Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)
وقال في الزيادات لو قال عبده حر إن لم أضربك حتى تشتكي يدي أو حتى الليل أو حتى تصبح أو حتى يشفع فلان ثم ترك ضربه قبل هذه الأشياء حنث لأن الضرب بطريق التكرار يحتمل الامتداد والمذكور بعد الكلمة صالح للانتهاء فيجعل غاية حقيقة وإذا أقلع عن الضرب قبل الغاية حنث إلا في موضع يغلب على الحقيقة عرف فيعتبر ذلك لأن الثابت بالعرف ظاهرا بمنزلة الحقيقة حتى لو قال إن لم أضربك حتى أقتلك أو حتى تموت فهذا على الضرب الشديد باعتبار العرف فإنه متى كان قصده القتل لا يذكر لفظ الضرب وإنما يذكر ذلك إذا لم يكن قصده القتل وجعل القتل غاية لبيان شدة الضرب عادة ولو قال حتى يغشى عليك أو حتى تبكي فهذا على حقيقة الغاية لأن الضرب إلى هذه الغاية معتاد وقد تستعمل الكلمة للعطف فإن بين العطف والغاية مناسبة بمعنى التعاقب ولكن مع وجود معنى الغاية فيها يقول الرجل جاءني القوم حتى زيد ورأيت القوم حتى زيدا فيكون للعطف مع اعتبار معنى الغاية لأنه يفهم بهذا أن زيدا أفضل القوم أو أرذلهم وقد يدخل بمعنى العطف على جملة فإن ذكر له خبرا فهو خبره وإلا فخبره من جنس ما سبق يقول الرجل مررت بالقوم حتى زيد غضبان وتقول أكلت السمكة حتى رأسها فهذا مما لم يذكر خبره وهو من جنس ما سبق على احتمال أن يكون هو الأكل أو غيره ولكنه إخبار بأن رأسها مأكول أيضا ولو قال حتى رأسها بالنصب كان هذا عطفا أي وأكلت رأسها أيضا ولكن باعتبار معنى الغاية ومثل هذا في الأفعال تكون للجزاء إذا كان ما قبلها يصلح سببا لذلك وما بعدها يصلح أن يكون جزاء فيكون بمعنى لام كي قال تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أي لكيلا تكون فتنة وقال تعالى وزلزلوا حتى يقول الرسول والقراءة بالنصب تحتمل الغاية معناه إلى أن يقول الرسول فيكون قول الرسول نهاية من غير أن يكون بناء على ما سبق كما هو موجب الغاية أنه لا أثر له فيما جعل غاية له ويحتمل لكي يقول الرسول والقراءة بالرفع تكون بمعنى العطف أي ويقول الرسول وعلى هذا قال في الزيادات إذا قال إن لم آتك غدا حتى تغديني فعبدي حر فأتاه فلم يغده لا يحنث لأن الإتيان ليس بمستدام فلا يحتمل الكلمة بمعنى حقيقة الغاية وما بعده يصلح جزاء فيكون المعنى لكي تغديني فقد جعل شرط بره الإتيان على هذا القصد وقد وجد وكذلك لو قال إن لم تأتني حتى أغديك فأتاه ولم يغده لم يحنث وقد يستعار للعطف المحض كما أشرنا إليه في القراءة بالرفع ولكن هذا إذا كان المذكور بعده لا يصلح للجزاء فيعتبر مجرد المناسبة بين العطف والغاية في الاستعارة وعلى هذا قال في الزيادات إذا قال إن لم آتك حتى أتغدى عندك اليوم أو إن لم تأتني حتى تتغدى عندي اليوم فأتاه ثم لم يتغد عنده في ذلك اليوم حنث لأن الكلمة بمعنى العطف فإن الفعلين من واحد فلا يصلح الثاني أن يكون جزاء للأول فحمل على العطف المحض لتصحيح الكلام وشرط البر وجود الأمرين في اليوم فإذا لم يوجدا حنث فإن قيل أهل النحو لا يعرفون هذا فإنهم لا يقولون رأيت زيدا حتى عمرا باعتبار العطف قلنا قد بينا أن في الاستعارات لا يعتبر السماع وإنما يعتبر المعنى الصالح للاستعارة وما أشرنا إليه من المناسبة معنى صالح لذلك فهي استعارة بديعة بنى علماؤنا رحمهم الله جواب المسألة عليها مع أن قول محمد رحمه الله حجة في اللغة فإن أبا عبيد وغيره احتج بقوله وذكر ابن السراج أن المبرد سئل عن معنى الغزالة فقال هي الشمس قاله محمد بن الحسن رحمه الله وكان فصيحا فإنه قال لخادم له يوما انظر هل دلكت الغزالة فخرج ثم دخل فقال لم أر الغزالة
وإنما أراد محمد هل زالت الشمس فعلى هذا يجوز أن يقول الرجل رأيت زيدا حتى عمرا بمعنى العطف إلا أن الأولى أن يجعل هذا بمعنى الفاء دون الواو لأن كل واحد منهما للعطف ولكن في الفاء معنى التعقيب فهو أقرب إلى معنى المناسبة كما بينا فصل وأما إلى فهي لانتهاء الغاية ولهذا تستعمل الكلمة في الآجال والديون قال تعالى إلى أجل مسمى وعلى هذا لو قال لامرأته أنت طالق إلى شهر فإن نوى التنجيز في الحال تطلق ويلغو آخر كلامه وإن نوى التأخير يتأخر الوقوع إلى مضي الشهر وإن لم يكن له نية فعلى قول زفر رحمه الله يقع في الحال لأن تأخير الشيء لا يمنع ثبوت أصله ( فيكون بمنزلة التأجيل في الدين لا يمنع ثبوت أصله ) وعندنا لا يقع لأن الكلمة للتأخير فيما يقرن به باعتبار أصل الوضع وقد قرنها بأصل الطلاق وأصلها يحتمل التأخير في التعليق بمضي شهر أو بالإضافة إلى ما بعد شهر فأما أصل اليمين لا يحتمل التأخير في التعليق والإضافة فلهذا حملنا الكلمة هناك على تأخير المطالبة ثم من الغايات بهذه الكلمة ما لا يدخل كقوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل ومنها ما يدخل كقوله وأيديكم إلى المرافق والحاصل فيه أن ما يكون من الغايات قائما بنفسه فإنه لا يدخل لأنه حد ولا يدخل الحد في المحدود ولهذا لو قال لفلان من هذا الحائط إلى هذا كان أصل الكلام متناولا للغاية كان ذكر الغاية لإخراج ما وراءها فيبقى موضع الغاية داخلا كما في قوله تعالى وأيديكم إلى المرافق الحائط لا يدخل الحائطان في الإقرار وما لا يكون قائما بنفسه فإن فإن الاسم عند الإطلاق يتناول الجارحة إلى الإبط فذكر الغاية لإخراج ما وراءها وإن كان أصل الكلام لا يتناول موضع الغاية أو فيه شك فذكر الغاية لمد الحكم إلى موضعها فلا تدخل الغاية كما في قوله تعالى إلى الليل فإن الصوم عبارة عن الإمساك ومطلقه لا يتناول إلا ساعة فذكر الغاية لمد الحكم إلى موضع الغاية ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله الغاية تدخل في الخيار لأن مطلقه يقتضي التأبيد ولأن في لزوم البيع في موضع الغاية شكا وفي الآجال والإجارات لا تدخل الغايات لأن المطلق لا يقتضي التأبيد وفي تأخير المطالبة وتمليك المنفعة في موضع الغاية شك وفي اليمين إذا حلف لا يكلم فلانا إلى وقت كذا تدخل الغاية في رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله لأن مطلقه يقتضي التأبيد فذكر الغاية لإخراج ما وراءها ولا تدخل في ظاهر الرواية لأن في حرمة الكلام ووجوب الكفارة في الكلام في موضع الغاية شكا وعلى هذا قال زفر رحمه الله إذا قال لفلان علي من درهم إلى عشرة أو قال لامرأته أنت طالق من واحدة إلى ثلاث لا تدخل الغايتان لأن الغاية حد والمحدود غير الحد وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تدخل الغايتان لأن هذه الغاية لا تقوم بنفسها فلا تكون غاية ما لم تكن ثانية وقال أبو حنيفة رحمه الله الغاية الثانية لا تدخل لأن مطلق الكلام لا يتناوله وفي ثبوته شك ولكن الغاية الأولى تدخل للضرورة لأن الثانية داخلة في الكلام ولا تكون ثانية قبل دخول الأولى فصل وأما على فهو للإلزام باعتبار أصل الوضع لأن معنى حقيقة الكلمة من علو الشيء على الشيء وارتفاعه فوقه وذلك قضية الوجوب واللزوم ولهذا لو قال لفلان علي ألف درهم أن مطلقه محمول على الدين إلا ثم تستعمل الكلمة للشرط باعتبار أن الجزاء يتعلق بالشرط ويكون لازما عند وجوده
وبيان هذا في قوله تعالى يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا أن يصل بكلامه وديعة لأن حقيقته اللزوم في الدين وقال تعالى حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق وعلى هذا قال في السير إذا قال رأس الحصن آمنوني على عشرة من أهل الحصن إن العشرة سواه والخيار في تعيينهم إليه لأنه شرط ذلك لنفسه بكلمة على بخلاف ما لو قال آمنوني وعشرة أو فعشرة أو ثم عشرة فالخيار في تعيين العشرة إلى من آمنهم لأن المتكلم عطف أمانهم على أمان نفسه من غير أن شرط لنفسه في أمانهم شيئا وقد تستعار الكلمة بمعنى الباء الذي يصحب الأعواض لما بين العوض والمعوض من اللزوم والاتصال في الوجوب حتى إذا قال بعت منك هذا الشيء على ألف درهم أو آجرتك شهرا على درهم يكون بمعنى الباء لأن البيع والإجارة لا تحتمل التعليق بالشرط فيحمل على هذا المستعار لتصحيح الكلام ولهذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا قالت المرأة لزوجها طلقني ثلاثا على ألف درهم فطلقها واحدة يجب ثلث الألف بمنزلة ما لو قالت بألف درهم لأن الخلع عقد معاوضة و أبو حنيفة رحمه الله يقول لا يجب عليها شيء من الألف ويكون الواقع رجعيا لأن الطلاق يحتمل التعليق بالشرط وإن كان مع ذكر العوض ولهذا كان بمنزلة اليمين من الزوج حتى لا يملك الرجوع عنه قبل قبولها وحقيقة الكلمة للشرط فإذا كانت مذكورة فيما يحتمل معنى الشرط يحمل عليه دون المجاز وعلى اعتبار الشرط لا يلزمها شيء من المال لأنها شرطت إيقاع الثلاث ليتم رضاها بالتزام المال والشرط يقابل المشروط جملة ولا يقابله أجزاء وقد يكون على بمعنى من قال تعالى إذا اكتالوا على الناس يستوفون أي من الناس فصل وكلمة من للتبعيض باعتبار أصل الوضع وقد تكون لابتداء الغاية يقول الرجل خرجت من الكوفة وقد تكون للتمييز يقال باب من حديد وثوب من قطن وقد تكون بمعنى الباء قال تعالى يحفظونه من أمر الله أي بأمر الله وقد تكون صلة قال تعالى يغفر لكم من ذنوبكم وقال تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان وفي حمله على الصلة يعتبر تعذر حمله على معنى وضع له باعتبار الحقيقة أو يستعار له مجازا وتعتبر الحاجة إلى إتمام الكلام به لئلا يخرج من أن يكون مفيدا وعلى هذا قال في الجامع إن كان ما في يدي من الدراهم إلا ثلاثة فإذا في يده أربعة فهو حانث لأن الدرهم الرابع بعض الدراهم وكلمة من للتبعيض ولو قالت المرأة لزوجها اخلعني على ما في يدي من الدراهم فإذا في يدها درهم أو درهمان تلزمها ثلاثة دراهم لأن من هنا صلة لتصحيح الكلام فإن الكلام لا يصح إلا بها حتى إذا قالت اخلعني على ما في يدي دراهم كان الكلام مختلا وفي الأول لو قال إن كان في يدي دراهم كان الكلام صحيحا فعمل الكلمة في التبعيض لا في تصحيح الكلام وقد بينا المسائل على هذه الكلمة فيما سبق فصل وأما في فهي للظرف باعتبار أصل الوضع يقال دراهم في صرة وعلى اعتبار هذه الحقيقة قلنا إذا قال لغيره غصبتك ثوبا في منديل أو تمرا في قوصرة يلزمه رد كليهما لأنه أقر ( بغصب مظروف في ظرف فلا يتحقق ذلك إلا ) بغصبه لهما ثم الظرف أنواع ثلاثة ظرف الزمان وظرف المكان وظرف الفعل فأما ظرف الزمان فبيانه فيما إذا قال لامرأته أنت طالق في غد فإنها تطلق غدا باعتبار أنه جعل الغد ظرفا وصلاحية الزمان ظرفا للطلاق من حيث إنه يقع فيه فتصير موصوفة في ذلك الزمان بأنها طالق فعند الإطلاق كما طلع الفجر تطلق فتتصف بالطلاق في جميع الغد بمنزلة ما لو قال أنت طالق غدا وإن قال نويت آخر النهار لم يصدق عندهما في القضاء كما في قوله غدا لأنه نوى التخصيص فيما يكون موجبه العموم
وعند أبي حنيفة رضي الله عنه يدين في القضاء لأن ذكر حرف الظرف دليل على أن المراد جزء من الغد فالوقوع إنما يكون في جزء ولكن ذلك الجزء مبهم في كلامه فعند عدم النية قلنا كما وجد جزء من الغد تطلق فإذا نوى آخر النهار كان هذا بيانا للمبهم وهو مصدق في بيان مبهم كلامه في القضاء بخلاف قوله غدا فاللفظ هناك متناول لجميع الغد فنية آخر النهار تكون تخصيصا وعلى هذا لو قال إن صمت الشهر فهو على صوم جميع الشهر ولو قال إن صمت في الشهر فهو على صوم ساعة باعتبار المعنى الذي قلنا وأما ظرف المكان فبيانه في قوله أنت طالق في الدار أو في الكوفة فإنه يقع الطلاق عليها حيثما تكون لأن المكان لا يصلح ظرفا ( للطلاق ) فإن الطلاق إذا وقع في مكان فهو واقع في الأمكنة كلها وهي إذا اتصفت بالطلاق في مكان تتصف به في الأمكنة كلها إلا أن يقول عنيت إذا دخلت فحينئذ لا يقع الطلاق ما لم تدخل باعتبار أنه كنى بالمكان عن الفعل الموجود فيه أو أضمر الفعل في كلامه فكأنه قال أنت طالق في دخولك الدار وهذا هو ظرف الفعل على معنى أن الفعل لا يصلح ظرفا للطلاق حقيقة ولكن بين الظرف والشرط مناسبة من حيث المقارنة أو من حيث تعلق الجزاء بالشرط بمنزلة قوام المظروف بالظرف فتصير الكلمة بمعنى الشرط مجازا ثم إن كان الفعل سابقا أو موجودا في الحال يكون تنجيزا وإن كان منتظرا يتعلق الوقوع بوجوده كما هو حكم الشرط وعلى هذا لو قال أنت طالق في حيضتك وهي حائض تطلق في الحال وإن قال أنت طالق في مجيء حيضتك فإنها لا تطلق حتى تحيض وقال في الجامع إذا قال أنت طالق في مجيء يوم لم تطلق حتى يطلع الفجر من الغد ولو قال في مضي يوم فإن قال ذلك بالليل فهي طالق كما غربت الشمس من الغد وإن قال ذلك بالنهار لم تطلق حتى يجيء مثل هذه الساعة من الغد وعلى هذا قال في السير الكبير إذا قال رأس الحصن آمنوني في عشرة فهو أحد العشرة لأن معنى الظرف في العدد بهذا يتحقق والخيار في التسعة إلى الذي آمنهم لا إليه لأنه ما شرط لنفسه شيئا في أمان من ضمهم إلى نفسه ليكونوا عشرة ولو قال لفلان علي عشرة دراهم في عشرة تلزمه عشرة لأن العدد لا يصلح ظرفا لمثله بلا شبهة إلا أن يعني حرف مع فإن في يأتي بمعنى مع قال تعالى فادخلي في عبادي أي مع عبادي فإذا قال ذلك فحينئذ وكما أن في يكون بمعنى مع يكون بمعنى من قال تعالى وارزقوهم فيها يلزمه عشرون ولكن بدون هذه النية لا يلزمه لأن المال بالشك لا يجب أي منها وكذلك لو قال لامرأته أنت طالق واحدة في واحدة فهي طالق واحدة إلا أن يقول نويت مع فحينئذ تطلق اثنتين دخل بها أم لم يدخل بها وإن قال عنيت الواو فذلك صحيح أيضا على ما هو مذهب أهل النحو أن أكثر حروف الصلات يقام بعضها مقام بعض فعند هذه النية تطلق اثنتين إن كان دخل بها وواحدة إن لم يدخل بها بمنزلة قوله واحدة وواحدة وقال في الزيادات إذا قال أنت طالق في مشيئة الله أو في إرادته لم تطلق بمنزلة قوله إن شاء الله كما جعل قوله في دخولك الدار بمنزلة قوله إن دخلت الدار إلا في قوله في علم الله فإنها تطلق لأن العلم يستعمل عادة بمعنى المعلوم يقال علم أبي حنيفة ويقول الرجل اللهم اغفر لنا علمك فينا أي معلومك وعلى هذا المعنى يستحيل جعله بمعنى الشرط فإن قيل لو قال في قدرة الله لم تطلق وقد تستعمل القدرة بمعنى المقدور فقد يقول من يستعظم شيئا هذه قدرة الله تعالى قلنا معنى هذا الاستعمال أنه أثر قدرة الله تعالى إلا أنه قد يقام المضاف إليه مقام المضاف ومثله لا يتحقق في العلم
ومن هذا الجنس أسماء الظروف وهي مع وقبل وبعد وعند فأما مع فهي للمقارنة حقيقة وإن كان قد تستعمل بمعنى بعد قال تعالى إن مع العسر يسرا وعلى اعتبار حقيقة الوضع قلنا إذا قال لامرأته أنت طالق واحدة مع واحدة تطلق اثنتين سواء دخل بها أو لم يدخل بها وكذلك لو قال معها واحدة لأنهما تقترنان في الوقوع في الوجهين ولو قال لفلان علي مع كل درهم من هذه الدراهم العشرة درهم فعليه عشرون درهما وأما قبل فهي للتقديم قال تعالى من قبل أن نطمس وجوها ولهذا لو قال لامرأته وقت الضحوة أنت طالق قبل غروب الشمس تطلق للحال بخلاف الملك الذي كان للمورث فإن الوارثة خلافة وقد بينا أن عنده استصحاب الحال فيما يرجع إلى الإبقاء حجة على الغير ولكنا نقول هذا البقاء حق المورث فأما في حق الوارث فصفة المالكية تثبت له ابتداء واستصحاب الحال لا يكون حجة فيه بوجه وعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إذا ادعى عينا في يد إنسان أنه له ميراث من أبيه وأقام الشاهدين فشهدا أن هذا كان لأبيه لم تقبل هذه الشهادة وفي قول أبي يوسف الآخر تقبل لأن الوارثة خلافة فإنما يبقى للوارث الملك الذي كان للمورث ولهذا يرد بالعيب ويصير مغرورا فيما اشتراه المورث وما ثبت فهو باق لاستغناء البقاء عن دليل وهما يقولان في حق الوارث هذا في معنى ابتداء التملك لأن صفة المالكية تثبت له في هذا المال بعد أن لم يكن مالكا وإنما يكون البقاء في حق المورث أن لو حضر بنفسه يدعى أن العين ملكه فلا جرم إذا شهد الشاهدان أنه كان له كانت شهادة مقبولة كما إذا شهدا أنه له فأما إذا كان المدعى هو الوارث وصفة المالكية للوارث تثبت ابتداء بعد موت المورث فهذه الشهادة لا تكون حجة للقضاء بالملك له لأن طريق القضاء بها استصحاب الحال وذلك غير صحيح فصل ومن هذه الجملة الإستدلال بتعارض الأشباه وذلك نحو احتجاج زفر رحمه الله في أنه لا يجب غسل المرافق في الوضوء لأن من الغايات ما يدخل ومنها ما لا يدخل فمع الشك لا تثبت فرضية الغسل فيما هو غاية بالنص لأن هذا في الحقيقة احتجاج بلا دليل لإثبات حكم فإن الشك الذي يدعيه أمر حادث فلا يثبت حدوثه إلا بدليل فإن قال دليله تعارض الأشباه قلنا وتعارض الأشباه أيضا حادث فلا يثبت إلا بالدليل فإن قال الدليل عليه ما أعده من الغايات مما يدخل بالإجماع وما لا يدخل بالإجماع قلنا وهل تعلم أن هذا المتنازع فيه من أحد النوعين بدليل فإن قال أعلم ذلك قلنا فإذن عليك أن لا تشك فيه بل تلحقه بما هو من نوعه بدليله وإن قال لا أعلم ذلك قلنا قد اعترفت بالجهل فإن كان هذا مما يمكن الوقوف عليه بالطلب فإنما جهلته عن تقصير منك في طلبه وذلك لا يكون حجة أصلا وإن كان مما لا يمكن الوقوف عليه بعد الطلب كنت معذورا في الوقوف فيه ولكن هذا العذر لا يصير حجة لك على غيرك ممن يزعم أنه قد ظهر عنده دليل إلحاقه بأحد النوعين فعرفنا أن حاصل كلامه احتجاج بلا دليل فصل
ومن هذه الجملة الاحتجاج بالاطراد على صحة العلة إما وجودا أو وجودا وعدما فإنه احتجاج بلا دليل في الحقيقة ومن حيث الظاهر هو احتجاج بكثرة أداء الشهادة وقد بينا أن كثرة أداء الشهادة وتكرارها من الشاهد لا يكون دليل صحة شهادته ثم الاطراد عبارة عن سلامة الوصف عن النقوض والعوارض والناظر وإن بالغ في الإجتهاد بالعرض على الأصول المعلومة عنده فالخصم لا يعجز من أن يقول عندي أصل آخر هو مناقض لهذا الوصف أو معارض فجهلك به لا يكون حجة لك على فتبين من هذا الوجه أنه احتجاج بلا دليل ولكنه فوق من تقدم في الإحتجاج به من حيث الظاهر لأن من حيث الظاهر الوصف صالح ويحتمل أن يكون حجة للحكم إذا ظهر أثره عند التأمل ولكن لكونه في الحقيقة استدلالا على صحته بعدم النقوض والعوارض لم يصلح أن يكون حجة لإثبات الحكم فإن قيل أليس أن النصوص بعد ثبوتها يجب العمل بها واحتمال ورود الناسخ لا يمكن شبهة في الإحتجاج بها قبل أن يظهر الناسخ فكذلك ما تقدم قلنا أما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا احتمال للنسخ في كل نص كان حكمه ثابتا عند وفاته فأما في حال حياته فهكذا نقول إن الاحتجاج لا يكون صحيحا لأن احتمال بقاء الحكم واحتمال قيام دليل النسخ فيه كان بصفة واحدة وقد قررنا هذا في باب النسخ مبيعا والمبيع الدين لا يكون إلا سلما وعلى هذا لو قال لعبده إن أخبرتني بقدوم فلان فأنت حر فهذا على الخبر الحق الذي يكون بعد القدوم لأن مفعول الخبر محذوف هنا وقد دل عليه حرف الباء الذي هو للإلصاق كقول القائل بسم الله أي بدأت بسم الله فيكون معنى كلامه إن أخبرتني خبرا ملصقا بقدوم فلان والقدوم اسم لفعل موجود فلا يتناول الخبر بالباطل ولو قال إن أخبرتني أن فلانا قد قدم فهذا على الخبر حقا كان أو باطلا لأنه لما لم يذكر حرف الباء فالمذكور صالح لأن يكون مفعول الخبر وأن وما بعده مصدر والخبر إنما يكون بكلام لا يفعل فكأنه قال إن أخبرتني بخبر قدوم فلان والخبر اسم لكلام يدل على القدوم ولا يوجد عنده القدوم لا محالة وعلى هذا قال في الزيادات إذا قال أنت طالق بمشيئة الله أو بإرادته أو بحكمه لم تطلق وكذلك سائر أخواتها لأن الباء للإلصاق فيكون دليلا على معنى الشرط مفضيا إليه وعلى هذا قال في الجامع إذا قال لامرأته إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني تحتاج إلى الإذن في كل مرة لأن الباء للإلصاق فإنما جعل المستثنى خروجا ملصقا بالإذن وذلك لا يكون إلا بتجديد الإذن في كل مرة قال تعالى وما نتنزل إلا بأمر ربك أي مأمورين بذلك ولو قال إن خرجت إلا أن آذن لك فهذا على الإذن مرة ( واحدة ) لأنه يتعذر الحمل ههنا على الاستثناء لمخالفة الجنس في صيغة الكلام فيحمل على معنى الغاية مجازا لما بينهما من المناسبة وعليه دل قوله تعالى إلا أن يحاط بكم إلا أن تقطع قلوبهم أي حتى ثم قال الشافعي في قوله تعالى وامسحوا برؤوسكم إن الباء للتبعيض فإنما يلزمه مسح بعض الرأس وذلك أدنى ما يتناوله الاسم وقال مالك الباء صلة للتأكيد بمنزلة قوله تعالى تنبت بالدهن كأنه قال وامسحوا رؤوسكم فيلزمه مسح جميع الرأس وقلنا أما التبعيض فلا وجه له لأن الموضوع للتبعيض حرف من والتكرار والاشتراك لا يثبت بأصل الوضع ولا وجه لحمله على الصلة لما فيه من معنى الإلغاء أو الحمل على غير فائدة مقصودة وهي التوكيد
ولكنا نقول الباء للإلصاق باعتبار أصل الوضع فإذا قرنت بآلة المسح يتعدى الفعل بها إلى محل المسح فيتناول جميعه كما يقول الرجل مسحت الحائط بيدي ومسحت رأس اليتيم بيدي فيتناول كله وإذا قرنت بمحل المسح يتعدى الفعل بها إلى الآلة فلا تقتضي الاستيعاب وإنما تقتضي إلصاق الآلة بالمحل وذلك لا يستوعب الكل عادة ثم أكثر الآلة ينزل منزلة الكمال فيتأدى المسح بإلصاق ثلاثة أصابع بمحل المسح ومعنى التبعيض إنما يثبت بهذا الطريق لا بحرف الباء فإن قيل أليس أن في التيمم حكم المسح ثبت بقوله تعالى فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ثم الاستيعاب فيه شرط قلنا أما على رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله فإنه لا يشترط فيه الاستيعاب لهذا المعنى وأما على ظاهر الرواية فإنما عرفنا الاستيعاب هناك إما بإشارة الكتاب وهو أن الله تعالى أقام التيمم في هذين العضوين مقام الغسل عند تعذر الغسل والاستيعاب في الغسل فرض بالنص فكذلك فيما قام مقامه أو عرفنا ذلك بالسنة وهو قوله عليه السلام لعمار رضي الله عنه يكفيك ضربتان ضربة للوجه وضربة للذراعين ومن هذا الفصل حروف القسم والأصل فيها باعتبار الوضع الباء حتى يستقيم استعمالها مع إظهار الفعل ومع إضماره فإن الباء للإلصاق وهي تدل على محذوف كما بينا وقول الرجل بالله بمعنى أقسم ( أو أحلف ) بالله كما قال تعالى يحلفون بالله ما قالوا وكذلك يستقيم وصلها بسائر الأسماء والصفات وبغير الله إذا حلف به مع التصريح بالاسم أو الكناية عنه بأن يقول بأبي أو بك لأفعلن أو به لأفعلن فيصح استعماله في جميع هذه الوجوه لمقصود القسم باعتبار أصل الوضع ثم قد تستعار الواو مكان الباء في صلة القسم لما بينهما من المناسبة صورة ومعنى أما الصورة فلأن خروج كل واحد منهما من المخرج الصحيح بضم الشفتين وأما المعنى فلأن في العطف إلصاق المعطوف بالمعطوف عليه وحرف الباء للإلصاق إلا أن الواو تستعمل في المضمر ( دون المظهر لا يقال أحلف والله لأنه يشبه قسمين لأن قوله والله وحده قسم ظاهرا وكذا أحلف أو أقسم بخلاف قوله أحلف بالله فالباء لصلة الفعل دون المضمر لأن هذا الإستعمال لتوسعة صلة القسم لا لمعنى الإلصاق فلو استعمل فيهما كان مستعارا عاما ولا حاجة إلى ذلك وإنما الحاجة إلى الإستعارة لصلة القسم حتى يشبه قسمين ولهذا لا يستعمل مع الكناية نحو الكاف والهاء ومع الأسم الصريح يستعمل في جميع الأسماء والصفات نحو قوله والرحمن والرب ثم التاء تستعمل أيضا في صلة القسم قال تعالى وتالله لأكيدن أصنامكم وهذا لما بين حرف التاء والواو من المناسبة فإنهما من حروف الزوائد في كلام العرب يقام أحدهما مقام الآخر في التراث مع الوراث والتورية والوورية وما أشبه ذلك ولما كان المقصود بهذا الإستعمال توسعة صلة القسم لشدة الحاجة إلى ذلك خاصة كان التاء أخص من الواو لمكان أن الواو مستعار ليس بأصل في صلة القسم ولهذا يختص باسم الله حتى لا يستقيم أن يقول تالرحمن كما يستقيم والرحمن ومع حذف هذه الصلات يستقيم القسم أيضا لاعتبار معنى التخفيف والتوسعه حتى إذا قال الله يكون يمينا ولكن المذهب عند نحويى البصرة الذكر بالنصب وعند نحويى الكوفة بالخفض وهو الأظهر عند الفقهاء
ومما هو موضوع بمعنى القسم قوله وأيم الله إلا أن المذهب عند نحويى الكوفة أن معناه أيمن وهو جمع يمين ومنه قول القائل : فقالت يمين الله مالك حيلة وما إن أرى عنك الغواية تنجلى وعند نحويى البصرة هذه كلمة موضوعة في صلات القسم لا اشتقاق لها نحو صه ومه والهمزة فيها للوصل ألا ترى أنها تسقط إذا نقدمها حرف بمنزلة سائر حروف الوصل ولو كانت لبناء صيغة الجمع لم تسقط إذا تقدمها حرف ومما يؤدى إلى معنى القسم قوله لعمر الله قال تعالى لعمرك واللام للإبتداء وعمر بمعنى البقاء فيكون المعنى لبقاء الله والبقاء من صفات الله تعالى فيكون هو بهذا اللفظ مصرحا بما هو مقصود القسم فيجعل قسما بمنزلة قوله والله الباقى ألا ترى أنه لو قال لغيره جعلت لك هذت العبد ملكا بألف درهم كان بيما لتصريحه بما هو مقصود البيع ويجعل ذلك بمنزلة التصريح بلفظ البيع ومن ذلك حروف الشرط وهى إن وإذا وإذا ما ومتى ومتى ما وكلما ومن وما وباعتبار أصل الوضع حرف الشرط على الخلوص إن فإنه ليس فيها معنى الوقت وإنما يتعقبها الفعل دون الأسم وهى علامة الشرط فالشرط فعل منتظر في المستقبل هو على خطر الوجود يقصد نفيه أو إثباته ألا ترى أنه يستقيم أن يقول إن زرتنى أكرمتك وإن أعطيتنى كافيتك ولا يستقيم أن يقول إن جاء غدا أكرمتك لأنه ليس في مجىء الغد معنى الخطر ولا يتعقب الكلمة اسم لأن معنى الخطر في الأسماء لا يتحقق فإن قيل لا كذلك فقد قال الله تعالى إن امرؤ هلك ليس له ولد وقال تعالى وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا قلنا ذلك على معنى التقديم والتأخير أى إن هلك امرؤ وإن خافت امرأة فإن أهل اللغة مجمعون على أن الذى يتعقب حرف الشرط الفعل دون الأسم وعلى هذا قلنا إذا قال لامرأته إن لم أطلقك فأنت طالق إنها لا تطلق حتى يموت الزوج لأنه جعل الشرط انعدام فعل التطليق منه وذلك لا يتيقن به ما دام حيا وإن ماتت المرأة في إحدى الروايتين تطلق أيضا قبل أن تموت بلا فصل لأن فعل التطليق لا يتحقق بدون المحل وبفوات المحل يتحقق الشرط وفي الرواية الأخرى لا تطلق لأنها ما لم تمت بفعل التطليق يتحقق من الزوج وبعد موتها لا يقع الطلاق عليها بخلاف الزوج فإنه كما أشرف على الهلاك فقد وقع اليأس عن فعل التطليق منه ثم حكم الشرط امتناع ثبوت الحكم بالعلة أصلا مالم يبطل التعليق بوجود الشرط وأمثله هذا في مسائل الفقه كثيرة وأما إذا فعلى قول نحويى الكوفة تستعمل هى للوقت تارة وللشرط تارة فيجازي بها مرة إذا أريد بها الشرط ولا يجازي بها مرة إذا أريد بها الوقت وإذا استعملت للشرط لم يكن فيها معنى الوقت وهذا قول أبي حنيفة وعلى قول نحويي البصرة هي للوقت باعتبار أصل الوضع وإن استعملت للشرط فهي لا تخلو عن معنى الوقت بمنزلة متى فإنها للوقت وإن كان قد يجازي بها فإن المجازاة بها لازمة في غير موضع الاستفهام والمجازاة بإذا جائزة غير لازمة وهذا قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وبيان المسألة ما إذا قال إذا لم أطلقك فأنت طالق أو إذا ما لم أطلقك فإن عنى بها الوقت تطلق في الحال وإن عنى الشرط لم تطلق حتى تموت وإن لم تكن له نية فعلى قول أبي حنيفة لا تطلق حتى يموت وعلى قولهما تطلق في الحال قالا إن إذا تستعمل للوقت غالبا وتقرن بما ليس فيه معنى الخطر فإنه يقال الرطب إذا اشتد الحر والبرد إذا جاء الشتاء ولا يستقيم مكانها إن قال تعالى إذا الشمس كورت و إذا السماء انفطرت وذلك كائن لا محالة فعرفنا أنه لا ينفك عن معنى الوقت استعمالا
وتستعمل في جواب الشرط قال تعالى وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون وما يستعمل في المجازاة لا يكون محض الشرط فعرفنا أنها بمعنى متى فإنها لا تنفك عن معنى الوقت وإن كان المجازاة بها ألزم من المجازاة بإذا وإذا ثبت هذا قلنا قد أضاف الطلاق إلى وقت في المستقبل هو خال عن إيقاع الطلاق فيه عليها وكما سكت فقد وجد ذلك الوقت فتطلق ألا ترى أنه لو قال لامرأته إذا شئت فأنت طالق لم تتوقت المشيئة بالمجلس بمنزلة قوله متى شئت بخلاف قوله إن شئت وأبو حنيفة رحمه الله اعتمد ما قال أهل الكوفة إن إذا قد تستعمل بمحض الشرط واستدل عليه الفراء بقول القائل استغن ما أغناك ربك بالغنى وإذا تصبك خصاصة فتحمل معناه إن تصبك خصاصة فإن حمل على معنى الشرط لم يقع الطلاق حتى يموت وإن حمل على معنى الوقت وقع الطلاق في الحال والطلاق بالشك لا يقع وعلى هذا قلنا في قوله إذا شئت إنه لا يتوقت بالمجلس لأن المشيئة صارت إليها بيقين فلو جعلنا الكلمة بمنزلة إن خرج الأمر من يدها بالقيام ولو جعلناها بمنزلة متى لم يخرج الأمر من يدها بالشك وأما متى فهي للوقت باعتبار أصل الوضع ولكن لما كان الفعل يليها دون الاسم جعلناها في معنى الشرط ولهذا صح المجازاة بها غير أنها لا تنفك عن معنى الوقت بحال فإذا قال لامرأته متى لم أطلقك فأنت طالق أو متى ما لم أطلقك فأنت طالق طلقت كما سكت لوجود وقت بعد كلامه لم يطلقها فيه ولهذا لم نذكر في حروف الشرط كلمة كل لأن الاسم يليها دون الفعل فإنها تجمع الأسماء ويستقيم أن يقال كل رجل ولا يستقيم أن يقال كل دخل وفيها معنى الشرط باعتبار أن الاسم الذي يتعقبها يوصف بفعل لا محالة ليتم كل الكلام وذلك الفعل يصير في معنى الشرط حتى لا ينزل الجزاء إلا بوجوده بيانه فيما إذا قال كل امرأة أتزوجها وكل عبد أشتريه وذكرنا في حروف الشرط كلمة كلما لأن الفعل يتعقبها دون الاسم يقال كلما دخل وكلما خرج ولا يقال كلما زيد وقد قدمنا الكلام في بيان كلما ومن وما ومما هو في معنى الشرط لو على ما يروى عن أبي يوسف أنه إذا قال لامرأته أنت طالق لو دخلت الدار لم تطلق ما لم تدخل كقوله إن دخلت لأن لو تفيد معنى الترقب فيما يقرن به مما يكون في المستقبل فكان بمعنى الشرط من هذا الوجه ولو قال أنت طالق لو حسن خلقك عسى أن أراجعك تطلق في الحال لأن لو هنا إنما تقرن بالمراجعة التي تترقب في المستقبل فتخلو كلمة الإيقاع عن معنى الشرط وأما لولا فهي بمعنى الاستثناء لأنها تستعمل لنفي شيء بوجود غيره قال تعالى ولولا رهطك لرجمناك وعلى هذا قال محمد رحمه الله في قوله أنت طالق لولا دخولك الدار إنها لا تطلق وتجعل هذه الكلمة بمعنى الاستثناء ذكره الكرخي رحمه الله في المختصر وبالأخرى إلى فروع أخر فلا يكون انعدام العلة مع بقاء الحكم في موضع ثابتا بالعلة الأخرى دليل فساد العلة فأما المفارقة فمن الناس من ظن أنها مفاقهة ولعمري المفارقة مفاقهة ولكن في غير هذا الموضع فأما على وجه الاعتراض على العلل المؤثرة تكون مجادلة لا فائدة فيها في موضع النزاع وبيان هذا من وجوه ثلاثة أحدها أن شرط صحة القياس لتعدية الحكم إلى الفروع تعليل الأصل ببعض أوصافه لا بجميع أوصافه وقد بينا أنه متى كان التعليل بجميع أوصاف الأصل لا يكون مقايسة فبيان المفارقة بين الأصل والفرع بذكر وصف آخر لا يوجد ذلك في الفرع ويرجع إلى بيان صحة المقايسة فأما أن يكون ذلك اعتراضا على العلة فلا
ثم ذكر وصف آخر في الأصل يكون ابتداء دعوى والسائل جاهل مسترشد في موقف المنكر إلى أن تتبين له الحجة لا في موضع الدعوى وإن اشتغل بإثبات دعواه فذلك لا يكون سعيا في إثبات الحكم المقصود وإنما يكون سعيا في إثبات الحكم في الأصل وهو مفروغ عنه ولا يتصل ما يثبته بالفرع إلا من حيث إنه ينعدم ذلك المعنى في الفرع وبالعدم لا يثبت الاتصال وقد بينا أن العدم لا يصلح أن يكون موجبا شيئا فكان هذا منه اشتغالا بما لا فائدة فيه والثالث ما بينا أن الحكم في الأصل يجوز أن يكون معلولا بعلتين ثم يتعدى الحكم إلى بعض الفروع بإحدى العلتين دون الأخرى فبان انعدام في الفرع الوصف الذي يروم به السائل الفرق وإن سلم له أنه علة لإثبات الحكم في الأصل فذلك لا يمنع المجيب من أن يعدي حكم الأصل إلى الفرع بالوصف الذي يدعيه أنه علة للحكم وما لا يكون قدحا في كلام المجيب فاشتغال السائل به يكون اشتغالا بما لا يفيد وإنما المفاقهة في الممانعة حتى يبين المجيب تأثير علته فالفقه حكمة باطنة وما يكون مؤثرا في إثبات الحكم شرعا فهو الحكمة الباطنة والمطالبة به تكون مفاقهة فأما الإعراض عنه والاشتغال بالفرق يكون قبولا لما فيه احتمال أن لا يكون حجة لإثبات الحكم واشتغالا بإثبات الحكم بما ليس بحجة أصلا في موضع النزاع وهو عدم العلة فتبين أن هذا ليس من المفاقهة في شيء والله أعلم فصل الممانعة قال رضي الله عنه اعلم بأن الممانعة أصل الاعتراض على العلة المؤثرة من حيث إن الخصم المجيب يدعي أن حكم الحادثة ما أجاب به فإذا لم يسلم له ذلك يذكر وصفا يدعي أنه علة موجبة للحكم في الأصل المجمع عليه وأن هذا الفرع نظير ذلك الأصل فيتعدى ذلك الحكم بهذا الوصف إلى الفرع وفي هذا الحكم دعويان فهو أظهر في الدعوى من الأول أي حكم الحادثة وإن كانت المناظرة لا تتحقق إلا بمنع دعوى السابق عرفنا أنها لا تتحقق إلا بمنع هذه الدعاوى أيضا فيكون هو محتاجا إلى إثبات دعاويه بالحجة والسائل منكر فليس عليه سوى المطالبة لإقامة الحجة بمنزلة المنكر في باب الدعاوى والخصومات وإليه أشار صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم حيث قال للمدعي ( ألك بينة ) وبالممانعة يتبين العوارض ويظهر المدعي من المنكر والملزم من الدافع بعدما ثبت شرعا أن حجة أحدهما غير حجة الآخر ثم الممانعة على أربعة أوجه ممانعة في نفس العلة وممانعة في الوصف الذي يذكر العلل أنه علة وممانعة في شرط صحة العلة أنه موجود في ذلك الوصف وممانعة في المعنى الذي به صار ذلك الوصف علة للحكم أما الممانعة في نفس العلة فكما بينا أن كثيرا من العلل إذا تأملت فيها تكون احتجاجا بلا دليل وذلك لا يكون حجة على الخصم الإثبات + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + & باب بيان الأحكام الثابتة بظاهر النص دون القياس والرأي & قال رضي الله عنه هذه الأحكام تنقسم أربعة أقسام الثابت بعبارة النص والثابت بإشارته والثابت بدلالته والثابت بمقتضاه فأما الثابت بالعبارة فهو ما كان السياق لأجله ويعلم قبل التأمل أن ظاهر النص متناول له والثابت بالإشارة ما لم يكن السياق لأجله لكنه يعلم بالتأمل في معنى اللفظ من غير زيادة فيه ولا نقصان وبه تتم البلاغة ويظهر الإعجاز
ونظير ذلك من المحسوس أن ينظر الإنسان إلى شخص هو مقبل عليه ويدرك آخرين بلحظات بصره يمنة ويسرة وإن كان قصده رؤية المقبل إليه فقط ومن رمى سهما إلى صيد فربما يصيب الصيدين بزيادة حذقه في ذلك للعمل فإصابته الذي قصد منهما موافق للعادة وإصابة الآخر فضل على ما هو العادة حصل بزيادة حذقه ومعلوم أنه يكون مباشرا فعل الاصطياد فيهما فكذلك هنا الحكم الثابت بالإشارة والعبارة كل واحد منهما يكون ثابتا بالنص وإن كان عند التعارض قد يظهر بين الحكمين تفاوت كما نبينه وبيان هذين النوعين في قوله تعالى للفقراء المهاجرين فالثابت بالعبارة في هذه الآية نصيب من الفيء لهم لأن سياق الآية لذلك كما قال تعالى في أول الآية ما أفاء الله على رسوله الآية والثابت بالإشارة أن الذين هاجروا من مكة قد زالت أملاكهم عما خلفوا بمكة لاستيلاء الكفار عليها فإن الله تعالى سماهم فقراء والفقير حقيقة من لا يملك المال لا من بعدت يده عن المال لأن الفقر ضد الغنى والغني من يملك حقيقة المال لا من قربت يده من المال حتى لا يكون المكاتب غنيا حقيقة وإن كان في يده أموال وابن السبيل غني حقيقة وإن بعدت يده عن المال لقيام ملكه ومطلق الكلام محمول على حقيقته وهذا حكم ثابت بصيغة الكلام من غير زيادة ولا نقصان فعرفنا أنه ثابت بإشارة النص ولكن لما كان لا يتبين ذلك إلا بالتأمل اختلف العلماء فيه لاختلافهم في التأمل ولهذا قيل الإشارة من العبارة بمنزلة الكناية للعلم قطعا بمنزلة الثابت بالعبارة ومنه ما لا يكون موجبا للعلم وذلك عند اشتراك معنى الحقيقة والمجاز في الاحتمال مرادا بالكلام ومن ذلك قوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا فالثابت بالعبارة والتعريض من التصريح أو بمنزلة المشكل من الواضح فمنه ما يكون موجبا ظهور المنة للوالدة على الولد لأن السياق يدل على ذلك والثابت بالإشارة أن أدنى مدة الحمل ستة أشهر فقد ثبت بنص آخر أن مدة الفصال حولان كما قال تعالى وفصاله في عامين فإنما يبقى للحمل ستة أشهر ولهذا خفي ذلك على أكثر الصحابة رضي الله عنهم واختص بفهمه ابن عباس رضي الله عنهما فلما ذكر لهم ذلك قبلوا منه واستحسنوا قوله ومن ذلك قوله تعالى وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف فالثابت بالعبارة وجوب نفقتها على الوالد فإن السياق لذلك والثابت بالإشارة أحكام منها أن نسبة الولد إلى الأب لأنه أضاف الولد إليه بحرف اللام فقال وعلى المولود له فيكون دليلا على أنه هو المختص بالنسبة إليه وهو دليل على أن للأب تأويلا في نفس الولد وماله فإن الإضافة بحرف اللام دليل الملك كما يضاف العبد إلى سيده فيقال هذا العبد لفلان وإلى ذلك أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله أنت ومالك لأبيك ولثبوت التأويل له في نفسه وماله قلنا لا يستوجب العقوبة بإتلاف نفسه ولا يحد بوطء جاريته وإن علم حرمتها عليه والمسائل على هذا كثيرة وهو دليل أيضا على أن الأب لا يشاركه في النفقة على الولد غيره لأنه هو المختص بالإضافة إليه والنفقة تبتني على هذه الإضافة كما وقعت الإشارة إليه في الآية بمنزلة نفقة العبد فهي إنما تجب على سيده لا يشاركه غيره فيها وفيه دليل أيضا على أن استئجار الأم على الإرضاع في حال قيام النكاح بينهما لا يجوز لأنه جعل النفقة لها عليه باعتبار عمل الإرضاع بقوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين فلا يستوجب بدلين باعتبار عمل واحد وهو دليل أيضا على ما يستحق بعمل الإرضاع من النفقة والكسوة لا يشترط فيه إعلام الجنس والقدر وإنما يعتبر فيه المعروف فيكون دليلا لأبي حنيفة رحمه الله في جواز استئجار الظئر بطعامها وكسوتها + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + +
فصل القلب والعكس قال رضي الله عنه تفسير القلب لغة جعل أعلى الشيء أسفله وأسفله أعلاه من قول القائل قلبت الإناء إذا نكسه أو هو جعل بطن الشيء ظهرا والظهر بطنا من قول القائل قلبت الجراب إذا جعل باطنه ظاهرا وظاهره باطنا وقلبت الأمر إذا جعله ظهرا لبطن وقلب العلة على هذين الوجهين وهو نوعان أحدهما جعل المعلول علة والعلة معلولا وهذا مبطل للعلة لأن العلة هي الموجبة شرعا والمعلول هو الحكم الواجب به فيكون فرعا وتبعا للعلة وإذا جعل التبع أصلا والأصل تبعا كان ذلك دليل بطلان العلة وبيانه فيما قال الشافعي في الذمي إنه يجب عليه الرجم لأنه من جنس من يجلد بكره مائة فيرجم ثيبه كالمسلم فيقلب عليه فنقول في الأصل إنما يجلد بكره لأنه يرجم ثيبه فيكون ذلك قلبا مبطلا لعلته باعتبار أن ما جعل فرعا صار أصلا وما جعله أصلا صار تبعا وكذلك قوله القراءة ركن يتكرر فرضا في الأوليين فيتكرر أيضا فرضا في الأخريين كالركوع وهذا النوع من القلب إنما يتأتى عند التعليل بحكم لحكم فأما إذا كان التعليل بوصف لا يرد عليه هذا القلب إذ الوصف لا يكون حكما شرعيا يثبت بحكم آخر وطريق المخلص عن هذا القلب أن لا يذكر هذا على سبيل التعليل بل على سبيل الاستدلال بأحد الحكمين على الآخر فإن الاستدلال بحكم على حكم طريق السلف في الحوادث روينا ذلك عن النبي عليه السلام وعن الصحابة رضي الله عنهم ولكن شرط هذا الاستدلال أن يثبت أنهما نظيران متساويان فيدل كل واحد منهما على صاحبه هذا على ذاك في حال وذاك على هذا في حال بمنزلة التوأم فإنه يثبت حرية الأصل لأحدهما أيهما كان بثبوته للآخر ويثبت الرق في أيهما كان بثبوته للآخر وذلك نحو ما يقوله علماؤنا رحمهم الله وبيانه فيما قال علماؤنا إن الصوم عبادة تلزم بالنذر فتلزم بالشروع كالحج فلا يستقيم قلبهم علينا لأن الحج إنما يلزم بالنذر لأنه يلزم بالشروع لأنا نستدل بأحد الحكمين على الآخر بعد ثبوت المساواة بينهما من حيث إن المقصود بكل واحد منهما تحصيل عبادة زائدة هي محض حق الله تعالى على وجه يكون المعنى فيها لازما والرجوع عنها بعد الأداء حرام وإبطالها بعد الصحة جناية فبعد ثبوت المساواة بينهما يجعل هذا دليلا على ذاك تارة وذاك على هذا تارة وكذلك قولنا في الثيب الصغيرة من يكون موليا عليه في ماله تصرفا يكون موليا عليه في نفسه تصرفا كالبكر وفي البكر البالغة من لا يكون موليا عليه في ماله تصرفا لا يكون موليا عليه في نفسه تصرفا كالرجل يكون استدلالا صحيحا بأحد الحكمين على الآخر إذ المساواة قد تثبت بين التصرفين من حيث إن ثبوت الولاية في كل واحد منهما باعتبار حاجة المولى عليه وعجزه عن التصرف بنفسه فلا يستقيم قلبهم إذا ذكرنا هذا على وجه الاستدلال لأن جواز الاستدلال بكل واحد منهما على الآخر يدل على قوة المشابهة والمساواة وهو المقصود بالاستدلال بخلاف ما علل به الشافعي فإنه لا مساواة بين الجلد والرجم أما من حيث الذات فالرجم عقوبة غليظة تأتي على النفس والجلد لا ومن حيث الشرط الرجم يستدعي من الشرائط ما لا يستدعي عليه الجلد كالثيوبة وكذلك لا مساواة بين ركن القراءة وبين الركوع فإن الركوع فعل هو أصل في الركعة والقراءة ذكر هو زائد حتى إن العاجز عن الأذكار القادر على الأفعال يؤدي الصلاة والعاجز عن الأفعال القادر على الأذكار لا يؤديها ويسقط ركن القراءة بالاقتداء عندنا وعند خوف فوت الركعة بالاتفاق ولا يسقط ركن الركوع وكذلك لا مساواة بين الشفع الثاني والشفع الأول في القراءة فإنه يسقط في الشفع الثاني شطر ما كان مشروعا في الشفع الأول وهو قراءة السورة والوصف المشروع فيه في الشفع الأول وهو الجهر بالقراءة ومع انعدام المساواة لا يمكن الاستدلال بأحدهما على الآخر والقلب يبطل التعليل على وجه المقايسة
والنوع الثاني من القلب هو جعل الظاهر باطنا بأن يجعل الوصف الذي + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + في المصروف إليه وهي المسكنة وجعل الواجب فعل الإطعام فيكون ذلك دليلا على أنه مشروع لاعتبار حاجة المحل ثم هذه الحاجة تتجدد بتجدد الأيام فجعلنا المسكين الواحد في عشرة أيام بمنزلة عشرة مساكين في جواز الصرف إليه ولهذا لم نجوز صرف جميع الكفارة إلى مسكين واحد دفعة واحدة فإن قيل فقد جوزتم صرف الكسوة أيضا إلى مسكين واحد في عشرة أيام والحاجة إلى الكسوة لا تتجدد ( في ) كل يوم وإنما ذلك في كل ستة أشهر أو أكثر قلنا قد بينا أن التكفير في الكسوة يحصل بالتمليك والحاجة التي تكون باعتبار التمليك لا نهاية لها فتجعل متجددة حكما بتجدد الأيام ولهذا قال بعض مشايخنا إذا فرق الإطعام في يوم واحد يجوز أيضا وإن أدى الكل مسكينا واحدا لأن تجدد الحاجة بتجدد الوقت معلوم وحقيقتها يتعذر الوقوف عليه فيجعل باعتبار كل ساعة كأن الحاجة متجددة حكما ولكن هذا في التمليك فأما في التمكين لا يتحقق هذا وأكثرهم على أن في الكسوة يعتبر هذا المعنى الحكمي فأما في الطعام يعتبر بتجدد الأيام لأن المنصوص عليه الإطعام وحقيقته في التمكين من الطعام ومعنى تجدد الحاجة إلى ذلك لا يتحقق إلا بتجدد الأيام ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم فالثابت بالعبارة وجوب أداء صدقة الفطر في يوم العيد إلى الفقير والسياق لذلك والثابت بالإشارة أحكام منها أنها لا تجب إلا على الغني لأن الإغناء إنما يتحقق من الغني ومنها أن الواجب الصرف إلى المحتاج لأن إغناء الغني لا يتحقق وإنما يتحقق إغناء المحتاج ومنها أنه ينبغي أن يعجل أداءها قبل الخروج إلى المصلى ليستغني عن المسألة ويحضر المصلي فارغ القلب من قوت العيال فلا يحتاج إلى السؤال ولهذا قال أبو يوسف لا يجوز صرفها إلا إلى فقراء المسلمين ففي قوله ( في مثل هذا اليوم ) إشارة إلى ذلك يعني أنه يوم عيد للفقراء والأغنياء جميعا وإنما يتم ذلك للفقراء إذا استغنوا عن السؤال فيه وقال أبو حنيفة ومحمد رضي الله عنهما هو كذلك ولكن في هذا إشارة إلى الندب أن الأولى أن يصرفه إلى فقراء المسلمين كما أن الأولى أن يعجل أداءها قبل الصلاة وإن كان التأخير جائزا ومنها أن وجوب الأداء يتعلق بطلوع الفجر لأن اليوم اسم للوقت من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وإنما يغنيه عن المسألة في ذلك اليوم أداء فيه ومنها أنه يتأدى الواجب بمطلق المال لأنه اعتبر الإغناء وذلك يحصل بالمال المطلق وربما يكون حصوله بالنقد أتم من حصوله بالحنطة والشعير والتمر ومنها أن الأولى أن يصرف صدقته إلى مسكين واحد لأن الإغناء بذلك يحصل وإذا فرقها على المساكين كان هذا في الإغناء دون الأول وما كان أكمل فيما هو المنصوص عليه فهو أفضل فهذه أحكام عرفناها بإشارة النص وهو معنى جوامع الكلم الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصارا هذا مثال بيان الثابت بعبارة النص وإشارته من الكتاب والسنة
فأما الثابت بدلالة النص فهو ما ثبت بمعنى النظم لغة لا استنباطا بالرأي لأن للنظم صورة معلومة ومعنى هو المقصود به فالألفاظ مطلوبة للمعاني وثبوت الحكم بالمعنى المطلوب باللفظ بمنزلة الضرب له صورة معلومة ومعنى هو المطلوب به وهو الإيلام ثم ثبوت الحكم بوجود الموجب له فكما أن في المسمى الخاص ثبوت الحكم باعتبار المعنى المعلوم بالنظم لغة فكذلك في المسمى الخاص الذي هو غير منصوص عليه يثبت الحكم بذلك المعنى ويسمى ذلك دلالة النص فمن حيث إن الحكم غير ثابت فيه بتناول صورة النص إياه لم يكن ثابتا بعبارة النص ومن حيث إنه ثابت بالمعنى المعلوم بالنص لغة كان دلالة النص ولم يكن قياسا فالقياس معنى يستنبطه بالرأي مما ظهر له أثر في الشرع ليتعدى به الحكم إلى ما لا نص فيه لا استنباط باعتبار معنى النظم لغة كما في قوله صلى الله عليه وسلم الحنطة بالحنطة مثل بمثل جعلنا الغلة هي الكيل والوزن بالرأي فإن ذلك لا تتناوله صورة النظم ولا معناها لغة ولهذا اختص العلماء بمعرفة الاستنباط بالرأي ويشترك في معرفة دلالة النص كل من له بصر في معنى الكلام لغة فقيها أو غير فقيه ومثال ما قلنا في قوله تعالى فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما فإن للتأفيف صورة معلومة ومعنى لأجله ثبتت الحرمة وهو الأذى حتى إن من لا يعرف هذا المعنى من هذا اللفظ أو كان من قوم هذا في لغتهم إكرام لم تثبت الحرمة في حقه ثم باعتبار هذا المعنى المعلوم لغة تثبت الحرمة في سائر أنواع الكلام التي فيها هذا المعنى كالشتم وغيره وفي الأفعال كالضرب ونحوه وكان ذلك معلوما بدلالة النص لا بالقياس لأن قدر ما في التأفيف من الأذى موجود فيه وزيادة ومثال هذا ما روي أن ماعزا زنى وهو محصن فرجم وقد علمنا أنه ما رجم لأنه ماعز بل لأنه زنى في حالة الإحصان فإذا ثبت هذا الحكم في غيره كان ثابتا بدلالة النص لا بالقياس وكذلك أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الكفارة على الأعرابي باعتبار جنايته لا لكونه أعرابيا فمن وجدت منه مثل تلك الجناية يكون الحكم في حقه ثابتا بدلالة النص لا بالقياس وهذا لأن المعنى المعلوم بالنص لغة بمنزلة العلة المنصوص عليها شرعا على ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهرة إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات ثم هذا الحكم يثبت في الفأرة والحية بهذه العلة فلا يكون ثابتا بالقياس بل بدلالة النص وقال عليه السلام للمستحاضة إنه دم عرق انفجر فتوضئي لكل صلاة ثم ثبت ذلك الحكم في سائر الدماء التي تسيل من العروق فيكون ثابتا بدلالة النص لا بالقياس ولهذا جعلنا الثابت بدلالة النص كالثابت بإشارة النص وإن كان يظهر بينهما التفاوت عند المقابلة وكل واحد منهما ضرب من البلاغة أحدهما من حيث اللفظ والآخر من حيث المعنى ولهذا جوزنا إثبات العقوبات والكفارات بدلالة النص وإن كنا لا نجوز ذلك بالقياس فأوجبنا حد قطاع الطريق على الردء بدلالة النص لأن عبارة النص المحاربة وصورة ذلك بمباشرة القتال ومعناها لغة قهر العدو والتخويف على وجه ينقطع به الطريق وهذا معنى معلوم بالمحاربة لغة والردء مباشر لذلك كالمقاتل ولهذا اشتركوا في الغنيمة فيقام الحد على الردء بدلالة النص من هذه الوجوه وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يجب الحد في اللواطة على الفاعل والمفعول به بدلالة نص الزنا فالزنا اسم لفعل معنوي له غرض وهو اقتضاء الشهوة على قصد سفح الماء بطريق حرام لا شبهة فيه وقد وجد هذا كله في اللواطة فاقتضاء الشهوة بالمحل المشتهي وذلك بمعنى الحرارة واللين ألا ترى أن الذين لا يعرفون الشرع لا يفصلون بينهما والقصد منه السفاح لأن النسل لا تصور له في هذا المحل والحرمة هنا أبلغ من الحرمة في الفعل الذي يكون في القبل فإنها حرمة لا تنكشف بحال وإنما يبدل اسم المحل فقط فيكون الحكم ثابتا بدلالة النص لا بطريق القياس
و أبو حنيفة رضي الله عنه يقول هو قاصر في المعنى الذي وجب الحد باعتباره فإن الحد مشروع زجرا وذلك عند دعاء الطبع إليه ودعاء الطبع إلى مباشرة هذا الفعل في القبل من الجانبين فأما في الدبر دعاء الطبع إليه من جانب الفاعل لا من جانب المفعول به وفي باب العقوبات تعتبر صفة الكمال لما في النقصان من شبهة العدم ثم في الزنا إفساد الفراش وإتلاف الولد حكما فإن الولد الذي يتخلق من الماء في ذلك المحل لا يعرف له والد لينفق عليه وبالنساء عجز عن الاكتساب والإنفاق ولا يوجد هذا المعنى في الدبر فإنما فيه مجرد تضييع الماء بالصب في غير محل منبت وذلك قد يكون مباحا بطريق العزل فعرفنا أنه دون الزنا في المعنى الذي لأجله أوجب الحد ولا معتبر بتأكد الحرمة في حكم العقوبة ألا ترى أن حرمة الدم والبول آكد من حرمة الخمر ثم الحد يجب بشرب الخمر ولا يجب بشرب الدم والبول للتفاوت في معنى دعاء الطبع من الوجه الذي قررنا ولهذا قلنا في قوله عليه السلام لا قود إلا بالسيف إن القصاص يجب إذا حصل القتل بالرمح أو النشابة لأن لعبارة النص معنى معلوما في اللغة وذلك المعنى كامل في القتل بالرمح والنشابة وقد عرفنا أن المراد بذكر السيف القتل به لا قبضه وإنما السيف آلة يحصل به القتل فإذا حصل بآلة أخرى مثل ذلك القتل تعلق حكم القصاص به بدلالة النص لا بالقياس ثم قال أبو حنيفة رحمه الله المعنى المعلوم بذكر السيف لغة أنه ناقض للبنية بالجرح وظهور أثره في الظاهر والباطن فلا يثبت هذا الحكم فيما لا يماثله في هذا المعنى وهو الحجر والعصا وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله المعنى المعلوم به لغة أن النفس لا تطيق احتماله ودفع أثره فيثبت الحكم بهذا المعنى في القتل بالمثقل ويكون ثابتا بدلالة النص قالا لأن القتل نقض البنية وذلك بفعله لا تحتمله البنية مع صفة السلامة وهذا المعنى في المثقل أظهر فإن إلقاء حجر الرحى والاسطوانة على إنسان لا تحتمله البنية بنفسها والقتل بالجرح لا تحتمله البنية بواسطة السراية وإذا كان هذا أتم في المعنى المعتبر كان ثبوت الحكم فيه بدلالة النص كما في الضرب مع التأفيف و أبو حنيفة رحمه الله يقول المعتبر في باب العقوبات صفة الكمال في السبب لما في النقصان من شبهة العدم والكمال في نقض البنية بما يكون عاملا في الظاهر والباطن جميعا فاعتبار مجرد عدم احتمال البنية إياه مع صفة السلامة ظاهرا لتعدية الحكم غير مستقيم فيما يندرىء بالشبهات وإنما يستقيم ذلك فيما يثبت بالشبهات كالدية والكفارة فأما ما يندرىء بالشبهات ويعتبر فيه المماثلة في الاستيفاء بالنص لا بد من اعتبار صفة الكمال فيه ودليل النقصان حكم الذكاة فإنه يختص بما ينقض البنية ظاهرا وباطنا ولا يعتبر فيه مجرد عدم احتمال البنية إياه وما قاله إن الجرح وسيلة كلام لا معنى له فإننا لا نعني بفعل القتل الجناية على الجسم ولا على الروح إذ لا تتصور بالجناية على الروح من العباد والجسم تبع والمقصود هو النفس الذي هو عبارة عن الطبائع فالجناية عليها إنما تتم بإراقة الدم وذلك بعمل يكون جارحا مؤثرا في الظاهر والباطن جميعا ولهذا كان الغرز بالإبرة موجبا للقصاص لأنه مسيل للدم مؤثر في الظاهر والباطن إلا أنه لا يكون موجبا الحل في الذكاة لأن المعتبر هنا تسييل جميع الدم المسفوح ليتميز به الطاهر من النجس ولهذا اختص بقطع الحلقوم والأوداج عند التيسر ولم يثبت حكم الحل بالنار أيضا لأنها تؤثر في الظاهر حسما فلا يتميز به الطاهر من النجس بل يمتنع به من سيلان الدم ومن ذلك أن النبي عليه السلام لما أوجب الكفارة على الأعرابي بجنايته المعلومة بالنص لغة أوجبنا على المرأة أيضا مثل ذلك بدلالة النص لا بالقياس فإن الأعرابي سأل عن جنايته بقوله هلكت وأهلكت
وقد علمنا أنه لم يرد الجناية على البضع لأن فعل الجماع حصل منه في محل مملوك له فلا يكون جناية لعينه ألا ترى أنه لو كان ناسيا لصومه لم يكن ذلك منه جناية أصلا فعرفنا أن جنايته كان على الصوم باعتبار تفويت ركنه الذي يتأدى به وقد علم أن ركن الصوم الكف عن اقتضاء شهوة البطن و ( شهوة ) الفرج ووجوب الكفارة للزجر عن الجناية على الصوم ثم دعاء الطبع إلى اقتضاء شهوة البطن أظهر منه إلى اقتضاء شهوة الفرج ووقت الصوم وقت اقتضاء شهوة البطن عادة يعني النهر فأما اقتضاء شهوة الفرج يكون بالليالي عادة فكان الحكم ثابتا بدلالة النص من هذا الوجه فإن الجماع آلة لهذه الجناية كالأكل وقد بينا أنه لا معتبر بالآلة في المعنى الذي يترتب الحكم عليه وهو نظير قوله عليه السلام لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه وكما يصير معتقا بالشراء يصير معتقا بقبول الهبة والصدقة فيه لأن الشراء سبب لما يتم به علة العتق وهو الملك وقبول الهبة مثل الشراء في ذلك ثم الجناية على الصوم بهذه الصفة تتم منها بالتمكين كما تتم به من الرجل بالإيلاج ومعنى دعاء الطبع في جانبها كهو في جانب الرجل فالكفارة تلزمها بدلالة النص لا بالقياس ومن ذلك قوله عليه السلام للذي أكل ناسيا في شهر رمضان إن الله أطعمك وسقاك فتم على صومك ثم أثبتنا هذا الحكم في الذي جامع ناسيا بدلالة النص فإن تفويت ركن الصوم حقيقة لا يختلف بالنسيان والعمد ولكن النسيان معنى معلوم لغة وهو أنه محمول عليه طبعا على وجه لا صنع له فيه ولا لأحد من العباد فكان مضافا إلى من له الحق والجماع في حالة النسيان مثل الأكل في هذا المعنى فيثبت الحكم فيه بدلالة النص لا بالقياس إذ المخصوص من القياس لا يقاس عليه غيره فإن قيل الجماع ليس نظير الأكل من كل وجه فإن وقت أداء الصوم وقت الأكل عادة ووقت الأسباب المفضية إلى الأكل من التصرف في الطعام وغير ذلك فيبتلى فيه بالنسيان غالبا وهو ليس بوقت الجماع عادة والصوم أيضا يضعفه عن الجماع ولا يزيد في شهوته كما يزيد في شهوة الأكل فينبغي أن يجعل الجماع من الناسي في الصوم بمنزلة الأكل من الناسي في الصلاة لأن كل واحد منهما نادر قلنا نعم في الجماع هذا النوع من التقصير ولكن فيه زيادة في دعاء الطبع إليه من حيث إن الشبق قد يغلب على المرء على وجه لا يصبر عن الجماع وعند غلبة الشبق يذهب من قلبه كل شيء سوى ذلك المقصود ولا يوجد مثل هذا الشبق في الأكل فتكون هذه الزيادة بمقابلة ذلك القصور حتى تتحقق المساواة بينهما ولكن لا تعتبر هذه الزيادة عند ذكر الصوم في حق الكفارة لأن غلبة الشبق بهذه الصفة تنعدم بإباحة الجماع ليلا ولأنه لا يكون إلا نادرا وصفة الكمال لا تبتنى على ما هو نادر وإنما تبتنى على ما هو المعتاد وإنما طريق القياس في هذا ما سلكه الشافعي رحمه الله حيث جعل المكره والخاطىء بمنزلة الناسي باعتبار وصف العذر فإن الكره والخطأ غير النسيان صورة ومعنى فالحكم الثابت بالنسيان لا يكون ثابتا بالخطأ والكره بدلالة النص بل يكون بطريق القياس وهو قياس فاسد فإن الكره مضاف إلى غير من له الحق وهو المكره والخطأ مضاف إلى المخطىء أيضا وهو مما يتأتى عنه التحرز في الجملة فلم يكن في معنى ما لا صنع للعباد فيه أصلا ألا ترى أن المريض يصلي قاعدا ثم لا تلزمه الإعادة إذا برأ بخلاف المقيد
ث ومن ذلك أن الله تعالى لما أوجب القضاء على المفطر في رمضان بعذر وهو المريض والمسافر أوجبنا على المفطر بغير عذر بدلالة النص لا بالقياس فإن في الموضعين ينعدم أداء الصوم الواجب في الوقت والمرض والسفر عذر في الإسقاط لا في الإيجاب فعرفنا أن وجوب القضاء عليهما لانعدام الأداء في الوقت بالفطر لغة وقد وجد هذا المعنى بعينه إذا أفطر من غير عذر فيلزمه القضاء بدلالة النص ثم قال الشافعي رحمه الله بهذا الطريق أوجبت الكفارة في قتل العمد لأن النص جاء بإيجاب الكفارة في قتل الخطأ ولكن الخطأ عذر مسقط فعرفنا أن وجوب الكفارة باعتبار أصل القتل دون صفة الخطأ وذلك موجود في العمد وزيادة فتجب الكفارة في العمد بدلالة النص وبهذا الطريق أوجبت الكفارة في الغموس لأن في المعقود على أمر في المستقبل وجبت الكفارة باعتبار جنايته لما في الإقدام على الحنث من هتك حرمة اسم الله تعالى وذلك موجود في الغموس وزيادة فإنها محظورة لأجل الاستشهاد بالله تعالى كاذبا وهذا هو صفة الحظر في المعقودة على أمر في المستقبل بعد الحنث و لكنا نقول هذا الاستدلال فاسد لأن الواجب بالنص الكفارة وهي اسم لعبادة فيها معنى العقوبة تبعا من حيث إنها أوجبت جزاء ولكنها تتأدى بفعل هو عبادة والمقصود بها نيل الثواب ليكون مكفرا للذنب وإنما يحصل ذلك بما هو عبادة كما قال تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات فيستدعي سببا مترددا بين الحظر والإباحة لأن العقوبات المحضة سببها محظور محض والعبادات المحضة سببها ما لا حظر فيه فالمتردد يستدعي سببا مترددا وذلك في قتل الخطأ فإنه من حيث الصورة رمى إلى الصيد أو إلى الكافر وهو المباح وباعتبار المحل يكون محظورا لأنه أصاب آدميا محترما فأما العمد فهو محظور محض فلا يصلح سببا للكفارة وكذلك المعقودة على أمر في المستقبل فيها تردد فإن تعظيم المقسم به في الابتداء وذلك مندوب إليه ولهذا شرعت في بيعة نصرة الحق وفيها معنى الحظر أيضا قال تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم وقال تعالى واحفظوا أيمانكم والمراد الحفظ بالامتناع عن اليمين فلكونها دائرة بين الحظر والإباحة تصلح سببا للكفارة فأما الغموس محظور محض لأن الكذب بدون الاستشهاد بالله تعالى حرام ليس فيه شبهة الإباحة فمع الاستشهاد بالله تعالى أولى فكان الغموس باعتبار هذا المعنى كالزنا والردة فلا يصلح سببا لوجوب الكفارة ولا يدخل عليه القتل بالمثقل على قول أبي حنيفة فإنه موجب لكفارة وإن كان محظورا محضا لأن المثقل ليس بآلة للقتل بأصل الخلقة وإنما هو آلة للتأديب ألا ترى أن إجراءه للتأديب به والمحل قابل للتأديب مباح فلتمكن الشبهة من حيث الآلة يصير الفعل في معنى الدائر ولهذا لم يجعله موجبا للعقوبة فجعله موجبا للكفارة ولا يدخل على هذا قتل الحربي المستأمن ( عمدا ) فإنه غير موجب للكفارة وإن لم تمكن فيه شبهة حتى لم يكن موجبا للقصاص لأن امتناع وجوب القصاص هناك لانعدام المماثلة بين المحلين لا لشبهة ولهذا يجب القصاص على المستأمن بقتل المستأمن نص عليه في السير الكبير وإن كان امتناع وجوب القصاص لأجل الشبهة فتلك الشبهة في المحل لا في الفعل وفي القصاص مقابلة المحل بالمحل ولهذا لا تجب الدية مع وجوب القصاص فأما الكفارة جزاء الفعل ولا شبهة في الفعل هناك بل هو محظور محض فلم يكن موجبا للكفارة فأما في المثقل الشبهة في الفعل باعتبار أن الآلة ليست بآلة القتل والفعل لا يتأتى بدون الآلة فاعتبرنا هذه الشبهة في القصاص والكفارة جميعا وقال الشافعي رحمه الله أيضا يجب سجود السهو على من زاد أو نقص في صلاته عمدا لأن وجوب السجود عليه عند السهو باعتبار تمكن النقصان في صلاته وذلك موجود في العمد وزيادة فيثبت الحكم فيه بدلالة النص وقلنا هذا الاستدلال فاسد لأن السبب الموجب بالنص شرعا هو السهو على ما قال عليه الصلاة والسلام لكل سهو سجدتان بعد السلام والسهو ينعدم إذا كان عامدا فهذا هو المثال في بيان الثابت بدلالة النص
والنوع الرابع وهو المقتضى وهو عبارة عن زيادة على المنصوص عليه يشترط تقديمه ليصير المنظوم مفيدا أو موجبا للحكم وبدونه لا يمكن إعمال المنظوم فكان المقتضى مع الحكم مضافين إلى النص ثابتين به الحكم بواسطة المقتضى بمنزلة شراء القريب يثبت به الملك والعتق على أن يكونا مضافين إلى الشراء العتق بواسطة الملك فعرفنا أن الثابت بطريق الاقتضاء بمنزلة الثابت بدلالة النص لا بمنزلة الثابت بطريق القياس إلا أن عند المعارضة الثابت بدلالة النص أقوى لأن النص يوجبه باعتبار المعنى لغة والمقتضى ليس من موجباته لغة وإنما ثبت شرعا للحاجة إلى إثبات الحكم به ولا عموم للمقتضى عندنا وقال الشافعي للمقتضى عموم لأن المقتضى بمنزلة المنصوص في ثبوت الحكم به حتى كان الحكم الثابت به كالثابت بالنص لا بالقياس فكذلك في إثبات صفة العموم فيه فيجعل كالمنصوص و لكنا نقول ثبوت المقتضى للحاجة والضرورة حتى إذا كان المنصوص مفيدا للحكم بدون المقتضى لا يثبت المقتضى لغة ولا شرعا والثابت بالحاجة يتقدر بقدرها ولا حاجة إلى إثبات صفة العموم للمقتضى فإن الكلام مفيد بدونه وهو نظير تناول الميتة لما أبيح للحاجة تتقدر بقدرها وهو سد الرمق وفيما وراء ذلك من الحمل والتمول والتناول إلى الشبع لا يثبت حكم الإباحة فيه بخلاف المنصوص فإنه عامل بنفسه فيكون بمنزلة حل الذكية يظهر في حكم التناول وغيره مطلقا يوضحه أن المقتضى تبع للمقتضي فإنه شرطه ليكون مفيدا وشرط الشيء يكون تبعه ولهذا يكون ثبوته بشرائط المنصوص فلو جعل هو كالمنصوص خرج من أن يكون تبعا والعموم حكم صيغة النص خاصة فلا يجوز إثباته في المقتضى وعلى هذا الأصل قلنا إذا قال لغيره أعتق عبدك عني على ألف درهم فأعتقه وقع العتق عن الآمر وعليه الألف لأن الأمر بالإعتاق عنه يقتضي تمليك العين منه بالبيع ليتحقق الإعتاق عنه وهذا المقتضى يثبت متقدما ويكون بمنزلة الشرط لأنه وصف في المحل والمحل للتصرف كالشرط فكذا ما يكون وصفا للمحل وإنما يثبت بشرط العتق لا بشرط البيع مقصودا حتى يسقط اعتبار القبول فيه ولو كان الآمر ممن لا يملك الإعتاق لم يثبت البيع بهذا الكلام ولو صرح المأمور بالبيع بأن قال بعته منك بألف درهم وأعتقته لم يجز عن الآمر وبهذا تبين أن المقتضى ليس كالمنصوص عليه فيما وراء موضع الحاجة وعلى هذا قال أبو يوسف إذا قال أعتق عبدك عني بغير شيء فأعتقه يقع العتق عن الآمر لأن الملك بطريق الهبة يثبت هنا بمقتضى العتق فيثبت على شرائط العتق ويسقط اعتبار شرطه مقصودا وهو القبض كما يسقط اعتبار القبول في البيع بل أولى لأن القبول ركن في البيع والقبض شرط في الهبة فلما سقط اعتبار ما هو الركن لكونه ثابتا بمقتضى العتق فلأن يسقط اعتبار ما هو شرط أولى ولهذا لو قال أعتق عبدك عني على ألف ( درهم ) ورطل من خمر يقع العتق عن الآمر ولو أكره المأمور على أن يعتق عبده عنه بألف درهم يقع العتق عن الآمر وبيع المكره فاسد والقبض شرط لوقوع الملك في البيع الفاسد ثم سقط اعتباره إذا كان بمقتضى العتق وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قالا المقتضى تبع للمقتضي والقبض فعل ليس من جنس القول ولا هو دونه حتى يمكن إثباته تبعا له وبدون القبض الملك لا يحصل بالهبة فلا يمكن تنفيذ العتق عن الآمر ولا وجه لجعل العبد قابضا نفسه للآمر لأنه لا يسلم له بالعتق شيء من ملك المولى وإنما يبطل ملك المولى ويتلاشى بالإعتاق ولا وجه لإسقاط القبض هنا بطريق الاقتضاء لأن العمل بالمقتضى شرعي فإنما يعمل في إسقاط ما يحتمل السقوط دون ما لا يحتمل وشرط القبض لوقوع الملك في الهبة لا يحتمل السقوط بحال بخلاف القبول في البيع فقد يحتمل السقوط ألا ترى أن الإيجاب والقبول جميعا يحتمل السقوط حتى ينعقد البيع بالتعاطي من غير قول فلأن يحتمل مجرد القبول السقوط كان أولى
ولو قال بعت منك هذا الثوب بعشرة فاقطعه فقطعه ولم يقل شيئا كان البيع بينهما تاما والفاسد من البيع معتبر بالجائز في الحكم لأن الفاسد لا يمكن أن يجعل أصلا يتعرف حكمه من نفسه وإذا كان ما ثبت الملك به في البيع الجائز يحتمل السقوط إذا كان ضمنا للعتق فكذلك ما يثبت به الملك في البيع الفاسد وبيان ما ذكرنا من الخلاف بيننا وبين الشافعي فيما إذا قال إن أكلت فعبدي حر ونوى طعاما دون طعام عنده تعمل نيته لأن الأكل يقتضي مأكولا وذلك كالمنصوص عليه فكأنه قال إن أكلت طعاما ولما كان للمقتضي عموم على قوله عمل فيه نيته التخصيص وعندنا لا تعمل لأنه لا عموم للمقتضى ونية التخصيص فيما لا عموم له لغو بخلاف ما لو قال إن أكلت طعاما وعلى هذا لو قال إن شربت أو قال إن لبست أو قال إن ركبت وعلى هذا قلنا لو قال إن اغتسلت الليلة ونوى الاغتسال من الجنابة لم تعمل نيته بخلاف ما لو قال إن اغتسلت غسلا فإن هناك نيته تعمل فيما بينه وبين الله تعالى وكذلك لو قال إن اغتسل الليلة في هذه الدار وقال عنيت فلانا لم تعمل نيته لأن الفاعل ليس في لفظه وإنما يثبت بطريق الاقتضاء بخلاف ما لو قال إن اغتسل أحد في هذه الدار الليلة وعلى هذا لو قال لامرأته اعتدي ونوى الطلاق فإن وقوع الطلاق بطريق الاقتضاء لأنها لا تعتد قبل تقدم الطلاق فيصير كأنه قال طلقتك فاعتدي ولكن ثبوته بطريق الاقتضاء ولهذا كان الواقع رجعيا ولا تعمل نيته الثلاث فيه وبعد البينونة والشروع في العدة يقع الطلاق بهذا اللفظ وربما يستدل الشافعي رحمه الله بهذا في أن المقتضى كالمنصوص عليه وهو خارج على ما ذكرنا فإنا نجعله كالمنصوص عليه بقدر الحاجة وهو أن يصير المنصوص مفيدا موجبا للحكم فأما فيما وراء ذلك فلا قال رضي الله عنه وقد رأيت لبعض من صنف في هذا الباب أنه ألحق المحذوف بالمقتضى وسوى بينهما فخرج على هذا الأصل قوله تعالى واسأل القرية وقال المراد الأهل يثبت ذلك بمقتضى الكلام لأن السؤال للتبيين فإنما ينصرف إلى من يتحقق منه البيان ليكون مفيدا دون من لا يتحقق منه وقال عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولم يرد به العين لأنه يتحقق مع هذه الأعذار فلو حمل عليه كان كذبا ولا إشكال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معصوما عن ذلك فعرفنا بمقتضى الكلام أن المراد الحكم ثم حمله الشافعي على الحكم في الدنيا والآخرة قولا بالعموم في المقتضى وجعل ذلك كالمنصوص عليه ولو قال رفع عن أمتي حكم الخطأ كان ذلك عاما ولهذا الأصل قال لا يقع طلاق الخاطىء والمكره ولا يفسد الصوم بالأكل مكرها وقلنا لا عموم للمقتضي وحكم الآخرة وهو الإثم مراد بالإجماع وبه ترتفع الحاجة ويصير الكلام مفيدا فيبقى معتبرا في حكم الدنيا كذلك قوله عليه الصلاة والسلام الأعمال بالنيات ليس المراد عين العمل فإن ذلك متحقق بدون النية وإنما المراد الحكم ثبت ذلك بمقتضى الكلام فقال الشافعي يعم ذلك حكم الدنيا والآخرة فيما يستدعي القصد والعزيمة من الأعمال قولا بعموم المقتضى وقلنا المراد حكم الآخرة وهو أن ثواب العمل بحسب النية لأن ثبوته بطريق الاقتضاء ولا عموم للمقتضى وعندي أن هذا سهو من قائله فإن المحذوف غير المقتضى لأن من عادة أهل اللسان حذف بعض الكلام للاختصار إذا كان فيما بقي منه دليل على المحذوف ثم ثبوت هذا المحذوف من هذا الوجه يكون لغة وثبوت المقتضى يكون شرعا لا لغة وعلامة الفرق بينهما أن المقتضى تبع يصح باعتباره المقتضي إذا صار كالمصرح به والمحذوف ليس بتبع بل عند التصريح به ينتقل الحكم إليه لا أن يثبت ما هو المنصوص ولا شك أن ما ينقل غير ما يصحح المنصوص
وبيان هذا أن في قوله أعتق عبدك عني محذوفا ويثبت التمليك بطريق الاقتضاء ليصح المنصوص وفي قوله واسأل القرية الأهل محذوف للاختصار فإن فيما بقي من الكلام دليل عليه وعند التصريح بهذا المحذوف يتحول السؤال عن القرية إلى الأهل لا أن يتحقق به المنصوص وكذلك في قوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ فإن عند التصريح بالحكم يتحول الرفع إلى الحكم لا إلى ما وقع التنصيص عليه مع المحذوف وكذلك قوله عليه السلام الأعمال بالنيات وإنما لم يثبت العموم هنا لأن المحذوف بمنزلة المشترك في أنه يحتمل كل واحد من الأمرين على الانفراد ولا عموم للمشترك فأما أن يجعل المحذوف ثابتا بمقتضى الكلام فلا ويتبين من هذا أن ما كان محذوفا ليس بطريق الاقتضاء فإنه بمنزلة الثابت لغة فإن كان بحيث يحتمل العموم يثبت فيه صفة العموم وعلى هذا ما إذا قال لامرأته أنت طالق أو طلقتك ونوى ثلاثا فإن على قول الشافعي تعمل نيته لأن قوله طالق يقتضي طلاقا وذلك كالمنصوص عليه فتعمل نيته الثلاث فيه قولا بالعموم في المقتضى و قلنا نحن إن قوله طالق نعت فرد ونعت الفرد لا يحتمل العدد والنية إنما تعمل إذا كان المنوي من محتملات اللفظ ولا يمكن إعمال نية العدد باعتبار المقتضى لأنه لا عموم للمقتضي ولأن المقتضى لا يجعل كالمصرح به في أصل الطلاق فكيف يجعل كالمصرح به في عدد الطلاق وبيانه أنه إذا قال لامرأته زوري أباك أو حجي ونوى به الطلاق لم تعمل نيته ومعلوم أن ما صرح به يقتضي ذهابا لا محالة ثم لم يجعل بمنزلة قوله اذهبي حتى تعمل نيته الطلاق فيه يقرره أن قوله طالق نعت للمرأة فإنما يعتبر فيه من المقتضى ما يكون قائما بالموصوف والطلاق من هذا اللفظ مقتضى هو ثابت بالواصف شرعا فإنه لا يكون صادقا في هذا الوصف بدون طلاق يقع عليها فيجعل موقعا ليتحقق هذا الوصف منه صدقا ومثل هذا المقتضى لا يكون كالمصرح به شرعا بمنزلة الحال الذي هو قائم بالمخاطب وهو بعده عن موضع الحج وعن الزيارة فإن اقتضاء الذهاب لما كان لذلك المعنى لا لما هو قائم بالمنصوص لا يجعل كالمصرح به بخلاف قوله أنت بائن فإن ذلك نعت فرد نصا حتى لا يسع نية العدد فيه لو نوى اثنتين ولكن البينونة تتصل بالمحل في الحال وهي نوعان قاطعة للملك وقاطعة للحل الذي هو وصف المحل فنية الثلاث إنما تميز أحد نوعي ما تناوله نص كلامه فأما الطلاق لا يتصل بالمحل موجبا حكمه في الحال بل حكم انقطاع الملك به يتأخر إلى انقضاء العدة وحكم انقطاع الحل به يتأخر إلى تمام العدة وإنما يوصف المحل للحال به لانعقاد العلة ( فيه ) موجبا للحكم في أوانه وانعقاد العلة لا يتنوع فلم يكن المنوي من محتملات لفظه أصلا وعلى هذا قوله طلقتك فإن صيغة الخبر عن فعل ماض بمنزلة قوله ضربتك فالمصدر القائم بهذه الصيغة يكون ماضيا أيضا فلا يسع فيه معنى العموم بوجه بخلاف قوله طلقي نفسك فإن صيغته أمر بفعل في المستقبل لطلب ذلك الفعل منها فالمصدر القائم بهذه الصيغة يكون مستقبلا أيضا وذلك الطلاق فيكون بمنزلة غيره من أسماء الأجناس في احتمال العموم والخصوص فبدون النية يثبت به أخص الخصوص على احتمال الكل فإذا نوى الثلاث عملت نيته لأنه من محتملات كلامه وإذا نوى اثنتين لم تعمل لأنه لا احتمال للعدد في صيغة كلامه وعلى هذا لو قال إن خرجت ونوى الخروج إلى مكان بعينه لم تعمل نيته ولو نوى السفر تعمل نيته لأن السفر نوع من أنواع الخروج وهو ثابت باعتبار صيغة كلامه ألا ترى أن الخروج لغير السفر بخلاف الخروج للسفر في الحكم فأما المكان فليس من صيغة كلامه في شيء وإن كان الخروج يكون إلى مكان لا محالة فلم تعمل نية التخصيص فيه لما لم يكن من مقتضى صيغة الكلام بخلاف الأول