Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)
قلنا أما استعمال لفظ البيع في الإجارة فإنما لا يجوز عندنا لانعدام المحل لا لانعدام الصلاحية للاستعارة لأنه إن أضيف لفظ البيع إلى رقبة الدار والعبد فهو عامل بحقيقته في تمليك العين وإن أضيف إلى منفعتهما فالمنفعة معدومة والمعدوم لا يكون محلا للتمليك واللفظ متى صار مجازا عن غيره يجعل كأنه وجد التصريح باللفظ الذي هو مجاز عنه ولو قال أجرتك منافع هذه الدار لا يصح أيضا وإنما يصح إذا قال أجرتك الدار باعتبار إقامة العين المضاف إليه العقد مقام المنفعة ولفظ البيع متى أضيف إلى العين كان عاملا في حقيقته حتى لو قال الحر لغيره بعتك نفسي شهرا بعشرة يجوز ذلك على وجه الاستعارة عن الإجارة لأن عين الحر ليس بمحل لما وضع له البيع حقيقة وأهل المدينة يسمون الإجارة بيعا فتجوز ههنا الاستعارة للاتصال من حيث السببية وأما قوله أعتق عبدك عني فمن يقول إن ذلك مجاز عن الشراء فقد أخطأ خطأ فاحشا وكيف يكون ذلك مجازا عنه وهو عامل بحقيقته واللفظ متى صار مجازا عن غيره يسقط اعتبار حقيقته وفي الموضع الذي لا يثبت حقيقة العتق بأن يكون القائل صبيا أو عبدا مأذونا لا يثبت الشراء فعرفنا أن ثبوت الشراء هناك بطريق الاقتضاء للحاجة إلى تحصيل المقصود الذي صرحنا به وهو الإعتاق عنه فإن من شرطه ثبوت الملك له في المحل والمقتضى ليس من المجاز في شيء وكذلك شراء القريب عندنا ليس بإعتاق مجازا وكيف يكون ذلك وهو عامل بحقيقته وهو ثبوت الملك به ولا يجمع بين الحقيقة والمجاز في محل واحد بل بطريق أن الشراء موجب ملك الرقبة وملك الرقبة متمم علة العتق في هذا المحل فيصير الحكم وهو العتق مضافا إلى السبب الموجب لما تتم به العلة بطريق أنه بمنزلة علة العلة فأما أن يكون بطريق المجاز فلا ومن أحكام هذا الفصل أن اللفظ متى كان له حقيقة مستعملة ومجاز متعارف فعلى قول أبي حنيفة مطلقه يتناول الحقيقة المستعملة دون المجاز وعلى قولهما مطلقه يتناولهما باعتبار عموم المجاز وبيانه فيما قلنا إذا حلف لا يشرب من الفرات أو لا يأكل من هذه الحنطة وهذا في الحقيقة يبتني على أصل وهو أن المجاز عندهما خلف عن الحقيقة في إيجاب الحكم فهو المقصود لا نفس العبارة وباعتبار الحكم يترجح عموم المجاز على الحقيقة فإن الحكم به يثبت في الموضعين وعند أبي حنيفة المجاز خلف عن الحقيقة في التكلم به لا في الحكم لأنه تصرف من المتكلم في عبارته من حيث إنه يجعل عبارته قائمة مقام عبارة ثم الحكم يثبت به أصلا بطريق أنه يجعل كالمتكلم بما كان المجاز عبارة عنه لا أنه خلف عن الحكم وإذا كان المجاز خلفا في التكلم لا يثبت المزاحمة بين الأصل والخلف فيجعل اللفظ عاملا في حقيقته عند الإمكان وإنما يصار إلى إعماله بطريق المجاز في الموضع الذي يتعذر إعماله في حقيقته
وعلى هذا الأصل قال أبو حنيفة رضي الله عنه إذا قال لعبده وهو أكبر سنا منه هذا ابني يعتق عليه وعلى قول أبي يوسف و محمد رحمهما الله لا يعتق لأن صريح كلامه محال والمجاز عندهما خلف عن الحقيقة في إيجاب الحكم ففي كل موضع يصلح أن يكون السبب منعقدا لإيجاب الحكم الأصلي يصلح أن يكون منعقدا لإيجاب ما هو خلف عن الأصل وفي كل موضع لا يوجد في السبب صلاحية الانعقاد للحكم الأصلي لا ينعقد موجبا لما هو خلف عنه فإن قوله لامس السماء يصلح منعقدا لإيجاب ما هو الأصل وهو البر من حيث إن السماء غير ممسوسة فيصلح أن يكون منعقدا لإيجاب الخلف عنه وهو الكفارة واليمين الغموس لا تصلح سببا لإيجاب ما هو الأصل وهو البر فلا يكون موجبا لما هو خلف عنه وهو الكفارة فهنا أيضا هذا اللفظ في معروف النسب الذي يولد مثله لمثله يصلح سببا لإيجاب ما هو الأصل وهو ثبوت النسب إلا أنه امتنع إعماله ( للحكم ) لثبوت نسبه من الغير فيكون موجبا لما هو خلف عنه وهو العتق وفيمن هو أكبر سنا منه لا يصلح سببا لإيجاب ما هو الأصل فلا يكون موجبا لما هو خلف عنه ولهذا لا تصير أم الغلام أم الولد له هنا وفي معروف النسب تصير أم ولد له على ما نص في كتاب الدعوى وعلى هذا جعلنا بيع الحرة نكاحا لأن هناك المانع من الحكم الذي هو أصل في هذا المحل شرعي وهو تأكد الحرية على وجه لا يحتمل الإبطال لا باعتبار أن السبب ليس بصالح لإثبات الحكم الأصلي به في هذا المحل فيكون منعقدا لإثبات ما هو خلف عنه وهو ملك المتعة ولكن أبو حنيفة يقول المجاز خلف عن الحقيقة في التكلم لا في الحكم كما قررنا فالشرط فيه أن يكون الكلام صالحا وصلاحيته بكونه مبتدأ وخبرا بصيغة الإيجاب وهو موجود هنا فيكون عاملا في إيجاب الحكم الذي يقبله هذا المحل بطريق المجاز على معنى أنه سبب للتحرير فإن من ملك ولده يعتق عليه ويصير معتقا له إذا اكتسب سبب تملكه فاللفظ متى صار عبارة عن غيره مجازا للاتصال من حيث السببية يسقط اعتبار حقيقته وباعتبار مجازه ما صادف إلا محلا صالحا ولما تبين أنه خلف في التكلم لا في الحكم كان عمله كعمل الاستثناء والاستثناء صحيح على أن يكون عبارة عما وراء المستثنى وإن لم يصادف أصل الكلام محلا صالحا له باعتبار أنه تصرف من المتكلم في كلامه حتى لو قال لامرأته أنت طالق ألفا إلا تسعمائة وتسعة وتسعين لم تقع إلا واحدة نص عليه في المنتقى ومعلوم أن المحل غير صالح لما صرح به ومع ذلك كان الاستثناء صحيحا لأنه تصرف من المتكلم في كلامه فهنا كذلك
ثم فيه طريقان لأبي حنيفة أحدهما أنه بمنزلة التحرير ابتداء باعتبار أنه ذكر كلاما هو سبب للتحرير في ملكه وهو البنوة فيصير محررا ( به ) ابتداء مجازا ولهذا لا تصير الأم أم ولد له لأنه ليس لتحرير الغلام ابتداء تأثير في إيجاب أمية الولد ( لأمه ) ولأنه لا يملك إيجاب ذلك الحق لها بعبارته على الحقيقة ابتداء بل بفعل هو استيلاد ولهذا قال في كتاب الدعوى لو ورث رجلان مملوكا ثم ادعى أحدهما أنه ابنه يصير ضامنا لشريكه قيمة نصيبه إذا كان موسرا باعتبار أن ذلك كالتحرير المبتدأ منه وعلى الطريق الآخر يجعل هذا إقرارا منه بالحرية مجازا كأنه قال عتق علي من حين ملكته فإن ما صرح به وهو البنوة سبب لذلك وهنا هو الأصح فقد قال في كتاب الإكراه إذا أكره على أن يقول هذا ابني لا يعتق عليه والإكراه إنما يمنع صحة الإقرار بالعتق لا صحة التحرير ابتداء ووجوب الضمان في مسألة الدعوى بهذا الطريق أيضا فإنه لو قال عتق علي من حين ملكته كان ضامنا لشريكه أيضا وعلى هذا الطريق نقول الجارية تصير أم ولد له لأن كلامه كما جعل إقرارا بالحرية للولد جعل إقرارا بأمية الولد للأم فإن ما تكلم به سبب موجب هذا الحق لها في ملكه كما هو موجب حقيقة الحرية للولد وبهذا الطريق في معروف النسب يثبت العتق لا بالطريق الذي قالا فإنه مكذب شرعا في الحكم الأصلي والمكذب في كلامه شرعا كالمكذب حقيقة في إهدار كلامه ألا ترى أنه لو أكره على أن يقول لعبده هذا ابني لا يعتق عليه لأنه مكذب شرعا بدليل الإكراه إلا أن دليل التكذيب هناك عامل في الحقيقة والمجاز جميعا وهنا دليل التكذيب وهو ثبوت نسبه من الغير عامل في الحقيقة دون المجاز وهو الإقرار بحريته من حين ملكه ولهذا قلنا لو قال لزوجته وهي معروفة النسب من غيره هذه ابنتي لا تقع الفرقة بينهما لأنه ليس بكلام موجب بطريق الإقرار في ملكه إنما موجبه إثبات النسب وقد صار مكذبا فيه شرعا فصار أصل كلامه لغوا وبيان هذا أن التبعية لا توجب الفرقة ولكنها تنافي النكاح أصلا واللفظ متى صار مجازا عن غيره يجعل قائما مقام ذلك اللفظ فكأنه قال ما تزوجتها أو ما كان بيني وبينها نكاح قط وذلك لا يوجب الفرقة وكذلك لا يثبت به حرمتها عليه على وجه ينتفي به النكاح لأن في حكم الحرمة هذا الإقرار عليها لا على نفسه والعين هي التي تتصف بالحرمة وهو مكذب شرعا في إقراره على غيره ولا يدخل على هذا ما إذا قال لعبده يا ابني لأن النداء لاستحضار المنادي بصورته لا بمعناه وإنما صار هذا اللفظ مجازا باعتبار معناه كما بينا فأما إذا قال يا حر أو يا عتيق فإعمال ذلك اللفظ باعتبار أنه علم لإسقاط الرق به لا باعتبار المعنى فيه فكان عاملا على أي وجه أضافه إلى المملوك والله أعلم فصل في بيان الصريح والكناية الصريح هو كل لفظ مكشوف المعنى والمراد حقيقة كان أو مجازا يقال فلان صرح بكذا أي أظهر ما في قلبه لغيره من محبوب أو مكروه بأبلغ ما أمكنه من العبارة ومنه سمي القصر صرحا قال تعالى وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا والكناية بخلاف ذلك وهو ما يكون المراد به مستورا إلى أن يتبين بالدليل مأخوذ من قولهم كنيت وكنوت ولهذا كان الصريح ما يكون مفهوم المعنى بنفسه وقد تكون الكناية ما لا يكون مفهوم المعنى بنفسه فإن الحرف الواحد يجوز أن يكون كناية نحو هاء الغائبة وكاف المخاطبة يقول الرجل هو يفعل كذا وهذا الهاء لا يميز اسما من اسم فتكون هذه الكناية من الصريح بمنزلة المشترك من المفسر وكذلك كل اسم هو ضمير نحو أنا وأنت ونحن فهو كناية وكل ما يكون متردد المعنى في نفسه فهو كناية والمجاز قبل أن يصير متعارفا بمنزلة الكناية أيضا لما فيه من التردد ومنه أخذت الكنية فإنها غير الاسم
والاسم الصريح لكل شخص ما جعل علما له ثم يكنى بالنسبة إلى ولده فيكون ذلك تعريفا له بالولد الذي هو معروف بالنسب إليه وهذا ليس من المجاز في شيء ولكن لما كان معرفة المراد منه بغيره سمي كنية وعلى هذا الاستعارات والتعريضات في الكلام بمنزلة الكناية فإن العرب تكني الحبشي بأبي البيضاء والضرير بأبي العيناء وليس بينهما اتصال بل بينهما مضادة وقد ذكرنا أن المجاز حده الاتصال بينه وبين ما جعل مجازا عنه عرفنا أن الكناية غير المجاز ولكنهم يكنون بالشيء عن الشيء على وجه السخرية أو على وجه التفاؤل فيكنون عما يذم بما يمدح به على سبيل التفاؤل كما يذكرون صيغة الأمر على وجه الزجر والتهديد ويقولن تربت يداك على وجه التعطف فبهذا يتبين أن حد الكناية غير حد المجاز ثم حكم الصريح ثبوت موجبه بنفسه من غير حاجة إلى عزيمة وذلك نحو لفظ الطلاق والعتاق فإنه صريح فعلى أي وجه أضيف إلى المحل من نداء أو وصف أو خبر كان موجبا للحكم حتى إذا قال يا حر أو يا طالق أو أنت حر أو أنت طالق أو قد حررتك أو قد طلقتك يكون إيقاعا نوى أو لم ينو لأن عينه قائم مقام معناه في إيجاب الحكم لكونه صريحا فيه وحكم الكناية أن الحكم بها لا يثبت إلا بالنية أو ما يقوم مقامها من دلالة الحال لأن في المراد بها معنى التردد فلا تكون موجبة للحكم ما لم يزل ذلك التردد بدليل يقترن بها وعلى هذا سمى الفقهاء لفظ التحريم والبينونة من كنايات الطلاق وهو مجاز عن التسمية باعتبار معنى التردد فيما يتصل به هذا اللفظ حتى لا يكون عاملا إلا بالنية فسمي كناية من هذا الوجه مجازا فأما إذا انعدم التردد بنية الطلاق فاللفظ عامل في حقيقة موجبه حتى يحصل به الحرمة والبينونة ومعلوم أن ما يكون كناية عن غيره فإن عمله كعمل ما جعل كناية عنه ولفظ الطلاق لا يوجب الحرمة والبينونة بنفسه فعرفنا أنه عامل بحقيقته وإنما سمي كناية مجازا إلا قوله اعتدي فإنه كناية لاحتماله وجوها متغايرة وعند إرادة الطلاق لا يكون اللفظ عاملا في حقيقته فإن حقيقته من باب العد والحساب وذلك محتمل عدد الأقراء وغير ذلك فإذا نوى الطلاق وكان بعد الدخول وقع الطلاق بمقتضاه من حيث إن الاحتساب بعدد الأقراء من العدة لا يكون إلا بعد الطلاق فكأنه صرح بالطلاق ولهذا كان الواقع رجعيا ولا يقع به أكثر من واحدة وإن نوى وإن كان قبل الدخول يقع الطلاق به عند النية على أنه لفظ مستعار للطلاق شرعا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسودة اعتدي ثم راجعها وقال لحفصة اعتدي ثم راجعها وكذلك قوله استبرئي رحمك وكذلك قوله أنت واحدة فإن في قوله واحدة احتمال كونه نعتا لها أو للتطليقة فلا يتعين بدون النية وعند النية يقع الطلاق به بطريق الإضمار أي أنت طالق تطليقة واحدة ولهذا كان الواقع به رجعيا ثم الأصل في الكلام الصريح لأنه موضوع للإفهام والصريح هو التام في هذا المراد فإن الكناية فيها قصور باعتبار الاشتباه فيما هو المراد ولهذا قلنا إن ما يندرىء بالشبهات لا يثبت بالكناية حتى إن المقر على نفسه ببعض الأسباب الموجبة للعقوبة ما لم يذكر اللفظ الصريح كالزنا والسرقة لا يصير مستوجبا للعقوبة وإن ذكر لفظا هو كناية ولهذا لا تقام هذه العقوبات على الأخرس عند إقراره به بإشارته لأنه لم يوجد التصريح بلفظه وعند إقامة البينة عليه لأنه ربما يكون عنده شبهة لا يتمكن من إظهارها في إشارته وعلى هذا لو قذف رجل رجلا بالزنا فقال له رجل آخر صدقت فإن الثاني لا يستوجب الحد لأن ما يلفظ به كناية عن القذف لاحتمال مطلق التصديق وجوها مختلفة وكذلك لو قال لغيره أما أنا فلست بزان لا يلزمه حد القذف لأنه تعريض وليس بتصريح بنسبته إلى الزنا فيكون قاصرا في نفسه
فإن قيل أليس أنه لو قذف رجل رجلا بالزنا فقال آخر هو كما قلت فإن الثاني يستوجب الحد وهذا تعريض محتمل أيضا قلنا نعم ولكن كاف التشبيه توجب العموم عندنا في المحل الذي يحتمله ولهذا قلنا في قول علي رضي الله عنه إنما أعطيناهم الذمة وبدلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا إنه مجرى على العموم فيما يندرىء بالشبهات وما يثبت مع الشبهات فهذا الكاف أيضا موجبه العموم لأنه حصل في محل يحتمله فيكون نسبته إلى الزنا قطعا بمنزلة كلام الأول على ما هو موجب العام عندنا فصل في بيان جملة ما تترك به الحقيقة وهي خمسة أنواع أحدها دلالة الاستعمال عرفا والثاني دلالة اللفظ والثالث سياق النظم والرابع دلالة من وصف المتكلم والخامس من محل الكلام فأما الأول فنقول تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال عرفا لأن الكلام موضوع للإفهام والمطلوب به ما تسبق إليه الأوهام فإذا تعارف الناس استعماله لشيء عينا كان ذلك بحكم الاستعمال كالحقيقة فيه وما سوى ذلك لانعدام العرف كالمهجور لا يتناوله إلا بقرينة ألا ترى أن اسم الدراهم عند الإطلاق يتناول نقد البلد لوجود العرف الظاهر في التعامل به ولا يتناول غيره إلا بقرينة لترك التعامل به ظاهرا في ذلك الموضع وإن لم يكن بين النوعين فرق فيما وضع الاسم له حقيقة وبيان هذا في اسم الصلاة فإنها للدعاء حقيقة قال القائل وصلي على دنها وارتسم وهي مجاز للعبادة المشروعة بأركانها سميت به لأنها شرعت للذكر قال تعالى وأقم الصلاة لذكري وفي الدعاء ذكر وإن كان يشوبه سؤال ثم عند الإطلاق ينصرف إلى العبادة المعلومة بأركانها سواء كان فيها دعاء أو لم يكن كصلاة الأخرس وإنما تركت الحقيقة للاستعمال عرفا وكذلك الحج فإن اللفظ للقصد حقيقة ثم سميت العبادة بها لما فيها من العزيمة والقصد للزيارة فعند الإطلاق الاسم يتناول العبادة للاستعمال عرفا والعمرة والصوم والزكاة وغيرها على هذا فإن نظائر هذا أكثر من أن تحصى ولهذا قلنا من نذر صلاة أو حجا أو مشيا إلى بيت الله يلزمه العبادة وإن لم ينو ذلك فالمشي إلى بيت الله تعالى غير الحج حقيقة ولكن للاستعمال عرفا ينصرف مطلق اللفظ إليه وكذلك لو قال لله علي أن أضرب بثوبي حطيم الكعبة يلزمه التصدق بالثوب للاستعمال عرفا فاللفظ حقيقة في غير ذلك ومن حلف أن لا يشتري رأسا ينصرف يمينه إلى ما يتعارف بيعه في الأسواق من الرؤوس على حسب ما اختلفوا فيه وكان ذلك للاستعمال عرفا فأما من حيث الحقيقة الاسم يتناول كل رأس ومن حلف أن لا يأكل بيضا يتناول يمينه بيض الدجاج والأوز خاصة لاستعمال ذلك عند الأكل عرفا ولا يتناول بيض الحمام والعصفور وما أشبه ذلك وقد بينا أن العام إذا خص منه شيء يصير شبيه المجاز وبيان النوع الثاني وهو دلالة اللفظ فيما إذا حلف أن لا يأكل لحما فأكل لحم السمك أو الجراد لم يحنث في يمينه لأنه أطلق اللحم في لفظه ولحم السمك ( أو الجراد ) لا يذكر إلا بقرينة فكان قاصرا فيما يتناوله اسم مطلق اللحم بمنزلة الصلاة على الجنازة فإنه قاصر فيما يتناوله مطلق اسم الصلاة من حيث إنه لا يذكر إلا بالقرينة فلا يتناوله الاسم بدون القرينة فإن قيل أليس أنه لو أكل لحم خنزير أو لحم إنسان فإنه يحنث في يمينه وهذا لا يذكر إلا بقرينة قلنا نعم ولكن ذكر القرينة هنا ليس لقصور معنى اللحمية فيهما فإن اللحم اسم معنوي موضوع لما يتولد من الدم ولا قصور في ذلك في لحم الخنزير والآدمي فأما لحم السمك والجراد فإنه قاصر في ذلك المعنى لأنه لا دم للسمك ولا للجراد فكذلك معنى الغذاء المطلوب باللحم لا يتم بالسمك والجراد
فعرفنا أن القرينة فيها للقصور ومعنى الغذاء المطلوب باللحم يتم في لحم الخنزير والآدمي فعرفنا أن القرينة لبيان الحرمة لا لقصور في معنى اللحمية وليس للحرمة تأثير في المنع من إتمام شرط الحنث وعلى هذا قلنا في قوله كل مملوك لي حر لا يدخل المكاتب بدون النية لأنه تلفظ بالمملوك والمكاتب متردد بين كونه مالكا وبين كونه مملوكا فإنه مالك يدا وتصرفا مملوك رقا وكذلك صرح بالإضافة إليه والمكاتب مضاف إليه من وجه دون وجه فللدلالة في لفظه لا يتناوله الكلام بدون النية ولكن يتناوله مطلق اسم الرقبة المذكورة في قوله أو تحرير رقبة لأنه يتناول الذات المرقوق والرق لا ينتقض بعقد الكتابة بدليل احتمالها الفسخ واشتراط الملك بقدر ما يصح به التحرير وذلك موجود في المكاتب فيتأدى به الكفارة وكذلك قوله كل امرأة له طالق لا يتناول المختلعة بغير نية وإن كانت في العدة من غير النية لبقاء ملك اليد وزوال أصل ملك النكاح وعلى عكس ما ذكرنا من معنى القصور معنى الزيادة أيضا فإن أبا حنيفة رحمه الله قال من حلف لا يأكل فاكهة فأكل عنبا أو رطبا أو رمانا لم يحنث وقال أبو يوسف و محمد رحمهما الله يحنث لأن اسم الفاكهة يتناولها عند الإطلاق من غير قرينة فتكون كاملة في المعنى المطلوب بهذا الاسم وأبو حنيفة رحمه الله يقول هي زيادة على ما هو المطلوب بالاسم لأن اشتقاق اللفظ من التفكه وهو التنعم قال تعالى انقلبوا فكهين أي منعمين والتنعم زائد على ما به القوام والرطب والعنب قوت يقع به القوام والرمان في معنى الدواء وقد يقع به القوام أيضا وهو قوت في جملة التوابل وما يقع به القوام فهو زائد على التنعم ولهذا عطف الله تعالى الفاكهة عليها وقال وعنبا إلى قوله وفاكهة وأبا فللزيادة لا يتناولها مطلق الاسم كما أن للنقصان لا يتناول مطلق الاسم للسمك والجراد وكذلك لو حلف لا يأكل إداما عند أبي حنيفة رحمه الله الإدام ما يصطبغ به لأنه تبع فلا يتناول ما يتأتى أكله مقصودا من الجبن والبيض واللحم وعلى قول محمد رحمه الله يتناول ذلك لكمال معنى المؤادمة وهي الموافقة فيها كما في المسألة الأولى وعن أبي يوسف رحمه الله روايتان في هذه المسألة وبيان النوع الثالث وهو سياق النظم في قوله تعالى فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا فإن بسياق النظم يتبين أن المراد هو الزجر والتوبيخ دون الأمر والتخيير وكذلك قوله تعالى اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير فإن بسياق النظم يتبين أنه ليس المراد ما هو موجب صيغة الأمر بهذه الصفة وعلى هذا لو أقر وقال لفلان علي ألف درهم إن شاء الله لم يلزمه شيء ولو قال لفلان علي ألف درهم ليس له علي شيء إن شاء الله تلزمه الألف لأن قوله ليس رجوع وصيغة قوله إن شاء الله صيغة التعليق والإرسال والتعليق كل واحد منهما متعارف بين أهل اللسان فكان ذلك من باب البيان لا من باب الرجوع ووجوب المال عليه من حكم إرسال الكلام فمع صيغة التعليق لا يلزمه حكم الإرسال باعتبار سياق النظم وقال في السير الكبير لو قال مسلم لحربي محصور انزل فنزل كان آمنا ولو قال انزل إن كنت رجلا فنزل كان فيئا ولو قال له الحربي المأسور في يده الأمان الأمان وقال المسلم في جوابه الأمان الأمان كان آمنا حتى لو أراد قتله بعد هذا فعلى أمراء الجيش أن يمنعوه من ذلك ولا يصدقونه في قوله أردت رد كلامه ولو قال الأمان الأمان ستعلم ما تلقى أو قال الأمان الأمان تطلب أو قال لا تعجل حتى ترى لم يكن ذلك أمانا بدلالة سياق النظم وكذلك لو قال لغيره اصنع في مالي ما شئت إن كنت رجلا أو قال طلق زوجتي إن كنت رجلا لم يكن توكيلا ولو قال لغيره لي عليك ألف درهم فقال الآخر لك علي ألف درهم ما أبعدك من ذلك لم يكن إقرارا فعرفنا أن بدليل سياق النظم تترك الحقيقة
وبيان النوع الرابع في قوله تعالى واستفزز من استطعت منهم بصوتك فإن كل واحد يعلم بأنه ليس بأمر لأنه لا يجوز أن يظن ظان بأن الله تعالى يأمر بالكفر بحال فتبين بأن المراد الإقدار والإمكان لعلمنا أن ما يأتي به اللعين يكون بإقدار الله تعالى عليه إياه وكذلك قول القائل اللهم اغفر لي يعلم أنه سؤال لا أمر لوصف المتكلم وهو أن العبد المحتاج إلى نعمة مولاه لا يطلب منه النعمة إلزاما وإنما يسأله ذلك سؤالا وعلى هذا قلنا إذا قال لغيره تعال تغد عندي فقال والله لا أتغدى ثم رجع إلى بيته فتغدى لا يحنث لأن المتكلم دعاه إلى الغداء الذي بين يديه وقد أخرج كلامه مخرج الجواب فإذا تقيد الخطاب بالمعلوم من إرادة المتكلم يتقيد الجواب أيضا به وكذلك لو قامت امرأة لتخرج فقال لها إن خرجت فأنت طالق فرجعت ثم خرجت بعد ذلك اليوم لم تطلق وعلى هذا لو قالت له زوجته إنك تغتسل في هذه الدار الليلة من الجنابة فقال إن اغتسلت فعبدي حر ثم اغتسل فيها في ( غير ) تلك الليلة أو في تلك الليلة من غير الجنابة لم يحنث وبيان النوع الخامس في قوله تعالى وما يستوي الأعمى والبصير فإن بدلالة محل الكلام يعلم أنه ليس المراد نفي المساواة بينهما على العموم بل فيما يرجع إلى البصر فقط وقد قلنا إن لفظ العموم في غير المحل القابل للعموم يكون بمعنى المجمل فلا يثبت به إلا ما يتيقن أنه مراد به ويكون ذلك شبه المجاز لدلالة محل الكلام وعلى هذا قال علماؤنا رحمهم الله في قوله عليه السلام الأعمال بالنيات وفي قوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه إنه لا يقتضي العموم وارتفاع الحكم لأن بمحل الكلام يتبين أنه ليس المراد أصل العمل فإن ذلك يتحقق بغير النية ومع الخطأ والنسيان والإكراه فإما أن يكون المراد الحكم أو الإثم ولا يجوز أن يقال كل واحد منهما مراد لأنهما يبتنيان على معنيين متغايرين فإن الثواب على العمل الذي هو عبادة والإثم بالعمل الذي هو محرم يبتني على العزيمة والقصد والجواز والفساد الذي هو حكم يبتني على الأداء بالأركان والشرائط ألا ترى أن من توضأ بالماء النجس وهو لا يعلم به فصلى لم تجز صلاته مطلقا حتى لو علم لزمه الإعادة ومع ذلك إذا لم يعلم ولم يكن منه التقصير كان مطيعا باعتبار قصده وعزيمته فيكون هذا بمنزلة المشترك الذي لا عموم له لتغاير المعنى فيما يحتمله فلا يجوز الاحتجاج به في حكم الجواز والفساد إلا بدليل يقترن به فيصير كالمؤول حينئذ فأما ما يعترض من الدليل الموجب للنسخ أو التخصيص فليس من هذا الباب في شيء وإنما هذا الباب لمعرفة الوجوه فيما يقترن بالكلام فيصير حقيقة ودليل النسخ والتخصيص كلام معارض إلا أن النسخ معارض صورة وحقيقة والتخصيص معارض صورة وبيان معنى حتى لا يكون إلا بالمقارن ولكن ذلك المقارن إنما يتبين بما هو نسخ مبتدأ صيغة فعرفنا أنه ليس من هذا الباب في شيء
قال رضي الله عنه والعراقيون من مشايخنا رحمهم الله يزعمون أنه لا عموم للنصوص الموجبة لتحريم الأعيان نحو قوله تعالى حرمت عليكم الميتة وقوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وقوله عليه السلام حرمت الخمر لعينها وقالوا امتنع ثبوت حكم العموم في هذه الصورة معنى لدلالة محل الكلام وهو أن الحل والحرمة لا تكون وصفا للمحل وإنما تكون وصفا لأفعالنا في المحل حقيقة فإنما يصير المحل موصوفا به مجازا وهذا غلط فاحش فإن الحرمة بهذه النصوص ثابتة للأعيان الموصوفة بها حقيقة لأن إضافة الحرمة إلى العين تنصيص على لزومه وتحققه فيه فلو جعلنا الحرمة صفة للفعل لم تكن العين حراما ألا ترى أن شرب عصير الغير وأكل مال الغير فعل حرام ولم يكن ذلك دليلا على حرمة العين ولزوم هذا الوصف للعين ولكن عمل هذه النصوص في إخراج هذه المحال من أن تكون قابلة للفعل الحلال وإثبات صفة الحرمة لازمة لأعيانها فيكون ذلك بمنزلة النسخ الذي هو رفع حكم وإثبات حكم آخر مكانه فبهذا الطريق تقوم العين مقام الفعل في إثبات صفة الحرمة والحل له حقيقة وهذا إذا تأملت في غاية التحقيق فمع إمكان العمل بهذه الصيغة جعل هذه الحرمات مجازا باعتبار أنها صفة للفعل لا للمحل يكون خطأ فاحشا فصل في إبانة طريق المراد بمطلق الكلام قد بينا أن الكلام ضربان حقيقة ومجاز وأنه لا يحمل على المجاز إلا عند تعذر حمله على الحقيقة فتمس الحاجة إلى معرفة الحقيقة والمجاز والطريق في ذلك هو النظر في السبب الداعي إلى تعريف ذلك الاسم في الأسماء الموضوعة لا لمعنى وإلى تعريف المعنى في المعنويات فما كان أقرب في ذلك فهو أحق وما كان أكثر إفادة فهو أولى بأن يجعل حقيقة وذلك يكون بطريقين التأمل في محل الكلام والتأمل في صيغة الكلام أما بيان التأمل في المحل في اختلاف العلماء في موجب العام فعند بعضهم موجبه عند الإطلاق أخص الخصوص وعندنا موجبه العموم وما قلناه أحق لأنه إذا حمل على أخص الخصوص يبقى بعض ما تناوله مطلق الكلام غير مراد به والمراد بالكلام تعريف ما وضع الاسم له فإذا كان صيغة العام موضوعا لمعنى العموم كان حمله عليه عند الإطلاق أحق ولأن الخاص اسم آخر وهو ما وضع له صيغة الخاص فلو جعلنا صيغة العام تناولا للخاص أيضا فقط كان ذلك تكرارا محصنا وإذا كان المقصود بوضع الأسماء في الأصل إعلام المراد فحمل لفظين على شيء واحد يكون تكرارا وإخراجا لأحد اللفظين من أن يكون مفيدا فإن قيل فائدته التأكيد وتوسيع الكلام قلنا نعم ولكن هذا في الفائدة دون الفائدة المطلوبة بأصل الوضع والإطلاق يوجب الكمال فإذا حمل كل واحد من اللفظين على فائدة جديدة باعتبار أصل الوضع كان ذلك أولى من أن يحمل على التكرار لتوسعة الكلام فهذان الدليلان من محل الكلام قبل التأمل في صيغة اللفظ ولهذا حملنا قوله تعالى أو لامستم النساء على المجامعة دون المس باليد لأنه إذا حمل على المس باليد كان تكرارا لنوع حدث واحد وإذا حمل على المجامعة كان بيانا لنوعي الحدث وأمرا بالتيمم لهما فيكون أكثر فائدة مع أنه معطوف على ما سبق والسابق ذكر نوعي الحدث فإن قوله إذا قمتم إلى الصلاة أي وأنتم محدثون ثم قال تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا ثم قال تعالى وإن كنتم مرضى إلى قوله فلم تجدوا ماء فتيمموا فبدلالة محل الكلام يتبين أن المراد الجماع دون المس باليد وبيان الدلالة من صيغة الكلام في قوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان قال علماؤنا رحمهم الله اللغو ما يكون خاليا عن فائدة اليمين شرعا ووضعا فإن فائدة اليمين إظهار الصدق من الخبر فإذا أضيف إلى خبر ليس فيه احتمال الصدق كان خاليا عن فائدة اليمين فكان لغوا وقال الشافعي رحمه الله اللغو ما يجري على اللسان من غير قصد ولا خلاف في جواز إطلاق اللفظ على كل واحد منهما
ولكن ما قلناه أحق لأن ما يجري على لسانه من غير قصد له اسم آخر موضوع وهو الخطأ الذي هو ضد العمد أو السهو الذي هو ضد التحفظ فأما ما يكون خاليا عن الفائدة لمعنى في نفسه لا بحال المتكلم فليس له اسم موضوع سوى أنه لغو فحمله عليه أولى ألا ترى إلى قوله وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه يعني الكلام الفاحش الذي هو خال عن فائدة الكلام بطريق الحكمة دون ما يجري من غير قصد فإن ذلك لا عتب فيه وقال تعالى لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما وقال تعالى والغوا فيه لعلكم تغلبون ومعلوم أن مراد المشركين التعنت أي إن لم تقدروا على المغالبة بالحجة فاشتغلوا بما هو خال عن الفائدة من الكلام ليحصل مقصودكم بطريق المغالبة دون المحاجة ولم يكن مقصودهم التكلم بغير قصد وقال تعالى وإذا مروا باللغو مروا كراما أي صبروا عن الجواب وذلك في الكلام الخالي عن الفائدة دون ما يجري من غير قصد ولأن فساد ما يجري من غير قصد باعتبار معنى في المحل وهو القلب الذي هو السبب الباعث على التكلم وفساد ما لا فائدة فيه باعتبار معنى في نفس الكلام فكان هو أقرب إلى الحقيقة فيحمل اللفظ عليه عند الإطلاق وكذا اختلفوا في العقد فقال الخصم العقد عبارة عن القصد فإن العزيمة سميت عقيدة وقلنا العقد اسم لربط كلام بكلام نحو ربط لفظ اليمين بالخبر الذي فيه رجاء الصدق لإيجاب حكم ( بكلام ) وهو الصدق منه وكذلك ربط البيع بالشراء لإيجاب حكمه وهو الملك فكان ما قلناه أقرب إلى الحقيقة لأن الكلمة باعتبار الوضع من عقد الحبل وهو شد بعضه ببعض وضده الحل منه تقول العرب يا عاقدا ذكر حلا وقال القائل ولقلب المحب حل وعقد ثم يستعار ( لربط الإيجاب بالقبول على وجه ينعقد أحدهما بالآخر حكما فيسمى عقدا ثم يستعار ) لما يكون سببا لهذا الربط وهو عزيمة القلب فكان ذلك دون العقد الذي هو ضد الحل فيما وضع الاسم له فحمله عليه يكون أحق ومن ذلك ما قلنا في قوله تعالى ثلاثة قروء إنها الحيض دون الأطهار لأن اللفظ إما أن يكون مأخوذا من القرء الذي هو الاجتماع قال تعالى فإذا قرأناه فاتبع قرآنه وقال القائل هجان اللون لم يقر أجنبيا وهذا المعنى في الحيض أحق لأن معنى الاجتماع في قطرات الدم على وجه لا بد منه ليكون حيضا فإنه ما لم تمتد رؤية الدم لا يكون حيضا وإن كان الدم يجتمع في حالة الطهر في رحمها فالاسم حقيقة للدم المجتمع ثم زمانه يسمى به مجازا وإن كان مأخوذا من الوقت المعلوم كما قال القائل إذا هبت لقارئها الرياح وقال آخر له قرء كقرء الحائض فذلك بزمان الحيض أليق لأنه هو الوقت المعلوم الذي يحتاج إلى إعلامه لمعرفة ما تعلق به من الأحكام وإن كان مأخوذا من معنى الانتقال كما يقال قرأ النجم إذا انتقل فحقيقة الانتقال تكون بالحيض لا بالطهر إذ الطهر أصل فباعتبار صيغة اللفظ يتبين أن حمله على الحيض أحق وكذلك لفظ النكاح فإنما نحمله على الوطء والخصم على العقد وما قلناه أحق لأن الاسم في أصل الوضع لمعنى الضم والالتزام يقول القائل أنكح الصبر أي التزمه وضمه إليك ومعنى الضم في الوطء يتحقق بما يحصل من معنى الاتحاد بين الواطئين عند ذلك الفعل ولهذا يسمى جماعا ثم العقد يسمى نكاحا باعتبار أنه سبب يتوصل به إلى ذلك الضم فبالتأمل في صيغة اللفظ يتبين أن الوطء أحق به إلا في الموضع الذي يتعذر حمله عليه فحينئذ يحمل على ما هو مجاز عنه وهو العقد وهذا هو الحكم في كل لفظ محتمل للحقيقة والمجاز أنه إذا تعذر حمله على الحقيقة يحمل على المجاز لتصحيح الكلام وهذا التعذر إما لعدم الإمكان أو لكونه مهجورا عرفا أو لكونه مهجورا شرعا فالذي هو متعذر نحو ما إذا حلف أن لا يأكل من هذه النخلة أو من هذه الكرمة فإن يمينه تنصرف إلى الثمرة لأن ما هو الحقيقة في كلامه متعذر وأما المهجور عرفا فنحو ما إذا حلف أن لا يشرب من هذه البئر فإنه ينصرف يمينه إلى الشرب من ماء البئر لأن الحقيقة وهو الكرع في البئر مهجورة واختلف مشايخنا أنه إذا كرع هل يحنث أم لا فمنهم من يقول يحنث أيضا لأن الحقيقة لا تتعطل وإن حمل اللفظ على المجاز وسواء أخذ الماء في كوز وشربه أو كرع في البئر فقد شرب ماء البئر فيحنث ومنهم من يقول لا يحنث لأنه لما صار المجاز مرادا سقط اعتبار الحقيقة على ما قال في الجامع لو قال لأجنبية إن نكحتك فعبدي حر ينصرف يمينه إلى العقد دون الوطء
ولو قال لزوجته إن نكحتك ينصرف إلى الوطء دون العقد حتى لو أبانها ثم تزوجها لم يحنث ما لم يطأها ولو قال للمطلقة الرجعية إن راجعتك ينصرف إلى الرجعة دون ابتداء العقد ولو قال للمبانة إن راجعتك ينصرف إلى ابتداء العقد ولكن الأول أوجه لا باعتبار الجمع بين الحقيقة والمجاز في كونه مرادا باللفظ بل باعتبار عموم المجاز وهو شرب ماء البئر بأي طريق شربه وعلى هذا قلنا مطلق التوكيل بالخصومة ينصرف إلى الجواب وإن كان ذلك مجازا لأن الحقيقة مهجورة شرعا فإن المدعي إذا كان محقا فالمدعي عليه لا يملك الإنكار شرعا ولا يجوز له التوكيل بذلك فيحمل اللفظ على المجاز عند الإطلاق ثم يصح منه الإنكار والإقرار باعتبار معنى عموم المجاز وهو أنه جواب للخصم ومن حلف أن لا يكلم هذا الصبي فكلمه بعدما صار شيخا يحنث باعتبار أن الحقيقة مهجورة شرعا فإن الصبي سبب للترحم شرعا لا للهجران فيتعين المجاز لهذا وأمثلة هذا أكثر من أن تحصى والله أعلم باب بيان معاني الحروف المستعملة في الفقه قال رضي الله عنه اعلم بأن الكلام عند العرب اسم وفعل وحرف وكما يتحقق معنى الحقيقة والمجاز في الأسماء والأفعال فكذلك يتحقق في الحروف فمنه ما يكون مستعملا في حقيقته ومنه ما يكون مجازا عن غيره وكثير من مسائل الفقه تترتب على ذلك فلا بد من بيان هذه الحروف وذكر الطريق في تخريج المسائل عليها فأولى ما يبدأ به من ذلك حروف العطف الأصل فيه الواو فلا خلاف أنه للعطف ( ولكن عندنا هو للعطف ) مطلقا فيكون موجبه الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في الخبر من غير أن يقتضي مقارنة أو ترتيبا وهو قول أكثر أهل اللغة وقال بعض أصحاب الشافعي رحمه الله إنه موجب للترتيب وقد ذكر ذلك الشافعي في أحكام القرآن وكذلك جعل الترتيب ركنا في الوضوء لأن في الآية عطف اليد على الوجه بحرف الواو فيجب الترتيب بهذا النص ألا ترى أن الصحابة رضي الله عنهم لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند السعي بأيهما نبدأ قال ابدؤوا بما بدأ الله تعالى يريد به قوله تعالى إن الصفا والمروة ففي هذا تنصيص على أن موجب الواو الترتيب وما وجب ترتيب السجود على الركوع إلا بقوله تعالى اركعوا واسجدوا ولكنا نقول هذا من باب اللسان فطريق معرفته التأمل في كلام العرب وفي الأصول الموضوعة عند أهل اللغة بمنزلة ما لو وقعت الحاجة إلى معرفة حكم الشرع يكون طريقه التأمل في النصوص من الكتاب والسنة والرجوع إلى أصول الشرع وعند التأمل في كلام العرب وأصول اللغة يتبين أن الواو لا توجب الترتيب فإن القائل يقول جاءني زيد وعمرو يفهم من هذا الإخبار مجيئهما من غير مقارنة ولا ترتيب حتى يكون صادقا في خبره سواء جاءه عمرو أولا ثم زيد أو زيد ثم عمرو أو جاءا معا وكذلك وضعوا الواو للجمع مع النون يقولون جاءني الزيدون أي زيد وزيد وزيد والقائل يقول لا تأكل السمك وتشرب اللبن فيفهم منه المنع من الجمع بينهما دون الترتيب على ما قال القائل لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم ولو وضع مكان الواو هنا الفاء لم يكن الكلام مستقيما فالفاء توجب ترتيبا من حيث إنه للتعقيب مع الوصل فلو كان موجب الواو الترتيب لم يختل الكلام بذكر الفاء مكانه وكذلك يتبدل الحكم أيضا إذا ذكر الواو مكان الفاء فإن من يقول لامرأته إن دخلت الدار وأنت طالق تطلق في الحال فلو كان موجب الواو الترتيب لكان هو بمنزلة الفاء فينبغي أن يتأخر الطلاق إلى وجود الشرط وأما من حيث الوضع لغة فلأنهم وضعوا كل حرف ليكون دليلا على معنى مخصوص كما فعلوا في الأسماء والأفعال فالاشتراك لا يكون إلا لغفلة من الواضع أو لعذر وتكرار اللفظ لمعنى واحد يوجب إخلاءه عن الفائدة كما قررنا فلا يليق ذلك بالحكمة ثم إنهم وضعوا الفاء للوصل مع التعقيب وثم للتعقيب مع التراخي ومع للقران
فلو قلنا بأن الواو توجب القران أو الترتيب كان تكرارا باعتبار أصل الوضع ولو قلنا إنه يوجب العطف مطلقا لكان لفائدة جديدة باعتبار أصل الوضع ثم يتنوع هذا العطف أنواعا لكل نوع منه حرف خاص ونظيره من الأسماء الإنسان فإنه للآدمي مطلقا ثم يتنوع أنواعا لكل نوع منه اسم خاص بأصل الوضع والتمر كذلك وهو نظير ما قلنا في اسم الرقبة إنه للذات مطلقا من غير أن يكون دالا على معنى التقييد بوصف فكذلك الواو للعطف ( مطلقا ) باعتبار أصل الوضع ولهذا قلنا المنصوص عليه في آية الوضوء الغسل والمسح من غير ترتيب ولا قران ثم كان الترتيب باعتبار فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك للإكمال فيتأدى الركن بما هو المنصوص وتتعلق صفة الكمال بمراعاة الترتيب فيه وكذلك في قوله تعالى اركعوا واسجدوا فإنا ما عرفنا الترتيب بهذا النص إذ النصوص فيه متعارضة فإنه تعالى قال واسجدي واركعي مع الراكعين ولكن مراعاة ذلك الترتيب بكون الركوع مقدمة السجود والقيام مقدمة الركوع على ما نبينه في موضعه إن شاء الله تعالى وكذلك قوله تعالى إن الصفا والمروة فإن مراعاة الترتيب بينهما ليس باعتبار هذا النص ففي النص بيان أنهما من شعائر الله ولا ترتيب في هذا وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابدؤوا بما بدأ الله تعالى على وجه التقريب إلى الأفهام لا لبيان أن الواو توجب الترتيب فإن الذي يسبق إلى الأفهام في مخاطبات العباد أن البدائية تدل على زيادة العناية فيظهر بها نوع قوة صالحة للترجيح ولهذا قال علماؤنا رحمهم الله فيمن أوصى بقرب لا تسع الثلث لها فإنه يبدأ بما بدأ به الموصي إذا استوت في صفة اللزوم لأن البداية تدل على زيادة الاهتمام وقد زعم بعض مشايخنا أن معنى الترتيب يترجح في العطف الثابت بحرف الواو في قول أبي حنيفة وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهم الله يترجح معنى القران وخرجوا على هذا ما إذا قال لامرأته ولم يدخل بها إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق فدخلت فإنها تطلق واحدة عند أبي حنيفة باعتبار أنه مترتب وقوع الثانية على الأولى وهي تبين في الأولى لا إلى عدة وعندهما تقع الثلاث عليها باعتبار أنهن يقعن جملة عند الدخول معا وهذا غلط فلا خلاف بين أصحابنا أن الواو للعطف مطلقا إلا أنهما يقولان موجبه الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في الخبر وقوله إن دخلت الدار فأنت طالق جملة تامة وقوله وطالق جملة ناقصة لأنه ليس فيها ذكر الشرط فباعتبار العطف يصير الخبر المذكور في الجملة التامة كالمعاد في الجملة الناقصة فيتعلق كل تطليقة بالدخول بلا واسطة وعند الدخول ينزلن جملة كما لو كرر ذكر الشرط مع كل تطليقة ألا ترى أنه إذا قال جاءني زيد وعمرو كان المفهوم من هذا ما هو المفهوم من قوله جاءني زيد جاءني عمرو و أبو حنيفة رحمه الله يقول الواو للعطف وإنما يتعلق الطلاق بالشرط كما علقه وهو علق الثانية بالشرط بواسطة الأولى فإن من ضرورة العطف هذه الواسطة فالأولى تتعلق بالشرط بلا واسطة والثاني بواسطة الأولى بمنزلة القنديل المعلق بالحبل بواسطة الحلق ثم عند وجود الشرط ينزل ما تعلق فينزل كما تعلق ولكنهما يقولان هذا أن لو كان المتعلق بالشرط طلاقا وليس كذلك بل المتعلق ما سيصير طلاقا عند وجود الشرط إذا وصل إلى المحل فإنه لا يكون طلاقا بدون المحل ثم هذه الواسطة في الذكر فتتفرق به أزمنة التعليق وذلك لا يوجب التفرق في الوقوع كما لو كرر الشرط في كل تطليقة وبينهما أيام وما قاله أبو حنيفة رحمه الله أقرب إلى مراعاة حقيقة اللفظ ومعلوم أنه عند وجود الشرط ذلك الملفوظ به يصير طلاقا فإذا كان من ضرورة العطف إثبات هذه الواسطة ذكرا فإن عند وجود الشرط يصير ذلك طلاقا واقعا ومن ضرورة تفرق الوقوع أن لا يقع إلا واحدة فإن هذا تبين به لا إلى عدة كما لو نجز فقال أنت طالق وطالق وطالق
وقال مالك في التنجيز أيضا تطلق ثلاثا لأن الواو توجب المقارنة ألا ترى أنه لو قال أنت طالق وطالق وطالق إن دخلت الدار تطلق ثلاثا عند الدخول جملة وهذا غلط فإن للقران حرفا موضوعا وهو مع فلو حملنا الواو عليه كان تكرارا وإذا أخر الشرط في التعليق إنما تطلق ثلاثا لا بهذا المعنى بل لأن الأصل في الكلام المعطوف أنه متى كان في آخره ما يغير موجب أوله توقف أوله على آخره ولهذا لو ذكر استثناء في آخر الكلام بطل الكل به فكذلك إذا ذكر شرطا لأن بالتعليق بالشرط تبين أن المذكور أولا ليس بطلاق وإذا توقف أوله على آخره تعلق الكل بالشرط جملة وإذا كان الشرط سابقا فليس في آخر الكلام ما يغير موجب أوله وكذلك في التنجيز فإن الأول طلاق سواء ذكر الثاني أو لم يذكر فإذا لم يتوقف أوله على آخره بانت بالأولى فلغت الثانية والثالثة لانعدام محل الوقوع لا لفساد في التكلم أو العطف ثم على قول أبي يوسف رحمه الله تقع الأولى قبل أن يفرغ من التكلم بالثانية وعند محمد عند الفراغ من التكلم بالثانية تقع الأولى لجواز أن يلحق بكلامه شرطا أو استثناء مغيرا وما قاله أبو يوسف أحق فإنه ما لم يقع الطلاق لا يفوت المحل فلو كان وقوع الأولى بعد الفراغ من التكلم بالثانية لوقعا جميعا لوجود المحل مع صحة التكلم بالثانية وعلى هذا قال زفر رحمه الله لو قال لغير المدخول بها أنت طالق واحدة وعشرين تطلق واحدة لأن الواو للعطف فتبين بالواحدة قبل ذكر العشرين ولكنا نقول تلك كلمة واحدة حكما لأنه لا يمكنه أن يعبر عن هذا العدد بعبارة أوجز من هذا وعطف البعض على البعض يتحقق في كلمتين لا في كلمة واحدة فإنما يقع هنا عند تمام الكلام فتطلق ثلاثا كما لو قال واحدة ونصفا تطلق اثنتين لأنه ليس لما صرح به عبارة أوجز من ذلك فكانت كلمة واحدة حكما وعند زفر تطلق واحدة وعلى هذا الأصل ما قال في الجامع لو تزوج أمتين بغير إذن مولاهما ثم أعتقهما المولى معا جاز نكاحهما ولو قال أعتقت هذه وهذه جاز نكاح الأولى وبطل نكاح الثانية لأنه ليس في آخر كلامه ما يغير موجب أوله فنكاح الأولى صحيح أعتق الثانية أو لم يعتق وبنفوذ العتق في الأولى تنعدم محلية النكاح في حق الثانية لأن الأمة ليست من المحللات مضمومة إلى الحرة ومثله لو زوج منه رضيعتين في عقدين بغير رضاه فأرضعتهما امرأة ثم أجاز الزوج نكاحهما معا بطل نكاحهما ولو قال أجزت نكاح هذه وهذه بطل نكاحهما أيضا لأن في آخر كلامه ما يغير موجب أوله فإن بآخر الكلام يثبت الجمع بين الأختين نكاحا وذلك مبطل لنكاحهما فيتوقف أول الكلام على آخره وكان الفراء يقول الواو للجمع والمجموع بحرف الواو كالمجموع بكناية الجمع وعندنا الواو للعطف والاشتراك على أن يصير كل واحد من المذكورين كأنه مذكور وحده لا على وجه الجمع بينهما ذكرا وبيان هذا فيما إذا كان لرجل ثلاثة أعبد فقال هذا حر أو هذا وهذا فإنه يخير في الأولين ويعتق الثالث عينا كأنه قال هذا حر أو هذا حر وعند الفراء يخير فإن شاء أوقع العتق على ( الأول وإن شاء على ) الثاني والثالث لأنه جمع بينهما بحرف الواو فكأنه جمع بكناية الجمع فقال هذا حر وهذان واستدل بما قال في الجامع رجل مات وترك ثلاثة أعبد قيمتهم سواء وترك ابنا فقال الابن أعتق والدي هذا في مرضه وهذا وهذا يعتق من كل واحد منهم ثلثه بمنزلة ما لو قال أعتقهم ولو قال أعتق هذا وسكت ثم قال وهذا ثم سكت ثم قال هذا يعتق الأول كله ومن الثاني نصفه ومن الثالث ثلثه
ولكنا نقول لا وجه لتصحيح كلامه على ما قاله الفراء لأن خبر المثنى غير خبر الواحد يقال للواحد حر وللاثنين حران والمذكور في كلامه من الخبر قوله حر فإذا لم يجعل كان كل واحد من الآخرين منفردا بالذكر لا يصلح أن يكون الخبر المذكور خبرا لهما والعطف للاشتراك في الخبر لا لإثبات خبر آخر وإذا جعلنا الثالث كالمنفرد بالذكر صار كأنه قال أحد هذين حر وهذا فيكون فيه ضم الثالث إلى المعتق من الأولين لا إلى غير المعتق فلهذا عتق الثالث ومسألة الجامع إنما تخرج على الأصل الذي بينا فإن في آخر كلامه ما يغير موجب أوله لأن موجب أول الكلام عتق الأول مجانا بغير سعاية ويتغير ذلك بآخر كلامه عند أبي حنيفة رحمه الله لأن المستسعي بمنزلة المكاتب ( عنده ) فيتغير حكم أصل العتق وعندهما يتغير حكم البراءة عن السعاية فلهذا توقف أوله على آخره واختلفوا في عطف الجملة التامة على الجملة التامة بحرف الواو نحو ما إذا قال زينب طالق ثلاثا وعمرة طالق فإنما تطلق عمرة واحدة وكل واحد من الكلامين جملة تامة لأنه ابتداء وخبر فالواو بينهما عند بعض مشايخنا لمعنى الابتداء يحسن نظم الكلام كما في قوله تعالى والراسخون في العلم وقوله تعالى ويمح الله الباطل وقوله تعالى في حكم القذف وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا فإنه ابتداء عندنا قال رضي الله عنه والأصح أن هذا الواو للعطف أيضا عندي إلا أن الاشتراك في الخبر ليس من حكم بمجرد العطف بل باعتبار حاجة المعطوف إليه إذا لم يذكر خبرا ولا حاجة إذا ذكر له خبرا ولهذا عند الحاجة جعلنا خبر المعطوف عين ما هو خبر المعطوف عليه إذا أمكن لا غيره لأن الحاجة ترتفع بعين ذلك حتى إذا قال لامرأته أنت طالق إن دخلت هذه الدار وإن دخلت هذه الدار الأخرى فإنما يتعلق بدخول الدار الثانية تلك التطليقة لا غيرها حتى لو دخلت الدارين لم تطلق إلا واحدة فأما إذا تعذر ذلك بأن يقول فلانة طالق وفلانة فإنه يقع على الثانية غير ما وقع على الأولى لأن الاشتراك بينهما في تطليقة واحدة لا يتحقق بمنزلة قوله جاءني زيد وعمرو فإنه إخبار عن مجيء كل واحد منهما بفعل على حدة لأن مجيئهما بفعل واحد لا يتحقق وعلى هذا الأصل الذي بينا أن الواو لا توجب الترتيب يخرج ما قال في كتاب الصلاة وينوي بالتسليمة الأولى من عن يمينه من الحفظة والرجال والنساء فإن مراده العطف لا الترتيب وكذلك مراده مما قال في الجامع الصغير من الرجال والنساء والحفظة فإن الترتيب ( في النية ) لا يتحقق فعرفنا أن المراد يجمعهم في نيته وقد تكون الواو بمعنى الحال لمعنى الجمع أيضا فإن الحال يجامع ذا الحال ومنه قوله تعالى حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها أي جاؤوها حال ما تكون أبوابها مفتوحة وعلى هذا قال في المأذون إذا قال لعبده أد إلي ألفا وأنت حر إنه لا يعتق ما لم يؤد لأن الواو بمعنى الحال فإنما جعله حرا عند الأداء وقال في السير إذا قال افتحوا الباب وأنتم آمنون لا يأمنون ما لم يفتحوا لأنه آمنهم حال فتح الباب وإذا قال لامرأته أنت طالق وأنت مريضة تطلق في الحال لأن الواو للعطف في الأصل فلا يكون شرطا فإن قال عنيت إذا مرضت يدين فيما بينه وبين الله تعالى لأنه عني بالواو الحال وذلك محتمل فكأنه قال في حال مرضها وكذلك لو قال أنت طالق وأنت تصلين أو وأنت مصلية وقال في المضاربة إذا قال خذ هذه الألف واعمل بها مضاربة في البز فإنه لا يتقيد بصرفه في البز وله أن يتجر فيها ما بدا له من وجوه التجارات لأن الواو للعطف فالإطلاق الثابت بأول الكلام لا يتغير بهذا العطف وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا قالت المرأة لزوجها طلقني ولك ألف درهم فطلقها تجب الألف عليها وكذلك لو قال الزوج أنت طالق وعليك ألف درهم فقبلت تجب الألف
وفيه طريقان لهما أحدهما أنه استعمل الواو بمعنى الباء مجازا فإن ذلك معروف في القسم إذ لا فرق بين قوله والله وبين قوله بالله وإنما حملنا على هذا المجاز بدلالة المعاوضة فإن الخلع عقد معاوضة فكان هذا بمنزلة ما لو قال احمل هذا المتاع إلى منزلي ولك درهم والثاني أن هذا الواو للحال فكأنها قالت طلقني في حال ما يكون لك علي ألف درهم وإنما حملنا على هذا لدلالة المعاوضة كما في قوله أد إلي ألفا وأنت طالق بخلاف المضاربة فلا معنى لحرف الباء هناك حتى يجعل الواو عبارة عنه ولا يمكن حمله على معنى الحال لانعدام دلالة المعاوضة فيه و أبو حنيفة رحمه الله يقول تطلق ولا شيء عليها لأن الواو للعطف حقيقة وباعتبار هذه الحقيقة لا يمكن أن يجعل الألف بدلا عن الطلاق فلو جعل بدلا إنما يجعل بدلالة المعاوضة وذلك في الطلاق زائد فإن الطلاق في الغالب يكون بغير عوض ألا ترى أن بذكر العوض يصير كلام الزوج بمعنى اليمين حتى لا يمكنه أن يرجع عنه قبل قبولها ولا يجوز ترك الحقيقة باعتبار دليل زائد على ما وضع له في الأصل بخلاف الإجارة فإنه عقد مشروع بالبدل لا يصح بدونه فأمكن حمل اللفظ على المجاز باعتبار معنى المعاوضة فيه لأنه أصل وإنما يجعل الواو للحال إذا كان بصيغة تحتمل ذلك كما في قوله أد وأنت حر انزل وأنت آمن فإن صيغة كلامه للحال لأنه خاطبه بالأول والآخر بصيغة واحدة ويتحقق عتقه في حالة الأداء ويتحقق أمانه في حالة النزول لأن المقصود أن يعلم بمحاسن الشريعة فعسى يؤمن وذلك حالة النزول فأما قوله خذ هذه الألف واعمل بها في البز فليس في هذه الصيغة احتمال الحال لأن البز لا يكون حالا لعمله وقوله أنت طالق وأنت مريضة للعطف حقيقة ولكن فيه احتمال الحال إذ الطلاق يتحقق في حال المرض فلاعتبار الظاهر لا يدين في القضاء ولاحتمال كونه محتملا تعمل نيته فصل وأما الفاء فهو للعطف وموجبه التعقيب بصفة الوصل فيثبت به ترتيب وإن لطف ذلك لما بينا أن كل حرف يختص بمعنى في أصل الوضع إذ لو لم يجعل كذلك خرج من أن يكون مفيدا فالمعنى الذي اختص به الفاء ما بينا ألا ترى أن أهل اللسان وصلوا حرف الفاء بالجزاء وسموه حرف الجزاء لأن الجزاء يتصل بالشرط على أن يتعقب نزوله وجود الشرط بلا فصل وكذلك يستعمل حرف الفاء لعطف الحكم على العلة يقال جاء الشتاء فتأهب ويقال ضرب فأوجع أي بذلك الضرب وأطعم فأشبع أي بذلك الطعام وعلى هذا قوله عليه السلام لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه أي بذلك الشراء ولهذا جعلنا الشراء إعتاقا في القريب بواسطة الملك ويقول خذ من مالي ألف درهم فصاعدا أي فما يزداد عليه فصاعدا وارتفاعا وعلى هذا الأصل قال علماؤنا رحمهم الله فيمن قال لغيره بعت منك هذا العبد بألف درهم وقال المشتري فهو حر فإنه يعتق ويجعل قابلا ثم معتقا بخلاف ما لو قال هو حر أو وهو حر فإنه يكون ردا للإيجاب لا قبولا فلا يعتق ولو قال لخياط انظر إلى هذا الثوب أيكفيني قميصا فقال نعم قال فاقطعه فقطعه فإذا هو لا يكفيه قميصا كان الخياط ضامنا لأن الفاء للوصل والتعقيب فكأنه قال فإن كفاني قميصا فاقطعه بخلاف ما لو قال اقطعه فقطعه فإذا هو لا يكفيه قميصا فإنه لا يكون ضامنا لوجود الإذن مطلقا وقد قال بعض مشايخنا إذا قال لغير المدخول بها إن دخلت الدار فأنت طالق فطالق فطالق فدخلت إنها تطلق واحدة عند أبي حنيفة رحمه الله باعتبار أن الفاء يجعل مستعارا عن الواو مجازا لقرب أحدهما من الآخر قال رضي الله عنه والأصح عندي أن هاهنا تطلق واحدة عندهم جميعا لأن الفاء للتعقيب فيثبت به ترتيب بين الثانية والأولى في الوقوع ومع الترتيب لا يمكن إيقاع الثانية لأنها تبين بالأولى ومع إمكان اعتبار الحقيقة لا معنى للمصير إلى المجاز
والدليل على أن الصحيح هذا ما قال في الجامع إن دخلت هذه الدار فدخلت هذه الدار الأخرى فأنت طالق فإن الشرط أن تدخل الثانية بعد دخول الدار الأولى حتى لو دخلت في الثانية قبل الأولى ثم دخلت في الأولى لم تطلق بخلاف ما لو قال ودخلت هذه الدار وقد توصل الفاء بما هو علة إذا كان محتمل الامتداد يقول الرجل لغيره أبشر فقد أتاك الغوث وهذا على سبيل بيان العلة للخطاب بالبشارة ولكن لما كان ذلك ممتدا صح ذكر حرف الفاء مقرونا به وعلى هذا الأصل لو قال لعبده أد إلي ألفا فأنت حر فإنه يعتق وإن لم يؤد لأنه لبيان العلة أي لأنك قد صرت حرا وصفة الحرية تمتد وكذلك لو قال لحربي انزل فأنت آمن كان آمنا نزل أو لم ينزل لأن معنى كلامه انزل لأنك آمن والأمان ممتد فأما ما قال علماؤنا رحمهم الله فيمن يقول لفلان علي درهم فدرهم إنه يلزمه درهمان فذلك لتحقيق معنى العطف إذ المعطوف غير المعطوف عليه واعتبار معنى الوصل والترتيب في الوجوب لا في الواجب أو لما تعذر اعتبار حقيقة معنى حرف الفاء جعل عبارة عن الواو مجازا فكأنه قال درهم ودرهم والشافعي يقول يلزمه درهم واحد لأن ما هو موجب حرف الفاء لا يتحقق هاهنا فيكون صلة للتأكيد كأنه قال درهم فهو درهم ولكن ما قلناه أحق لأنه يضمر ليسقط به اعتبار حرف الفاء والإضمار لتصحيح ما وقع التنصيص عليه لا لإلغائه ثم معنى العطف محكم في هذا الحرف فلا بد من اعتباره بحسب الإمكان والمعطوف غير المعطوف عليه فيلزمه درهمان لهذا فصل وأما حرف ثم فهو للعطف على وجه التعقيب مع التراخي هو المعنى الذي اختص به هذا الحرف بأصل الوضع يقول الرجل ( جاءني زيد ثم عمرو فإنما يفهم منه ما يفهم من قوله ) جاءني زيد وبعده عمرو إلا أن عند أبي حنيفة رحمه الله صفة هذا التراخي أن يكون بمنزلة ما لو سكت ثم استأنف قولا بعد الأول لإتمام القول بالتراخي وعندهما التراخي بهذا الحرف في الحكم مع الوصل في التكلم لمراعاة معنى العطف فيه وبيان هذا فيما إذا قال لغير المدخول بها إن دخلت الدار فأنت طالق ثم طالق ثم طالق عند أبي حنيفة رحمه الله تتعلق الأولى بالدخول وتقع الثانية في الحال وتلغو الثالثة بمنزلة قوله أنت طالق طالق طالق من غير حرف العطف حتى ينقطع بعض الكلام عن البعض وعندهما يتعلق الكل بالدخول ثم عند الدخول يظهر الترتيب في الوقوع فلا تقع إلا واحدة لاعتبار التراخي بحرف ثم ولو أخر الشرط ذكرا فعند أبي حنيفة رحمه الله تطلق واحدة في الحال ويلغو ما سواها وعندهما لا تطلق ما لم تدخل الدار فإذا دخلت طلقت واحدة ولو كانت مدخولا بها فإن أخر الشرط فعند أبي حنيفة رحمه الله تطلق اثنتين في الحال وتتعلق الثالثة بالدخول وعندهما ما لم تدخل لا يقع شيء فإذا دخلت طلقت ثلاثا ولو قدم الشرط فعند أبي حنيفة رحمه الله تقع الثانية والثالثة في الحال وتتعلق الأولى بالدخول وعندهما لا يقع شيء ما لم تدخل فإذا دخلت طلقت ثلاثا هكذا ذكر مفسرا في النوادر
وقد يستعمل حرف ثم بمعنى الواو مجازا قال الله تعالى ثم كان من الذين آمنوا وقال تعالى ثم الله شهيد على ما يفعلون وعلى هذا قلنا في قوله عليه السلام من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر يمينه إن حرف ثم في هذه الرواية محمول على الحقيقة وفي الرواية التي قال فليكفر يمينه ثم ليأت بالذي هو خير حرف ثم بمعنى الواو مجازا لأن صيغة الأمر للإيجاب وإنما التكفير بعد الحنث لا قبله فحملنا هذا الحرف على المجاز لمراعاة حقيقة الصيغة فيما هو المقصود إذ لو حملنا حرف ثم على الحقيقة كان الأمر بالتكفير محمولا على المجاز فإنه لا يجب تقديم التكفير على الحنث بالاتفاق فكان الأولى على هذا أن يجعل حرف ثم بمعنى حرف الفاء فإنه أقرب إليه من حرف الواو وإنما لم نفعل ذلك لأن حرف الفاء يوجب ترتيبا أيضا والحنث غير مرتب على التكفير بوجه فلهذا جعلناه بمعنى الواو فصل وأما حرف بل هو لتدارك الغلط بإقامة الثاني مقام الأول وإظهار أن الأول كان غلطا فإن الرجل يقول جاءني زيد بل عمرو أو لا بل عمرو فإنما يفهم منه الإخبار بمجيء عمرو خاصة وهو معنى قوله تعالى بل كنتم مجرمين بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله وعلى هذا قال زفر رحمه الله إن من قال لفلان علي ألف درهم بل ألفان يلزمه ثلاثة آلاف لأن بل لتدارك الغلط فيكون إقرارا بألفين ورجوعا عن الألف وبيان أنه كان غلطا ولكن الإقرار صحيح والرجوع باطل كما لو قال لامرأته أنت طالق واحدة بل اثنتين تطلق ثلاثا ولكنا نقول يلزمه ألفان لأنه ما كان مقصوده تدارك الغلط بنفي ما أقر به أولا بل تدارك الغلط بإثبات الزيادة التي نفاها في الكلام الأول بطريق الاقتضاء فكأنه قال بل مع تلك الألف ألف أخرى فهما ألفان علي ألا ترى أن الرجل يقول أتى علي خمسون سنة بل ستون فإنه يفهم هذا من كلامه بل ستون لعشرة زائدة على الخمسين التي أخبرت بها أولا ولكن هذا يتحقق في الإخبارات لأنها تحتمل الغلط ولا يتحقق في الإنشاءات فلهذا جعلناه موقعا اثنتين راجعا عن الأولى ورجوعه لا يصح فتطلق ثلاثا حتى لو قال كنت طلقتك أمس واحدة لا بل اثنتين تطلق اثنتين لأن الغلط في الإخبار يتمكن ولو قال لغير المدخول بها أنت طالق واحدة لا بل اثنتين تطلق واحدة لأنه بقوله بل اثنتين أولا بل اثنتين يروم الرجوع عن الأولى وذلك باطل وبعدما بانت بالأولى لم يبق المحل ليصح إيقاع الثنتين عليها ولو قال إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة لا بل اثنتين فدخلت تطلق ثلاثا بالاتفاق لأن مع تعلق الأولى بالشرط بقي المحل على حاله وهو بهذا الحرف تبين أنه تعلق الثنتين بالشرط ابتداء لا بواسطة الأولى لأنه راجع عن الأولى فكأنه أعاد ذكر الشرط وصار كلامه في حكم يمينين فعند وجود الشرط تقع الثلاث جملة لتعلق الكل بالشرط بلا واسطة بخلاف ما قاله أبو حنيفة رحمه الله في حرف الواو فإنه للعطف فيكون هو مقررا للأولى ومعلقا الثانية بالشرط بواسطة الأولى فعند وجود الشرط يقعن متفرقا أيضا فتبين بالأولى قبل وقوع الثانية والثالثة والله أعلم فصل وأما لكن فهو كلمة موضوعة للاستدراك بعد النفي تقول ما رأيت زيدا لكن عمرا فالمعنى الذي تختص به هذه الكلمة باعتبار أصل الوضع إثبات ما بعدها فأما نفي ما قبلها فثابت بدليله بخلاف بل قال تعالى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ثم العطف بها إنما يكون عند اتساق الكلام فإن وجد ذلك كان لتعليق النفي بالإثبات الذي بعدها وإلا كانت للاستئناف
وبيان هذا في مسائل مذكورة في الجامع منها إذا قال رجل هذا العبد في يدي لفلان فقال المقر له ما كان لي قط ولكنه لفلان فإن وصل كلامه فهو للمقر له الثاني وإن فصل فهو للمقر لأن قوله ما كان لي قط تصريح بنفي ملكه فيه فإذا وصل به قوله لكن لفلان كان بيانا أنه نفي ملكه إلى الثاني بإثبات الملك له بقوله لكن فإن قطع كلامه كان محمولا على نفي ملكه أصلا كما هو الظاهر وهو رد للإقرار ثم قوله ولكنه لفلان شهادة بالملك للثاني على المقر وبشهادة الفرد لا يثبت الملك ولو أن المقضي له بالعبد بالبينة قال ما كان لي قط ولكنه لفلان فقال المقر له قد كان له فباعه أو وهبه مني بعد القضاء له فإنه يكون للثاني لأنه حين وصل الكلام فقد تبين أنه نفي ملكه بإثباته للثاني وذلك يحتمل الإنشاء بسبب كان بعد القضاء فيحمل على ذلك في حق المقر له إلا أن المقر يصير ضامنا قيمته للمقضي عليه لأن ظاهر كلامه تكذيب لشهوده وإقرار بأن القضاء باطل وهذا حجة عليه ولكن إنما يقرر هذا الحكم بعد ما تحول الملك إلى المقر له فيضمن قيمته للمقضي عليه ولو أن أمة زوجت نفسها من رجل بمائة درهم بغير إذن مولاها فقال المولى لا أجيزه لكن أجيزه بمائة وخمسين أو قال لكن أجيزه إن زدتني خمسين فالعقد باطل لأن الكلام غير متسق فإن نفي الإجازة وإثباتها بعينها لا يتحقق فيه معنى العطف فيرتد العقد بقوله لا أجيزه ويكون قوله لكن أجيزه ابتداء بعد الانفساخ ولو قال لفلان علي ألف درهم قرض فقال فلان لا ولكنه غصب فإنه يلزمه المال لأن الكلام متسق فيتبين بآخره أنه نفي السبب لا أصل المال وأنه قد صدقه في الإقرار بأصل المال ولا تفاوت في الحكم بين السببين والأسباب مطلوبة للأحكام فعند انعدام التفاوت يتم تصديقه له فيما أقر به فيلزمه المال وعلى هذا لو قال لك علي ألف درهم ثمن هذه الجارية التي اشتريتها منك فقال الجارية جاريتك ما بعتها منك ولكن لي عليك ألف درهم يلزمه المال لأن الكلام متسق وفي آخره بيان أنه مصدق له في أصل المال مكذب في السبب ولا تفاوت عند سلامة الجارية للمقر فيلزمه المال فصل وأما أو فهي كلمة تدخل بين اسمين أو فعلين وموجبها باعتبار أصل الوضع يتناول أحد المذكورين بيانه في قوله تعالى من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن الواجب في الكفارة أحد الأشياء المذكورة مع إباحة التكفير بكل نوع منها على الانفراد ولهذا لو كفر بالأنواع كلها كان مؤديا للواجب بأحد الأنواع في الصحيح من المذهب بخلاف ما يقوله بعض الناس وقد بينا هذه وكذلك في قوله تعالى في كفارة الحلق ففدية من صيام أو صدقة أو نسك وفي جزاء الصيد هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما وقد ظن بعض مشايخنا أنها في أصل الوضع للتشكيك فإن الرجل إذا قال رأيت زيدا وعمرا يكون مخبرا برؤية كل واحد منهما عينا ولو قال بل عمرا يكون مخبرا برؤية عمرو عينا ولو قال أو عمرا يكون مخبرا برؤية أحدهما غير عين على أنه شاك في كل واحد منهما يجوز أن يكون قد رآه ويجوز أن يكون لم يره إلا أن في الابتداءات والأمر والنهي يتعذر حمله على التشكيك فإن ذلك لا يكون إلا عند التباس العلم بالشيء فيحمل على التخيير وقرر هذا الكلام في تصنيفه
قال رضي الله عنه وعندي أن هذا غير صحيح لأن الشك ليس بأمر مقصود حتى يوضع له كلمة في أصل الوضع ولكن هذه الكلمة لبيان أن المتناول أحد المذكورين كما ذكرنا إلا أن في الإخبار يفضي إلى الشك باعتبار محل الكلام لا باعتبار هذه الكلمة كما في قوله رأيت زيدا أو عمرا فأما في الإنشاءات لما تبدل المحل وانعدم المعنى الذي لأجله كان معنى الشك فالثابت بهذه الكلمة التخيير باعتبار أصل الوضع وهو أنها تتناول أحد المذكورين على إثبات صفة الإباحة في كل واحد منهما ولهذا قلنا لو قال هذا العبد حر أو هذا فهو وقوله أحدهما حر سواء يتناول الإيجاب أحدهما ويتخير المولى في البيان على أن يكون بيانه من وجه كابتداء الإيقاع حتى يشترط لصحة البيان صلاحية المحل للإيقاع ومن وجه هو تعيين للواقع ولهذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله لو جمع بين عبده ودابته وقال هذا حر أو هذا لغا كلامه بمنزلة ما لو قال أحدهما حر لأن محل الإيجاب أحدهما بغير عينه وإذا لم يكن أحد العبدين محلا صالحا للإيجاب فغير المعين منهما لا يكون صالحا وبدون صلاحية المحل لا يصح الإيجاب أصلا و أبو حنيفة رحمه الله يقول هذا الإيجاب يتناول أحدهما بغير عينه على احتمال التعيين ألا ترى أنهما لو كانا عبدين تناول أحدهما على احتمال التعيين إما ببيانه أو بانعدام المزاحمة بموت أحدهما فيصح الإيجاب هنا باعتبار هذا المجاز كما هو أصل أبي حنيفة رحمه الله في العمل بالمجاز وإن تعذر العمل بالحقيقة لعدم صلاحية المحل له وعندهما المجاز خلف عن الحقيقة في الحكم فإذا لم يكن المحل صالحا للحكم حقيقة يسقط اعتبار العمل بالمجاز وقد بينا هذا وعلى هذا لو قال لثلاث نسوة له هذه طالق أو هذه وهذه تطلق الثالثة ويتخير في الأوليين بمنزلة ما لو جمع بين الأوليين فقال إحداكما طالق وهذه ولهذا قال زفر رحمه الله في قوله والله لا أكلم فلانا أو فلانا وفلانا إنه لا يحنث إن كلم الأول وحده ما لم يكلم الثالث معه بمنزلة قوله لا أكلم أحد هذين وهذا ولكنا نقول هناك إن كلم الأول وحده يحنث وإن كلم أحد الآخرين لا يحنث ما لم يكلمهما لأنه أشرك بينهما بحرف الواو والخبر المذكور يصلح للمثنى كما يصلح للواحد فإنه يقول لا أكلم هذا لا أكلم هذين فيصير كأنه قال لا أكلم هذا أو هذين بخلاف الطلاق فهناك الخبر المذكور غير صالح للمثنى إذا جمعت بينهما لأنه يقال للمثنى طالقان مع أن هناك يمكن أن تجعل الثالثة كالمذكورة وحدها فإن الحكم فيها لا يختلف سواء ضمت إلى الأولى أو إلى الثانية وهنا الحكم في الثالث يختلف بالانضمام إلى الأول أو الثاني فكان ضمه إلى ما يليه أولى وعلى هذا لو قال وكلت ببيع هذا العبد هذا الرجل أو هذا فإنه يصح التوكيل استحسانا بمنزلة ما لو قال وكلت أحدهما ببيعه حتى لا يشترط اجتماعهما على البيع بخلاف ما لو قال وهذا وإذا باع أحدهما نفذ البيع ولم يكن للآخر بعد ذلك أن يبيعه وإن عاد إلى ملكه وقبل البيع يباح لكل واحد منهما أن يبيعه وكذلك لو قال لواحد بع هذا العبد أو هذا يثبت له الخيار على أن يبيع أحدهما أيهما شاء بمنزلة ما لو قال بع أحدهما فأما في البيع إذا أدخل كلمة أو في المبيع أو الثمن فالبيع فاسد للجهالة لأن موجب الكلمة التخيير ومن له الخيار منهما غير معلوم فإن كان معلوما جاز في الاثنين والثلاثة استحسانا ولم يجز في الزيادة على ذلك لبقاء الحظر بعد تعين من له الخيار ولكن اليسير من الحظر لا يمنع جواز العقد والفاحش منه يمنع جواز العقد
فأما في النكاح ف أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يقولان يثبت التخيير بهذه الكلمة إذا كان مفيدا بأن يقول لامرأة تزوجتك على ألف درهم حالا أو على ألفين إلى سنة أو تزوجتك على ألف درهم أو مائة دينار ولا يثبت الخيار إذا لم يكن مفيدا بأن يقول تزوجتك على ألف درهم أو ألفين بل يجب الأقل عينا لأنه لا فائدة في التخيير بين القليل والكثير في جنس واحد وصحة النكاح لا تتوقف على تسمية البدل فوجوب المال عند التسمية في معنى الابتداء بمنزلة الإقرار بالمال أو الوصية أو الخلع أو الصلح عن دم العمد على مال فإنما يثبت الأقل لكونه متيقنا به ولهذا كل ما يصلح أن يكون مسمى في الصلح عن دم العمد يصلح أن يكون مسمى في النكاح و أبو حنيفة رضي الله عنه يقول يصار إلى تحكيم مهر المثل لأن التخيير الذي هو حكم هذه الكلمة يمنع كون المسمى معلوما قطعا والموجب الأصلي في النكاح مهر المثل وإنما ينتفي ذلك الموجب عند تسمية معلومة قطعا فإذا انعدم ذلك بحرف أو وجب المصير إلى الموجب الأصلي بخلاف الخلع والصلح فليس في ذلك العقد موجب أصلي في البدل بل هو صحيح من غير بدل يجب به فلهذا أوجبنا القدر الميتقن به وما زاد على ذلك لكونه مشكوكا فيه يبطل وعلى هذا قال مالك رحمه الله في حد قطاع الطريق إن الإمام يتخير في ظاهر قوله تعالى أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف فإن موجب الكلمة التخيير والكلام محمول على حقيقته حتى يقوم دليل المجاز ولكنا نقول في أول الآية تنصيص على أن المذكور جزاء على المحاربة والمحاربة أنواع كل نوع منها معلوم من تخويف أو أخذ مال أو قتل نفس أو جمع بين القتل وأخذ المال وهذه الأنواع تتفاوت في صفة الجناية والمذكور أجزية متفاوتة في معنى التشديد فوقع الاستغناء بتلك المقدمة عن بيان تقسيم الأجزية على أنواع الجناية نصا ولكن هذا التقسيم ثابت بأصل معلوم وهو أن الجملة إذا قوبلت بالجملة ينقسم البعض على البعض فلهذا كان الجزاء على كل نوع عينا كيف وقد نزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم بهذا التقسيم في أصحاب أبي بردة ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله إذا جمع بين القتل وأخذ المال فللإمام الخيار إن شاء قطع يده ثم قتله وصلبه وإن شاء قتله وصلبه ولم يقطعه لأن نوع المحاربة متعدد صورة متحد معنى فيتخير لهذا وقيل أو هنا بمعنى بل كما قال الله تعالى فهي كالحجارة أو أشد قسوة أي بل أشد قسوة فيكون المراد بل يصلبوا إذا اتفقت المحاربة بقتل النفس وأخذ المال بل تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا أخذوا المال فقط بل ينفوا من الأرض إذا خوفوا الطريق وقد تستعار كلمة أو للعطف فتكون بمعنى الواو قال تعالى وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون أي ويزيدون قال القائل فلو كان البكاء يرد شيئا بكيت على زياد أو عناق على المرأين إذ مضيا جميعا لشأنهما بحزن واحتراق ( أي وعناق ) بدليل قوله على المرأين إذ مضيا جميعا إذا عرفنا هذا فنقول إنما يحمل على هذه الاستعارة عند اقتران الدليل بالكلام ومن الدليل ( على ذلك ) أن تكون مذكورة في موضع النفي قال الله تعالى ولا تطع منهم آثما أو كفورا معناه ولا كفورا والدليل فيه ما قدمنا أن النكرة في ( موضع ) النفي تعم ولا يمكن إثبات التعميم إلا أن يجعل بمعنى واو العطف ولكن على أن يتناول كل واحد منهما على الانفراد لا على الاجتماع كما هو موجب حرف الواو ولهذا قلنا لو قال والله أكلم فلانا أو فلانا فإنه يحنث إذا كلم أحدهما بخلاف قوله فلانا وفلانا فإنه لا يحنث ما لم يكلمهما ولكن يتناول كل واحد ( منهما ) على الانفراد حتى لا يثبت له الخيار ولو كان في الإيلاء بأن قال لا أقرب هذه أو هذه فمضت المدة بانتا جميعا
ومن ذلك أن يستعمل الكلمة في موضع الإباحة فتكون بمعنى الواو حتى يتناول معنى الإباحة كل واحد من المذكورين فإن الرجل يقول جالس الفقهاء أو المتكلمين فيفهم ( منه ) الإذن بالمجالسة مع كل واحد من الفريقين والطبيب يقول للمريض كل هذا أو هذا فإنما يفهم منه أن كل واحد منهما صالح لك وبيان هذا في قوله تعالى إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم فالاستثناء من التحريم إباحة ثم تثبت الإباحة في جميع هذه الأشياء فعرفنا أن موجب هذه الكلمة في الإباحة العموم وأنه بمعنى واو العطف وبيان الفرق بين الإباحة والإيجاب أن في الإيجاب الامتثال بالإقدام على أحدهما وفي الإباحة تتحقق الموافقة في الإقدام على كل واحد منهما وعلى هذا قلنا إذا قال لا أكلم أحدا إلا فلانا أو فلانا فإن له أن يكلمهما من غير حنث ولو قال لأربع نسوة له والله لا أقربكن إلا فلانة أو فلانة فإنه لا يكون موليا منهما جميعا حتى لا يحنث إن قربهما ولا تقع الفرقة بينه وبينهما بمضي المدة قبل القربان وقد تستعار أو بمعنى حتى قال تعالى ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أي حتى يتوب عليهم وفي هذه الاستعارة معنى العطف فإن غاية الشيء تتصل به كما يتصل المعطوف بالمعطوف عليه ولهذا قال في الجامع لو قال والله لأدخلن هذه الدار اليوم أو لأدخلن هذه الدار فأي الدارين دخل بر في يمينه لأنه ذكر الكلمة في موضع الإثبات فيقتضي التخيير في شرط البر ولو قال لا أدخل هذه الدار أو لا أدخل هذه الدار ( فأي الدارين دخل حنث في يمينه لأنه ذكرها في موضع النفي فكانت بمعنى ولا ولو قال والله لا أدخل هذه الدار أو أدخل هذه الدار ) الأخرى فإن دخل الأولى حنث في يمينه وإن دخل الثانية أولا بر في يمينه حتى إذا دخل الأولى بعد ذلك لا يحنث بمنزلة قوله لا أدخل هذه الدار حتى أدخل هذه الدار فكأن الدخول في الأخرى غاية ليمينه فإذا دخلها انتهت اليمين وإن لم يدخلها حتى دخل الأولى حنث لوجود الشرط في فيه للنفي في أحد الجانبين ويتعذر إثبات معنى العطف لعدم المجانسة بين المذكورين فيجعل بمعنى الغاية لأن حرمة الدخول الثابت باليمين يحتمل الامتداد فيليق به ذكر الغاية كما في قوله تعالى ليس لك حال بقاء اليمين وإنما جعلناه هكذا لأنه يتعذر اعتبار معنى التخيير من الأمر شيء أو يتوب عليهم فإنه لا يمكن حمل الكلمة على العطف إذ الفعل لا يعطف على الاسم والمستقبل لا يعطف على الماضي ونفي الأمر يحتمل الامتداد فيجعل قوله أو يتوب بمعنى الغاية ولأنه نفي الدخول في الدار الأولى فإذا دخل فيها أولا يجعل كأن المذكور آخرا من جنسه نفي فيحنث بالدخول فيها لهذا وأثبت الدخول في الدار الثانية فإذا دخلها أولا يجعل كأن الأخير من جنسه إثبات كما في قوله لأدخلن هذه الدار أو لأدخلن هذه الدار فصل وأما حتى فهي للغاية باعتبار أصل الوضع بمنزلة إلى هو المعنى الخاص الذي لأجله وضعت الكلمة قال تعالى هي حتى مطلع الفجر وقال تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وقال تعالى حتى يأذن لي أبي وقال تعالى حتى يأتيك اليقين فمتى كان ما قبلها بحيث يحتمل الامتداد وما بعدها يصلح للانتهاء به كانت عاملة في حقيقة الغاية ولهذا قلنا إذا حلف أن يلازم غريمه حتى يقضيه ثم فارقه قبل أن يقضيه دينه حنث لأن الملازمة تحتمل الامتداد وقضاء الدين يصلح منهيا للملازمة