Qur'an&Sunnah

İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî)

Sección V01/P287–V01/P288

والسبب في اختلافهم اختلاف الآثار ومعارضة القياس للأثر وذلك أن أبا داود خرج عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم لرجل وفرسه ثلاثة أسهم سهمان للفرس وسهم لراكبه وخرج أيضا عن مجمع بن حارثة الأنصاري مثل قول أبي حنيفة وأما القياس المعارض لظاهر حديث ابن عمر فهو أن يكون سهم الفرس أكبر من سهم الإنسان هذا الذي اعتمده أبو حنيفة في ترجيح الحديث الموافق لهذا القياس على الحديث المخالف له وهذا القياس ليس بشيء لأن سهم الفرس إنما استحقه الإنسان الذي هو الفارس بالفرس وغير بعيد أن يكون تأثير الفارس بالفرس في الحرب ثلاثة أضعاف تأثير الراجل بل لعله واجب مع أن حديث ابن عمر أثبت وأما ما يجوز للمجاهد أن يأخذ من الغنيمة قبل القسم فإن المسلمين اتفقوا على تحريم الغلول لما ثبت في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قوله عليه الصلاة والسلام أد الخائط والمخيط فإن الغلول عار وشنار على أهله يوم القيامة إلى غير ذلك من الآثار الواردة في هذا الباب واختلفوا في إباحة الطعام للغزاة ما داموا في أرض الغزو فأباح ذلك الجمهور ومنع من ذلك قوم وهو مذهب ابن شهاب والسبب في اختلافهم معارضة الآثار التي جاءت في تحريم الغلول للآثار الواردة في إباحة أكل الطعام من حديث ابن عمر وابن المغفل وحديث ابن أبي أوفى فمن خصص أحاديث تحريم الغلول بهذه أجاز أكل الطعام للغزاة ومن رجح أحاديث تحريم الغلول على هذا لم يجز ذلك وحديث ابن مغفل هو قال أصبت جراب شحم يوم خيبر فقلت لا أعطي منه شيئا فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم خرجه البخاري ومسلم وحديث ابن أبي أوفى قال كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا ندفعه خرجه أيضا البخاري واختلفوا في عقوبة الغال فقال قوم يحرق رحله وقال بعضهم ليس له عقاب إلا التعزير وسبب اختلافهم اختلافهم في تصحيح حديث صالح بن محمد بن زائدة عن سالم عن ابن عمر أنه قال قال عليه الصلاة والسلام من غل فأحرقوا متاعه الفصل الثالث في حكم الأنفال وأما تنفيل الإمام من الغنيمة لمن شاء أعني أن يزيده على نصيبه فإن العلماء اتفقوا على جواز ذلك واختلفوا من أي شيء يكون النفل وفي مقداره وهل يجوز الوعد به قبل الحرب وهل يجب السلب للقاتل أم ليس يجب إلا أن ينفله له الإمام فهذه أربع مسائل هي قواعد هذا الفصل أما المسألة الأولى فإن قوما قالوا النفل يكون من الخمس الواجب لبيت مال المسلمين وبه قال مالك وقال قوم بل النفل إنما يكون من خمس الخمس وهو حظ الإمام فقط وهو الذي اختاره الشافعي وقال قوم بل النفل من جملة الغنيمة وبه قال أحمد وأبو عبيدة ومن هؤلاء من أجاز تنفيل جميع الغنيمة والسبب في اختلافهم هو هل بين الآيتين الواردتين في المغانم تعارض أم هما على التخيير أعني قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء الآية وقوله تعالى يسألونك عن الأنفال الآية فمن رأى أن قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ناسخا لقوله تعالى يسألونك عن الأنفال قال لا نفل إلا من الخمس أو من خمس الخمس ومن رأى أن الآيتين لا معارضة بينهما وأنها على التخيير أعني أن للإمام أن ينفل من رأس الغنيمة من شاء وله إلا ينفل بأن يعطي جميع أرباع الغنيمة للغانمين قال بجواز النفل من رأس الغنيمة

Sección V01/P288–V01/P289

ولاختلافهم أيضا سبب آخر وهو اختلاف الآثار في هذا الباب وفي ذلك أثران أحدهما ما روى مالك عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قبل نجد فغنموا إبلا كثيرة فكان سهمانهم اثني عشر بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا وهذا يدل على أن النفل كان بعد القسمة من الخمس والثاني حديث حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل الربع من السرايا بعد الخمس في البداءة وينفلهم الثلث بعد الخمس في الرجعة يعني في بداءة غزوه عليه الصلاة والسلام وفي انصرافه وأما المسألة الثانية وهي ما مقدار ما للإمام أن ينفل من ذلك عند الذين أجازوا النفل من رأس الغنيمة فإن قوما قالوا لا يجوز أن ينفل أكثر من الثلث أو الربع على حديث حبيب بن مسلمة وقال قوم إن نفل الإمام السرية جميع ما غنمت جاز مصيرا إلى أن آية الأنفال غير منسوخة بل محكمة وأنها على عمومها غير مخصصة ومن رأى أنها مخصصة بهذا الأثر قال لا يجوز أن ينفل أكثر من الربع أو الثلث وأما المسألة الثالثة وهي هل يجوز الوعد بالتنفيل قبل الحرب أم ليس يجوز ذلك فإنهم اختلفوا فيه فكره ذلك مالك وأجازه جماعة وسبب اختلافهم معارضة مفهوم مقصد الغزو لظاهر الأثر وذلك أن الغزو إنما يقصد به وجه الله العظيم ولتكون كلمة الله هي العليا فإذا وعد الإمام بالنفل قبل الحرب خيف أن يسفك دماءهم الغزاة في حق غير الله وأما الأثر الذي يقتضي ظاهره جواز الوعد بالنفل فهو حديث حبيب بن مسلمة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ينفل في الغزو السرايا الخارجة من العسكر الربع وفي القفول الثلث ومعلوم أن المقصود من هذا إنما هو التنشيط على الحرب وأما المسألة الرابعة وهي هل يجب سلب المقتول للقاتل أو ليس يجب إلا إن نفله له الإمام فإنهم اختلفوا في ذلك فقال مالك لا يستحق القاتل سلب المقتول إلا أن ينفله له الإمام على جهة الاجتهاد وذلك بعد الحرب وبه قال أبو حنيفة والثوري وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق وجماعة من السلف واجب للقاتل قال ذلك الإمام أو لم يقله ومن هؤلاء من جعل السلب له على كل حال ولم يشترط في ذلك شرطا ومنهم من قال لا يكون له السلب إلا إذا قتله مقبلا غير مدبر وبه قال الشافعي ومنهم من قال إنما يكون السلب للقاتل إذا كان القتل قبل معمعة الحرب أو بعدها وبه قال الأوزاعي وأما إن قتله في حين المعمعة فليس له سلب وبه قال الأوزاعي وقال قوم إن استكثر الإمام السلب جاز أن يخمسه وسبب اختلافهم هو احتمال قوله عليه الصلاة والسلام يوم حنين بعد ما برد القتال من قتل قتيلا فله سلبه أن يكون ذلك منه عليه الصلاة والسلام على جهة النفل أو على جهة الاستحقاق للقاتل و مالك رحمه الله قوي عنده أنه على جهة النفل من قبل أنه لم يثبت عنده أنه قال ذلك عليه الصلاة والسلام ولا قضى به إلا أيام حنين ولمعارضة آية الغنيمة له إن حمل ذلك على الاستحقاق أعني قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء الآية فإنه لما نص في الآية على أن الخمس لله علم أن أربعة الأخماس واجبة للغانمين كما أنه لما نص على الثلث للأم في المواريث علم أن الثلثين للأب قال أبو عمر وهذا القول محفوظ عنه صلى الله عليه وسلم في حنين وفي بدر وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال كنا لا نخمس السلب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

Sección V01/P289–V01/P291

وخرج أبو داود عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل وخرج ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك أن البراء بن مالك حمل على مرزبان يوم الدارة فطعنه طعنة على قربوس سرجه فقتله فبلغ سلبه ثلاثين ألفا فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال لأبي طلحة إنا كنا لا نخمس السلب وإن سلب البراء قد بلغ مالا كثيرا ولا أراني إلا خمسته قال قال ابن سيرين فحدثني أنس بن مالك أنه أول سلب خمس في الإسلام وبهذا تمسك من فرق بين السلب القليل والكثير واختلفوا في السلب الواجب ما هو فقال قوم له جميع ما وجد على المقتول واستثنى قوم من ذلك الذهب والفضة الفصل الرابع في حكم ما وجد من أموال المسلمين عند الكفار وأما أموال المسلمين التي تسترد من أيدي الكفار فإنهم اختلفوا في ذلك على أربعة أقوال مشهورة أحدها أن ما استرد المسلمون من أيدي الكفار من أموال المسلمين فهو لأربابها من المسلمين وليس للغزاة المستردين لذلك منها شيء وممن قال بهذا القول الشافعي وأصحابه وأبو ثور والقول الثاني أن ما استرد المسلمون من ذلك هو غنيمة الجيش ليس لصاحبه منه شيء وهذا القول قاله الزهري وعمرو بن دينار وهو مروي عن علي بن أبي طالب والقول الثالث أن ما وجد من أموال المسلمين قبل القسم فصاحبه أحق به بلا ثمن وما وجد من ذلك بعد القسم فصاحبه أحق به بالقيمة وهؤلاء انقسموا قسمين فبعضهم رأى هذا الرأي في كل ما استرده المسلمون من أيدي الكفار بأي وجه صار ذلك إلى أيدي الكفار وفي أي موضع صار وممن قال بهذا القول مالك والثوري وجماعة وهو مروي عن عمر بن الخطاب وبعضهم فرق بين ما صار من ذلك إلى أيدي الكفار غلبة وحازوه حتى أوصلوه إلى دار المشركين وبين ما أخذ منهم قبل أن يحوزوه ويبلغوا به دار الشرك فقالوا ما حازوه فحكمه إن ألفاه صاحبه قبل القسم فهو له وإن ألفاه بعد القسم فهو أحق به بالثمن قالوا وأما ما لم يحزه العدو بأن يبلغوا دارهم به فصاحبه أحق به قبل القسم وبعده وهذا هو القول الرابع واختلافهم راجع إلى اختلافهم في هل يملك الكفار على المسلمين أموالهم إذا غلبوهم عليها أم ليس يملكونها وسبب اختلافهم في هذه المسألة تعارض الآثار في هذا الباب والقياس وذلك أن حديث عمران بن حصين يدل على أن المشركين ليس يملكون على المسلمين شيئا وهو قال أغار المشركون على سرح المدينة وأخذوا العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وامرأة من المسلمين فلما كانت ذات ليلة قامت المرأة وقد ناموا فجعلت لا تضع يدها على بعير إلا أرغى حتى أتت ناقة ذلولا فركبتها ثم توجهت قبل المدينة ونذرت لئن نجاها الله لتنحرنها فلما قدمت المدينة عرفت الناقة فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته المرأة بنذرها فقال بئس ما جزيتها لا نذر فيما لا يملك ابن آدم ولا نذر في معصية وكذلك يدل ظاهر حديث ابن عمر على مثل هذا وهو أنه أغار له فرس فأخذها العدو فظهر عليه المسلمون فردت عليه في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما حديثان ثابتان وأما الأثر الذي يدل على ملك الكفار على المسلمين فقوله عليه الصلاة والسلام وهل ترك لنا عقيل من منزل يعني أنه باع دوره التي كانت له بمكة بعد هجرته منها عليه الصلاة والسلام إلى المدينة وأما القياس فإن من شبه الأموال بالرقاب قال الكفار كما لا يملكون رقابهم فكذلك لا يملكون أموالهم كحال الباغي مع العادل أعني أنه لا يملك عليهم الأمرين جميعا ومن قال من ليس يملك فهو ضامن للشيء إن فاتت عينه وقد أجمعوا على أن الكفار غير ضامنين لأموال المسلمين فلزم عن ذلك أن الكفار ليسوا بغير مالكين للأموال فهم مالكون إذ لو كانوا غير مالكين لضمنوا

Sección V01/P291–V01/P292

وأما من فرق بين الحكم قبل الغنم وبعده وبين ما أخذه المشركون بغلبة أو بغير غلبة بأن صار إليهم من تلقائه مثل العبد الآبق والفرس العائد فليس له حظ من النظر وذلك أنه ليس يجد وسطا بين أن يقول إما أن يملك المشرك على المسلم شيئا أو لا يملكه إلا أن يثبت في ذلك دليل سمعي لكن أصحاب هذا المذهب إنما صاروا إليه لحديث الحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس أن رجلا وجد بعيرا له كان المشركون قد أصابوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أصبته قبل أن يقسم فهو لك وإن أصبته بعد القسم أخذته بالقيمة لكن الحسن بن عمارة مجتمع على ضعفه وترك الاحتجاج به عند أهل الحديث والذي عول عليه مالك فيما أحسب من ذلك هو قضاء عمر بذلك ولكن ليس يجعل له أخذه بالثمن بعد القسم على ظاهر حديثه واستثناء أبي حنيفة أم الولد والمدبر من سائر الأموال لا معنى له وذلك أنه يرى أن الكفار يملكون على المسلمين سائر الأموال ما عدا هذين وكذلك قول مالك في أم الولد إنه إذا أصابها مولاها بعد القسم أن على الإمام أن يفديها فإن لم يفعل أجبر سيدها على فدائها فإن لم يكن له مال أعطيت له واتبعه الذي أخرجت في نصيبه بقيمتها دينا متى أيسر هو قول أيضا ليس له حظ من النظر لأنه إن لم يملكها الكفار فقد يجب أن يأخذها بغير ثمن وإن ملكوها فلا سبيل له عليها وأيضا فإنه لا فرق بينها وبين سائر الأموال إلا أن يثبت في ذلك سماع ومن هذا الأصل أعني من اختلافهم هل يملك المشرك مال المسلم أو لا يملك واختلف الفقهاء في الكافر يسلم وبيده مال مسلم هل يصح له أم لا فقال مالك وأبو حنيفة يصح له وقال الشافعي على أصله لا يصح له واختلف مالك وأبو حنيفة إذا دخل مسلم إلى الكفار على جهة التلصص وأخذ مما في أيديهم مال مسلم فقال أبو حنيفة هو أولى به وإن أراده صاحبه أخذه بالثمن وقال مالك هو لصاحبه فلم يجر على أصله ومن هذا الباب اختلافهم في الحربي يسلم ويهاجر ويترك في دار الحرب ولده وزوجه وماله هل يكون لما ترك حرمة مال المسلم وزوجه وذريته فلا يجوز تملكهم للمسلمين إن غلبوا على ذلك أم ليس لما ترك حرمة فمنهم من قال لكل ما ترك حرمة الإسلام ومنهم من قال ليس له حرمة ومنهم من فرق بين المال والزوجة والولد فقال ليس للمال حرمة وللولد والزوجة حرمة وهذا جار على غير قياس وهو قول مالك والأصل أن المبيح للمال هو الكفر وأن العاصم له هو الإسلام كما قال عليه الصلاة والسلام فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم فمن زعم أن ههنا مبيحا للمال غير الكفر من تملك عدو أو غيره فعليه الدليل وليس ههنا دليل تعارض به هذه القاعدة والله أعلم الفصل الخامس في حكم ما افتتح المسلمون من الأرض عنوة واختلفوا فيما افتتح المسلمون من الأرض عنوة فقال مالك لا تقسم الأرض وتكون وقفا يصرف خراجها في مصالح المسلمين من أرزاق المقاتلة وبناء القناطر والمساجد وغير ذلك من سبل الخير إلا أن يرى الإمام في وقت من الأوقات أن المصلحة تقتضي القسمة فإن له أن يقسم الأرض وقال الشافعي الأرضون المفتتحة تقسم كما تقسم الغنائم يعني خمسة أقسام وقال أبو حنيفة الإمام مخير بين أن يقسمها على المسلمين أو يضرب على أهلها الكفارة فيها الخراج ويقرها بأيديهم

Sección V01/P292–V01/P293

وسبب اختلافهم ما يظن من التعارض بين آية سورة الأنفال وآية سورة الحشر وذلك أن آية الأنفال تقتضي بظاهرها أن كل ما غنم يخمس وهو قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم وقوله تعالى في آية الحشر والذين جاؤوا من بعدهم عطفا على ذكر الذين أوجب لهم الفيء يمكن أن يفهم منه أن جميع الناس الحاضرين والآتين شركاء في الفيء كما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى والذين جاؤوا من بعدهم ما أرى هذه الآية إلا قد عمت الخلق حتى الراعي بكداء أو كلاما هذا معناه ولذلك لم تقسم الأرض التي افتتحت في أيامه عنوة من أرض العراق ومصر فمن رأى أن الآيتين متواردتان على معنى واحد وأن آية الحشر مخصصة لآية الأنفال استثنى من ذلك الأرض ومن رأى أن الآيتين ليستا متواردتين على معنى واحد بل رأى أن آية الأنفال في الغنيمة وآية الحشر في الفيء على ما هو الظاهر من ذلك قال تخمس الأرض ولا بد ولا سيما أنه قد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قسم خيبر بين الغزاة قالوا فالواجب أن تقسم الأرض لعموم الكتاب وفعله عليه الصلاة والسلام الذي يجري مجرى البيان للمجمل فضلا عن العام وأما أبو حنيفة فإنما ذهب إلى التخيير بين القسمة وبين أن يقر الكفار فيها على خراج يؤدونه لأنه زعم أنه قد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر بالشطر ثم أرسل ابن رواحة فقاسمهم قالوا فظهر من هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن قسم جميعها ولكنه قسم طائفة من الأرض وترك طائفة لم يقسمها قالوا فبان بهذا أن الإمام بالخيار بين القسمة والإقرار بأيديهم وهو الذي فعل عمر رضي الله عنه وإن أسلموا بعد الغلبة عليهم كان مخيرا بين المن عليهم أو قسمتها على ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة أعني من المن وهذا إنما يصح على رأي من رأى أنه افتتحها عنوة فإن الناس اختلفوا في ذلك وإن كان الأصح أنه افتتحها عنوة لأنه الذي خرجه مسلم وينبغي أن تعلم أن قول من قال إن آية الفيء وآية الغنيمة محمولتان على الخيار وأن آية الفيء ناسخة لآية الغنيمة أو مخصصة لها أنه قول ضعيف جدا إلا أن يكون اسم الفيء والغنيمة يدلان على معنى واحد فإن كان ذلك فالآيتان متعارضتان لأن آية الأنفال توجب التخميس وآية الحشر توجب القسمة دون التخميس فوجب أن تكون إحداهما ناسخة للأخرى أو يكون الإمام مخيرا بين التخميس وترك التخميس وذلك في جميع الأموال المغنومة وذكر بعض أهل العلم أنه مذهب لبعض الناس وأظنه حكاه عن المذهب ويجب على مذهب من يريد أن يستنبط من الجمع بينهما ترك قسمة الأرض وقسمة ما عدا الأرض أن تكون كل واحدة من الآيتين مخصصة بعض ما في الأخرى أو ناسخة له حتى تكون آية الأنفال خصصت من عموم آية الحشر ما عدا الأرضين فأوجبت فيها الخمس وآية الحشر خصصت من آية الأنفال الأرض فلم توجب فيها خمسا وهذه الدعوى لا تصح إلا بدليل مع أن الظاهر من آية الحشر أنها تضمنت القول في نوع من الأموال مخالف الحكم للنوع الذي تضمنته آية الأنفال وذلك أن قوله تعالى فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب هو تنبيه على العلة التي من أجلها لم يوجب حق للجيش خاصة دون الناس والقسمة بخلاف ذلك إذ كانت تؤخذ بالإيجاف الفصل السادس في قسمة الفيء وأما الفيء عند الجمهور فهو كل ما صار للمسلمين من الكفار من قبل الرعب والخوف من غير أن يوجف عليه بخيل أو رجل واختلف الناس في الجهة التي يصرف إليها فقال قوم إن الفيء لجميع المسلمين الفقير والغني وإن الإمام يعطي منه للمقاتلة وللحكام وللولاة وينفق منه في النوائب التي تنوب المسلمين كبناء القناطر وإصلاح المساجد وغير ذلك ولا خمس في شيء منه وبه قال الجمهور وهو الثابت عن أبي بكر وعمر

Sección V01/P293–V01/P295

وقال الشافعي بل فيه الخمس والخمس مقسوم على الأصناف الذين ذكروا في آية الغنائم وهم الأصناف الذين ذكروا في الخمس بعينه من الغنيمة وإن الباقي هو مصروف إلى اجتهاد الإمام ينفق منه على نفسه وعلى عياله ومن رأى وأحسب أن قوما قالوا إن الفيء غير مخمس ولكن يقسم على الأصناف الخمسة الذين يقسم عليهم الخمس وهو أحد أقوال الشافعي فيما أحسب وسبب اختلاف من رأى أنه يقسم جميعه على الأصناف الخمسة أو هو مصروف إلى اجتهاد الإمام هو سبب اختلافهم في قسمة الخمس من الغنيمة وقد تقدم ذلك أعني أن من جعل ذكر الأصناف في الآية تنبيها على المستحقين له قال هو لهذه الأصناف المذكورين ومن فوقهم ومن جعل ذكر الأصناف تعديدا للذين يستوجبون من هذا المال قال لا يتعدى به هؤلاء الأصناف أعني أنه جعله من باب الخصوص لا من باب التنبيه وأما تخميس الفيء فلم يقل به أحد قبل الشافعي وإنما حمله على هذا القول أنه رأى الفيء قد قسم في الآية على عدد الأصناف الذين قسم عليهم الخمس فاعتقد لذلك أن فيه الخمس لأنه ظن أن هذه القسمة مختصة بالخمس وليس ذلك بظاهر بل الظاهر أن هذه القسمة تخص جميع الفيء لا جزءا منه وهو الذي ذهب إليه فيما أحسب قوم وخرج مسلم عن عمر قال كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خالصة فكان ينفق منها على أهله نفقة سنة وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله وهذه يدل على مذهب مالك الفصل السابع في الجزية والكلام المحيط بأصول هذا الفصل ينحصر في ست مسائل المسألة الأولى ممن يجوز أخذ الجزية الثانية على أي الأصناف منهم تجب الجزية الثالثة كم تجب الرابعة متى تجب ومتى تسقط الخامسة كم أصناف الجزية السادسة فيماذا يصرف مال الجزية المسألة الأولى فأما من يجوز أخذ الجزية منه فإن العلماء مجمعون على أنه يجوز أخذها من أهل الكتاب العجم ومن المجوس كما تقدم واختلفوا في أخذها ممن لا كتاب له وفيمن هو من أهل الكتاب من العرب بعد اتفاقهم فيما حكى بعضهم أنها لا تؤخذ من قرشي كتابي وقد تقدمت هذه المسألة وأما المسألة الثانية وهي أي الأصناف من الناس تجب عليهم فإنهم اتفقوا على أنها إنما تجب بثلاثة أوصاف الذكورية والبلوغ والحرية وأنها لا تجب على النساء ولا على الصبيان إذا كانت إنما هي عوض من القتل والقتل إنما هو متوجه بالأمر نحو الرجال البالغين إذ قد نهي عن قتل النساء والصبيان وكذلك أجمعوا أنها لا تجب على العبيد واختلفوا في أصناف من هؤلاء منها في المجنون وفي المقعد ومنها في الشيخ ومنها في أهل الصوامع ومنها في الفقير هل يتبع بها دينا متى أيسر أم لا وكل هذه مسائل اجتهادية ليس فيها توقيت شرعي وسبب اختلافهم مبني على هل يقتلون أم لا أعني هؤلاء الأصناف وأما المسألة الثالثة وهي كم الواجب فإنهم اختلفوا في ذلك فرأى مالك أن القدر الواجب في ذلك هو ما فرضه عمر رضي الله عنه وذلك على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعون درهما ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام لا يزاد على ذلك ولا ينقص منه وقال الشافعي أقله محدود وهو دينار وأكثره غير محدود وذلك بحسب ما يصالحون عليه وقال قوم لا توقيت في ذلك وذلك مصروف إلى اجتهاد الإمام وبه قال الثوري وقال أبو حنيفة وأصحابه الجزية اثنا عشر درهما وأربعة وعشرون درهما وثمانية وأربعون لا ينقص الفقير من اثني عشر درهما ولا يزاد الغني على ثمانية وأربعين درهما والوسط أربعة وعشرون درهما وقال أحمد دينار أو عدله معافر لا يزاد عليه ولا ينقص منه

Sección V01/P295–V01/P296

وسبب اختلافهم اختلاف الآثار في هذا الباب وذلك أنه روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر وهي ثياب باليمن وثبت عن عمر أنه ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهما مع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام وروي عنه أيضا أنه بعث عثمان بن حنيف فوضع الجزية على أهل السواد ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين واثني عشر فمن حمل هذه الأحاديث كلها على التخيير وتمسك في ذلك بعموم ما ينطلق عليه اسم جزية إذ ليس في توقيت ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم متفق على صحته وإنما ورد الكتاب في ذلك عاما قال لا حد في ذلك وهو الأظهر والله أعلم ومن جمع بين حديث معاذ والثابت عن عمر قال أقله محدود ولا حد لأكثره ومن رجح أحد حديثي عمر قال إما بأربعين درهما وأربعة دنانير وإما بثمانية وأربعين درهما وأربعة وعشرين واثني عشر على ما تقدم ومن رجح حديث معاذ لأنه مرفوع قال دينار فقط أو عدله معافر لا يزاد على ذلك ولا ينقص منه وأما المسألة الرابعة وهي متى تجب الجزية فإنهم اتفقوا على أنها لا تجب إلا بعد الحول وأنه تسقط عنه إذا أسلم قبل انقضاء الحول واختلفوا إذا أسلم بعد ما يحول عليه الحول هل تؤخذ منه جزية للحول الماضي بأسره أو لما مضى منه فقال قوم إذا أسلم فلا جزية عليه بعد انقضاء الحول كان بعد إسلامه أو قبل انقضائه وبهذا القول قال الجمهور وقالت طائفة إن أسلم بعد الحول وجبت عليه الجزية وإن أسلم قبل حلول الحول لم تجب عليه وإنهم اتفقوا على أنه لا تجب عليه قبل انقضاء الحول لأن الحول شرط في وجوبها فإذا وجد الرافع لها وهو الإسلام قبل تقرر الوجوب أعني قبل وجود شرط الوجوب لم تجب وإنما اختلفوا بعد انقضاء الحول لأنها قد وجبت فمن رأى أن الإسلام يهدم هذا الواجب في الكفر كما يهدم كثيرا من الواجبات قال تسقط عنه وإن كان إسلامه بعد الحول ومن رأى أنه لا يهدم الإسلام هذا الواجب كما لا يهدم كثيرا من الحقوق المرتبة مثل الديون وغير ذلك قال لا تسقط بعد انقضاء الحول فسبب اختلافهم هو هل الإسلام يهدم الجزية الواجبة أو لا يهدمها وأما المسألة الخامسة وهي كم أصناف الجزية فإن الجزية عندهم ثلاثة أصناف جزية عنوية وهي هذه التي تكلمنا فيها أعني التي تفرض على الحربيين بعد غلبتهم وجزية صلحية وهي التي يتبرعون بها ليكف عنهم وهذه ليس فيها توقيت لا في الواجب ولا فيمن يجب عليه ولا متى يجب عليه وإنما ذلك كله راجع إلى الاتفاق الواقع في ذلك بين المسلمين وأهل الصلح إلا أن يقول قائل إنه إن كان قبول الجزية الصلحية واجبا على المسلمين فقد يجب أن يكون ههنا قدر ما إذا أعطاه من أنفسهم الكفار وجب على المسلمين قبول ذلك منهم فيكون أقلها محدودا وأكثرها غير محدود وأما الجزية الثالثة فهي العشرية وذلك أن جمهور العلماء على أنه ليس على أهل الذمة عشر ولا زكاة أصلا في أموالهم إلا ما روي عن طائفة منهم أنهم ضاعفوا الصدقة على نصارى بني تغلب أعني أنهم أوجبوا إعطاء ضعف ما على المسلمين من الصدقة في شيء شيء من الأشياء التي تلزم فيها المسلمين الصدقة وممن قال بهذا القول الشافعي وأبو حنيفة وأحمد والثوري وهو فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بهم وليس يحفظ عن مالك في ذلك نص فيما حكوا وقد تقدم ذلك في كتاب الزكاة

Sección V01/P296–V01/P297

واختلفوا هل يجب العشر عليهم في الأموال التي يتجرون بها إلى بلاد المسلمين بنفس التجارة أو الإذن إن كانوا حربيين أم لا تجب إلا بالشرط فرأى مالك وكثير من العلماء أن تجار أهل الذمة الذين لزمتهم بالإقرار في بلدهم الجزية يجب أن يؤخذ منهم مما يجلبونه من بلد إلى بلد العشر إلا ما يسوقون إلى المدينة خاصة فيؤخذ منه فيه نصف العشر ووافقه أبو حنيفة في وجوبه بالإذن في التجارة أو بالتجارة نفسها وخالفه في القدر فقال الواجب عليهم نصف العشر ومالك لم يشترط عليهم في العشر الواجب عنده نصابا ولا حولا وأما أبو حنيفة فاشترط في وجوب نصف العشر عليهم الحول والنصاب وهو نصاب المسلمين نفسه المذكور في كتاب الزكاة وقال الشافعي ليس يجب عليهم عشر أصلا ولا نصف عشر في نفس التجارة ولا في ذلك شيء محدود إلا ما اصطلح عليه أو اشترط فعلى هذا تكون الجزية العشرية من نوع الجزية الصلحية وعلى مذهب مالك وأبي حنيفة تكون جنسا ثالثا من الجزية غير الصلحية والتي على الرقاب وسبب اختلافهم أنه لم يأت في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة يرجع إليها وإنما ثبت أن عمر بن الخطاب فعل ذلك بهم فمن رأى أن فعل عمر هذا إنما فعله بأمر كان عنده في ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب أن يكون ذلك سنتهم ومن رأى أن فعله هذا كان على وجه الشرط إذ لو كان على غير ذلك لذكره قال ليس ذلك بسنة لازمة لهم إلا بالشرط وحكى أبو عبيد في كتاب الأموال عن رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام لا أذكر اسمه الآن أنه قيل له لم كنتم تأخذون العشر من مشركي العرب فقال لأنهم كانوا يأخذون منا العشر إذا دخلنا إليهم قال الشافعي وأقل ما يجب أن يشارطوا عليه هو ما فرضه عمر رضي الله عنه وإن شورطوا على أكثر فحسن قال وحكم الحربي إذا دخل بأمان حكم الذمي وأما المسألة السادسة وهي فيماذا تصرف الجزية فإنهم اتفقوا على أنها مشتركة لمصالح المسلمين من غير تحديد كالحال في الفيء عند من رأى أنه مصروف إلى اجتهاد الإمام حتى لقد رأى كثير من الناس أن اسم الفيء إنما ينطلق على الجزية في آية الفيء وإذا كان الأمر هكذا فالأموال الإسلامية ثلاثة أصناف صدقة وفي وغنيمة وهذا القدر كاف في تحصيل قواعد هذا الكتاب والله الموفق للصواب كتاب الأيمان وهذا الكتاب ينقسم أولا إلى جملتين الجملة الأولى في معرفة ضروب الإيمان وأحكامها والجملة الثانية في معرفة الأشياء الرافعة للإيمان اللازمة وأحكامها ( الجملة الأولى ) وهذه الجملة فيها ثلاثة فصول الفصل الأول في معرفة الأيمان المباحة وتمييزها من غير المباحة الثاني في معرفة الأيمان اللغوية والمنعقدة الثالث في معرفة الأيمان التي ترفعها الكفارة والتي لا ترفعها الفصل الأول في معرفة الأيمان المباحة وتمييزها من غيرها واتفق الجمهور على أن الأشياء منها ما يجوز في الشرع أن يقسم به ومنها ما لا يجوز أن يقسم به واختلفوا أي الأشياء التي هي بهذه الصفة فقال قوم إن الحلف المباح في الشرع هو الحلف بالله وأن الحالف بغير الله عاص وقال قوم بل يجوز الحلف بكل معظم بالشرع والذين قالوا إن الأيمان المباحة هي الأيمان بالله اتفقوا على إباحة الأيمان التي بأسمائه واختلفوا في الأيمان التي بصفاته وأفعاله وسبب اختلافهم في الحلف بغير الله من الأشياء المعظمة بالشرع معارضة ظاهر الكتاب في ذلك للأثر وذلك أن الله قد أقسم في الكتاب بأشياء كثيرة مثل قوله والسماء والطارق وقوله والنجم إذا هوى إلى غير ذلك من الأقسام الواردة في القرآن وثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام قال إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت فمن جمع بين الأثر والكتاب بأن قال إن الأشياء الواردة في الكتاب المقسوم بها فيها محذوف وهو الله تبارك وتعالى وأن التقدير ورب النجم

Sección V01/P297–V01/P298

ورب السماء قال الأيمان المباحة هي الحلف بالله فقط ومن جمع بينهما بأن المقصود بالحديث إنما هو أن لا يعظم من لم يعظم الشرع بدليل قوله فيه إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم وأن هذا من باب الخاص أريد به العام أجاز الحلف بكل معظم في الشرع فإذا سبب اختلافهم هو اختلافهم في بناء الآي والحديث وأما من منع الحلف بصفات الله وبأفعاله فضعيف وسبب اختلافهم هو هل يقتصر بالحديث على ما جاء من تعليق الحكم فيه والاسم فقط أو يعدى إلى الصفات والأفعال لكن تعليق الحكم في الحديث بالاسم فقط جمود كثير وهو أشبه بمذهب أهل الظاهر وإن كان مرويا في المذهب حكاه اللخمي عن محمد بن المواز وشذت فرقة فمنعت اليمين بالله عز وجل والحديث نص في مخالفة هذا المذهب الفصل الثاني في معرفة الأيمان اللغوية والمنعقدة واتفقوا أيضا على أن الأيمان منها لغو ومنها منعقدة لقوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان واختلفوا فيما هي اللغو فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها اليمين على الشيء يظن الرجل أنه على يقين منه فيخرج الشيء على خلاف ما حلف عليه وقال الشافعي لغو اليمين ما لم تنعقد عليه النية مثل ما جرت به العادة من قول الرجل في أثناء المخاطبة لا والله لا بالله مما يجري على الألسنة بالعادة من غير أن يعتقد لزومه وهذا القول رواه مالك في الموطأ عن عائشة والقول الأول مروي عن الحسن ابن أبي الحسن وقتادة ومجاهد وإبراهيم النخعي وفيه قول ثالث وهو أن يحلف الرجل وهو غضبان وبه قال إسماعيل القاضي من أصحاب مالك وفيه قول رابع وهو الحلف على المعصية وروي عن ابن عباس وفيه قول خامس وهو أن يحلف الرجل على أن لا يأكل شيئا مباحا له بالشرع والسبب في اختلافهم في ذلك هو الاشتراك الذي في اسم اللغو وذلك أن اللغو قد يكون الكلام الباطل مثل قوله تعالى والغوا فيه لعلكم تغلبون وقد يكون الكلام الذي لا تنعقد عليه نية المتكلم به ويدل على أن اللغو في الآية هو هذا أن هذه اليمين هي ضد اليمين المنعقدة وهي المؤكدة فوجب أن يكون الحكم المضاد للشيء المضاد والذين قالوا إن اللغو هو الحلف في إغلاق أو الحلف على ما يوجب الشرع فيه شيئا بحسب ما يعتقد في ذلك قوم فإنما ذهبوا إلى أن اللغو ههنا يدل على معنى عرفي في الشرع وهي الأيمان التي بين الشرع في مواضع أخرى سقوط حكمها مثل ما روي أنه لا طلاق في إغلاق وما أشبه ذلك لكن الأظهر هما القولان الأولان أعني قول مالك والشافعي الفصل الثالث في معرفة الأيمان التي ترفعها الكفارة والتي لا ترفعها وهذا الفصل أربع مسائل المسألة الأولى اختلفوا في الأيمان بالله المنعقدة هل يرفع جميعها الكفارة سواء أكان حلفا على شيء ماض أنه كان فلم يكن وهي التي تعرف باليمين الغموس وذلك إذا تعمد الكذب أو على شيء مستقبل أنه يكون من قبل الحالف أو من قبل من هو بسببه فلم يكن فقال الجمهور ليس في اليمين الغموس كفارة وإنما الكفارة في الأيمان التي تكون في المستقبل إذا خالف اليمين الحالف وممن قال بهذا القول مالك وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وقال الشافعي وجماعة يجب فيها الكفارة أي تسقط الكفارة الإثم فيها كما تسقطه في غير الغموس

Sección V01/P298–V01/P299

وسبب اختلافهم معارضة عموم الكتاب للأثر وذلك أن قوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين الآية توجب أن يكون في اليمين الغموس كفارة لكونها من الأيمان المنعقدة وقوله عليه الصلاة والسلام من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار يوجب أن اليمين الغموس ليس فيها كفارة ولكن للشافعي أن يستثني من الأيمان الغموس ما لا يقتطع بها حق الغير وهو الذي ورد فيه النص أو يقول إن الأيمان التي يقتطع بها حق الغير قد جمعت الظلم والحنث فوجب ألا تكون الكفارة تهدم الأمرين جميعا أو ليس يمكن فيها أن تهدم الحنث دون الظلم لأن رفع الحنث بالكفارة إنما هو من باب التوبة وليس تتبعض التوبة في الذنب الواحد بعينه فإن تاب ورد المظلمة وكفر سقط عنه جميع الإثم المسألة الثانية واختلف العلماء فيمن قال أنا كافر بالله أو مشرك بالله أو يهودي أو نصراني إن فعلت كذا ثم يفعل ذلك هل عليه كفارة أم لا فقال مالك والشافعي ليس عليه كفارة ولا هذه يمين وقال أبو حنيفة هي يمين وعليه فيها الكفارة إذا خالف اليمين وهو قول أحمد بن حنبل أيضا وسبب اختلافهم هو اختلافهم في هل يجوز اليمين بكل ما له حرمة أم ليس يجوز إلا بالله فقط ثم إن وقعت فهل تنعقد أم لا فمن رأى أن الأيمان المنعقدة أعني التي هي بصيغ القسم إنما هي الأيمان الواقعة بالله عز وجل وبأسمائه قال لا كفارة فيها إذ ليست بيمين ون رأى أن الأيمان تنعقد بكل ما عظم الشرع حرمته قال فيها الكفارة لأن الحلف بالتعظيم كالحلف بترك التعظيم وذلك أنه كما يجب التعظيم يجب أن لا يترك التعظيم فكما أن من حلف بوجوب حق الله عليه لزمه كذلك من حلف بترك وجوبه لزمه المسألة الثالثة واتفق الجمهور في الأيمان التي ليست إقساما بشيء وإنما تخرج مخرج الإلزام الواقع بشرط من الشروط مثل أن يقول القائل فإن فعلت كذا فعلي مشي إلى بيت الله أو إن فعلت كذا وكذا فغلامي حر أو امرأتي طالق أنها تلزم في القرب وفيما إذا التزمه الإنسان لزمه بالشرع مثل الطلاق والعتق واختلفوا هل فيها كفارة أم لا فذهب مالك إلى أن لا كفارة فيها وأنه إن لم يفعل ما حلف عليه أثم ولا بد وذهب الشافعي وأحمد وأبو عبيد وغيرهم إلى أن هذا الجنس من الأيمان فيها الكفارة إلا الطلاق والعتق وقال أبو ثور يكفر من حلف بالعتق وقول الشافعي مروي عن عائشة وسبب اختلافهم هل هي يمين أو نذر فمن قال إنها يمين أوجب فيها الكفارة لدخولها تحت عموم قوله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين الآية ومن قال إنها من جنس النذر أي من جنس الأشياء التي نص الشرع على أنه إذا التزمها الإنسان لزمته قال لا كفارة فيها لكن يعسر هذا على المالكية لتسميتهم إياها أيمانا لكن لعلهم إنما سموها أيمانا على طريق التجوز والتوسع والحق أنه ليس يجب أن تسمى بحسب الدلالة اللغوية أيمانا فإن الأيمان في لغة العرب لها صيغ مخصوصة

Sección V01/P299–V01/P301

وإنما يقع اليمين بالأشياء التي تعظم وليست صيغة الشرط هي صيغة اليمين فأما هل تسمى أيمانا بالعرف الشرعي وهل حكمها حكم الأيمان ففيه نظر وذلك أنه قد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قال كفارة النذر كفارة يمين وقال تعالى لم تحرم ما أحل الله لك إلى قوله قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم فظاهر هذا أنه قد سمى بالشرع القول الذي مخرجه مخرج الشرط أو مخرج الإلزام دون شرط ولا يمين فيجب أن تحمل على ذلك جميع الأقاويل التي تجري هذا المجرى إلا ما خصصه الإجماع من ذلك مثل الطلاق فظاهر الحديث يعطي أن النذر ليس بيمين وأن حكمه حكم اليمين وذهب داود وأهل الظاهر إلى أنه ليس يلزم من مثل هذه الأقاويل أعني الخارجة مخرج الشرط إلا ما ألزمه الإجماع من ذلك وذلك أنها ليست بنذور فيلزم فيها النذر ولا بأيمان فترفعها الكفارة فلم يوجبوا على من قال إن فعلت كذا كذا فعلي المشي إلى بيت الله مشيا ولا كفارة بخلاف ما لو قال علي المشي إلى بيت الله لأن هذا نذر باتفاق وقد قال عليه الصلاة والسلام من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه لا يعصه فسبب هذا الخلاف في هذه الأقاويل التي تخرج مخرج الشرط هو هل هي أيمان أو نذور أو ليست أيمانا ولا نذورا فتأمل هذا فإنه بين إن شاء الله تعالى المسألة الرابعة اختلفوا في قول القائل أقسم أو أشهد أن كان كذا وكذا هل هو يمين أم لا على ثلاثة أقوال فقيل إنه ليس بيمين وهو أحد قولي الشافعي وقيل إنها أيمان ضد القول الأول وبه قال أبو حنيفة وقيل إن أراد الله بها فهو يمين وإن لم يرد الله بها فليست بيمين وهو مذهب مالك وسبب اختلافهم هو هل المراعى اعتبار صيغة اللفظ أو اعتبار مفهومه بالعادة أو اعتبار النية فمن اعتبر صيغة اللفظ قال ليست بيمين إذ لم يكن هنالك نطق بمقسوم به ومن اعتبر صيغة اللفظ بالعادة قال هي يمين وفي اللفظ محذوف ولا بد وهو الله تعالى ومن لم يعتبر هذين الأمرين واعتبر النية إذ كان اللفظ صالحا للأمرين فرق في ذلك كما تقدم الجملة الثانية وهذه الجملة تنقسم أولا قسمين القسم الأول النظر في الاستثناء القسم الثاني النظر في الكفارات القسم الأول وفي هذا القسم فصلان الفصل الأول في شروط الاستثناء المؤثر في اليمين الفصل الثاني في تعريف الأيمان التي يؤثر فيها الاستثناء من التي لا يؤثر الفصل الأول في شروط الاستثناء المؤثر في اليمين وأجمعوا على أن الاستثناء بالجملة له تأثير في حل الأيمان واختلفوا في شروط الاستثناء الذي يجب له هذا الحكم بعد أن أجمعوا على أنه إذا اجتمع في الاستثناء ثلاثة شروط أن يكون متناسقا مع اليمين وملفوظا به ومقصودا من أول اليمين أنه لا ينعقد معه اليمين واختلفوا في هذه الثلاثة مواضع أعني إذا فرق الاستثناء من اليمين أو نواه ولم ينطق به أو حدثت له نية الاستثناء بعد اليمين وإن أتى به متناسقا مع اليمين فأما المسألة الأولى وهي اشتراط اتصاله بالقسم فإن قوما اشترطوا ذلك فيه وهو مذهب مالك وقال الشافعي لا بأس بينهما بالسكتة الخفيفة كسكتة الرجل للتذكر أو للتنفس أو لانقطاع الصوت وقال قوم من التابعين يجوز للحالف الاستثناء ما لم يقم من مجلسه وكان ابن عباس يرى أنه له الاستثناء أبدا على ما ذكر منه متى ما ذكر وإنما اتفق الجميع على أن استثناء مشيئة الله في الأمر المحلوف على فعله إن كان فعلا أو على تركه إن كان تركا رافع لليمين لأن الاستثناء هو رفع للزوم اليمين

Sección V01/P301–V01/P302

قال أبو بكر بن المنذر ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث وإنما اختلفوا هل يؤثر في اليمين إذا لم توصل بها أو لا يؤثر لاختلافهم هل الاستثناء حال للانعقاد أم هو مانع له فإذا قلنا إنه مانع للانعقاد لا حال له اشترط أن يكون متصلا باليمين وإذا قلنا إنه حال لم يلزم فيه ذلك والذين اتفقوا على أنه حال اختلفوا هي هو حال بالقرب أو بالبعد على ما حكينا وقد احتج من رأى أنه حال بالقرب بما رواه سعد عن سماك بن حرب عن عكرمة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لأغزون قريشا قالها ثلاثة مرات ثم سكت ثم قال إن شاء الله فدل هذا أن الاستثناء حال لليمين لا مانع لها من الانعقاد قالوا ومن الدليل على أنه حال بالقرب أنه لو كان حالا بالبعد على ما رواه ابن عباس لكان الاستثناء يغني عن الكفارة والذي قالوه بين وأما اشتراط النطق باللسان فإنه اختلف فيه فقيل لا بد فيه من اشتراط اللفظ أي لفظ كان من ألفاظ الاستثناء وسواء أكان بألفاظ الاستثناء أو بتخصيص العموم أو بتقييد المطلق هذا هو المشهور وقيل إنما ينفع الاستثناء بالنية بغير لفظ في حرف إلا فقط أي بما يدل عليه لفظ إلا وليس ينفع ذلك فيما سواه من الحروف وهذه التفرقة ضعيفة والسبب في هذا الاختلاف هو هل تلزم العقود اللازمة بالنية فقط دون اللفظ أو باللفظ والنية معا مثل الطلاق والعتق واليمين وغير ذلك وأما المسألة الثانية وهي هل تنفع النية الحادثة في الاستثناء بعد انقضاء اليمين فقيل أيضا في المذهب إنها تنفع إذا حدثت متصلة باليمين وقيل بل إذا حدثت قبل أن يتم النطق باليمين وقيل بل استثناء على ضربين استثناء من عدد واستثناء من عموم بتخصيص أو من مطلق بتقييد فالاستثناء من العدد لا ينفع فيه إلا حدوث النية قبل النطق باليمين والاستثناء من العموم ينفع فيه حدوث النية بعد اليمين إذا وصل الاستثناء نطقا باليمين وسبب اختلافهم هل الاستثناء مانع للعقد أو حال له فإن قلنا إنه مانع فلا بد من اشتراط حدوث النية في أول اليمين وإن قلنا إنه حال لم يلزم ذلك وقد أنكر عبد الوهاب أن يشترط حدوث النية في أول اليمين للاتفاق وزعم على أن الاستثناء حال لليمين كالكفارة سواء الفصل الثاني من القسم الأول في تعريف الأيمان التي يؤثر فيها الاستثناء وغيرها وقد اختلفوا في الأيمان التي يؤثر فيها استثناء مشيئة الله من التي لا يؤثر فيها فقال مالك وأصحابه لا تؤثر المشيئة إلا في الأيمان التي تكفر وهي اليمين بالله عندهم أو النذر المطلق على ما سيأتي وأما الطلاق والعتاق فلا يخلو أن يعلق الاستثناء في ذلك بمجرد الطلاق أو العتق فقط مثل أن يقول هي طالق إن شاء الله أو عتيق إن شاء الله وهذه ليست عندهم يمينا وإما أن يعلق الطلاق بشرط من الشروط مثل أن يقول إن كان كذا فهي طالق إن شاء الله أو إن كان كذا فهو عتيق إن شاء الله فأما القسم الأول فلا خلاف في المذهب أن المشيئة غير مؤثرة فيه وأما القسم الثاني وهو اليمين بالطلاق ففي المذهب فيه قولان أصحهما إذا صرف الاستثناء إلى الشرط الذي علق به الطلاق صح وإن صرفه إلى نفس الطلاق لم يصح قال أبو حنيفة والشافعي الاستثناء يؤثر في ذلك كله سواء قرنه بالقول الذي مخرجه الشرط أو بالقول الذي مخرجه مخرج الخبر

Sección V01/P302–V01/P303

وسبب الخلاف ما قلناه من أن الاستثناء هل هو حال أو مانع فإذا قلنا مانع وقرن بلفظ مجرد الطلاق فلا تأثير له فيه إذ قد وقع الطلاق أعني إذا قال الرجل لزوجته هي طالق إن شاء الله لأن المانع إنما يقوم لما لم يقع وهو المستقبل وإن قلنا إنه حال للعقود وجب أن يكون له تأثير في الطلاق وإن كان وقد وقع فتأمل هذا فإنه بين ولا معنى لقول المالكية إن الاستثناء في هذا مستحيل لأن الطلاق قد وقع إلا أن يعتقدوا أن الاستثناء هو مانع لا حال فتأمل هذا فإنه ظاهر إن شاء الله القسم الثاني من الجملة الثانية وهذا القسم فيه فصول ثلاثة الفصل الأول في موجب الحنث وشروطه وأحكامه الفصل الثاني في رافع الحنث وهي الكفارات الفصل الثالث متى ترفع وكم ترفع الفصل الأول في موجب الحنث وشروطه وأحكامه واتفقوا على أن موجب الحنث هو المخالفة لما انعقدت عليه اليمين وذلك إما فعل ما خلف على ألا يفعله وإما ترك ما حلف على فعله إذا علم أنه قد تراخى عن فعل ما حلف على فعله إلى وقت ليس يمكنه فيه فعله وذلك في اليمين بالترك المطلق مثل أن يحلف ليأكلن هذا الرغيف فيأكله غيره أو إلى وقت هو غير الوقت الذي اشترط في وجود الفعل عنده وذلك في الفعل المشترط فعله في زمان محدود مثل أن يقول والله لأفعلن اليوم كذا وكذا فإنه إذا انقضى النهار ولم يفعل حنث ضرورة واختلفوا من ذلك في أربعة مواضع أحدها إذا أتى بالمخالف ناسيا أو مكرها والثاني هل يتعلق موجب اليمين بأقل ما ينطلق عليه الاسم أو بجميعه والموضع الثالث هل يتعلق اليمين بالمعنى المساوي لصيغة اللفظ أو بمفهومه المخصص للصيغة والمعمم لها والموضع الرابع هل اليمين على نية الحالف أو المستحلف فأما المسألة الأولى فإن مالكا يرى الساهي والمكره بمنزلة العامد والشافعي يرى أن لا حنث على الساهي ولا على المكره وسبب اختلافهم معارضة عموم قوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ولم يفرق بين عامد وناس لعموم قوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فإن هذين العمومين يمكن أن يخصص كل واحد منهما بصاحبه وأما الموضع الثاني فمثل أن يحلف أن لا يفعل شيئا ففعل بعضه أو أنه يفعل شيئا فلم يفعل بعضه فعند مالك إذا حلف ليأكلن هذا الرغيف فأكل بعضه لا يبرأ إلا بأكله كله وإذا قال لا آكل هذا الرغيف أنه يحنث إن أكل بعضه وعند الشافعي وأبي حنيفة أنه لا يحنث في الوجهين جميعا حملا على الأخذ بأكثر ما يدل عليه الاسم وأما تفريق مالك بين الفعل والترك فلم يجر في ذلك على أصل واحد لأنه أخذ في الترك بأقل ما يدل عليه الاسم وأخذ في الفعل بجميع ما يدل عليه الاسم وكأنه ذهب إلى الاحتياط وأما المسألة الثالثة فمثل أن يحلف على شيء بعينه يفهم منه القصد إلى معنى أعم من ذلك الشيء الذي لفظ به أو أخص أو يحلف على شيء وينوي به معنى أعم أو أخص أو يكون للشيء الذي حلف عليه اسمان أحدهما لغوي والآخر عرفي وأحدهما أخص من الآخر وأما إذا حلف على شيء بعينه فإنه لا يحنث عند الشافعي وأبي حنيفة إلا بالمخالفة الواقعة في ذلك الشيء بعينه الذي وقع عليه الحلف وإن كان المفهوم منه معنى أعم أو أخص من قبل الدلالة العرفية وكذلك أيضا فيم أحسب لا يعتبرون النية المخالفة للفظ وإنما يعتبرون مجرد الألفاظ فقط وأما مالك فإن المشهور من مذهبه أن المعتبر أولا عنده في الأيمان التي لا يقضى على حالفها هو النية فإن عدمت فقرينة الحال فإن عدمت فعرف اللفظ فإن عدم فدلالة اللغة وقيل لا يراعى إلا النية أو ظاهر اللفظ اللغوي فقط وقيل يراعى النية وبساط الحال ولا يراعى العرف

Sección V01/P303–V01/P305

وأما الأيمان التي يقضى بها على صاحبها فإنه إن جاء الحالف مستفتيا كان حكمه حكم اليمين التي لا يقضى بها على صاحبها من مراعاة هذه الأشياء فيها على هذا الترتيب وإن كان مما يقضى بها عليه لم يراع فيها إلا اللفظ إلا أن يشهد لما يدعي من النية المخالفة لظاهر اللفظ قرينة الحال أو العرف وأما المسألة الرابعة فإنهم اتفقوا على أن اليمين على نية المستحلف في الدعاوى واختلفوا في غير ذلك مثل الأيمان على المواعيد فقال قوم على نية الحالف وقال قوم على نية المستحلف وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اليمين على نية المستحلف وقال عليه الصلاة والسلام يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك خرج هذين الحديثين مسلم ومن قال اليمين على نية الحالف فإنما اعتبر المعنى القائم بالنفس من اليمين لا ظاهر اللفظ وفي هذا الباب فروع كثيرة لكن هذه المسائل الأربع هي أصول هذا الباب إذ يكاد أن يكون جميع الاختلاف الواقع في هذا الباب راجعا إلى الاختلاف في هذه وذلك في الأكثر مثل اختلافهم فيمن حلف أن لا يأكل رؤوسا فأكل رؤوس حيتان هل يحنث أم لا فمن راعى العرف قال لا يحنث ومن راعى دلالة اللغة قال يحنث ومثل اختلافهم فيمن حلف أن لا يأكل لحما فأكل شحما فمن اعتبر دلالة اللفظ الحقيقي قال لا يحنث ومن رأى أن اسم الشيء قد ينطلق على ما يتولد منه قال يحنث بالجملة فاختلافهم في المسائل الفروعية التي في هذا الباب هي راجعة إلى اختلافهم في هذه المسائل التي ذكرنا وراجعة إلى اختلافهم في دلالات الألفاظ التي يحلف بها وذلك أن منها ما هي مجملة ومنها ما هي ظاهرة ومنها ما هي نصوص الفصل الثاني في رافع الحنث واتفقوا على أن الكفارة في الأيمان هي الأربعة الأنواع التي ذكر الله في كتابه في قوله تعالى فكفارته الآية وجمهورهم على أن الحالف إذا حنث مخير بين الثلاثة منها أعني الإطعام أو الكسوة أو العتق وأنه لا يجوز له الصيام إلا إذا عجز عن هذه الثلاثة لقوله تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام إلا ما روي عن ابن عمر أنه كان إذا غلظ اليمين أعتق أو كسا وإذا لم يغلظها أطعم واختلفوا من ذلك في سبع مسائل مشهورة المسألة الأولى في مقدار الإطعام لكل واحد من العشرة مساكين الثانية في جنس الكسوة إذا اختار الكسوة وعددها الثالثة في اشتراط التتابع في صيام الثلاثة الأيام أو لا اشتراطه الرابعة في اشتراط العدد في المساكين الخامسة في اشتراط الإسلام فيهم والحرية السادسة في اشتراط السلامة في الرقبة المعتقة من العيوب السابعة في اشتراط الإيمان فيها المسألة الأولى أما مقدار الإطعام فقال مالك والشافعي وأهل المدينة يعطى لكل مسكين مد من حنطة بمد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن مالكا قال المد خاص بأهل المدينة فقط لضيق معايشهم وأما سائر المدن فيعطون الوسط من نفقتهم وقال ابن القاسم يجري المد في كل مدينة مثل قول الشافعي وقال أبو حنيفة يعطيهم نصف صاع من حنطة أو صاعا من شعير أو تمر قال فإن غداهم وعشاهم أجزأه والسبب في اختلافهم في ذلك اختلافهم في تأويل قوله تعالى من أوسط ما تطعمون أهليكم هل المراد بذلك أكلة واحدة أو قوت اليوم وهو غداء وعشاء فمن قال أكلة واحدة قال المد وسط في الشبع ومن قال غداء وعشاء قال نصف صاع ولاختلافهم أيضا سبب آخر وهو تردد هذه الكفارة بين كفارة الفطر متعمدا في رمضان وبين كفارة الأذى فمن شبهها بكفارة الفطر قال مد واحد ومن شبهها بكفارة الأذى قال نصف صاع واختلفوا هل يكون مع الخبز في ذلك إدام أم لا وإن كان فما هو الوسط فيه فقيل يجزي الخبز قفارا وقال ابن حبيب لا يجزي وقيل الوسط من الإدام الزيت وقيل اللبن والسمن والتمر

Sección V01/P305–V01/P307

واختلف أصحاب مالك من الأهل الذين أضاف إليهم الوسط من الطعام في قوله تعالى من أوسط ما تطعمون أهليكم فقيل أهل المكفر وعلى هذا إنما يخرج الوسط من الشيء الذي منه يعيش إن قطنية فقطنية وإن حنطة فحنطة وقيل بل هم أهل البلد الذي هو فيهم وعلى هذا فالمعتبر في اللازم له هو الوسط من عيش أهل البلد لا من عيشه أعني الغالب وعلى هذين القولين يحمل قدر الوسط من الإطعام أعني الوسط من قدر ما يطعم أهله أو الوسط من قدر ما يطعم أهل البلد أهليهم إلا في المدينة خاصة وأما المسألة الثانية وهي المجزىء من الكسوة فإن مالكا رأى أن الواجب في ذلك هو أن يكسي ما يجزي فيه الصلاة فإن كسا الرجل كسا ثوبا وإن كسا النساء كسا ثوبين درعا وخمارا وقال الشافعي وأبو حنيفة يجزىء في ذلك أقل ما ينطلق عليه الاسم إزار أو قميص أو سراويل أو عمامة وقال أبو يوسف لا تجزي العمامة ولا السراويل وسبب اختلافهم هل الواجب الأخذ بأقل دلالة الاسم اللغوي أو المعنى الشرعي وأما المسألة الثالثة وهي اختلافهم في اشتراط تتابع الأيام الثلاثة في الصيام فإن مالكا والشافعي لم يشترطا في ذلك وجوب التتابع وإن كانا استحباه واشترط ذلك أبو حنيفة وسبب اختلافهم في ذلك شيئان أحدهما هل يجوز العمل بالقراءة التي ليست في المصحف وذلك أن في قراءة عبد الله بن مسعود فصيام ثلاثة أيام متتابعات والسبب الثاني اختلافهم هل يحمل الأمر بمطلق الصوم على التتابع أم ليس يحمل إذا كان الأصل في الصيام الواجب بالشرع إنما هو التتابع وأما المسألة الرابعة وهي اشتراط العدد في المساكين فإن مالكا والشافعي قالا لا يجزيه ألا أن يطعم عشرة مساكين وقال أبو حنيفة إن أطعم مسكينا واحدا عشرة أيام أجزأه والسبب في اختلافهم هل الكفارة حق واجب للعدد المذكور أو حق واجب على المكفر فقدر بالعدد المذكور فإن قلنا إنه حق واجب للعدد كالوصية فلا بد من اشتراط العدد وإن قلنا حق واجب على المكفر لكنه قدر بالعدد أجزأ من ذلك إطعام مسكين واحد على عدد المذكورين والمسألة محتملة وأما المسألة الخامسة وهي اشتراط الإسلام والحرية في المساكين فإن مالكا والشافعي اشترطاهما ولم يشترط الفصل الثالث متى ترفع الكفارة الحنث وكم ترفع وأما متى ترفع الكفارة الحنث وتمحوه فإنهم اختلفوا في ذلك فقال الشافعي إذا كفر بعد الحنث أو قبله فقد ارتفع الإثم وقال أبو حنيفة لا يرتفع الحنث إلا بالتكفير الذي يكون بعد الحنث لا قبله وروي عن مالك في ذلك القولان جميعا وسبب اختلافهم شيئان أحدهما اختلاف الرواية في قوله عليه الصلاة والسلام من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه فإن قوما رووه هكذا وقوم رووه فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير وظاهر هذه الرواية أن الكفارة تجوز قبل الحنث وظاهر الثانية أنها بعد الحنث والسبب الثاني اختلافهم في هل يجزي تقديم الحق الواجب قبل وقت وجوبه لأنه من الظاهر أن الكفارة إنما تجب بعد الحنث كالزكاة بعد الحول ولقائل أن يقول إن الكفارة إنما تجب بإرادة الحنث والعزم عليه كالحال في كفارة الظهار فلا يدخله الخلاف من هذه الجهة وكان سبب الخلاف من طريق المعنى هو هل الكفارة رافعة للحنث إذا وقع أو مانعة له فمن قال مانعة أجاز تقديمها على الحنث ومن قال رافعة لم يجزها إلا بعد وقوعه وأما تعدد الكفارات بتعدد الأيمان فإنهم اتفقوا فيما علمت أن من حلف على أمور شتى بيمين واحدة أن كفارته كفارة يمين واحدة وكذلك فيما أحسب لا خلاف بينهم أنه إذا حلف بأيمان شتى على شيء واحد أن الكفارات الواجبة في ذلك بعدد الأيمان كالحالف إذا حلف بأيمان شتى على أشياء شتى

Sección V01/P307–V01/P308

اختلفوا إذا حلف على شيء واحد بعينه مرارا كثيرة فقال قوم في ذلك كفارة يمين واحدة وقال قوم في كل يمين كفارة إلا أن يريد التأكيد وهو قول مالك وقال قوم فيها كفارة واحدة إلا أن يريد التغليظ وسبب اختلافهم هل الموجب للتعدد هو تعدد الأيمان بالجنس أو بالعدد فمن قال اختلافها بالعدد قال لكل يمين كفارة إذا كرر ومن قال اختلافها بالجنس قال في هذه المسألة يمين واحدة واختلفوا إذا حلف في يمين واحدة بأكثر من صفتين من صفات الله تعالى هل تعدد الكفارات بتعدد الصفات التي تضمنت اليمين أم في ذلك كفارة واحدة فقال مالك الكفارة في هذه اليمين متعددة بتعدد الصفات فمن حلف بالسميع العليم الحكيم كان عليه ثلاث كفارات عنده وقال قوم إن أراد الكلام الأول وجاء بذلك على أنه قول واحد فكفارة واحدة إذا كانت يمينا واحدة والسبب في اختلافهم هل مراعاة الواحدة أو الكثرة في اليمين هو راجع إلى صيغة القول أو إلى تعدد الأشياء التي يشتمل عليها القول الذي مخرجه مخرج يمين فمن اعتبر الصيغة قال كفارة واحدة ومن اعتبر عدد ما تضمنته صيغة القول من الأشياء التي يمكن أن يقسم بكل واحد منها على انفراده قال الكفارة متعددة بتعددها وهذا القدر كاف في قواعد هذا الكتاب وسبب الاختلاف في ذلك والله المعين برحمته كتاب النذور وهذا الكتاب فيه ثلاثة فصول الفصل الأول في أصناف النذور الفصل الثاني فيما يلزم من النذور وما لا يلزم وجملة أحكامها الفصل الثالث في معرفة الشيء الذي يلزم عنها وأحكامها الفصل الأول في أصناف النذور والنذور تنقسم أولا قسمين قسم من جهة اللفظ وقسم من جهة الأشياء التي تنذر فأما من جهة اللفظ فإنه ضربان مطلق وهو المخرج مخرج الخبر ومقيد وهو المخرج مخرج الشرط والمطلق على ضربين مصرح فيه بالشيء المنذور به وغير مصرح فالأول مثل قول القائل لله علي نذر أن أحج والثاني مثل قوله لله علي نذر دون أن يصرح بمخرج النذر والأول ربما صرح فيه بلفظ النذور وربما لم يصرح فيه به مثل أن يقول لله علي أن أحج وأما المقيد المخرج مخرج الشرط فكقول القائل إن كان كذا فعلي لله نذر كذا وأن أفعل كذا وهذا ربما علقه بفعل من أفعال الله تعالى مثل أن يقول إن شفى الله مريضي فعلي نذر كذا وكذا وربما علقه بفعل نفسه مثل أن يقول إن فعلت كذا فعلي نذر كذا وهذا هو الذي يسميه الفقهاء أيمانا وقد تقدم من قولنا أنها ليست بأيمان فهذه هي أصناف النذور من جهة الصيغ وأما أصنافه من جهة الأشياء التي من جنس المعاني المنذور بها فإنها تنقسم إلى أربعة أقسام نذر بأشياء من من جنس القرب ونذر بأشياء من جنس المعاصي ونذر بأشياء من جنس المكروهات ونذر بأشياء من جنس المباحات وهذه الأربعة تنقسم قسمين نذر بتركها ونذر بفعلها الفصل الثاني فيما يلزم من النذور وما لا يلزم وأما ما يلزم من هذه النذور وما لا يلزم فإنهم اتفقوا على لزوم النذر المطلق في القرب إلا ما حكي عن بعض أصحاب الشافعي أن النذر المطلق لا يجوز وإنما اتفقوا على لزوم النذر المطلق إذا كان على وجه الرضا لا على وجه اللجاج وصرح فيه بلفظ النظر لا إذا لم يصرح وسواء كان النذر مصرحا فيه بالشيء المنذور أو كان غير مصرح وكذلك أجمعوا على لزوم النذر الذي مخرجه مخرج الشرط إذا كان نذرا بقربة وإنما صاروا لوجوب النذر لعموم قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ولأن الله تعالى قد مدح به فقال يوفون بالنذر وأخبر بوقوع العقاب بنقضه فقال ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله الآية إلى قوله وبما كانوا يكذبون

Sección V01/P308–V01/P309

والسبب في اختلافهم في التصريح بلفظ النذر في النذر المطلق هو اختلافهم في هل يجب النذر بالنية واللفظ معا أو بالنية فقط فمن قال بهما معا إذا قال لله علي كذا وكذا ولم يقل نذرا لم يلزمه شيء لأنه إخبار بوجوب شيء لم يوجبه الله عليه إلا أن يصرح بجهة الوجوب ومن قال ليس من شرطه اللفظ قال ينعقد النذر وإن لم يصرح بلفظه وهو مذهب مالك أعني أنه إذا لم يصرح بلفظ النذر أنه يلزم وإن كان من مذهبه أن النذر لا يلزم إلا بالنية واللفظ لكن رأى أن حذف لفظ النذر من القول غير معتبر إذ كان المقصود بالأقاويل التي مخرجها مخرج النذر النذر وإن لم يصرح فيها بلفظ النذر وهذا مذهب الجمهور والأول مذهب سعيد بن المسيب ويشبه أن يكون من لم ير لزوم النذر المطلق إنما فعل ذلك من قبل أنه حمل الأمر بالوفاء على الندب وكذلك من اشترط فيه الرضا فإنما اشترطه لأن القربة إنما تكون على جهة الرضا لا على جهة اللجاج وهو مذهب الشافعي وأما مالك فالنذر عنده لازم على أي جهة وقع فهذا ما اختلفوا في لزومه من جهة اللفظ وأما ما اختلفوا في لزومه من جهة الأشياء المنذور بها فإن فيه من المسائل الأصول اثنتين المسألة الأولى اختلفوا فيمن نذر معصية فقال مالك والشافعي وجمهور العلماء ليس يلزمه في ذلك شيء وقال أبو حنيفة وسفيان والكوفيون بل هو لازم واللازم عندهم فيه هو كفارة يمين لا فعل المعصية وسبب اختلافهم تعارض ظواهر الآثار في هذا الباب وذلك أنه روي في هذا الباب حديثان حديث عائشة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه فظاهر هذا أنه لا يلزم النذر بالعصيان والحديث الثاني حديث عمران بن حصين وحديث أبي هريرة الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين وهذا نص في معنى اللزوم فمن جمع بينهما في هذا قال الحديث الأول تضمن الإعلام بأن المعصية لا تلزم وهذا الثاني تضمن لزوم الكفارة فمن رجح ظاهر حديث عائشة إذ لم يصح عنده حديث عمران وأبي هريرة قال ليس يلزم في المعصية شيء ومن ذهب مذهب الجمع بين الحديثين أوجب في ذلك كفارة يمين قال أبو عمر بن عبد البر ضعف أهل الحديث حديث عمران وأبي هريرة قالوا لأن حديث أبي هريرة يدور على سليمان بن أرقم وهو متروك الحديث وحديث عمران بن الحصين يدور على زهير بن محمد عن أبيه وأبوه مجهول لم يرو عنه غير ابنه وزهير أيضا عنده مناكير ولكنه خرجه مسلم من طريق عقبة بن عامر وقد جرت عادة المالكية أن يحتجوا لمالك في هذه المسألة بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقال ما بال هذا قالوا نذر أن لا يتكلم ولا يستظل ولا يجلس ويصوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مروه فليتكلم وليجلس وليتم صيامه قالوا فأمره أن يتم ما كان طاعة لله ويترك ما كان معصية وليس بالظاهر أن ترك الكلام معصية وقد أخبر الله أنه نذر مريم وكذلك يشبه أن يكون القيام في الشمس ليس بمعصية إلا ما يتعلق بذلك من جهة إتعاب النفس فإن قيل فيه معصية فبالقياس لا بالنص فالأصل فيه أنه من المباحات المسألة الثانية واختلفوا فيمن حرم على نفسه شيئا من المباحات فقال مالك لا يلزم ما عدا الزوجة وقال أهل الظاهر ليس في ذلك شيء وقال أبو حنيفة في ذلك كفارة يمين

Sección V01/P309–V01/P311

وسبب اختلافهم معارضة مفهوم النظر لظاهر قوله تعالى يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك وذلك أن النذر ليس هو اعتقاد خلاف الحكم الشرعي أعني من تحريم محلل أو تحليل محرم وذلك أن التصرف في هذا إنما هو للشارع فوجب أن يكون لمكان هذا المفهوم أن من حرم على نفسه شيئا أباحه الله له بالشرع أنه لا يلزمه كما لا يلزم إن نذر تحليل شيء حرمه الشرع وظاهر قوله تعالى قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم أثر العتب عل التحريم يوجب أن تكون الكفارة تحل هذا العقد وإذا كان ذلك كذلك فهو غير لازم والفرقة الأولى تأولت التحريم المذكور في الآية أنه كان العقد بيمين وقد اختلف في الشيء الذي نزلت فيه هذه الآية وفي كتاب مسلم أن ذلك كان في شربة عسل وفيه عن ابن عباس أنه قال إذا حرم الرجل عليه امرأته فهو يمين يكفرها وقال لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة الفصل الثالث في معرفة الشيء الذي يلزم عنها وأحكامها وأما اختلافهم في ماذا يلزم في نذر نذر من النذور وأحكام ذلك فإن فيه اختلافا كثيرا لكن نشير نحن من ذلك إلى مشهورات المسائل في ذلك وهي التي تتعلق بأكثر ذلك بالنطق الشرعي على عادتنا في هذا الكتاب وفي ذلك مسائل خمس المسألة الأولى اختلفوا في الواجب في النذر المطلق الذي ليس يعين فيه الناذر شيئا سوى أن يقول لله علي نذر فقال كثير من العلماء في ذلك كفارة يمين لا غير وقال قوم بل فيه كفارة الظهار وقال قوم أقل ما ينطلق عليه الاسم من القرب صيام يوم أو صلاة ركعتين وإنما صار الجمهور لوجوب كفارة اليمين فيه للثابت من حديث عقبة بن عامر أنه عليه الصلاة والسلام قال كفارة النذر كفارة يمين خرجه مسلم وأما من قال صيام يوم أو صلاة ركعتين فإنما ذهب مذهب من يرى أن المجزىء أقل ما ينطلق عليه الاسم وصلاة ركعتين أو صيام يوم أقل ما ينطلق عليه اسم النذر وأما من قال فيه كفارة الظهار فخارج عن القياس والسماع المسألة الثانية اتفقوا على لزوم النذر بالمشي إلى بيت الله أعني إذا نذر المشي راجلا واختلفوا إذا عجز في بعض الطريق فقال قوم لا شيء عليه وقال قوم عليه واختلفوا في ماذا على ثلاثة أقوال فذهب أهل المدينة إلى أن عليه أن يمشي مرة أخرى من حيث عجز وإن شاء ركب وأجزأه وعليه دم وهذا مروي عن علي وقال أهل مكة عليه هدي دون إعادة مشي وقال مالك عليه الأمران جميعا يعني أنه يرجع فيمشي من حيث وجب وعليه هدي والهدي عنده بدنة أو بقرة أو شاة إن لم يجد بقرة أو بدنة وسبب اختلافهم منازعة الأصول لهذه المسألة ومخالفة الأثر لها وذلك أن من شبه العاجز إذا مشى مرة ثانية بالمتمتع والقارن من أجل أن القارن فعل ما كان عليه في سفرين في سفر واحد وهذا فعل ما كان عليه في سفر واحد في سفرين قال يجب عليه هدي القارن أو المتمتع ومن شبهه بسائر الأفعال التي تنوب عنها في الحج إراقة الدم قال فيه دم ومن أخذ بالآثار الواردة في هذا الباب قال إذا عجز فلا شيء عليه قال أبو عمر والسنن الواردة الثابتة في هذا الباب دليل على طرح المشقة وهو كما قال وأحدها حديث عقبة بن عامر الجهني قال نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله عز وجل فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت لها النبي صلى الله عليه وسلم فقال لتمش ولتركب خرجه مسلم وحديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يهادي بين ابنتيه فسأل عنه فقالوا نذر أن يمشي فقال عليه الصلاة والسلام إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه وأمره أن يركب وهذا أيضا ثابت

Sección V01/P311–V01/P312

المسألة الثالثة اختلفوا بعد اتفاقهم على لزوم المشي في حج أو عمرة فيمن نذر أن يمشي إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى بيت المقدس يريد بذلك الصلاة فيهما فقال مالك والشافعي يلزمه المشي وقال أبو حنيفة لا يلزمه شيء وحيث صلى أجزأه وكذلك عنده إن نذر الصلاة في المسجد الحرام وإنما وجب عنده المشي إلى المسجد الحرام لمكان الحج والعمرة وقال أبو يوسف صاحبه من نذر أن يصلي في بيت المقدس أو في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام لزمه وإن صلى في البيت الحرام أجزأه عن ذلك وأكثر الناس على أن النذر لما سوى هذه المساجد الثلاثة لا يلزم لقوله عليه الصلاة والسلام لا تسرج المطي إلا لثلاث فذكر المسجد الحرام ومسجده وبيت المقدس وذهب بعض الناس إلى أن النذر إلى المساجد التي يرجى فيها فضل زائد واجب واحتج في ذلك بفتوى ابن عباس لولد المرأة التي نذرت أن تمشي إلى مسجد قباء فماتت أن يمشي عنها وسبب اختلافهم في النذر إلى ما عدا المسجد الحرام اختلافهم في المعنى الذي إليه تسرج المطي إلى هذه الثلاث مساجد هل ذلك لموضع صلاة الفرض فيما عدا البيت الحرام أو لموضع صلاة النفل فمن قال لموضع صلاة الفرض وكان الفرض عنده لا ينذر إذ كان واجبا بالشرع قال النذر بالمشي إلى هذين المسجدين غير لازم ومن كان عنده أن النذر قد يكون في الواجب أو أنه أيضا قد يقصد هذان المسجدان لموضع صلاة النفل لقوله عليه الصلاة والسلام صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام واسم الصلاة يشمل الفرض والنقل قال هو واجب لكن أبو حنيفة حمل هذا الحديث على الفرض مصيرا إلى الجمع بينه وبين قوله عليه الصلاة والسلام صلاة أحدكم في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة وإلا وقع التضاد بين هذين الحديثين وهذه المسألة هي أن تكون من الباب الثاني أحق من أن تكون من هذا الباب المسألة الرابعة واختلفوا في الواجب على من نذر أن ينحر ابنه في مقام إبراهيم فقال مالك ينحر جزورا فداء له وقال أبو حنيفة ينحر شاة وهو أيضا مروي عن ابن عباس وقال بعضهم بل ينحر مائة من الإبل وقال بعضهم يهدي ديته وروي ذلك عن علي وقال بعضهم بل يحج له وبه قال الليث وقال أبو يوسف والشافعي لا شيء عليه لأنه نذر معصية ولا نذر في معصية وسبب اختلافهم قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أعني هل ما تقرب به إبراهيم هو لازم للمسلمين أم ليس بلازم فمن رأى أن ذلك شرع خص به إبراهيم قال لا يلزم النذر ومن رأى أنه لازم لنا قال النذر لازم والخلاف في هل يلزمنا شرع من قبلنا مشهور لكن يتطرق إلى هذا خلاف آخر وهو أن الظاهر من هذا الفعل أنه كان خاصا بإبراهيم ولم يكن شرعا لأهل زمانه وعلى هذا فليس ينبغي أن يختلف هل هو شرع لنا أم ليس بشرع والذين قالوا إنه شرع إنما اختلفوا في الواجب في ذلك من قبل اختلافهم أيضا في هل يحمل الواجب في ذلك على الواجب على إبراهيم أم يحمل على غير ذلك من القرب الإسلامية وذلك إما صدقة بديته وإما حج به وإما هدي بدنة وأما الذين قالوا مائة من الإبل فذهبوا إلى حديث عبد المطلب المسألة الخامسة واتفقوا على أن من نذر أن يجعل ماله كله في سبيل الله أو في سبيل من سبل البر أنه يلزمه وأنه ليس ترفعه الكفارة وذلك إذا كان نذرا على جهة الخبر لا على جهة الشرط وهو الذي يسمونه يمينا واختلفوا فيمن نذر ذلك على جهة الشرط مثل أن يقول مالي للمساكين إن فعلت كذا ففعله فقال قوم ذلك لازم كالنذر على جهة الخبر ولا كفارة فيه وهو مذهب مالك في النذور التي صيغها هذه الصيغة أعني أنه لا كفارة فيه وقال قوم الواجب في ذلك كفارة يمين فقط

Sección V01/P312–V01/P313

وهو مذهب الشافعي في النذور التي مخرجها مخرج الشرط لأنه ألحقها بحكم الأيمان وأما مالك فألحقها بحكم النذور على ما تقدم من قولنا في كتاب الأيمان والذين اعتقدوا وجوب إخراج ماله في الموضع الذي اعتقدوه اختلفوا في الواجب عليه فقال مالك يخرج ثلث ماله فقط وقال قوم بل يجب عليه إخراج جميع ماله وبه قال إبراهيم النخعي وزفر وقال أبو حنيفة يخرج جميع الأموال التي تجب الزكاة فيها وقال بعضهم إن أخرج مثل زكاة ماله أجزأه وفي المسألة قول خامس وهو إن كان المال كثيرا أخرج خمسه وإن كان وسطا أخرج سبعه وإن كان يسيرا أخرج عشره وحد هؤلاء الكثير بألفين والوسط بألف والقليل بخمسمائة وذلك مروي عن قتادة والسبب في اختلافهم في هذه المسألة أعني من قال المال كله أو ثلثه معارضة الأصل في هذا الباب للأثر وذلك أن ما جاء في حديث أبي لبابة بن عبد المنذر حين تاب الله عليه وأراد أن يتصدق يجميع ماله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجزيك من ذلك الثلثهو نص في مذهب مالك وأما الأصل فيوجب أن اللازم له إنما هو جميع ماله حملا على سائر النذر أعني أنه يجب الوفاء به على الوجه الذي قصده لكن الواجب هو استثناء هذه المسألة من هذه القاعدة إذ قد استثناها النص إلا أن مالكا لم يلزم في هذه المسألة أصله وذلك أنه قال إن حلف أو نذر شيئا معينا لزمه وإن كان كل ماله وكذلك يلزم عنده إن عين جزءا من ماله وهو أكثر من الثلث وهذا مخالف لنص ما رواه في حديث أبي لبابة وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي جاء بمثل بيضة من ذهب فقال أصبت هذا من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاءه عن يمينه ثم عن يساره ثم من خلفه فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذفه بها فلو أصابه بها لأوجعه وقال عليه الصلاة والسلام يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يتكفف الناس خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وهذا نص في أنه لا يلزم المال المعين إذا تصدق به وكان جميع ماله ولعل مالكا لم تصح عنده هذه الآثار وأما سائر الأقاويل التي قيلت في هذه المسألة فضعاف وبخاصة من حد في ذلك غير الثلث وهذا القدر كاف في أصول هذا الكتاب والله الموفق للصواب كتاب الضحايا وهذا كتاب في أصوله أربعة أبواب الباب الأول في حكم الضحايا ومن المخاطب بها الباب الثاني في أنواع الضحايا وصفاتها وأسنانها وعددها الباب الثالث في أحكام الذبح الباب الرابع في أحكام لحوم الضحايا الباب الأول في حكم الضحايا ومن المخاطب بها اختلف العلماء في الأضحية هل هي واجبة أم هي سنة فذهب مالك والشافعي إلى أنها من السنن المؤكدة ورخص مالك للحاج في تركها بمنى ولم يفرق الشافعي في ذلك بين الحاج وغيره وقال أبو حنيفة الضحية واجبة على المقيمين في الأمصار الموسرين ولا تجب على المسافرين وخالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد فقالا إنها ليست بواجبة وروي عن مالك مثل قول أبي حنيفة وسبب اختلافهم شيئان أحدهما هل فعله عليه الصلاة والسلام في ذلك محمول على الوجوب أو على الندب وذلك أنه لم يترك صلى الله عليه وسلم الضحية قط فيما روي عنه حتى في السفر على ما جاء في حديث ثوبان قال ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أضحيته ثم قال يا ثوبان أصلح لحم هذه الضحية قال فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة

Preguntas