Merğînânî — el-Hidâye (Hanefî)
قال وإن كان القاتل حرا أو عبدا فأمر الحر ومولى العبد رجلا بأن يصالح عن دمهما على ألف درهم ففعل فالألف على الحر ومولى العبد نصفان لأن عقد الصلح أضيف إليهما وإذا عفا أحد الشركاء من الدم أو صالح من نصيبه على عوض يقط حق الباقين عن القصاص وكان لهم نيصيبهم من الدية وأصل هذا أن القصاص حق جميع الورثة وكذا الدية خلافا لمالك والشافعي رحمهما الله في الزوجين لهما أن الوراثة خلافة وهي بالنسب دون السبب لانقطاعه بالموت ولنا أنه عليه الصلاة والسلام أمر بتوريث امرأة أشبم الضبابي من عقل زوجها أشيم ولأنه حق يجري فيه الإرث حتى أن من قتل وله ابنان فمات أحدهما عن ابن كان القصاص بين الصلبي وابن الابن فيثبت لسائر الورثة والزوجية تبقى بعد الموت حكما في حق الإرث أو يثبت بعد الموت مستندا إلى سببه وهو الجرح وإذا ثبت للجميع فكل منهم يتمكن من الاستيفاء والإسقاط عفوا وصلحا ومن ضرورة سقوط حق البعض في القصاص سقوط حق الباقين فيه لأنه لا يتجزأ بخلاف ما إذا قتل رجلين وعفا أحد الوليين لأن الواجب هناك قصاصان من غير شبهة لاختلاف القتل والمقتول وههنا واحد لاتحادهما وإذا سقط القصاص ينقلب نصيب الباقين مالا لانه امتنع لمعنى راجع إلى القاتل وليس للعافي شيء من المال لأنه أسقط حقه بفعله ورضاه ثم يجب ما بجب من المال في ثلاث سنين وقال زفر رحمه الله يجب في سنتين فيما إذا كان بين الشريكين وعفا أحدهما لأن الواجب نصف الدية فيعتبر بما إذا قطعت يده خطأ ولنا أن هذا بعض بدل الدم وكله مؤجل إلى ثلاث سنين فكذلك بعضه والواجب في اليد كل بدل الطرف وهو في سنتين في الشرع ويجب في ماله لأنه عمد قال وإذا قتل جماعة واحدا عمدا اقتص من جميعهم لقول عمر رضي الله عنه فيه لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم ولأن القتل بطريق التغالب غالب والقصاص مزجرة للسفهاء فيجب تحقيقا لحكمة الأحياء وإذا قتل واحد جماعة فحضر أولياء المقتولين قتل لجماعتهم ولا شيء لهم غير ذلك فإن حضر واحد منهم قتل له وسقط حق الباقين وقال الشافعي رحمه الله يقتل بالأول منهم ويجب للباقين المال وإن اجتمعوا ولم يعرف الأول قتل لهم وقسمت الديات بينهم وقيل يقرع بينهم فيقتل لمن حرجت قرعته له أن الموجود من الواحد قتلات والذي تحقق في حقه قتل واحد فلا تماثل وهو القياس في الفصل الأول إلا أنه عرف بالشرع ولنا أن كل واحد منهم قاتل بوصف الكمال فجاء التماثل أصله الفصل الأول إذ لو لم يكن كذلك لما وجب القصاص ولأنه وجد من كل واحد منهم جرح صالح للإزهاق فيضاف إلى كل منهم إذ هو لا يتجزأ ولأن القصاص شرع مع المنافي لتحقيق الإحياء وقد حصل بقتله فاكتفى به قال ومن وجب عليه القصاص إذا مات سقط القصاص لفوات محل الاستيفاء فأشبه موت العبد الجاني ويتأتى فيه خلاف الشافعي رحمه الله إذالواجب أحدهما عنده قال وإذا قطع رجلان يد رجل واحد فلا قصاص على واحد منهما وعليهما نصف الدية وقال الشافعي رحمه الله تقطع يداهما والمفروض إذا أخذا سكينا وأمراه على يده حتى انقطعت له الاعتبار بالأنفس والأيدي تابعة لها فأخذت حكمها أو يجمع بينهما بجامع الزجر ولنا أن كل واحد منهما قاطع بعض اليد لأن الانقطاع حصل باعتماديهما والمحل متجزىء فيضاف إلى كل واحد منهما البعض فلا مماثلة بخلاف النفس لأن الانزهاق لا يتجزأ ولأن القتل بطريق الاجتماع غالب حذار الغوث والاجتماع على قطع اليد من المفصل في حيز الندرة لافتقاره إلى مقدمات بطيئة فيلحقه الغوث
قال وعليهما نصف الدية لأنه دية اليد الواحدة وهما قطعاها وإن قطع واحد يميني رجلين فحضرها فلهما أن يقطعا يده ويأخذا منه نصف الدية يقتسمانه نصفين سواء قطعهما معا أو على التعاقب وقال الشافعي رحمه الله في التعاقب يقطع بالأول وفي القران يقرع لأن اليد استحقها الأول فلا يثبت الاستحقاق فيها للثاني كالرهن بعد الرهن وفي القران اليد الواحدة لا تفي بالحقين فترجح بالقرعة ولنا أنهما استويا في سبب الاستحقاق فيستويان في حكمه كالغريمين في التركة والقصاص ملك بالفعل يثبت مع المنافي فلا يظهر إلا في حق الاستيفاء أما المحل فخلو عنه فلا يمنع ثبوت الثاني بخلاف الرهن لأن الحق ثابت في المحل فصار كما إذا قطع العبد يمينيهما على التعاقب فتستحق رقبته لهما وإن حضر واحد منهما فقطع يده فللآخر عليه نصف الدية لأن للحاضر أن يستوفي لثبوت حقه وتردد حق الغائب وإذا استوفى لم يبق محل الاستيفاء فيتعين حق الآخر في الدية لأنه أوفى به حقا مستحقا قال وإذا أقر العبد بقتل العمد لزمه القود وقال زفر رحمه الله لا يصح إقراره لأنه يلاقي حق المولى بالإبطال فصار كما إذا أقر بالمال ولنا أنه غير متهم فيه لأنه مضر به فيقبل ولأن العبد مبقى على أصل الحرية في حق الدم عملا بالآدمية حتى لا يصح إقرار المولى عليه بالحد والقصاص وبطلان حق المولى بطريق الضمن فلا يبالى به ومن رمى رجلا عمدا فنفذ السهم منه إلى آخر فماتا فعليه القصاص للأول والدية للثاني على عاقلته لأن الأول عمد والثاني أحد نوعي الخطأ كأنه رمى إلى صيد فأصاب آدميا والفعل يتعدد بتعدد الأثر فصل قال ومن قطع يد رجل خطأ ثم قتله عمدا قبل أن تبرأ يده أو قطع يده عمدا ثم قتله خطأ أو قطع يده خطأ فبرأت يده ثم قتله خطأ أو قطع يده عمدا فبرأت ثم قتله عمدا فإنه يؤخذ بالأمرين جميعا والأصل فيه أن الجمع بين الجراحات واجب ما أمكن تتميما للأول لأن القتل في الأعم يقع بضربات متعاقبة وفي اعتبار كل ضربة بنفسها بعض الحرج إلا أن لا يمكن الجمع فيعطى كل واحد حكم نفسه وقد تعذر الجمع في هذه الفصول في الأولين لاختلاف حكم الفعلين وفي الآخرين لتخلل البرء وهو قاطع للسراية حتى لو لم يتخلل وقد تجانسا بأن كانا خطأين يجمع بالإجماع لإمكان الجمع واكتفى بدية واحدة وإن كان قطع يده عمدا ثم قتله عمدا قبل أن تبرأ يده فإن شاء الإمام قال اقطعوه ثم اقتلوه وإن شاء قال اقتلوه وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا يقتل ولا تقطع يده لأن الجمع ممكن لتجانس الفعلين وعدم تخلل البرء فيجمع بينهما وله أن الجمع متعذر إما للاختلاف بين هذين الفعلين لأن الموجب القود وهو يعتمد المساواة في الفعل وذلك بأن يكون القتل بالقتل والقطع بالقطع وهو متعذر أو لأن الحز يقطع إضافة السراية إلى القطع حتى لو صدر من شخصين يجب القود على الحاز فصار كتخلل البرء بخلاف ما إذا قطع وسرى لأن الفعل واحد وبخلاف ما إذا كانا خطأين لأن الموجب الدية وهي بدل النفس من غير اعتبار المساواة ولأن أرش اليد إنما يجب عند استحكام أثر الفعل وذلك بالحز القاطع للسراية فيجتمع ضمان الكل وضمان الجزء في حالة واحدة لايجتمعان أما القطع والقتل قصاصا فيجتمعان قال ومن ضرب رجلا مائة سوط فبرأ من تسعين ومات من عشرة ففيه دية واحدة لأنه لما برأ منها لا تبقى معتبرة في حق الأرش وإن بقيت معتبرة في حق التعزيز فبقي الاعتبار للعشرة وكذلك كل جراحة اندملت ولم يبق لها أثر على أصل أبي حنيفة رحمه الله وعن أبي يوسف رحمه الله في مثله حكومة عدل وعن محمد رحمه الله أنه تجب أجرة الطبيب وإن ضرب رجلا مائة سوط وجرحته وبقي له أثر تجب حكومة العدل لبقاء الأثر والأرش إنما يجب باعتبار الأثر في النفس
قال ومن قطع يد رجل فعفا المقطوعة يده عن القطع ثم مات من ذلك فعلى القاطع الدية في ماله وإن عفا عن القطع وما يحدث منه ثم مات من ذلك فهو عفو عن النفس ثم إن كان خطأ فهو من الثلث وإن كان عمدا فهو من جميع المال وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا إذا عفي عن القطع فهو عفو عن النفس أيضا وعلى هذا الخلاف إذا عفا عن الشجة ثم سرى إلى النفس ومات لهما أن العفو عن القطع عفو عن موجبه وموجبه القطع لو اقتصر أو القتل إذا سرى فكان العفو عنه عفوا عن أحد موجبيه أيهما كان ولأن اسم القطع يتناول الساري والمقتصر فيكون العفو عن القطع عفوا عن نوعيه وصار كما إذا عفا عن الجناية فإنه يتناول الجناية السارية والمقتصرة كذا هذا وله أن سبب الضمان قد تحقق وهو قتل نفس معصومة متقومة والعفو لم يتناوله بصريحه لأنه عفا عن القطع وهو غير القتل وبالسراية تبين أن الواقع قتل وحقه فيه ونحن نوجب ضمانه وكان ينبغي أن يجب القصاص وهو القياس لأنه هو الموجب للعمد إلا أن في الاستحسان تجب الدية لأن صورة العفو أورثت شبهة وهي دارئة للقود ولا نسلم أن الساري نوع من القطع وأن السراية صفة له بل الساري قتل من الابتداء وكذا لا موجب له من حيث كونه قطعا فلا يتناوله العفو بخلاف العفو عن الجناية لأنه اسم جنس وبخلاف العفو عن الشجة وما يحدث منها لأنه صريح في العفو عن السراية والقتل ولو كان القطع خطأ فقد أجراه مجرى العمد في هذه الوجوه وفاقا وخلافا آذن بذلك إطلاقه إلا أنه إن كان خطأ فهو من الثلث وإن كان عمدا فهو من جميع المال لأن موجب العمد القود ولم يتعلق به حق الورثة لما أنه ليس بمال فصار كما إذا أوصى بإعارة أرضه أما الخطأ فموجبه المال وحق الورثة يتعلق به فيعتبر من الثلث قال وإذا قطعت المرأة يد رجل فتزوجها على يده ثم مات فلها مهر مثلها وعلى عاقلتها الدية إن كان خطأ وإن كان عمدا ففي مالها وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله لأن العفو عن اليد إذا لم يكن عفوا عما يحدث منه عنده فالتزوج على اليد لا يكون تزوجا على مايحدث منه ثم القطع إذا كان عمدا يكون هذا تزوجا على القصاص في الطرف وهو ليس بمال فلا يصلح مهرا لا سيما على تقدير السقوط فيجب مهر المثل وعليها الدية في مالها لأن التزوج وإن كان يتضمن العفو على ما نبين إن شاء الله تعالى لكن عن القصاص في الطرف في هذه الصورة وإذا سرى تبين أنه قتل النفس ولم يتناوله العفو فتجب الدية وتجب في مالها لأنه عمد والقياس أن يجب القصاص على ما بيناه وإذا وجب لها مهر المثل وعليها الدية تقع المقاصة إن كانا على السواء وإن كانا في الدية فضل ترده على الورثة وإن كان في المهر فضل ترده الورثه عليها وإذا كان القطع خطأ يكون هذا تزوجا على أرش اليد وإذا سرى إلى النفس تبين أنه لا أرش لليد وأن المسمى معدوم فيجب مهرالمثل كما إذا تزوجها على ما في اليد ولا شيء فيها ولا يتقاصان لأن الدية تجب على العاقلة في الخطأ والمهر لها
قال ولو تزوجها على اليد وما يحدث منها أو على الجناية ثم مات من ذلك والقطع عمد فلها مهر مثلها لأن هذا تزوج على القصاص وهو لا يصلح مهرا فيجب مهر المثل على ما بيناه وصار كما إذا تزوجها على خمر أو خنزير ولا شيء له عليها لأنه لما جعل القصاص مهرا فقد رضي بسقوطه بجهة المهر فيسقط أصلا كما إذا أسقط القصاص بشرد أن يصير مالا فإنه يسقط أصلا وإن كان خطأ يرفع عن العاقلة مهر مثلها ولهم ثلث ما ترك وصية لأن هذا تزوج على الدية وهي تصلح مهرا لأنه يعتبر بقدر مهر المثل من جيمع المال لأنه مريض مرض الموت والتزوج من الحوائج الأصلية ولا يصح في حق الزيادة على مهر المثل لأنه محاباة فيكون وصية فيرفع عن العاقلة لأنهم يتحملون عنها فمن المحال أن ترجع عليهم بموجب جنايتها وهذه الزيادة وصية لهم لأنهم من اهل لاوصية لما أنهم ليسوا بقتلة فإن كانت تخرج من الثلث تسقط وإن لم تخرج يسقط ثلثه وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله كذلك الجواب فيما إذا تزوجها على اليد لأن العفو عن اليد عفو عما يحدث منه عندهما فاتفق جوابهما في الفصلين قال ومن قطعت يده فاقتص له من اليد ثم مات فإنه يقتل المقتص منه لأنه تبين أن الجناية كانت قتل عمد وحق المقتص له القود واستيفاء القطع لا يوجب سقوط القود كمن له القود إذا استوفى طرف من عليه القود وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يسقط حقه في القصاص لأنه لما اقدم على القطع فقد أبرأه عما وراءه ونحن نقول إنما أقدم على القطع ظنا منه أن حقه فيه وبعد السراية تبين أنه في القود فلم يكن مبرئا عنه بدون العلم به قال ومن قتل وليه عمدا فقطع يد قاتله ثم عفا وقد قضى له بالقصاص أو لم يقض فعلى قاطع اليد دية اليد عند أبي حنيفة رحممه الله وقالا لا شيء عليه لأنه استوفى حقه فلا يضمنه وهذا لأنه استحق إتلاف النفس بجميع أجزائها ولهذا لو لم يعف لا يضمنه وكذا إذا سرى وما برأ أو ما عفا وما سرى أو قطع ثم حز رقبته قبل البرء أو بعده وصاركما إذا كان له قصاص في الطرف فقطع أصابعه ثم عفا لا يضمن الأصابع وله أنه استوفى غير حقه لأن حقه في القتل وهذا قطع وإبانه وكان القياس أن يجب القصاص إلا أنه سقط للشبهة فإن له أن يتلفه تبعا وإذا سقط وجب المال وإنما لا يجب في الحال لأنه يحتمل أن يصير قتلا بالسراية فيكون مستوفيا حقه وملك القصاص في النفس ضروري لا يظهر إلا عند الاستيفاء أو العفو أو الاعتياض لما أنه تصرف فيه فأما قبل ذلك لم يظهر لعدم الضرورة بخلاف ما إذا سرى لأنه استيفاء وأما إذا لم يعف وما سرى قلنا إنما يتبين كونه قطعا بغير حق بالبرء حتى لو قطع وما عفا وبرأ الصحيح أنه على هذا الخلاف وإذا قطع ثم حز رقبته قبل البرء فهو استيفاء ولو حز بعد البرء فهو على هذا الخلاف هو الصحيح والأصابع وإن كانت تابعة قياما بالكف فالكف تابعة لها غرضا بخلاف الطرف لأنها تابعة للنفس من كل وجه
قال ومن له القصاص في الطرف إذا استوفاه ثم سرى إلى النفس ومات يضمن دية النفس عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا يضمن لأنه استوفى حقه وهو القطع ولا يمكن التقييد بوصف السلامة لما فيه من سد باب القصاص إذ الاحتراز عن السراية ليس في وسعه فصار كالإمام والبزاغ والحجام والمأمور بقطع اليد وله أنه قتل بغير حق لأن حقه في القطع وهذا وقع قتلا ولهذا ولو وقع ظلما كان قتلا ولأنه جرح أفضى إلى فوات الحياة في مجرى العادة وهو مسمى القتل إلا أن القصاص سقط للشبهة فوجب المال بخلاف ما استشهدا به من المسائل لأنه مكلف فيها بالفعل إما تقليدا كالإمام أو عقدا كما في غيره منها والواجبات لا تتقيد بوصف السلامة كالرمي إلى الحربي وفيما نحن فيه لا التزام ولا وجوب إذ هو مندوب إلى العفو فيكون من باب الإطلاف فأشبه الاصطياد والله أعلم بالصواب 2 باب الشهادة في القتل 2 قال ومن قتل وله ابنان حاضر وغائب فأقام الحاضر البينة على القتل ثم قدم الغائب فإنه يعيد البينة عند أبي حنيفة وقالا لا يعيد وإن كان خطأ لم يعدها بالإجماع وكذلك الدين يكون لأبيهما على آخر لهما في الخلافية أن القصاص طريقه طريق الوراثة كالدين وهذا لأنه عوض عن نفسه فيكون الملك فيه لمن له الملك في المعوض كما في الدية ولهذا لو انقلب مالا يكون للميت ولهذا يسقط بعفوه بعد الجرح قبل الموت فينتصب أحد الورثة خصما عن الباقين وله أن القصاص طريقه طريق الخلافة دون الوراثة ألا ترى أن ملك القصاص يثبت بعد الموت والميت ليس من أهله بخلاف الدين والدية لأنه من أهل الملك في الأموال كما إذانصب شبكة فتعقل بها صيد بعد موته فإنه يملكه وإذاكان طريقه الإثبات ابتداء لا ينتصب أحدهم خصما عن الباقين فيعيد البينة بعد حضوره فإن كان أقام القاتل البينة أن الغائب قد عفا فالشاهد خصم ويسقط القصاص لأنه ادعى على الحاضر سقوط حقه في القصاص إلى مال ولا يمكنه إثباته إلا بإثبات العفو من الغائب فينتصب الحاضر خصما عن الغائب وكذلك عبد بين رجلين قتل عمدا وأحد الرجلين غائب فهو على هذا لما بيناه قال فإن كان الأولياء ثلاثة فشهد اثنان منهم على الآخر أنه قد عفا فشهادتهما باطلة وهو عفو منهما لأنهما يجران بشهادتهما إلى أنفسهما مغنما وهو انقلاب القود مالا فإن صدقهما القاتل فالدية بينهم أثلاثا معناه إذا صدقهما وحده لأنه لما صدقهما فقد أقر بثلثي الدية لهما فصح إقراره إلا أنه يدعى سقوط حق المشهود عليه وهو ينكر فلا يصدق ويغرم نصيبه وإن كذبهما فلا شيء لهما وللآخر ثلث الدية ومعناه إذا كذبهما القاتل أيضا وهذا لأنهما أقرا على أنفسهما بسقوط القصاص فقبل وادعيا انقلاب نصيبهما مالا فلا يقبل إلا بحجة وينقلب نصيب المشهود عليه مالا لأن دعواهما العفو عليه وهو ينكر بمنزلة ابتداء العفو منهما في حق المشهود عليه لأن سقوط القود مضاف إليهما وإن صدقهما المشهود عليه وحده غرم القاتل ثلث الدية للمشهود عليه لإقراره له بذلك قال وإذا شهد الشهود أنه ضربه فلم يزل صاحب فراش حتى مات فعليه القود إذا كان عمدا لأن الثابت بالشهادة كالثابت معاينة وفي ذلك القصاص على ما بيناه والشهادة على قتل العمد تتحقق على هذا الوجه لأن الموت بسبب الضرب إنما يعرف إذا صار بالضرب صاحب فراش حتى مات وتأويله إذا شهدوا أنه ضربه بشيء جارح قال وإذا اختلف شاهدا القتل في الأيام أو في البلد أو في الذي كان به القتل فهو باطل لأن القتل لا يعاد ولا يكرر والقتل في زمان أو في مكان غير القتل في زمان أو مكان آخر والقتل بالعصا غير القتل بالسلاح لأن الثاني عمد والأول شبه العمد ويختلف أحكامهما فكان على كل قتل شهادة فرد وكذا إذا قال أحدهما قتله بعصا وقال الآخر لا أدري بأي شيء قتله فهو باطل لأن المطلق يغاير المقيد
قال وإن شهدا أنه قتله وقالا لا ندري بأي شيء قتله ففيه الدية استحسانا والقياس أن لاتقبل هذه الشهادة لأن القتل يختلف باختلاف الآلة فجهل المشهود به وجه الاستحسان أنهم شهدوا بقتل مطلق والمطلق ليس بمجمل فيجب أقل موجبيه وهو الدية ولأنه بحمل إجمالهم في الشهادة على إجمالهم بالمشهود عليه سترا عليه وأولوا كذبهم في نفي العلم بظاهر ما ورد بإطلاقه في إصلاح ذات البين وهذا في معناه فلايثبت الاختلاف بالشك وتجب الدية في ماله لأن الأصل في الفعل العمد فلا يلزم العاقلة قال وإذا أقر رجلان كل واحد منهما أنه قتل فلانا فقال الولي قتلتماه جميعا فله أن يقتلهما وإن شهدوا على رجل أنه قتل فلانا وشهد آخرون على آخر بقتله وقال الولي قتلتماه جميعا بطل ذلك كله والفرق أن الإقرار والشهادة يتناول كلواحد منهما وجود كل القتل ووجوب القصاص وقد حصل التكذيب في الأولى من المقر له وفي الثانية من المشهود له غير أن تكذيب المقر له المقر في بعض ماأقر به لا يبطل إقراره في الباقي وتكذيب المشهود له الشاهد في بعض ما شهد به يبطل شهادته أصلا لأن التكذيب تفسيق وفسق الشاهد يمنع القبول إما فسق المقر فلا يمنع صحة الإقرار والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب 2 باب في اعتبار حالة القتل 2 قال ومن رمى مسلما فارتد المرمي إليه والعياذ بالله ثم وقع به السهم فعلى الرامي الدية عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا شيء عليه لأنه بالارتداد أسقط تقوم نفسه فيكون مبرئا للرامي عن موجبه كما إذا أبرأه بعد الجرح قبل الموت وله أن الضمان يجب بفعله وهو الرمي إذ لا فعل منه بعده فتعتبر حالة الرمي والمرمي إليه فيها متقوم ولهذا تعتبر حالة الرمي في حق الحل حتى لا يحرم بردة الرامي بعد الرمي وكذا في حق التكفير حتى جاز بعد الجرح قبل الموت والفعل وإن كان عمدا فالقود سقط للشبهة ووجبت الدية ولو رمى إليه وهو مرتد فأسلم ثم وقع به السهم فلا شيء عليه في قولهم جميعا وكذا إذا رمى حربيا فأسلم لأن الرمي ما انعقد موجبا للضمان لعدم تقوم المحل فلا ينقلب موجبا لصيرورته متقوما بعد ذلك قال وإن رمى عبدا فأعتقه مولاه ثم وقع السهم به فعليه قيمته للمولى عند أبي حنيفة رحمه الله وقال محمد رحمه الله عيه فضل ما بين قيمته مرميا إلى غير مرمي وقول أبي يوسف رحمه الله مع قول أبي حنيفة رحمه الله له أن العتق قاطع للسراية وإذا انقطعت بقي مجرد الرمي وهو جناية ينتقص بها قيمة المرمي إليه بالإضافة إلى ما قبل الرمي فيجب ذلك ولهما أنه يصير قاتلا من وقت الرمي لأن فعله الرمي وهو مملوك في تلك الحالة فتجب قيمته بخلاف القطع ولاجرح لأنه إتلاف بعض المحل وأنه يوجب الضمان للولى وبعد السراية لو وجب شيء لوجب للعبد فتصير النهاية مخالفة للبداية أما الرمي قبل الإصابة بإتلاف شيء منه لأنه لا أثر له في المحل وإنما قلت الرغبات فيه فلا يجب به ضمان فلا تتخالف النهاية والبداية فتجب قيمته للمولى وزفر رحمه الله وإن كان يخالفنا في وجوب القيمة نظرا إلى حالة الإصابة فالحجة عليه ما حققناه قال ومن قضي عليه بالرجم فرماه رجل ثم رجع أحد الشهود ثم وقع به الحجر فلا شيء على الرامي لأن المعتبر حالة الرمي وهو مباح الدم فيها وإذا رمى المجوسي صيدا ثم أسلم ثم وقعت الرمية بالصيد لم يؤكل وإن رماه وهو مسلم ثم تمجس والعياذ بالله أكل لأن المعتبر حال الرمي في حق الحل والحرمة إذ الرمي هو الذكاة فتعتبر الأهلية وانسلابها عنده ولو رمى المحرم صيدا ثم حل فوقعت الرمية بالصيد فعليه الجزاء وإن رمى حلال صيدا ثم أحرم فلا شيء عليه لأن الضمان إنما يجب بالتعدي وهو رميه في حالة الإحرام وفي الأول هو محرم وقت الرمي وفي الثاني حلال فلهذا افترقا والله أعلم بالصواب 1 كتاب الديات 1
قال وفي شبه العمد دية مغلظة على العاقلة وكفارة على القاتل وقد بيناه أول الجنايات قال وكفارته عتق رقبة مؤمنه لقوله تعالى فتحرير رقبة مؤمنة الآية فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين بهذا النص ولا يجزىء فيه الإطعام لأنه لم يرد به نص والمقادير تعرف بالتوقيف ولأنه جعل المذكور كل الواجب بحرف الفاء أو لكونه كل المذكور على ما عرف ويجزئه رضيع أحد أبويه مسلم لأنه مسلم به والظاهر بسلامة أطرافه ولا يجزىء ما في البطن لأنه لم تعرف حياته ولا سلامته قال وهو الكفارة في الخطأ لما تلوناه وديته عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله مائة من الإبل أرباعا خمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وقال محمد والشافعي رحمهما الله أثلاثا ثلاثون جذعة وثلاثون حقة وأربعون ثنية كلها خلفات في بطونها أولادها لقوله عليه الصلاة والسلام ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا وفيه مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها وعن عمر رضي الله عنه ثلاثون حقة وثلاثون جذعة ولأن دية شبه العمد أغلظ وذلك فيما قلنا ولهما قوله عليه الصلاة والسلام في نفس المؤمن مائة من الإبل وما روياه غير ثابت لاختلاف الصحابة رضي الله عنهم في صفة التغليظ وابن مسعود رضي الله عنه قال بالتغليظ أرباعا كما ذكرنا وهو كالمرفوع فيعارض به قال ولا يثبت التغليظ إلا في الإبل خاصة لأن التوقيف فيه فإن قضي بالدية في غير الإبل لم تتغلظ لما قلنا قال وقتل الخطأ تجب به الدية على العاقلة والكفارة على القاتل لما بينا من قبل قال والدية في الخطأ مائة من الإبل أخماسا عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن مخاض وعشرون حقة وعشرون جذعة وهذا قول ابن مسعود رضي الله عنه وإنما أخذنا نحن والشافعي به لروايته أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في قتيل قتل خطأ أخماسا على نحو ما قال ولأن ما قلناه أخف فكان أليق بحالة الخطأ لأن الخاطىء معذور غير أن عند الشافعي رحمه الله يقضى بعشرين ابن لبون مكان ابن مخاض والحجة عليه ما رويناه قال ومن العين ألف دينار ومن الورق عشرة آلاف درهم وقال الشافعي رحمه الله من الورق اثنا عشر ألفا لما روي ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى به ولنا ما روي عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدية في قتيل بعشرة آلاف درهم وتأويل ما روي أنه قضى من دراهم كان وزنها وزن ستة وقد كانت كذلك قال ولا تثبت الدية إلا من هذه الأنواع الثلاثة عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا منها ومن البقر مائتا بقرة ومن الغنم ألفا شاة ومن الحلل مائتا حلة كل حلة ثوبان لأن عمر رضي الله عنه هكذا جعل على أهل كل مال منها وله أن التقدير إنما يستقيم بشيء معلوم المالية وهذه الأشياء مجهولة المالية ولهذا لا يقد بها ضمان والتقدير بالإبل عرف بالآثار المشهورة وعدمناها في غيرها وذكر في المعاقل أنه لو صالح عل الزيادة على مائتي حلة أو مائتي بقرة لا يجوز وهذا آية التقدير بذلك ثم قيل هو قول الكل فيرتفع الخلاف وقيل هو قولهما خاص قال ودية المرأة على النصف من دية الرجل وقد ورد هذااللفظ موقوفا على علي رضي الله عنه ومرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال الشافعي رحمه الله ما دون الثلث لا يتنصف وإمامه فيه زيد بن ثابت رضي الله عنه والحجة عليه ما رويناه لعمومه ولأن حالها أنقص من حال الرجل ومنفعتها أقل وقد ظهر أثر النقصان بالتنصيف في النفس فكذا في أطرافها وأجزائها اعتبارا بها وبالثلث وما فوقه
قال ودية المسلم والذمي سواء وقال الشافعي رحمه الله دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم ودية المجوسي ثمانمائة درهم وقال مالك رحمه الله دية اليهودي والنصراني ستة آلاف درهم لقوله عليه الصلاة والسلام عقل الكافر نصف عقل المسلم والكل عنده اثنا عشر ألفا وللشافعي رحمه الله ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دية النصراني واليهودي أربعة آلاف درهم ودية المجوسي ثمانمائة درهم ولنا قوله عليه الصلاة والسلام دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار وكذلك قضى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وما رواه الشافعي رحمه الله لم يعرف راويه ولم يذكر في كتب الحديث وما رويناه أشهرمما رواه مالك رحمه الله فإنه ظهر به عمل الصحابة رضي الله عنهم والله أعلم فصل فيما دون النفس قال وفي النفس الدية وقد ذكرناه قال وفي المارن الدية وفي اللسان الدية وفي الذكر الدية والأصل فيه ما روى سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في النفس الدية وفي اللسان الدية وفي المارن الدية وهكذا في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم رضي الله عنه والأصل في الأطراف أنه إذا فوت جنس المنفعة على الكمال أو أزال جمالا مقصودا في الآدمي على الكمال يجب كل الدية لإتلافه النفس من وجه وهو ملحق بالإتلاف من كل وجه تعظيما للآدمي وأصله قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية كلها في اللسان والأنف وعلى هذا تنسحب فروع كثيرة فنقول في الأنف الدية لأنه أزال الجمال على الكمال وهو مقصود وكذا إذا قطع المارن أو الأرنبة لما ذكرنا ولو قطع المارن مع القصية لا يزاد على دية واحدة لأنه عضو واحد وكذا اللسان لفوات منفعة مقصودة وهو النطق وكذا في قطع بعضه إذا منع الكلام لتفويت منفعة مقصودة وإن كانت الآلة قائمة ولو قدر على التكلم ببعض الحروف قيل تقسم على عدد الحروف وقيل على عدد حروف تتعلق باللسان فيقدر مالا يقدر تجب وقيل إن قدر على أداء أكثرها تجب حكومة عدل لحصول الإفهام مع الإختلاف وإن عجز عن أداء الأكثر يجب كل الدية لأن الظاهر أنه لا تحصل منفعة الكلام وكذا الذكر لأنه يفوت به منفعة الوطء والإيلاد واستمساك البول والرمي به ودفق الماء والإيلاج الذي هو طريق الإعلاق عادة وكذا في الحشفة الدية كاملة لأن الحشفة أصل في منفعة الإيلاج والدفق والقصبة كالتابع له قال وفي العقل إذا ذهب بالضرب الدية لفوات منفعة الإدراك إذ به ينتفع بنفسه في معاشه ومعاده قال وكذا إذا ذهب سمعه أو بصره أو شمه أو ذوقه لأن كل واحد منها منفعة مقصودة وقد روي أن عمر رضي الله عنه قضى بأربع ديات في ضربة واحد ذهب بها العقل والكلام والسمع والبصر قال وفي اللحية إذا حلقت فلم تنبت الدية لأنه يفوت به منفعة الجمال قال وفي شعر الرأس الدية لما قلنا وقال مالك وهو قول الشافعي رحمه الله تجب فيهما حكومة عدل لأن ذلك زيادة في الآدمي ولهذا يحلق شعر الرأس كله واللحية بعضها في بعض البلاد وصار كشعر الصدر والساق ولهذا يجب في شعر العبد نقصان القيمة ولنا أن اللحية في وقتها جمال وفي حلقها تفويته على الكمال فتجب الدية كما في الأذنين الشاخصتين وكذا شعر الرأس جمال ألا ترى أن من عدمه خلقة يتكلف في ستره بخلاف شعر الصدر والساق لأنه لا يتعلق به جمال وأما لحية العبد فعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يجب فيها كمال القيمة والتخريج على الظاهر أن المقصود بالعبد المنفعة بالاستعمال دون الجمال بخلاف الحر قال وفي الشارب حكومة عدل هو الأصح لأنه تابع للحية فصار كبعض أطرافها
قال ولحية الكوسج إن كان على ذقنه شعرات معدودة فلا شيء في حلقه لأن وجوده يشينه ولا يزينه وإن كان أكثر من ذلك وكان على الخد والذقن جميعا لكنه غير متصل ففيه حكومة عدل لأن فيه بعض الجمال وإن كان متصلا ففيه كما الدية لأنه ليس بكوسج وفيه معنى الجمال وهذا كله إذا فسد المنبت فإن نبتت حتى استوى كما كان لا يجب شيء لأنه لم يبق أثر الجناية ويؤدب على ارتكابه ما لا يحل وإن نبتت بيضاء فعن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يجب شيء في الحر لأنه يزيده جمالا وفي العبد تجب حكومة عدل لأنه ينقص قيمته وعندهما تجب حكومة عدل لأنه في غير أوانه يشينه ولا يزينه ويستوي العمد والخطأ على هذا الجمهور وفي الحاجبين الدية وفي إحداهما نصف الدية وعند مالك والشافعي رحمهما الله تجب حكومة عدل وقد مر الكلام فيه في اللحية قال وفي العينين الدية وفي اليدين الدية وفي الرجلين الدية وفي الشفتين الدية وفي الأذنين الدية وفي الأنثيين الدية كذا روى في حديث سعيد بن المسيت رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال وفي كل واحد من هذه الأشياء نصف الدية وفيما كتبه النبي عليه الصلاة والسلام لعمرة بن حزم وفي العينين الدية وفي إحداهما نصف الدية ولأن في تفويت الاثنين من هذه الأشياء تفويت جنس المنفعة أو كمال الجمال فيجب كل الدية وفي تفويت إحداهما تفويت النصف فيجب نصف الدية قال وفي ثديي المرأة الدية لما فيه من تفويت جنس المنفعة وفي إحداهما نصف دية المرأة لما بينا بخلاف ثديي الرجل حيث تجب حكومة عدل لأنه ليس فيه تفويت جنس المنفعة والجمال وفي حلمتي المرأة الدية كاملة لفوات جنس منفعة الإرضاع وإمساك اللبن وفي إحداهما نصفها لما بيناه قال وفي أشفار العينين الدية وفي إحداها ربع الدية قال رضي الله عنه يحتمل أن مراده الأهداب مجازا كما ذكره محمد رحمه الله في الأصل للمجاورة كالراوية للقربة وهي حقيقة في البعير وهذا لأنه يفوت الجمال على الكمال وجنس المنفعة وهي منفعة دفع الأذى والقذى عن العين إذ هو يندفع بالهدب وإذا كان الواجب في الكل كل الدية وهي أربعة كان في أحدها ربع الدية وفي ثلاثة منها ثلاثة أرباعها ويحتمل أن يكون مراده منبت الشعر والحكم فيه هكذا ولو قطع الجفون بأهدابها ففيه دية واحدة لأن الكل كشيء واحد وصار كالمارن مع القصبة قال وفي كل أصبع من أصابع اليدين والرجلين عشر الدية لقوله عليه الصلاة والسلام في كل أصبع عشر من الإبل ولأن في قطع الكل تفويت جنس المنفعة وفيه دية كاملة وهي عشر فتنقسم الدية عليها قال والأصابع كلها سواء لإطلاق الحديث ولأنها سواء في أصل المنفعة فلا تعتبر الزيادة فيه كاليمين مع الشمال وكذا أصابع الرجلين لأنه يفوت بقطع كلها منفعة المشي فتجب الدية كاملة ثم فيهما عشر أصابع فتنقسم الديه عليها أعشارا قال وفي كل أصبع فيها ثلاثة مفاصل ففي أحدها ثلث دية الأصبع وما فيها مفصلان ففي أحدهما نصف دية الأصبع وهو نظير انقسام دية اليد على الأصابع قال وفي كل سن خمس من الإبل لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وفي كل سن خمس من الإبل والأسنان والأضراس كلها سواء لإطلاق ما روينا ولما روي في بعض الروايات والأسنان كلها سواء ولأن كلها في أصل المنفعة سواء فلا يعتبر التفاضل كالأيدي والأصابع وهذا إذا كان خطأ فإن كان عمدا ففيه القصاص وقد مر في الجنايات قال ومن ضرب عضوا فأذهب منفعته ففيه دية كاملة كاليد إذا شلت والعين إذا ذهب ضوؤها لأن التعلق تفويت جنس المنفعة لا فوات الصورة ومن ضرب صلب غيره فانقطع ماؤه تجب الدية لتفويت جنس المنفعة وكذا لو أحدبه لأنه فوت جمالا على الكمال وهو استواء القامة فلو زالت الحدوبة لا شيء عليه لزوالها لا عن أثر فصل في الشجاج
قال الشجاج عشرة ( الحارصة ) وهي التي تحرص الجلد أي تخدشه ولا تحرج الدم ( والدامعة ) وهي التي تظهر الدم ولا تسيله كالدمع من العين ( والدامية ) وهي التي تسيل الدم ( والباضعة ) وهي التي تبضع الجلد أي تقطعه ( والمتلاحمة ) وهي التي تأخذ في اللحم ( والسمحاق ) وهي التي تصل إلى السمحاق وهي جلدة رقيقة بين اللحم وعظم الرأس ( والموضحة ) وهي التي توضح العطم أي تبينه ( والهاشمة ) وهي التي تهشم العظم أي تكسره ( والمنقلة ) وهي التي تنقل العظم بعد الكسر أي تحوله ( والآمة ) وهي تصل إلى أم الرأس وهو الذي فيه الدماغ قال ففي الموضحة القصاص إن كانت عمدا لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قضى بالقصاص في الموضحة ولأنه يمكن أن ينتهي السكين إلى العظم فيتساويان فيتحقق القصاص قال ولا قصاص في بقية الشجاج لأنه لا يمكن اعتبار المساواة فيها لأنه لا حد ينتهي السكين إليه ولأن فيما فوق الموضحة كسر العظم ولا قصاص فيه وهذه رواية عن أبي حنيفة رحمة الله وقال محمد رحمه الله في الأصل وهو ظاهر الرواية يجب القصاص فيما قبل الموضحة لأنه يمكن اعتبار المساواة فيه إذ ليس فيه كسر العظم ولا خوف هلاك غالبا فيسير غورها بمسبار ثم تتخذ حديدة بقدر ذلك فيقطع بها مقدار ما قطع فيتحقق استيفاء القصاص قال وفيما دون الموضحة حكومة عدل لأنه ليس فيها أرش مقدر ولا يمكن إهداره فوجب اعتباره بحكم العدل وهو مأثور عن النخعي وعمر بن عبدالعزيز رحمهم الله قال وفي الموضحة إن كانت خطأ نصف عشر الدية وفي الهاشمة عشر الدية وفي المنقلة عشر الدية ونصف عشر الدية وفي الآمة ثلث الدية وفي الجائفة ثلث الدية فإن نفذت فهما جائفتان ففيهما ثلثا الدية لما روي في كتاب عمرو بن حزم رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال وفي الموضحة خمس من الإبل وفي الهاشمة عشر وفي المنقلة خمسة عشر وفي الآمة ويروى المأمومة ثلث الدية وقال عليه الصلاة والسلام في الجائفة ثلث الدية وعن أبي بكر رضي الله عنه أنه حكم في جائفة نفذت إلى الجانب الآخر بثلثي الدية ولأنها إذا نفذت نزلت منزلة جائفتين إحداهما من جانب البطن والأخرى من جانب الظهر وفي كل جائفة ثلث الدية فلهذا وجب في النافذة ثلثا الدية وعن محمد رحمه الله أنه جعل المتلاحمة قبل الباضعة وقال هي التي يتلاحم فيها الدم ويسود وما ذكرناه بداء مروي عن أبي يوسف رحمه الله وهذا اختلاف عبارة لا يعود إلى معنى وحكم وبعد هذا شجة أخرى تسمى الدامغة وهي التي تصل إلى الدماغ وإنما لم يذكرها لأنها تقع قتلا في الغالب لا جناية مقتصرة منفردة بحكم على حدة ثم هذه الشجاع تختص بالوجه والرأس لغة وما كان في غير الوجه والرأس يسمى جراحة والحكم مرتب على الحقيقة في الصحيح حتى لو تحققت في غيرهما نحو الساق واليد لا يكون لها أرش مقدر وإنما تجب حكومة العدل لأن التقدير بالتوقيف وهو إنما ورد فيما يختص بهما ولأنه إنما ورد الحكم فيها لمعنى الشين الذي يلحقه ببقاء أثر الجراحة والشين يختص بما يظهر منها في الغالب وهو العضوان هذان لا سواهما
وأما اللحيان فقد قيل ليسا من الوجه وهو قول مالك رحمه الله حتى لو وجد فيهما ما فيه أرش مقدر لا يجب المقدر وهذا لأن الوجه مشتق من المواجهة ولا مواجهة للناظر فيهما إلا أن عندنا هما من الوجه لاتصالهما به من غير فاصلة وقد يتحقق فيه معنى المواجهة أيضا وقالوا الجائفة تختص بالجوف جوف الرأس أو جوف البطن وتفسير حكومة العدل على ما قاله الطحاوي رحمه الله أن يقوم مملوكا بدون هذا الأثر ويقوم وبه هذا الأثر ثم ينظر إلى تفاوت ما بين القيمتين فإن كان نصف عش القيمة يجب نصف عشر الدية وإن كان ربع عشر فربع عشر وقال الكرخي رحمه الله ينظركم مقدار هذه الشجة من الموضحة فيجب بقدر ذلك من نصف عشر الدية لأن ما لانص فيه يرد إلى المنصوص عليه والله أعلم فصل قال وفي أصابع اليد نصف الدية لأن في كل أصبع عشر الدية على ما روينا فكان في الخمس نصف الدية ولأن في قطع الأصابع تفويت جنس منفعة البطش وهو الموجب على ما مر فإن قطعها مع الكف ففيه أيضا نصف الدية لقوله عليه الصلاة والسلام وفي اليدين الدية وفي إحداهما نصف الدية ولأن الكف تبع للأصابع لأن البطش بها وإن قطعها مع نصف الساعد ففي الأصابع والكف نصف الدية وفي الزيادة حكومة عدل وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله وعنه أن ما زاد على أصابع اليد والرجل فهو تبع للأصابع إلى المنكب وإلى الفخذ لأن الشرع أوجب في اليد الواحدة نصف الدية واليد اسم لهذه الجارحة إلى المنكب فلا يزاد على تقدير الشرع ولهما أن اليد آلة باطشة والبطش يتعلق بالكف والأصابع دون الذراع فلم يجعل الذراع تبعا في حق التضمين ولأن لا وجه إلى أن يكون تبعا للأصابع لأن بينهما عضوا كاملا ولا إلى أن يكون تبعا للكف لأنه تابع ولا تبع للتبع قال وإن قطع الكف من المفصل وفيها أصبع واحدة ففيه عشر الدية وإن كان أصبعين فالخمس ولا شيء في الكف وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا ينظر إلى أرش الكف والأصبع فيكون عليه الأكثر ويدخل القليل في الكثير لأنه لا وجه إلى الجمع بين الأرشين لأن الكل شيء واحد ولا إلى إهدار أحدهما لأن كل واحد منهما أصل من وجه فرجحنا بالكثرة وله أن الأصابع أصل والكف تابع حقيقة وشرعا لأن البطش يقوم بها وأوجب الشرع في أصبع واحدة عشرا من الإبل والترجيح من حيث الذات والحكم أولى من الترجيح من حيث مقدار الواجب ولو كان في الكف ثلاثة أصابع يجب أرش الأصابع ولا شيء في الكف ولا شيء في الكف بالإجماع لأن الأصابع أصول في التقوم وللأكثر حكم الكل فاستتبعت الكف كما إذا كانت الأصبابع قائمة بأسرها قال وفي الأصبع الزائدة حكومة عدل تشريفا للآدمي لأنه جزء من يده ولكن لا منفعة فيه ولا زينة وكذلك السن الشاغية لما قلنا وفي عين الصبي وذكره ولسانه إذا لم تعلم صحته حكومة عدل وقال الشافعي رحمه الله تجب فيه دية كاملة لأن الغالب فيه الصحة فأشبه قطع المارن والأذن ولنا أن المقصود من هذه الأعضاء المنفعة فإذا لم تعلم صحتها لا يجب الأرش الكامل بالشك والظاهر لا يصلح حجة للإلزام بخلاف المارن والأذن الشاخصة لأن المقصود هو الجمال وقد فوته على الكمال وكذا لو استهل الصبي لأنه ليس بكلام وإنما هو مجرد صوت ومعرفة الصحة فيه بالكلام وفي الذكر بالحركة وفي العين بما يستدل به على النظر فيكون حكمه بعد ذلك حكم البالغ في العمد والخطأ
قال ومن شج رجلا فذهب عقله أو شعر رأسه دخل أرش الموضحة في الدية لأن بفوات العقل تبطل منفعة جميع الأعضاء فصار كما إذا أوضحه فمات وأرش الموضحة يجب بفوات جزء من الشعر حتى لو نبت يسقط والدية بفوات كل الشعر وقد تعلقا بسبب واحد فدخل الجزء في الجملة كما إذا قطع أصبع رجل فشلت يده وقال زفر لا يدخل لأن كل واحد منها جناية فيما دون النفس فلا يتداخلان كسائر الجنايات وجوابه ما ذكرناه قال وإن ذهب سمعه وبصره أو كلامه فعليه أرش الموضحة مع الدية قالوا هذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وعن أبي يوسف رحمه الله أن الشجة تدخل في دية السمع والكلام ولا تدخل في دية البصر وجه الأول أن كلا منها جناية فيما دون النفس والمنفعة مختصة به فأشبه الأعضاء المختلفة بخلاف العقل لأن منفعته عائدة إلى جميع الأعضاء على ما بينا ووجه الثاني أن السمع والكلام مبطن فيعتبر بالعقل والبصر ظاهر فلا يلحق به قال وفي الجامع الصغير ومن شج رجلا موضحة فذهبت عيناه فلا قصاص في ذلك عند أبي حنيفة رحمه الله قالوا وينبغي أن تجب الدية فيهما وقالا في الموضحة القصاص قالوا وينبغي أن تجب الدية في العينين قال وإن قطع أصبع رجل من المفصل الأعلى فشل ما بقي من الأصبع أو اليد كلها لا قصاص عليه في شيء من ذلك وينبغي أن تجب الدية في المفصل الأعلى وفيما بقي حكومة عدل وكذلك لو كسر بعض سن رجل فاسود ما بقي ولم يحك خلافا وينبغي أن تجب الدية في السن كله ولو قال اقطع المفصل واترك ما يبس أو اكسر القدر المكسور واترك الباقي لم يكن له ذلك لأن الفعل في نفسه ما وقع موجبا للقود فصار كما لو شجه مثله فقال أشجه موضحة وأترك الزيادة لهما في الخلافية أن الفعل في محلين فيكون جنايتين مبتدأتين فالشبهة في إحداهما لا تتعدى إلى الأخرى كمن رمى إلى رجل عمدا فأصابه ونفذ منه إلى غيره فقتله يجب القود في الأول والدية في الثاني وله ان الجراحة الأولى سارية الجزاء بالمثل وليس في وسعه الساري فيجب المال ولأن الفعل واحد حقيقة وهو الحركة القائمة وكذاالمحل متحد من وجه لاتصال أحدهما بالآخر فأورثت نهايته شبهة الخطأ في البداية بخلاف النفسين لأن أحدهما ليس من سراية صاحبه وبخلاف ما إذا وقع السكين على الأصبع لأنه ليس فعلا مقصودا قال وإن قطع أصبعا فشلت إلى جنبها أخرى فلا قصاص في شيء من ذلك عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا هما وزفر والحسن رحمهم الله يقتص من الأولى وفي الثانية أرشها والوجه من الجانبين قد ذكرناه وروى ابن سماعة عن محمد في المسألة ألأولى وهو ما إذا شج موضحة فذهب بصره أنه يجب القصاص فيهما لأن الحاصل بالسراية مباشرة كما في النفس والبصر يجري فيه القصاص بخلاف الخلافية الأخيرة لأن الشلل لا قصاص فيه فصار الأصل عند محمد رحمه الله على هذه الرواية أن سراية ما يجب فيه القصاص إلى ما يمكن فيه القصاص يوجب الاقتصاص كما لو آلت إلى النفس وقد وقع الأول ظلما ووجه المشهور أن ذهاب البصر بطريق التسبيب ألآ يرى أن الشجة بقيت موجبة في نفسها ولا قود في التسبيب بخلاف السراية إلى النفس لأنه لا تبقى الأولى فانقلبت الثانية مباشرة قال ولو كسر بعض السن فسقطت فلا قصاص إلا على رواية ابن سماعة رحمه الله ولو أوضحه موضحتين فتأكلتا فهو على الروايتين هاتين
قال ولو قلع سن رجل فنبتت مكانها أخرى سقط الأرش في قول أبي حنيفة رحمه الله وقالا عليه الأرش كاملا لأن الجناية قد تحققت والحادث نعمة مبتدأة من الله تعالى وله أن الجناية انعدمت معنى فصار كما إذا قلع سن صبي فنبتت لا يجب الأرش بالإجماع لآنه لم يفت عليه منفعة ولا زينة وعن أبي يوسف رحمه الله أنه تجب حكومة عدل لمكان الألم الحاصل ولو قلع سن غيره فردها صاحبها في مكانها ونبت عليه اللحم فعلى القالع الأرش بكماله لأن هذا مما لا يعتد به إذ العروق لا تعود وكذا إذا قطع أذنه فألصقها فالتحمت لأنها لا تعود إلى ما كانت عليه ومن نزع سن رجل فانتزع المنزوعة سنه سن النازع فنبتت سن الأول فعلى الأول لصاحبه خمسمائة درهم لأنه تبين أنه استوفى بغير حق لأن الموجب فساد المنبت ولم يفسد حيث نبت مكانها أخرى فانعدمت الجناية ولهذا يستأني حولا بالإجماع وكان ينبغي أن ينتظر اليأس في ذلك للقصاص إلا أن في اعتبا ذلك تضييع الحقوق فاكتفينا بالحول لأنه تنبت فيه ظاهرا فإذا مضى الحول ولم تنبت قضينا بالقصاص وإذا نبتت تبين أنا أخطأنا فيه والاستيفاء كان بغير حق إلا أنه لا يجب القصاص للشبهة فيجب المال قال ولو ضرب إنسان سن إنسان فتحركت يستأني حولا ليظهر أثر فعله فلو أجله القاضي سنة ثم جاء المضروب وقد سقطت سنه فاختلفا قبل السنة فيما سقط بضربه فالقول للمضروب ليكون التأجيل مفيدا وهذا بخلاف ما إذا شجه موضحة فجاء وقد صارت منقلة فاختلفا حيث يكون القول قول الضارب لأن الموضحة لا تورث المنقلة أماالتحريك فيؤثر في السقوط فافترقا وإن اختلفا في ذلك بعد السنة فالقول للضارب لأنه ينكر أثر فعله وقد مضى الأجل الذي وقته القاضي لظهور الأثر فكان القول للمنكر ولو لم تسقط لاشيء على الضارب وعن أبي يوسف أنه تجب حكومة الألم وسنبين الوجهين بعد هذا إن شاء الله تعالى ولو لم تسقط ولكنها اسودت يجب الأرش في الخطأ على العاقلة وفي العمد في ماله ولا يجب القصاص لآنه لا يمكنه أن يضربه ضربا تسود منه وكذا إذا كسر بعضه واسود الباقي لا قصاص لما ذكرنا وكذا لو احمر أو اخضر ولو اصفر فيه روايتان قال ومن شج رجلا فالتحمت ولم يبق لها أثر ونبت الشعر سقط الأرش عند أبي حنيفة رحمه الله لزوال الشين الموجب وقال أبو يوسف رحمه الله يجب عليه أرش الألم وهو حكومة عدل لأن الشين إن زال فالألم الحاصل ما زال فيجب تقويمه وقال محمد عليه أجرة الطبيب لأنه إنما لزمه أجرة الطبيب وثمن الدواء بفعله فصار كأنه أخذ ذلك من ماله إلا أن أبا حنيفة رحمه الله يقول إن المنافع على أصلنا لا تتقوم إلا بعقد أو بشبهة ولم يوجد في حق الجاني فلا يغرم شيئا قال ومن ضرب رجلا مائة سوط فجرحه فبرأ منها فعليه أرش الضرب معناه إذا بقي أثر الضرب فأما إذا لم يبق أثره فهو على اختلاف قد مضى في الشجة الملتحمة قال ومن قطع يد رجل خطأ ثم قتله خطأ قبل البرء فعليه الدية وسقط أرش اليد لأن الجناية من جنس واحد والموجب واحد وهو الدية وأنها بدل النفس بجميع أجزائها فدخل الطرف في النفس كأنه قتله ابتداء قال ومن جرح رجلا جراحة لم يقتص منه حتى يبرأ وقال الشافعي رحمه الله يقتص منه في الحال اعتبارا بالقصاص في النفس وهذا لأن الموجب قد تحقق فلا يعطل ولنا قوله عليه الصلاة والسلام مستأنى في الجراحات سنة ولأن الجراحات يعتبر فيها مآلها لا حالها لأن حكمها في الحال غيرمعلوم فلعلها تسري إلى النفس فيظهر أنه قتل وإنما يستقر الأمر بالبرء
قال وكل عمد سقط القصاص فيه بشبهة فالدية في مال القاتل وكل أرش وجب بالصلح فهو في مال القاتل لقوله عليه الصلاة والسلام لا تعقل العواقل عمدا الحديث وهذا عمد غير إن الأول يجب في ثلاث سنين لأنه مال وجب بالقتل ابتداء فأشبه شبه العمد والثاني يجب حالا لأنه مال وجب بالعقد فأشبه الثمن في البيع قال وإذا قتل الأب ابنه عمدا فالدية في ماله في ثلاث سنين وقال الشافعي رحمه الله تجب حالة لأن الأصل أن ما يجب بالإتلاف يجب حالا والتأجيل للتحفيف في الخاطىء وهذا عامد فلا يستحقه ولأن المال وجب جبرا لحقه وحقه في نفسه حال فلا ينجبر بالمؤجل ولنا أنه مال واجب بالقتل فيكون مؤجلا كدية الخطأ وشبه العمد وهذا لأن القياس يأبى تقوم الآدمي بالمال لعدم التماثل والتقويم ثبت بالشرع وقد ورد به مؤجلا لا معجلا فلا يعدل عنه لا سيما إلى زيادة ولما لم يجز التغليظ باعتبار العمدية قدرا لا يجوز وصفا وكل جناية اعترف بها الجاني فهي في ماله ولا يصدق على عاقلته لما روينا ولأن الإقرار لا يتعدى المقر لقصور ولايته عن غيره فلا يظهر في حق العاقلة قال وعمد الصبي والمجنون خطأ وفيه الدية على العاقلة وكذلك كل جناية موجبها خمسمائة فصاعدا والمعتوه كالمجنون وقال الشافعي رحمه الله عمده عمد حتى تجب الدية في ماله حالة لأنه عمد حقيقة إذ العمد هو القصد غير أنه تخلف عنه أحد حكميه وهو القصاص فينسحب عليه حكمه الآخر وهو الوجوب في ماله ولهذا تجب الكفارة به ويحرم من الميراث على أصله لأنهما يتعلقان بالقتل ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه جعل عقل المجنون على عاقلته وقال عمده وخطؤه سواء ولأن الصبي مظنة المرحمة والعاقل الخاطىء لما استحق التخفيف حتى وجبت الدية على العاقلة فالصبي وهو أعذر أولى بهذا التخفيف ولا نسلم تحقق العمدية فإنها تترتب على العلم والعلم بالعقل والمجنون عديم العقل والصبي قاصر العقل فأنى يتحقق منهما القصد وصار كالنائم وحرمان الميراث عقوبة وهما ليسا من أهل العقوبة والكفارة كاسمها ستارة ولا ذنب تستره لأنهما مرفوعا القلم والله أعلم فصل في الجنين قال وإذا ضرب بطن امرأة فألقت جنينا ميتا ففيه غرة وهي نصف عشر الدية قال رضي الله عنه معناه دية الرجل وهذا في الذكر وفي الأنثى عشر دية المرأة وكل منهما خمسمائة درهم والقياس أن لايجب شيء لأنه لم يتيقن بحياته والظاهر لا يصلح حجة للاستحقاق وجه الاستحسان ما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الجنين غرة عبد أو أمه قيمته خمسمائة ويروى أو خمسمائة فتركنا القياس بالأثر وهو حجة على من قدرها بستمائة نحو مالك والشافعي وهي على العاقلة عندنا إذا كانت خمسمائة درهم وقال مالك في ماله لأنه بدل الجزء ولنا أنه عليه الصلاة والسلام قضى بالغرة على العاقلة ولأنه بدل النفس ولهذا سماه عليه الصلاة والسلام دية حيث قال دوه وقالوا أندى من لا صاح ولا استهل الحديث إلا أن العواقل لا تعقل ما دون خمسمائة وتجب في سنة وقال الشافعي رحمه الله في ثلاث سنين لأنه بدل النفس ولهذا يكون موروثا بين ورثته ولنا ما روي عن محمد بن الحسن رحمه الله أنه قال بلغنا أن رسول الله عليه الصلاة والسلام جعله على العاقلة في سنة ولأنه إن كان بدل النفس من حيث إنه نفس على حدة فهو بدل العضو من حيث الاتصال بالأم فعملنا بالشبه الأول في حق التوريث وبالثاني في حق التأجيل إلى سنة لأن بدل العضو إذا كان ثلث الدية أو أقل أكثر من نصف العشر يجب في سنة بخلاف أجزاء الدية لأن كل جزء منها على من وجب يجب في ثلاث سنين ويستوي فيه الذكر والأنثى لا طلاق ما روينا ولأن في الحيين إنما ظهر التفاوت لتفاوت معاني الآدمية ولا تفاوت في الجنين فيقدر بمقدار واحد وهو خمسمائة فإن ألقته حيا ثم مات ففيه دية كاملة لأنه أتلف حيا بالضرب السابق وإن ألقته ميتا ثم ماتت الأم فعليه دية بقتل الأم وغرة بإلقائها وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام قضى في هذا بالدية والغرة وإن ماتت الأم من الضربة ثم خرج الجنين بعد ذلك حيا ثم مات فعليه دية في الأم ودية في الجنين لأنه قاتل شخصين وإن ماتت ثم ألقت ميتا فعليه دية في الأم ولا شيء في الجنين وقال الشافعي رحمه الله تجب الغرة في الجنين لأن الظاهر موته بالضرب فصار كما إذا ألقته ميتا وهي حية ولنا أن موت الأم أحد سببي موته لأنه يختنق بموتها إذ تنفسه بتنفسها فلا يجب الضمان بالشك
قال وما يجب في الجنين موروث عنه لأنه بدل نفسه فيرثه ورثته ولا يرثه الضارب حتى لو ضرب بطن امرأته فألقت ابنه ميتا فعلى عاقلة الأب غرة ولا يرث منها لأنه قاتل بغير حق مباشرة ولا ميرات للقاتل قال وفي جنين الأمة إذا كان ذكرا نصف عشر قيمته لو كان حيا وعشر قيمته لو كان أنثى وقال الشافعي رحمه الله فيه عشر قيمة الأم لأنه جزء من وجه وضمان الأجزاء يؤخذ مقدارها من الأصل ولنا أنه بدل نفسه لأن ضمان الطرف لا يجب إلا عند ظهور النقصان ولا معتبر به في ضمان الجنين فكان بدل نفسه فيقدر بها وقال أبو يوسف رحمه الله يجب ضمان النقصان لو انتقصت الأم اعتبارا بجنين البهائم وهذا لأن الضمان في قتل الرقيق ضمان مال عنده على ما نذكر إن شاء الله تعالى فصح الاعتبار على أصله قال فإن ضربت فأعتق المولى ما في بطنها ثم ألقته حيا ثم مات ففيه قيمته حيا ولا تجب الدية وإن مات بعد العتق لأنه قتله بالضرب السابق وقد كان في حالة الرق فلهذا تجب القيمة دون الدية وتجب قيمته حيا لأنه بالضرب صار قاتلا إياه وهو حي فنظرنا إلى حالتي السبب والتلف وقيل هذا عندهما وعند محمد رحمه الله تجب قيمته ما بين كونه مضروبا إلى كونه غير مضروب لأن الإعتاق قاطع للسراية على ما يأتيك بعد إن شاء الله تعالى قال ولا كفارة في الجنين وعند الشافعي رحمه الله تجب لأنه نفس من وجه فتجب الكفارة أحتياطا ولنا أن الكفارة فيها معنى العقوبة وقد عرفت في النفوس المطلقة فلا تتعداها ولهذا لم يجب كل البدل قالوا إلا أن يشاء ذلك لأنه ارتكب محظورا فإذا تقرب إلى الله تعالى كان أفضل له ويستغفر مما صنع والجنين الذي قد استبان بعض خلقه بمنزلة الجنين التام في جميع هذه الأحكام الطلاق ما روينا ولأنه ولد في حق أمومية الولد وانقضاء العدة والنفاس وغير ذلك فكذا في حق هذا الحكم ولأن بهذا القدر يتميز عن العلقة والدم فكان نفسا والله أعلم 2 باب ما يحدث الرجل في الطريق 2 قال ومن أخرج إلى الطريق الأعظم كنيفا أو ميزابا أو جرصنا أو بنى دكانا فلرجل من عرض الناس أن ينزعه لأن كل واحد صاحب حق بالمرور بنفسه وبدوابه فكان له حق النقض كما في الملك المشترك فإن لكل واحد حق النقض لو أحدث غيرهم فيه شيئا فكذا في الحق المشترك قال ويسع للذي عمله أن ينتفع به مالم يضر بالمسلمين لأن له حق المرور ولا ضرر فيه فيلحق ما في معناه به إذ المانع متعنت فإذا أضر بالمسلمين كره له ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام لا ضرر ولا ضرار في الإسلام قال وليس لأحد من أهل الدرب الذي ليس بنافذ أن يشرع كنيفا ولا ميزابا إلا بإذنهم لأنها مملوكة لهم ولهذا وجبت الشفعة لهم على كل حال فلا يجوز التصرف أضر بهم أو لم يضر إلا بإذنهم وفي الطريق النافذ له التصرف إلا إذا أضر لأنه يتعذر الوصول إلى إذن الكل فجعل في حق كل واحد كأنه هو المالك وحده حكما كيلا يتعطل عليه طريق الانتفاع ولا كذلك غير النافذ لأن الوصول إلى إرضائهم ممكن فبقي على الشركة حقيقة وحكما
قال وإذا أشرع في الطريق روشنا أو ميزابا أو نحوه فسقط على إنسان فعطب فالدية على عاقلته لأنه مسبب لتلفه متعد بشغله هواء الطريق وهذا من أسباب الضمان وهو الأصل وكذلك إذا سقط شيء مما ذكرنا في أول الباب وكذلك إذا تعثر بنقضه إنسان أو عطبت به دابة وإن عثر بذلك رجل فوقع على آخر فماتا فالضمان على الذي أحدثه فيهما لأنه يصير كالدافع إياه عليه وإن سقط الميزاب نظر فإن أصاب ما كان منه في الحائط رجلا فقتله فلا ضمان عليه لأنه غير متعد فيه لما أنه وضعه في ملكه وإن أصابه ما كان خارجا من الحائط فالضمان على الذي وضعه فيه لكونه متعديا فيه ولا ضرورة لأنه يمكنه أن يركبه في الحائط ولا كفارة عليه ولا يحرم من الميراث لأنه ليس بقاتل حقيقة ولو أصابه الطرفان جميعا وعلم ذلك وجب نصف الدية وهدر النصف كما إذا جرحه سبع وإنسان ولو لم يعلم أي طرف أصابه يضمن النصف اعتبارا للأحوال ولو أشرع جناحا إلى الطريق ثم باع الدار فأصاب الجناح رجلا فقتله أو وضع خشبة في الطريق ثم باع الخشبة وبرىءإليه منها فتركها المشتري حتى عطب بها إنسان فالضمان على البائع لأن فعله وهو الوضع لم ينفسخ بزوال ملكه وهو الموجب ولو وضع في الطريق جمرا فأحرق شيئا يضمنه لأنه متعد فيه ولو حركته الريح إلى موضع آخر ثم أحرق شيئا لم يضمنه لنسخ الريح فعله وقيل إذا كان اليوم ريحا يضمنه لأنه فعله مع علمه بعاقبته وقد أفضى إليها فجعل كمباشرته ولو استأجر رب الدار العملة لإخراج الجناح أو الظلة فوقع فقتل إنسانا قبل أن يفرغوا من العمل فالضمان عليهم لأن التلف بفعلهم وما لم يفرغوا لم يكن العمل مسلما إلى رب الدار وهذا لأنه انقلب فعلهم قتلا حتى وجبت عليهم الكفارة والقتل غير داخل في عقده فلم يتسلم فعلهم إليه فاقتصر عليهم وإن سقط بعد فراغهم فالضمان على رب الدار استحسانا لأنه صح الاستئجار حتى استحقوا الأجر ووقع فعلهم عمارة وإصلاحا فانتقل فعلهم إليه فكأنه فعل بنفسه فلهذا يضمنه وكذا إذا صب الماء في الطريق فعطب به إنسان أو دابة وكذا إذا رش الماء أو توضأ لأنه متعد فيه بإلحاق الضرر بالمارة بخلاف ما إذا فعل ذلك في سكة غير نافذة وهو من اهلها أو قعد أو وضع متاعه لأن لكل واحد أن يفعل ذلك فيها لكونه من ضرورات السكنى كما في الدار المشتركة فالوا هذا إذا رش ماء كثيرا بحيث يزلق به عادة إما إذا رش ماء قليلا كما هو المعتاد والظاهر أنه لايزلق به عادة لا يضمن ولو تعمد المرور في موضع صب الماء فسقط لا يضمن الراش لأنه صاحب علة وقيل هذا إذا رش بعض الطريق لأنه يجد موضعا للمرور لا أثر للماء فيه فإذا تعمد المرور على موضع صب الماء مع علمه بذلك لم يكن على الراش شيئا وإن رش جميع الطريق يضمن لأنه مضطر في المرور وكذلك الحكم في الخشبة الموضوعة في الطريق في أخذها جمعه أو بعضه ولو رش فناء حانوت بإذن صاحبه فضمان ما عطب على الآمر استحسانا وإذا استأجر أجيرا ليبني له في فناء حانوته فتعقل به إنسان بعد فراغه من العمل فمات يجب الضمان على الآمر استحسانا ولو كان أمره بالبناء في وسط الطريق فالضمان على الأجير لفساد الأمر قال ومن حفر بئرا في طريق المسلمين أو وضع حجرا فتلف بذلك إنسان فديته على عاقلته وإن تلفت به بهيمة فضمانها في ماله لأنه متعد فيه فيضمن ما يتولد منه غير أن العاقلة تتحمل النفس دون المال فكان ضمان البهيمة في ماله وإلقاء التراب واتخاذ الطين في الطريق بمنزلة إلقاء الحجر والخشبة لما ذكرناه بخلاف ما إذا كنس الطريق فعطب بموضع كنسه إنسان حيث لم يضمن لأنه ليس بمتعد فإنه ما أحدث شيئا فيه إنما قصد دفع الأذى عن الطريق حتى لو جمع الكناسة في الطريق وتعقل بها إنسان كان ضامنا لتعديه بشغله
ولو وضع حجرا فنحاه غيره عن موضعه فعطب به إنسان فالضمان على الذي نحاه لأن حكم فعله قد انتسخ لفرغ ما شغله وإنما اشتغل بالفعل الثاني موضع آخر وفي الجامع الصغير في البالوعة يحفرها الرجل في الطريق فإن أمره السلطان بذلك أو أجبره عليه لم يضمن لأنه غير متعد حيث فعل ما فعل بأمر من له الولاية في حقوق العامة وإن كان بغير أمره فهو متعد إما بالتصرف في حق غيره إو بالافتيات على رأي الإمام أو هو مباح مقيد بشرط السلامة وكذا الجواب على هذا التفصيل في جميع ما فعل في طريق العامة مما ذكرناه وغيره لأن المعنى لا يختلف وكذا إن حفره في ملكه لا يضمن لأنه غير متعد وكذا إذا حفره في فناء داره لأن له ذلك لمصلحة داره والفناء في تصرفه وقيل هذا إذا كان الفناء مملوكا له أو كان له حق الحفر فيه لأنه غير متعد أما إذا كان لجماعة المسلمين أو مشتركا بأن كان في سكة غير نافذة فإنه يضمنه لأنه مسبب متعد وهذا صحيح ولو حفر في الطريق ومات الواقع فيه جوعا أو غما لاضمان على الحافر عند أبي حنيفة رحمه الله لأنه مات لمعنى في نفسه فلا يضاف إلى الحفر والضمان إنما يجب إذا مات من الوقوع وقال أبو يوسف رحمه الله إن مات جوعا فكذلك وإن مات غما فالحافر ضامن له لأنه لا سبب للغم سوى الوقوع أما الجوع فلا يختص بالبئر وقال محمد هو ضامن في الوجوه كلها لأنه إنما حدث بسبب الوقوع إذ لولاه لكان الطعام قريبا منه قال وإن استأجر أجراء فحفروها له في غير فنائه فذلك على المستأجر ولا شيء على الأجراء إن لم يعلموا أنها في غير فنائه لأن الإجارة صحت ظاهرا إذا لم يعلموا فنقل فعلهم إليه لأنهم كانوا مغرورين فصار كما إذا أمر آخربذبح هذه الشاة فذبحها ثم ظهر أن الشاة لغيره إلا أن هناك يضمن المأمور ويرجع على الآمر لأن الذابح مباشر والآمر مسبب والترجيح للمباشرة فيضمن المأمور ويرجع المغرور وهنا يجب الضمان على المستأجر ابتداء لأن كل واحد منهما مسبب والأجير غيرمتعد والمستأجر متعد فيرجح جانبه وإن علموا ذلك فالضمان على الأجراء لأنه لم يصح أمره بما ليس بمملوك له ولا غرور فبقي الفعل مضافا إليهم وإن قال لهم هذا فنائي وليس لي فيه حق الحفر فحفروه فمات فيه إنسان فالضمان على الأجراء قياسا لأنهم علموا بفساد الأمر فما غرهم وفي الاستحسان الضمان على المستأجر لأن كونه فناء له بمنزلة كونه مملوكا له لانطلاف يده إلى التصرف فيه من إلقاء الطين والحطب وربط الدابة والركوب وبناء الدكان فكان الأمربالحفر في ملكه ظاهرا بالنظر إلى ما ذكرنا فكفى ذلك لنقل الفعل إليه قال ومن جعل قنطرة بغير إذن الإمام فتعمد رجل المرور عليها فعطب فلا ضمان على الذي عمل القنطرة وكذلك إن وضع خشبة في الطريق فتعمد رجل المرور عليها لأن الأول تعد هو تسبيب والثاني تعد هو مباشرة فكانت الإضافة إلى المباشر أولى ولأن تخلل فعل فاعل مختار يقطع النسبة كما في الحافر مع الملقي قال ومن حمل شيئا في الطريق فسقط على إنسان فعطب به إنسان فهو ضامن وكذا إذا سقط فتعثر به إنسان وإن كان رداء قد لبسه فسقط عنه فعطب به إنسان لم يضمن وهذا اللفظ يشمل الوجهين والفرق أن حامل الشيء قاصد حفظه فلا حرج في التقييد بوصف السلامة واللابس لا يقصد حفظ ما يلبسه فيخرج بالتقييد بما ذكرناه فجلعناه مباحا مطلقا وعن محمد رحمه الله أنه إذا لبس ما لا يلبسه عاد فهو كالحامل لأن الحاجة لا تدعو إلى لبسه
قال وإذا كان المسجد للعشيرة فعلق رجل منهم فيه قنديلا أو جعل فيه بواري أو حصاة فعصب رجل لم يضمن وإن كان الذي فعل ذلك من غير العشيرة ضمن قالوا هذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا يضمن في الوجهين جميعا لأن هذه من القرب وكل أحد مأذون في إقامتها فلا يتقيد بشرط السلامة كما إذا فعله بإذن واحد من أهل السمجد ولأبي حنيفة رحمه الله وهو الفرق أن التدبير فيما يتعلق بالمسجد لأهله دون غيرهم كنصب الإمام واختير المتولي وفتح بابه وإغلاقه وتكرار الجماعة إذا سبقهم بها غيرأهله فكان فعلهم مباحا مطلقا غير مقيد بشرط السلامة وفعل غيرهم تعديا أو مباحا مقيدا بشرط السلامة وقصد القربة لا ينافي الغرامة إذا أخطأ الطريق كما إذا تفرد بالشهادة على الزنا بالطريق فيما نحن فيه الاستئذان من أهله قال وإن جلس فيه رجل منهم فعطب به رجل لم يضمن إن كان في الصلاة وإن كان في غير الصلاة ضمن وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا يضمن على كل حال ولو كان جالسا لقراءة القرآن أو للتعليم أو للصلاة أو نام فيه في أثناء الصلاة أو نام في غير الصلاة أو مر فيه مار أو قعد فيه لحديث فهو على هذا الاختلاف وأما المعتكف فقد قيل على هذا الاحتلاف وقيل لا يضمن بالاتفاق لهما أن السمجد إنما بني للصلاة والذكر ولا يمكنه أداء الصلاة بالجماعة إلا بانتظارها فكان الجلوس فيه مباحا لأنه من ضرورات الصلاة أو لأن المنتظر للصلاة في الصلاة حكما بالحديث فلا يضمن كما إذا كان في الصلاة وله أن المسجد إنما بني للصلاة وهذه الأشياء ملحقة بها فلا بد من إظهار التفاوت فجعلنا الجلوس للأصل مباحا مطلقا والجلوس لمايلحق به مباحا مقيدا بشرط السلام ولا غرو أن يكون الفعل مباحا أو مندوبا إليه وهو مقيد بشرط السلامة كالرمي إلى الكافر إو إلى الصيد والمشي في الطريق والمشي في المسجد إذا وطىء غيره والنوم فيه إذا انقلب على غيره وإن جلس رجل من غير العشيرة فيه للصلاة فتعقل به إنسان ينبغي أن لايضمن لأن المسجد بني للصلاة وأمر الصلاة بالجماعة إن كان مفوضا إلى اهل المسجد فلكل واحد من المسلمين أن يصلي فيه وحده والله سبحانه وتعالى أعلم فصل في الحائط المائل قال وإذا مال الحائط إلى طريق المسلمين فطولب صاحبه بنقضه وأشهد عليه فلم ينقضه في مدة يقدر على نقضه حتى سقط ضمن ما تلف به من نفس أو مال والقياس أن لايضمن لأنه لا صنع منه مباشرة ولا مباشرة شرط هو متعد فيه لأن أصل البناء كان في ملكه والميلان وشغل الهواء ليس من فعله فصار كما قبل الإشهاد وجه الاستحسان أن الحائط لما مال إلى الطريق فقد اشتغل هواء طريق المسلمين بملكه ورفعه في يده فإذا تقدم إليه وطولب بتفريغه يجب عليه فإذا امتنع صار متعديا بمنزلة مالو وقع ثوب إنسان في حجره يصير متعديا بالامتناع عن التسليم إذا طولب به كذا هذا بخلاف ما قبل الإشهاد لأنه بمنزلة هلاك الثوب قبل الطلب ولأنا لو لم نوجب عليه الضمان يمتنع عن التفريغ فينقطع المارة حذرا على أنفسهم فيتضررون به ودفع الضرر العام من الواجب وله تعلق بالحائط فيتعين لدفع هذا الضرر وكم من ضرر خاص يتحمل لدفع العام منه ثم فيما تلف به من النفوس تجب الدية وتتحملها العاقلة لأنه في كونه جناية دون الخطأ فيستحق فيه التخفيف بالطريق الأولى كيلا يؤدي إلى استئصاله والإجحاف به وما تلف به من الأموال كالدواب والعروض يجب ضمانها في ماله لأن العواقل لا تعقل المال والشرط التقدم إليه وطلب النقض منه دون الإشهاد وإنما ذكر الإشهاد ليتمكن من إثباته عند إنكاره فكان من باب الاحتياط وصورة الإشهاد أن يقول الرجل اشهدوا إني قد تقدمت إلى هذا الرجل في هدم حائطه هذا ولا يصح الإشهاد قبل أن يهيىء الحائط لانعدام التعدي
قال ولو بنى الحائط مائلا في الابتداء قالوا يضمن ما تلف بسقوطه من غير إشهاد لأن البناء تعد ابتداء كما في إشراع الجناح قال وتقبل شهادة رجلين أو رجل وامرأتين على التقدم لأن هذه ليست بشهادة على القتل وشرط الترك في مدة يقدر على نقضه فيها لأنه لا بد من إمكان النقض ليصير بتركه جانبا ويستوي أن يطالبه بنقضه مسلم أو ذمي لأن الناس كلهم شركاء في المرور فيصح التقدم إليه من كل واحد منهم رجلا كان أو امرأة حرا كان أو مكاتبا ويصح التقدم إليه عند السلطان وغيره لأنه مطالبة بالتفريغ فينفرد كل صاحب حق به قال وإن مال إلى دار رجل فالمطالبة إلى مالك الدار خاصة لأن الحق له على الخصوص وإن كان فيها سكان لهم أن يطالبوه لأن لهم المطالبة بإزالة ما شغل الدار فكذا بإزالة ما شغل هواءها ولو أجله صاحب الدار أو أبرأه منها أو فعل ذلك ساكنوها فذلك جائز ولا ضمان عليه فيما تلف بالحائط لأن الحق لهم بخلاف ما إذا مال إلى الطريق فأجله القاضي أو من أشهد عليه حيث لايصح لأن الحق لجماعة المسلمين وليس إليهما إبطال حقهم ولو باع الدار بعد ما أشهد عليه وقبضها المشتري بريء من ضمانه لأن الجناية بترك الهدم مع تمكنه وقد زال تمكنه بالبيع بخلاف إشراع الجناح لأنه كان جانبا بالوضع ولم ينفسخ بالبيع فلا يبرأ على ما ذكرنا ولا ضمان على المشتري لأنه لم يشهد عليه ولو أشهد عليه بعد شرائه فهو ضامن لتركه التفريغ مع تمكنه بعدما طولب به والأصل أنه يصح التقدم إلى كل من يتمكن من نقض الحائط وتفريغ الهواءومن لا يتمكن منه لا يصح التقدم إليه كالمرتهن والمستأجر والمودع وساكن الدار ويصح التقدم إلى الراهن لقدرته على ذلك بواسطة الفكاك وإلى الوصي وإلى أب اليتيم أو أمه في حائط الصبي لقيام الولاية وذكر الأم في الزيادات والضمان في مال اليتيم لأن فعل هؤلاء كفعله وإلى المكاتب لأن الولاية له وإلى العبد التاجر سواء كان عليه دين أو لم يكن لآن ولاية النقض له ثم التالف بالسقوط إن كان مالا فهو في عنق العبد وإن كان نفسا فهو على عاقلة المولى لأن الإشهاد من وجه على المولى وضمان المال أليق بالعبد وضمان النفس بالمولى ويصح التقدم إلى أحد الورثة في نصيبه وإن كان لا يتمكن من نقض الحائط وحده لتمكنه من إصلاح نصيبه بطريقه وهو المرافعة إلى القاضي ولو سقط الحائط المائل على إنسان بعد الإشهاد فقتله فتعثر بالقتيل غيره فعطب لا يضمنه لأن التفريغ عنه إلى الأولياء لا إليه قال وإن عطب النقض ضمنه لأن التفريغ إليه إذ النقض ملكه والإشهاد على الحائط إشهاد على النقض لأن المقصود امتناع الشغل قال ولو عطب بجرة كانت على الحائط فسقطت بسقوطه وهي ملكه ضمنه لأن التفريغ إليه وإن كان ملك غيره لا يضمنه لأن التفريغ إلى مالكها قال وإذا كان الحائط بين خمسة رجال أشهد على أحدهم فقتل إنسانا ضمن خمس الدية ويكون ذلك على عاقلته وإن كانت دار بين ثلاثة نفر فحفر أحدهم فيها بئرا والحفركان بغير رضا الشريكين الآخرين أو بنى حائطا فعطب به إنسان فعليه ثلثا الدية على عاقلته وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا عليه نصف الدية على عاقلته في الفصلين لهما أن التلف بنصيب من أشهد عليه معتبر وبنصيب من لم يشهد عليه هدر فكانا قسمين فانقسم نصفين كما مر في عقر الأسد ونهش الحية وجرح الرجل وله أن الموت حصل بعلة واحدة وهو الثقل المقدر والعمق المقدر لأن أصل ذلك بعلة وهو القليل حتى يعتبر كل جزء علة فتجتمع العلل وإذا كان كذلك يضاف إلى العلة الواحدة ثم تقسم على أربابها بقدر الملك بخلاف الجراحات فإن كل جراحة علة المتلف بنفسها صغرت أو كبرت على ما عرف إلا أن عند المزاحمة أضيف إلى الكل لعدم الأولوية والله أعلم 2 باب جناية البهيمة والجناية عليها 2
قال الراكب ضامن لما أوطأت الدابة ما أصابت بيدها أو رجلها أو راسها أو كدمت أو خبطت وكذا إذا صدمت ولا يضمن ما نفحت برجلها أو ذنبها والأصل أن المرور في طريق المسلمين مباح مقيد بشرط السلامة لأنه يتصرف في حقه من وجه وفي حق غيره من وجه لكونه مشتركا بين كل الناس فقلنا بالإباحة مقيدا بما ذكرنا ليعتدل النظر من الجانبين ثم إنما يتقيد بشرط السلامة فيما يمكن الاحتراز عنه ولا يتقيد بها فيما لايمكن التحرز عنه لما فيه من المنع عن التصرف وسد بابه وهو مفتوح والاحتراز عن الإبطاء وما يضاهيه ممكن فإنه ليس من ضرورات التسيير فقيدناه بشرط السلامة عنه والنفحة بالرجل والذنب ليس يمكنه الاحتراز عنه مع السير على الدابة فلم يتقيد به قال فإن أوقفها في الطريق ضمن النفحة أيضا لأنه يمكنه التحرز عن الإيقاف وإن لم يمكنه عن النفحة فصار متعديا في الإيقاف وشغل الطريق به فيضمنه قال وإن أصابت بيدها أو برجلها حصاة أو نواة أو أثارت غبارا أو حجرا صغيرا ففقأ عين إنسان أو أفسد ثوبه لم يضمن وإن كان حجرا كبيرا ضمن لأنه في الوجه الأول لا يمكن التحرز عنه إذا سير الدواب لا يعرى عنه وفي الثاني ممكن لأنه ينفك عن السير عادة وإنما ذلك بتعنيف الراكب والمرتدف فيما ذكرنا كالراكب لأن المعنى لا يختلف قال فإن راثت أو بالت في الطريق وهي تسير فعطب به إنسان لم يضمن لأنه من ضرورات السير فلا يمكنه الاحتراز عنه قال وكذا إذا أوقفها لذلك لأن من الدواب مالا يفعل ذلك إلا بالإيقاف وإن أوقفها لغير ذلك فعطب إنسان بروثها أوبولها ضمن لأنه متعد في هذا الإيقاف لأنه ليس من ضرورات السير ثم هو أكثر ضررا بالمارة من السير لما أنه أدوم منه فلا يلحق به قال والسائق ضامن لما اصابت بيدها أو رجلها والقائد ضامن لما أصابت بيدها دون رجلها والمراد النفحة قال رضي الله عنه هكذا ذكره القدوري رحمه الله في مختصره وإليه مال بعض المشايخ رحمهم الله ووجهه أن النفحة بمرأى عين السائق فيمكنه الاحتراز عنه وغائب عن بصر القائد فلا يمكنه التحرز عنه وقال أكثر المشايخ إن السائق لا يضمن النفحة أيضا وإن كان يراها إذ ليس على رجلها ما يمنعها به فلا يمكنه التحرز عنه بخلاف الكدم لإمكانه كبحها بلجامها وبهذا ينطق أكثر النسخ وهو الأصح وقال الشافعي رحمه الله يضمنون النفحة كلهم لأن فعلها مضاف إليهم والحجة عليه ما ذكرنا وقوله عليه الصلاة والسلام الرجل جبار ومعناه النفحة بالرجل وانتقال الفعل بتخويف القتل كما في المكره وهذا تخويف بالضرب قال وفي الجامع الصغير وكل شيء ضمنه الراكب ضمنه السائق والقائد لأنهما مسببان بمباشرتهما شرط التلف وهو تقريب الدابة إلى مكان الجناية فيتقيد بشرط السلامة فيما يمكن الاحتراز عنه كالراكب قال إلا أن على الراكب الكفارة فيما أوطأته الدابة بيدها أو برجلها قال ولا كفارة عليها ولا على الراكب فيما وراء الإيطاء لأن الراكب مباشر فيه لأن التلف بثقله وثقل الدابة تبع له لأن سير الدابة مضاف إليه وهي آله له وهما مسببان لأنه لا يتصل منهما إلى المحل شيء وكذا الراكب في غير الإبطاء والكفارة حكم المباشرة لا حكم االتسبب وكذا يتعلق بالإبطاء في حق الراكب حرمان الميراث والوصية دون السائق والقائد لأنه يختص بالمباشرة قال ولو كان راكب وسائق قيل لا يضمن السائق ما أوطأت الدابة لأن الراكب مباشر فيه لما ذكرناه والسائق مسبب والإضافة إلى المباشر أولى وقيل الضمان عليهما لأن كل ذلك سبب الضمان