Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
فإن قلنا إنه باطل وجب بيعه في أرش الجناية فإن استغرق الأرش قيمته بيع الجميع وإن لم يستغرق بيع منه بقدر الأرش وفي الباقي وجهان أحدهما أنه مرهون لانه إنما حكم ببطلانه بحق المجني عليه وقد زال والثاني أنه لا يكون مرهونا لانا حكمنا ببطلان الرهن من أصله فلا يصير مرهونا من غير عقد وإن قلنا إنه صحيح فإن استغرق الأرش قيمته بيع الجميع وإن لم يستغرق بيع منه بقدر الأرش ويكون الباقي مرهونا فإن اختار السيد أن يفديه على هذا القول فبكم يفديه فيه قولان أحدهما يفديه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية والثاني يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغ أو يسلم المبيع فإن قلنا إن القول قول المرتهن لم يقبل قوله من غير يمين لانه لو رجع قبل رجوعه فحلف فإذا ثبت أنه غير جان فهل يغرم الراهن أرش الجناية ففيه قولان بناء على القولين فيمن أقر بدار لزيد ثم أقر بها لعمرو أحدهما يغرم لانه منع بالرهن حق المجنى عليه والثاني لا يغرم لانه إن كان كاذبا فلا حق عليه وإن كان صادقا وجب تسليم العبد فإن قلنا إنه لا يغرم فرجع إليه تعلق الأرش برقبته كما لو أقر على رجل أنه أعتق عبده ثم ملك العبد فإنه يعتق عليه وإن قلنا يغرم فكم يغرم فيه طريقان من أصحابنا من قال فيه قولان كالقسم قبله ومنهم من قال يغرم أقل الأمرين قولا واحدا لان القول الثاني إنما يجيء في الموضع الذي يمكن بيعه فيمتنع وههنا لا يمكن بيعه فصار كجناية أم الولد وإن نكل المرتهن عن اليمين فعلى من ترد اليمين فيه طريقان أحدهما ترد على الراهن وإن نكل فهل ترد على المجني عليه فيه قولان كما قلنا في غرماء الميت ومن أصحابنا من قال ترد اليمين على المجني عليه أولا فإن نكل فهل ترد على الراهن على قولين لان المجني عليه يثبت الحق لنفسه وغرماء الميت يثبتون الحق للميت فصل اختلافهم في عتق المرهون وإن أعتق الراهن العبد المرهون ثم اختلفا فقال الراهن أعتقته بإذنك وأنكر المرتهن الإذن فالقول قوله لان الأصل عدم الإذن فإن نكل عن اليمين حلف الراهن وإن نكل الراهن فهل ترد على العبد فيه طريقان أحدهما أنه على قولين بناء على رد اليمين على غرماء الميت قال في الجديد لا ترد لانه غير المتراهنين فلا ترد عليه اليمين وقال في القديم ترد لانه يثبت لنفسه حقا باليمين ومن أصحابنا من قال ترد اليمين على العبد قولا واحدا لان العبد يثبت باليمين حقا لنفسه وهو العتق خلاف غرماء الميت فصل اختلافهم في وطء الجارية وإن كان المرهون جارية فادعى الراهن أنه وطئها بإذن المرتهن فأتت بولد لمدة الحمل وصدقه المرتهن ثبت نسب الولد وصارت الجارية أم ولد وإن اختلفا في الإذن أو في الولد أو في مدة الحمل فأنكر المرتهن شيئا من ذلك فالقول قوله لان الأصل في هذه الأشياء العدم فصل فإن كان عليه ألف درهم برهن وألف بغير رهن فدفع إليه ألفا ثم اختلفا نظرت فإن اختلفا في اللفظ فادعى المرتهن أنه قال هي عن الألف التي لا رهن بها وقال الراهن بل قلت هي عن الألف التي بها الرهن فالقول قول الراهن لانه منه ينتقل إلى المرتهن فكان القول قوله في صفة النقل وإن اختلفا في النية فقال الراهن نويت أنها عن الألف التي بها الرهن وقال المرتهن بل نويت أنها عن الألف التي لا رهن بها فالقول قول الراهن لما ذكرناه في اللفظ ولانه أعرف بنيته وإن دفع إليه الألف من غير لفظ ولا نية ففيه وجهان قال أبو إسحاق يصرفه إلى ما شاء منهما كما لو طلق إحدى المرأتين وقال أبو علي بن أبي هريرة يجعل بينهما نصفين لانهما استويا في الوجوب فصرف القضاء إليهما فصل إبراء المرتهن الراهن
وإن أبرأ المرتهن الراهن عن الألف ثم اختلفا نظرت فإن اختلفا في اللفظ فادعى الراهن أنه قال أبرأتك عن الألف التي بها الرهن وقال المرتهن بل قلت أبرأتك من الألف التي لا رهن بها فالقول قول المرتهن لانه هو الذي يبرىء فكان القول في صفة الإبراء قوله فإن اختلفا في النية فقال الراهن نويت الإبراء عن الالف التي بها الرهن وقال المرتهن نويت الإبراء عن الألف التي لا رهن بها فالقول قول المرتهن لما ذكرناه في اللفظ ولانه أعرف بنيته فإن أطلق صرفه إلى ما شاء منهما في قول أبي إسحاق وجعل بينهما في قول أبي علي بن أبي هريرة فصل ادعى المرتهن هلاك الرهن وإن ادعى المرتهن هلاك الرهن فالقول قوله مع يمينه لانه أمين فكان القول قوله في الهلاك كالمودع وإن ادعى الرد لم يقبل قوله لانه قبض العين لمنفعة نفسه فلم يقبل قوله في الرد كالمستأجر فصل وإن كان الرهن على يد عدل قد وكل في بيعه فاختلفا في النقد الذي يبيع به باعه بنقد البلد فإن كان في البلد نقدان متساويان باع بما هو أنفع للراهن لانه ينفع الراهن ولا يضر المرتهن فوجب به البيع فإن كانا في النفع واحدا فإن كان أحدهما من جنس الدين باع به لانه أقرب إلى المقصود وهو قضاء الدين فإن لم يكن واحد منهما من جنس الدين باع بأيهما شاء لانه لا مزية لاحدهما على الآخر ثم يصرف الثمن في جنس الدين باب التفليس إذا كان على رجل دين فإن كان مؤجلا لم يجز مطالبته لانا لو جوزنا مطالبته سقطت فائدة التأجيل فإن أراد سفرا قبل محل الدين لم يكن للغريم منعه ومن أصحابنا من قال إن كان السفر مخوفا كان له منعه لانه لا يأمن أن يموت فيضيع دينه والصحيح هو الأول لانه لا حق له عليه قبل محل الدين وجواز أن يموت لا يمنع من التصرف في نفسه قبل المحل كما يجوز في الحضر أن يهرب ثم لا يملك حبسه لجواز الهرب وإن قال أقم لي كفيلا بالمال لم يلزمه لانه لم يحل عليه الدين فلم يملك المطالبة بالكفيل كما لو لم يرد السفر وإن كان الدين حالا نظرت فإن كان معسرا لم يجز مطالبته لقوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ولا يملك ملازمته لان كل دين لا يملك المطالبة به لم يملك الملازمة عليه كالدين المؤجل فإن كان يحسن صنعة فطلب الغريم أن يؤجر نفسه ليكسب ما يعطيه لم يجبر على ذلك لانه إجبار على التكسب فلم يجز كالإجبار على التجارة وإن كان موسرا جازت مطالبته لقوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة فدل على أنه إذا لم يكن ذا عسرة لم يجب إنظاره فإن لم يقضه ألزمه الحاكم فإن امتنع فإن كان له مال ظاهر باعه عليه لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال ألا إن الأسيفع أسيفع جهينة رضي من دينه أن يقال سبق الحاج فأدان معرضا فأصبح وقد رين به فمن له دين فليحضر فإنا بايعو ماله وقاسموه بين غرمائه وإن كان له مال كتمه حبسه وعزره حتى يظهره فإن ادعى الإعسار نظرت فإن لم يعرف له قبل ذلك مال فالقول قوله مع يمينه لان الأصل عدم المال فإن عرف له مال لم يقبل قوله لانه معسر إلا ببينة لان الأصل بقاء المال فإن قال غريمي يعلم أني معسر أو أن مالي هلك فحلفوه حلف لان ما يدعيه محتمل فإن أراد أن يقيم البينة على هلاك المال قبل فيه شهادة عدلين فإن أراد أن يقيم البينة على الإعسار لم يقبل إلا بشهادة عدلين من أهل الخبرة والمعرفة بحاله لان الهلاك يدركه كل أحد والإعسار لا يعلمه إلا من يخبر باطنه فإن أقام البينة على الإعسار وادعى الغريم أن له مالا باطنا فطلب اليمين عليه ففيه قولان أحدهما لا يحلف لانه أقام البينة على ما ادعاه فلا يحلف كما لو ادعى ملكا وأقام عليه البينة
والثاني يحلف لان المال الباطن يجوز خفاؤه على الشاهدين فجاز عرض اليمين فيه عند الطلب كما لو أقام عليه البينة بالدين وادعى أنه أبرأه منه وإن وجد في يده مال فادعى أنه لغيره نظرت فإن كذبه المقر له بيع في الدين لان الظاهر أنه له وإن صدقه سلم إليه فإن قال الغريم أحلفوه لى أنه صادق في إقراره ففيه وجهان أحدهما يحلف لانه يحتمل أن يكون كاذبا في إقراره والثاني لا يحلف وهو الصحيح لان اليمين تعرض ليخاف فيرجع عن الإقرار ولو رجع عن الإقرار لم يقبل رجوعه فلا معنى لعرض اليمين فصل الحجر بالدين وإن ركبته الديون ورفعه الغرماء إلى الحاكم وسألوه أن يحجر عليه نظر الحاكم في ماله فإن كان له مال يفي بالديون لم يحجر عليه لانه لا حاجة به إلى الحجر بل يأمره بقضاء الدين على ما بيناه فإن كان ماله لا يفي بالديون حجر عليه وباع ماله عليه لما روى عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال كان معاذ بن جبل من أفضل شباب قومه ولم يكن يمسك شيئا فلم يزل يدان حتى أغرق ماله في الدين فكلم النبي صلى الله عليه وسلم غرماءه فلو ترك أحد من أجل أحد لتركوا معاذا من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فباع لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله حتى قام معاذ بغير شيء وروى كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ وباع عليه ماله وإن كان ماله يفي بالديون إلا أنه ظهرت عليه أمارة التفليس بأن زاد خرجه على دخله ففيه وجهان أحدهما لا يحجر عليه لانه ملىء بالدين فلا يحجر عليه كما لو لم يظهر فيه أمارة الفلس والثاني يحجر عليه لانه إذا لم يحجر عليه أتى الخرج على ماله فذهب ودخل الضرر على الغرماء فصل الشهادة على الحجر والمستحب أن يشهد على الحجر ليعلم الناس حاله فلا يعاملوه إلا على بصيرة فإذا حجر عليه تعلقت ديون الغرماء بماله ومنع من التصرف فيه فإن اقترض أو اشترى في ذمته شيئا صح لانه لا ضرر على الغرماء فيما يثبت في ذمته ومن باعه أو أقرضه بعد الحجر لم يشارك الغرماء في ماله لانه إن علم بالحجر فقد دخل على بصيرة وأن ديون الغرماء متعلقة بماله وإن لم يعلم فقد فرط حين دخل في معاملته على غير بصيرة فلزمه الصبر إلى أن يفك عنه الحجر فإن تصرف في المال بالبيع والهبة والعتق ففيه قولان أحدهما أنه صحيح موقوف لانه حجر ثبت لحق الغرماء فلم يمنع صحة التصرف في المال كالحجر على المريض والثاني لا يصح وهو الصحيح لانه حجر ثبت بالحاكم فمنع ( من ) التصرف في المال كالحجر على السفيه ويخالف حجر المريض لان ( الورثة ) لا تتعلق حقوقهم بماله إلا بعد الموت وههنا حقوق الغرماء تعلقت بماله في الحال فلم يصح تصرفه فيه كالمرهون فإن قلنا يصح تصرفه وقف فإن وفى ماله بالدين نفذ تصرفه وإن لم يف فسخ لانا جوزنا تصرفه رجاء أن تزيد قيمة المال أو يفتح عليه بما يقضي به الدين فإذا عجز فسخ كما نقول في هبة المريض قال أصحابنا وعلى هذا ينقض من تصرفه الأضعف فالأضعف ( فأضعفها ) الهبة لانه لا عوض فيه ثم البيع لانه يلحقه الفسخ ثم العتق لانه أقوى التصرفات ( قال الشيخ أيده الله ) ويحتمل عندي أنه يفسخ الآخر فالآخر كما قلنا في تبرعات المريض إذا عجز عنها الثلث فصل قال الشافعي رحمه الله ولو باع بشرط الخيار ثم أفلس فله إجازة البيع ورده فمن أصحابنا من حمل هذا على ظاهره وقال له أن يفعل ما يشاء لان الحجر إنما يؤثر في عقد مستأنف وهذا عقد سبق الحجر فلم يؤثر الحجر فيه
وقال أبو إسحاق إن كان الحظ في الرد لم يجز وإن كان في الإجازة لم يرد لان الحجر يقتضي طلب الحظ فإذا طرأ في بيع الخيار أوجب طلب الحظ كما لو باع بشرط الخيار ثم جن فإن الولي لا يفعل إلا ما فيه الحظ من الرد والإجازة ومن أصحابنا من قال إن قلنا إن المبيع انتقل بنفس العقد لم يجب الرد وإن كان الحظ في الرد لان الملك قد انتقل فلا يكلف رده وحمل قول الشافعي رحمه الله على هذا القول وإن قلنا إن المبيع لم ينتقل أو موقوف لزمه الرد إن كان الحظ في الرد لان المبيع على ملكه فلا يفعل إلا ما فيه الحظ فصل هبة الثواب في حالة الإفلاس وإن وهب هبة تقتضي الثواب وقلنا إن الثواب مقدر بما يرضى به الواهب ثم أفلس فله أن يرضى بما شاء لانا لو ألزمناه أن يطلب الفضل لالزمناه أن يكتسب والمفلس لا يكلف الاكتساب فصل يؤخذ بإقراره قبل الحجر وإن أقر بدين لزمه قبل الحجر لزم الإقرار في حقه وهل يلزم في حق الغرماء فيه قولان أحدهما لا يلزم لانه متهم لانه ربما واطأ المقر له ليأخذ ما أقر به ويرد عليه والثاني أنه يلزمه وهو الصحيح لانه حق يستند ثبوته إلى ما قبل الحجر فلزم في حق الغرماء كما لو ثبت بالبينة وإن ادعى عليه رجل مالا وأنكر ولم يحلف وحلف المدعي فإن قلنا إن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه كالبينة شارك الغرماء في المال وإن قلنا كالإقرار فعلى القولين في الإقرار وإن أقر لرجل بعين لزمه الإقرار في حقه وهل يلزم في حق الغرماء فيه قولان أحدهما لا يلزم والثاني يلزم وتسلم العين إلى المقر له ووجه القولين ما ذكرناه في الإقرار بالدين فصل جناية المفلس وإن جنى على رجل جناية توجب المال وجب قضاء الأرش من المال لانه حق لزمه بغير رضي من له الحق فوجب قضاؤه من المال وإن جنى عليه جناية توجب المال تعلق حق الغرماء بالأرش كما يتعلق بسائر أمواله فصل إذا ادعى على رجل مالا وإن ادعى على رجل مالا وله شاهد فإن حلف استحق وتعلق به حق الغرماء وإن لم يحلف فهل تحلف الغرماء أم لا قال في التفليس لا يحلفون وقال في غرماء الميت إذا لم يحلف الوارث مع الشاهد ففيه قولان أحدهما يحلفون والثاني لا يحلفون فمن أصحابنا من نقل أحد القولين من غرماء الميت إلى غرماء المفلس فجعل فيهما قولين أحدهما يحلفون لان المال إذا ثبت استحقوه والثاني لا يحلفون لانهم يحلفون لاثبات المال لغيرهم وذلك لا يجوز ومن أصحابنا من قال لا تحلف غرماء المفلس وفي غرماء الميت قولان لان الميت لم يمتنع من اليمين فحلف غرماؤه والمفلس امتنع من اليمين فلم تحلف غرماؤه ولان غرماء الميت أيسوا من يمين الميت فحلفوا وغرماء المفلس لم ييأسوا من يمين المفلس فلم يحلفوا وإن حجر عليه وعليه دين مؤجل فهل يحل فيه قولان أحدهما يحل لان الدين تعلق بالمال فحل الدين المؤجل كما لو مات والثاني لا يحل وهو الصحيح لانه يملك التصرف في الذمة فلم يحل عليه الدين كما لو لم يحجر عليه فصل فيما يترك للمفلس وإن لم يكن له كسب ترك له ما يحتاج إليه للنفقة إلى أن يفك الحجر عنه ويرجع إلى الكسب لقوله صلى الله عليه وسلم ابدأ بنفسك ثم بمن تعول فقدم حق نفسه على حق العيال وهو دين فدل على أنه يقدم على كل دين ويكون الطعام على ما جرت به عادته ويترك له ما يحتاج إليه من الكسوة من غير إسراف ولا إجحاف لان الحاجة إلى الكسوة كالحاجة إلى القوت فإن كان له من تلزمه نفقته من زوجة أو قريب ترك لهم ما يحتاجون إليه من النفقة والكسوة بالمعروف لانهم يجرون مجراه في النفقة والكسوة ولا تترك له دار ولا خادم لانه يمكنه أن يكتري دارا يسكنها وخادما يخدمه
وإن كان له كسب جعلت نفقته في كسبه لانه لا فائدة في إخراج ماله في نفقته وهو يكتسب ما ينفق فصل المستحب أن يحضر المفلس وإذا أراد الحاكم بيع ماله فالمستحب أن يحضره لانه أعرف بثمن ماله فإن لم يكن من يتطوع بالنداء استؤجر من ينادي عليه من سهم المصالح لان ذلك من المصالح فهو كأجرة الكيال والوزان في الأسواق فإن لم يكن سهم المصالح اكترى من مال المفلس لانه يحتاج إليه لإيفاء ما عليه فكان عليه ويقدم على سائر الديون لان في ذلك مصلحة له ويباع كل شيء في سوقه لان أهل السوق أعرف بقيمة المتاع ومن يطلب السلعة في السوق أكثر ويبدأ بما يسرع إليه الفساد لانه إذا أخر ذلك هلك وفي ذلك إضرار وقد قال صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا إضرار ثم بالحيوان لانه يحتاج إلى علف ويخاف عليه التلف ويتأنى عقار لانه إذا تأنى به كثر من يطلبه ولا يتأنى به أكثر من ثلاثة أيام لان فيما زادا إضرار بالغرماء في تأخير حقهم فإن كان في المال رهن أو عبد تعلق الأرش برقبته بيع في حق المرتهن والمجني عليه لان حقهما يختص بالعين فقدم وإن بيع له متاع وقبض ثمنه فهلك الثمن واستحق المبيع رجع المشترى بالعهدة في مال المفلس وهل يقدم على سائر الغرماء روى المزني أنه يقدم وروى الربيع أنه أسوة بالغرماء فمن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما يقدم لان في تقديمه مصلحة فإنه متى لم يقدم تجنب الناس شراء ماله خوفا من الاستحقاق فإذا قدم رغبوا في شراء ماله والثاني أنه أسوة بالغرماء لان هذا دين تعلق بذمته بغير رضى من له الحق فضرب به مع الغرماء كأرش الجناية ومنهم من قال إن لم يفك الحجر عنه قدم لان فيه مصلحة له وإن فك الحجر عنه كان كسائر الغرماء وحمل رواية الربيع على هذا فصل إذا كان في الغرماء من باع منه شيئا قبل الإفلاس وإن كان في الغرماء من باع منه شيئا قبل الإفلاس ولم يأخذ من ثمنه شيئا ووجد عين ماله على صفته ولم يتعلق به حق غيره فهو بالخيار بين أن يترك ويضرب مع الغرماء بالثمن وبين أن يفسخ البيع ويرجع في عين ماله لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من باع سلعة ثم أفلس صاحبها فوجدها بعينها فهو أحق بها من الغرماء وهل يفتقر الفسخ إلى إذن الحاكم فيه وجهان قال أبو إسحاق لا يفسخ إلا بإذن الحاكم لانه مختلف فيه فلم يصح بغير الحاكم كفسخ النكاح بالإعسار بالنفقة وقال أبو القاسم الداركي لا يفتقر إلى الحاكم لانه فسخ ثبت بنص السنة فلم يفتقر إلى الحاكم كفسخ النكاح بالعتق تحت العبد فإن حكم حاكم بالمنع من الفسخ فقد قال أبو سعيد الإصطخري ينقض حكمه لانه حكم مخالف لنص السنة ويحتمل ألا ينقض لانه مختلف فيه فلم ينقض وهل يكون الفسخ على الفور أو على التراخى فيه وجهان أحدهما أنه على التراخي لانه خيار لا يسقط إلى بدل فكان على التراخي كخيار الرجوع في الهبة والثاني أنه على الفور لانه خيار ثبت لنقص في العوض فكان على الفور كخيار الرد بالعيب وهل يصح الفسخ بالوطء في الجارية فيه وجهان أحدهما يصح كما يصح الفسخ بالوطء في خيار الشرط والثاني أنه لا يصح لانه ملك مستقر فلا يجوز رفعه بالوطء وإن قال الغرماء نحن نعطيك الثمن ولا نفسخ لم يسقط حقه من الفسخ لانه ثبت له حق الفسخ فلم يسقط ببدل العوض كالمشتري إذا وجد بالسلعة عيبا وبذل له البائع الأرش فصل فيما إذا باعه بعد الإفلاس وإن كان قد باعه بعد الإفلاس ففيه وجهان أحدهما أن له أن يفسخ لانه باعه قبل وقت الفسخ فلم يسقط حقه من الفسخ كما لو تزوجت امرأة بفقير ثم أعسر بالنفقة والثاني أنه ليس له أن يفسخ لانه باعه مع العلم بخراب ذمته فسقط خياره كما لو اشترى سلعة مع العلم بعيبها
فصل إذا قبض من الثمن بعضه وإن وجد المبيع وقد قبض من الثمن بعضه رجع بحصة ما بقي من الثمن لانه إذا رجع بالجميع إذا لم يقبض جميع الثمن رجع في بعضه إذا لم يقبض بعض الثمن وإن كان المبيع عبدين متساويي القيمة وباعهما بمائة وقبض من الثمن خمسين ثم مات أحد العبدين وأفلس المشتري فالمنصوص في التفليس أنه يأخذ ( الباقي ) بما بقي من الثمن ونص في الصداق إذا أصدقها عبدين فتلف أحدهما ثم طلقها قبل الدخول على قولين أحدهما أنه يأخذ الموجود بنصف الصداق مثل قوله في التفليس والثاني أنه يأخذ نصف الموجود ونصف قيمة التالف فمن أصحابنا من نقل هذا القول إلى البيع وقال فيه قولان أحدهما أنه يأخذ نصف الموجود ويضرب مع الغرماء بنصف ثمن التالف وهو اختيار المزني رحمه الله لان البائع قبض الخمسين من ثمنهما وما قبض من ثمنه لا يرجع به والثاني أنه يأخذ الموجود بما بقي لان ما أخذ جميعه لدفع الضرر إذا كان باقيا أخذ الباقي إذا هلك بعضه كالشقص في الشفعة ومن أصحابنا من قال يأخذ البائع الموجود بما بقي من الثمن قولا واحدا و في الصداق قولان والفرق بينهما أن البائع إذا رجع بنصف الموجود ونصف بدل التالف لم يصل إلى كمال حقه لان غريمه مفلس والزوج إذا رجع بنصف الموجود ونصف قيمة التالف وصل إلى جميع حقه لان الزوجة موسرة فلم يجز له الرجوع بجميع الموجود بنصف المهر فصل إذا وجد البائع عين ماله وإن وجد البائع عين ماله وهو رهن لم يرجع به لان حق المرتهن سابق لحقه فلم يملك إسقاطه بحقه فإن أمكن أن يقضي حق المرتهن ببيع بعضه بيع منه بقدر حقه ويرجع البائع بالباقي لان المنع كان لحق المرتهن وقد زال فصل فيما إذا كان المبيع شقصا وإن كان المبيع شقصا تثبت فيه الشفعة ففيه ثلاثة أوجه أحدها أن الشفيع أحق لان حقه سابق فإنه يثبت بالعقد وحق البائع ثبت بالحجر فقدم حق الشفيع والثاني أن البائع أحق لانه إذا أخذ الشفيع الشقص زال الضرر عنه وحده وإذا أخذه البائع زال الضرر عنهما لان البائع يرجع إلى عين ماله والشفيع يتخلص من ضرر المشتري فيزول الضرر عنهما والثالث أنه يدفع الشقص إلى الشفيع ويؤخذ منه ثمنه ويدفع إلى البائع لان في ذلك جمعا بين الحقين وإذا أمكن الجمع بين الحقين لم يجز إسقاط أحدهما فصل فيما إذا كان المبيع صيدا وصاحبه محرم وإن كان المبيع صيدا والبائع محرم لم يرجع فيه لانه تمليك صيد فلم يجز مع الإحرام كشراء الصيد فصل وإن وجد عين ماله ودينه مؤجل وقلنا إن الدين المؤجل لا يحل وديون الغرماء حالة فالمنصوص أنه يباع المبيع في الديون الحالة لانها حقوق حالة فقدمت على الدين المؤجل ومن أصحابنا من قال لا يباع بل يوقف إلى أن يحل فيختار البائع الفسخ أو الترك وإليه أشار في الإملاء لان بالحجر تتعلق الديون بماله فصار المبيع كالمرهون في حقه بدين مؤجل فلا يباع في الديون الحالة فصل فيما إذا وجد المبيع وقد باعه المشتري ورجع إليه وإن وجد المبيع وقد باعه المشتري ورجع إليه ففيه وجهان أحدهما أن له أن يرجع فيه لانه وجد عين ماله خاليا من حق غيره فأشبه إذا لم يبعه والثاني لا يرجع لان هذا الملك لم ينتقل إليه منه فلم يملك فسخه فصل إذا وجد المبيع ناقصا
وإن وجد المبيع ناقصا نظرت فإن كان نقصان جزء ينقسم عليه الثمن كعبدين تلف أحدهما أو نخلة مثمرة تلفت ثمرتها فالبائع بالخيار بين أن يضرب مع الغرماء بالثمن وبين أن يفسخ البيع فيما بقي بحصته من الثمن ويضرب مع الغرماء بثمن ما تلف لان البائع يستحق المبيع في يد المفلس بالثمن كما يستحق المشتري المبيع في يد البائع بالثمن ثم المشتري إذا وجد أحد ( العينين ) في يد البائع والآخر هالكا كان بالخيار بين أن يترك الباقي ويطالب بجميع الثمن وبين أن يأخذ الموجود بثمنه ويطالب بثمن التالف فكذلك البائع وإن كان المبيع نخلا مع ثمرة مؤبرة فهلكت التمرة قوم النخل مع الثمرة ثم يقوم بلا ثمرة ويرجع بما بينهما من الثمن وتعتبر القيمة أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض فإن كانت قيمته وقت العقد أقل قوم وقت العقد لان الزيادة حدثت في ملك المشتري فلا تقوم عليه وإن كانت في وقت القبض أقل قوم في وقت القبض لان ما نقص لم يقبضه المشتري فلم يضمنه فإن كان نقصان جزء لا ينقسم عليه الثمن كذهاب يد وتأليف دار نظرت فإن لم يجب لها أرش بأن أتلفها المشتري أو ذهبت بآفة سماوية فالبائع بالخيار بين أن يأخذه بالثمن وبين أن يتركه ويضرب بالثمن مع الغرماء كما تقول فيمن اشترى عبدا فذهبت يده أو دارا فذهب تأليفها في يد البائع فإن المشتري بالخيار بين أن يأخذه بالثمن وبين أن يتركه ويرجع بالثمن فإن وجب لها أرش بأن أتلفها أجنبي فالبائع بالخيار بين أن يترك ويضرب مع الغرماء بالثمن وبين أن يأخذ ويضرب بما نقص من الثمن لان الأرش في مقابلة جزء كان البائع يستحقه فاستحق ما يقابله كما نقول فيمن اشترى عبدا فقطع الأجنبي يده أنه بالخيار بين أن يتركه ويرجع بالثمن وبين أن يأخذه ويطالب الجاني بالأرش غير أن المشتري يرجع على الجاني بقيمة اليد لانها تلفت في ملكه فوجب له البدل والبائع يرجع بحصة اليد من الثمن لانها تلفت في ملك المفلس فوجب الأرش له فيرجع البائع عليه بالحصة من الثمن لان المبيع مضمون على المفلس بالثمن فإن كان المبيع نخلا عليه طلع غير مؤبر فهلكت الثمرة أفلس بالثمن فرجع البائع في النخل ففيه وجهان أحدهما يأخذها بجميع الثمن لان الثمرة تابعة للأصل في البيع فلم يقابلها قسط من الثمن والثاني يأخذها بقسطها من الثمن ويضرب بحصة الثمرة مع الغرماء لان الثمرة يجوز إفرادها بالبيع فصارت مع النخل بمنزلة العينين فصل إذا وجد زيادة في المبيع وإن وجد المبيع زائدا نظرت فإن كانت زيادة غير متميزة كالسمن والكبر واختار البائع الفسخ رجع في المبيع مع الزيادة لانها زيادة لا تتميز فتبعت الأصل في الرد كما قلنا في الرد بالعيب وإن كان المبيع حبا فصار زرعا أو زرعا فصار حبا أو بيضا فصار فرخا ففيه وجهان أحدهما لا يرجع به لان الفرخ غير البيض والزرع غير الحب والثاني يرجع وهو المنصوص لان الفرخ والزرع عين المبيع وإنما تغيرت صفته فهو كالودي إذا صار نخلا والجدي إذا صار شاة وإن كانت الزيادة متميزة نظرت فإن كانت ظاهرة كالطلع المؤبر وما أشبهه من الثمار رجع فيه دون الزيادة لانه نماء ظاهر متميز حدث في ملك المشتري فلم يتبع الأصل في الرد كما قلنا في الرد بالعيب فإن اتفق المفلس والغرماء على قطعها قطع وإن اتفقوا على تركها إلى الجداد ترك لانه ملك أحدهما وحق الآخر وإن دعا أحدهما إلى قطعها والآخر إلى تركها وجب القطع لأن من دعا إلى القطع تعجل حقه فلا يؤخر بغير رضاه وإن كانت الزيادة غير ظاهرة كطلع غير مؤبر وما أشبهه من الثمار ففيه قولان روى الربيع أنه يرجع في النخل دون الطلع لان الثمرة ليست عين ماله فلم يرجع بها
وروى المزني أنه يرجع لانه يتبع الأصل في البيع فتبعه في الفسخ كالسمن والكبر فإذا قلنا بهذا فأفلس وهو غير مؤبر فلم يرجع حتى أبر لم يرجع في الثمرة لانها أبرت وهي في ملك المفلس فإن اختلف البائع والمفلس فقال البائع رجعت فيه قبل التأبير فالثمرة لي وقال المفلس رجعت بعد التأبير فالثمرة لي فالقول قول المفلس لان الأصل بقاء الثمرة على ملكه فإن لم يحلف المفلس فهل يحلف الغرماء فيه قولان وقد مضى دليلهما فإن كذبوه فحلف واستحق وأراد أن يفرقه على الغرماء ففيه وجهان أحدهما أنه لا يلزمهم قبوله لانهم أقروا أنه أخذ بغير حق والثاني يلزمهم قبوله أو الإبراء من الدين وعليه نص في المكاتب إذا حمل إلى المولى نجما فقال المولى هو حرام أنه يلزمه أن يأخذه أو يبرئه منه فإن صدقه بعضهم وكذبه البعض فقد قال الشافعي رحمه الله يفرق ذلك فيمن صدقه دون من كذبه فمن أصحابنا من قال لا يجوز أن يفرقه إلا على من صدقه لانه لا حاجة به إلى دفع ذلك إلى من يكذبه وقال أبو إسحاق إذا اختار المفلس أن يفرق على الجميع جاز كما يجوز إذا كذبوه وحمل قول الشافعي رحمه الله إذا اختار أن يفرق فيمن صدقه وإن قال البائع رجعت قبل التأبير فالثمرة لي فصدقه المفلس وكذبه الغرماء ففيه قولان أحدهما يقبل قول المفلس لانه غير متهم والثاني لا يقبل لانه تعلق به حق الغرماء فلم يقبل إقراره فيه فإذا قلنا بهذا فهل يحلف الغرماء فيه طريقان من أصحابنا من قال هي على القولين كما قلنا في القسم قبله ومنهم من قال يحلفون قولا واحدا لان اليمين ههنا توجهت عليهم ابتداء وفي القسم قبله توجهت اليمين على المفلس فلما نكل نقلت إليهم فصل فيما إذا كان المبيع جارية وإن كان المبيع جارية فحبلت في ملك المشتري نظرت فإن أفلس بعد الوضع رجع في الجارية دون الولد كما قلنا في الرد بالعيب ولا يجوز التفريق بين الأم والولد فأما أن يزن البائع قيمة الولد فيأخذه مع الأم أو تباع الأم والولد فيأخذ البائع ثمن الأم ويأخذ المفلس ثمن الولد ومن أصحابنا من قال إما أن يزن قيمة الولد فيأخذه مع الأم وإما أن يسقط حقه من الرجوع والمذهب الأول لانه وجد عين ماله خاليا عن حق غيره فثبت له الرجوع وإن أفلس قبل الوضع فإن قلنا لا حكم للحمل رجع فيهما لانه كالسمن وإن قلنا إن الحمل له حكم رجع في الأم دون الحمل لانه كالحمل المنفصل فإن باعها وهي حبلى ثم أفلس المشتري نظرت فإن أفلس قبل الوضع رجع فيهما وإن أفلس بعد الوضع فإن قلنا للحمل حكم رجع فيهما لانهما كعينين باعهما وإن قلنا لا حكم للحمل رجع في الأم دون ( الحمل ) لانه نماء تميز من ملك المشتري فلم يرجع فيه البائع ولا يفرق بين الأم والولد على ما ذكرناه فصل فيما إذا كان طعاما وإن كان المبيع طعاما فطحنه المشتري أو ثوبا فقصره ثم أفلس نظرت فإن لم تزد قيمته بذلك واختار البائع الرجوع رجع فيه ولا يكون المشتري شريكا له بقدر عمله لان عمله قد استهلك ولم يظهر له أثر وإن زادت قيمته بأن كانت قيمته عشرة فصارت قيمته خمسة عشر ففيه قولان أحدهما أن البائع يرجع فيه ولا يكون المشتري شريكا له بقدر ما عمل فيه وهو قول المزني لانه لم يضف إلى المبيع عينا وإنما فرق بالطحن أجزاء مجتمعة وفي القصارة أظهر بياضا كان كامنا في الثوب فلم يصر شريكا للبائع في العين كما لو كان المبيع جوزا فكسره ولانه زيادة لا تتميز فلم يتعلق بها حق المفلس كما لو كان المبيع غلاما فعلمه أو حيوانا فسمنه
والثاني أن المشتري يكون شريكا للبائع بقدر ما زاد بالعمل ويكون حكم العمل حكم العين وهو الصحيح لانها زيادة حصلت بفعله فصار بها شريكا كما لو كان المبيع ثوبا فصبغه ولان القصار يملك حبس العين لقبض الأجرة كما يملك البائع حبس المبيع لقبض الثمن فدل على أن العمل كالعين بخلاف كسر الجوز وتعليم الغلام وتسمين الحيوان فإن الأجير في هذه الأشياء لا يملك حبس العين لقبض الأجرة فعلى هذا يباع الثوب فيصرف ثلث الثمن إلى الغرماء والثلثان إلى البائع وإن كان قد استأجر المشتري من قصر الثوب وطحن الطعام ولم يدفع إليه الأجرة دفع الأجرة إلى الأجير من ثمن الثوب لان الزيادة حصلت بفعله فقضى حقه من بدله فصل إذا اشترى ثوبا بعشرة من رجل ومن آخر صبغا بخمسة وإن اشترى من رجل ثوبا بعشرة ومن آخر صبغا بخمسة فصبغ به الثوب ثم أفلس نظرت فإن لم تزد ولم تنقص بأن صار قيمة الثوب خمسة عشر فقد وجد كل واحد من البائعين عين ماله فإن اختار الرجوع صار الثوب بينهما لصاحب الثوب الثلثان ولصاحب الصبغ الثلث وإن نقص فصار قيمة الثوب اثني عشر فقد وجد بائع الثوب عين ماله ووجد بائع الصبغ بعض ماله لان النقص دخل عليه بهلاك بعضه فإن اختار الرجوع كان لبائع الثوب عشرة ولبائع الصبغ درهمان ويضرب بما هلك من ماله وهو ثلاثة مع الغرماء وإن زاد فصار يساوي الثوب عشرين درهما بنينا على القولين في أن زيادة القيمة بالعمل كالعين أم لا فإن قلنا إنها ليست كالعين حصلت الزيادة في مالهما فيقسط بينهما على الثلث والثلثين لصاحب الثوب الثلثان ولصاحب الصبغ الثلث وإن قلنا إنها كالعين كانت الزيادة للمفلس فيكون شريكا للبائعين بالربع فصل فيما إذا كان المبيع أرضا فبناها وإن كان المبيع أرضا فبناها أو غرسها فإن أنفق المفلس والغرماء على قلع البناء والغراس ثبت للبائع الرجوع في الأرض لانه وجد عين ماله خاليا عن حق غيره فجاز له الرجوع فإن رجع فيها ثم قلعوا البناء والغراس لزم المفلس تسوية الأرض وأرش نقص إن حدث بها من القلع لانه نقص حصل لتخليص ماله ويقدم ذلك على سائر الديون لانه يجب لاصلاح ماله فقدم كعلف البهائم وأجرة النقال وإن امتنعوا من القلع لم يجبروا لقوله صلى الله عليه وسلم ليس لعرق ظالم حق وهذا غرس وبناء بحق فإن قال البائع أنا أعطي قيمة الغراس والبناء وآخذه مع الأرض أو أقلع وأضمن أرش النقص ثبت له الرجوع لانه يرجع في عين ماله من غير إضرار وإن امتنع المفلس والغرماء من القلع وامتنع البائع من بذل العوض وأرش النقص فقد روى المزنى فيه قولين أحدهما أنه يرجع والثاني أنه لا يرجع فمن أصحابنا من قال إن كانت قيمة الغراس والبناء أقل من قيمة الأرض فله أن يرجع لان الغراس والبناء تابع فلم يمنع الرجوع وإن كانت قيمة الغراس والبناء أكثر من قيمة الأرض لم يرجع لان الأرض صارت كالتبع للغراس والبناء وحمل القولين على هذين الحالين وذهب المزني وأبو العباس وأبو إسحاق إلى أنها على قولين أحدهما يرجع لانه وجد عين ماله مشغولا بملك المفلس فثبت له الرجوع كما لو كان المبيع ثوبا فصبغه المفلس بصبغ من عنده والثاني لا يرجع لانه إذا رجع في الأرض بقى الغراس والبناء من غير طريق ومن غير شرب فيدخل الضرر على المفلس والضرر لا يزال بالضرر فإن قلنا إنه يرجع وامتنع البائع من بذل العوض وأرش النقص وامتنع المفلس والغرماء من القلع فهل يجبر البائع على البيع فيه قولان أحدهما يجبر لان الحاجة تدعو إلى البيع لقضاء الدين فوجب أن يباع كما يباع الصبغ مع الثوب وإن لم يكن الصبغ له ويباع ولد المرهونة مع الرهن وإن لم يدخل في الرهن والثاني لا يجبر لانه يمكن إفراد كل واحد منهما بالبيع ولا يجبر على بيعها مع الغراس والبناء فصل فيما إذا كانت أرضا وزرعها المشتري
وإن كان المبيع أرضا فزرعها المشتري ثم أفلس واختار البائع الرجوع في الأرض جاز له لانه وجد عين ماله مشغولا بما ينقل فجاز له الرجوع فيه كما لو كان المبيع دارا وفيها متاع للمشتري فإن رجع في الأرض نظرت في الزرع فإن استحصد وجب نقله وإن لم يستحصد جاز تركه إلى أوان الحصاد من غير أجرة لانه زرعه في ملكه فإذا زال الملك جاز ترك الزرع إلى أوان الحصاد من غير أجرة كما لو زرع أرضه ثم باع الأرض فصل فيما إذا كان المبيع من ذوات الأمثال وإن كان المبيع من ذوات الأمثال كالحبوب والأدهان فخلطه بجنسه نظرت فإن خلطه بمثله كان للبائع أن يرجع لان عين ماله موجود من جهة الحكم ويملك أخذه بالقسمة فإن رجع واتفقا على القسمة قسم ودفع إليه مثل مكيلته فإن طلب البائع البيع فهل يجبر المفلس فيه وجهان أحدهما لا يجبر لانه تمكن القسمة فلا يجبر على البيع كالمال بين الشريكين والثاني يجبر لانه إذا بيع وصل البائع إلى بدل ماله بعينه وإذا قسم لم يصل إلى جميع ماله ولا إلى بدله وإن خلطه بأردأ منه فله أن يرجع لان عين ماله موجودة من طريق الحكم فملك أخذه بالقسمة وكيف يرجع فيه وجهان قال أبو إسحاق يباع الزيتان ويقسم ثمنه بينهما على قدر قيمتهما لانه إن أخذ مثل زيته بالكيل كان ذلك أنقص من حقه وإن أخذ أكثر من زيته كان ربا فوجب البيع والثاني وهو المنصوص أنه يأخذ مثل زيته بالكيل لانه وجد عين ماله ناقصا فرجع فيه مع النقص كما لو كان عين ماله ثوبا فحدث به عيب عند المشترى فإن خلطه بأجود منه ففيه قولان أحدهما يرجع وهو قول المزني لانه وجد عين ماله مختلطا بما لا يتميز عنه فأشبه إذا خلطه بمثله أو كان ثوبا فصبغه والثاني أنه لا يرجع لان عين ماله غير موجود حقيقة لانه اختلط بما لا يمكن تمييزه منه حقيقة ولا حكما لانه لا يمكن المطالبة بمثل مكيلته منه ويخالف إذا خلطه بمثله لانه تمكن المطالبة بمثل مكيلته ويخالف الثوب إذا صبغه لان الثوب موجود وإنما تغير لونه فإن قلنا إنه يرجع فكيف يرجع فيه قولان أحدهما يباع الزيتان ويقسم ثمنه بينهما على قدر قيمتهما لانه لا يمكن أن يأخذ مثل زيته بالكيل لانه يأخذ أكثر من حقه ولا يمكن أن يأخذ أقل من زيته بالكيل لانه ربا فوجب البيع والثاني يرجع من الزيت بقيمة مكيلته فيكون قد أخذ بعض حقه وترك بعضه باختياره فصل إذا أفلس المسلم إليه وحجر عليه وإن أسلم إلى رجل في شيء وأفلس المسلم إليه وحجر عليه فإن كان رأس المال باقيا فله أن يفسخ العقد ويرجع إلى عين ماله لانه وجد عين ماله خاليا من حق غيره فرجع إليه كالبيع وإن كان رأس المال تالفا ضرب مع الغرماء بقدر المسلم فيه فإن لم يكن في ماله الجنس المسلم فيه اشترى ودفع إليه لان أخذ العوض عن المسلم فيه لا يجوز وقال أبو إسحاق إذا أفلس المسلم إليه فللمسلم أن يفسخ العقد ويضرب مع الغرماء برأس المال لانه يتعذر تسليم المسلم فيه فثبت الفسخ كما لو أسلم في الرطب فانقطع والمذهب أنه لا يثبت الفسخ لانه غير واجد لعين ماله فلم يملك الفسخ بالإفلاس كما لو باعه عينا فأفلس المشتري بالثمن والعين تالفة ويخالف إذا أسلم ( إليه في رطب ) وانقطع الرطب لان الفسخ هناك لتعذر المعقود عليه قبل التسليم وههنا الفسخ بالإفلاس والفسخ بالإفلاس إنما يكون لمن وجد عين ماله وهذا غير واجد لعين ماله فلم يملك الفسخ فصل إذا أكرى أرضا فأفلس المكترى وإن ( أكرى ) أرضا فأفلس المكتري بالأجرة فإن كان قبل استيفاء شيء من المنافع فله أن يفسخ لان المنافع في الاجارة كالأعيان المبيعة في البيع ثم إذا أفلس المشتري والعين باقية ثبت له الفسخ فكذلك إذا أفلس المكتري والمنافع باقية وجب أن يثبت له الفسخ
وإن أفلس وقد استوفى بعض المنافع وبقي البعض ضرب مع الغرماء بحصة ما مضى وفسخ فيما بقي كما لو ابتاع عبدين وتلف عنده أحدهما ثم أفلس فإنه يضرب بثمن ما تلف مع الغرماء ويفسخ البيع فيما بقي فإن فسخ وفي الأرض زرع لم يستحصد نظرت فإن اتفق الغرماء والمفلس على تبقيته بأجرة إلى وقت الحصاد لزم المكري قبوله لانه زرع بحق وقد بذل له الأجرة لما بقي فلزمه قبولها وإن لم يبذل له الأجرة جاز له المطالبة بقطعه لان التبقية إلى الحصاد لدفع الضرر عن المفلس والغرماء والضرر لا يزال بالضرر وفي تبقيته من غير عوض إضرار بالمكري وإن دعا بعضهم إلى القطع وبعضهم إلى التبقية نظرت فإن كان الزرع لا قيمة له في الحال كالطعام في أول ما يخرج من الأرض لم يقطع لانه إذا قطع لم يكن له قيمة وإذا ترك صار له قيمة فقدم قول من دعا إلى الترك وإن كان له قيمة كالقصيل الذي يقطع ففيه وجهان أحدهما يقدم قول من دعا إلى القطع لان من دعا إلى القطع تعجل حقه فلم يؤخر والثاني وهو قول أبي إسحاق أنه يفعل ما هو أحظ والاول أظهر فصل متى يزول الحجر إذا قسم مال المفلس بين الغرماء ففي حجره وجهان أحدهما يزول ( عنه ) الحجر لان المعنى الذي لاجله حجر عليه حفظ المال على الغرماء وقد زال ذلك فزال الحجر كالمجنون إذا أفاق والثاني لا يزول إلا بالحاكم لانه حجر ثبت بالحاكم فلم يزل إلا بالحاكم كالحجر على المبذر فصل من مات وعليه ديون ومن مات وعليه ديون تعلقت الديون بماله كما تتعلق بالحجر في حياته فإن كان عليه دين مؤجل حل الدين بالموت لما روى ( ابن ) عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا مات الرجل وله دين إلى أجل وعليه دين إلى أجل فالذي عليه حال والذى له إلى أجله ولان الأجل جعل رفقا بمن عليه الدين والرفق بعد الموت أن يقضي دينه وتبرأ ذمته والدليل عليه ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال نفس المؤمن مرتهنة في قبره بدينه إلى أن يقضى عنه فصل تصرف الوارث في التركة قبل مضي الدين فإن تصرف الوارث في التركة قبل مضي الدين ففيه وجهان أحدهما لا يصح لانه مال تعلق به دين فلا يصح التصرف فيه من غير رضى من له الحق كالمرهون والثاني يصح لانه حق تعلق بالمال من غير رضى المالك فلم يمنع التصرف كمال المريض وإن قلنا إنه يصح فإن قضى الوارث الدين نفذ تصرفه وإن لم يقض فسخنا وإن باع عبدا ومات وتصرف الوارث في التركة ثم وجد المشتري بالعبد عيبا فرده أو وقع في بئر كان حفرها بهيمة ففي تصرف الورثة وجهان أحدهما أنه يصح لانهم تصرفوا في ( ملك ) لهم لا يتعلق به حق أحد والثاني يبطل لانا تبينا أنهم تصرفوا والدين متعلق بالتركة فإن كان في غرماء الميت من باع شيئا ووجد عين ماله فإن لم تف التركة بالدين فهو بالخيار بين أن يضرب مع الغرماء بالثمن وبين أن يفسخ ويرجع في عين ماله لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في رجل أفلس هذا الذي قضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه فإن كانت التركة تفي بالدين ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي سعيد الإصطخري رحمه الله أن له أن يرجع في عين ماله لحديث أبي هريرة والثاني لا يجوز أن يرجع في عين ماله وهو المذهب لان المال يفي بالدين فلم يجز الرجوع في المبيع كالحي المليء وحديث أبي هريرة قد روى فيه أبو بكر النيسابوري وإن خلف وفاء فهو أسوة الغرماء فصل حكم إذا ظهر غريم آخر بعد القسمة
إذا قسم مال المفلس أو مال الميت بين الغرماء ثم ظهر غريم آخر رجع على الغرماء وشاركهم فيما أخذوه على قدر دينه لانا إنما قسمنا بينهم بحكم الظاهر أنه لا غريم له غيرهم فإذا بان بخلاف ذلك وجب نقض القسمة كالحاكم إذا حكم بحكم ثم وجد النص بخلافه وإن أكرى رجل داره سنة وقبض الأجرة وتصرف فيها ثم أفلس وقسم ماله بين الغرماء ثم انهدمت الدار في أثناء المدة فإن المكتري يرجع على المفلس بأجرة ما بقي وهل يشارك الغرماء فيما اقتسموا به أم لا فيه وجهان أحدهما لا يشاركهم لانه دين وجب بعد القسمة فلم يشارك به الغرماء فيما اقتسموا كما لو استقرض مالا بعد القسمة والثاني يشاركهم لانه دين وجب بسبب قبل الحجر فشارك به الغرماء كما لو انهدمت الدار قبل القسمة ويخالف القرض لان دينه لا يستند ثبوته إلى ما قبل الحجر وهذا استند إلى ما قبل الحجر ولان المقرض لا يشارك الغرماء في المال قبل القسمة والمكتري يشاركهم في المال قبل القسمة فشاركهم بعد القسمة باب الحجر إذا ملك الصبي أو المجنون مالا حجر عليه في ماله والدليل عليه قوله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم فدل على أنه لا يسلم إليه المال قبل البلوغ والرشد فصل في ولاية المحجور عليه وينظر في ماله الأب ثم الجد لانها ولاية في حق الصغير فقدم الأب والجد فيها على غيرهما كولاية النكاح فإن لم يكن أب ولا جد نظر فيه الوصي لانه نائب عن الأب والجد فقدم على غيره وإن لم يكن وصي نظر السلطان لان الولاية من جهة القرابة قد سقطت فثبتت للسلطان كولاية النكاح وقال أبو سعيد الإصطخري فإن لم يكن أب ولا جد نظرت الأم لانها أحد الأبوين فثبت لها الولاية في المال كالأب والمذهب أنه لا ولاية لها لانها ولاية ثبتت بالشرع فلم تثبت للأم كولاية النكاح فصل تصرف الناظر في مال المحجور ولا يتصرف الناظر في ماله إلا على النظر والاحتياط ولا يتصرف إلا فيما فيه حظ واغتباط فأما ما لا حظ فيه كالعتق والهبة والمحاباة فلا يملكه لقوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ولقوله صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا إضرار وفي هذه التصرفات إضرار بالصبي فوجب ألا يملكه ويجوز أن يتجر في ماله لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ولي يتيما وله مال فليتجر له بماله ولا يتركه حتى تأكله الصدقة فصل في الشراء للمحجور ويبتاع له العقار لانه يبقى وينتفع بغلته ولا يبتاعه إلا من مأمون لانه إذا لم يكن مأمونا لم يأمن أن يبيع مالا يملكه ولا يبتاعه في موضع قد أشرف على الخراب أو يخاف عليه الهلاك لان في ذلك تغريرا بالمال ويبني له العقار ويبنيه بالآجر والطين ولا يبنيه باللبن والجص لان الآجر يبقى واللبن يهلك والجص يجحف به والطين لا ثمن له والجص يتناثر ويذهب ثمنه والطين لا يتناثر وإن تناثر فلا ثمن له ولان الآجر لا يتخلص من الجص إذا أراد نقضه ويتلف عليه ويتخلص من الطين فلا يتلف عليه ولا يبيع له العقار إلا في موضعين أحدهما أن تدعو إليه ضرورة بأن يفتقر إلى ( بيعه ب ) النفقة وليس له مال غيره ولم يجد من يقرضه والثاني أن يكون له في بيعه غبطة وهو أن يطلب منه بأكثر من ثمنه فيباع له ويشتري ببعض الثمن مثله لان البيع في هذين الحالين فيه حظ وفيما سواهما لا حظ فيه فلم يجز وإن باع العقار وسأل الحاكم أن يسجل له نظر فإن باعه الأب أو الجد سجل له لانهما لا يتهمان في حق الولد وإن كان غيرهما لم يسجل حتى يقيم بينة على الضرورة أو الغبطة لانه تلحقه التهمة فلم يسجل له من غير بينة
فإن بلغ الصبي وادعى أنه باع من غير ضرورة ولا غبطة فإن كان الولي أبا أو جدا فالقول قوله وإن كان غيرهما لم يقبل إلا ببينة لما ذكرناه من الفرق فإن بيع في شركته شقص فإن كان الحظ في أخذه بالشفعة لم يترك وإن كان الحظ في الترك لم يأخذ لانا بينا أن تصرفه على النظر والاحتياط فلا يفعل إلا ما يقتضي النظر والاحتياط فإن ترك الشفعة والحظ في تركها ثم بلغ الصبي وأراد أن يأخذ فالمنصوص أنه لا يملك ذلك لان ما فعل الولى مما فيه نظر لا يملك الصبى نقضه كما لو أخذ والحظ في الأخذ فبلغ وأراد أن يرد ومن أصحابنا من قال له أن يأخذ لانه يملك بعد البلوغ التصرف فيما فيه حظ وفيما لا حظ فيه وقد بلغ فجاز أن يأخذ وإن لم يكن فيه حظ وهذا خطأ لان له أن يتصرف فيما لا حظ فيه إذا كان باقيا وهذا قد سقط بعفو الولي فسقط فيه اختياره فإن بلغ وادعى أنه ترك الشفعة من غير غبطة فالحكم فيه كالحكم في بيع العقار وقد بيناه فصل بيع مال المحجور عليه نسيئة ولا يبيع ماله بنسيئة من غير غبطة فإن كانت السلعة تساوي مائة نقدا ومائة وعشرين نسيئة فباعها بمائة نسيئة فالبيع باطل لانه باع بدون الثمن وإن باعها بمائة وعشرين نسيئة من غير رهن لم يصح البيع لانه غرر بالمال فإن باع بمائة نقدا وعشرين مؤجلا وأخذ بالعشرين رهنا جاز لانه لو باعها بمائة نقدا جاز فلأن يجوز وقد زاده عشرين أولى وإن باعها بمائة وعشرين نسيئة وأخذ بها رهنا ففيه وجهان أحدهما لا يجوز لانه أخرج ماله من غير عوض والثاني يجوز وهو ظاهر النص وقول أبى إسحاق لانه باع بربح واستوثق بالرهن فجاز فصل المحجور لا يكاتب عبده ولا يكاتب عبده و ( لو ) كان بأضعاف القيمة لانه يأخذ العوض من كسبه وهو مال له فيصير كالعتق من غير عوض فصل المسافرة بمال المحجور ولا يسافر بماله من غير ضرورة لان فيه تغريرا بالمال ويروى أن المسافر و ( ماله ) على قلت أي على هلاك وفيه قول الشاعر ( الوافر ) بغاث الطير أكثرها فراخا وأم ( الباز ) مقلاة نزور فصل شرط المسافرة بماله فإن دعت إليه ضرورة بأن خاف عليه الهلاك في الحضر لحريق أو نهب جاز أن يسافر به لان السفر ههنا أحوط فصل في إيداع وقرض مال المحجور ولا يودع ماله ولا يقرضه من غير حاجة لانه يخرجه من يده ( من غير حاجة ) فلم يجز فإن خاف من نهب أو حريق أو غرق أو أراد سفرا وخاف عليه جاز له الإيداع والإقراض فإن قدر على الإيداع دون الإقراض أودع ولا يودع إلا ثقة وإن قدر على الإقراض دون الإيداع أقرضه ولا يقرضه إلا ثقة مليا لان غير الثقة يجحد وغير الملى لا يمكن أخذ البدل منه فإن أقرض ورأى أخذ الرهن عليه أخذ وإن رأى ترك الرهن لم يأخذ وإن قدر على الإيداع والإقراض فالإقراض أولى لان القرض مضمون بالبدل والوديعة غير مضمونة فكان القرض أحوط فإن ترك الإقراض وأودع ففيه وجهان أحدهما يجوز لانه يجوز كل واحد منهما فإذا قدر عليهما تخير بينهما والثاني لا يجوز لقوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن والإقراض ههنا أحسن فلم يجز تركه ويجوز أن يقترض له إذا دعت إليه الحاجة ويرهن ماله عليه لان في ذلك مصلحة له فجاز فصل وينفق عليه بالمعروف من غير إسراف ولا إقتار
لقوله تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما وإن رأى أن يخلط ماله بماله في النفقة جاز لقوله تعالى ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح فإن بلغ الصبي واختلفا في النفقة فإن كان الولي هو الأب أو الجد فالقول قوله وإن كان غيرهما ففيه وجهان أحدهما يقبل لان في إقامة البينة على النفقة مشقة فقبل قوله والثاني لا يقبل قوله كما لا يقبل في دعوى الضرر والغبطة في بيع العقار فصل بيع مال اليتيم وإن أراد أن يبيع ماله بماله فإن كان أبا أو جدا جاز ذلك لانهما لا يتهمان في ذلك لكمال شفقتهما وإن كان غيرهما لم يجز لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يشتري الوصي من مال اليتيم ولانه متهم في طلب الحظ له في بيع ماله من نفسه فلم يجعل ذلك إليه فصل الأكل من مال اليتيم وإن أراد أن يأكل من ماله نظرت فإن كان غنيا لم يجز لقوله تعالى ومن كان غنيا فليستعفف وإن كان فقيرا جاز أن يأكل لقوله تعالى ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف وهل يضمن البدل فيه قولان أحدهما لا يضمن لانه أجير له الأكل بحق الولاية فلم يضمنه كالرزق الذي يأكله الإمام من أموال المسلمين والثاني أنه يضمن لانه مال لغيره أجيز له أكله للحاجة فوجب ضمانه كمن اضطر إلى مال غيره فصل في فك الحجر عن الصبي ولا يفك الحجر عن الصبي حتى يبلغ ويؤنس منه الرشد لقوله تعالى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم فأما البلوغ فإنه يحصل بخمسة أشياء ثلاثة يشترك فيها الرجل والمرأة وهي الإنزال والسن والإنبات واثنان تختص بهما المرأة وهما الحيض والحبل فأما الإنزال فهو إنزال المني فمتى أنزل صار بالغا والدليل عليه قوله تعالى وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا فأمرهم بالاستئذان بعد الاحتلام فدل على أنه بلوغ وروى عطية القرظي قال عرضنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن قريظة فمن كان محتلما أو نبتت عانته قتل فلو لم يكن بالغا لما قتل وأما السن فهو أن يستكمل خمس عشرة سنة والدليل عليه ما روى ابن عمر رضي الله عنه قال عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني ولم يرني بلغت وعرضت عليه ( يوم الخندق ) وأنا ابن خمس عشرة سنة فرآنى بلغت فأجازني وأما الإنبات فهو الشعر الخشن الذى ينبت على العانة وهو بلوغ في حق الكافر والدليل عليه ما روى عطية القرظي قال كنت فيمن حكم فيهم سعد بن معاذ رضي الله عنه فشكوا فى أمن الذرية أنا أم من المقاتلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انظروا فإن كان قد أنبت وإلا فلا تقتلوه فنظروا فإذا عانتي لم تنبت فجعلوني في الذرية ولم أقتل وهل هو بلوغ في نفسه أو دلالة على البلوغ فيه قولان أحدهما أنه بلوغ فعلى هذا هو بلوغ في حق المسلم لان ما كان بلوغا في حق الكافر كان بلوغا في حق المسلم كالاحتلام والسن والثاني أنه دلالة على البلوغ فعلى هذا هل يكون دلالة في حق المسلم فيه وجهان أحدهما أنه دلالة لما روى محمد بن يحيى بن حبان أن غلاما من الأنصار شبب بامرأة في شعره فرفع إلى عمر رضي الله عنه فلم يجده أنبت فقال لو أنبت الشعر لحددتك والثاني أنه ليس بدلالة في حق المسلم وهو ظاهر النص لان المسلمين يمكن الرجوع إلى أخبارهم فلم يجعل ذلك دلالة في حقهم والكفار لا يمكن الرجوع إلى أخبارهم فجعل ذلك دلالة في حقهم ولان الكافر لا يستفيد بالبلوغ إلا وجوب الحرية ووجوب القتل فلا يتهم في مداواة العانة بما ينبت الشعر والمسلم يستفيد بالبلوغ التصرف والكمال بالأحكام فلا يؤمن أن يداوي العانة بما ينبت الشعر فلم يجعل ذلك دلالة في حقه
فأما الحيض فهو بلوغ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لاسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما إن المرأة إذا بلغت المحيض لا يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى الوجه والكف فعلق وجوب الستر بالمحيض وذلك تكليف فدل على أنه بلوغ يتعلق به التكليف وأما الحبل فهو دليل على البلوغ فإذا حبلت ( المرأة ) حكمنا بأنها بالغ لان الحبل لا يكون إلا بإنزال الماء فدل على البلوغ فإذا كانت المرأة لها زوج فولدت حكمنا بأنها بالغ من قبل الوضع بستة أشهر لان ذلك أقل مدة الوضع وإن كانت مطلقة وأتت بولد يلحق الزوج حكمنا بأنها بالغ من قبل الطلاق وإن كان خنثى فخرج المني من ذكره أو الدم من فرجه لم يحكم بالبلوغ لجواز أن يكون ذلك من العضو الزائد فإن خرج المني من الذكر والدم من الفرج فقد بلغ لانه إن كان رجلا فقد أمنى وإن كان امرأة فقد حاضت فصل تفسير الرشد فأما إيناس الرشد فهو إصلاح الدين والمال فإصلاح الدين أن لا يرتكب من المعاصي ما يسقط به العدالة وإصلاح المال أن يكون حافظا لماله غير مبذر ويختبره الولي اختبار مثله من تجارة إن كان تاجرا أو تناء إن كان تانئا أو إصلاح أمر البيت إن كانت امرأة واختلف أصحابنا في وقت الاختبار فمنهم من قال لا يختبر في التجارة إلا بعد البلوغ لان ( قبل البلوغ ) لا يصح تصرفه فلا يصح اختباره ومنهم من قال يختبر قبل البلوغ لقوله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فأمر باختبار اليتامى وهم الصغار فعلى هذا كيف يختبر فيه وجهان أحدهما إنه يسلم إليه المال فإذا ساوم وقرر الثمن عقد الولي لان عقد الصبي لا يصح والثاني أنه يتركه حتى يعقد لان هذا موضع ضرورة فصل استمرار الحجر بالتبذير وإن بلغ مبذر استديم الحجر عليه لان الحجر عليه إنما يثبت للحاجة إليه لحفظ المال والحاجة قائمة مع التبذير فوجب أن يكون الحجر باقيا وإن بلغ مصلحا للمال فاسقا في الدين استديم الحجر عليه لقوله تعالى فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم والفاسق لم يؤنس منه الرشد ولان حفظه للمال لا يوثق به مع الفسق لانه لا يؤمن أن يدعوه الفسق إلى التبذير فلم يفك الحجر عنه ولهذا لم تقبل شهادته وإن كان معروفا بالصدق لانا لا نأمن أن يدعوه الفسق إلى الكذب وينظر في ماله من كان ينظر في حال الصغر وهو الأب والجد والوصي والحاكم لانه حجر ثبت من غير قضاء فكان النظر ( فيه ) إلى من ذكرنا كالحجر على الصبي والمجنون فصل متى يفك الحجر وإن بلغ مصلحا للدين والمال فك عنه الحجر لقوله تعالى فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم وهل يفتقر فك الحجر إلى الحاكم فيه وجهان أحدهما لا يفتقر إلى الحاكم لانه حجر ثبت من غير حكم فزال من غير حكم كالحجر على المجنون والثاني أنه يفتقر إلى الحاكم لانه يحتاج إلى نظر واختبار فافتقر إلى الحاكم كفك الحجر عن السفيه فصل هل يعاد الحجر إذا عاد سببه وإن فك عنه الحجر ثم صار مبذرا حجر عليه لما روي أن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه ابتاع أرضا سبخة بستين ألفا فقال ( له ) عثمان ما يسرني أن تكون لي بنعلي معا فبلغ ذلك عليا كرم الله وجهه وعزم أن يسأل عثمان أن يحجر عليه فجاء عبد الله بن جعفر إلى الزبير وذكر أن عليا يريد أن يسأل عثمان رضي الله عنهما أن يحجر عليه فقال الزبير أنا شريكك فجاء علي إلى عثمان رضي الله عنهما وسأله أن يحجر عليه فقال كيف أحجر على من شريكه الزبير فدل على جواز الحجر ولان كل معنى اقتضى الحجر إذا قارن البلوغ اقتضى الحجر إذا طرأ بعد البلوغ كالجنون
فإن فك عنه الحجر ثم صار فاسقا ففيه وجهان قال أبو العباس يعاد عليه الحجر لانه معنى يقتضي الحجر عند البلوغ فاقتضى الحجر بعده كالتبذير وقال أبو إسحاق لا يعاد عليه الحجر لان الحجر للفسق لخوف التبذير وتبذير الفاسق ليس بيقين فلا يزال به ما تيقنا من حفظه للمال ولا يعاد عليه الحجر بالتبذير إلا بالحاكم لان عليا كرم الله وجهه أتى عثمان رضي الله عنه وسأله أن يحجر على عبد الله بن جعفر ولان العلم بالتبذير يحتاج إلى نظر فإن الغبن قد يكون تبذيرا وقد يكون غير تبذير ولان الحجر للتبذير مختلف فيه فلا يجوز إلا بالحاكم فإذا حجر عليه لم ينظر في ماله إلا الحاكم لانه حجر ثبت بالحاكم فصار هو الناظر كالحجر على المفلس ويستحب أن يشهد على الحجر ليعلم الناس بحاله وأن من عامله ضيع ماله فإن أقرضه رجل مالا أو باع منه متاعا لم يملكه لانه محجور عليه لعدم الرشد فلم يملك بالبيع والقرض كالصبي والمجنون فإن كانت العين باقية ردت وإن كانت تالفة لم يجب ضمانها لان المالك إن علم بحاله فقد دخل على بصيرة وإن ماله ضائع وإن لم يعلم فقد فرط حين ترك الاستظهار ودخل في معاملته على غير معرفة وإن غصب مالا وأتلفه وجب عليه ضمانه لان حجر العبد والصبي آكد من حجره ثم حجر العبد والصبي لا يمنع من وجوب ضمان المتلف فلان لا يمنع حجر المبذر أولى فإن أودعه مالا فأتلفه ففيه وجهان أحدهما أنه لا يجب ( عليه ) ضمانه لانه ( قد ) فرط في التسليم إليه والثاني يجب ضمانه لانه لم يرض بالإتلاف فإن أقر بمال لم يقبل إقراره لانه حجر عليه لحظه فلا يصح إقراره بالمال كالصبي ولانا لو قلنا يصح إقراره توصل بالإقرار إلى إبطال معنى الحجر وما لا يلزمه بالإقرار والابتياع لا يلزمه إذا فك عنه الحجر لانا أسقطنا حكم الإقرار والابتياع لحفظ المال فلو قلنا إنه يلزمه إذا فك عنه الحجر لم يؤثر الحجر في حفظ المال وإن طلق امرأته صح الطلاق لأن الحجر لحفظ المال والطلاق لا يضيع المال بل يتوفر المال عليه وإن خالع جاز لأنه إذا صح الطلاق بغير مال فلان يصح بالمال أولى ولا يجوز للمرأة أن تدفع إليه المال فإن دفعته لم يصح القبض ولم تبرإ المرأة منه فإن تلف كان ذلك من ضمانها وإن تزوج من غير إذن الولي فالنكاح باطل لانه يجب به المال فإذا صححنا من غير إذن الولي تزوج من غير حاجة فيؤدي إلى إتلاف المال فإن تزوج بإذنه صح لان الولي لا يأذن إلا في موضع الحاجة فلا يؤدي ( ذلك ) إلى إتلاف ماله فإن باع بإذنه ففيه وجهان أحدهما يصح لانه عقد معاوضة فملكه بالإذن كالنكاح والثاني لا يصح لان القصد منه المال وهو محجور عليه في المال فإن حلف انعقدت يمينه فإذا حنث كفر بالصوم لانه مكلف ممنوع من التصرف بالمال فصحت يمينه وكفر بالصوم كالعبد وإن أحرم بالحج صح إحرامه لانه من أهل العبادات فإن كان فرضا لم يمنع من إتمامه ويجب الإنفاق عليه إلى أن يفرغ منه لانه مال يحتاج إليه لاداء الفرض فوجب وإن كان تطوعا فإن كان ما يحتاج إليه في الحج لا يزيد على نفقته لزمه إتمامه وإن كان يزيد على نفقته فإن كان له كسب إذا أضيف إلى النفقة أمكنه الحج لزمه إتمامه وإن لم يمكنه حلله الولي من الإحرام ويصير كالمحصر ويتحلل بالصوم دون الهدي لانه محجور عليه في المال فتحلل بالصوم دون الهدي كالعبد وإن أقر بنسب ثبت النسب لانه حق ليس بمال فقبل إقراره به كالحد وينفق على الولد من بيت المال لان المقر محجور عليه في المال فلا ينفق عليه من المال كالعبد
وإن وجب له القصاص فله أن يقتص ويعفو لان القصد منه التشفي ودرك الغيظ فإن عفا على مال وجب المال وإن عفا مطلقا أو عفا على غير مال فإن قلنا إن القتل يوجب أحد الأمرين من القصاص أو الدية وجبت الدية ولم يصح عفوه عنها وإن قلنا إنه لا يوجب غير القصاص سقط ( القصاص ) ولم يجب المال كتاب الصلح إذا كان لرجل عند رجل عين في يده أو دين في ذمته جاز أن يصالح منه والدليل عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المسلمون على شروطهم والصلح جائز بين المسلمين فإن صالح عن المال على مال فهو بيع يثبت فيه ما يثبت في البيع من الخيار ويحرم فيه ما يحرم في البيع من الغرر والجهالة والربا ويفسد بما يفسد به البيع من الشروط الفاسدة لانه باع ماله بمال فكان حكمه حكم البيع فيما ذكرناه وإن صالحه من دين على دين وتفرقا قبل القبض لم يصح لانه بيع دين بدين تفرقا فيه قبل القبض فإن صالحه من دين على عين وتفرقا قبل القبض ففيه وجهان أحدهما لا يصح لانهما تفرقا والعوض والمعوض في ضمان واحد فأشبه إذا تفرقا عن دين بدين والثاني يصح لانه بيع عين بدين فصار كبيع العين بالثمن في الذمة وإن صالح عن المال على منفعة فهو إجارة يثبت فيه ما يثبت في الإجارة من الخيار ويبطل بما تبطل به الإجارة من الجهالة لانه استأجر منفعة بالمال فكان حكمه فيما ذكرناه حكم الإجارة فصل إذا صالح من دار على نصفها وإن صالح من دار على نصفها ففيه وجهان أحدهما ( أنه ) لا يصح لانه ابتاع ماله بماله والثاني يصح لانه لما عقد بلفظ الصلح صار كأنه وهب النصف وأخذ النصف وإن صالحه من الدار على سكناها سنة ففيه وجهان أحدهما لا يصح لانه ابتاع داره بمنفعتها والثاني يصح لانه لما عقد بلفظ الصلح صار كما لو أخذ الدار وأعاره سكناها سنة وإن صالحه من ألف درهم على خمسمائة ففيه وجهان أحدهما لا يصح لانه بيع ألف بخمسمائة والثاني أنه يصح لانه لما عقد بلفظ الصلح جعل كأنه قال أبرأتك من خمسمائة وأعطني خمسمائة فصل فيما إذا ادعى عليه عينا في يده أو دينا في ذمته وإن ادعى عليه عينا في يده أو دينا في ذمته فأنكر المدعى عليه فصالحه منه على عوض لم يصح الصلح لان المدعي اعتاض عما لا يملكه فصار كمن باع مال غيره والمدعى عليه عاوض على ملكه فصار كمن ابتاع مال نفسه من وكيله فإن جاء أجنبي إلى المدعي وصدقه على ما ادعاه وقال صالحني منه على مال لم يخل إما أن يكون المدعي عينا أو دينا فإن كان دينا نظرت فإن صالحه عن المدعى عليه صح الصلح لانه إن كان قد وكله المدعى عليه فقد قضى دينه بإذنه وإن لم يوكله فقد قضى دينه بغير إذنه وذلك يجوز فإن صالحه عن نفسه وقال صالحني عن هذا الدين ليكون لي في ذمة المدعى عليه ففيه وجهان بناء على الوجهين في بيع الدين من غير من عليه أحدهما لا يصح لانه لا يقدر على تسليم ما في ذمة المدعى عليه والثاني يصح كما لو اشترى وديعة في يد غيره وإن كان المدعى عينا فإن صالحه عن المدعى عليه وقال قد أقر لك في الباطن ووكلني في مصالحتك فصدقه المدعي صح الصلح لان الاعتبار بالمتعاقدين وقد اتفقا على ما يجوز العقد عليه فجاز ثم ينظر فيه فإن كان قد أذن له في الصلح ملك المدعى عليه العين لانه ابتاعه له وكيله وإن لم يكن أذن له في الصلح لم يملك المدعى عليه العين لانه ابتاع له عينا بغير إذنه فلم يملكه
ومن أصحابنا من قال يملكه ويصير هذا الصلح استنقاذا لماله كما قال الشافعي رحمه الله في رجل في يده دار فجعلها مسجدا ثم ادعاها رجل فأنكر فاستنقذه الجيران من المدعي بغير إذن المدعى عليه أنه يجوز ذلك وإن صالحه لنفسه فقال أنا أعلم أنه لك فصالحني فأنا أقدر على أخذه صح الصلح لانه بمنزلة بيع المغصوب ممن يقدر على أخذه فإن أخذه استقر الصلح وإن لم يقدر على أخذه فهو بالخيار بين أن يفسخ ويرجع إلى ما دفع وبين أن يصبر إلى أن يقدر كمن ابتاع عبدا فأبق قبل القبض فصل إذا أقر المدعى عليه بالحق ثم أنكر إذا أقر المدعى عليه بالحق ثم أنكر جاز الصلح فإن أنكر فصولح ثم أقر كان الصلح باطلا لان الإقرار المتقدم لا يبطل بالإنكار الحادث فيصح الصلح إذا أنكر بعد إقراره لوجوده بعد لزوم الحق ولم يصح الصلح إذا كان عقب إنكاره وقبل إقراره لوجوده قبل لزوم الحق فصل في حالة إنكار الحق فلو أنكر الحق فقامت عليه البينة جاز الصلح عليه للزوم الحق بالبينة كلزومه بالإقرار لفظا ويقاس عليه ما لو نكل المدعى عليه فحلف المدعي من طريق الأولى إذ اليمين المردودة كالإقرار على أحد القولين فصل وإن ادعى عليه مالا فأنكره ثم قال صالحني عنه لم يكن ذلك إقرارا له بالمال لانه يحتمل أنه أراد قطع الخصومة فلم يجعل ذلك إقرارا فإن قال بعني ذلك ففيه وجهان أحدهما لا يجعل ذلك إقرارا وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفرايني لأن البيع والصلح واحد فإذا لم يكن الصلح إقرارا لم يكن البيع إقرارا والثاني وهو قول شيخنا القاضي أبي الطيب أنه يجعل ذلك إقرارا لان البيع تمليك والتمليك لا يصح إلا ممن يملك فصل حكم إشراع الجناح على الطريق وإن أخرج جناحا إلى طريق لم يخل إما أن يكون الطريق نافذا أو غير نافذ فإن كان الطريق نافذا نظرت فإن كان الجناح لا يضر بالمارة جاز ولم يعترض عليه واختلفوا في علته فمن أصحابنا من قال يجوز لانه ارتفاق بما لم يتعين عليه ملك أحد من غير إضرار فجاز كالمشي في الطريق ومنهم من قال يجوز لان الهواء تابع للقرار فلما ملك الارتفاق بالطريق من غير إضرار ملك الارتفاق بالهواء من غير إضرار فإن وقع الجناح أو نقضه وبادر من يحاذيه فأخرج جناحا يمنع من إعادة الجناح الأول جاز لان الأول ثبت له الارتفاق بالسبق إلى إخراج الجناح فإذا زال الجناح جاز لغيره أن يرتفق كما لو قعد في طريق واسع ثم انتقل عنه فصل إذا صالح الإمام عن الجناح فإن صالحه الإمام عن الجناح على شيء لم يصح الصلح لمعنيين أحدهما أن الهواء تابع للقرار في العقد فلا يفرد بالعقد كالحمل والثاني أن ذلك حق له فلا يجوز أن يؤخذ منه عوض على حقه كالاجتياز في الطريق وإن كان الجناح يضر بالمارة لم يجز وإذا أخرجه وجب نقضه لقوله صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا إضرار ولانه يضر بالمارة في طريقهم فلم يجز كالقعود في المضيق وإن صالحه الإمام من ذلك على شيء لم يجز لمعنيين أحدهما أن الهواء تابع للقرار فلا يفرد بالعقد والثاني أن ما منع منه للإضرار بالناس لم يجز بعوض كالقعود في المضيق والبناء في الطريق فصل المرجع في الضر إلى حال الطريق ويرجع فيما يضر وفيما لا يضر إلى حال الطريق فإن كان الطريق لا تمر فيه القوافل ولا تجوز فيه الفوارس لم يجز إخراج الجناح إلا بحيث يمر الماشى تحته منتصبا لان الضرر يزول بهذا القدر ولا يزول بما دونه وإن كان الطريق تمر فيه القوافل وتجوز فيه الفوارس لم يجز إلا عاليا بمقدار ما تمر العمارية تحته ويمر الراكب منتصبا وقال أبو عبيد بن حربويه لا يجوز حتى يكون عاليا يمر الراكب ورمحه منصوب لانه ربما ازدحم الفرسان فيحتاج إلى نصب الرماح ومتى لم ينصبوا تأذى الناس بالرماح والأول هو المذهب لانهم يمكنهم أن يضعوا أطرافها على الأكتاف غير منصوبة فلا يتأذوا
فصل إشراع الجناح إلى دار جاره وإن أخرج جناحا إلى دار جاره من غير إذنه لم يجز واختلف أصحابنا في تعليله فمنهم من قال لا يجوز لانه ارتفاق بما تعين مالكه فلم يجز بغير إذنه من غير ضرورة كأكل ماله ومنهم من قال لا يجوز لان الهواء تابع للقرار والجار لا يملك الارتفاق بقرار دار الجار فلا يملك الارتفاق بهواء داره فإن صالحه صاحب الدار على شيء لم يجز لان الهواء تابع فلا يفرد بالعقد فصل إشراع الجناح إلى درب غير نافذ وإن أخرج جناحا إلى درب غير نافذ نظرت فإن لم يكن له في الدرب طريق لم يجز لما ذكرناه في دار الجار وإن كان له فيه طريق ففيه وجهان أحدهما يجوز وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفرايني لان الهواء تابع للقرار فإذا جاز أن يرتفق بالقرار بالاجتياز جاز أن يرتفق بالهواء بإخراج الجناح والثاني لا يجوز وهو قول شيخنا القاضي أبي الطيب رحمه الله لانه موضع تعين ملاكه فلم يجز إخراج الجناح إليه كدار الجار فإن صالحه عنه أهل الدرب فإن قلنا يجوز إخراج الجناح لم يجز الصلح لما ذكرناه في الصلح على الجناح الخارج إلى الشارع وإن قلنا لا يجوز إخراجه لم يجز الصلح لما ذكرناه في الصلح على الجناح الخارج إلى دار الجار فصل في عمل ساباطا على حائط الجار وإن أراد أن يعمل ساباطا ويضع أطراف أجذاعه على حائط الجار المحاذى لم يجز ذلك من غير إذنه لانه حمل على ملك الغير من غير ضرورة فلم يجز من غير إذنه كحمل المتاع على بهيمة غيره فإن صالحه منه على شيء جاز إذا عرف مقدار الأجذاع فإن كانت حاضرة نظر إليها وإن لم تحضر وصفها فإن أراد أن يبني عليها ذكر سمك البناء وما يبنى به فإن أطلق كان ذلك بيعا مؤبدا لمغارز الأجذاع ومواضع البناء وإن وقت كان ذلك إجارة تنقضي بانقضاء المدة فصل في افتتاح الكوة في حائط الجار ولا يجوز أن يفتح كوة ولا يسمر مسمارا في حائط جاره إلا بإذنه ولا في الحائط المشترك بينه وبين غيره إلا بإذنه لان ذلك يوهى الحائط ويضر به فلا يجوز من غير إذن مالكه ولا يجوز أن يبني على حائط جاره ولا على الحائط المشترك شيئا من غير إذن مالكه ولا على السطحين المتلاصقين حاجزا من غير إذن صاحبه لانه حمل على ملك الغير فلم يجز من غير إذن كالحمل على بهيمته ولا يجوز أن يجري على سطحه ماء من غير إذنه فإن صالحه منه على عوض جاز إذا عرف السطح الذي يجرى ماؤه لانه يختلف ويتفاوت فصل في وضع الجذوع على حائط الجار وفي وضع الجذوع على حائط الجار والحائط الذي بينه وبين شريكه قولان قال في القديم يجوز فإذا امتنع الجار أو الشريك أجبر عليه إذا كان الجذع خفيفا لا يضر بالحائط ولا يقدر على التسقيف إلا به لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبة على جداره قال أبو هريرة رضي الله عنه إني لاراكم عنها معرضين والله لارمينها بين أظهركم ولانه إذا وجب بذل فضل الماء للكلا لاستغنائه عنه وحاجة غيره ( إليه ) وجب بذل فضل الحائط لاستغنائه عنه وحاجة جاره وقال في الجديد لا يجوز بغير إذن وهو الصحيح لقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل مال مرىء مسلم إلا بطيب نفس منه ولانه انتفاع بملك غيره من غير ضرورة فلا يجوز بغير إذنه كالحمل على بهيمته والبناء في أرضه وحديث أبي هريرة نحمله على الاستحباب وأما الماء فإنه غير مملوك في قول بعض أصحابنا والحائط مملوك ولان الماء لا تنقطع مادته والحائط بخلافه
فإن كان الجذع ثقيلا يضر بالحائط لم يجز وضعه من غير إذنه قولا واحدا لان الارتفاق بحق الغير لا يجوز مع الإضرار ولهذا لا يجوز أن يخرج إلى الطريق جناحا يضر بالمارة وإن كان لا حاجة به إليه لم يجبر عليه لان الفضل إنما يجب بذله عند الحاجة إليه ولهذا يجب بذل فضل الماء عند الحاجة إليه للكلا ولا يجب مع عدم الحاجة فإن قلنا يجبر عليه فصالح منه على مال لم يجز لان من وجب له حق لا يؤخذ منه عوضه وإن قلنا لا يجبر عليه فصالح منه على مال جاز على ما بيناه في أجذاع الساباط فصل وضع الخشبة على حائط الجار إذا وضع الخشب على حائط الجار أو الحائط المشترك وقلنا إنه يجبر في قوله القديم أو صالح عنه على مال في قوله الجديد فرفعه جاز له أن يعيده فإن صالحه صاحب الحائط عن حقه بعوض ليسقط حقه من الوضع جاز لان ما جاز بيعه جاز ابتياعه كسائر الأموال فصل للجار إزالة الضرر الواقع بسبب الشجرة وغيرها وإن كان في ملكه شجرة فاستعلت وانتشرت أغصانها وحصلت في دار جاره جاز للجار مطالبته بإزالة ما حصل في ملكه فإن لم يزله جاز للجار إزالته عن ملكه كما لو دخل رجل إلى داره بغير إذنه فإن له أن يطالبه بالخروج فإن لم يخرج أخرجه فإن صالحه منه على مال فإن كان يابسا لم يجز لانه عقد على الهواء والهواء لا يفرد بالعقد وإن كان رطبا لم يجز لما ذكرناه ولانه صلح على مجهول لانه يزيد في كل وقت فصل في بيان حق الاستطراق وإن كان لرجل في زقاق لا ينفذ دار وظهرها إلى الشارع ففتح بابا من الدار إلى الشارع جاز لان له حق الاستطراق في الشارع فجاز أن يفتح إليه بابا من الدار وإن كان باب الدار إلى الشارع وظهرها إلى الزقاق ففتح بابا من الدار إلى الزقاق نظرت فإن فتحه ليستطرق الزقاق لم يجز لانه يجعل لنفسه حق الاستطراق في درب مملوك لاهله لا حق له في طريقه فإن قال أفتحه ولا أجعله طريقا بل أغلقه وأسمره ففيه وجهان أحدهما أن له ذلك لانه إذا جاز له أن يرفع جميع حائط الدار فلان يجوز أن يفتح فيه بابا أولى والثاني لا يجوز لان الباب دليل على الاستطراق فمنع منه وإن فتح في الحائط كوة إلى الزقاق جاز لانه ليس بطريق ولا دليل عليه فإن كان له داران في زقاقين غير نافذين وظهر كل واحدة من الدارين إلى الأخرى فأنفذ إحدى الدارين إلى الأخرى ففيه وجهان أحدهما لا يجوز لانه يجعل الزقاقين نافذين ولانه يجعل لنفسه الاستطراق من كل واحد من الزقاقين إلى الدار التي ليست فيه ويثبت لاهل كل واحد من الزقاقين الشفعة في دور الزقاق الآخر على قول من يوجب الشفعة بالطريق والثاني يجوز وهو اختيار شيخنا القاضي رحمه الله لان له أن يزيل الحاجز بين الدارين ويجعلهما دارا واحدة ويترك البابين على حالهما فجاز أن ينفذ إحداهما إلى الأخرى فصل إذا كان لداره باب في وسط درب لا ينفذ إذا كان لداره باب في وسط درب لا ينفذ فأراد أن ينقل الباب نظرت فإن أراد نقله إلى أول الدرب جاز له لانه يترك بعض حقه من الاستطراق وإن أراد أن ينقله إلى آخر الدرب ففيه وجهان أحدهما لا يجوز لانه يريد أن يجعل لنفسه حق الاستطراق في موضع لم يكن له والثاني يجوز لان حقه ثابت في جميع الدرب ولهذا لو أرادوا قسمته كان له حق في جميعه فإن كان بابه في آخر الدرب وأراد أن ينقل الباب إلى وسطه ويجعل إلى عند الباب دهليزا إن قلنا إن من بابه في وسط الدرب يجوز أن يؤخره إلى آخر الدرب لم يجز لهذا أن يقدمه لانه مشترك بين الجميع فلا يجوز أن يختص به وإن قلنا لا يجوز جاز لهذا أن يقدمه لانه يختص به