Mâtürîdî — Kitâbü't-Tevhîd (Mâtürîdî)
والأصل أن الذي لا يعدو الواقع بفعله وقت الوصف له بالفعل وصف عجز والذي يعدوه ويقع عنده وصف قدرة كمن يكون منه فعل الشيء وضده المتمكن منه أنه أتم من جهة فعله وكذلك من لا يعدو ( و ) فعله حيزه هو دون من يقع فعله في كل حيز كذلك وصف الله بالذي ذكرت إذ هو وصف التمام مع ما لا يقع فعل العبد لغير وقته لأنه عن شغله بالفعل يكون وبالآلات والله سبحانه بنفسه يفعل وذلك كما علم سبحانه بذاته وقدر بذاته وكل من سواه بغير الذي ( ذكرت ) لولا ذلك لما قام به فعل واللله هو ينشيء من لا شيء لذلك بطل التقدير بالذي قالوا وعلى مثل ما ذكرت أمر القدرة والإرادة وجميع ما بينا ودليل آخر أنه يوجد من العبد الفعل المتولد يقع الفراغ بعده بأوقات كالرمى والجنايات يستحق اسم القاتل والجاني والمصيب بعد انقضاء حقيقة فعله فمثله مستقيم من الله وإن كان لا يوصف فعله بالطباع والتولد لما أن خروج أحد الوجهين في الشاهد لم يمنع من تحقيق الفعل فمثله في الغائب وإن لم يكن من ذلك الوجه على ما بينا من إثبات شيء ليس بجسم على جواز القول في الله بالشيء وإن لم يكن عرضا وكل شيء في الشاهد غير جسم فهو عرض بحق الوجود لا أن ذلك اسمه فمثله الأول ولا قوة إلا بالله وأيضا إن الذي قالوا أمارة العجز إذ لا يقدر العبد على ما لا يتحقق مفعوله معه كما لا يقدر عليه دون استعمال نفسه بالتحريك والتسكين ولا قوة إلا بالله وبعد فإنه لا أحد أبى القول بأنه مأمور منهى في وقته من غير مجئ أمر في هذا الوقت وكذلك الوعد والوعيد فيصير بالمنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو للحال مأمورا منهيا ما ينكر أن يكون للحال كائنا بالتكوين في الأزل وكذلك الله سبحانه يوصف بكل كائن أنه عالم به كائنا وإن كان يوصف من قبل بعلمه والكون والحدث كله على الكائن دونه وبالله التوفيق على أن معنى التكوين وإن كان لا يبلغه فهم البشر لأمكن الأداء بأيسر قول يحتمله من القول ب كن كل شيء على ما علم أنه يكون فيكون به مكونا كل شيء على ما عليه كونه في وقت كونه من غير تكرار وفيه يدخل الأمر كله والنهى والوعد والوعيد ويصير إخبارا عن كائن وعما يكون على اختلاف أحوال الكائنات بأوقاتها وأمكنتها أبدا لكن وسع الخلق لا يحتمل درك التكوين الذي لا يشغل ولا يتعب ولا قوة إلا بالله وهذا باب لو استقصى فيه لشغل عن بلوغ النهاية عن المقصود ونرجو أن يكون فيما أشرنا إليه مقنع لذى اللب والفهم مسألة آراء الكعبي في صفات الذات وصفات الفعل والرد عليها ونذكر بعض ما ذكر الكعبي لتعلموا مبلغه في معرفة الله والعلم به فيكون في ذلك الإحاطة بمبلغ مذهب الإعتزال إذ هو عندهم إمام أهل الأرض ولا قوة إلا بالله قال ما احتمل اختلاف الحال والشخص فهو صفة الفعل نحو القول يرزق فلانا ويرحم في حال ولا يرحم في حال وكذلك الكلام ومثله في الأشخاص ومثله في القدرة والعلم والحياة لا يحتمل فهو صفة الذات وقال كل ما يقع عليه القدرة فهو صفة الفعل نحو الرحمة والكلام وما لا يقع عليه فهو صفة الذات نحو أن لا يقال أيقدر أن يعلم أو لا ثم يسأل عن صفة الذات أنه لم لا يجب الوصف بضده قال لأنه يرجع إلى ذاته وذاته غير مختلف وذلك يوجب الإختلاف ثم قال وإذا كان ذاته غير مختلف لم يجز الإختلاف ثم ما بقيت نفسه كالشيء الذي يجب لعلة يدوم بدوامها
قال الشيخ رحمه الله ومن قوله أن ليس لله في الحقيقة صفة وإنما هو وصف الواصف له أو تسمية المسمى وقد وجد الأمران جميعا في وصف الواصفين أنى وصفوه بالعلم والقدرة والفعل على غير اختلاف من حيث الوصف ثم سمى هو في الحقيقة عالما خالقا قادرا في التحقيق فلا وجه لتعريفه من حيث وصف إذ حقيقتهما ترجع إلى ما فيه الوفاق ثم قد يقال سمع دعاء فلان ولم يسمع دعاء فلان ويقول الرجل ما علم الله ذلك مني ويقول علم مني في وقت كذا ولم يعلم مني في وقت كذا ثم لم يجب به أن السمع والعلم لا يكونان من صفات الذات فما منع كذلك في التكليم والرحمة فإن قال يريد نفى المعلوم والمسموع قيل له كذلك في الأول يريد نفى فرعون من بره وإكرامه بذكر نفى الكلام وهو شيء يريد به بره وذلك معروف مما بشر المؤمنين بالكلام وأيأس الكفار وذلك عندنا على ذلك وبعد فإن المسألة ساقطة لأنه علق الحكم بجواز القول وقد بينا المسألة قد عرفنا بما سبق أن لا يجوز أن يوصف الله بحادث ولو جاز ذلك لجاز الوصف بمصلح ومفسد وخير وشرير وذلك باطل فثبت أنه لا بما ظن ولا قوة إلا بالله وأيضا أن كل غير الصوت لا يتكلم فيه بتسميع وجائز أن يتكلم فيه بعلم ثم لم يجب التفريق بينهما بالإختلاف في حرف الإثبات ولم يوجب في ذاته إختلافا فما منع كذلك في حق النفى ولا قوة إلا بالله وأيضا أنه لا يجوز وصفى الله تعالى بنفى العدل ثم لم يقل هو صفة الذات عندهم ثبت أن تقديره فاسد ثم يقال له تعنى بصفة الفعل الفعل نفسه وهو الخلق أهو عندك فعل أو غيره فإن قال الخلق قيل لم قلت إن الخلق صفة وهو صفة من إذ لا صفة إلا لموصوف فإن قال هو صفة الله أعظم القول بأن يجعل الخلق لله صفة والخلق فساد وقبيح وضرورة وعجز وأنجاس وخبائث وكل بصفته موصوف وهذه الأوصاف مما يأبى كل من له عقل أن يوصف بها فكيف يوصف بها الله وإن قال غير الخلق لزمه القول أن المراد أن صفته هي فعل وقد بينا ذلك تعالى الله عن الوصف بخلقه فثبت أن صفته التي هي الفعل هي صفة ذاته وكذلك يقال الله خالق رحمن رحيم فإنما سمى به ذاته فمثله صفة الفعل أي الفعل وتوصف به ذاته وذلك كما يقال كلام حكمة وصدق وكذب على أنه كذلك وهو صفة لصاحبه فمثله يضاف إلى الله وبعد فإنه يقال له قولك رحمة ومغفرة صفة للفعل ولعنة وشتم أيضا عندك صفة الفعل فما الفعل الذي سمى رحمة ولعنة حتى يوصف الله به فإن قال جنة ونار وقبول ورد ونحو ذلك بطل قوله في المسائل التي ذكر في الأصلح والتعديل والتجوير إن الله رحيم لا يفعل بعباده ذلك وكل ذلك مما فعل بعباده وإن أثبت معنى سوى ذلك فصارا غير خلقه بهما يوصف على أن قوله يشتم كلام قبيح لا يوصف الله به ثم يقال له لم اعتبرت بالذي ذكرت في صفة الذات والفعل وقد رأيت صفات الذات مختلفة في الإستعمال من وجه الإثبات نحو أن يقال بالعلم في أشياء لا يوصف بالقدرة فيها وبالقدرة على أشياء لا يوصف بالسمع فيها وبالرؤية في أشياء لا يوصف بالكرم فيها وبالجود وبالحكمة في أشياء لا يوصف بالسمع لها ونحو ذلك مما يكثر الإختلاف به لم يجب بها الفرق بل هو الموصوف بها في الأزل لم لا قلت كذلك في جميع ما يوصف به إذ هو يتعالى عن الإستحالة والفساد إنهما آيتان للحدث أمارتان للكون بعد أن لم يكن وأيضا يقال له رأيت الخلق أقساما يسمى الله عندك ببعض الخلق ولا يسمى ببعض ثم لم يدل على اختلاف في حق الصفة ما منع كذلك في أمر الصفات وبالله التوفيق
قال الفقيه أبو منصور رحمه الله ثم قوله ما يوصف بالقدرة عليه فليس من صفات الذات فهو عند خصمه لا يوصف بالقدرة على شيء من صفاته إلا على مجاز اللغة من إرادة المفعول في ذلك كما يسمى ما يفعل بالأمر أمرا ونحو ذلك وبعد فإنا قد بينا اختلاف أحوال الصفات في التوسيع والتضييق في أشياء على الإتفاق في أنها صفات الذات فلنقل فيما ذكر كذلك ثم من مذهبه أن الله تعالى كان غير خالق ولا رحمن وقدر على أن يجعل ذاته خالقا رحمانا ويجوز أن نعبد الرحمن الخالق فيكون على قوله قدر على أن يجعل للخلق معبودا وذلك اسم تقع عليه القدرة فيصير في الحقيقة يعبد غير الله وهو أيضا من وجه هذه الأسماء محدث من حيث كانت مما تقع عليه القدرة ثم يقال له أيقدر الله أن لايخلق الخلق فإن قال لا صيره خالقا بالضرورة أو بنفسه وبطل قوله وإن قال يقدر فيلزمه أن يجعل غير المخلوق خلقا بوقوع القدرة عليه وفي ذلك إثبات قدم الخلق ولا قوة إلا بالله واحتج في حدث الكلام بذكر الإتيان والمجئ وهو من ذلك الوجه محدث وقد بينا أن الله تعالى إذ وصف بالكلام على تعاليه عن إحتمال التغير والزوال فمثله في صفة الكلام والفعل وما ذكرت على أن الله قد أضاف المجئ إلى نفسه ثم لم يجب أنه حدث بل صرف إلى الوجه الذي يحق بالربوبية فمثله الأول وكذلك وجب صرف الإتيان إلى الوجه الذي يحق بالربوبية لا إلى ما عرف به الخلق من التغير والزوال فمثله في حقيقة الفعل والكلام على ما قال إبراهيم لا أحب الآفلين ومن يكون على حال ثم على أخرى فهو من الآفلين بالتحقيق والله أعلم واحتج بما يحفظ وقد يحفظ الله وقد يكون ذلك على حفظ حدوده وما اشتمل عليه الكلام وما يضاف إلى الله من الكلام بين الخلق فهو مجاز على الموافقة بما يعرف به الكلام الذي هو صفته وذلك كما ذكرنا من المجئ وغيره والعهد ونصر الرب ونحو ذلك مما لا يحقق ذلك المعنى لذاته فمثله القرآن وقد احتج بأنواع هو من ذلك الوجه محدث مخلوق من النسخ والسور والآيات ونحو ذلك ومن ذلك الوجه لا يوصف الله به ثم رجع إلى أنه لو قيل هو صفة الذات كالعلم فزعم أنه لا يقول له علم في الحقيقة قال الفقيه أبو منصور رحمه الله وما قاله فاسد لأنه عورض بقوله صفة الذات فليقل به كما قلت في العالم بلا حقيقة وكذا السمع ونحوه ونحن قد بينا بحمد الله ما يكفى ذا العقل دونه ثم عارض الكلام بالفعل ولا فرق بينهما عند خصمه ثم عارض بما لا يخلو في الشاهد من يجوز منه الكلام يجوز منه خرس أو سكوت وقد أخطأ في السؤال إنما هو من عجز أو سكوت وعارض بالفعل وهو كذلك عند الخصم مع ما ذكر فيه الفعل والترك وما الترك إلا الفعل لكن الحيرة تعمل به ما ذكر ثم عارض بالصبي أنه ليس بأخرس وقد بينا أنه يعجز عن ذلك مع ما كان من عظم الجزئية أن لا يجد لنفسه مثلا يعرف به الرب إلا الصبيان والمجانين ولا قوة إلا بالله وأجاب لما عورض بما لا يخلو القادر مما له القدرة من فعل وكلام به في حال حدوث القدرة من فعل وذلك جهل المعتزلة جعله دليلا فبورك له في توحيده الذي ذلك دليله قال أبو منصور رحمه الله والأصل في ذلك أن الوصف بالكلام والعلم والفعل الحمد عليه إنما هو وصف بالبراءة من الآفات والتعالى عن العيوب وهو كذلك في الأزل مع ما لو كان بغيره خالقا رحمانا متكلما يجوز أن يصير لا كذلك والقول بيا من ليس برحمن ولا رحيم ولا خالق قول ذم وإلحاق بغيره من الخلائق ثبت أنه بذاته رحمن رحيم خالق ولا قوة إلا بالله
على أنه لو كان يسمى بما يحل في غيره ليجب أن يسمى بكل شيء يحل في غيره مع ما لو جاز ذلك لجاز أن يكون أحد يحتمل مثله في الشاهد وفي امتناع ذلك في محتمل التغير وصف له بالعلو عن ذلك والله الموفق ثم قال يريد بصفات أن لا يثبت ثمة غير ولم يرد أنها ذاته بل كل صفة لقديم أو حديث فهي غيره وهي قول أو كتاب وصفات الله هي قولنا الذي نصفه أو قوله وكتابه وهما محدثان قال أبو منصور رضي الله عنه ذكرت جملة قوله الذي به ختم مسألته لتعلموا مبلغ علمه بالله ثم بالصفات مرة قال لا يثبت ثمة غير ولا يريد أنها هو فإذا لم يرد بالصفات هو ولا غيره أما يعلم أنه قول أهل الإثبات ثم قال هو قولنا فقولنا هي ليست غيره حتى نقول ليس ثمة غير ثم ذكر أن صفات الله هي ما ذكر وقال هي صفات الذات فإذا ما ذكر هي صفات الذات وهو لم يزل بها موصوفا وهي أغيار له جل ربنا عما يصفه المبطلون ثم قال فإن قيل لم لا جعلتم الرحمة صفة في الحقيقة دون أن يقول رحيم فزعم أن رحيم صفة دون الرحمة إذ كل من فعل صفة الشيء فقد وصفه كمن يشتم آخر أو يسوده أنه شتمه وسوده فكذلك خلق الرحمة ولا يجوز أن يوصف بها إذ خلقها حتى يقول إني رحيم فبذلك علمنا أن الصفة قوله إنه رحيم قال أبو منصور رحمه الله ما أعرف هذا التائه بالصفات حتى يشرع في تفسير صفات الله جل الله عن مثل هذا المتحير الخيال وتعالى ولو كانت الصفة في الحقيقة وصف الواصف ليبطل قول الخلق بأن الخلق أعيان وصفات ويبطل قوله في الإجتماع والتفرق والحركة والسكون التي لا تخلو الأعيان عنها في إثبات حديها إذ هي تخلو عن وصف واصف لها فثبت أنها صفات تلزم الأعيان لا ما ذكر ولا قوة إلا بالله ثم نتم هذاالنوع من حماقته لتحمدوا الله معاشر إخواني على ما أكرمكم الله بمعرفته ولتعلموا عظيم مقت الله على من زعم أنه قد استوعب جميع ما عند الله من المصالح له في الدين حتى لو أراد الله أن يزيد له شيئا لا يملكه مما به صلاحه لا يقدر عليه بل به يفسد لتتبينوا أنه جعل خذلانه صلاحا في الدين وإضلاله نعمة من نعم الرب جل ثناؤه قال لم نقل إن الله إذا خلق الحمرة في الثوب أنه جعل له صفة ولو كانت الحمرة صفة له جاز أن يقال إذ خلقها الله وصف الثوب بها ومثله في الحركة السكون وكذا من يكتب إلى آخر يصف طوله يجوز أن يقال وصفه لنا في كتابه زعم أن هذا واضح ثم قال إنا لا ننكر جواز إطلاق القول بأن الحمرة صفة الأحمر والرحمة صفة الفعل لكن على المجاز والحقيقة ما ذكرت ثم عورض بأنه يجوز إذا أن يكون للصفة صفة قال نعم بمعنى أنها توصف لكن ذلك إنما يوجد ما دام الواصف به قائلا فإذا أمسك لا قال الفقيه رحمه الله تأملوا عظيم منزلة المعتزلة بهذا الذي هذا مبلغ علمه بالصفة والموصوف والمجاز والحقيقة مما لو قرن به أجهل أهل توحيد الله لاستعظمه ثم يقدم قومه يوم القيامة فيوردهم المورد الذي هذا وصف سبيله نسأل الله العصمة قال أبو منصور رحمه الله الأصل أن الله عز وجل قد ثبت وصفه بالكلام بحجة السمع والعقل فالسمع قوله وكلم الله موسى تكليما ذكره بالمصدر مع غير تمانع بين الخلق بكلام الله وقد وجد الإتفاق على أنه متكلم وأن له كلاما في الحقيقة وإن اختلفت الآراء في مائيته ولا أنكر على الذين قالوا لولا يكلمنا الله إلا بوصف التكبر والجهل بمنزلة أنفسهم وكذلك قوله وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله
وأما العقل إن كل عالم قادر لا يتكلم فعن آفة يكون من عجز أو منع والله عنه متعال ثبت أنه متكلم على أن الذي لا يتكلم في الشاهد إنما لا يتكلم بالمعنى الذي لايسمع ولا يبصر من الآفة والله منزه عن المعنى الذي يقتضى الصمم والعمى وكذلك البكم وهو أولى إذ هو أجل ما يحمد به في الشاهد وبه ينفصل البشر من سائر الحيوان مع ما كان كل محتمل الكلام فعن عجز لا يتكلم أو عن سكوت ثم لا يخلو من أن يكون على تقدير كلام غيره فيكون فيه تشابه ودل قوله ليس كمثله شيء على نفى الشبه له في الصفة والذات وأيد ذا قوله خلقوا كخلقه دل أن شبه الفعل يوجب التشابه مع القول أن الخلق لو اجتمع لا يأتون بمثله فانتفى الشبه إذ فيه تماثل فثبت له الخلافية لكلام الخلق جميعا على ما ثبت لذاته مع ما لم يمتحن جميع كلام الخلق ليدرك منتهى معانيه وقد ذكر كلام النمل والهدهد وتسبيح الجبال وغيرها مما لا يفهم شيء من ذلك بالحروف المعجمة ولا على المفهوم من كلام البشر وإذ ثبت أن من الكلام ما لا يبلغ تقديره وسع الخلق ولا يبلغه فهم فمن أحب تقدير كلام الرب بذلك فهو مغفل وكذلك فعله تعالى خارج عن وصف فعل الخلق وفي ثبوت الخلافية من جميع الوجوه نفى الحدثية لما به يقع الوفاق وبطل معنى الأعراض والتفرق والإجتماع والحد والغاية والزيادة والنقصان إذ ذلك وصف كلام الخلق والله الموفق ثم لا يخلو من أن يكون غيره فيزول عنه ما ذكرنا من الآفة بغيره وذلك علم الحاجة وأمارة الحدث أو ليس غيره فيكون بنفسه متكلما قادرا عالما وبالله التوفيق ويجوز القول بما يسمع من الخلق كلام الله على الموافقة كما يقال في الرسائل والقصائد والأقاويل دليله أن ذلك خلق من الخلق ولا يحتمل أن يكون الله بذاته متكلما مع ما لا يخلو أن يكون المسموع عرضا فمحال كونه في مكانين وكذلك الجسم أو لا هما فمحال كونه في مكان وعن المكان يسمع فثبت أن وجه الإضافة إليه على ما ذكرنا مع ما يجوز أن يسمعنا الله كلامه بما ليس بكلامه كما أسمع كل منا الآخر كلامه وإن لم يكن ذلك بعينه كلامه وكما أعلمنا قدرته وعلمه وربوبيته بخلقه وإن لم يكن هو هو وبالله التوفيق فإن قال قائل هل أسمع الله كلامه موسى حيث قال وكلم الله موسى تكليما قيل أسمعه بلسان موسى وبحروف خلقها وصوت أنشأه فهو أسمعه ما ليس بمخلوق والقول بالوقف يخرج على وجهين أحدهما أن يقال ليس هو الله ولا غيره فيكون وقفا عن علم وهو حق على ما ثبت في العلم والقدرة والثاني أن يكون لا يعلم أخلق هو أو غيره فإنه بعيد لما لا يخلو من أن يذهب مذهب التقليد وأكثر القوم على نفى ذلك بل أجمع على لزوم العلم أنه الخلق أو غيره وبعد فإنه لا يعدو من أن يعلم أنه بذاته متكلم فيكون بمعنى ما ذكرت أو لا بذاته فهو غيره وكل الأغيار لله خلق على ما روى فيه سمع أو لا ثبت أن القول بالغيرية لله يوجب الحدث والحدث والخلق إذ هو منه أو لا يعلم أنه بذاته متكلم أو لا فيكون الوقف وقفا للجهل به فحق مثله التعلم لأنه لا دليل دفعه إلى ذلك القول ليتكلم فيه إنما هو الجهل أو أن يكون الوقف بما لا يعلم مراد السائل فيه أنه ما يعنى بكلام الله والقرآن أهو هذا المتبعض المتجزئ أو الذي لا يوصف بشيء من ذلك وذلك على الوصف الذي بينا فهو حق أن لا يجيب لأحد يسأله عن كلام متوجه حتى يعلم ما يريد به والله أعلم مسألة مناقشة قول الكعبي في أن أفعال الله باختيار وقال الكعبي أفعال الله باختيار لأن المطبوع يكون فعله نوعا
قال أبو منصور رحمه الله وما قاله حسن وذلك مذهب أهل التوحيد لكنه لا معنى له على مذهبه لما يقال الخلق اختياره أو غيره وكذلك ما يقال في أفعاله فإن قال اختياره فمعنى أفعاله إذا اختياره فالقول بأن أفعال الله باختيار خطأ بل هو اختيار ولا غير هنالك ليقال الذي قال وإن قال غير فإما أن يكون فعله فيجب أن يكون باختيار إلى ما لا نهاية له وذلك محال لأن الخلق متناه أو هو فعل بلا اختيار فيبطل قوله وذلك يلزم من يصف الله بالإرادة في الأزل وهي اختيار كون شيء في وقته ثم الدلالة عندنا على الأختيار خروج الخلق على تفاوت مائيته على ما فيه من الحكمة والدلالة على وحدانية الله فدل ذلك على اختيار كون كل شيء على ما هو عليه ولا قوة إلا بالله ثم من يقول بخروج الخلق على ما عليه بالطبائع والأغذية ومن يقول ذلك عمل النجم والشمس والقمر ومن يقول ذلك بدوران الفلك ومن يقول في التوالد بتدبير الآباء والأمهات يرجع كله إلى كون شيء بشيء إذا لم يثبت له أولية يبطل بالأدلة التي مر ذكرها وإذا ثبت له أو لكل جنس من ذلك أولية ثم استحال كونه بنفسه لما يوجد نفسه إما حين عدمه وذلك محال أن يوجد عديما مع ما إذ رجع إليه تدبير كل شيء لا يحتمل أن يبلغه العديم فإنه لو جاز أن يوجد نفسه لجاز في ذلك الوقت أن يعدمه وذلك متناقض أو بعد الوجود فثبت الوجود بغيره وبالله التوفيق وأيضا أن جميع ما يذكر إنما هو نوع الموات إلا من ذكر من الآباء والأمهات مما يعلمون أن تدبيرهم لا يبلغ مبادي الأولاد وأنهم يكونون على غير ما يأملون وأنهم لو فسدوا لا يمكن إصلاحهم وأن وسعهم لا يبلغ ما استتر من الأشياء فضلا من تقديرها هنالك وغير ذلك من الوجوه التي يبطل كون ذلك بهم ونوع الموات غير عالم بما فيه من المنافع ولا بالذي يحتمل منهم منع ذلك ثبت أن الذي يكون بالإغتذاء وبالطبائع إنما كان ذلك فيهم بجعل حكيم عليم جعل كل شيء على ما عليه من النفع والضرر على أنه في الحيوان معان ليس في شيء مما وصف آثار ذلك من نحو السمع والبصر وبخاصة في البشر من نحو النطق والميز والوقوف على أشياء مع ما كان ذلك في أول الأحوال غير كائن ولا يربى إلا بأغذية الآباء والأمهات ثم لم يؤثر ذلك فيهم فكيف في الأولاد وبعد فإن كل شيء له حد إذا بلغ ذلك الحد لا يزداد له طول ولا عرض ولا سمع ولا بصر ولا عقل بل يأخذ كل شيء من ذلك بالإنتقاص على قيام الأغذية ودوام التربية عقل أن ذلك كذلك لا بما ذكر ولكن بمن هو عالم بذاته حتى لا يعزب عنه شيء قادر بنفسه فلا يعجزه شيء جل ثناؤه وأيضا أنه ما من شيء مما ذكر من أنواع الجواهر إلا وقد يحتمل الإفساد والإصلاح جميعا وذلك أيضا كله متضاد متدافع لا يحتمل الإجتماع للتعاون ثبت أنها كانت على ما عليه بغيرها إذ كل شيء على جهة بنفسه لا يحتمل التغير ما دامت نفسه وبالله العصمة وأيضا أن كل حي فيما يعاين مبنى على الحاجات والشهوات التي تغلبهم وتقهرهم ولولا ذلك ما احتاجوا إلى الأغذية ثم كانت هي أسبابا عند وجودها للغنا لم يحتمل أن يكون منها تهيج الشهوات وحدوث الحاجات ولا يجوز أن تكون لأنفسها شهوات وحاجات لأوجه أحدها أن القيام بالذات دون الغير دليل الغنا لا يجوز أن يصير حاجة ولأن ما كان لذاته على جهة لا يحتمل زواله وقد يقع لها الغنا بالغير أو للإحالة أن يكون الشيء من حيث نفسه محوجا إلى غير بل إذا أحوج إلى غير من حيث نفسه بدوم الحاجة ما بقيت نفسه فثبت أن هنالك غير أنشأهم على الحاجات وركب فيهم الشهوات ثم أنشأ لهم ما به الغنا وقضاء الشهوات فيكون بما أريد به نفى المدبر العالم تثبيته ولا قوة إلا بالله
مع ما لا يوجد شيء من أعيان العالم وصفاتها إلا مسخرا مذللا بما لولا ذلك كان أهون عليه وألذ نحو القرار الدائم والسير المتتابع مما كان به معاش أحد وما له المعاش فصار العالم بكليته بالمعنى الذي ذكرت ولا يجوز أن يكون المسخر المذلل بملك التدبير حتى يكون به غنى الغير وقيامه ولا يملك إزالة الذلة عن نفسه والسخرة ثبت أن لكل ذلك مدبرا عليما علم وجوه حاجاتهم وغناهم فخلقهم على ذلك مع ما أحوج بعضنا إلى بعض في القيام والبقاء على جهل كل منهم بالوجه الذي أحوج إلى غيره وعجزه عن صرف وجه الحاجة عن نفسه ثبت أن لذلك كله مدبرا عليما على تدبيره جرى أمرهم وبعد لو خلى بين أعقل الخلق وأعظمهم تدبيرا وبين تقدير أحواله وأفعاله من الزمان والمكان فيما لطف منها لما احتمل وسعهم فمن دونه أحق ثم لا يملك أحد منهم صرف قهر الزمان عن نفسه ولا إحاطة المكان ثبت أن العالم على ما هو عليه لا يجوز كونه به دون خارج من معناه في إحاطة الحاجة به بل بالقيام بذاته عالما قادرا ولا قوة إلا بالله ثم من يقول بقدم طينة العالم فأما إن كانت من جوهر هذه المعاني فيلحقها ما يلحق العالم ويظهر جوهرها عجزها وحاجاتها وهما دليلا حدث العالم وكونه بغيره فيلزم فيها ما يلزم في غيرها أو كانت خارجة من هذا الجوهر غنية قوية لا تمسها الحاجات ولا يعترضها الشهوات الباعثة على الحيل المفزعة إلى غير به تأمل غناها وقوتها فأما إن كان العالم بها بأن اعترضت بها العوارض وانقلبت بجوهرها عما كانت عليه فصارت إلى هذه الحاجات والشهوات فصارت بجوهرها محتملة لكل حاجة محتملة لكل شهوة متمكنة للإستحالة والتغير فيبطل عنها جميع أوصاف الغنى والقوة وصارت أصل الحاجات وأم الشهوات فلزم إنصراف تدبيرها إلى حكيم عليم على ما لزم ذلك في جميع العالم أو كانت هي بحالها لكن العالم كان فيها بقوة ظهر بالفعل وذلك هو قول أصحاب الهيولي ثم دل تلف جميع ما في العالم من كون شيء في شيء بالقوة إذا خرج منه بالفعل نحو ما يقولون من كون النسمة في النطفة وكل حيوان في النطف أو البيض والعصف في الحب والشجر في النواة وكذلك كل الجواهر ومثله عندهم البقاء في الأغذية والنماء ونحو ذلك فيجب أن يكون أمر الطينة التي قالوا بها وأمر الهيولى كذلك إذ هما الأصل لجميع العالم وكذلك يلزم القرامطة في قولهم إن المبدع الأول فيه جميع العالم مبروزا تستمد منه النفس الكل فيمد الهيولى ومنه تركيب العالم أن يتلف الأول إذ هذا حق كل شيء في شيء بالقوة يظهر بالفعل وقد صيروا جميعا الوجود للحال دليل الأولية لكن الأول جوهر الكل والثاني جوهر الجزء وقد صار جوهر الكل معروفا بجوهر الجزء إذ ليس مما يبلغه أحد بالحس وبالله التوفيق وإذا ثبت هذا ثبت جميع ما بينا من الحوادث والحاجات التي هي الأدلة للحدث لذلك الأصل إذ صار محتملا للتلف والفناء وذلك أيضا يلزم القرامطة يجعلونه أبديا وإن كانوا يقولون كان بعد أن لم يكن بالإبداع ولا قوة إلا بالله ودليل الجهل ممن فيه ما فيه بالقوة بأحوال ما فيه ومن فيه وما يكون منه كما ذكرت من جهل النطف والحبوب وغيرها فيلزم كذلك في الهيولى والطينة وما قالوا ولزم أن ليس لما قالوا تدبير ولا كان شيء من ذلك به ولكن إن كان فهو بمن علم ما يكون فيجعل أصله مبروزا فيه بالقوة يظهر بالفعل بما جعل له من المواد والأمكنة التي بها تنمو
في ذلك القول بالتوحيد وأنه منشئ ذلك كله ليكون به كل شيء يكون على ما قالوا أو أن يكون محدثا لكل شيء يكون أبدا على ما يشاء أن يكون من أصول وإبتداء أو كيف شاء على ما يقوله أهل التوحيد وإذ الله سبحانه قادر على إنشاء أصل فيه كل شيء مبروزا هو قادر على إبتداء كل شيء كما شاء من غير بروز بالقوة ولا خروج بالفعل ولكن بالتقدير والتكوين وإن زعموا أن الأشياء كانت في الأصل مستجنة بجوهرها فيظهر بالفعل فهي أيضا ترجع إلى ما قلنا لأن ذلك قولهم في النطف والحبوب مع ما في هذا مما في العقل دفعه بما لا يحتمل تمكن أضعاف الشيء بجوهره فيه للتناقض والفساد وتكذيب العيان أو أن يكون ذلك الأصل الذي سموه طينة أو هيولى أو مبدعا أو نفس الكل يملك إنشاء العالم لا بأن كان فيه ولكن بالفعل والتكوين على ما شاء كيف شاء لا مرد لحكمه ولا نقيض على تدبيره فهو قول أهل التوحيد لكنهم سموا بأسماء غير الأسماء التي هي أسماء منشئ العالم عند أهل التوحيد ومبدعه ولا قوة إلا بالله مسألة في أسماء الله عز وجل قال أبو منصور رحمه الله القول في أسماء الله عز وجل عندنا على أقسام في مفهوم اللغة قسم منها يرجع إلى تسميتنا له بها وهن أغيار لأن قولنا عليم غير قولنا قدير وعلى هذا المروى إن لله تعالى كذا وكذا إسما وذلك نحو ما ذكر من خلق كذا وكذا رحمة لا أنه كان رحيما بتلك الرحمة المخلوقة إذ لا يحتمل أن يكون في أول خلقه غير رحيم أو كان كذلك غير رحيم حتى خلق تلك الرحمة وجعل واحدة بين خلقه ولكن بما كانت برحمته سميت به وكذلك اسم الجنة والمطر ونحوه وعلى ذلك قيل في العبارات هي أمره وإنما كانت به لا أنها هو ومثله يتكلم بعلمه وقدرته على إرادة معلومه ومقدوره إذ ذلك سببه فمثله الأول ولا قوة إلا بالله والثاني يرجع معناه إلى ذاته مما عجز الخلق عن الوقوف على مراد ذاته إلا به وإن كان يتعالى عن الحروف التي بها يفهم وذلك أيضا يختلف بإختلاف الألسن على إرادة حقيقة ذاته به وذلك نحو الواحد الله الرحمن الموجود والقديم والمعبود ونحو ذلك والثالث يرجع إلى الإشتقاق عن الصفات من نحو العالم القادر مما لو كانت في التحقيق غيره لاحتمل التبديل ولصارت التسمية على غير تحقيق المعنى المفهوم ولجازت تسميته بكل ما يسمى غيره إذا لم يرد تحقيق المفهوم من معناه ولا قوة إلا بالله مع ما يسأل من يجعل هذه الأسماء حادثة ثم لا تحقق لله علما في الأزل إذ كيف كان أمره قبل الخلق أكان يعلم ذاته أو ما يفعل أو لا وكذلك أكان يعلم ذاته شيئا أو لا يعلمها فإن كان لا يعلمها فهو إذا جاهل حتى أحدث العلم له فصار به عالما وإن كان يعلمها فإذا بعلم ذاته عالما أو لا فإن كان بعلم ذاته عالما فلزم القول بهذا الإسم في الأزل وفي غيرية الإسم فساد التوحيد والأصل على قول منكري الصفات إذ لم يكن له هذا الإسم ولم يكن له صفة هي علم يعلم ذاته في الأزل يجب ما قاله جهم بنفى الأسماء والصفات وحدثها فيكون غير عالم ولا قادر ثم علم جل الله عن ذلك وتعالى ثم يسأل كيف كان إن علم أنه كان كذلك في الأزل فيلزمه الإسم كذلك أو علم أنه لم يكن فيلحقه إسم الجهل وهو بقولهم لازم لأن تأويل العالم عندهم نفى الجهل فإذا لم يكن عالما في القديم فهو إذا عند ذلك كان جاهلا ولا قوة إلا بالله بم يكلم في العلم إذ لم يكن حتى كان إن حدث فيجب ذلك في كل شيء مع ما يقال كيف حدث به ولم يكن له قدرة أو بغيره فيبطل به توحيدهم
ثم يقال له في الفصل الذي ذكرت إنه كان يعلم ذاته قبل الخلق أو لم يكن له علم في الحقيقة كيف كان يعلم ذاته فإن كان بعلم ذاته عالما بطل قوله بحدث الإسم وإن قال غير عالم ولا قادر عليه دخل عليه جميع ما ذكرت مع إحالة الوصف له بالعلم به في الأزل مع فساد ما بينا في الحدث وإن قال من بعد بغيره رآه ممن يعترض فيه العوارض به تكون العالم وفي ذلك موافقة الدهرية في الطينة وأصحاب الهيولي والثنوية في كون العالم بإعتراض العوارض في الأصل ولا قوة إلا بالله وهذه المسألة هي مسألة الصفات في التحقيق وقد بينا ذلك مسألة بيان العرش قال أبو منصور رضي الله عنه ثم اختلف أهل الإسلام في القول بالمكان فمنهم من زعم أنه يوصف بأنه على العرش مستو والعرش عندهم السرير المحمول بالملائكة المحفوف بهم ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية وقوله وترى الملائكة حافين من حول العرش وقوله الذين يحملون العرش ومن حوله واحتجوا للقول به بقوله الرحمن على العرش استوى ويرفع الناس إلى السماء بالدعوات أيديهم وما يأملون من الخيرات ويقولون هو صار إليه بعد أن لم يكن لقوله ثم استوى على العرش ومنهم من يقول هو بكل مكان بقوله ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم وقوله ونحن أقرب إليه من حبل الوريد وقوله ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون وقوله وهو الذي في السماء إله وفي الأرض وظنوا أن القول بأنه في مكان دون مكان يوجب الحد وكل ذى حد مقصر عما هو أعظم منه وذلك عيب وآفة وفي ذلك إيجاب الحاجة إلى المكان مع ما فيه إيجاب الحد إذ لا يحتمل أن يكون أعظم من المكان لما هو سخف في المتعارف أن يختار أحد مكانا لا يسعه فيصير حد المكان حده جل ربنا عن ذلك وتعالى ومنهم من قال بنفى الوصف بالمكان وكذلك بالأمكنة كلها إلا على مجاز اللغة بمعنى الحافظ لها والقائم بها قال الشيخ أبو منصور رحمه الله وجملة ذلك أن إضافة كلية الأشياء إليه وإضافته عز وجل إليها يخرج مخرج الوصف له بالعلو والرفعة ومخرج التعظيم له والجلال كقوله له ملك السماوات والأرض رب السماوات والأرض إله الخلق رب العالمين وفوق كل شيء ونحوه وإضافة الخاص إليه يخرج مخرج الإختصاص له بالكرامة والمنزلة والتفضيل له على من هو بجوهره نحو قوله إن الله مع الذين اتقوا وقوله وأن المساجد لله ناقة الله بيت الله وغير ذلك ولا يخرج شيء من ذلك على مثل المفهوم من إضافة الخلق بعضهم إلى بعض لا قطع إحتمال مثله في الخلق إذ قد تخرج أيضا إضافة التخصيص مخرج التفضيل والعموم مخرج فضل السلطان والولاية قال أبو منصور رحمه الله الأصل فيه أن الله سبحانه كان ولا مكان وجائز ارتفاع الأمكنة وبقاؤه على ما كان فهو على ما كان وكان على ما عليه الآن جل عن التغير والزوال والإستحالة والبطلان إذ ذلك أمارات الحدث التي بها عرف حدث العالم ودلالة إحتمال الفناء إذ لا فرق بين الزوال من حال إلى حال ليعلم أن حاله الأولى لم تكن لذاته إذ لا يحتمل زوال ما لزم ذاته وبين أنها ليست لذاته لما احتمل هو قبول الأعراض وانتقال الأحوال ولا قوة إلا بالله وبعد فإن في تحقيق المكان له والوصف له بذاته في كل مكان تمكين الحاجة له إلى ما به قراره على مثل جميع الأجسام والأعراض التي قامت بالأمكنة وفيها تقلبت وقرت على خروج جملتها عن الوصف بالمكان فمن أنشأها وأمسك كليتها لا بمكان يتعالى عن الحاجة إلى مكان أو الوصف بما عليه العالم أن كليته لا في مكان وأنه بجزئياته في المكان ثم إن الله تعالى لو جعل في مكان لجعل بحق الجزئية من العالم وذلك أثر النقصان بل لما استقام قيام جميع العالم لا بالأمكنة للجملة فقيمه على ذلك أحق وأولى ولا قوة إلا بالله
قال أبو منصور رحمه الله ثم القول بالكون على العرش وهو موضع بمعنى كونه بذاته أو في كل الأمكنة لا يعدو من إحاطة ذلك به أو الإستواء به أو مجاوزته عنه وإحاطته به فإن كان الأول فهو إذا محدود به محاط منقوص عن الخلق إذ هو دونه ولو جاز الوصف له بذاته بما يحيط به من الأمكنة لجاز بما يحيط به من الأوقات فيصير متناهيا بذاته مقصرا عن خلقه وإن كان على الوجه الثاني فلو زيد على الخلق لا ينقص أيضا وفيه ما في الأول وإن كان على الوجه الثالث فهو الأمر المكروه الدال على الحاجة وعلى التقصير من أن ينشئ ما لا يفضل عنه مع ما يذم ذا من فعل الملوك أن لا يفضل عنهم من المعامد شيئا وبعد فإن في ذلك تجزئة بما كان بعضه في ذي أبعاض وبعضه يفضل عن ذلك وذلك كله وصف الخلائق والله يتعالى عن ذلك وبعد فإنه ليس في الإرتفاع إلى ما يعلو من المكان للجلوس أو القيام شرف ولا علو ولا وصف بالعظمة والكبرياء كمن يعلو السطوح أو الجبال إنه لا يستحق الرفعة على من دونه عند إستواء الجوهر فلا يجوز صرف تأويل الآية إليه مع ما فيها ذكر العظمة والجلال إذ ذكر في قوله تعالى إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض فدلك على تعظيم العرش أي شيء كان من نور أو جوهر لا يبلغه علم الخلق وقد روى عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه وصف الشمس أن جبريل يأتيها بكف من ضوء العرش فيلبسها كما يلبس أحدكم قميصه كل يوم تطلع وذكر في القمر كفا من نور العرش فإضافة الإستواء إليه لوجهين أحدهما على تعظيمه بما ذكره على أثر ذكر سلطانه في ربوبيته وخلقه ما ذكر والثاني على تخصيصه بالذكر بما هو أعظم الخلق وأجله على المعروف من إضافة الأمور العظيمة إلى أعظم الأشياء كما يقال تم لفلان ملك بلد كذا واستوى على موضع كذا لا على خصوص ذلك في الحق ولكن معلوم أن من له ملك ذلك فما دونه أحق وعلى ذلك قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم بما صارت له أم القرى وأيس الذين كفروا من دينهم وكذا ما ذكر من إرسال الرسل إلى الفراعنه وإلى أم القرى لا يتخصص ذلك ولكن بذكر عظم الأمر فمثله أمر العرش وهو كقوله أكابر مجرميها وقوله أمرنا مترفيها على لحوق غير بهم ويحتمل أن يكون على المنفى بوصف المكان إذ هو أعلى الأمكنة عند الخلق ولا تقدر العقول فوقه شيئا فأشار إليه ليعلم علوه عن الأمكنة وتعاليه عن الحاجة وعلى ذلك قوله ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم والنجوى ليس من نوع ما يضاف إلى المكان ولكن يضاف إلى الأفراد فأخبر بعلوه عن الأمكنة وتعاليه عن أن يخفى عليه شيء ثم بقدرته بقوله ونحن أقرب إليه من حبل الوريد أي بالسلطان والقوة وبألوهيته في البقاع كلها لأنها أمكنة العبادة وبقوله وهو الذي في السماء إله ويملك كل شيء بقوله له ملك السماوات والأرض ثم بعلوه وجلاله بقوله وهو القاهر فوق عباده وقوله وهو بكل شيء عليم وقوله وهو على كل شيء قدير فجمع في هذه الأحرف ما فرق في تلك ليعلم أنه بكل ما سمى به ووصف كان ذلك له بذاته لا بشيء من خلقه وكذلك عزه وشرفه ومجده جل ثناؤه عن الأشباه ولا إله غيره وقال بعضهم يريد بالعرش الملك إذ هو اسم ما ارتفع من الأشياء وعلا حتى سمى به السطوح ورؤوس الأشجار والإستواء قيل فيه بأوجه ثلاثة أحدها الإستيلاء كما يقال استوى فلان على كورة كذا بمعنى استولى عليها والثاني العلو والإرتفاع كقوله فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك والثالث التمام كقوله تعالى ولما بلغ أشده واستوى وقد قيل بالقصد إلى ذلك وجه بعض أهل الأدب قوله ثم استوى إلى السماء بمعنى خلق على التمثيل بفعل الخلق فيما يتلو فعلهم أن يكون بالقصد وإن كان لا يقال له قصد ولا قوة إلا بالله
قال الشاعر ظننت أن عرشك لا يزول ولا يغير وقال آخر إذا ما بنوا مروان ثلث عروشهم وأودوا كما أودت إياد وحمير وقال النابغة عروش تفانوا بعد عز وأنهم هووا بعد ما نالوا السلامة والغنى وقال آخر بعد ابن جفنة وابن ماثل عرشه والحاربين تؤملون فلاحا قال أبو منصور رحمه الله ثم الوجه في ذلك لو كان على الإستيلاء والعرش الملك إنه مستول على جميع خلقه وعلى هذا التأويل المحمول غير هذا يدل على الأمرين قوله تعالى وهو رب العرش العظيم بمعنى الملك العظيم وفيه إثبات عروش غيره فذلك يحتمل ما يحمل ويحف به الملائكة والله الموفق وأما على التمام والعلو فهو أن الله تعالى قال قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين إلى قوله فقضاهن سبع سماوات فأخبر بخلق ما ذكر في ستة أيام على التفاريق ثم أجملها في موضع فقال إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش بمعنى خلق الممتحن من خلق الأرض والسماوات فبهم ظهر تمام الملك وعلا وارتفع إذ هم المقصودون من خلق ما بينا فبذلك تم معنى الملك وعلا إذا وصل إلى الذين لهم وقد قيل ذا في خلق البشر خاصة بقوله هو الذي خلق لكم ما في الأرض وقوله وسخر لكم الليل والنهار وقوله وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وذكر ابن عباس رضي الله عنه أن البشر خلق اليوم السابع فيه التمام والعلو إذ خلق لهم كل شيء وهم لعبادة الله ولحق بهم الجن بقوله وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون لكن المقصود البشر إذ تسخير ما ذكرت كله لهم ثم بما يرجع إلى منافعهم والله الموفق قال أبو منصور رحمه الله وأما الأصل عندنا في ذلك أن الله تعالى قال ليس كمثله شيء فنفى عن نفسه شبه خلقه وقد بينا أنه في فعله وصفته متعال عن الأشباه فيجب القول بالرحمن على العرش استوى على ما جاء به التنزيل وثبت ذلك في العقل ثم لا نقطع تأويله على شيء لاحتماله غيره مما ذكرنا وإحتماله أيضا ما لم يبلغنا مما يعلم أنه غير محتمل شبه الخلق ونؤمن بما اراد الله به وكذلك في كل أمر ثبت التنزيل فيه نحو الرؤية وغير ذلك يجب نفى الشبه عنه والإيمان بما أراده من غير تحقيق على شيء دون شيء والله الموفق الأصل في هذا أن الأمر يضيق على السامع بما يقدره من المفهوم عن الخلق في الوجود وإذ لزم القول في الله بالتعالى عن الأشباه ذاتا وفعلا لم يجز أن يفهم من الإضافة إليه المفهوم من غيره في الوجود مع ما كان الوقوف على المعنى يصرف إليه الكلام في الخلق بما هو علمه به قبل سمع ذلك الكلام والله سبحانه عرف قبل سمع ذلك الكلام على غير الذي عرف عليه الخلق لم يجز صرف التأويل إلى ما فهمه من الخلق إذ سببه العلم المتقدم منه على إحتمال ذلك المعنى معنى قد يفهم من الشاهد من على ومن العرش ومن الإستواء معان مختلفة لم يجز صرف ذلك إلى أوحش وجه وثمة لأحسن ذلك مساغ مع ما كان الله يمتحن بالوقوف في أشياء كما جاء من نعوت الوعد والوعيد وما جاء من الحروف المقطعة وغير ذلك مما يؤمن المرء أن يكون ذا مما المحنة فيه الوقف لا القطع والله أعلم وقال الكعبي مرة لا يجوز أن يكون الله عز وجل يحويه مكان لما كان ولا مكان لم يجز أن يحدث له حاجة إلى المكان إذ خلقه لما لا يجوز عليه التغير ثم قال هو في كل مكان على معنى أنه عالم به حافظ له كما يقال فلان في بناء الدار أي في فعله
قال أبو منصور رحمه الله فما قال بأنه لا يحويه مكان بما كان ولا مكان حق إذ ذلك تغير والقول بالحاجة لا يقوله خصمه فتعليق الدفع به خطأ ثم هو يزعم أنه كان غير خالق ولا رحمن ولا متكلم ثم صار كذلك بعد أن لم يكن ثبت به التغير بل التغير في المكان من حيث أن يصير المرء في مكان لم يكن فيه بلا تغير نحو أن يتخذ له مكان يحيط به ولا يجوز أن يوجد تغير من حيث لا تغير في ذات الفاعل في الشاهد وإذ منع القول بهذا في المكان فهو في الفعل أولى إذ يكون التغير فيه أشد وأولى مع ما لا يكون أحد في الشاهد فاعلا بلا تغير يعترضه وجائز كونه في مكان وهو الذي فيه خلق لا تغير لذلك كان معنى التغير في الفعل أشد والله الموفق ثم العجب في قوله هو في كل مكان بمعنى العالم والعالم اسم ذاته وهو بذاته عنده ليس في مكان ولا تحقق لله علما ليبلغ المكان الذي قال هو فيه تأملوا لتفهموا تناقضه في القول ثم زعم أنه يحفظه مرة ومرة أنه يفعله وحفظه وفعله في الأمكنة ليس غير الأمكنة فصار حاصل قوله الله في كل مكان في الأمكنة وذلك خلف من القول بل هو عالم بالأمكنة كلها قبل كونها وبعد كونها والله الموفق قال الفقيه أبو منصور رحمه الله وأما رفع الأيدي إلى السماء فعلى العبادة ولله أن يتعبد عباده بما شاء ويوجههم إلى حيث شاء وإن ظن من يظن أن رفع الأبصار إلى السماء لأن الله من ذلك الوجه إنما هو كظن من يزعم أنه إلى جهة أسفل الأرض بما يضع عليها وجهه متوجها في الصلاة ونحوها وكظن من يزعم أنه في شرق الأرض وغربها بما يتوجه إلى ذلك في الصلاة أو نحو مكة لخروجه إلى الحج وفي المشاعر بالسعي فيها ضالة أو ناحية العدو ويقصدون قصد من يغلب على شيء يستنفد منه جل الله عن ذلك ثم الله سبحانه إذ ليس وجه أقرب إليه من وجه ولا أحق أن يعلمه من وجه ولا في وسع الخلق وجه الوصول إليه من وجه دون وجه ولا طمع العقول بما هو عالم بذاته غنى عن عبادة خلقه فعبدهم لأنفسهم أن يقوموا بشكر نعمه له المحنة كيف شاء لا يسبق إلى وهم أحد الوصول إليه في جهة دون جهة إلا من يعرف الله حق المعرفة وقد بينا فيما تقدم وصف قربه وذلك بالإجابة كقوله تعالى وإذا سألك عبادي عني فإني قريب وبالنصر والمعونه كقوله تعالى إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون والتقرب إلى المنزلة والمحل كقوله تعالى واسجد واقترب وما روى أن من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا إلى آخر ذلك وقوله وابتغوا إليه الوسيلة وفي الكلأ والحفظ كقوله وربك على كل شيء حفيظ وهو على كل شيء وكيل وقوله أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وبالعلم بقوله يعلم سركم وجهركم وغير ذلك فعلى مثل بعض هذه الوجوه المجئ والذهاب والقعود مع ما كان مجئ الأجسام يفهم منه الإنتقال ثم مجيء الحق يفهم منه الظهور كقوله قل جاء الحق وعلى ذلك ذهاب الباطل بطلانه وذهاب الجسم إنتقاله فهذا محل المجيء والذهاب في المعروف من الأعراض والأجسام والله يتعالى عن المعنيين جميعا لم يجز أن يفهم من المضاف إليه ذلك ولا قوة إلا بالله للمسألة عبارة أخرى إنه ما من جهة ولا حالة إلا لله على عباده فيها نعم لا تحصى فجعل عليهم بها وفيها عبادات كما جعل في الجوارح والأموال بها له فيهما من النعم ولا قوة إلا بالله على أن السماء هي محل ومهبط الوحي ومنها أصول بركات الدنيا فرفع إليها البصر لذلك ولا قوة إلا بالله مسألة رؤية الله
قال أبو منصور رحمه الله القول في رؤية الرب عز وجل عندنا لازم وحق من غير إدراك ولا تفسير فأما الدليل على الرؤية فقوله تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ولو كان لا يرى لم يكن لنفى الإدراك حكمة إذ يدرك غيره بغير رؤية فموضع نفى الإدراك وغيره من الخلق لا يدرك إلا بالرؤية لا معنى له وبالله التوفيق والثاني قول موسى عليه السلام رب أرني أنظر إليك ولو كان لا يجوز الرؤية لكان ذلك السؤال منه جهل بربه ومن يجهله لا يحتمل أن يكون موضعا لرسالته أمينا على وحيه وبعد فإن الله تعالى لم ينهه ولا أيأسه وبدون ذلك نهى نوحا وعاتب آدم وغيرهما من الرسل وذلك لو كان لا يجوز يبلغ الكفر ثم قال فإن استقر مكانه فسوف تراني فإن قيل لعله سأل آية يعلم بها قيل لا يحتمل ذلك لوجوه أحدها أنه قال لن تراني وقد أراه وأيضا إن طلب الآيات يخرج مخرج التعنت أو قد أراه الآيات وذلك تعنت الكفرة أنهم لا يزالون يطلبون الآيات وإن كانت الكفاية قد ثبتت فمثله ذلك وأيضا أنه قال فإن استقر مكانه فسوف تراني والآية التي يستقر معها الجبل دون الآية التي لا يستقر معها ثبت أنه لم يرد بذلك الآية ولا قوة إلا بالله وأيضا محاجة إبراهيم قومه في النجوم وما ذكر بالأفول والغيبة ولم يحاجهم بأن لا يحب ربا يرى ولكن حاجهم بأن لا يحب ربا يأفل إذ هو دليل عدم الدوام ولا قوة إلا بالله وأيضا قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ثم لا يحتمل ذلك الإنتظار لأوجه أحدها أن الآخرة ليست لوقت الإنتظار إنما هي الدنيا هي دار الوقوع والوجود إلا وقت الفزع وقيل إنهم يعاينوا في أنفسهم ما له حق الوقوع والثاني قوله وجوه يومئذ ناضرة وذلك وقوع الثواب والثالث قوله إلى ربها ناظرة و إلى حرف يستعمل في النظر إلى الشيء لا في الإنتظار والرابع أن القول به يخرج مخرج البشارة تعظيم ما نالوا من النعم والإنتظار ليس منه مع ما كان الصرف عن حقيقة المفهوم قضاء على الله فيلزم القول بالنظر إلى الله كما قال على نفى جميع معاني الشبه عن الله سبحانه على مثل ما أضيف إليه من الكلام والفعل والقدرة والإرادة يجب الوصف به على نفى جميع معاني الشبه وكذلك القول بالهستية فمن زعم أن الله تعالى لا يقدر أن يكرم أحدا بالرؤية فهو يقدر بالرؤية التي فهمها من الخلق وإن كان القول بالرحمن على العرش استوى وغير ذلك من الآيات لا يجب دفعها بالعرض على المفهوم من الخلق بل يحقق ذلك على نفى الشبه فمثله خبر الرؤية والله الموفق وأيضا قوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة وجاء في غير خبر النظر إلى الله وقد يحتمل غير ذلك مما جاء فيه التفسير لكنه لولا أن القول بالرؤية كان أمرا ظاهرا لم يحتمل صرف ظاهر لم يجيء فيها إليها ويدفع به الخبر ولا قوة إلا بالله وأيضا ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير خبر أنه قال سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون وسئل هل رأيت ربك فقال بقلبي قيل فلم ينكر على السائل السؤال وقد علم السائل أن رؤية القلب هي العلم وأنه قد علمه وأنه لم يسأل عن ذلك وقد حذر الله عز وجل المؤمنين عن السؤال عن أشياء قد كفوا عنها بقوله يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء فكيف يحتمل أن يكون السؤال عن مثله بحي وذلك كفر في الحقيقة عند قوم ثم لا ينهاهم عن ذلك ولا يوبخهم في ذلك بل يلين القول في ذلك ويرى أن ذلك ليس ببديع والله الموفق
وأيضا أن الله تعالى وعد أن يجزى أحسن مما عملوا به في الدنيا ولا شيء أحسن من التوحيد وأرفع قدرا من الإيمان به إذ هو المستحسن بالعقول والثواب الموعود من جوهر الجنة حسنه حسن الطبع وذلك دون حسن العقل إذ لا يجوز أن يكون شيء حسنا في العقول لا يستحسنه ذو عقل وجائز ما استحسنه الطبع أن يكون طبع لا يتلذذ به كطبع الملائكة ومثله في العقوبة لذلك لزم القول بالرؤية لتكون كرامة تبلغ في الجلالة ما أكرموا به وهو أن يصير لهم المعبود بالغيب شهودا كا صار المطلوب من الثواب حضورا ولا قوة إلا بالله وأيضا أن كلا يجمع على العلم بالله في الآخرة العلم الذي لا يعتريه الوسواس وذلك علم العيان لا علم الإستدلال وكثر الآيات لا تحقق علم الحق الذي لا يعتري ذلك دليله قوله ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وما ذكر من استعانة الكفرة بالتكذيب في الآخرة وإنكار الرسل وقولهم لم نمكث إلا ساعة من النهار وغير ذلك وبعد فإنه إذ لا يجوز أن يصير علم العيان نحو علم الإستدلال لم يجز أن يصير علم الإستدلال نحو علم العيان فثبت أن الرؤية توجب ذلك وبعد فإن في ذلك العلم يستوى الكافر والمؤمن والبشارة بالرؤية خص بها المؤمن ولا قوة إلا بالله قال الفقيه أبو منصور رحمه الله ولا نقول بالإدراك لقوله لا تدركه الأبصار فقد امتدح به بنفى الإدراك لا ينفي الرؤية وهو كقوله ولا يحيطون به علما كان في ذلك إيجاب العلم ونفى الإحاطة فمثله في حق الإدراك وبالله التوفيق وأيضا إن الإدراك إنما هو الإحاطة بالمحدود والله يتعالى عن وصف الحد إذ هو نهاية وتقصير عما هو أعلى منه على أنه واحدي الذات والحد وصف المتصل الأجزاء حتى ينقضي مع إحالة القول بالحد أو كان ولا ما يحد أو به يحد فهو على ذلك لا يتغير على أن لكل شيء حدا يدرك بسبيله نحو الطعم واللون والذوق والرائحة وغير ذلك من حدود خاصية الأشياء جعل الله لكل شيء من ذلك وجها يدرك به ويحاط به حتى العقول والأعراض فأخبر الله أنه ليس بذي حدود وجهات هي طرف إدراكه بالأسباب الموضوعة لتلك الجهات وعلى ذلك القول بالرؤية والعلم جميعا ولا قوة إلا بالله وبعد فإن القول بالرؤية يقع على وجوه لا يعلم حقيقة كل وجه من ذلك إلا بالعلم بذلك الوجه حتى إذا عبر عنه بالرؤية صرف إلى ذلك وما لا يعرف له الوجه بدون ذكر الرؤية لزم الوقف في مائيتها على تحقيقها وأما الإدراك إنما هو معنى الوقوف على حدود الشيء ألا ترى أن الظل في التحقيق يرى لكنه لا يدرك إلا بالشمس وإلا كان مرئيا على ما يرى لوقت تسبح الشمس ولكن لا يدرك بالرؤية إلا بما يتبين له الحد وكذلك ضوء النهار يرى لكن حده لا يعرف بذاته وكذلك الظلمة لأن طرفها لا يرى فيدرك ويحاط به وبالحدود يدرك الشيء وإن كان يرى لا به ولذلك ضرب المثل بالقمر أنه لا يعرف وحده ولا سعته ليوقف ويحاط به ويرى بيقين ولا قوة إلا بالله قال أبو منصور رحمه الله والأصل فيه القول بذلك على قدر ما جاء ونفى كل معنى من معاني الخلق ولا يفسر لما لم يجيء في ذلك تفسير والله الموفق ثم احتج الكعبي بأنه الإدراك وقد بينا ذلك ثم زعم أن العلم بالغائب إذ لم يخرج عن الوجوه التي بها يعلم فكذلك لا يرى إلا بالوجوه التي بها يرى من المباينة للمرئى ولما حل فيه المرئى بالمسافة والمقابلة وإيصال الهواء والصغر وعدم الصغر والبعد ولو جازت الرؤية بخلاف هذا لجاز العلم به
وقال أبو منصور رحمه الله وقد أخطأ في هذا الفصل بوجوه أحدها أنه قدر برؤية جوهره وقد علم أن غير جوهره جواهر يرون من الوجه الذي لا يقدر على الإحاطة بجوهره فضلا عن إدراك بصره نحو الملائكة والجن وغيرهم مما يروننا من حيث لا نراهم والجثة الصغيرة نحو البق والبعوض ونحو ذلك مما يرى لما لو توهم ذلك البصر لما احتمل الإدراك ويرى الملك الذي يكتب جميع أفعالنا ويسمع جميع أقوالنا على ما إذا أردنا تقدير ذلك بما عليه جبلنا للزم إنكار ذلك كله وذلك عظيم وكذلك ما ذكر من نطق الجلود والجوارح وغيرها مما لو امتحن بمثلها أمر الشاهد لوجد عظيما وبعد فإنه في الشاهد يفصل بين البصر في الرؤية والتمييز على قدر تفاوتهما بما اعتراهما من الحجب مما لو قابل أحدهما حال الآخر على حالته وجده مستنكرا وإذا كان كذلك بطل التقدير بالذي ذكر والله الموفق وأيضا أنه في الشاهد بكل أسباب العلم لا يعلم غير العرض والجسم ثم جاء من العلم بالغائب خارجا منه فمثله الرؤية والله أعلم والثالث ما بينا من رؤية الظل والظلمة والنور من غير شيء من تلك الوجوه والرابع أنه قد يجوز وجود تلك المعاني كلها مع عدم الرؤية إما بحجب أو جوهر فجاز تحقيق الرؤية على نفي تلك المعاني نحو ما أجيب القائل بالجسم عند معارضته بالفاعل والعالم أنه جسم لا كذلك فيجوز وجود ذلك ولا جسم فمثله في الرؤية على أن البعد الذي يحجبنا والدقة يجوز أن يبلغه بصر غيرنا فصار ارتفاع الرؤية بالحجاب فإذا ارتفع جاز ولا قوة إلا بالله وبعد فإن الذي يقوله تقدير برؤية الأجسام ولم يمتحن بصره بغير الأجسام والأعراض أن كيف سبيل الرؤية له وبعد فإن كل جسم يرى وإن كان الدقة والبعد يحجبان فيجوز إرتفاعهما عن بصر غيره فيرى علما ما يرى ملك الموت من بأطراف الأرض ووسطها مما لو اعتبر ذلك ببصر البشر لما احتمل الإدراك فثبت أن الذي قدر به ليس هو سبب تعريف ما يبصر ولكن سبب تعريف ما يحجب به البصر فإذا ارتفع رأى مع ما كان المنفى رؤيته لذاته عرض وإلا فكل جسم يرى فإن لزم إنكار الرؤية لما ليس بجسم أو لما لا يرى إلا بما ذكر ليلزم الإقرار به لأن الذي لا يرى لذاته هو العرض وإلا فكل عين يرى ولا قوة إلا بالله وعارض بأمر الدنيا ولا يحال ذلك ولكن يسقط المحنة ويرفع الكلفة والدنيا لهما خلقت ثم ذكر في أمر موسى عليه السلام أن ذلك على علم الإحاطة بالآيات وقد بينا فساد ذلك وما ذلك بلغ العلم بالذي يسأل وهو رسول بعث إلى ما به نجاة الخلق وذلك لا يكون بغير الممتحن إذ هو تبليغ الرسالة والدعاء إلى العبادة وهي محنة بل سأل الرؤية ليجل قدره وليعرف عظيم محله عند الله أو أن يكون الله أمره به ليعلم الحلق جواز ذلك وبالله التوفيق ثم استدل بأنه لم ير من يعقل إنما أرى الجبل والجبل لا يعقل ليعلمه وليراه فيقال له ولو كانت آية فالجبل لا يراها ولا يعقل وإذا كان كذلك فالآية إذا صار اندكاك الجبل لا أن أراه الآية ليندك بها وفي هذا آية قد أرى موسى الآية وهو اندكاك الجبل والله تعالى يقول لن تراني وحملته على الآية وقد رآها ولا قوة إلا بالله ثم سأل نفسه عن معنى توبته ولا يسأل عنه فزعم أنه لوجهين أحدهما أنه علم بما أراه من الأدلة أن ذلك صغيرة تاب عنها والثاني على العادة في الخلق من تجديدها عند الأهوال بلا حدوث ذنب قال أبو منصور رحمه الله ولو كان صغيرة لكان أولى من تركه إلى أن يعلم بالأدلة وهي في الأعلام في غير حال الإغماء أحق منها في حال الإغماء والثاني يصح ذلك عند معاينته الهول لا عند سكونه وإبداله بالأمن والإفاقة وذلك وقت معاينته عصاه يهتز فولى مدبرا أحق والله الموفق
لكنه يحتمل أن يكون إذ قال له لن تراني وكان عنده جواز الرؤية في الشاهد وإحتمال وسعه ذلك بما وعد الله له في الآخرة رجع عما كان عنده وآمن بالذي قال لن تراني وإن كان في أصل إيمانه داخلا على نحو إحداث المؤمنين الإيمان بكل آية ينزل وبكل فريضة تتجدد وإن كانوا في الجملة مؤمنين بالكل والله الموفق وقد بينا ما قال في قوله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة قال الفقيه أبو منصور رحمه الله والأصل في الكلام أنه إذا كان على أمر معهود أو يقرن به المقصود إليه صرف عن حقيقته وإلا لا نحو قوله ألم تر إلى ربك كيف مد الظل و ألم تر كيف فعل ربك وأصله أن من قال رأيت فلانا أو نظرت إلى فلان لم يحتمل غير ذاته وإذا قال رأيته يقول كذا ويفعل كذا أنه لا يريد به رؤية ذاته فمثله أمر قصة موسى عليه السلام وهذه الآية ثم الأصل أن من تأمل الذي ذكر عرف أنه مشبهي النحله لأنه لم يذكر المعنى الذي له يجب أن تكون الرؤية بتلك الشرائط إنما أخبر أنه كذلك وجد وهو قول المشبه إنه وجد كل فاعل في الشاهد جسما وكذا كل عالم فيجب مثله في الغائب ثم ذكر معنى رؤية الجسم ولم يذكر معنى رؤية غير الجسم حتى يكون له دليلا وبعد فإنه نفى بالدقة والبعد وهما زائلان عن الله سبحانه ثم احتج بامتداح الله بقوله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وقال لا يجوز أن يزول فمثله عليه في قوله خالق كل شيء وقوله وهو على كل شيء قدير فلا يجوز أن يزول ثم قد وصف الله بالرؤية على إسقاط ما ذكر فثبت أن ذلك طريق لا يؤدي على كنه ما به الرؤية فإن قيل كيف يرى قيل بلا كيف إذ الكيفية تكون لذى صورة بل يرى بلا وصف قيام وقعود وإتكاء وتعلق وإتصال وانفصال ومقابلة ومدابرة وقصير وطويل ونور وظلمة وساكن ومتحرك ومماس ومباين وخارج وداخل ولا معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك شيئية المعدوم عند المعتزلة والإجابة عنها قال الفقيه رحمه الله ثم نذكر طرفا مما يدل العاقل على مذهب الإعتزال في أصوله ومضاهاتهم أهل الأديان ليعلم المتأمل أن مذاهبهم نتيجة مذاهبهم قالت المعتزلة المعدوم أشياء وشيئية الأشياء ليست بالله وبالله إخراجها من العدم إلى الوجود قال أبو منصور رحمه الله فعليهم في ذلك تحقيق الأشياء في الأزل لكنها معدومة ثم وجدت من بعد وفي تقديمها نفى التوحيد لما كانت الأشياء بعد معدومة فاختلفا في الخروج والظهور وإلا فهي في القدم أشياء معدومة فصيروا مع الله أغيارا في الأزل وذلك نقض للتوحيد وفيما قالوا قدم العالم لأنه الأشياء سوى الله والمعدوم أشياء سواه لم يزل وفي ذلك مخالفة جميع الموحدين في إنشاء الله تعالى الأشياء من لا شيء وعلى قولهم إنما هو إنشاء بمعنى الإيجاد وإلا فهي أشياء قبل الإنشاء والله الموفق فقول من يقول من الدهرية بالباري على أنه لم يزل صانع الأشياء لتكون في الأزل أقرب من قول هؤلاء وفيما قالوا أيضا إيجاب موافقة الدهرية في قولهم طينة العالم قديمة وكذلك قول أصحاب الهيولي أن حدثت الأعراض فظهر بها العالم وكذلك هؤلاء يجعلون الأشياء بالشيئية غير حادثه ثم وجدت مع ما في ذلك من أن الله لم يكن خالقا ولا منشئا كما كانت الأشياء لا موجودة فوجدت والله سبحانه كان بذاته غير فاعل ثم ظهر بخلق الخلق أو كان غير خالق ثم وجد خالقا والله الموفق وقولهم إن الله كان بذاته ولم يكن العالم ولا شيء منه ثم كان العالم من غير أن كان منه إليه معنى به كان لأن الإرادة عندهم هي العالم وكذلك التكوين فكان العالم لا معنى منه إليه به كان ثم صيروه دليلا عليه على القول بما ذكرت
فأما إن كذبوا بجعله دليلا وبقولهم أن لم يكن منه غير كونه بعد أن لم يكن ومذهبهم أن العلم بكون شيء لا يوجب تكوينه والقدم لا يوجب كونه به وليس من الله عندهم إلا هذين لا يوجب واحد منهما كونه فأوجبوا كون العالم لا بأحد على ما قال القائلون بقدم العالم إذ كان لا بغيره فضاهوا بقولهم هذا قول أولئك إلا أن أولئك ألزم للقياس إذ لما كان العالم لا بغيره جعلوه أزليا وهؤلاء جعلوه من الوجه الذي بينا لا بغيره حادثا ثم أعجب منه أن جعلوا العالم خالقا ونفسه مخلوقة وجعلوه صانعا ونفسه مصنوعة فصار العالم عالما لا بصنع لغيره فيه ثم ألزم نفسه كل اسم دنئ وكل اسم سنى لو قلب اسم العالم لكان أعذر ولكن ذا آية عواقب السوء وأيضا من مضاهاتهم في هذا قول الثنوية إن الأشياء كانت معدومة ثم وجدت من غير أن كانت به ثم إيجادها غير خروجها من العدم وقالت الثنوية كان النور والظلمة متباينين فامتزجا فكان هذا العالم من غير أن كان ثم تباين غيرا وامتزاج غير فصار العالم عالما بنفسه بعد أن لم يكن عالما إذ لا غير هنالك أوجب ذلك وكذا قول المعتزلة على ما ذكرنا ولا قوة إلا بالله واستدلت المعتزلة وغيرهم على حدث العالم بما لا يخلو عن محدث ولم يكن دليلهم على ذلك سوى وجود العالم فأوجبوا حدثه وقالوا ذلك بمحدث ثم قالت المعتزلة في الله سبحانه إنه كان غير خالق ولا رحمن ولا رحيم وهو اليوم كذلك فصيروه في أول أحواله ما وقع للخلق به العلم غير خال عن الحوادث كالعالم الذي وجدوه بالحس غير خال عنها فصار السبب الذي عرفوا حدث العالم به هو الذي به عرفوا حدث الخالق الرحمن والله قديم لم يزل ثم بعد هذا وجهان أحدهما أنه إذا لزم القول في جملة العالم بالحدث وإن لم نشهده بوجودنا ما شهدنا منه غير خال من الإحداث للزم ذلك في الصانع الخالق لوجودنا له ما به نسميه حدثا والثاني أنه قد وجب قدم ذاته مع ما لا يعلم وجوده إلا بحوادث لم لا وجب القول بقدم جملة العالم وإن كان غير خال عن الحوادث وبعد فإن معرفة إحتمال الحوادث فيما لا يحسن من العالم بما أضيف إليه من الإجتماع والإفتراق والتحرك والسكون فالله على قولهم يضاف إليه الرحمة والصنع والأبداع والإعادة وكل هذا عندهم حوادث فيجب القول فيه بما يجب في العالم ويكون لمن هو بهذا الوصف خالق صانع خارج من ذلك ولا قوة إلا بالله وقالت المعتزلة كان الله سبحانه ثم حدث منه إرادة كان بها العالم من غير أن كان منه إياها إحداث أو إرادة أو لها اختيار إذ لا غير لها سوى ذاته وقد كان ذاك قبلها وكذلك قالت المجوس أن كان الله سبحانه فحدثت فكرة رديئة كان منها الشيطان وهو الذي كان به كل شر فسمت المجوس تلك فكرة وسمتها المعتزلة إرادة واختيارا وكان حدوثها لا باختيار وإرادة فهي بالفكرة أشبه ثم لم تكن هي غير الشر ولا الإرادة عند المعتزلة غير العالم فهذا والله أعلم معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم القدرية مجوس هذه الأمة وبعد فإن العالم عندهم إذ لا يخلو عن إجتماع وافتراق وزوال وقرار وهذه أحوال احتمل كونها بغير الله على ما يكون من إجتماع آجر السفن والبنيان والكتابة ونحوها وكذلك التفريق وعلى ما كان سير الشمس والقمر وحركات الخلق وسكونهم ولا عالم بدون وجود هذين النوعين من الأعرض والأجسام وكان ذلك جملة يحتمل الكون بالله وبالخلق فكان العالم جملة يحتمل الكون بالله وبالخلق فكان العالم جملة بعدد وذلك قول الزنادقة بإثنين وأصحاب الطبائع والنجوم بأكثر من إثنين
وبعد فإن الله جل ثناؤه لم يقم على قولهم حجة إحداثه سوى العالم ولا حجة قدمه ثم لم يفصل بين الأعراض التي هي صنع غيره وبين التي هي صنعه لأن الإجتماع والزوال ونحو ذلك قد يوجد في العيان ولا يرى له الجامع المحرك ويحتمل أن يكون ذلك لغيره لا له وإن لم يعاين إذ هو نظير ما يعاين منه فصار ذلك كقول الثنوية وأصحاب الطبائع تكون الأشياء بها من غير أن أقام كل منها دليل صنعه مما يفصل به من صنع غيره وذلك آية العجز والمعنى الذي احتج الله به على كون العالم بكليته به إذ قال إذا لذهب كل إله بما خلق فعلى قولهم فالله تعالى أيضا لم يذهب بما خلق لأنه لم يجعل عليه علما وبعد فإن الأجسام اللطيفة إذا توهمت تفرقها أجزاء مما لا يتجزى كل جزء منها امتنع ذلك عن الإدراك بالحس ليؤدي إلى العقل وقد يتهيأ جمعها بغير الله على قدر لطف الجواهر وكثافتها فصارت حجج الله على درك الأجسام فعل غيره في الإمكان ولم يبين الله تعالى الخلق بما يعلمون به أنه منه بدليل يدفع الإمكان من غيره ليقرر كونه منه فيما أحسهم فكيف فيما غيب عنهم فضهى به من ذكرت من الثنوية وغيرهم أنه لم يجعل أحد منهم على فعله دليلا إذ ما من شر إلا وأمكن أن يكون ذلك خيرا لأحد وكذا في الجواهر من الحرارة والبرودة إلى آخر ما تنتهي إليه الطبائع وكذلك النجوم السيارة ولا قوة إلا بالله قال أبو منصور رحمه الله واستدل أهل التوحيد على نفى قول الثنوية بحرفين أحدهما بقدرة كل واحد منهما على أن يسد شيئا عن الآخر ويقدر أن يفعل ما لا يعلمه الآخر حتى إذا قالوا نعم جهلوهما أو أحدهما وإن قالوا لا عجزوهما والجهل والعجز يسقطان الربوبية والثاني أن ما أراد هذا إثباته يريد الآخر نفيه فيتناقض فدل الوجود على كون الواحد ثم من مذهب المعتزلة أن العبد يقدر على فعل خارج مما علم الله أن يكون إذ كل من هو في علم الله أن يكون كافرا يقدر على أن يكون مؤمنا وحقيقة كونه خروج عن علمه فأوجب ذلك للعبد قدرة إسرار الفعل عن الله ثم لم ينف وحدانيته فكذلك لو كان ثمة إله آخر فهذا لتعلم أن مذهبهم عند التحصيل مذهب الزنادقة إذ الذي به ثبت التوحيد هو الذي ينقض المذهبين جميعا والله الموفق والحرف الثاني يثبتون للعبد قدرة في نفى جميع تدبيره من التوالد ودفع وعيده من قوله لأملأن جهنم ويثبتون فعل جميع الكفرة والأبالسة بغير الذي يريد الله كونه بل هو يريد أن لا يكون ويبذل في منع ذلك كل ما في خزائنه حتى لو أراد أن يزيد فيه شيئا لم يقدر عليه ثم لم يمنع القول بالإله وقام الخلق على ما في علمه قيامه وكونه فكذلك في أمر العالم وهو يوضح ما أخبرتك أن مذهبهم ينتج مذهب أهل الدهر والزنادقة لا مذهب أهل الإسلام والله الموفق ومذهب الزنادقة أن العالم كان فعل اثنين ليس لأحدهما في فعل آخر صنع ولا تدبير ولا قدرة وأن كل واحد منهما ينفرد بنوع من الفعل من الشر والخير لا يقدر عليه الآخر وكذلك مذهب المجوس وعلى مذهب الإعتزال أن العبد له قدرة على نوع من الفعل وهو الكسب وللمعبود نوع وهو الإيجاد وليس لله على ما للعبد قدره ولا صنع ولا للعبد على ما لله وعلى هذين الأمرين دار تدبير العالم فضهوا به من ذكرت في التحصيل ثم ازداد مذهب هؤلاء قبحا من حيث جعلوا منه قدرة على ما للعبد من السكون والحركة فلما أقدر الله العبد عليهما ذهبت عنه القدرة ولا نرى الثنوية تزيل قدرة واحد منهما بالتمكين من الآخر ليعلم معنى القدرة في الذي أضيف إليه الربوبية عند الثنوية أحق أن يكون بنفسه منه عند المعتزلة وفي ذلك إزالة القدرة لله أن يكون بذاته وهو أقبح قول
والثاني كذبهم إذ ثبتوا للعبد في نوع فعله جميع ما ثبتوا للصانع ولم يثبتوا له اسم الألوهية الذي عرف الله به من فعل الإنشاء وكذلك اسم الخالق مع ما كانت المعتزلة يزيدون في رتبة قدرة العبد القادر على قدرة الله لأنهم يقولون إن الله لا يقدر بالموعود أن يكون وبما كان الوفاء فعله مع الوصف بالقدرة وذلك نحو ما ضرب لعبيده مددا ولهم أرزاقا قدرها لهم ثم يجئ عبد فيقتله قبل استيفائه مدته وإنجازه وعده على بقاء قدرته والله تعالى لا يقدر على منع العبد مما هو فعله يريد الوفاء به على غير منع القدرة عنه فصارت قدرة العبد أعظم ومشيئة أنفذ جل ربنا وتعالى عن هذا الوصف والثنوية تزعم أن النور وقع في حبس الظلمة ووثاقها من الوجه الذي هم به الصلاح ودفع شرها عن جوهره وكذلك الظلمة على قول من يجعل ابتداء القدح منها فأخطأ جميعا لما خرج فعلها على خلاف ما أرادا وصار كل واحد منهما في جهة من يد الآخر فلزمهم القول في النور بالخطأ وبالجهل والعجز أما الخطأ فلما لم يكن عاقبته على ما أراد والجهل لما لم يكن علم أنه يبقى في وثاق عدوه وأما العجز هو أنه في جهد الخلاص وتدبيره فلم يتهيأ له وكذلك قول المعتزلة إن الله لم يقو كافر ولا أحدا إلا ليطيعه ولا ملك أحدا شيئا إلا ليشكر ولا خلق أحدا إلا ليخضع له وكذلك يريد وله فعل ما فعل ولو كان منه غير هذا كان يكون سفيها ظالما ثم لم يكن بجميع ما أعطى أعداءه ما أراد وله أخطاء وذلك الخطأ المعروف أن لا يخرج الأمر على ما يريده ثم القدرة على ما لم لو فعل لكان خارجا عن علمه ثم ثبت من الفعل فيما بعد هو فعل الله في المنع منه فأوجب قولهم مضاهاة من ذكرت بكل وجوه المذمة قال أبو منصور رحمه الله وأنكرت الزنادقة قول شيء يحدث لا من شيء لما لا يتصور مثله في الوهم وكذلك المشبهة في قولهم بالجسم وأنكرت المعتزلة خلق أفعال العباد لما ليس بقائم في العقول ولا متوهم في الأوهام وزعمت القدرية أن الله لا يدع الغاية من الخير الذي يقدر عليه إلا فعله وكذلك قول الزنادقة أنه يفعل غاية الخير وأن خالق الشر غيره وكذلك قول القدرية أن الله لا يقدر على شيء موجود من الشر وأنه كله فعل العباد ويقول المعتزلة إن الله لا يريد كون الشر لأحد ومن أحد ويريده الشيطان ثم يكون ذلك وإن لم يكن ما يريده الله كما قالت الزنادقة في كون ذلك من الشيطان وخالق الشر وإن لم يرده الله مسألة الوصف لله والتسمية لا يوجبان التشابه قال أبو منصور رحمه الله أنكر قوم أن يكون صفة لله ذاتية يوصف بها أو إسم ذاتي يعرف به وظنوا ان ذلك يوجب التشابه إذ له اسم كما كان لغيره وقالوا وإذ لم يجز أن يكون له موافقة في شيء من جملة الخلق على الإشارة إليه كان أدلة تحقيق الموافقة بالإسم الذي لكل شيء أحرى ولهذا أنكروا القول بالشيء والعالم والقادر وضربوا له المثل بأن القول له وفيه بالمكان إذ يوجب التشبيه والحد فهو بكل مكان كذلك إذ للأمكنة نهاية فالوصف بها وبالواحد منها واحد فمثله الأول وبالله التوفيق
وأما الأصل عندنا أن لله أسماء ذاتية يسمى بها نحو قوله الرحمن وصفات ذاتية بها يوصف نحو العلم بالأشياء والقدرة عليها لكن الوصف له منا والإسم إنما هو بما يحتمله وسعنا وتبلغه عبارتنا بالضرورة إذ سبيل ذلك إنما هو عن المعروف في الشاهد وذلك يوجب التشابه في القول إذ عن معروف به في الشاهد قدر ولكن الضرورة أطلقت لنا على نفى المفهوم من الشاهد لينفى به الشبه ونسميه بالذي ذكرت ضرورة ولو احتمل وسعنا التسمية بما لا يسمى به غيرنا نسميه لكنه إذ كان الشاهد دليله وبه يجب معرفته فمنه قدر اسمه على ما يقرب من الفهم بما يريد به وإن كان الله يتعالى عن أن يكون له مثال أو شبه ألا ترى أن العبارة التي بها نسميه عالما قادرا في الألسن مختلفة من غير أن كان ثمة اختلاف فيدلك أن الأسماء التي نسميه بها عبارات عما يقرب إلى الأفهام لا أنها في الحقيقة أسماؤه ولما تأخذ القلوب منها معاني يتعالى عنها قرن بالتسمية حرف نفى فجعل التوحيد إثبات ذات في ضمن نفي ونفيا في ضمن إثبات على ما فسرت وبالله التوفيق ثم الدليل على ما قلنا مجيء الرسل والكتب السماوية بها ولو كان في التسمية بما جاءت به الرسل تشبيه لكانوا سبب نقض التوحيد وهم جميعا دعوا إلى عبادة الواحد وإلى معرفة وحدانية الباري لم يجز أن يكون ذلك مما يحقق العدد ويثبت الموافقة للخلق ولا قوة إلا بالله ولكن لما احتملت تلك الأسماء خروج المسمى بها عن المعروفين من المسمين بها جاز مجيهم بها مع قوله ليس كمثله شيء لينفى به شيئية الأشياء من الإدراكات البسيطة وهي الأعراض والصفات والأعيان المركبة وهي الأجسام وبالله المعونة وبعد فإنا لما وجدنا جميع ما يعاين من العالم مضطرا عاجزا عن تدبير نفسه جاهلا ببدء حاله وبمقدار الأخذ في كل أحوال من الزمان والمكان فيه يتقلب وبه بكون مجتمعا في الأضداد التي هي بحق الطباع متنافرة عقل أنه لا كان بنفسه وعقل أن الذي دبره وقدره كان له به علم وعليه قدرة إذ خرج على إحتمال الأتفاق لذاته ولا على دلالة قوة له بنفسه وعلم بحاله فلا بد من تحقيق المعنى الذي في الشاهد دليله إذ لاوجه لمعرفته إلا به وكذلك لو كان ذلك بتدبير من دونه فإليه يرجع الأمر الأول وفي ذلك كله ما ذكرنا وقالت الباطنية وهم الذين يصرفون المذكور من الأسماء إلى المبدع الأول والثاني نحو العقل والنفس ويجعلون كل العالم مبروزا في العقل تستمد منه النفس فيمد الهيولي يقولون كان العقل بالإبداع والإبداع علته مبروز فيه كل شيء يكون ومحال أن يبرزه بالإبداع من لم يعلم ما يكون أو من لا يقدر على أن يبرزه أو من لا يريد أن يكون مبروزا فيخرج الإبداع منه خروج فعل ذي طبع من حيث لا يشعر به ولا يعلمه ولا يوصف بالقدرة عليه فيكون الله تعالى عنده في نفى الصفات عنه والأسماء كراهية التشبيه يصير في حد التعطيل ويصير بحيث لا شيء عليه بدليل ويحصل القول منه على التقليد وذلك بعيد والله الموفق مع ما يقال الله إسمه أو هو اسم غيره فيرجع في الحقيقة إلى أنه اسم العقل والرحمن اسم النفس وعلى هذا مذهبهم وأبوا الإسم كراهة التشبيه ثم جعلوا المعبود باسم الإله والرحمن والرحيم أغيارا لا يحصى عددهم وأجزاء يصعب احصاؤهم فكأن الرسل جاءوا عندهم بعبادة العدد لا بالتوحيد والله المستعان ثم يقال لهم عند قولهم ليس له اسم ما تعنون بقولكم ليس له اسم ذاتي ولا صفة ذاتية فلا يجدون السبيل إلى أن يعبروا عن أنفسهم بما قالوا ليس له اسم ويبطل جملتهم الذي قالوا الله الذي ليس له اسم ذاتي ثم زعموا أن له اسما من غيره نحو المبدع بإبداع هو علة لمبدع هو العال لا المعلول ولا علة لأن كل معلول يجوز أن يصير علة محال