو حق الله تعالى قائم كما كان ولهذا جاز صرفه إلى بني هاشم لأن باعتبار هذا المعنى لا يتمكن فيه معنى الأوساخ بخلاف الصدقات وأمر الله بصرف البعض منه إلى ذوي القربى وكان ذلك عندنا باعتبار النصرة المخصوصة التي تحققت منهم بالانضمام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال ما هجره الناس ودخول الشعب معه لمؤانسته والقيام بنصرته فإن ذلك كان فعلا من جنس القربة فيجوز أن يتعلق به استحقاق ما هو صلة ومنة من الله تعالى كاستحقاق أربعة الأخماس فأما القرابة خلقة لا تستحق بذاتها مال الله تعالى ثم صيانة قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استحقاق عوض مالي بمقابلتها أولى من إثبات الاستحقاق بسبب القرابة ولا يجوز جعل القرابة قرينة للنصرة أو النصرة قرينة للقرابة لما بينا أن الترجيح إنما يكون بما لا يصلح علة بانفرادها للاستحقاق دون ما يصلح لذلك