Qur'an&Sunnah

Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)

Section V02/P293–V02/P295

وعلى هذا الأصل استحقاق المصاب من الغنيمة وتمامه يكون بالإحراز بالدار بعد الأخذ والمسائل على هذا الأصل يكثر تعدادها إذا تأملت وذلك معلوم فيما أملينا من فروع الفقه فأما العقوبات المحضة فهي الحدود التي شرعت زواجر عن ارتكاب أسبابها المحصورة حقا لله تعالى خالصا نحو حد الزنا والسرقة وشرب الخمر أما العقوبة القاصرة فنحو حرمان الميراث بسبب مباشرة القتل المحظور فإنها عقوبة ولكنها قاصرة حتى تثبت في حق الخاطىء والنائم إذا انقلب على مورثه ولا تثبت في حق الصبي والمجنون عندنا أصلا لأنها عقوبة والأهلية للعقوبة لا تسبق الخطاب بخلاف الخاطىء إذا كان بالغا عاقلا فالبالغ العاقل مخاطب ولكنه بسبب الخطأ يعذر مع نوع تقصير منه في التحرز والصبي لا يوصف بالتقصير الكامل والناقص فلا يثبت في حقه ما يكون عقوبة قاصرة كانت أو كاملة ولهذا لا تثبت في حق القائد والسائق والشاهد إذا رجع عن شهادته وحافر البئر وواضع الحجر لأنه جزاء على مباشرة القتل المحظور والموجود من هؤلاء تسبب لا مباشرة وعند الشافعي هذا ضمان يتعلق بهذا الفعل بمنزلة الدية فيثبت في حق المسبب والمباشر جميعا وفي حق الصبي والبالغ وهذا غلط بين لأن الضمان ما يجب جبرانا لحق المتلف عليه ويسقط باعتبار رضاه أو عفو من يقوم مقامه وحرمان الميراث ليس من ذلك في شيء فأما الدائر بين العبادة والعقوبة كالكفارات لأنها ما وجبت إلا جزاء على أسباب توجد من العباد فسميت كفارة باعتبار أنها ستارة للذنب فمن هذا الوجه عقوبة فإن العقوبة هي التي تجب جزاء على ارتكاب المحظور الذي يستحق المأثم به وهي عبادة من حيث إنها تجب بطريق الفتوى ويؤمر من عليه بالأداء بنفسه من غير أن تقام عليه كرها والشرع ما فوض إقامة شيء من العقوبات إلى المرء على نفسه وتتأدى بما هو محض العبادة فعرفنا أنها دائرة بين العبادة والعقوبة وأن سببها دائر بين الحظر والإباحة كاليمين المعقودة على أمر في المستقبل والقتل بصفة الخطأ ولهذا لم نجعل الغموس والعمد المحض سببا لوجوب الكفارة وعند الشافعي رحمه الله هذه الكفارات وجوبها بطريق الضمان وقد بينا أن هذا غلط ووجوب الضمان في الأصل بطريق الجبران وذلك لا يتحقق فيما يخلص لله تعالى لأن الله تعالى يتعالى عن أن يلحقه خسران حتى تتحقق الحاجة إلى الجبران وكان معنى العبادة في هذه الكفارات مرجحا على معنى العقوبة كما أشرنا إليه وتكفير الإثم به باعتبار أنه طاعة وحسن في نفسه قال تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات ولهذا أوجبنا الكفارة على المخطىء والمكره والبار في اليمين والحنث جميعا بأن حلف لا يكلم هذا الكافر فيسلم ثم يكلمه ولهذا لم نوجب شيئا من هذه الكفارات على الكافر فأما كفارة الفطر في رمضان فمعنى العقوبة فيها مرجح على معنى العبادة حتى إن وجوبها يستدعي جناية متكاملة عرفنا ذلك بخبر الأعرابي حيث قال هلكت وأهلكت

Section V02/P295–V02/P297

وقال عليه السلام من أفطر في رمضان متعمدا فعليه ما على المظاهر فاتفق العلماء على أنه يسقط بعذر الخطأ والاشتباه فلما ظهر رجحان معنى العقوبة فيها من هذا الوجه جعلنا وجوبها بطريق العقوبة فقلنا إنها تندرىء بالشبهات حتى لا تجب على من أفطر بعد ما أبصر هلال رمضان وحده للشبهة الثابتة بظاهر قوله عليه السلام صومكم يوم تصومون أو بصورة قضاء القاضي يكون ( اليوم ) من شعبان ولم يوجب على المفطر في يوم إذا اعترض مرض أو حيض في ذلك اليوم لتمكن الشبهة ولم يوجب على من أفطر وهو مسافر وإن كان الأداء مستحقا عليه في ذلك الوقت بعينه بكونه مقيما في أول النهار ولم يوجب على من نوى قبل انتصاف النهار ثم أفطر للشبهة الثابتة بظاهر قوله عليه السلام لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل وقلنا بالتداخل في الكفارات والاكتفاء بكفارة واحدة إذا أفطر في أيام من رمضان لأن التداخل من باب الإسقاط بطريق الشبهة وأثبتنا معنى العبادة في الاستيفاء لأنها سميت كفارة فإنه يجوز أن يكون الوجوب بطريق العقوبة والاستيفاء بطريق الطهرة كالحدود بعد التوبة ولا يجوز أن يكون الوجوب بطريق العبادة والاستيفاء بطريق العقوبة بحال وما يجتمع فيه الحقان وحق الله فيه أغلب فنحو حد القذف عندنا فأما حد قطاع الطريق فهو خالص لله تعالى بمنزلة العقوبات المحضة ولهذا لا نوجب على المستأمن إذا ارتكب سيئة في دارنا بمنزلة حد الزنا والسرقة بخلاف حد القذف وأما ما يجتمع فيه الحقان وحق العباد أغلب فنحو القصاص فإن فيها حق الله تعالى ولهذا يسقط بالشبهات وهي جزاء الفعل في الأصل وأجزية الأفعال تجب لحق الله تعالى ولكن لما كان وجوبها بطريق المماثلة عرفنا أن معنى حق العبد راجح فيها وأن وجوبها للجيران بحسب الإمكان كما وقعت الإشارة إليه في قوله تعالى ولكم في القصاص حياة ولهذا جرى فيه الإرث والعفو والاعتياض بطريق الصلح بالمال كما في حقوق العباد وأما ما يكون محض حق العباد فهو أكثر من أن يحصى نحو ضمان الدية وبدل المتلف والمغصوب وما أشبه ذلك وهذه الحقوق كلها تشتمل على أصل وخلف فالأصل فيما ثبت به الإيمان التصديق والإقرار ثم قد يكون الإقرار مستندا في حق المكره على أنه قائم مقام التصديق ثم التصديق والإقرار من الأبوين يثبت الإيمان في حق الولد الصغير على أنه خلف عن التصديق والإقرار في حقه ثم تبعية الدار في حق الذي سبى صغيرا وأخرج إلى دار الإسلام وحده حلف عن تبعية الأبوين في ثبوت حكم الإيمان له ثم تبعية السابي إذا قسم أو بيع من مسلم في دار الحرب خلف عن تبعية الدار في ثبوت حكم الإيمان له حتى إذا مات يصلى عليه وكذلك في شرائط الصلاة فإن من شرائطها الطهارة والأصل فيه الوضوء أو الاغتسال ثم التيمم يكون خلفا عن الأصل في حصول الطهارة التي هي شرط الصلاة به كما قال تعالى ولكن يريد ليطهركم وهو خلف مطلق في قول علمائنا رحمهم الله وعند الشافعي رحمه الله هو خلف ضروري ولهذا لم يعتبر التيمم قبل دخول الوقت في حق أداء الفريضة ولم يجوز أداء الفريضتين بتيمم واحد لأنه خلف ضروري فيشترط فيه تحقق الضرورة بالحاجة إلى إسقاط الفرض عن ذمته وباعتبار كل فريضة تتجدد ضرورة أخرى ولم يجوز التيمم للمريض الذي لا يخاف الهلاك على نفسه لأن تحقق الضرورة عند خوف الهلاك على نفسه وجوز التحري في إناءين أحدهما طاهر والآخر نجس لأن الضرورة لا تتحقق مع وجود الماء الطاهر عنده ومع رجاء الوصول إليه بالتحري فلا تكون فرضية التيمم وشرط طلب الماء لأن الضرورة قبل الطلب لا تتحقق وعندنا هو بدل مطلق في حال العجز عن الأصل فثبت الحكم به على الوجه الذي يثبت بالأصل ما بقي عجزه ثم على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمة الله عليهما التراب خلف عن الماء وعند محمد رحمه الله التيمم خلف عن الوضوء

Section V02/P297–V02/P298

وتظهر المسألة في المتيمم عند محمد لا يؤم المتوضئين لأن التيمم خلف فكان المتيمم صاحب الخلف وليس لصاحب الأصل القوي أن يبني صلاته على صلاة صاحب الخلف كما لا يبني المصلي بركوع وسجود صلاته على صلاة المومي وعندهما التراب كان خلفا عن الماء في حصول الطهارة به ثم بعد حصول الطهارة كان شرط الصلاة موجودا في حق كل واحد منهما بكماله بمنزلة الماسح يؤم الغاسلين لهذا المعنى وقد يكون التيمم خلفا ضرورة في حال وجود الماء وهو أن يخاف فوات صلاة الجنازة أن لو اشتغل بالوضوء أو يخاف فوات صلاة العيد أن لو اشتغل بالوضوء ثم الخلافة هنا عند محمد بين التيمم والوضوء بطريق الضرورة حتى لو صلى عليها بالتيمم ثم جيء بجنازة أخرى يلزمه تيمم آخر وإن لم يجد بين الجنازتين من الوقت ما يمكنه أن يتوضأ فيه وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله التراب خلف عن الماء فيجوز له أن يصلي على الجنائز ما لم يدرك من الوقت مقدار ما يمكنه أن يتوضأ فيه على وجه لا تفوته الصلاة على جنازة وهذا الذي بينا يتأتى في كل حق مما سبق ذكره إلا أن ببيان ذلك يطول الكتاب والحاجة إلى معرفة الأصل هنا وهو أن الخلف يجب بما به يجب الأصل وشرط كونه خلفا أن ينعقد السبب موجبا للأصل بمصادفته محله ثم بالعجز عنه يتحول الحكم إلى الخلف وإذا لم ينعقد السبب موجبا للأصل باعتبار أنه لم يصادف محله لا يكون موجبا للخلف حتى إن الخارج من البدن إذا لم يكن موجبا للوضوء كالدمع والبزاق والعرق لا يكون موجبا للتيمم والطلاق قبل الدخول لما لم يكن موجبا لما هو الأصل وهو الاعتداد بالأقراء لا يكون موجبا لما هو خلف عنه وهو الاعتداد بالأشهر واليمين الصادقة لما لم تكن موجبة للتكفير بالمال لا تكون موجبة لما هو خلف عنه وهو التكفير بالصوم واليمين الغموس عندنا لما لم تنعقد موجبة للأصل وهو البر باعتبار أنها أضيفت إلى محل ليس فيه تصور البر لا تنعقد موجبة لما هو خلف عنه وهو الكفارة واليمين على مس السماء ونحوه لما انعقدت موجبة للبر لمصادفتها محلها كانت موجبة لما هو خلف عن البر وهو الكفارة وقد تقدم بيان هذا فيمن أسلم في آخر الوقت بعدما بقي منه مقدار ما لا يمكنه أن يصلي فيه فإن الجزء الآخر من الوقت لما صلح أن يكون موجبا لأداء الصلاة صلح موجبا لما هو خلف عنه وهو القضاء وعلى هذا الأصل قال أبو يوسف و محمد رحمهما الله إذا جاء المشهود بقتله حيا أو رجع الشهود والولي جميعا بعد استيفاء القصاص فاختار ولي القتيل تضمين الشهود فإنهم يرجعون على الولي بما يضمنون لأن السبب وهو الضمان الذي لزمهم بطريق العدوان موجب للملك في المضمون والمضمون وهو الدم مما يحتمل أن يكون مملوكا في الجملة ألا ترى أن نفس من عليه القصاص في حكم القصاص كالمملوك لمن له القصاص فإذا انعقد السبب موجبا للأصل لمصادفة محله ينعقد موجبا للخلف وهو الدية عند العجز عن إثبات ما هو الأصل وهو القصاص بمنزلة من غصب مدبرا فغصبه منه آخر وأبق من يده ثم ضمن المولى الغاصب الأول فإنه يرجع على الغاصب الثاني بالضمان وإن لم يملك المدبر ولكن لما انعقد السبب موجبا للأصل بمصادفته محله يثبت الخلف قائما مقامه وكذلك شهود الكتابة ببدل مؤجل إذا رجعوا فضمنهم المولى قيمة المكاتب كان لهم أن يرجعوا على المكاتب ببدل الكتابة لأن السبب قد تقرر موجبا للأصل وهو الملك في المضمون لمصادفته محله فثبت ( به الخلف ) وهو الرجوع ببدل الكتابة لوجود العجز عما هو الأصل وهو ملك الرقبة باعتبار قيام الكتابة

Section V02/P298–V02/P301

و أبو حنيفة رضي الله عنه يقول قد وجد من الشهود التعدي بإتلاف النفس حكما ومن الولي التعدي بإتلاف النفس حقيقة والمساواة ثابتة بين الحكمي والحقيقي في حكم الضمان ثم إذا اختار تضمين المتلف حقيقة وهو الولي لم يرجع على الشهود بشيء لأنه ضمن بجنايته من حيث الإتلاف فكذلك إذا اختار تضمين الشهود قلنا لا يرجعون على الولي لأنهم ضمنوا بجنايتهم بخلاف ما إذا شهدوا بالقتل الخطأ وأخذ الولي الدية لأن وجوب الضمان هناك باعتبار تملك المال على من ألزمه القاضي الدية فإذا ضمن الولي كان هو المتملك والمملوك سالم له وإذا ضمن الشهود كانوا هم الذين تملكوا والمملوك في يد المولى أو قد صرفه إلى حاجته فيرجعون عليه بما ملكوه لهذا المعنى قولهما إن السبب هنا انعقد موجبا للأصل ممنوع لأن الدم لا يملك بالضمان بحال وفي القصاص الذي قالا الولي لا يملك نفس من عليه القصاص وإنما يستوفيه بطريق الإباحة ولهذا لم يكن له حق الاستيفاء في الحرم ولا يتحول حقه إلى البدل إذا قتل من عليه القصاص ظلما وإذا لم يكن محلا للملك عرفنا أن السبب ما انعقد موجبا للأصل ولو كان الدم بمحل أن يملك لم يكن إيجاب الضمان للشهود على الولي أيضا لأنه صار متلفا عليهم ملك الدم وإتلاف ملك الدم لا يوجب الضمان سواء أتلفه حقيقة أو حكما ألا ترى أن من قتل من عليه القصاص فإنه لا يضمن لمن له القصاص شيئا وكذلك شهود العفو إذا رجعوا أو المكره على العفو لا يضمن أحد منهم شيئا وإن أتلف ملك الدم الثابت لمن له القصاص وبه فارق المدبر والمكاتب لأن هناك ما هو الأصل وهو ملك الرقبة في الموضع الذي يكون ثابتا يكون موجبا ضمان خلفه عند الإتلاف فكذلك إذا انعقد السبب موجبا للأصل ثم لم يعمل لعارض وهو التدبير والكتابة قلنا يكون موجبا لما هو خلفه وهو القيمة وبدل الكتابة فيرجع بهما فصل في بيان الكلام في القسم الثاني وهو السبب أما الكلام في القسم الثاني فنقول تفسير السبب لغة الطريق إلى الشيء قال تعالى وآتيناه من كل شيء سببا فأتبع سببا أي طريقا وقيل هو بمعنى الباب قال تعالى لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات أي أبوابها ومنه قول زهير ولو نال أسباب السماء بسلم أي أبوابها وقيل هو بمعنى الحبل قال تعالى فليمدد بسبب إلى السماء الآية يعني بحبل من سقف البيت فالكل يرجع إلى معنى ( واحد ) وهو طريق الوصول إلى الشيء وفي الأحكام السبب عبارة عما يكون طريقا للوصول إلى الحكم المطلوب من غير أن يكون الوصول به ولكنه طريق الوصول إليه بمنزلة طريق الوصول إلى مكة فإن الوصول إليها يكون بمشي الماشي وفي ذلك الطريق لا بالطريق ولكن يتوصل إليها من ذلك الطريق عند قصد الوصول إليها وكذلك الحبل فإنه طريق للوصول إلى قعر البئر أو إلى الماء الذي في البئر ولكن لا بالحبل بل بنزول النازل أو استقاء النازح بالحبل وأما تفسير العلة فهي المغيرة بحلولها حكم الحال ومنه سمي المرض علة لأن بحلولها بالشخص يتغير حاله ومنه يسمى الجرح علة لأن بحلوله بالمجروح يتغير حكم الحال وقيل العلة حادث يظهر أثره فيما حل به لا عن اختبار منه ولهذا سمي الجرح علة ولا يسمى الجارح علة لأنه يفعل عن اختيار ولأنه غير حال بالمجروح وفي أحكام الشرع العلة معنى في النصوص وهو تغير حكم الحال بحلوله بالمحل يوقف عليه بالاستنباط فإن قوله عليه السلام الحنطة بالحنطة مثلا بمثل غير حال بالحنطة ولكن في الحنطة وصف هو حال بها وهو كونه مكيلا مؤثرا في المماثلة ويتغير حكم الحال بحلوله فيكون علة لحكم الربا فيه حتى إنه لما لم يحل القليل الذي لا يدخل تحت الكيل لا يتغير حكم العقد فيه بل يبقى بعد هذا النص على ما كان عليه قبله

Section V02/P301–V02/P303

وكذلك البيع علة للملك شرعا والنكاح علة للحل شرعا والقتل العمد علة لوجوب القصاص شرعا باعتبار أن الشرع جعلها موجبة لهذه الأحكام وقد بينا أن العلل الشرعية لا تكون موجبة بذواتها وأنه لا موجب إلا الله إلا أن ذلك الإيجاب غيب في حقنا فجعل الشرع الأسباب التي يمكننا الوقوف عليها علة لوجوب الحكم في حقنا للتيسير علينا فأما في حق الشرع فهذه العلل لا تكون موجبة شيئا وهو نظير الإماتة فإن المميت والمحيي هو الله تعالى حقيقة ثم جعله مضافا إلى القاتل بعلة القتل فيما ينبني عليه من الأحكام وكذلك أجزية الأعمال فإن المعطي للجزاء هو الله تعالى بفضله ثم جعل ذلك مضافا إلى عمل العامل بقوله تعالى جزاء بما كانوا يعملون فهذا هو المذهب المرضي التوسط بين الطريقين لا كما ذهب إليه الجبرية من إلغاء العمل أصلا ولا كما ذهب إليه القدرية من الإضافة إلى العمل حقيقة وجعل ( العامل ) مستبدا بعمله ثم هذه العلل الشرعية تسمى نظرا وتسمى قياسا وتسمى دليلا أيضا على معنى أنه يوقف به على معرفة الحكم والدليل على الشيء ما يوقف به على معرفته كالدخان دليل على النار والبناء دليل على الباني ولكن ما يكون علة يجوز أن يسمى دليلا وما يكون دليلا محضا لا يجوز أن يسمى علة ألا ترى أن حدوث الأعراض دليل على حدوث الأجسام ولا يجوز أن يقال إنها علة لحدوث الأجسام والمصنوعات دليل على الصانع ولا يجوز أن يقال إنها علة للصانع تعالى فعرفنا أن الدليل قط لا يكون علة وقد تكون العلة دليلا وأما الشرط فمعناه لغة العلامة اللازمة ومنه يقال أشراط الساعة أي علاماتها اللازمة لكون الساعة آتية لا محالة ومنه الشرطي لأنه نصب نفسه على زي وهيئة لا يفارقه ذلك في أغلب أحواله فكأنه لازم له ومنه شرط الحجام لأنه يحصل بفعله في موضع المحاجم علامة لازمة ومنه الشروط في الوثائق لأنها تكون لازمة فعرفنا أن الشرط في اللغة العلامة اللازمة ومنه سمى أهل اللغة حرف إن حرف الشرط من قول القائل لغيره إن أكرمتني أكرمتك فإن قوله أكرمتك بصيغة الفعل الماضي ولكن بقوله إن أكرمتني يصير إكرام المخاطب علامة لازمة لإكرام المخاطب إياه فكان شرطا من هذا الوجه وفي أحكام الشرع ( الشرط ) اسم لما يضاف الحكم إليه وجودا عنده لا وجوبا به فإن قول القائل لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق يجعل دخول الدار شرطا حتى لا يقع الطلاق بهذا اللفظ إلا عند الدخول ويصير الطلاق عند وجود الدخول مضافا إلى الدخول موجودا عنده لا واجبا به بل الوقوع بقوله أنت طالق عند الدخول ومن حيث إنه لا أثر للدخول في الطلاق من حيث الثبوت به ولا من حيث الوصول إليه لم يكن الدخول سببا ولا علة ومن حيث إنه مضاف إليه وجودا عنده كان الدخول شرطا فيه ولهذا لا نوجب الضمان على شهود الشرط بحال وإنما نوجب الضمان على شهود التعليق بعد وجود الشرط إذا رجعوا وقد يقام الشرط مقام السبب في حكم الضمان عند تعذر إضافة الإتلاف إلى السبب نحو حافر البئر على الطريق يكون ضامنا لما يسقط فيه وهو صاحب الشرط من حيث إنه أزال بفعله المسكة عن الأرض وهو محل يستقر فيه الثقيل والمحال في حكم الشروط ولكن لما تعذر إضافة الإتلاف إلى ما هو السبب حقيقة وهو ثقل الماشي ومشبه جعل مضافا إلى الشرط في حكم الضمان حتى لو دفع الواقع في البئر إنسان فإن الضمان يكون على الدافع دون الحافر لأن السبب هنا صالح لإضافة الإتلاف إليه وسنقرر هذا في فصل الشرط إن شاء الله تعالى أما العلامة لغة فهي المعرف بمنزلة الميل والمنارة والميل علامة الطريق لأنه معرف له والمنارة علامة الجامع لأنها معرفة له ومنه سمي المميز بين الأرضين من المسناة منار الأرض قال عليه السلام لعن الله من غير منار الأرض أي العلامة التي تعرف بها لتمييز بين الأرضين

Section V02/P303–V02/P305

وكذلك في أحكام الشرع العلامة ما يكون معرفا للحكم الثابت بعلته من غير أن يكون الحكم مضافا إلى العلامة وجوبا لها لا وجودا عندها على ما نبينه في فصل على حدة إن شاء الله تعالى فصل في بيان تقسيم السبب قال رضي الله عنه اعلم بأن أسباب الأحكام الشرعية أنواع أربعة سبب صورة لا معنى وهو يسمى سببا مجازا وسبب صورة ومعنى وهو يسمى سببا محضا وسبب فيه شبهة العلة وسبب هو بمعنى العلة وقد بينا أن السبب ما هو طريق الوصول إلى الشيء فأما الذي يسمى السبب مجازا فنحو اليمين بالله تعالى يسمى سببا للكفارة مجازا باعتبار الصورة وهو ليس بسبب معنى فإن أدنى حد السبب أن يكون طريقا للوصول إلى المقصود والكفارة باليمين إنما تجب بعد الحنث وهي مانعة من الحنث موجبة لضده وهو البر فعرفنا أنه ليس بسبب للكفارة معنى قبل الحنث ولكن يسمى سببا مجازا لأنه طريق الوصول إلى وجوب الكفارة بعد زوال المانع وهو البر وكذلك النذر المعلق بالشرط الذي لا يريد كونه سبب لوجوب المنذور صورة لا معنى لأنه يقصد به منع ما يجب المنذور عند وجوده وهو إيجاد الشرط وإنما يكون سببا بعد زوال المانع حقيقة وكذلك الطلاق والعتاق المعلق بالشرط فإن التعليق سبب صورة لا معنى لأنه بالتعليق يمنع نفسه مما يقع الطلاق والعتاق عند وجوده وعلى هذا قلنا التعليق بالملك صحيح وإن لم يكن الملك موجودا في الحال لأن المعلق ليس بطلاق ولا هو سبب الطلاق حقيقة ولكن يصير سببا عند وجود الشرط وهذا لأن الطلاق والعتاق لا يكون بدون المحل والتعليق يمنع الوصول إلى المحل وكذلك النذر فإنه التزام في الذمة والتعليق يمنع وصول المنذور إلى الذمة والتصرف بدون المحل لا يكون سببا كبيع الحر إلا أن هناك ينعقد تصرف آخر وهو اليمين لأنه عقد مشروع لمقصود وفي ذلك المقصود التصرف صادف محله وهو ذمة الحالف بخلاف بيع الحر فإنه لا ينعقد أصلا وعلى هذا لا يجوز التكفير بعد اليمين قبل الحنث بالمال ولا بالصوم لأنها ليست بسبب للكفارة معنى والأداء قبل تحقق السبب لا يجوز بخلاف تعجيل الكفارة بعد الجرح قبل زهوق الروح في الآدمي والصيد لأنه سبب محض من حيث إنه طريق مفض إلى القتل عند زهوق الروح بالسراية يوضحه أن اليمين لا تبقى بعد الحنث لأنها مشروعة لمقصود وهو البر وذلك يفوت بالحنث أصلا والعقد لا يبقى بعد فوات مقصوده ولما كانت الكفارة لا تجب إلا بعد الحنث الذي يرتفع به اليمين عرفنا أن اليمين ليست بسبب لها معنى إذ العقد لا يكون سببا للحكم الذي يثبت ( بعد فسخه وكذلك اليمين بالطلاق فإن الطلاق إنما يكون واقعا بما يبقى بعد وجود الشرط وهو قوله أنت طالق والنذر إنما يثبت ) باعتبار ما يبقى بعد وجود الشرط وهو قوله على صوم أو صلاة فعرفنا أن الموجود قبل وجود الشرط لا يكون سببا معنى بخلاف كفارة القتل فإنه جزاء الفعل والفعل بالسراية يتقرر ولا يرتفع فكان قبل السراية سببا وملك النصاب قبل كمال الحول هكذا لأنه يتقرر عنده ما لأجله كان النصاب سببا وهو معنى النمو إلا أن مع هذا التعليق بالشرط لكونه سببا مجازا أثبتنا فيه معنى السببية بوجه بخلاف ما يقوله زفر رحمه الله إنه لا يثبت فيه حكم السببية بوجه وبيان هذا في تنجيز الثلاث بعد صحة التعليق فإنه مبطل للتعليق عندنا لأن التعليق يمين وموجبه البر فإذا كان هذا السبب مضمونا ( بالبر ) كان له شبهة السببية في الحكم الذي يجب به بعد فوات البر على وجه الخلف عنه كالغصب فإنه موجب ضمان الرد في العين ثم له شبهة السببية في حكم ضمان القيمة الذي ثبت خلفا عن رد العين عند فوات العين فكما يشترط قيام الملك وصفة الحل في المحل لبقاء ما هو سبب للحكم حقيقة فكذلك يشترط لبقاء ما فيه شبهة السببية للحكم وتنجيز الثلاث يفوت ذلك كله

Section V02/P305–V02/P307

وزفر يقول ليس في التعليق شبهة السببية للحكم وهو الطلاق والعتاق وإنما هو تصرف آخر وهو اليمين محلها الذمة واشتراط الملك في المحل عند انعقاده ليترجح جانب الوجود على جانب العدم حتى يصح إيجاب اليمين به وهذا غير معتبر في حال البقاء ألا ترى أن بعد التطليقات الثلاث لو علق الطلاق ابتداء بالنكاح كان صحيحا وصفة الحل الذي به يصير المحل محلا للطلاق معدوم أصلا ولكنا نقول الملك سبب هو في معنى العلة فإن النكاح علة لملك الطلاق فالتطليق بمنزلة سبب هو في معنى العلة على ما نبينه إن شاء الله تعالى فأما الإضافة إلى وقت لا تعدم السببية معنى كما يعدمه التعليق بالشرط ولهذا قلنا في قوله تعالى فعدة من أيام أخر إنه لا يخرج شهود الشهر من أن يكون سببا حقيقة في حق جواز الأداء وقوله تعالى وسبعة إذا رجعتم يخرج المتمتع من أن يكون سببا لصوم السبعة قبل الرجوع من منى حتى لو أداه لا يجوز لأنه لما تعلق بشرط الرجوع فقبل وجود الشرط لا يتم سببه معنى وهناك إضافة الصوم إلى وقت فقبل وجود الوقت يتم السبب فيه معنى حتى يجوز الأداء وأما السبب المحض وهو ما يكون طريقا للوصول إلى الحكم ولكن لا يضاف الحكم إليه وجوبا به ولا وجودا عنده بل تتخلل بين السبب والحكم العلة التي يضاف الحكم إليها وتلك العلة غير مضافة إلى السبب وذلك نحو حل قيد العبد فإنه طريق لوصول العبد إلى الإباق الذي هو متو مالية المولى فيه ولكن يتخلل بينه وبين الإباق الذي تتوى به المالية قصد وذهاب من العبد وهو غير مضاف إلى السبب السابق فيبقى حل القيد سببا محضا وعلى هذا قلنا لو فتح باب الاصطبل فندت الدابة أو باب القفص فطار الطير لم يجب الضمان عليه لأن العلة قوة الدابة في نفسها على الذهاب وقوة الطير على الطيران وهو غير مضاف إلى السبب الأول وكذلك لو دل إنسانا على مال الغير فأتلفه أو على نفسه فقتله أو على قافلة حتى قطع الطريق عليهم لم يكن ضامنا شيئا لأن الدلالة سبب محض من حيث إنه طريق الوصول إلى المقصود ويتخلل بينه وبين حصول المقصود ما هو علة وهو غير مضاف إلى السبب الأول وذلك الفعل الذي يباشره المدلول وعلى هذا قلنا لو قال لرجل هذه المرأة حرة فتزوجها فذهب وتزوجها واستولدها ثم ظهر أنها كانت أمة فإنه لا يرجع بضمان قيمة الأولاد على المخبر بخلاف ما إذا زوجها منه على أنها حرة لأن إخباره سبب للوصول إلى المقصود ولكن تخلل بينه وبين المقصود وهو الاستيلاد ما هو علة فهو غير مضاف إلى السبب الأول وذلك عقد النكاح الذي باشرته المرأة على نفسها وعلى هذا قلنا الموهوب له الجارية إذا استولدها ثم استحقت لم يرجع بقيمة الأولاد على الواهب والمستعير إذا أتلف العين باستعماله ثم ظهر الاستحقاق لم يرجع بالقيمة على المعير لأن الهبة والإعارة سبب ولكن تخلل بينه وبين حصول الأولاد ما هو علة وهو الاستيلاد والاستعمال المفضي إلى التلف وذلك غير مضاف إلى السبب الأول بخلاف المشتري إذا استولدها ثم ظهر الاستحقاق فإنه يرجع بقيمة الأولاد لأن بمباشرة عقد الضمان قد التزم له صفة السلامة عن العيب ولا عيب فوق الاستحقاق وبمباشرة عقد التبرع لا يصير ملتزما سلامة المعقود عليه عن العيب ولهذا لا يرجع بالعقد في الوجهين لأنه لزمه بدلا عما استوفاه ولا رجوع له بسبب العيب فيما استوفاه لنفسه وإن كان البائع ضمن له صفة السلامة عن العيب وزعم بعض أصحابنا أن رجوع المغرور باعتبار الكفالة وذلك باشتراط البدل فإن البائع يصير كأنه قال ضمنت لك سلامة الأولاد على أنه إن لم يسلم لك فأنا ضامن لك ما يلزمك بسببه وهذا الضمان لا يثبت في عقد التبرع وإنما يثبت في حق الضمان باشتراط البدل إلا أن الأول أصح

Section V02/P307–V02/P308

وقد قال في كتاب العارية العبد المأذون إذا آجر دابة فتلفت باستعمال المستأجر ثم ظهر الاستحقاق رجع المستأجر بما ضمن من قيمتها على العبد في الحال والعبد لا يؤاخذ بضمان الكفالة ما لم يعتق وهو مؤاخذ بالضمان الذي يكون سببه العيب بعدما التزم صفة السلامة عن العيب بعقد الضمان ولا يدخل على ما قلنا دلالة المحرم على قتل الصيد فإنها توجب عليه ضمان الجزاء وهي سبب محض لا يتخلل بينها وبين المقصود ما هو العلة وهو القتل من المدلول وهذا لأن وجوب الضمان عليه بجنايته بإزالة الأمن عن الصيد فإن أمنه في البعد عن أيدي الناس وأعينهم وقد التزم بعقد الإحرام الأمن للصيد عنه فإذا صار بالدلالة جانيا من حيث إزالته الأمن كان ضامنا لذلك إلا أن قبل القتل لا يجب عليه الضمان لبقاء التردد فقد يتوارى الصيد على وجه لا يقدر المدلول عليه فيعود آمنا كما كان فبالقتل تستقر جنايته بإزالة الأمن فهو نظير الجراحة التي يتوهم فيها الاندمال بالبرء على وجه لا يبقى لها أثر فإنه يستأني فيها مع كون الجرح جناية ولكن لبقاء التردد يستأني حتى يتقرر حكمها في حق الضمان بخلاف الدلالة على مال الغير فإن حفظ الأموال بالأيدي لا بالبعد عن الأيدي والأعين فالدال لا يصير جانيا بإزالة الحفظ بدلالته وهذا بخلاف المودع إذا دل سارقا على سرقة الوديعة فإنه يصير ضامنا لأنه جان بترك ما التزمه من الحفظ بعقده وهو ترك التضييع وبالدلالة يصير مضيعا فهو نظير المحرم يدل على قتل الصيد حتى يصير ضامنا لتركه ما التزمه بالعقد وهو أمن الصيد عنه وعلى هذا قلنا من أخرج ظبية من الحرم فولدت فهو ضامن للولد لأنها بالحرم آمنة وثبوت يده عليها يفوت معنى الصيدية فيثبت به معنى إزالة الأمن في حق الولد بخلاف الغاصب فإنه لا يكون ضامنا للزوائد لأن الأموال محفوظة بالأيدي فإنما يجب الضمان هنا بالغصب الذي هو موجب قصر يد المالك عن ماله وذلك غير موجود في الزيادة مباشرة ولا تسبيبا ولا ينكر كونه متعديا في إمساك الولد ولهذا نجعله آثما ونوجب عليه رده ولكنا نقول هو ليس بغاصب للولد تسبيبا ولا مباشرة وبتعد آخر سوى الغصب لا يوجب ضمان الغصب واليد الثابتة على الأم عند انفصال الولد عنها حكم الغصب لا نفس الغصب فعرفنا أنه لم يثبت الغصب في الولد بطريق السراية ولا قصدا بطريق المباشرة ولا بطريق التسبب بغصب الأم لأن قصر يد المالك تكون بإزالة يده عما كان في يده أو بإزالة تمكنه من أخذ ما لم يكن في يده وذلك غير موجود في الولد أصلا قبل أن يطالبه بالرد ومن السبب المحض أن يدفع سكينا إلى صبي فيجأ الصبي به نفسه فإنه لا يجب على الدافع ضمان وإن كان فعله بعلة طريق الوصول ولكن قد تخلل بينه وبين المقصود ما هو علة وهو غير مضاف إلى السبب الأول وذلك قتل الصبي به نفسه بخلاف ما إذا سقط من يده على رجله فعقره لأن السقوط من يده مضاف إلى السبب الأول وهو مناولته إياه فكان هذا سببا في معنى العلة على ما نبينه إن شاء الله تعالى وكذلك لو أخذ صبيا حرا من يد وليه فمات في يده بمرض لم يضمن الآخذ شيئا بخلاف ما إذا قربه إلى مسبعة حتى افترسه سبع فإن السبب هنا بمعنى العلة باعتبار الإضافة إليه فإنه يقال لولا تقريبه إياه من هذه المسبعة ما افترسه السبع ولا يقال لولا أخذه من يد وليه لم يمت من مرضه ولو قتل الصبي في يد الآخذ رجلا فضمن عاقلته الدية لم يرجعوا به على عاقلة الآخذ لأنه تخلل بين السبب ووجوب الضمان عليهم ما هو علة وهو غير مضاف إلى ذلك التسبيب

Section V02/P308–V02/P310

وعلى هذا لو قال لصبي ارق هذه الشجرة فانفضها لي فسقط كان ضامنا بخلاف ما لو قال كل ثمرتها أو فانفضها لنفسك لأن كلامه تسبيب قد تخلل بينه وبين السقوط ما هو علة وهو صعود الصبي الشجرة لمنفعة نفسه وفي الأول لما كان صعوده لمنفعة الآمر صار بسببه في معنى العلة بطريق الإضافة إليه وكذلك لو حمل صبيا على الدابة فسقط ميتا كان الحامل ضامنا لديته ولو سيرها الصبي فسقط منها فمات لم يضمن الذي حمله عليها شيئا ليعلم أن السائل على هذا الأصل أكثر من أن تحصى ومما هو في معنى السبب المحض ما هو أحد شطري علة الحكم نحو إيجاب البيع وأحد وصفي علة الربا فإنه سبب محض على معنى أنه طريق الوصول إلى المقصود عند غيره وذلك الغير ليس بمضاف إليه فيكون سببا محضا فإن قيل قد جعلتم حد السبب ما يتخلل بينه وبين المقصود ما هو علة للحكم وهنا الذي يتخلل هو الوصف الآخر وهو ليس بعلة للحكم بانفراده فكيف يستقيم قولكم إن أحد الوصفين سبب محض قلنا هو مستقيم من حيث إن الحكم متى تعلق بعلة ذات وصفين فإنه يضاف إلى آخر الوصفين على معنى أن تمام العلة به حصل ولهذا قلنا إن الموجب للعتق القرابة القريبة مع الملك ثم يضاف العتق إلى آخر الوصفين وجودا حتى إذا كان العبد مشتركا بين اثنين ادعى أحدهما نسبه كان ضامنا لشريكه وإذا اشترى نصف قريبه من أحد الشريكين كان ضامنا لشريكه وكذلك النسب مع الموت موجب للإرث فيضاف إلى آخر الوصفين ثبوتا حتى إن شهود النسب بعد الوفاة إذا رجعوا ضمنوا بخلاف شهود النسب في حالة الحياة فإذا ثبت أن إضافة الحكم إلى آخر الوصفين وهو يتخلل بين الوصف الأول وبين الحكم عرفنا أن الوصف الأول في معنى السبب المحض وهذا أصل مستمر في الشروط والعلل جميعا حتى قلنا إذا قال لامرأته إن دخلت هاتين الدارين فأنت طالق فأبانها ودخلت إحدى الدارين في غير ملكه ثم تزوجها فدخلت الأخرى في ملكه تطلق لأن الحكم يكون مضافا إلى تمام الشرط وجودا عنده وذلك حصل بدخول الدار الأخرى فيشترط قيام الملك عنده لا عند دخول الأولى ومن الأسباب السفينة إذا كانت تحتمل مائة من وقد جعل فيها ذلك القدر فوضع إنسان آخر فيها منا فغرقت كان ضامنا للجميع لأن تمام علة الغرق حصل بفعله وعلى هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما في المثلث إن السكر منه حرام ثم السكر الذي هو حرام القدح الأخير لأن تمام علة الإسكار عندها فيكون مضافا إليها خاصة ومحمد رحمه الله ترك هذا الأصل في هذه المسألة احتياطا لإثبات الحرمة فإنها تثبت باعتبار الصورة تارة وباعتبار المعنى أخرى وأما السبب الذي هو في معنى العلة فنحو قود الدابة وسوقها فإنه طريق الوصول إلى الإتلاف غير موضوع له ليكون علة وهو في معنى العلة من حيث إن الإتلاف مضاف إليه يقال أتلفه بقود الدابة أو سوقها وكذلك إذا أشرع جناحا في الطريق أو وضع حجرا أو ترك هدم الحائط المائل بعد التقدم إليه فيه فهذا كله سبب في معنى العلة وكذلك إذا أدخل دابته زرع إنسان حتى أكلت الدابة الزرع فهذا سبب في معنى العلة للإتلاف ولهذا كان موجبا عليه ضمان المتلف ولا يكون شيء من هذا موجبا لحرمان الميراث ولا الكفارة فإن ذلك جزاء مباشرة الفعل وكذلك قطع حبل القنديل المعلق وشق الزق وفيه مائع سبب هو في معنى العلة وكذلك شهادة الشهود بالقصاص يكون سببا للقتل من غير مباشرة لأن قضاء القاضي بعد الشهادة يكون عن اختيار وكذلك استيفاء الولي والشهادة غير موضوعة للقتل في الأصل ولهذا لا يوجب الكفارة ولا يثبت حرمان الميراث في حق الشهود ولا يوجب عليهم القصاص

Section V02/P310–V02/P312

و الشافعي رحمه الله لا ينكر هذا ولكن يقول هو تسبيب قوي من حيث إنه قصد به شخصا بعينه فيصلح أن يكون موجبا للقود عليه لأن فيه معنى العلة من حيث إن قضاء القاضي من موجبات الشهادة والقتل مضاف إلى ذلك إلا أنا نقول القاضي إنما يقضي عن اختيار منه وليس في وسع الشاهد ما يظهره القاضي بقضائه أو يوجبه فبقيت شهادة الشهود تسبيبا في الحقيقة ولا مماثلة بين التسبيب والمباشرة ووجوب القصاص يعتمد المباشرة وعلى هذا قال في السير إذا قال للغزاة أدلكم على حصن في دار الحرب تجدون فيه الغنائم فإن ذهب معهم حتى دلهم عليه كان شريكهم في المصاب لأن فعله تسبيب فيه معنى العلة وإن وصف لهم الطريق حتى وصلوا إليه بوصفه ولم يذهب معهم لم يكن شريكهم في المصاب لأن ما صنعه تسبيب محض وليس فيه من معنى العلة شيء وأما السبب الذي له شبهة العلة كحفر البئر في الطريق فإنه سبب للقتل من حيث إيجاد شرط الوقوع وهو زوال المسكة وليس بعلة في الحقيقة فالعلة ثقل الماشي في نفسه والسبب المطلق مشيه في ذلك الموضع فأما الحفر فهو إيجاد شرط الوقوع ولكن له شبهة العلة من حيث إن الحكم يضاف إليه وجودا عنده لا ثبوتا به ولهذا لم يكن موجبا الكفارة ولا حرمان الميراث فإن ذلك جزاء الفعل وفعله تم من غير اتصال بالمقتول وإنما اتصل بالمقتول عند الوقوع بسبب آخر وهو مشيه إلا أنه يجب ضمان الدية عليه لأن ذلك بدل المتلف لا جزاء الفعل وقد حصل التلف مضافا إلى حفره وجودا عنده فإذا كان ذلك تعديا منه وجب الضمان عليه بمقابلة المتلف حتى لو اعترض على فعله ما يمكن إضافة الحكم إليه نحو دفع دافع إياه في البئر فإنه يكون الضمان على الدافع دون الحافر وعلى هذا قلنا إذا تزوج كبيرة ورضيعة فأرضعت الكبيرة الرضيعة فإن الزوج يغرم نصف صادق الصغيرة ثم يرجع به على الكبيرة إن تعمدت الفساد وإن لم تتعمد ذلك لم يرجع عليها بشيء لأن ثبوت الحرمة بالإرضاع وذلك موجود من الصبية إلا أن إلقام الثدي إياها سبب من الكبيرة له شبهة العلة من حيث إن الحكم يضاف إليه وجودا عنده وهذا الضمان ليس بضمان إتلاف ملك النكاح فإنه لا يضمن بالإتلاف عندنا ولكن ضمان تقرير نصف صداق على الزوج فإذا صار ذلك مضافا إلى فعلها وجودا عنده كان لفعلها شبهة العلة وقد كانت متعدية في ذلك حين تعمدت الفساد فيلزمها ضمان العدوان والله أعلم فصل في تقسيم العلة قال رضي الله عنه أنواع العلة ستة علة اسما ومعنى وحكما وهو حقيقة العلة وعلة اسما لا معنى ولا حكما وهو يسمى علة مجازا وعلة اسما ومعنى لا حكما وعلة تشبه السبب وعلة معنى وحكما لا اسما وعلة اسما وحكما لا معنى فالأول نحو البيع للملك والنكاح للحل والإعتاق لزوال الرق وإثبات الحرية وإيقاع الطلاق للوقوع فإن هذا كله علة اسما من حيث إنه موضوع لهذا الموجب فإن هذا الموجب مضاف إليه لا بواسطة وهو علة معنى من حيث إنه مشروع لأجل هذا الموجب وهو علة حكما من حيث إن هذا الحكم يثبت به ولا يجوز أن يتراخى عنه واختلف مشايخنا في أن مثل هذه العلة المطلقة هل يجوز أن تكون موجودة والحكم متأخر عنه فمنهم من جوز ذلك وقال الذي لا يجوز كون العلة خالية عن الحكم فأما يجوز أن لا يتصل الحكم بها ولكن يتأخر لمانع والأصح عندنا أنه لا يجوز تأخر الحكم عن هذه العلة ولكن الحكم يتصل ثبوته بوجود هذه العلة بعد صحتها لا محالة وهو عندنا بمنزلة الاستطاعة مع الفعل لا يجوز القول بأنها تسبق الفعل

Section V02/P312–V02/P314

وأما العلة اسما لا معنى ولا حكما فبيانها فيما ذكرنا من تعليق الطلاق والعتاق بالشرط واليمين قبل الحنث فإنها علة اسما لا معنى ولا حكما لأن العلة معنى وحكما ما يكون ثبوت الحكم عند تقرره لا عند ارتفاعه وبعد الحنث لا تبقى اليمين بل ترتفع وكذلك بعد وجود الشرط في اليمين بالطلاق والعتاق لا يبقى اليمين وأما العلة اسما ومعنى لا حكما فنحو البيع الموقوف فإنه علة للملك اسما من حيث إنه بيع حقيقة موضوع لهذا الموجب ومعنى من حيث إنه منعقد شرعا بين المتعاقدين لإفادة هذا الحكم فإن انعقاده وتمامه معنى بما هو من خالص حقها وليس فيه تعدي الضرر إلى الغير وهو ليس بعلة حكما لما في ثبوت الملك به من الإضرار بالمالك في خروج العين عن ملكه من غير رضاه ولهذا إذا وجد الإجازة منه يستند الحكم إلى وقت العقد حتى يملكه المشتري بزوائده فيتبين به أن العلة موجودة اسما ومعنى وكذلك إذا صرح بشرط الخيار للبائع فإنه علة اسما ومعنى لا حكما لأن خيار الشرط داخل على الحكم لا على أصل البيع وكان القياس أن لا يجوز اشتراط الخيار في البيع لمعنى الغرر إلا أنا لو أدخلنا الشرط على أصل السبب دخل على الحكم ضرورة ولو أدخلناه على الحكم خاصة لم يكن داخلا على أصل السبب فكان معنى الغرر والجهالة في هذا أقل وإذا ظهر أن الشرط دخل على الحكم خاصة عرفنا أن البيع بهذا الشرط علة اسما ومعنى لموجبه لا حكما ولهذا لو سقط الخيار يثبت الملك للمشتري من وقت العقد حتى يملك البيع بالزيادة المتصلة والمنفصلة إلا أن أصل الملك لما صار متعلقا بالشرط لم يكن موجودا قبل الشرط أصلا فالعتق الموجود في هذه الحالة من المشتري لا يتوقف على أن ينفذ ثبوت الملك له إذا سقط الخيار وفي الأول إنما يثبت في الملك صفة التوقف لا التعليق بالشرط وتوقف الشيء لا يعدم أصله فثبت إعتاقه بصفة التوقف أيضا على أن ينفذ بنفوذ الملك له بالإجارة ومن هذا النوع الإجارة فإنها علة للملك اسما ومعنى لا حكما لأنها تتناول المعدوم حقيقة والمعدوم لا يكون محلا للملك ولهذا لم يثبت الملك في الأجر لانعدام العلة حكما ويملك بشرط التعجيل لوجود العلة اسما ومعنى إلا أن هناك وجود العلة اسما ومعنى من حيث إن المنتفع به جعل كالمنفعة التي هي المقصودة بالعقد فأما العقد في حق الحكم حقيقة وهو ملك المنفعة صار مضافا إلى حالة الوجود فيقتضي الملك في الأجر على حال استيفاء المنفعة لهذا ولا يثبت مستندا إلى وقت العقد لأن إقامة العين مقام المنفعة في حكم صحة الإيجاب دون الحكم وعلى هذا الطلاق الرجعي فإنه علة اسما ومعنى لا حكما لأن حكم زوال الملك به متعلق بشرط انقضاء العدة قبل الرجعة وهو في حكم حرمة المحل ركن من أركان العلة فعرفنا أنه ليس بعلة حكما ولهذا لم يثبت زوال ملك الحل به ولا حرمة الوطء أصلا وأما العلة التي تشبه السبب فصورتها أن يكون ما يضاف إليه الحكم أصله موجودا وصفته منتظرا متأخرا في وجوده خطر فمن حيث وجود الأصل كان علة لأن الصفة تابعة للأصل وبانعدام الوصف لا ينعدم الأصل ومن حيث إن كونه موجبا للحكم باعتبار الصفة وهو منتظر متأخر فالأصل قبل وجود الوصف كان طريقا للوصول إليه فكان سببا

Section V02/P314–V02/P316

وبيان ذلك في النصاب للزكاة فإنه سبب لوجوب الزكاة بصفة النماء وحصول هذا النماء منتظر لا يكون إلا بعد مدة قدر الشرع تلك المدة بالحول وبما ذكره لم ينتصب الحول شرطا فإنه قال ( لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ) وحتى كلمة غاية لا كلمة شرط وبانعدام صفة النماء للحال لا ينعدم أصل المال الذي يضاف إليه هذا الحكم شرعا فجعلناه علة تشبه السبب حتى يجوز التعجيل بعد كمال النصاب ولا يكون المؤدى زكاة للمال لانعدام صفة العلة بخلاف المسافر إذا صام في شهر رمضان والمقيم إذا صلى في أول الوقت فالمؤدى يكون فرضا لوجود العلة مطلقة بصفتها ثم إذا تم الحول حتى وجب الزكاة جاز المؤدى عن الزكاة باعتبار أن الأداء وجد بعد وجود العلة ولو كان محض سبب لم يكن المؤدى قبل وجود العلة محسوبا من الزكاة كالمؤدى قبل كمال النصاب فبهذا يتبين أن حولان الحول ليس بتأجيل فيه لأن التأجيل مهلة لمن عليه الحق بعد كمال العلة فإذا أسقط المهلة بالتعجيل كان في الحال مؤديا للواجب وهنا لا يكون في الحال مؤديا للواجب وإذا تم الحول ونصابه غير كامل كان المؤدى تطوعا فعرفنا أن النصاب قبل وجود صفة النماء يمضي المدة يكون علة في معنى السبب حتى يثبت حكم الأداء بحسب هذه العلة ولا يثبت الوجوب أصلا بل يكون المؤدى موقوف الصحة على أن يكون عن الواجب إذا تم ما هو صفة العلة باستناد حكم الوجوب إليه وعلى أن يكون تطوعا إذا لم يتم ذلك الوصف ولا يدخل على هذا إذا كانت الإبل علوفة فعجل عنها الزكاة ثم جعلها سائمة لأن هناك أصل العلة لم يوجد وهو المال النامي فإن الغناء مطلقا لا يحصل شرعا إلا بالمال النامي وبما لا يحصل الغناء من المال لا تكون العلة موجودة بمنزلة ما دون النصاب وعلى هذا مرض الموت فإنه علة للحجر عن التبرعات فيما هو حق الوارث بعد الموت بصفة إيصال الموت به وهذا منتظر فكان الموجود في الحال علة تشبه السبب فإذا تم باتصال الموت به استند حكمه إلى أول المرض حتى يبطل تبرعه بما زاد على الثلث وإذا برأ من مرضه كان تبرعه نافذا لأن العلة لم تتم بصفتها وكذلك الجرح علة لوجوب الكفارة في الصيد والآدمي بصفة السراية وهي صفة منتظرة فكان الموجود قبل السراية علة تشبه السبب حتى يجوز أداء الكفارة بالمال والصوم جميعا وإذا اتصل به الموت كان المؤدى جائزا عن الواجب وهذا كله لأن الوصف لا يقوم بنفسه وإنما يقوم بالموصوف فلا يمكن جعل الموصوف أحد وصفي العلة ليكون سببا لا علة كما بينا في فصل السبب ولا يمكن جعل الوصف علة معنى وحكما بمنزلة آخر الوصفين وجودا من علة هي ذات وصفين فلهذا جعلناها علة تشبه السبب ومن هذا النوع علة العلة وذلك أن تكون العلة موجبة للحكم بواسطة تلك العلة من موجبات العلة الأولى فتكون بمنزلة علة توجب الحكم بوصف وذلك الوصف قائم بالعلة فكما أن الحكم هناك يكون مضافا إلى العلة دون الصفة فهنا يكون أيضا مضافا إلى العلة دون الواسطة وذلك نحو الرمي فإنه يوجب تحرك السهم ومضيه في الهواء ونفوذه في المقصود حتى يبتنى عليه علة القتل ولكن هذه الواسطات من موجبات الرمي فكان الرمي علة تامة لمباشرة القتل حتى يجب القصاص على الرامي ولهذا قلنا في شراء القريب إنه إعتاق تتأدى به الكفارة إذا نواه لأن الشراء موجب للملك والملك في القريب موجب للعتق فيصير الحكم مضافا إلى السبب الأول لكون الواسطة من موجباته بخلاف ما إذا اشترى المحلوف بعتقه بنية الكفارة لأن الواسطة وهي الشرط يضاف إليه العتق وجودا عنده لا وجوبا به والعتق عند وجوده مضاف إلى ما وجد من التعليق بما هو باق بعد وجود الشرط وهو قوله أنت حر ولم تقترن به نية الكفارة

Section V02/P316–V02/P317

وعلى هذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه في المزكين لشهود الزنا إذا رجعوا ضمنوا لأن التزكية في معنى علة العلة فإن الموجب للحكم بالرجم شهادة الشهود والشهادة لا تكون موجبة بدون التزكية فمن هذا الوجه يصير الحكم مضافا إلى التزكية ومن حيث إن التزكية صفة للشهادة بقي الحكم مضافا إلى الشهادة أيضا فأي الفريقين رجع كان ضامنا ومما هو نظير العلة التي تشبه السبب ما قال أبو حنيفة رضي الله عنه في رجل قال آخر عبد أشتريه فهو حر فاشترى عبدا ثم عبدا ثم مات فإنه يعتق الثاني من حين اشتراه وكذلك لو قال آخر امرأة أتزوجها فهي طالق لأن الثاني موصوف بصفة الآخرية باعتبار معنى منتظر وهو أن لا يشتري بعده غيره حتى يموت ولا يتزوج بعدها غيرها فلم يكن الحكم ثابتا في الحال لمعنى الانتظار في هذا الوصف فإذا زال الانتظار وتقرر الوصف كان الحكم ثابتا من حين وجدت العلة لا من حين زوال الانتظار كما هو حكم العلة التي تشبه السبب وقد جعل بعض مشايخنا الإيجاب المضاف إلى وقت من هذا القسم قال رضي الله عنه والأصح عندي أنه من القسم الثالث فإنه علة اسما ومعنى لا حكما ولهذا لو نذر أن يتصدق بدرهم غدا فتصدق به اليوم جاز عن المنذور للحال ولو كان هذا من نظير القسم الرابع لتأخر حكم جوازه عن المنذور إلى مجيء ذلك الوقت كما بينا في تعجيل الزكاة وكذلك قال أبو يوسف رحمه الله في النذر بالصوم والصلاة إذا أضافه إلى وقت في المستقبل يجوز تعجيله قبل ذلك الوقت لوجود العلة اسما ومعنى وإن تأخر حكم وجوب الأداء إلى مجيء ذلك الوقت بمنزلة الصوم في حق المسافر وقال محمد رحمه الله لا يجوز اعتبارا لما يوجبه على نفسه في وقت بعينه بما أوجب الله عليه في وقت بعينه حتى لا ينفك ذلك الوقت عن وجوب الأداء أو وجود الأداء فيه وإذا جاز التعجيل خلا الوقت المضاف عن ذلك أصلا فأما العلة التي هي معنى حكما لا اسما فهو آخر الوصفين من علة تشتمل على وصفين مؤثرين في العتق نحو ما بينا في القرابة المحرمة للنكاح مع الملك فإنهما وصفان مؤثران في العتق ثم آخرهما وجودا يكون علة معنى وحكما والمراد بالمعنى كونه مؤثرا فيه وبالحكم أنه يثبت الحكم عنده وهذا لأن الوصف الثاني مع الأول استويا في الوجوب بهما وترجح الثاني بالوجود عنده فكان علة معنى وحكما لا اسما فإن الحكم مضاف إلى الوصفين جميعا فمن حيث الاسم الوصف الثاني شطر العلة وعلى هذا قلنا أحد وصفي علة الربا يحرم النسأ بانفراده لأن كل واحد من الوصفين علة معنى وحكما إذا تأخر وجوده عن الوصف الآخر وحرمة النسأ مبني على الاحتياط وهو أسرع ثبوتا من حرمة الفضل لقوله عليه السلام إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيد فجعل ثابتا بوجود أحد الوصفين ولا يدخل على هذا حكم الشهادة فإن شهادة الشاهد الثاني بعد الأول لا تجعل علة للاستحقاق معنى وحكما وإن كان استحقاق الحكم عنده يكون لأن هناك الاستحقاق لا يثبت بالشهادة بل بقضاء القاضي وقضاء القاضي يكون بشهادة الشاهدين جميعا فلا يتصور فيه كون أحدهما سابقا والآخر متمما لعلة الاستحقاق

Section V02/P317–V02/P319

فأما العلة اسما وحكما لا معنى فهو السفر والمرض في ثبوت الرخص بهما فإنها في الشريعة مضافة إلى السفر والمرض فعرفنا أن كل واحد منهما علة اسما وكذلك من حيث الحكم فحكم جواز الترخص بالفطر ونحوه يثبت عند وجود السفر والمرض فأما المعنى المؤثر في هذه الرخصة فهو المشقة التي تلحقه بالصوم دون السفر والمرض لما بينا أن المعنى ما يكون مؤثرا في الحكم وذلك المشقة وإليه أشار الله تعالى في قوله يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر إلا أن المشقة باطن تتفاوت أحوال الناس فيه ولا يمكن الوقوف على حقيقته فأقام الشرع السفر بصفة مخصوصة مقام تلك المشقة لكونه دالا عليها غالبا وكذلك أقام المرض بوصف مخصوص مقام تلك المشقة فعرفنا أنه علة اسما وحكما لا معنى ولهذا لو أصبح مقيما صائما ثم سافر فأفطر لم تلزمه الكفارة لوجود علة الإسقاط اسما وإن انعدم معنى وحكما حتى لا يكون الفطر مباحا له في هذا اليوم أصلا وعلى هذا قلنا النوم في كونه حدثا علة اسما وحكما لا معنى إذ المعنى الذي هو مؤثر في الحدث خروج نجس من البدن أو من أحد السبيلين على حسب ما اختلف العلماء فيه وذلك غير موجود في النوم إلا أن النوم بصفة مخصوصة وهو أن يكون مضطجعا أو متكئا لكونه دليل استرخاء المفاصل يقوم مقام خروج شيء من البدن تيسيرا وعلى هذا حكم النسب فإن ملك النكاح علة لثبوت النسب اسما وحكما لا معنى لأن المعنى الذي هو مؤثر في النسب كون الولد مخلوقا من مائه ولكنه باطن فقام النكاح الذي هو ظاهر مقامه تيسيرا وكذلك المس عن شهوة والنكاح في حكم حرمة المصاهرة فإنه يكون اسما وحكما لا معنى وكذلك الاستبراء فإن استحداث ملك الوطء بملك اليمين علة لوجوب الاستبراء اسما وحكما لا معنى لأن المؤثر في إيجاب الاستبراء اشتغال الرحم بماء الغير لمقصود صيانة مائه عن الخلط بماء آخر وذلك باطن فقام السبب الظاهر الدال عليه وهو استحداث ملك الوطء بملك اليمين مقام ذلك المعنى في وجوب الاستبراء به ولم يقم ملك النكاح مقام ذلك المعنى لأن زوال ملك النكاح بعد وجود السبب الموجب لشغل الرحم يعقب عدة بها يحصل المقصود وهو براءة الرحم فلا حاجة إلى إيجاب الاستبراء عند حدوث ملك وأما زوال ملك اليمين بعد الوطء لا يعقب وجوب ما هو دليل براءة الرحم فتقع الحاجة إلى إيجاب الاستبراء عند حدوث ملك الحل بملك اليمين لمقصود براءة الرحم وأمثلة هذا النوع أكثر من أن تحصى وهذا في الحاصل نوعان أحدهما إقامة الداعي مقام المدعو كالمس والنكاح الداعي ( إلى ) ما يثبت به معنى البعضية والثاني إقامة الدليل مقام المدلول كاسترخاء المفاصل بالنوم فإنه دليل خروج شيء من البدن والتقاء الختانين في كونه موجبا للاغتسال لأنه دليل خروج المني عن شهوة والمباشرة الفاحشة في كونه حدثا عند أبي حنيفة وأبى يوسف رحمة الله عليهما لأنه دليل خروج شيء منه حين انتشرت الآلة بالمباشرة وعلى هذا قلنا إذا قال لامرأته إن كنت تحبيني أو تبغضيني فأنت كذا فإن إخبارها به في المجلس يكون دليل وجود ما جعله شرطا فجعل قائما مقام المدلول وفيه ثلاثة أوجه من الفقه أحدها الضرورة والعجز عن الوقوف على ما هو الحقيقة كما في المحبة والبغض وبه تعدى الحكم إلى قوله إن حضت فأنت كذا فقالت حضت فإنه يقام خبرها به مقام حقيقة الشرط في وقوع الطلاق والثاني الاحتياط في باب الحرمات والعبادات والثالث دفع الحرج عن الناس فيما تتحقق فيه الحاجة لهم ولهذا جعل الشرع في باب الإجارة ملك العين المنتفع به مقام ملك المعقود عليه وهو المنفعة في جواز العقد وأقام سبب وجود المنفعة وهو كون العين منتفعا بها مقام حقيقة وجودها لأنها بعد الوجود لا تبقى وقتين فلا يمكن إبراد العقد عليها وتسليمها فلدفع الحرج فيما للناس حاجة إليه أقام الشرع غير المقصود بالعقد مقام المقصود فيما ينبني عليه عقد المعاوضة وهو وجود المعقود عليه وكونه مملوكا للعاقد

Section V02/P319–V02/P321

فهذه حدود يتم بمعرفتها فقه الرجل ولكن في ضبط حدودها بعض الحرج لما فيها من الدقة فلا يطلبها فقيه بكسل ولا يقفن عن طلبها بفشل والله الهادي لمن جاهد في سبيله فصل في بيان تقسيم الشرط وهي ستة أقسام شرط محض وشرط في حكم العلة وشرط فيه شبهة العلة وشرط في معنى السبب وشرط اسما لا حكما وشرط بمعنى العلامة الخالصة فأما الشرط المحض فهو ما يتوقف وجود العلة على وجوده ويمتنع وجود العلة حقيقة بعد وجودها صورة حتى يوجد ذلك الشرط فتصير موجودة عندها حقيقة على ما بينا في الفرق بين الشرط والعلة أن الحكم مضاف إلى الشرط وجودا عنده لا وجوبا به وذلك نحو كلمات الشرط كلها كقوله لعبده إن دخلت الدار فأنت حر أو إذا دخلت أو متى دخلت أو كلما دخلت فإن التحرير الذي هو علة يتوقف وجوده على وجود الشرط حقيقة بعد ما وجد صورته بكلماته من المولى وعند وجود الشرط يوجد التحرير حقيقة فيثبت به حكم العتق وعلى هذا حكم العبادات والمعاملات فإنها تعلقت بأسباب جعلها الشرع سببا للوجوب كما بينا ثم وجود العلة حقيقة يتأخر إلى وجود ما هو شرط فيه وهو العلم به أو ما يقوم مقام العلم به حتى إن النص النازل قبل علم المخاطب به جعل في حقه كأنه غير نازل ولهذا قلنا من أسلم في دار الحرب ولم يعلم بوجوب العبادات عليه حتى مضى زمان ثم علم بذلك فإنه لا يلزمه قضاء شيء باعتبار السبب في الماضي وإذا أسلم في دار الإسلام يلزمه القضاء لا لأن العلم ليس بشرط ولكن لأن شيوع الخطاب في دار الإسلام وتيسير الوصول إليه بأدنى طلب يقوم مقام وجود العلم به فتصير العلة موجودة حقيقة بوجود الشرط حكما وعلى هذا تؤدى العبادات بأداء أركانها نحو الصلاة فإن أركانها القيام والقراءة والركوع والسجود ثم لا يوجد الأداء بها إلا بعد وجود الشرط وهو النية والطهارة وكذلك المعاملات فإن ركن النكاح وهو الإيجاب والقبول لا يوجد به انعقاد العقد إلا عند وجود الشرط وهو الشهود ثم هذا النوع من الشرط إنما يعرف بصيغته أو بدلالته فمتى وجد صيغة كلمة الشرط لم ينفك عن معنى الشرط والذي قاله بعض المتأخرين من مشايخنا في قوله تعالى فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا إنه مذكور على سبيل العادة وإنه لا فائدة فيه سوى أن الحاجة إلى الكتابة أمس في هذه الحالة قال رضي الله عنه هذا ليس بقوي عندي لأن تحت هذا الكلام أنه ليس في ذكر هذا الشرط فائدة معنى الشرط وكلام الله تعالى منزه عن هذا بل فيه فائدة الشرط وبيانه أن الأمر للإيجاب تارة وللندب أخرى والمراد الندب هنا بدليل ما بعده وهو قوله وآتوهم من مال الله الذي آتاكم فإنه للندب دون الإيجاب وعقد الكتابة وإن كان مباحا قبل أن يعلم فيه خيرا فإنما يصير مندوبا إليه إذا علم أن فيه خيرا فظهر فائدة الشرط من هذا الوجه وكذلك قوله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا فإنه غير مذكور على وفاق العادة عندنا بل لبيان الندب فإن نكاح الأمة مع طول الحرة عدم طول الحرة وكذلك قوله تعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم وإن كان مباحا له إلا أنه غير مندوب إليه وإنما يندب إليه بشرط غير مذكور على وفاق العادة بل هو بمعنى الشرط حقيقة لأن المراد هو القصر في أحوال الصلاة كالأداء راكبا بالإيماء والإيجاز في القراءة وتخفيف الركوع والسجود وذلك إنما يوجد عند وجود هذا الشرط وهو الخوف ألا ترى إلى قوله تعالى فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون وقال تعالى فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة فأما قوله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فهو غير مذكور بصيغة الشرط فيه وقوله تعالى فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحكم الجواز لا يثبت إلا عند وجود هذا الشرط

Section V02/P321–V02/P323

وبيان دلالة الشرط فيما قال علماؤنا إذا قال لنسوة المرأة التي أتزوجها منكن طالق أو قال لأربع نسوة له المرأة التي تدخل الدار منكن طالق فإنه يتوقف وجود العلة حقيقة على وجود التزوج والدخول لوجود دلالة الشرط فيه وهو أنه مذكور على سبيل الوصف للنكرة بخلاف ما لو قال هذه المرأة التي أتزوجها أو هذه المرأة التي تدخل الدار فإنه مذكور على سبيل الوصف للعين فلا يكون شرطا ولا يتوقف وجود العلة على وجوده ولو أتى بصيغة الشرط في الوجهين يوقف وجود العلة على وجوده بأن قال إن تزوجت امرأة منكن أو هذه المرأة إن تزوجتها وأما الشرط الذي هو حكم العلة فنحو شق الزق حتى يسيل ما فيه من الدهن وقطع حبل القنديل حتى يسقط فينكسر فإن الشق في الصورة مباشرة إتلاف جزء من الزق وفي حق الدهن هو إيجاد شرط السيلان ولكن جعل هذا الشرط في حكم العلة حتى يجعل كأنه باشر إراقة الدهن لأن المائع لا يكون محفوظا إلا بوعاء فإزالة ما به تماسكه يكون مباشرة تفويت ما كان محفوظا به وكذلك القنديل على ما هو مصنوع له عادة لا يكون محفوظا إلا بحبل يعلقه به فكان قطع ذلك الحبل مباشرة تفويت ما كان محفوظا به فيكون إلقاء وكسرا وعلى هذا جرح الإنسان إذا اتصل به السراية يكون مباشرة القتل حتى يجب القصاص به إذا كان عمدا لأن الحياة لا يمكن إزهاقه حقيقة بالأخذ والإخراج ولكنه محفوظ في البدن بسلامة البنية فنقض البنية بالجرح والقطع يكون تفويتا لما كان به محفوظا فيجعل ذلك مباشرة علة القتل حكما بخلاف الطلاق والعتاق فإنه محفوظ عند المالك بامتناعه عن التكلم بكلمة الإيقاع فبعد ما تكلم بكلمة الإيقاع كان التعليق بالشرط للمنع من الوقوع ومن أن يكون ذلك التكلم علة حقيقة وإذا صار عند وجود الشرط علة حقيقة كان الحكم مضافا إلى العلة ثبوتا به وإلى الشرط وجودا عنده فلم يكن الشرط هناك في حكم العلة حتى كان وجوب الضمان عند الرجوع على شهود التعليق دون شهود الشرط ولا ضمان على شهود الشرط إذا رجعوا دون شهود التعليق وعلى هذا قال أبو حنيفة فيمن قيد عبده ثم قال إن كان في قيدك عشرة أرطال حديد فأنت حر وإن حل هذا القيد فأنت حر فشهد الشاهدان أن في القيد عشرة أرطال حديد فأعتقه القاضي ثم حل القيد فإذا فيه خمسة أرطال فإن الشهود يضمنون قيمة العبد لأن قضاء القاضي عنده بشهادة الزور ينفذ ظاهرا وباطنا فكان العتق ثابتا بقضاء القاضي بعد شهادتهما قبل أن يحل القيد وهما في الصورة شاهدا الشرط ولكنهما مثبتان علة العتق بشهادتهما لأنهما شهدا أن المولى علق عتقه بشرط موجود والتعليق بشرط موجود يكون تنجيزا فكأنهما شهدا بتنجيز العتق فضمنا لإثباتهما شرطا هو علة في الحكم وأما الشرط الذي يشبه العلة فهو أن يعارضه ما لا يصلح أن يكون علة للحكم بانفراده ومتى عارضه ما يصلح علة بانفراده فذلك الشرط لا يشبه العلة لمعنى وهو أن الأصل في إضافة الحكم إليه ( العلة ) وعلل الشرع فيما يرجع إلى ثبوت الحكم بها كأنها شروط على معنى أنها أمارات غير موجبة للحكم بذواتها بل بجعل الشرع إياها كذلك والشرط من وجه يشبهها على معنى أن الحكم يصير مضافا إلى الشرط وجودا عنده فأمكن جعله خلفا عن العلة في الحكم فقلنا متى عارض الشرط ما لا يصلح أن يكون علة في الحكم صار موجودا بعد وجود الشرط فلا بد من أن يجعل الشرط خلفا عن العلة في إثبات الحكم به ومتى أمكن جعل المعارض علة بانفراده فلا حاجة إلى إثبات هذه الخلافة فلم يجعل للشرط شبه العلة

Section V02/P323–V02/P325

وبيانه فيما قلنا إن حفر البئر في الطريق إيجاد شرط الوقوع بإزالة المسكة عن ذلك الموضع إلا أن ما عارضه من العلة وهو ثقل الماشي لا يصلح بانفراده علة الإتلاف بطريق العدوان وما هو سببه وهو مشيه لا يصلح علة لذلك فإنه مباح مطلقا فكان الشرط بمنزلة العلة في إضافة الحكم إليه حتى يجب الضمان على الحافر ولكن لا يصير مباشرا للإتلاف حتى لا تلزمه الكفارة ولا يحرم عن الميراث فكان لهذا الشرط شبه العلة لا أن يكون علة حكما وقلنا في شهود التعليق وشهود الشرط إذا رجعوا فالضمان على شهود التعليق خاصة لأنهم نقلوا قول المولى أنت حر وهذا بانفراده علة تامة لإضافة حكم العتق إليه فلم يكن للشرط هناك شبه العلة فلهذا لا يضمن شهود الشرط شيئا سواء رجع الفريقان أو رجع شهود الشرط خاصة وكذلك إذا رجع شهود التخيير وشهود الاختيار فإن الضمان على شهود الاختيار خاصة لأن التخيير سبب وما عارضه وهو الاختيار علة تامة للحكم فكان الحكم مضافا إليه دون السبب فلم يضمن شهود السبب شيئا كما لا يضمن شهود الشرط وعلى هذا قلنا إذا اختلف حافر البئر مع ولي الواقع فيها وقال الحافر أوقع فيها نفسه وقال الولي لا بل وقع فيها فالقول قول الحافر استحسانا لأن الحفر شرط جعل خلفا عن العلة لضرورة كون العلة غير صالحة فالحافر يتمسك بما هو الأصل وهو صلاحية العلة للحكم وينكر سبب الخلافة وذلك حكم ضروري فكان القول قوله بخلاف الجارح إذا ادعى أن المجروح مات بسبب آخر وقال الولي مات من تلك الجارحة فإن القول قول الولي لأن الجارح صاحب علة لا صاحب شرط كما بينا والأصل في العلة الصلاحية للحكم فكان الولي هو المتمسك بالأصل هنا وعلى هذا قلنا إذا غصب من آخر حنطة فزرعها فإن الزرع يكون مملوكا للغاصب لأن ما هو العلة لحصول الخارج وهو قوة الأرض والهواء والماء مسخر بتقدير الله تعالى لا اختيار له فلا يصلح لإضافة الحكم إليه والإلقاء الذي هو شرط جامع بين هذه الأشياء يجعل كالعلة خلفا عنها في الحكم فبهذا الطريق يصير الزرع كسب الغاصب مضافا إلى عمله فيكون مملوكا له وإذا سقط الحب في الأرض من غير صنع أحد بأن هبت به الريح فقد تعذر جعل هذا الشرط خلفا عن العلة فجعل المحل الذي هو في حكم الشرط كالعلة خلفا حتى يكون الخارج لصاحب الحنطة لكونها محلا لما حصل وهو الخارج وأما الشرط الذي هو في معنى السبب فهو أن يعترض عليه فعل من مختار ويكون سابقا عليه وذلك نحو ما إذا حل قيد عبد فأبق لم يضمن عند أصحابنا جميعا وحل القيد إزالة المانع للعبد من الذهاب فكان شرطا فقد اعترض عليه فعل من مختار وهو الذهاب من العبد الذي هو علة تلف المالية فيه فما هو الشرط كان سابقا عليه وما هو العلة غير مضاف إلى السابق من الشرط فتبين به أنه بمنزلة السبب المحض لأن سبب الشيء يتقدمه وشرطه يكون متأخرا عن صورته وجودا وإذا كان بمعنى السبب كان تلف المالية مضافا إلى ما اعترض عليه من العلة دون ما سبق من السبب وعلى هذا لو أرسل دابة في الطريق فجالت يمنة أو يسرة عن سنن الطريق ثم سارت فأصابت شيئا فلا ضمان على المرسل لأن الإرسال هناك سبب محض وقد اعترض عليه فعل من مختار وهو غير منسوب إلى السبب الأول حين لم تذهب على سنن إرساله حتى يكون سابقا بذلك الإرسال فكان الأول المتقدم شرطا بمعنى السبب ثم في الوجهين يضاف الهلاك إلى ما اعترض من الفعل دون ما سبق وفعل الدابة لا يوجب الضمان على مالكها وعلى هذا قلنا في الدابة المنفلتة إذا أتلفت زرع إنسان ليلا أو نهارا لم يضمن صاحبها شيئا لأنه لم يوجد منه علة ولا سبب ولا شرط يصير به الإتلاف مضافا إليه

Section V02/P325–V02/P327

وعلى هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما إذا فتح باب القفص فطار الطير أو فتح باب الاسطبل فندت الدابة في فور ذلك فإن الفاتح للباب لم يضمن شيئا لأن فعله شرط لأنه إزالة المانع من الانطلاق وذلك شرط الانطلاق ثم اعترض عليه فعل من مختار غير منسوب إليه فكان الأول شرطا في معنى السبب فلا يصير الهلاك مضافا إليه وقد اعترض عليه ما هو العلة بخلاف حفر البئر إذا وقع فيه الماشي فإن ما اعترض هناك من مشيه لا يصلح أن يكون علة الإتلاف حين لم يكن عالما بعمق ذلك المكان حتى لو أوقع نفسه في البئر لم يضمن الحافر شيئا لأن ما اعترض علة صالحة للحكم وهو فعل حصل من مختار على وجه القصد إليه ولهذا لو مشى على قنطرة واهية موضوعة بغير حق وهو عالم به فانخسفت به لم يضمن الواضع شيئا وكذلك إذا مشى في موضع من الطريق قد صب فيه الماء وهو عالم به فزلقت رجله ولكن محمدا رضي الله عنه يقول فعل الدابة هدر شرعا وهو غير صالح لإضافة الحكم إليه فيكون مضافا إلى الشرط السابق الذي هو في معنى السبب بخلاف فعل العبد من الإباق فإنه صالح شرعا لإضافة الحكم إليه والجواب لهما أن فعل الدابة لا يصلح لإيجاب حكم به ولكن يصلح لقطع الحكم ألا ترى أن في الدابة التي أرسلها صاحبها في الطريق إذا جالت يمنة أو يسرة اعتبر فعلها في قطع حكم إرسال صاحبها وكذلك الصيد إذا خرج من الحرم يعتبر فعله في قطع الحكم وهو الحرمة الثابتة له بسبب الحرم وإذا صال على إنسان فكذلك الجواب وبظاهر هذا الكلام يقول الشافعي في الجمل إذا صال على إنسان فقتله إنه لا يضمن شيئا لأن فعل الجمل صالح لقطع الحكم الثابت به وهو العصمة والتقوم الثابت فيه لحق المالك ولكنا نقول فعل الدابة غير صالح لإيجاب الشيء على مالكها وفي إسقاط حقه في تضمين المتلف إيجاب حكم عليه وهو الكف عن الاعتداء على من اعتدى عليه بإتلاف ماله ومثله لا يوجد في صيد الحرم وعلى هذا قلنا لو أرسل كلبا على صيد مملوك لإنسان فقتله الكلب أو أشلاه على بعير إنسان فقتله أو على ثوب إنسان فخرقه لم يضمن شيئا لأن ما وجد منه من الإشلاء سبب قد اعترض عليه فعل من مختار غير منسوب إلى ذلك السبب فإن بمجرد الإشلاء لا يكون سابقا له بخلاف ما إذا أرسل كلبه المعلم على صيد فذبحه فإنه يجعل كأنه ذبحه بنفسه في حكم الحل لأن الاصطياد نوع كسب ينفي عنه معنى الحرج ويبني الحكم فيه على قدر الإمكان فأما في ضمان العدوان يجب الأخذ بمحض القياس لأن مع الشك في السبب الموجب للضمان لا يجب الضمان بحال وعلى هذا قلنا لو أوقد نارا في ملكه فهبت الريح بها إلى أرض جاره حتى أحرقت كدسه لم يضمن ولو ألقى شيئا من الهوام على الطريق فانقلبت من مكان إلى مكان آخر ثم لدغت إنسانا لم يضمن الملقي شيئا فما كان من هذا الجنس فتخريجه على الأصل الذي قلنا وأما الشرط اسما لا حكما وهو المجاز في هذا الباب فنحو الشرط السابق وجودا فيما علق بالشرطين نحو أن يقول لعبده إن دخلت هاتين الدارين فأنت حر فإن دخوله في الدار الأولى شرط اسما لا حكما لأن الحكم غير مضاف إليه وجوبا به ولا وجودا عنده ولهذا لم يعتبر علماؤنا قيام الملك عند وجود الشرط الأول خلافا لزفر رضي الله عنه وهذا لأن الملك في المحل شرط لنزول الجزاء أو لصحة الإيجاب والحكم غير مضاف إلى الشرط وجوبا به فإنه لا تأثير للشرط في ذلك ولا وجودا عنده فإنه لا يترك الطلاق في المحل ما لم يتم الشرط فلو اعتبرنا الملك عند وجوده إنما يعتبر لبقاء اليمين ومحل اليمين الذمة فكانت باقية ببقاء محلها من غير أن يشترط فيه الملك في المحل

Section V02/P327–V02/P328

وأما الشرط الذي هو علامة فنحو الإحصان لإيجاب الرجم فإنه علامة يعرف بظهوره كون الزنا موجبا للرجم وهو في نفسه ليس بعلة ولا سبب ولا شرط محض في إيجاب الرجم وحد الشرط ما يمتنع ثبوت العلة حقيقة بعد وجودها صورة إلى وجوده كما في تعليق الطلاق بدخول الدار والزنا موجب للعقوبة بنفسه ولا يمتنع ثبوت الحكم به إلى وجود الإحصان كيف ولو وجد الإحصان بعد الزنا لا يثبت بوجوده حكم الرجم فعرفنا أنه غير مضاف إليه وجوبا به ولا وجودا عند وجوده ولكنه يعرف بظهوره أن الزنا حين وجد كان موجبا للرجم فكان علامة ولهذا لا يوجب الضمان على شهود الإحصان إذا رجعوا بخلاف ما قال أبو حنيفة رضي الله عنه في المزكين لشهود الزنا إذا رجعوا بعد الرجم فإن التزكية بمنزلة علة العلة ( كما بينا ) ولهذا يثبت الإحصان بعد الزنا بشهادة رجل وامرأتين عندنا خلافا لزفر لأنه لما كان معرفا ولم يكن الرجم مضافا إليه وجوبا ولا وجودا كانت هذه الحالة كغيرها من الأحوال في حكم الشهادة فكما ثبت النكاح بشهادة رجل وامرأتين في غير هذه الحالة فكذلك في هذه الحالة فإن قيل أنا أثبت النكاح بهذه الشهادة ولكن لا يثبت التمكن للإمام من إقامة الرجم لأنه كما لا مدخل لشهادة النساء في إيجاب الرجم فلا مدخل لشهادتهن في إثبات التمكن من إقامة الرجم بمنزلة ما لو كان الزاني عبدا مسلما لنصراني فشهد عليه نصرانيان أن مولاه كان أعتقه قبل الزنا فإنه تثبت الحرية بهذه الشهادة ولا يثبت تمكن الإمام من إقامة الرجم عليه لأنه كما لا مدخل لشهادة الكفار في إيجاب الرجم على المسلم فلا مدخل لشهادتهم في إثبات التمكن من إقامة الرجم على المسلم قلنا هذا ليس بصحيح لأن شهادة النساء دخلها الخصوص في المشهود به لا في المشهود عليه والمشهود به ليس يمس الرجم أصلا وشهادة الكفار دخلها الخصوص في المشهود عليه لا في المشهود به فإن شهادتهم حجة في الحد على الكفار ولكنها ليست بحجة على المسلم والإقامة عند الشهادة تكون على المسلم وهو حادث فلا تجعل شهادتهم فيه حجة وهذا لأن في الموضعين جميعا في الشهادة معنى تكثير محل الجناية من حيث الجناية على نعمة الحرية في أحد الموضعين وعلى نعمة إصابة الحلال بطريقه في الموضع الآخر وهو الإحصان ثم في تكثير محل الجناية يتضرر الجاني والجاني مسلم وشهادة الكفار فيما يتضرر به المسلم لا تكون حجة أصلا فأما شهادة النساء فيما يتضرر به الرجل تكون حجة وإنما لا تكون حجة فيما تضاف إليه العقوبة وجوبا به أو جودا عنده وذلك لا يوجد في هذه الشهادة أصلا وعلى هذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا علق طلاقا أو عتاقا بولادة امرأة ولم يقر بأنها حبلى ثم شهدت القابلة على ولادتها يثبت بها وقوع الطلاق والعتاق لأن هذا شرط بمنزلة العلامة من حيث إن الطلاق إنما يصير مضافا إلى نفس الولادة وجودا عندها وأما ظهور الولادة فمعرف لا يضاف إليه الطلاق وجوبا به ولا وجودا عنده والولادة تظهر بشهادة النساء في غير هذه الحالة حتى يثبت النسب بشهادة القابلة وحدها فكذلك في هذه الحالة كما في مسألة الإحصان ولكن أبو حنيفة رضي الله عنه يقول الولادة شرط محض من حيث إنه يمنع ثبوت علة الطلاق والعتاق حقيقة إلى وجوده ثم لا يكون الطلاق والعتاق من أحكام الولادة وشهادة القابلة حجة ضرورية في الولادة لأنه لا يطلع عليها الرجال فإنما تكون حجة فيما هو من أحكام الولادة أو مما لا تنفك الولادة عنه خاصة فأما في الطلاق والعتاق هذا الشرط كغيره من الشرائط

Section V02/P328–V02/P330

وعلى هذا قال أبو يوسف ومحمد في المعتدة إذا جاءت بولد فشهدت القابلة على الولادة يثبت النسب بشهادتها وإن لم يكن هناك حبل ظاهر ولا فراش قائم ولا إقرار من الزوج بالحبل لإن الولادة لثبوت النسب شرط بمنزلة العلامة فإن بها يظهر ويعرف ما كان موجودا في الرحم قبل الولادة وكان ثابت النسب من حين وجد فلم يكن النسب مضافا إلى الولادة وجوبا بها ولا وجودا عندها والولادة في غير هذه الحالة تثبت بشهادة القابلة وحدها يعني إذا كان هناك فراش قائم أو حبل ظاهر أو إقرار من الزوج بالحبل فكذلك في هذه الحالة وأبو حنيفة رحمه الله يقول الولادة بمنزلة المعرف كما قالا ولكن في حق من يعرف الباطن فأما في حقنا فالنسب مضاف إلى الولادة لأنا نبني الحكم على الظاهر ولا نعرف الباطن فما كان باطنا يجعل في حقنا كالمعدوم إلى أن يظهر بالولادة بمنزلة الخطاب النازل في حق من لم يعلم به فإنه يجعل كالمعدوم ما لم يعلم به وإذا صار النسب مضافا إلى الولادة من هذا الوجه لا تثبت الولادة في حقه إلا بما هو حجة لإثبات النسب بخلاف ما إذا كان الفراش قائما فالفراش المعلوم هناك مثبت للنسب قبل الولادة فكانت الولادة علامة معرفة وكذلك إذا كان الحبل ظاهرا أو أقر الزوج بالحبل فقد كان السبب هناك ثابتا بظهور ما يثبته لنا قبل الولادة وعلى هذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه استهلال المولود في حكم الإرث لا يثبت بشهادة القابلة وحدها لأن حياة الولد كان غيبا عنا وإنما يظهر عند استهلاله فيصير مضافا إليه في حقنا والإرث يبتنى عليه فلا يثبت بشهادة القابلة كما لا يثبت حق الرد بالغيب بشهادة النساء في جارية اشتراها بشرط البكارة إذا شهدت أنها ثيب قبل القبض ولا بعده ولكن يستحلف البائع فعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله الاستهلال ( معرف فإن حياة الولد لا تكون مضافا إليه وجوبا به ولا وجودا عنده ونفس الاستهلال ) في غير حالة التوريث يثبت بشهادة القابلة حتى يصلى على المولود فكذلك في حالة التوريث فصل في بيان تقسيم العلامة العلامة أنواع أربعة علامة هي دلالة الوجود فيما كان موجودا قبله ومنه علم الثوب ومنه علم العسكر وهذا حد العلامة المحضة وعلامة هي بمعنى الشرط وذلك الإحصان في حكم الرجم كما بينا وعلامة هي علة فقد بينا أن العلل الشرعية بمنزلة العلامات للأحكام فإنها غير موجبة بذواتها شيئا بل بجعل الشرع إياها موجبة وعلامة تسمية ومجازا وهي علل الحقائق المعتبرة بذواتها على ما نبينها في موضعها وقد جعل الشافعي عجز القاذف عن إقامة أربعة من الشهداء علامة لبطلان شهادة القاذف لا شرطا حتى قال القذف مبطل شهادته قبل ظهور عجزه عن إقامة الشهود ثم ظهور العجز يعرف لنا هذا الحكم فكان علامة بخلاف الجلد فإنه فعل يقام على القاذف فكان العجز فيه شرطا لأن إقامة الحد يصير مضافا إليه وجودا عنده فأما سقوط شهادته أمر حكمي فيثبت بنفس القذف لأنه كبيرة لما فيه من إشاعة الفاحشة وهتك ستر العفة على المسلم فالأصل في الناس هو العفة عن الزنا والتمسك بالأصل واجب حتى يتبين خلافه وباعتبار هذا الأصل كان القذف كبيرة فيكون بمنزلة سائر الكبائر في ثبوت سمة الفسق وسقوط الشهادة بنفسها