Merğînânî — el-Hidâye (Hanefî)
قال ومن ذبح شاة غيره فمالكها بالخيار إن شاء ضمنه قيمتها وسلمها إليه وإن شاء ضمنه نقصانها وكذا الجزور وكذا إذا قطع يدهما هذا هو ظاهر الرواية ووجهه أنه إتلاف من وجه باعتبار فوت بعض الأغراض من الحمل والدز والنسل وبقاء بعضها وهو اللحم فصار كالخرق الفاحش في الثوب ولو كانت الدابة غير مأكول اللحم فقطع الغاصب طرفها للمالك أن يضمنه جميع قيمتها لوجود الاستهلاك من كل وجه بخلاف قطع طرف العبد المملوك حيث يأخذه مع أرش المقطوع لأن الآدمي يبقى منتفعا به بعد قطع الطرف قال ومن خرق ثوب غيره خرقا يسيرا ضمن نقصانه والثوب لمالكه لأن العين قائم من كل وجه وإنما دخله عيب فيضمنه قال وإن خرق خرقا كبيرا يبطل عامة منافعه فلمالكه أن ضمنه جميع قيمته لأنه استهلاك من هذا الوجه فكأنه أحرقه قال رضي الله عنه معناه يترك الثوب عليه إن شاء أخذ الثوب وضمنه النقصان لآنه تعييب من وجه من حيث إن العين باق وكذا بعض المنافع قائم ثم إشارة الكتاب إلى أن الفاحش ما يبطل به عامة المنافع والصحيح أن الفاحش ما يفوت به بعض العين وجنس المنفعة ويبقى بعض العين وبعض المنفعة واليسير ما لا يفوت به شيء من المنفعة وإنما يدخل فيه النقصان لأن محمدا رحمه الله جعل في الأصل قطع الثوب نقصانا فاحشا والفائت به بعض المنافع قال ومن غصب أرضا فغرس فيها أو بنى قيل له اقلع البناء والغرس وردها لقوله عليه الصلاة والسلام ليس لعرق ظالم حق ولأن ملك صاحب الأرض باق فإن الأرض لم تصر مستهلكة والغصب لا يتحقق فيها ولا بد للملك من سبب فيؤمر الشاغل بتفريغها كما إذا شغل ظرف غيره بطعامه قال فإن كانت الأرض تنقص بقلع ذلك فللمالك أن يضمن له قيمة البناء وقيمة الغرس مقلوعا ويكونان له لأن فيه نظرا لهما ودفع الضرر عنهما وقوله قيمته مقلوعا معناه قيمة بناء أو شجر يؤمر بقلعه لأن حقه فيه إذ لا قرار له فيه فتقوم الأرض بدون الشجر والبناء وتقوم وبها شجر أو بناء لصاحب الأرض أن يأخره بقلعه فيضمن فضل ما بينهما قال ومن غصب ثوبا فصبغه أحمر أو سويقا فلته بسمن فصاحبه بالخيار إن شاء ضمنه قيمة ثوب أبيض ومثل السويق وسلمه للغاصب وإن شاء أخذهما وغرم ما زاد الصبغ والسمن فيهما وقال الشافعي رحمه الله في الثوب لصاحبه أن يمسكه ويأمرالغاصب بقلع الصبغ بالقدر الممكن اعتبارا بفصل الساجة بنى فيها لأن التمييز ممكن بخلاف السمن في السويق لأن التمييز متعذر ولنا ما بينا أن فيه رعاية الجانبين والخيرة لصاحب الثوب لكونه صاحب الأصل بخلاف الساجة بنى فيها لأن النقض له بعد النقض أما الصبغ فيتلاشى وبخلاف ما إذا انصبغ بهبوب الريح لأنه لا جناية من صاحب الصبغ ليضمن الثوب فيتملك صاحب الأصل الصبغ قال أبو عصمة رحمه الله في أصل المسألة وإن شاء رب الثوب باعه ويضرب بقيمته أبيض وصاحب الصبغ بما زاد الصبغ فيه لأن له أن لا يتملك الصبغ بالقيمة وعند امتناعه تعين رعاية الجانبين في البيع ويتأتى هذا فيما إذا انصبغ الثوب بنفسه وقد ظهر بما ذكرنا الوجه في السويق غير أن السويق من ذوات الأمثال فيضمن مثله والثوب من ذوات القيم فيضمن قيمته وقال في الأصل يضمن قيمة السويق لأن السويق يتفاوت بالقلي فلم يبقي مثليا وقيل المراد منه المثل سماه به لقيامه مقامه والصفرة كالحمرة ولو صبغه أسود فهو نقصان عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما زيادة وقيل هذا اختلاف عصر وزمان وقيل إن كان ثوبا ينقصه السواد فهو نقصان وإن كان ثوبا يزيد في السواد فهو كالحمرة وقد عرف في غير هذا الموضع ولو وكان ثوبا تنقصه الحمرة بأن كانت قيمته ثلاثين درهما فتراجعت بالصبغ إلى عشرين فعن محمد رحمه الله أنه ينظر إلى ثوب تزيد فيه الحمرة فإن كانت الزيادة خمسة يأخذ ثوبه وخمسة دراهم لأن إحدى الخمستين جبرت بالصبغ فصل
ومن غصب عينا فغيبها فضمنه المالك قيمتها ملكها وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله لا يملكها لأن الغصب عدوان محض فلا يصلح سببا للملك كما في المدبر ولنا أنه ملك البدل بكماله والمبدل قابل للنقل من ملك إلى ملك فيملكه دفعا للضرر عنه بخلاف المدبر لأنه غيرقابل للنقل لحق المدبر نعم قد يفسخ التدبير بالقضاء لكن البيع بعده يصادف القن قال والقول في القيمة قول الغاصب مع يمينه لأن المالك يدعي الزيادة وهو ينكر والقول قول المنكر مع يمينه إلا أن يقيم المالك البينة بأكثر من ذلك لأنه أثبته بالحجة الملزمة قال فإن ظهرت العين وقيمتها أكثر مما ضمن وقد ضمنها بقول المالك أو ببينة أقامها أو بنكول الغاصب عن اليمين فلا خيار للمالك وهو الغاصب لأنه تم له الملك بسبب اتصل به رضا المالك حيث ادعى هذا المقدار قال فإن كان ضمنه بقول الغاصب مع يمينه فهو بالخيار إن شاء أمضى الضمان وإن شاء أخذ العين ورد العوض لأنه لم يتم رضاه بهذا المقدار حيث يدعي الزيادة وأخذه دونها لعدم الحجة ولو ظهرت العين وقيمتها مثل ما ضمنه أو دونه في هذا الفصل الأخير فكذلك الجواب في ظاهر الرواية وهو الأصح خلافا لما قاله الكرخي رحمه الله إنه لا خيار له لأنه لم يتم رضاه حيث لم يعط له ما يدعيه والخيار لفوات الرضا قال ومن غصب عبدا فباعه فضمنه المالك قيمته فقد جاز بيعه وإن أعتقه ثم ضمن القيمة لم يجز عتقه لأن ملكه الثابت فيه ناقص لثبوته مستندا أو ضرورة ولهذا يظهر في حق الأكساب دون الأولاد والناقص كيفي لنفوذالبيع دون العتق كملك المكاتب قال وولد المغصوبة ونماؤها وثمرة البستان المغصوب أمانة في يد الغاصب إن هلك فلا ضمان عليه إلا أن يتعدى فيها أو يطلبها مالكها فيمنعها إياه وقال الشافعي رحمه الله زوائد المغصوب مضمونة متصلة كانت أو منفصلة لوجود الغصب وهو إثبات اليد على مال الغير بغير رضاه كما في الظبية المخرجة من الحرم إذا ولدت في يديه يكون مضمونا عليه ولنا أن الغصب إثبات اليد على مال الغير على وجه يزيل يد المالك على ما ذكرناه ويد المالك ما كانت ثابتة على هذه الزيادة حتى يزيلها الغاصب ولو اعتبرت ثابتة على الولد لا يزيلها إذ الظاهر عدم المنع حتى لو منع الولد بعد طلبه يضمنه وكذا إذا تعدى فيه كما قال في الكتاب وذلك بأن أتلفه أو ذبحه وأكله أو باعه وسلمه وفي الظبية المخرجة لا يضمن ولدها إذا هلك قبل التمكن من الإرسال لعدم المنع وإنما يضمنه إذا هلك بعده لوجود المنع بعد طلب صاحب الحق وهو الشرع على هذا أكثر مشايخنا رحمهم الله ولو أطلق الجواب فهو ضمان جناية ولهذا يتكرر بتكررها ويجب بالإعانة والإشارة فلأن يجب بما هو فوقها وهو إثبات اليد على مستحق الأمن أولى وأحرى
قال وما نقصت الجارية بالولادة في ضمان الغاصب فإن كان في قيمة الولد وفاء به انجبر النقصان بالولد وسقط ضمانه عن الغاصب وقا زفر والشافعي رحمهما الله لا ينجبر النقصان بالولد لأن الولد ملكه فلا يصلح جابرا ملكه كما في ولد الظبية وكما إذا هلك الولد قبل الردأو ماتت الأم وبالولد وفاء وصار كما إذا جز صوف شاة غيره أو قطع قوائم شجر غيره أو خصى عبد غيره أو علمه الحرفة فأضناه التعليم ولنا أن سبب الزيادة والنقصان واحد وهو الولادة أو العلوق على ما عرف وعند ذلك لا يعد نقصانا فلا يوجب ضمانا وصار كما إذا غصب جارية سمينة فهزلت ثم سمنت أو سقطت ثنيتها ثم نبتت أو قطعت يد المغصوب في يده وأخذ أرشها وأداه مع العبد يحتسب عن نقصان القطع وولد الظبية ممنوع وكذا إذا ماتت الأم وتخريج الثانية أن الولادة ليست بسبب لموت الأم إذ الولادة لا تفضي إليه غالبا وبخلاف ما إذا مات الولد قبل الرد لأنه لا بد من رد أصله للبراءة فكذا لا بد من رد خلفه والخصاء لا يعد زيادة لأنه غرض بعض الفسقة ولا اتحاد في السبب فيما وراء ذلك من المسائل لأن سبب النقصان القطع والجز وسبب الزيادة النمو وسبب النقصان التعليم والزيادة سببها الفهم قال ومن غصب جارية فزنى بها فحبلت ثم ردها وماتت في نفاسها يضمن قيمتها يوم علقت ولا ضمان عليه في الحرة وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا يضمن في الأمة أيضا لهما أن الردق بد صح والهلاك بعده بسبب حدث في يد المالك وهو الولادة فلا يضمن الغاصب كما إذا حمت في يد الغاصب ثم ردها فهلكت أو زنت في يده ثم ردها فجلدت فهلكت منه وكمن اشترى جارية قد حبلت عند البائع فولدت عند المشتري وماتت في نفاسها لا يرجع على البائع بالثمن بالاتفاق وله أنه غصبها وما انعقد فيها سبب التلف وردت وفيها ذلك فلم يوجد الرد على الوجه الذي أخذه فلم يصح الرد وصار كما إذا جنت في يد الغاصب جناية فقتلت بها في يد المالك أو دفعت بها بأن كانت الجناية خطأ يرجع على الغاصب بكل القيمة كذا هذا بخلاف الحرة لأنه لا تضمن بالغصب ليبقى ضمان الغصب بعد فساد الرد وفي فصل الشراء الواجب ابتداء التسليم وما ذكرناه شرط صحة الرد والزنا سبب لجلد مؤلم لا جارح ولا متلف فلم يوجد السبب في يد الغاصب قال ولا يضمن الغاصب منافع ما غصبه إلا أن ينقص باستعماله فيغرم النقصان وقال الشافعي رحمه الله يضمنها فيجب أجر المثل ولا فرق في المذهبين بين ما إذا عطلها أو سكنها وقال مالك رحمه الله إن سكنها يجب أجر المثل وإن عطلها لا شيء عليه له أن المنافع أموال متقومة حتى تضمن بالعقود فكذا بالغصوب ولنا أنها حصلت على ملك الغاصب لحدوثها في إمكانه إذ هي لم تكن حادثة في يد المالك لأنها أعراض لا تبقى فيملكها دفعا لحاجته والإنسان لا يضمن ملكه كيف وأنه لا يتحقق غصبها وإتلافها لأنه لا بقاء لها ولأنها لا تماثل الأعيان لسرعة فنائها وبقاء الأعيان وقد عرفت هذه المآخذ في المختلف ولا نسلم أنها متقومة في ذاتها بل تقوم ضرورة عند ورود العقد ولم يوجد العقد إلا أن ما انتقص باستعماله مضمون عليه لاستهلاكه بعض أجزاء العين فصل في غصب ما لا يتقوم
قال وإذا أتلف المسلم خمر الذمي أو خنزيره ضمن قيمتهما فإن أتلفهما لمسلم لم يضمن وقال الشافعي لا يضمنهما للذمي أيضا وعلى هذا الخلاف إذا أتلفهما ذمي على ذمي أو باعهما الذمي من الذمي له أنه سقط تقومهما في حق المسلم فكذا في حق الذمي لأنهم أتباع لنا في الأحكام فلا يجب بإتلافهما مال متقوم وهو الضمان ولنا أن التقوم باق في حقهم إذ الخمر لهم كالخل لنا والخنزير لهم كالشاة لنا ونحن أمرنا بأن نتركهم وما يدينون والسيف موضوع فيتعذر الإلزام وإذا بقي التقوم فقد وجد إتلاف مال مملوك متقوم فيضمنه بخلاف الميتة والدم لأن أحدا من أهل الأديان لا يدين تمولهما إلا أنه تجب قيمة الخمر وإن كان من ذوات الأمثال لأن المسلم ممنوع عن تمليكه لكونه إعزازا له بخلاف ما إذا جرت المبايعة بين الذميين لأن الذمي غير ممنوع عن تمليك الخمر وتملكها وهذا بخلاف الربا لأنه مستثنى عن عقودهم وبخلاف العبد المرتد يكون للذمي لأنا ما ضمنا لهم ترك التعرض له لما فيه من الاستخفاف بالدين وبخلاف متروك التسمية عامدا إذا كان لمن يبيحه لأن ولاية المحاجة ثابتة قال فإن غصب مسلم خمرا فخللها أو جلد ميتة فدبغه فلصاحب الخمر أن يأخذ الخل بغير شيء ويأخذ جلد الميتة ويرد عليه ما زاد الدباغ فيه والمراد بالفصل الأول إذا خللها بالنقل من الشمس إلى الظل ومنه إلى الشمس وبالفصل الثاني إذا دبغه بماله قيمة كالقرظ والعفص ونحو ذلك والعرق أن هذا التخليل تطهير له بمنزلة غسل الثوب النجس فيبقى على ملكه إذلا تثبت المالية به وبهذا الدباغ اتصل بالجلد مال متقوم للغاصب كالصبغ ف الثوب فكان بمنزلته فلهذا يأخذ الخل بغير شيء ويأخذ الجلد ويعطى ما زاد الدباغ فيه وبيانه أنه ينظر إلى قيمته ذكيا غير مدبوغ وإلى قيمته مدبوغا فيضمن فضل ما بينهما وللغاصب أن يحبسه حتى يستوفى حقه كحق الحبس في المبيع قال وإن استهلكهما ضمن الخل ولم يضمن الجدل عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا يضمن الجلد مدبوغا ويعطى ما زاد الدباغ فيه ولو هلك في يده لا يضمنه بالإجماع أما الخل فلأنه لما بقي على ملك مالكه وهو مال متقوم ضمنه بالإتلاف ويجب مثله لأن الخل من ذوات الأمثال وأما الجلد فلهما أنه باق على ملك المالك حتى كان له أن يأخذه وهو مال متقوم فيضمنه مدبوغا بالاستهلاك ويعطيه المالك ما زاد الدباغ فيه كما إذا غصب ثوبا فصبغه ثم استهلكه بضمنه ويعطيه المالك ما زاد الصبغ فيه ولأنه واجب الرد فإذا فوته عليه خلفه قيمته كما في المستعار وبهذا فارق الهلاك يضمنه وقولهما يعطى ما زاد الدباغ فيه محمول على اختلاف الجنس
أما عند اتحاده فيطرح عنه ذلك القدر ويؤخذ منه الباقي لعدم الفائدة في الأخذ منه ثم في الرد عليه وله أن التقوم حصل بصنع الغاصب وصنعته متقومة لاستعماله مالا متقوما فيه ولهذا كان له أن يحبسه حتى يستوفي ما زاد الدباغ فيه فكان حقا له والجلد تبع له في حق التقوم ثم الأصل وهو الصنعة غير مضمون عليه فكذا التابع كما إذا هلك من غير صبغه بخلاف وجوب الرد حال قيامه لأنه يتبع الملك والجلد غير تابع الصنعة في حق الملك لثبوته قبلها وإن لم يكن متقوما بخلاف الذكي والثوب لأن التقوم فيهما كان ثابتا قبل الدبغ والصبغ فلم يكن تابعا للصنعة ولو كان قائما فأراد المالك أن يتركه على الغاصب في هذا الوجه ويضمنه قيمته قيل ليس له ذلك لأن الجلد لا قيمة له بخلاف صبغ الثوب لأن له قيمة وقيل ليس له ذلك عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما له ذلك لأنه إذا تركه عليه وضمنه عجز الغاصب عن رده فصار كالاستهلاك وهو على هذا الخلاف على ما بيناه ثم قيل يضمنه قيمة جلد مدبوغ ويعطيه ما زاد الدباغ فيه كما في الاستهلاك وقيل يضمنه قيمة جلد ذكي غير مدبوغ ولو دبغه بما لا قيمة له كالتراب والشمس فهو لمالكه بلا شيء لأنه بمنزلة غسل الثوب ولو استهلكه الغاصب يضمن قيمته مدبوغا أو قيل طاهرا غير مدبوغ لأن وصف الدباغة هو الذي حصله فلا يضمنه وجه الأول وعليه الأكثرون أن صفة الدباغة تابعة للجلد فلا تفرد عنه وإذا صار الأصل مضمونا عليه فكذا صفته ولو خلل الخمر بألقاء الملح فيه قالوا عند أبي حنيفة رحمه الله صار ملكا للغاصب ولا شيء له عليه وعندهما أخذه المالك وأعطي ما زاد الملح فيه بمنزلة دبغ الجلد ومعناه ههنا أن يعطى مثل وزن الملح من الخل وإن أراد المالك تركه عليه وتضمينه فهو على ما قيل وقيل في دبغ الجلد ولو استهلكها لا يضمنها عند أبي حنيفة رحمه الله خلافا لهما كما في دبغ الجلد ولو خللها بإلقاء الخل فيها فعن محمد رحمه الله أنه إن صار خلا من ساعته يصير ملكا للغاصب ولا شيء عليه لأنه استهلاك له وهو غير متقوم وإن لم تصر خلا إلا بعد زمان بأن كان الملقى فيه خلا قليلا فهو بينهما على قدر كيلهما لأن خلط الخل بالخل في التقدير وهو على أصله ليس باستهلاك وعند أبي حنيفة رحمه الله هو للغاصب في الوجهين ولا شيء عليه لأن نفس الخلط استهلاك عنده ولا ضمان في الاستهلاك لأنه أتلف ملك نفسه وعن محمد رحمه الله لا يضمن بالاستهلاك في الوجه الأول لما بينا ويضمن في الوجه الثاني لأنه أتلف ملك غيره وبعض المشايخ أجروا جواب الكتاب على إطلاقه أن للمالك أن يأخذ الخل في الوجوه كلها بغير شيء لأن الملقى فيه يعتبر مستهلكا في الخمر فلم يبق متقوما وقد كثرت فيه أقوال المشايخ وقد أثبتناها في كفاية المنتهى
قال ومن كسر لمسلم بربطا أو طبلا أو مزمارا أو دنا أو أراق له سكرا أو منصفا فهو ضامن وبيع هذه الأشياء جائز وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله لا يضمن ولا يجوز بيعها وقيل الاختلاف في الدف والطبل الذي يضرب للهو فأما طبل الغزاة والدف الذي يباح ضربه في العرس يضمن بالإتلاف من غير خلاف وقيل الفتوى في الضمان على قولهما والسكر اسم للنيء من ماء الرطب إذا اشتد والمنصف ما ذهب نصفه بالطبخ وفي المطبوخ أدنى طبخة وهو الباذق عن أبي حنيفة رحمه الله روايتان في التضمين والبيع لهما أن هذه الأشياء أعدت للمعصية فبطل تقومها كالخمر ولأنه فعل ما فعل آمرا بالمعروف وهو بأمر الشرع فلا يضمنه كما إذا فعل بإذن الإمام ولأبي حنيفة رحمه الله أنها أموال لصلاحيتها لما يحل من وجوه الانتفاع وإن صلحت لما لايحل فصار كالأمة المغنية وهذا لأن الفساد بفعل فاعل مختار فلا يوجب سقوط التقوم وجواز البيع والتضمين مرتبان على المالية والتقوم والأمر بالمعروف باليد إلى الأمراء لقدرتهم وباللسان إلى غيرهم وتجب قيمتها غير صالحة للهو كما في الجارية المغنية والكبش النطوح والحمامة الطيارة والديك المقاتل والعبد الخصي تجب القيمة غير صالحة لهذه الأمور كذا هذا وفي السكر والمنصف تجب قيمتهما ولا يجب المثل لأن المسلم ممنوع عن تملك عينه وإن كان لو فعل جاز وهذا بخلاف ما إذا أتلف على نصراني صليبا حيث يضمن قيمته صليبا لأنه مقر على ذلك قال ومن غصب أم ولد أو مدبره فماتت في يده ضمن قيمة المدبرة ولا يضمن قيمة أم الولد عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا يضمن قيمتهما لأن مالية المدبرة متقومة بالاتفاق ومالية أم الولد غير متقومة عنده وعندهما متقومة والدلائل ذكرناها في كتاب العتاق من هذا الكتاب والله أعلم بالصواب 1 كتاب الشفعة 1 الشفعة مشتقة من الشفع وهو الضم سميت بها لما فيها من ضم المشتراة إلى عقار الشفيع قال الشفعة واجبة للخليط في نفس المبيع ثم للخليط في حق المبيع كالشرب والطريق ثم للجار أفاد هذا اللفظ ثبوت حق الشفعة لكل واحد من هؤلاء وأفاد الترتيب أما الثبوت فلقوله عليه الصلاة والسلام الشفعة لشريك لم يقاسم ولقوله عليه الصلاة والسلام جار الدار أحق بالدار والأرض ينتظر له وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا ولقوله عليه الصلاة والسلام الجار أحق بسقبه قيل يا رسول الله ما سقبه قال شفعته ويروى الجار أحق بشفعته وقال الشافعي رحمه الله لا شفعة بالجوار لقوله عليه الصلاة والسلام الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة ولأن حق الشفعة معدول به عن سنن القياس لما فيه من تملك المال على الغير من غير رضاه وقد ورد الشرع به فيما لم يقسم وهذا ليس في معناه لأن مؤنة القسمة تلزمه في الأصل دون الفرع ولنا ما روينا ولأن ملكه متصل بملك الدخيل اتصال تأبيد وقرار فيثبت له حق الشفعة عند وجود المعاوضة بالمال اعتبارا بمورد الشرع وهذا لأن الاتصال على هذه الصفة إنما انتصب سببا فيه لدفع ضرر الجوار إذ هو مادة المضار على ما عرف وقطع هذه المادة بتملك الأصل أولى لأن الضرر في حقه بإزعاجه عن خطة آبائه أقوى وضرر القسمة مشروع لا يصلح علة لتحقيق ضرر غيره وأما الترتيب فلقوله عليه الصلاة والسلام الشريك أحق من الخليط والخليط أحق من الشفيع فالشريك في نفس المبيع والخليط في حقوق المبيع والشفيع هو الجار ولأن الاتصال بالشركة في المبيع أقوى لأنه في كل جزء وبعده الاتصال في الحقوق لأنه شركة في مرافق الملك والترجيح يتحقق بقوة السبب ولأن ضرر القسمة إن لم يصلح علة صلح مرجحا قال وليس للشريك في الطريق والشرب والجار شفعة مع الخليط في الرقبة لما ذكرنا أنه مقدم
قال فإن سلم فالشفعة للشريك في الطريق فإن سلم أخذها الجار لما بينا من الترتيب والمراد بهذا الجار الملاصق وهو الذي على ظهر الدار المشفوعة وبابه في سكة أخرى وعن أبي يوسف أن مع وجود الشريك في الرقبة لا شفعة لغيره سلم أو استوفى لأنهم محجوبون به ووجه الظاهر أن السبب قد تقرر في حق الكل إلا أن للشريك حق التقدم فإذا سلم كان لمن يليه بمنزلة دين الصحة مع دين المرض والشريك في المبيع قد يكون في بعض منها كما في منزل معين من الدار أو جدار معين منها وهو مقدم على الجار في المنزل وكذا على الجار في بقية الدار في أصح الروايتين عن أبي يوسف رحمه الله لأن اتصاله أقوى والبقعة واحدة ثم لا بد أن يكون الطريق أو الشرب خاصا حتى تستحق الشفعة بالشركة فيه فالطريق الخاص أن لا يكون نافذا والشرب الخاص أن يكون نهرا لا تجري فيه السفن وما تجري فيه فهو عام وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وعن أبي يوسف رحمه الله أن الخاص أن يكون نهرا يسقى منه قراحان أو ثلاثة وما زاد عن ذلك فهو عام فإن كانت سكة غير نافذة يتشعب منها سكة غير نافذة وهي مستطيلة فبيعت دار في السفلى فلأهلها الشفعة خاصة دون أهل العيا وإن بيعت للعليا فلأهل السكتين والمعنى ما ذكرنا في كتاب أدب القاضي ولو كان نهر صغير يأخذ منه نهر أصغر منه فهو على قياس الطريق فيما بيناه قال ولا يكون الرجل بالحذوع على الحائط شفيع شركة ولكنه شفيع جوار لأن العلة هي الشركة في العقار وبوضع الجذوع لا يصير شريكا في الدار إلا أنه جار ملازق قال والشريك في الخشبة تكون على حائط الدار جار لما بينا قال وإذا اجتمع الشفعاء فالشفعة بينهم على عدد رؤوسهم ولا يعتبر اختلاف الأملاك وقال الشافعي رحمه الله هي على مقادير الأنصباء لأن الشفعة من مرافق الملك ألا يرى أنها لتكميل منفعته فأشبه الربح والغلة والولد والثمرة ولنا أنهم استووا في سبب الاستحقاق وهو الاتصال فيستوون في الاستحقاق ألا يرى أنه لو انفرد واحد منهم استحق كل الشفعة وهذا آية كمال السبب وكثرة الاتصال تؤذن بكثرة الغلة والترجيح يقع بقوة في الدليل لا بكثرته ولا قوة ههنا لظهور الأخرى بمقابلته وتملك ملك غيره لا يجعل ثمرة من ثمرات ملكه بخلاف الثمرة وأشباهها ولو أسقط بعضهم حقه فهي للباقين في الكل على عددهم لأن الانتقاص للمزاحمة مع كمال السبب في حق كل واحد منهم وقد انقطعت ولو كان البعض غيبا يقضى بها بين الحضور على عددهم لأن الغائب لعله لا يطلب وإن قضى لحاضر بالجميع ثم حضر آخر يقضى له بالنصف ولو حضر ثالث فبثلث ما في يد كل واحد تحقيقا للتسوية فلو سلم الحاضر بعد ما قضى له بالجميع لا يأخذ القادم إلا النصف لأن قضاء القاضي بالكل للحاضر يقطع حق الغائب عن النصف بخلاف ما قبل القضاء قال والشفعة تجب بعقد البيع ومعناه بعده لا إنه هو السبب لأن سببها الاتصال على ما بيناه والوجه فيه أن الشفعة إنما تجب إذا رغب البائع عن ملك الدار والبيع يعرفها ولهذا يكتفى بثبوت البيع في حقه حتى يأخذها الشفيع إذا أقر البائع بالبيع وإن كان المشتري يكذبه قال وتستقر بالإشهاد ولا بد من طلب المواثبة لأنه حق ضعيف يبطل بالإعراض للأبد من الإشهاد والطلب ليعلم بذلك رغبته فيه دون إعراضه عنه ولأنه يحتاج إلى إثبات طلبه عند القاضي ولا يمكنه إلا بالإشهاد
قال وتملك بالأخذ إذا سلمها المشتري أو حكم بها الحاكم لأن الملك للمشتري قد تم فلا ينتقل إلى الشفيع إلا بالتراضي أو قضاء القاضي كما في الرجوع في الهبة وتظهر فائدة هذا فيما إذا مات الشفيع بعد الطلبين أو باع داره المستحق بها الشفعة أو بيعت دار بجنب الدار المشفوعة قبل حكم الحاكم أو تسليم المخاصم لا تورث عنه في الصورة الأولى وتبطل شفعته في الثانية ولا يستحقها في الثالثة لانعدام الملك له ثم قوله تجب بعقد البيع بيان أنه لا يجب إلا عند معاوضة المال بالمال على ما نبينه إن شاء الله تعالى والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب 2 باب طلب الشفعة والخصومة فيها 2 قال وإذا علم الشفيع بالبيع أشهد في مجلسه ذلك على المطالبة اعلم أن الطلب على ثلاثة أوجه طلب المواثبة وهو أن يطلبها كما علم حتى لو بلغ الشفيع البيع ولم يطلب شفعة بطلت الشفعة لما ذكرنا ولقوله عليه الصلاة والسلام الشفعة لمن واثبها ولو أخبر بكتاب والشفعة في أوله أو في وسطه فقرأ الكتاب إلى آخره بطلت شفعته وعلى هذا عامة المشايخ رحمهم الله وهو رواية عن محمد وعنه أن له مجلس العلم والروايتان في النوادر وبالثانية أخذ الكرخي لأنه لما ثبت له خيار التملك لا بد له من زمان التأمل كما في المخيرة ولو قال بعد ما بلغه البيع الحمد لله أو لا حول ولا قوة إلا بالله أو قال سبحان الله لا تبطل شفعته لأن الأول حمد على الخلاص من جواره والثاني تعجب منه لقصد إضراره والثالث لافتتاح كلامه فلا يدل شيء منه على الإعراض وكذا إذا قال من ابتاعها وبكم بيعت لأنه يرغب فيها بثمن دون ثمن ويرغب عن مجاورة بعض دون بعض والمراد بقوله في الكتاب أشهد في مجلسه ذلك على المطالبة طلب المواثة والإشهاد فيه ليس بلازم إنما هو لنفي التجاحد والتقييد بالمجلس إشارة إلى ما اختاره الكرخي رحمه الله ويصح الطلب بكل لفظ يفهم منه طلب الشفعة كما لو قال طلبت الشفعة أو أطلبها أو أنا طالبها لأن الاعتبار للمعنى وإذا بلغ الشفيع بيع الدار لم يجب عليه الإشهاد حتى يخبره رجلان أو رجل وامرأتان أو واحد عدل عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا يجب عليه أن يشهد إذا أخبره واحد حرا كان أو عبدا صبيا كان أو امرأة إذا كان الخبر حقا وأصل الاختلاف في عزل الوكيل وقد ذكرناه بدلائله وأخواته فيما تقدم وهذا بخلاف المخبرة إذا أخبرت عنده لأنه ليس فيه إلزام حكم وبخلاف ما إذا أخبره المشتري لأنه خصم فيه والعدالة غير معتبرة في الخصوم والثاني طلب التقرير والإشهاد لأنه محتاج إليه لإثباته عند القاضي على ما ذكرنا ولا يمكنه الإشهاد ظاهرا على طلب الممواثبة لأنه على فور العلم بالشراء فيحتاج بعد ذلك إلى طلب الإشهاد والتقرير وبيانه ما قال في الكتاب ثم ينهض منه يعني من المجلس ويشهد على البائع إن كان المبيع في يده معناه لم يسلم إلى المشتري أو على المبتاع أو عند العقار فإذا فعل ذلك استقرت شفعته وهذا لأن كل واحد منهما خصم فيه لأن للأول اليد والثاني الملك وكذا يصح الإشهاد عند المبيع لأن الحق متعلق به فإن سلم البائع المبيع لم يصح الإشهاد عليه لخروجه من أن يكون خصيا إذ لا يد له ولا ملك فصار كالأجنبي وصورة هذا الطلب أن يقول إن فلانا اشترى هذه الدار وأنا شفيعها وقد كنت طلبت الشفعة وأطلبها الآن فاشهدوا علي ذلك وعن أبي يوسف أنه يشترط نسبة المبيع وتحديده لأن المطالبة لا تصح إلا في معلوم والثالث طلب الخصومة والتملك وسنذكر كيفيته من بعد إن شاء الله تعالى
قال ولا تسقط الشفعة بتأخير هذا الطلب عند أبي حنيفة رحمه الله وهو رواية عن أبي يوسف وقال محمد رحمه الله إن تركها شهرا بعد الإشهاد بطلبت وهو قو زفر رحمه الله معناه إذا تركها من غير عذر وعن أبي يوسف أنه إذا ترك المخاصمة في مجلس من مجالس القاضي تبطل شفعته لأنه إذا مضى مجلس من مجالسه ولم يخاصم فيه اختيار دل ذلك على إعراضه وتسليمه وجه قول محمد أنه لو لم يسقط بتأخير الخصومة منه أبدا يتضرر به المشتري لأنه لا يمكنه التصرف حذار نقضه من جهة الشفيع فقدرناه بشهر لأنه آجل وما دونه عاجل على ما مر في الإيمان ووجه قول أبي حنيفة وهو ظاهر المذهب وعليه الفتوى أن الحق متى ثبت واستقر لا يسقط إلا بإسقاطه وهو التصريح بلسانه كما في سائر الحقوق وما ذكر من الضرر يشكل بما إذا كان غائبا ولا فرق في حق المشتري بين الحضر والسفر ولو علم أنه لم يكن في البلد قاض لا تبطل شفعته بالتأخير بالاتفاق لأنه لا يتمكن من الخصومة إلا عند القاضي فكان عذرا قال وإذا تقدم الشفيع إلى القاضي فادعى الشراء وطلب الشفعة سأل القاضي المدعي عليه فإن اعترف بملكه الذي يشفع به وإلا كلفه بأقامة البينة لأن اليد ظاهر محتمل فلا تكفي لإثبات الاستحقاق قال رضي الله عنه يسأل القاضي المدعي قبل أن يقبل على المدعي عليه عن موضع الدار وحدودها لأنه ادعى حقا فيها فصار كما إذا ادعى رقبتها وإذا بين ذلك يسأله عن سبب شفعته لاختلاف أسبابها فإن قال أنا شفيعها بدار لي تلاصقها الآن ثم دعواه على ما قاله الخصاف رحمه الله وذكر في الفتاوي تحديد هده الدار التي يشفع بها أيضا وقد بيناه في الكتاب الموسوم بالتجنيس والمزيد قال فإن عجز عن البينة استحلف المشتري بالله ما يعلم أنه مالك للذي ذكره مما يشفع به معناه بطلب الشفيع لأنه ادعى عليه معنى لو أقر به لزمه ثم هو استحلاف على ما في يده فيحلف على العلم فإن نكل أو قامت للشفيع بينة ثبت ملكه في الدار التي يشفع بها وثبت الجوار فبعد ذلك سأله القاضي يعني المدعى عليه هل ابتاع أم لا فإن أنكر الابتياع قيل للشفيع أقم البينة لأن الشفعة لا تجب إلا بعد ثبوت البيع وثبوته بالحجة قال فإن عجز عنها استحلف المشتري بالله ما ابتاع أو بالله ما استحق عليه في هذه الدار شفعة من الوجه الذي ذكره فهذا على الحاصل والأول على السبب وقد استوفينا الكلام فيه في الدعوى وذكرنا الاختلاف بتوفيق الله وإنما يحلفه على البتات لأنه استحلاف على فعل نفسه وعلى ما في يده أصالة وفي مثله يحلف على البتات قال وتجوز المنازعة في الشفعة وإن لم يحضر الشفيع الثمن إلى مجلس القاضي فإذا قضى القاضي بالشفعة لزمه إحضار الثمن وهذا ظاهر رواية الأصل وعن محمد أنه لا يقضي حتى يحضر الشفيع الثمن وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله لأن الشفيع عساه يكون مفلسا فيتوقف القضاء على إجضاره حتى لا يتوى مال المشتري وجه الظاهر أنه لاثمن له عليه قبل القضاء ولهذا لا يشترط تسليمه فكذا لا يشترط إحضاره وإذا قضى له بالدار فللمشتري أن يحبسه حتى يستوفي الثمن وينفذ القضاء عند محمد أيضا لأنه فصل مجتهد فيه ووجب عليه الثمن فيحبس فيه فلو أخر أداء الثمن بعد ما قال له ادفع الثمن إليه لا تبطل شفعته لأنها تأكدت بالخصومة عند القاضي
قال وإن أحضر الشفيع البائع والمبيع في يد فله أن يخاصمه في الشفعة لأن اليد له وهي يد مستحقة ولا يسمع القاضي البينة حتى يحضر المشتري فيفسخ البيع بمشهد منه ويقضى بالشفعة على البائع ويجعل العهدة عليه لأن الملك للمشري واليد للبائع والقاضي يقضي بهما للشفيع فلا بد من حضورهما بخلاف ما إذا كانت الدار قد قبضت حيث لا يعتبر حضور البائع لأنه صار أجنبيا إذ لا يبقى له يد ولا ملك وقوله فيفسخ البيع بمشهد منه إشارة إلى علة أخرى وهي أن البيع في حق المشتري إذا كان ينفسخ لا بد من حضوره ليقضي بالفسخ عليه ثم وجه هذا الفسخ المذكور أن ينفسخ في حق الإضافة لامتناع قبض المشتري بالأخذ بالشفعة وهو يوجب الفسخ إلا أنه يبقى أصل البيع لتعذر انفساخه لأن الشفعة بناء عليه ولكنه تتحول الصفقة إليه ويصير كأنه هو المشتري منه فلهذا يرجع بالعهدة على البائع بخلاف ما إذا قبضه المشتري فأخذه من يده حيث تكون العهدة عليه لأنه تم ملكه بالقبض وفي الوجه الأول امتنع قبض المشتري وأنه يوجب الفسخ وقد طولنا الكلام فيه في كفاية المنتهى بتوفيق الله تعالى قال ومن اشترى دارا لغيره فهو الخصم للشفيع لأنه هو العاقد والأخذ بالشفعة من حقوق العقد فيتوجه عليه قال إلا أن يسلمها إلى الموكل لأنه لم يبق له يد ولا ملك فيكون الخصم هو الموكل وهذا لأن الوكيل كالبائع من الموكل على ما عرف فتسليمه إليه كتسليم البائع إلى المشتري فتصير الخصومة معه إلا أنه مع ذلك قائم مقام الموكل فيكتفى بحضوره في الخصومة قبل التسليم وكذا إذاكان البائع وكيل الغائب فللشفيع أن يأخذها منه إذا كانت في يده لأنه عاقد وكذا إذا كان البائع وصيا لميت فيما يجوز بيعه لما ذكرنا قال وإذا قضى القاضي للشفيع بالدار ولم يكن رآها فله خيار الرؤية وإن وجد بها عيبا فله أن يردها وإن كان المشتري شرط البراءة منه لأن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء ألا يرى أنه مبادلة المال بالمال فيثبت فيه الخياران كما في الشراء ولا يسقط بشرط البراءة من المشتري ولا برؤيته لأنه ليس بنائب عنه فلا يملك إسقاطه والله سبحانة وتعالى أعلم فصل في الاختلاف قال وإن اختلف الشفيع والمشتري في الثمن فالقول قول المشتري لأن الشفيع يدعي استحقاق الدار عليه عند نقد الأقل وهو ينكر والقول قول المنكر مع يمينه ولا يتحالفان لأن الشفيع إن كان يدعي عليه استحقاق الدار فالمشتري لا يدعي عليه شيئا لتخيره بين الترك والأخذ ولا نص ههنا فلا يتحالفان قال ولو أقاما البينة فالبينة للشفيع عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله البينة بينة المشتري لأنها أكثر إثباتا فصار كبينة البائع والوكيل والمشتري من العدو ولهما أنه لا تنافي بينهما فيجعل كأن الموجود بيعان وللشفيع أن يأخذ بأيهما شاء وهذا بخلاف البائع مع المشتري لأنه لا يتوالى بينهما عقدان إلا بانفساخ الأول وههنا الفسخ لا يظهر في حق الشفيع وهو التخريج لبينة الوكيل لأنه كالبائع والموكل كالمشتري منه كيف وأنها ممنوعة على ما روي عن محمد رحمه الله وأما المشتري من العدو فقلنا ذكر في السير الكبير أن البينة بينة المالك القديم قلنا أن تمنع وبعد التسليم نقول لا يصح الثاني هنالك إلا بفسخ الأول أما ههنا فبخلافه ولأن بينة الشفيع ملزمة وبينة المشتري غير ملزمة والبينات للإلزام قال وإذا ادعى المشتري ثمنا وادعى البائع أقل منه ولم يقبض الثمن أخذها الشفيع بما قاله البائع وكان ذلك حطا عن المشتري وهذا لأن الأمر إن كان على ما قال البائع فقد وجبت الشفعة به وإن كان على ما قال المشتري فقد حط البائع بعض الثمن وهذا الحط يظهر في حق الشفيع على ما نبين إن شاء الله تعالى ولأن التملك على البائع بإيجابه فكان القول قوله في مقدار الثمن ما بقيت مطالبته فيأخذ الشفيع بقوله
قال ولو ادعى البائع الأكثر يتحالفان ويترادان وأيهما نكل ظهر أن الثمن ما يقوله الآخر فيأخذها الشفيه بذلك وإن حلفا يفسخ القاضي البيع على ما عرف ويأخذها الشفيع بقول البائع لأن فسخ البيع لا يوجب بطلان حق الشفيع قال وإن كان قبض الثمن أخذ بما قال المشتري إن شاء ولم يلتفت إلى قول البائع لأنه لما استوفى الثمن انتهى حكم العقد وخرج هو من البين وصار هو كالأجنبي وبقي الاختلاف بين المشتري والشفيع وقد بيناه ولو كان نقد الثمن غير ظاهر فقال البائع بعت الدار بألف وقبضت الثمن يأخذها الشفيع بألف لأنه لما بدأ بالإقرار بالبيع تعلقت الشفعة به فبقوله بعد ذلك قبضت الثمن يريد إسقاط حق الشفيع فيرد عليه ولو قال قبضت الثمن وهو ألف لم يلتفت إلى قوله لأن بالأول وهو الإقرار يقبض الثمن خرج من البين وسقط اعتبار قوله في مقدار الثمن فصل فيما يؤخذ به المشفوع قال وإذا حط البائع عن المشتري بعض الثمن يسقط ذلك عن الشفيع وإن حط جميع الثمن لم يسقط عن الشفيع لأن حط البعض يلتحق بأصل العقد فيظهر في حق الشفيع لأن الثمن ما بقي وكذا إذا حط بعد ما أخذها الشفيع بالثمن يحط عن الشفيع حتى يرجع عليه بذلك القدر بخلاف حط الكل لأنه لا يلتحق بأصل العقد بحال وقد بيناه في البيوع وإن زاد المشتري للبائع لم تلزم الزيادة في حق الشفيع لأن في اعتبار الزيادة ضررا بالشفيع لاستحقاقه الأخذ بما دونها بخلاف الحط لأن فيه منعفعة له ونطير الزيادة إذا جدد العقد بأكثر من الثمن الأول لم يلزم الشفيع حتى كان له أن يأخذها بالثمن الأول بما بينا كذا هذا قال ومن اشترى دارا بعرض أخذها الشفيع بقيمته لأنه من ذوات القيم وإن اشتراها بمكيل أو موزون أخذها بمثله لأنهما من ذوات الأمثال وهذا لأن الشرع أثبت للشفيع ولاية التملك على المشتري بمثل ما تملكه فيراعى بالقدر الممكن كما في الإتلاف العددي المتقارب من ذوات الأمثال وإن باع عقارا بعقار أخذ الشفيع كل واحد منهما بقيمة الآخر لأنه بدله وهو من ذوات القيم فيأخذه بقيمته قال وإذا باع بثمن مؤجل فللشفيع الخيار إن شاء أخذها بثمن حال وإن شاء صبر حتى ينقضي الأجل ثم يأخذها وليس له أن يأخذها في الحال بثمن مؤجل وقال زفر رحمه الله له ذلك وهو قول الشافعي في القديم لأن كونه مؤجلا وصف في الثمن كالزيادة والأخذ بالشفعة به فيأخذ بأصله ووصفه كما في الزيوف ولنا أن الأجل إنما يثبت بالشرط ولا شرط فيما بين الشفيع والبائع أو المبتاع وليس الرضا به في حق المشتري رضا به في حق الشفيع لتفاوت الناس في الملاءة وليس الأجل وصف الثمن لأنه حق المشتري ولو كان وصفا له لتبعه فيكون حقا للبائع كالثمن وصار كما إذا اشترى شيئا بثمن مؤجل ثم ولاه غيره لا يثبت الأجل إلا بالذكر كذا هذا ثم إن أخذها بثمن حال من البائع سقط الثمن عن المشتري لما بينا من قبل وإن أخذها من المشتري رجع البائع على المشتري بثمن مؤجل كما كان لأن الشرط الذي جرى بينهما لم يبطل بأخذ الشفيع فبقي موجبه فصار كما إذا باعه بثمن حال وقد اشتراه مؤجلا وإن اختار الانتظار له ذلك لأن له أن لا يلتزم زيادة الضرر من حيث النقدية وقوله في الكتاب وإن شاء صبر حتى ينقضي الأجل مراده الصبر عن الأخذ أما الطلب عليه في الحال حتى لو سكت عنه بطلت شفعته عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله خلافا لقول أبي يوسف الآخر لأن حق الشفعة إنما يثبت بالبيع والأخذ يتراخى عن الطلب وهو متمكن من الأخذ في الحال بأن يؤدى الثمن حالا فيشترط الطلب عن العلم بالبيع قال وإذا اشترى ذمي بخمر أو خنزير دارا وشفيعها ذمي أخذها بمثل الخمر وقيمة الخنزير لأن هذا البيع مقضي بالصحة فيما بينهم وحق الشفعة يعم المسلم والذمي والخمر لهم كالخل لنا والخنزير كالشاة فيأخذ في الأول بالمثل والثاني بالقيمة
قال وإن كان شفيعها مسلما أخذها بقيمة الخمر والخنزير أما الخنزير فظاهر وكذا الخمر لامتناع التسليم والتسلم في حق المسلم فالتحق بغير المثلى وإن كان شفيعها مسلما وذميا أخذ المسلم نصفها بنصف قيمة الخمر والذمي نصفها بنصف مثل الخمر اعتبارا للبعض بالكل فلو أسلم الذمي أخذها بنصف قيمة الخمر لعجزه عن تمليك الخمر وبالإسلام يتأكد حقه لا أن يبطل فصار كما إذا اشتراها بكر من رطب فحضر الشفيع بعد انقطاعه يأخذها بقيمة الرطب كذا هذا فصل قال وإذا بنى المشتري فيها أو غرس ثم قضى للشفيع بالشفعة فهو بالخيار إن شاء أخذها بالثمن وقيمة البناء والغرس وإن شاء كلف المشتري قلعه وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يكلف القلع ويخير بين أن يأخذ بالثمن وقيمة البناء والغرس وبين أن يترك وبه قال الشافعي رحمه الله إلا أن عنده له أن يقلع ويعطى قيمة البناء لأبي يوسف رحمه الله أنه محق في البناء لأنه بناه على أن الدار ملكه والتكليف بالقلع من أحكاك العدوان وصار كالموهوب له والمشتري شراء فاسدا وكما إذا زرع المشتري فإنه لا يكلف القلع وهذا لأن في إيجاب الأخذ بالقيمة دفع أعلى الضررين بتحمل الأدنى فيصار إليه ووجه طاهر الرواية أنه بنى في محل تعلق به حق متأكد للغير من غير تسليط من جهة من له الحق فينقض كالراهن إذا بنى في المرهون وهذا لأن حقه أقوى من حق المشتري لأنه يتقدم عليه ولهذا ينقض بيعه وهبته وغيره من تصرفاته بخلاف الهبة والشراء الفاسد عند أبي حنيفة رحمه الله لأنه حصل بتسليط من جهة من له الحق ولأن حق الاسترداد فيهما ضعيف ولهذا لا يبقى بعد البناء وهذا الحق يبقى فلا معنى لإيجاب القيمة كما في الاستحقاق والزرع يقلع قياسا وإنما لا يقلع استحسانا لأن له نهاية معلومة ويبقى بالأجر وليس فيه كثير ضرر وإن أخذه بالقيمة يعتبر قيمته مقلوعا كما بيناه في الغصب ولو أخذها الشفيع فبنى فيها أو غرس ثم استحقت رجع بالثمن لأنه تبين أنه أخذه بغير حق ولا يرجع بقيمة البناء والغرس لا على البائع إن أخذها منه ولا على المشتري إن أخذها منه وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يرجع لأنه متملك عليه فنزلا منزلة البائع والمشتري والفرق على ما هو المشهور أن المشتري مغرور من جهة البائع ومسلط عليه من جهته ولا غرور ولا تسليط في حق الشفيع لأنه مجبور عليه قال وإذا انهدمت الدار أو احترق بناؤها أو جف شجر البستان بغير فعل أحد فالشفيع بالخيار إن شاء أخذها بجميع الثمن لأن البناء والغرس تابع حتى دخلا في البيع من غير ذكر فلا يقابلهما شيء من الثمن مالم يصر مقصودا ولهذا جاز بيعها مرابحة بكل الثمن في هذه الصورة بخلاف ما إذا غرق نصف الأرض حيث يأخذ الباقي بحصته لأن الفائت بعض الأصل قال وإن شاء ترك لأن له أن يمتنع عن تملك الدار بماله قال وإن نقض المشتري البناء قيل للشفيع إن شئت فخذ العرصة بحصتها وإن شئت فدع لأنه صار مقصودا بالإتلاف فيقابله شيءمن الثمن بخلاف الأول لأن الهلاك بآفة سماوية وليس للشفيع أن يأخذ النقض لأنه صار مفصولا فلم يبق تبعا قال ومن ابتاع أرضا وعلى نخلها تمر أخذها الشفيع بثمرها ومعناه إذا ذكر الثمر في البيع لأنه لا يدخل من غير ذكر وهذا الذي ذكره استحسان وفي القياس لا يأخذه لأنه ليس بتبع ألا ترى أنه لا يدخل في البيع من غير ذكر فأشبه المتاع في الدار وجه لاستحسان أنه باعتبار الاتصال صار تبعا للعقار كالبناء في الدار وما كان مركبا فيه فيأخذه الشفيع قال وكذلك إن ابتاعها وليس في النخيل ثمرة فأثمر في يد المشتري يعني يأخذه الشفيع لأنه مبيع تبعا لأن البيع سرى إليه على ما عرف في ولد المبيع قال فإن جده المشتري ثم جاء الشفيع لا يأخذ الثمر في الفصلين جميعا لأنه لم يبق تبعا للعقار وقت الأخذ حيث صار مفصولا عنه فلا يأخذه
قال في الكتاب وإن جده المشتري سقط عن الشفيع حصته قال رضي الله عنه وهذا جواب الفصل الأول لأنه دخل في البيع مقصودا فيقابله شيء من الثمن أما في الفصل الثاني يأخذ ما سوى الثمر بجميع الثمن لأن الثمر لم يكن موجودا عند العقد فلا يكون مبيعا إلا تبعا فلا يقابله شيء من الثمن والله أعلم 2 باب ما تجب فيه الشفعة ومالا تجب 2 قال الشفعة واجبة في العقار وإن كان مما لا يقسم وقال الشافعي رحمه الله لا شفعة فيما لا يقسم لأن الشفعة إنما وجبت دفعا لمؤنة القسمة وهذا لا يتحقق فيما لا يقسم ولنا قوله عليه الصلاة والسلام الشفعة في كل شيء عقار أو ربع إلى غير ذلك من العمومات ولأن الشفعة سببها الاتصال في الملك والحكمة دفع ضرر سوء الجوار على مامر وأنه ينتظم القسمين ما يقسم ومالا يقسم وهو الحمام والرحا والبئر والطريق قال ولا شفعة في العروض والسفن لقوله عليه الصلاة والسلام لا شفعة إلا في ربع أو حائط وهو حجة على مالك رحمه الله في إيجابها في السفن ولأن الشفعة إنما وجبت لدفع ضرر سوء الجوار على الدوام والملك في المنقول لا يدوم حسب دوامه في العقار فلا يلحق به وفي بعض نسخ المختصر ولا شفعة في البناء والنخل إذا بيعت دون العرصة وهو صحيح مذكور في الأصل لأنه لا قرار له فكان نقليا وهذا بخلاف العلو حيث يستحق بالشفعة ويستحق به الشفعة في السفل إذا لم يكن طريق العلو فيه لأنه بماله من حق القرار التحق بالعقار قال والمسلم والذمي في الشفعة سواء للعمومات ولأنهما يستويان في السبب والحكمة فيستويان في الاستحقاق ولهذا يستوي فيه الذكر والأنثى والصغير والكبير والباغي والعادل والحر والعبد إذا كان مأذونا أو مكاتبا قال وإذا ملك العقار بعوض هو مال وجبت فيه الشفعة لأنه أمكن مراعاة شرط الشرع فيه وهو التملك بمثل ما تملك به المشتري صورة أو قيمة على مامر قال ولا شفعة في الدار التي يتزوج الرجل عليها أو يخالع المرأة بها أو يستأجر بها دارا أو غيرها أو يصالح بها عن دم عمد أو يعتق عليها عبدا لأن الشفعة عندنا إنما تجب في مبادلة المال بالمال لما بينا وهذه الأعواض ليست بأموال فإيجاب الشفعة فيها خلاف المشروع وقلب الموضوع وعند الشافعي رحمه الله تجب فيها الشفعة لأن هذه الأعواض متقومة عنده فأمكن الأخذ بقيمتها إن تعذر بمثلها كما في البيع بالعوض يخلاف الهبة لأنه لا عوض فيها رأسا وقوله يتأتى فيما إذا جعل شقصا من دار مهرا أو ما يضاهيه لأنه لا شفعة عنده إلا فيه ونحن نقول إن تقوم منافع البضع في النكاح وغيرها بعقد الإجارة ضروري فلا يظهر في حق الشفعة وكذا الدم والعتق غير متقوم لأن القيمة ما يقوم مقام غيره في المعنى الخاص المطلوب ولا يتحقق فيهما وعلى هذا إذا تزوجها بغير مهر ثم فرض لها الدار مهرا لأنه بمنزلة المفروض في العقد في كونه مقابلا بالبضع بخلاف ما إذا باعها بمهر المثل أو بالمسمى لأنه مبادلة مال بمال ولو تزوجها على دار على أن ترد عليه ألفا فلا شفعة في جميع الدار عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا تجب في حصة الألف لأنه مبادلة مالية في حقه وهو يقول معنى البيع فيه تابع ولهذا ينعقد بلفظ النكاح ولا يفسد بشرط النكاح فيه ولا شفعة في الأصل فكذا في التبع ولأن الشفعة شرعت في المبادلة المالية المقصودة حتى أن المضارب إذا باع دارا وفيها ربح لا تستحق رب المال الشفعة في حصة الربح لكونه تابعا فيه
قال أو يصالح عليها بإنكار فإن صالح عليها بإقرار وجبت الشفعة قال رضي الله عنه هكذا ذكر في أكثر نسخ المختصر والصحيح أو يصالح عنها بإنكار مكان قوله أو يصالح عليها لأنه إذا صالح عنها بإنكار بقي الدار في يده فهو يزعم أنها لم تزل عن ملكه وكذا إذا صالح عنها بسكوت لأنه يحتمل أنه بذل المال افتداء ليمينه وقطعا لشغب خصمه كما إذا أنكر صريحا بخلاف ما إذا صالح عنها بإقرار لأنه معترف بالملك للمدعي وإنما استفاده بالصلح فكان مبادلة مالية أما إذا صالح عليها بإقرار أو سكوت أو إنكار وجبت الشفعة في جميع ذلك لأنه أخذها عوضا عن حقه في زعمه إذا لم يكن من جنسه فيعامل بزعمه قال ولا شفعة في هبة لما ذكرنا إلا أن تكون بعوض مشروط لأنه بيع انتهاء ولا بد من القبض وأن لا يكون الموهوب ولا عوضه شائعا لأنه هبة ابتداء وقد قررناه في كتاب الهبة بخلاف ما إذا لم يكن العوض مشروطا في العقد لأن كل واحد منهما هبة مطلقة إلا أنه أثيب منها فامتنع الرجوع قال ومن باع بشرط الخيار فلا شفعة للشفيع لأنه يمنع زوال الملك عن البائع فإن أسقط الخيار وجبت الشفعة لأنه زال المانع عن الزوال ويشترط الطلب عند سقوط الخيار في الصحيح لأن البيع يصير سببا لزوال الملك عند ذلك قال وإن اشترى بشرط الخيار وجبت الشفعة لأنه لا يمنع زوال الملك عن البائع بالاتفاق والشفعة تبتنى عليه على ما مر وإذا أخذها في الثلث وجب البيع لعجز المشتري عن الرد ولا خيار للشفيع لأنه يثبت بالشرط وهو للمشتري دون الشفيع وإن بيعت دار إلى جنبها والخيار لأحدهما فله الأخذ بالشفعة أما للبائع فظاهر لبقاء ملكه في التي يشفع بها وكذا إذا كان للمشتري وفيه إشكال أوضحناه في البيوع فلا نعيده وإذا أخذها كان إجازة منه للبيع بخلاف ما إذا اشتراها ولم يرها حيث لا يبطل خياره بأخذ ما بيع بجنبها بالشفعة لأن خيار الرؤية لا يبطل بصريح الإبطال فكيف بدلالته ثم إذا حضر شفيع الدار الأولى له أن يأخذها دون الثانية لانعدام ملكه في الأولى حين بيعت الثانية قال ومن ابتاع دارا شراء فاسدا فلا شفعة فيها أما قبل القبض فلعدم زوال ملك البائع وبعد القبض لاحتمال الفسخ وحق الفسح ثابت بالشرع لدفع الفساد وفي إثبات حق الشفعة تقرير الفساد فلا يجوز بخلاف ما إذا كان الخيار للمشتري في البيع الصحيح لأنه صار أخص به تصرفا وفي البيع الفاسد ممنوع عنه قال فإن سقط حق الفسخ وجبت الشفعة لزوال المانع وإن بيعت دار بجنبها وهي في يد البائع بعد فله الشفعة لبقاء ملكه وإن سلمها إلى المشتري فهو شفيعها لأن الملك له ثم إن سلم البائع قبل الحكم بالشفعة له بطلت شفعته كما إذا باع بخلاف ما إذا سلم بعده لأن بقاء ملكه في الدار التي يشفع بها بعد الحكم بالشفعة ليس بشرط فبقيت المأخوذة بالشفعة على ملكه وإن استردها البائع من المشتري قبل الحكم بالشفعة له بطلت لانقطاع ملكه عن ا لتي يشفع بها قبل الحكم بالشفعة وإن استردها بعد الحكم بقيت الثانية على ملكه لما بينا قال وإذا اقتسم الشركاء العقار فلا شفعة لجارهم بالقسمة لأن القسمة فيها معنى الإفراز ولهذا يجري فيها الجبر والشفعة ما شرعت إلا في المبادلة المطلقة قال وإذا اشترى دارا فسلم الشفيع الشفعة ثم ردها المشتري بخيار رؤية أو شرط أو بعيب بقضاء قاض فلا شفعة للشفيع لأنه فسخ من كل وجه فعاد إلى قديم ملكه والشفعة في إنشاء العقد ولا فرق في هذا بين القبض وعدمه
قال وإن ردها بعيب بغير قضاء أو تقايلا البيع فللشفيع الشفعة لأنه فسخ في حقهما لولايتهما على انفسهما وقد قصدا الفسخ وهو بيع جديد في حق ثالث لوجود حد البيع وهو مبادلة المال بالمال بالتراضي والشفيع ثالث ومراده الرد بالعيب بعد القبض لأن قبله فسخ من الأصل وإن كان بغير قضاء على ما عرف وفي الجامع الصغير ولا شفعة في قسمة ولا خيار رؤية وهو بكسر الراء ومعناه لا شفعة بسبب الرد بخيار الرؤية لما بيناه ولا تصح الرواية بالفتح عطفا على الشفعة لأن الرواية محفوظة في كتاب القسمة أنه يثبت في القسمة خيار الرؤية وخيار الشرط لأنهما يثبتان لخلل في الرضا فيما يتعلق لزومه بالرضا وهذا المعنى موجود في القسمة والله سبحانه وتعالى أعلم 2 باب ما يبطل به الشفعة 2 قال وإذا ترك الشفيع الإشهاد حين علم بالبيع وهو يقدر على ذلك بطلت شفعته لإعراضه عن الطلب وهذا لأن الإعراض إنما يتحقق حالة الاختيار وهي عند القدرة قال وكذلك إن أشهد في المجلس ولم يشهد على أحد المتبايعين ولا عند العقار وقد أوضحناه فيما تقدم قال وإن صالح من شفعته على عوض بطلت شفعته ورد العوض لأن حق الشفعة ليس بحق منظور بل هو مجرد حق التملك فلا يصح الاعتياض عنه ولا يتعلق إسقاطه بالجائز من الشرط فبالفاسد أولى فيبطل الشرط ويصح الإسقاط وكذا لو باع شفعته بمال لما بينا بخلاف القصاص لأنه حق متقرر وبخلاف الطلاق والعتاق لأنه اعتياض عن ملك في المحل ونظيره إذا قال للمخيرة اختاريني بألف أو قال العنين لامرأته اختاري ترك الفسخ بألف فاختارت سقط الخيار ولا يثبت العوض والكفالة بالنفس في هذا بمنزلة الشفعة في رواية وفي أخرى لا تبطل الكفالة ولا يجب المال وقيل هذه رواية في الشفعة وقيل هي في الكفالة خاصة وقد عرف في موضعه قال وإذا مات الشفيع بطلت شفعته وقال الشافعي رحمه الله تورث عنه قال رضي الله عنه معناه إذا مات بعد البيع قبل القضاء بالشفعة أما إذا مات بعد قضاء القاضي قبل نقد الثمن وقبضه فالبيع لازم لورثته وهذا نظير الاختلاف في خيار الشرط وقد مر في البيوع ولأنه بالموت يزول ملكه عن داره ويثبت الملك للوارث بعد البيع وقيامه وقت البيع وبقاؤه للشفيع إلى وقت القضاء شرط فلا يستوجب الشفعة بدونه وإن مات المشترى لم تبطل لأن المستحق باق ولم يتغير سبب حقه ولا يباع في دين المشتري ووصيته ولو باعه القاضي أو الوصي أو أوصى المشتري فيها بوصية فللشفيع أن يبطله ويأخذ الدار لتقدم حقه ولهذا ينقض تصرفه في حياته قال وإذا باع الشفيع ما يشفع به قبل أن يقضي له بالشفعة بطلت شفعته لزوال سبب الاستحقاق قبل التملك وهو الاتصال بملكه ولهذا يزول به وإن لم يعلم بشراء المشفوعة كما إذا سلم صريحا أو إبراء عن الدين وهو لا يعلم به وهذا بخلاف ماله إذا باع الشفيع داره بشرط الخيار له لأنه يمنع الزوال فبقي الاتصال قال ووكيل البائع إذا باع وهو الشفيع فلا شفعة له ووكيل المشتري إذا ابتاع فله الشفعة والأصل أن من باع أو بيع له شفعة له ومن اشترى أو ابتيع له فله الشفعة لأن الأول يأخذ المشفوعة يسعى في نقض ما تم من جهته وهو البيع والمشتري لا ينقض شراؤه بالأخذ بالشفعة لأنه مثل الشراء وكذلك لو ضمن الدرك عن البائع وهو الشفيع فلا شفعة له وكذلك إذا باع وشرط الخيار لغيره فأمضى المشروط له الخيار البيع وهو الشفيع فلا شفعة له لأن البيع تم بإمضائه بخلاف جانب المشروط له الخيار من جانب المشتري
قال وإذا بلغ الشفيع أنها بيعت بألف درهم فسلم ثم علم أنها بيعت بأقل أو بحنطة أو شعير قيمتها ألف أو أكثر فتسليمه باطل وله الشفعة لأنه إنما سلم لاستنكار الثمن في الأول ولتعذر الجنس الذي بلغه وليسر ما بيع به في الثاني إذ الجنس مختلف وكذا كل مكيل أو موزون أو عددي متقارب بخلاف ما إذا علم أنها بيعت بعرض قيمته ألف أو أكثر لأن الواجب فيه القيمة وهي دراهم أو دنانير وإن بان أنها بيعت بدنانير قيمتها ألف فلا شفعة له وكذا إذا كانت أكثر وقال زفر رحمه الله له الشفعة لاختلاف الجنس ولنا أن الجنس متحد في حق الثمنية قال وإذا قيل له إن المشتري فلان فسلم الشفعة ثم علم أنه غيره فله الشفعة لتفاوت الجوار ولو علم أن المشتري هو مع غيره فله أن ياخذ نصيب غيره لأن التسليم لم يوجد في حقه ولو بلغه شراء النصف فسلم ثم ظهر شراء الجميع فله الشفعة لأن التسليم لضرر الشركة ولا شركة وفي عكسه لا شفعة في ظاهر الرواية لأن التسليم في الكل تسليم في أبعاضه والله أعلم فصل قال وإذا باع دارا إلا مقدار ذراع منها في طول الحد الذي يلي الشفيع فلا شفعة له لانقطاع الجوار وهذه حيلة وكذاإذا وهب منه هذا المقدار وسلمه إليه لما بينا قال وإذا ابتاع منها سهما بثمن ثم ابتاع بقيتها فالشفعة للجار في السهم الأول دون الثاني لأن الشفيه جار فيهما إلا أن المشتري في الثاني شريك فيتقدم عليه فإن أراد الحيلة ابتاع السهم بالثمن إلا درهما مثلا والباقي بالباقي وإن ابتاعها بثمن ثم دفع إليه ثوبا عوضا عنه فالشفعة بالثمن دون الثوب لأنه عقد آخر والثمن هو العوض عن الدار قال رضي الله عنه وهذه حيلة أخرى تعم الجوار والشركة فيباع بأضعاف قيمته ويعطى بها ثوب بقدر قيمته إلا أنه لو استحقت المشفوعة يبقى كل الثمن على مشتري الثوب لقيام البيع الثاني فيتضرر به والأوجه أن يباع بالدراهم الثمن دينار حتى إذا استحق المشفوع يبطل الصرف فيجب رد الدينار لا غير قال ولا تكره الحيلة في إسقاط الشفيع عند أبي يوسف رحمه الله وتكره عند محمد رحمه الله لأن الشفعة إنما وجبت لدفع الضرر ولو أبحنا الحيلة ما دفعناه ولأبي يوسف أنه منع عن إثبات الحق فلا يعد ضررا وعلى هذا الخلاف الحيلة في إسقاط الزكاة مسائل متفرقة قال وإذا اشترى خمسة نفر دارا من رجل فللشفيع أن يأخذ نصيب أحدهم وإن اشتراها رجل من خمسة أخذها كلها أو تركها والفرق أن في الوجه الثاني يأخذ البعض لتفرق الصفقة على المشتري فيتضرر به زيادة الضرر وفي الوجه الأول يقوم الشفيع مقام أحدهم فلا تتفرق الصفقة ولا فرق في هذا بين ما إذا كان قبل القبض أو بعده هو الصحيح إلا أن قبل القبض لا يمكنه أخذ نصيب أحدهم إذا نقد ما عليه مالم ينقد الآخر خصمه كيلا يؤدي إلى تفريق اليد على البائع بمنزلة أحد المشترين بخلاف ما بعد القبض لأنه سقطت يد البائع وسواء سمى لكل بعض ثمنا أو كان الثمن جملة لأن العبرة في هذا لتفريق الصفقة لا للثمن وههنا تفريعات ذكرناها في كفاية المنتهى
قال ومن اشترى نصف دار غير مقسوم فقاسمه البائع أخذ الشفيع النصف الذي صار للمشتري أو يدع لأن القسمة من تمام القبض لما فيه من تكميل الانتفاع ولهذا يتم القبض بالقسمة في الهبة والشفيع لا ينقض القبض وإن كان له نفع فيه بعود العهدة على البائع فكذا لا ينقض ما هو من تمامه بخلاف ما إذا باع أحد الشريكين نصيبه من الدار المشتركة وقاسم المشتري الذي لم يبع حيث يكون للشفيع نقضه لأن العقد ما وقع مع الذي قاسم فلم تكن القسمة من تمام القبض الذي هو حكم العقد بل هو تصرف بحكم الملك فينقضه الشفيع كما ينقض بيعه وهبته ثم إطلاق الجواب في الكتاب يدل على أن الشفيع يأخذ النصف الذي صار للمشتري في أي جانب كان وهو المروي عن أبي يوسف رحمه الله لأن المشتري لا يملك إبطال حقه بالقسمة وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه إنما يأخذه إذا وقع في جانب الدار التي يشفع بها لأنه لا يبقى جارا فيما يقع في الجانب الآخر قال ومن باع دارا وله عبد مأذون عليه دين فله الشفعة وكذا إذا كان العبد هو البائع فلمولاه الشفعة لأن الأخذ بالشفعة تملك بالثمن فينزل منزلة الشراء وهذا لأنه مفيد لأنه يتصرف للغرماء بخلاف ما أذا لم يكن عليهم دين لأنه يبيعه لمولاه ولا شفعة لمن يبيع له قال وتسليم الأب والوصي الشفعة على الصغير جائز عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد وزفر رحمهما الله هو على شفعته إذا بلغ قالوا وعلى هذا الخلاف إذا بلغهما شراء دار بجوار دار الصبي فلم يطلبا الشفعة وعلى هذا الخلاف تسليم الوكيل بطلب الشفعة في رواية كتاب الوكالة وهو الصحيح لمحمد وزفر أنه حق ثابت للصغير فلا يملكان إبطاله كديته وقوده ولأنه شرع لدفع الضرر فكان إبطاله إضرارا به ولهما أنه في معنى التجارة فيملكان تركه ألا ترى أن من أوجب بيعا للصبي صح رده من الأب والوصي ولأنه دائر بين النفع والضرر وقد يكون النظر في تركه ليبقى الثمن على ملكه والولاية نظرية فيملكانه وسكوتهما كإبطالهما لكونه دليل الإعراض وهذا إذا بيعت بمثل قيمتها فإن بيعت بأكثر من قيمتها بما لا يتغابن الناس فيه قيل جاز التسليم بالإجماع لأنه تمحض نظرا وقيل لا يصح بالاتفاق لأنه لا يملك الأخذ فلا يملك التسليم كالأجنبي وإن بيعت بأقل من قيمتها محاباة كثيرة فعن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يصح التسليم منهما أيضا ولا رواية عن أبي يوسف رحمه الله والله أعلم 1 كتاب القسمة 1 القسمة في الأعيان المشتركة مشروعة لأن النبي عليه الصلاة والسلام باشرها في المغانم والمواريث وجرى التوارث بها من غير نكير ثم هي لا تعرى عن معنى المبادلة لأن ما يجتمع لأحدهما بعضه كان له وبعضه كان لصاحبه فهو يأخذه عوضا عما بقي من حقه في نصيب صاحبه فكان مبادلة وإفرازا والإفراز هو الظاهر في المكيلات والموزونات لعدم التفاوت حتى كان لأحدهما أن يأخذ نصيبه حال غيبة صاحبه ولو اشترياه فاقتسماه ببيع أحدهما نصيبه مرابحة بنصف الثمن ومعنى المبادلة هو الظاهر في الحيوانات والعروض للتفاوت حتى لا يكون لأحدهما أخذ نصيبه عند غيبة الآخر ولو اشترياه فاقتسماه لا يبيع أحدهما نصيبه مرابحة بعد القسمة إلا أنها إذا كانت من جنس واحد أجبر القاضي على القسمة عند طلب أحد الشركاء لأن فيه معنى الإفراز لتقارب المقاصد والمبادلة مما يجري فيه الجبر كما في قضاء الدين وهذا لأن احدهم يطلب القسمة يسأل القاضي أن يخصه بالانتفاع بنصيبه ويمنع الغير عن الانتفاع بملكه فيجب على القاضي إجابته وإن كانت أجناسا مختلفة لا يجبر القاضي على قسمتها لتعذر المعادلة باعتبار فاحش التفاوت في المقاصد ولو تراضوا عليها جاز لأن الحق لهم
قال وينبغي للقاضي ان ينصب قاسما يرزقه من بين المال ليقسم بين الناس بغير أجر لأن القسمة من جنس عمل القضاء من حيث إنه يتم به قطع المنازعة فأشبه رزق القاضي ولأن منفعة نصب القاسم تعم العامة فتكون كفايته في مالهم غرما بالغنم قال فإن لم يفعل نصب قاسما يقسم بالأجر معناه بأجر على المتقاسمين لأن النفع لهم على الخصوص ويقدر أجر مثله كيلا يتحكم بالزيادة والأفضل أن يرزقه من بيت المال لأنه أرفق بالناس وأبعد عن التهمة ويجب أن يكون عدلا مأمونا عالما بالقسمة لأنه من جنس عمل القضاء ولأنه لا بد من القدرة وهي بالعلم ومن الاعتماد على قوله وهو بالأمانة ولا يجبر القاضي الناس على قاسم واحد معناه لا يجبرهم على أن يستأجروه لأنه لا جبر على العقود ولأنه لو تعين لتحكم بالزيادة على أجرمثله ولو اصطلحوا فاقتسموا جاز إلا إذا كان فيهم صغير فيحتاج إلى أمر القاضي لأنه لا ولاية لهم عليه قال ولا يترك القسام يشتركون كيلا تصير الأجرة غالية بتواكلهم وعند عدم الشركة يتبادر كل منهم إليه خيفة الفوت فيرخص الآجر قال وأجرة القسمة على عدد الرؤوس عند أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله على قدر الأنصباء لأنه مؤونة الملك فيتقدر بقدره كأجرة الكيال والوزان وحفر البئر المشتركة ونفقة المملوك المشترك ولأبي حنيفة رحمه الله أن الأجر مقابل بالتمييز وأنه لا يتفاوت وربما يصعب الحساب بالنظر إلى القليل وقد ينعكس الأمر فينعذر اعتباره فيتعلق الحكم بأصل التمييز بخلاف حفر البئر لأن الأجر مقابل بنقل التراب وهو يتفاوت والكيل والوزن إن كان للقسمة قيل هو على الخلاف وإن لم يكن للقسمة فالأجر مقابل بعمل الكيل والوزن وهو يتفاوت وهو العذر لو أطلق ولا يفصل وعنه أنه على الطالب دون الممتنع لنفعه ومضرة الممتنع قال وإذا حضر الشركاء عند القاضي وفي أيديهم دار أو ضيعة وادعوا أنهم ورثوها من فلان لم يقسمها القاضي عند أبي حنيفة رحمه الله حتى يقيموا البينة على موته وعدد ورثته وقال صاحباه يقسمها باعترافهم ويذكر في كتاب القسمة أنه قسمها بقولهم وإن كان المال المشترك ما سوى العقار وادعوا أنه ميراث قسمه في قولهم جميعا ولو ادعوا في العقار أنهم اشتروه قسمه بينهم لهما أن اليد دليل الملك والإقرار أمارة الصدق ولا منازع لهم فيقسمه بينهم كما في المنقول الموروث والعقار المشترى وهذا لأنه لا منكر ولا بينة إلا على المنكر فلا يفيد إلا أنه يذكر في كتاب القسمة أنه قسمها بإقرارهم ليقتصر عليهم ولا يتعداهم وله أن القسمة قضاء على الميت إذ التركة مبقاة على قبل القسمة حتى لو حدثت الزيادة قبلها تنفذ وصاياه فيها وتقضى ديونه منها بخلاف ما بعد القسمة وإذا كانت قضاء على الميت فالإقرار ليس بحجة عليه فلا بد من البينة وهو مفيد لأن بعض الورثة ينتصب خصما عن المورث ولا يمتنع ذلك بإقراره كما في الوارث أو الوصي المقر بالدين فإنه يقبل البينة عليه مع إقراره بخلاف المنقول لأن في القسمة نظرا للحاجة إلى الحفظ أما العقار فمحصن بنفسه ولأن المنقول مضمون على من وقع في يده ولا كذلك العقار عنده وبخلاف المشتري لأن المبيع لايبقى على ملك البائع وإن لم يقسم فلم تكن القسمة قضاء على الغير قال وإن ادعوا الملك ولم يذكروا كيف انتقل إليهم قسمه بينهم لأنه ليس في القسمة قضاء على الغير فإنهم ما أقروا بالملك لغيرهم قال رضي الله عنه هذه رواية كتاب القسمة وفي الجامع الصغير أرض ادعاها رجلان وأقاما البينة أنها في أيديهما وأراد القسمة لم يقسمها حتى يقيم البينة أنها لهما لاحتمال أن يكون لغيرهما ثم قيل هو قول أبي حنيفة خاصة وقيل قول الكل وهو الأصح لأن قسمة الحفظ في العقار غير محتاج إليه وقسمة الملك تفتقر إلى قيامه ولا ملك فامتنع الجواز
قال وإذا حضر وارثان وأقاما البينة على الوفاة وعدد الورثة والدار في أيديهم ومعهم وارث غائب قسمها القاضي بطلب الحاضرين وينصب وكيلا يقبض نصيب الغائب وكذا لو كان مكان الغائب صبي يقسم وينصب وصيا يقبض نصيبه لأن فيه نظرا للغائب والصغير ولا بد من إقامة البينة في هذه الصورة عنده أيضا خلافا لهما كما ذكرناه من قبل ولو كانوا مشترين لم يقسم مع غيبة أحدهم والفرق أن ملك الوارث ملك خلافة حتى يرد بالعيب ويرد عليه بالعيب فيما اشتراه المورث أو باع ويصير مغرورا بشراء المورث فانتصب أحدهما خصما عن الميت فيما في يده والآخر عن نفسه فصارت القسمة قضاء بحضرة المتخاصمين أما الملك الثابت بالشراء ملك مبتدأ ولهذا لا يرد بالعيب على بائع بائعه فلا يصلح الحاضر خصما عن الغائب فوضح الفرق وإن كان العقار في يد الوارث الغائب أو شيء منه لم يقسم وكذا إذاكان في يد مودعه وكذا إذا كان في يد الصغير لأن القسمة قضاء على الغائب والصغير باستحقاق يدهما من غير خصم حاضر عنهما وأمين الخصم ليس بخصم عنه فيما يستحق عليه والقضاء من غير الخصم لا يجوز ولا فرق في هذا الفصل بين إقامة البينة وعدمها هو الصحيح كما أطلق في الكتاب قال وإن حضر وارث واحد لم يقسم وإن أقام البينة لأنه لا بد من حضور خصمين لأن الواحد لا يصلح مخلصا ومخاصما وكذا مقاسما ومقاسما بخلاف ما إذا كان الحاضر اثنين على ما بينا ولو كان الحاضر كبيرا وصغيرا نصب القاضي عن الصغير وصيا وقسم إذا أقيمت البينة وكذا إذا حضر وارث كبير وموصى له بالثلث فيها وطلبا القسمة وأقاما البينة على الميراث والوصية يقسمه لاجتماع الخصمين الكبير عن الميت والموصى له عن نفسه وكذا الوصي عن الصبي كأنه حضر بنفسه بعد البلوغ لقيامه مقامه فصل فيما يقسم وما لا يقسم قال وإذا كان كل واحد من الشركاء ينتفع بنصيبه قسم بطلب أحدهم لأن القسمة حق لازم فيما يحتملها عند طلب أحدهم على ما بيناه من قبل وإن كان ينتفع أحدهم ويستضر به الآخر لقلة نصيبه فإن طلب صاحب الكثير قسم وإن طلب صاحب القليل لم يقسم لأن الأول ينتفع به فيعتبر طلبه والثاني متعنت في طلبه فلم يعتبر وذكر الجصاص على قلب هذا لأن صاحب الكثير يريد الإضرار بغيره والآخر يرضى بضرر نفسه وذكر الحاكم الشهيد في مختصره أن أيهما طلب القسمة يقسم القاضي والوجه اندرج فيما ذكرناه والأأصح المذكور في الكتاب وهو الأول وإن كان كل واحد منهما ينتصر لصغره لم يقسمها إلا بتراضيهما لأن الجبر على القسمة لتكميل المنفعة وفي هذا تفويتها وتجوز بتراضيهما لأن الحق لهما وهما أعرف بشأنهما أما القاضي فيعتمد الظاهر قال ويقسم العروض إذا كانت من صنف واحد لأن عند اتحاد الجنس يتحد المقصود فيحصل التعديل في القسمة والتكميل في المنفعة ولا يقسم الجنسين بعضهما في بعض لأنه لا اختلاط بين الجنسين فلا تقع القسمة تمييزا بل تقع معاوضة وسبيلها التراضي دون جبر القاضي ويقسم كل موزون ومكيل كثير أو قليل والمعدود المتقارب وتبر الذهب والفضة والحديد والنحاس والإبل بانفرادها والبقر والغنم ولا يقسم شاة وبعيرا وبرذونا وحمارا ولا يقسم الأواني لأنها باختلاف الصنعة التحقت بالأجناس المختلفة ويقسم الثياب الهروية لاتحاد الصنف ولا يقسم ثوبا واحدا لاشتمال القسمة على الضرر إذ هي لا تتحقق إلا بالقطع ولا ثوبين إذا اختلفت قيمتهما لما بينا بخلاف ثلاثة أثواب إذا جعل ثوب بثوبين أو ثوب وربع ثوب بثوب وثلاثة أرباع ثوب لأنه قسمة البعض دون البعض وذلك جائز
وقال أبو حنيفة لا يقسم الرقيق والجواهر لتفاوتهما وقالا يقسم الرقيق لاتحاد الجنس كما في الإبل والغنم ورقيق المغنم وله أن التفاوت في الآدمي فاحش لتفاوت المعاني الباطنة فصار كالجنس المختلف بخلاف الحيوانات لأن التفاوت فيها يقل عند اتحاد الجنس ألا ترى أن الذكر والأنثى من بني آدم جنسان ومن الحيوانات جنس واحد بخلاف المغانم لأن حق الغانمين في المالية حتى كان للإمام بيعها وقسمة ثمنها وهنا يتعلق بالعين والمالية جميعا فافترقا وأما الجواهر فقد قيل إذا اختلف الجنس لا يقيم كاللآليء واليواقيت وقيل لا يقسم الكبار منها لكثرة التفاوت ويقسم الصغار لقلة التفاوت وقيل يجري الجواب على إطلاقه لأن جهالة الجواهر أفحش من جهالة الرقيق ألا ترى أنه لو تزوج على لؤلؤة أو ياقوتة أو خالع عليها لا تصح التسمية ويصح ذلك على عبد فأولى أن لايجير على القسمة قال ولا يقسم حمام ولا بئر ولا رحى إلا أن يتراضى الشركاء وكذا الحائط بين الدارين لأنها تشتمل على الضرر في الطرفين إذ لا يبقى كل نصيب منتفعا به انتفاعا مقصودا فلا يقسم القاضي بخلاف التراضي لما بينا قال وإذا كانت دور مشتركة في مصر واحد قسم كل دار على حدتها في قول أبي حنيفة رحمه الله وقالا إن كان الأصلح لهم قسمة بعضها في بعض قسمها وعلى هذا الخلاف الأقرحة المتفرقة المشتركة لهما أنها جنس واحد اسما وصورة ونظرا إلى أصل السكنى أجناس معنى نظرا إلى اختلاف المقاصد ووجوه السكنى فيفوض الترجيح إلى القاضي وله أن الاعتبار للمعنى وهو المقصود ويختلف ذلك باختلاف البلدان والمحال والجيران والقرب إلى المسجد والماء اختلافا فاحشا فلا يمكن التعديل في القسمة ولهذا لا يجوز التوكيل بشراء دار وكذا لو تزوج على دار لا تصح التسمية كما هو الحكم فيهما في الثوب بخلاف الدار الواحدة إذا اختلفت بيوتها لأن في قسمة كل بيت على حدة ضررا فقسمت الدار قسمة واحدة قال رضي الله عنه تقييد الوضع في الكتاب إشارة إلى أن الدارين إذا كانتا في مصرين لا تجتمعان في القسمة عندهما وهو رواية هلال عنهما وعن محمد أنه يقسم إحداهما في الأخرى والبيوت في محلة أو محال تقسم قسمة واحدة لأن التفاوت فيما بينها يسير والمنازل المتلازقة كالبيوت والمتباينة كالدور لأنه بين الدار والبيت على مامر من قبل فأحذ شبها من كل واحد قال وإن كانت دار وضيعة أو دار وحانوت قسم كل واحد منهما على حدة لاختلاف الجنس قال رضي الله عنه جعل الدار والحانوت جنسين وكذا ذكر الخصاف وقال في إجارات الأصل إن إجارة منافع الدار بالحانوت لا تجوز وهذا يدل على أنهما جنس واحد فيجعل في المسألة روايتان أو تبنى حرمة الربا هنالك على شبهة المجانسة فصل في كيفية القسمة قال وينبغي للقاسم أن يصور ما يقسمه ليمكنه حفظه ويعدله يعني يسويه على سهام القسمة ويروى بعزله أي يقطعه بالقسمة عن غيره ويذرعه ليعرف قدره ويقوم البناء لحاجته إليه في الآخرة ويفرز كل نصيب عن الباقي بطريقه وشربه حتى لا يكون لنصيب بعضهم بنصيب الآخر تعلق فتنقطع المنازعة ويتحقق معنى القسمة على التمام ثم يلقب نصيبا بالأول والذي يليه بالثاني والثالث على هذا ثم يخرج القرعة فمن خرج اسمه أولا فله السهم الأول ومن خرج ثانيا فله السهم الثاني والأصل أن ينظر في ذلك إلا أقل الأنصباء حتى إذا كان الأقل ثلثا جعلها أثلاثا وإن كان سدسا جعلها أسداسا لتمكن القسمة وقد شرحناه مشبعا في كفاية المنتهى بتوفيق الله تعالى وقوله في الكتاب ويفرز كل نصيب بطريقه وشربه بيان الأفضل فإن لم يفعل أو لم يمكن جاز على ما نذكره بتفصيله إن شاء الله والقرعة لتطييب القلوب وإزاحة تهمة الميل حتى لو عين لكل منهم نصيبا من غير إقراع جاز لأنه في معنى القضاء فيملك الإلزام