İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî)
والكلام في أصول هذا الكتاب يتعلق بجملتين الجملة الأولى نذكر فيها المحرمات في حال الاختيار الجملة الثانية نذكر فيها أحوالها في حال الاضطرار الجملة الأولى والأغذية الإنسانية نبات وحيوان فأما الحيوان الذي يغتذى به فمنه حلال في الشرع ومنه حرام وهذا منه بري ومنه بحري والمحرمة منها ما تكون محرمة لعينها ومنها ما تكون لسبب وارد عليها وكل هذه منها ما اتفقوا عليه ومنها ما اختلفوا فيه فأما المحرمة لسبب وارد عليها فهي بالجملة تسعة الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وكل ما نقصه شرط من شروط التذكية من الحيوان الذي التذكية شرط في أكله والجلالة والطعام الحلال يخالطه نجس فأما الميتة فاتفق العلماء على تحريم ميتة البر واختلفوا في ميتة البحر على ثلاث أقوال فقال قوم هي حلال بإطلاق وقال قوم هي حرام بإطلاق وقال قوم ما طفا من السمك حرام وما جزر عنه البحر فهو حلال وسبب اختلافهم تعارض الآثار في هذا الباب ومعارضة عموم الكتاب لبعضها معارضة كلية وموافقته لبعضها موافقة جزئية ومعارضة بعضها لبعض معارضة جزئية فأما العموم فهو قوله تعالى حرمت عليكم الميتة وأما الآثار المعارضة لهذا العموم معارضة كلية فحديثان الواحد متفق عليه والآخر مختلف فيه أما المتفق عليه فحديث جابر وفيه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدوا حوتا يسمى العنبر أو دابة قد جزر عنه البحر فأكلوا منه بضعة وعشرين يوما أو شهرا ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال هل معكم من لحمه شيء فأرسلوا منه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكله وهذا إنما يعارض الكتاب معارضة كلية بمفهومه لا بلفظه وأما الحديث الثاني المختلف فيه فما رواه مالك عن أبي هريرة أنه سئل عن ماء البحر فقال هو الطهور ماؤه الحل ميتته وأما الحديث الموافق للعموم موافقة جزئية فما روى إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام قال ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه وما طفا فلا تأكلوه وهو حديث أضعف عندهم من حديث مالك وسبب ضعف حديث مالك أن في رواته من لا يعرف وأنه ورد في طريق واحد قال أبو عمر بن عبد البر بل رواته معروفون وقد ورد من طرق وسبب ضعف حديث جابر أن الثقات أوقفوه على جابر فمن رجح حديث جابر هذا على حديث أبي هريرة لشهادة عموم الكتاب له لم يستثن من ذلك إلا ما جزر عنه البحر إذ لم يرد في ذلك تعارض ومن رجح حديث أبي هريرة قال بالإباحة مطلقا وأما من قال بالمنع مطلقا فمصيرا إلى ترجيح عموم الكتاب وبالإباحة مطلقا قال مالك والشافعي وبالمنع مطلقا قال أبو حنيفة وقال قوم غير هؤلاء بالفرق وأما الخمسة التي ذكر الله مع الميتة فلا خلاف أن حكمها عندهم حكم الميتة وأما الجلالة وهي التي تأكل النجاسة فاختلفوا في أكلها وسبب اختلافهم معارضة القياس للأثر أما الأثر فما روي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن لحوم الجلالة وألبانها خرجه أبو داود عن ابن عمر وأما القياس المعارض لهذا فهو أن ما يرد جوف الحيوان ينقلب إلى لحم ذلك الحيوان وسائر أجزائه فإذا قلنا إن لحم الحيوان حلال وجب أن يكون لما ينقلب من ذلك حكم ما ينقلب إليه وهو اللحم كما لو انقلب ترابا أو كانقلاب الدم لحما والشافعي يحرم الجلالة ومالك يكرهها وأما النجاسة تخالط الحلال فالأصل فيه الحديث المشهور من حديث أبي هريرة وميمونة أنه سئل عليه الصلاة والسلام عن الفأرة تقع في السمن فقال إن كان جامدا فاطرحوها وما حولها وكلوا الباقي وإن كان ذائبا فأريقوه أو لا تقربوه وللعلماء في النجاسة تخالط المطعومات الحلال مذهبان أحدهما من يعتبر في التحريم المخالطة فقط وإن لم يتغير للطعام لون ولا رائحة ولا طعم من قبل النجاسة التي خالطته وهو المشهور والذي عليه الجمهور والثاني مذهب من يعتبر في ذلك التغير وهو قول أهل الظاهر ورواية عن مالك
وسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم الحديث وذلك أن منهم من جعله من باب الخاص أريد به الخاص وهم أهل الظاهر فقالوا هذا الحديث يمر على ظاهره وسائر الأشياء يعتبر فيها تغيرها بالنجاسة أو لا تغيرها بها ومنهم من جعله من باب الخاص أريد به العام وهم الجمهور فقالوا المفهوم منه أن بنفس مخالطة النجس ينجس الحلال إلا أنه لم يتعلل لهم الفرق بين أن يكون جامدا أو ذائبا لوجود المخالطة في هاتين الحالتين وإن كانت في إحدى الحالتين أكثر أعني في حالة الذوبان ويجب على هذا أن يفرق بين المخالطة القليلة والكثيرة فلما لم يفرقوا بينهما فكأنهم اقتصروا من بعض الحديث على ظاهره ومن بعضه على القياس عليه ولذلك أقرته الظاهرية كله على ظاهره وأما المحرمات لعينها فمنها ما اتفقوا عليه ومنها ما اختلفوا فيه فأما المتفق منها عليه فاتفق المسلمون منها على اثنين لحم الخنزير والدم فأما الخنزير فاتفقوا على تحريم شحمه ولحمه وجلده واختلفوا في الانتفاع بشعره وفي طهارة جلده مدبوغا وغير مدبوغ وقد تقدم ذلك في كتاب الطهارة وأما الدم فاتفقوا على تحريم المسفوح منه من الحيوان المذكى واختلفوا في غير المسفوح منه وكذلك اختلفوا في دم الحوت فمنهم من رآه نجسا ومنهم من لم يره نجسا والاختلاف في هذا كله موجود في مذهب مالك وخارجا عنه وسبب اختلافهم في غير المسفوح معارضة الإطلاق للتقييد وذلك أن قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم يقتضي تحريم مسفوح الدم وغيره وقوله تعالى أو دما مسفوحا يقتضي بحسب دليل الخطاب تحريم المسفوح فقط فمن رد المطلق إلى المقيد اشترط في التحريم السفح ومن رأى أن الإطلاق يقتضي حكما زائدا على التقييد وأن معارضة المقيد للمطلق إنما هو من باب دليل الخطاب والمطلق عام والعام أقوى من دليل الخطاب قضى بالمطلق على المقيد وقال يحرم قليل الدم وكثيره والسفح المشترط في حرمية الدم إنما هو دم الحيوان المذكى أعني أنه الذي يسيل عند التذكية من الحيوان الحلال الأكل وأما أكل دم يسيل من الحيوان الحي فقليله وكثيره حرام وكذلك الدم من الحيوان المحرم الأكل وإن ذكي فقليله وكثيره حرام ولا خلاف في هذا وأما سبب اختلافهم في دم الحوت فمعارضة العموم للقياس أما العموم فقوله تعالى والدم وأما القياس فما يمكن أن يتوهم من كون الدم تابعا في التحريم لميتة الحيوان أعني أن ما حرم ميتته حرم دمه وما حل ميتته حل دمه ولذلك رأى مالك أن ما لا دم له فليس بميتة قال القاضي وقد تكلمنا في هذه المسألة في كتاب الطهارة ويذكر الفقهاء في هذا حديثا مخصصا لعموم الدم قوله عليه الصلاة والسلام أحلت لنا ميتتان ودمان وهذا الحديث في غالب ظني ليس هو في الكتب المشهورة من كتب الحديث وأما المحرمات لعينها المختلف فيها فأربعة أحدها لحوم السباع من الطير ومن ذوات الأربع والثاني ذوات الحافر الإنسية والثالث لحوم الحيوان المأمور بقتله في الحرم والرابع لحوم الحيوانات التي تعافها النفوس وتستخبثها بالطبع وحكى أبو حامد عن الشافعي أنه يحرم لحم الحيوان المنهي عن قتله قال كالخطاف والنحل فيكون هذا جنسا خامسا من المختلف فيه
فأما المسألة الأولى وهي السباع ذوات الأربع فروى ابن القاسم عن مالك أنها مكروهة وعلى هذا القول عول جمهور أصحابه وهو المنصور عندهم وذكر مالك في الموطأ ما دليله أنها عنده محرمة وذلك أنه قال بعقب حديث أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال أكل كل ذي ناب من السباع حرام وعلى ذلك الأمر عندنا وإلى تحريمها ذهب الشافعي وأشهب وأصحاب مالك وأبو حنيفة إلا أنهم اختلفوا في جنس السباع المحرمة فقال أبو حنيفة كل ما أكل اللحم فهو سبع حتى الفيل والضبع واليربوع عنده من السباع وكذلك السنور وقال الشافعي يؤكل الضبع والثعلب وإنما السباع المحرمة التي تعدو على الناس كالأسد والنمر والذئب وكلا القولين في المذهب وجمهورهم على أن القرد لا يؤكل ولا ينتفع به وعند الشافعي أيضا أن الكلب حرام لا ينتفع به لأنه فهم من النهي عن سؤره نجاسة عينه وسبب اختلافهم في تحريم لحوم السباع من ذوات الأربع معارضة الكتاب للآثار وذلك أن ظاهر قوله قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه الآية أن ما عدا المذكور في هذه الآية حلال وظاهر حديث أبي ثعلبة الخشني أنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع أن السباع محرمة هكذا رواه البخاري ومسلم وأما مالك فما رواه في هذا المعنى من طريق أبي هريرة هو أبين في المعارضة وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أكل كل ذي ناب من السباع حرام وذلك أن الحديث الأول قد يمكن الجمع بينه وبين الآية بأن يحمل النهي المذكور فيه عل الكراهية وأما حديث أبي هريرة فليس يمكن الجمع بينه وبين الآية إلا أن يعتقد أنه ناسخ للآية عند من رأى أن الزيادة نسخ وأن القرآن ينسخ بالسنة المتواترة فمن جمع بين حديث أبي ثعلبة والآية حمل حديث لحوم السباع على الكراهية ومن رأى أن حديث أبي هريرة يتضمن زيادة على ما في الآية حرم لحوم السباع ومن اعتقد أن الضبع والثعلب محرمان فاستدلالا بعموم لفظ السباع ومن خصص من ذلك العادية فمصيرا لما روى عبد الرحمن بن عمار قال سألت جابر بن عبد الله عن الضبع آكلها قال نعم قلت أصيد هي قال نعم قلت فأنت سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم وهذا الحديث وإن كان انفرد به عبد الرحمن فهو ثقة عند جماعة أئمة الحديث ولما ثبت من إقراره عليه الصلاة والسلام على أكل الضب بين يديه وأما سباع الطير فالجمهور على أنها حلال لمكان الآية المتكررة وحرمها قوم لما جاء في حديث ابن عباس أنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل مخلب من الطير إلا أن هذا الحديث لم يخرجه الشيخان وإنما ذكره أبو داود وأما المسألة الثانية وهي اختلافهم في ذوات الحافر الإنسي أعني الخيل والبغال والحمير فإن جمهور العلماء على تحريم لحوم الحمر الإنسية إلا ما روي عن ابن عباس وعائشة أنهما كانا يبيحانها وعن مالك أنه كان يكرهها رواية ثانية مثل قول الجمهور وكذلك الجمهور على تحريم البغال وقوم كرهوها ولم يحرموها وهو مروي عن مالك وأما الخيل فذهب مالك وأبو حنيفة وجماعة إلى أنها محرمة وذهب الشافعي وأبو يوسف ومحمد وجماعة إلى إباحتها والسبب في اختلافهم في الحمر الإنسية معارضة الآية المذكورة للأحاديث الثابتة في ذلك من حديث جابر وغيره قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل فمن جمع بين الآية وهذا الحديث حملها على الكراهية ومن رأى النسخ قال بتحريم الحمر أو قال بالزيادة دون أن يوجب عنده نسخا وقد احتج من لم ير تحريمها بما روي عن أبي إسحاق الشيباني عن ابن أبي أوفى قال أصبنا حمرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر وطبخناها فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أكفئوا القدور بما فيها
قال ابن إسحق فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال إنما نهى عنها لأنها كانت تأكل الجلة وأما اختلافهم في البغال فسببه معارضة دليل الخطاب في قوله تعالى والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة وقوله مع أن ذلك في الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون للآية الحاصرة للمحرمات لأنه يدل مفهوم الخطاب فيها أن المباح في البغال إنما هو الركوب مع قياس البغل أيضا على الحمار وأما سبب اختلافهم في الخيل فمعارضة دليل الخطاب في هذه الآية لحديث جابر ومعارضة قياس الفرس على البغل والحمار له لكن إباحة لحم الخيل نص في حديث جابر فلا ينبغي أن يعارض بقياس ولا بدليل خطاب وأما المسألة الثالثة وهي اختلافهم في الحيوان المأمور بقتله في الحرم وهي الخمس المنصوص عليها الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور فإن قوما فهموا من الأمر بالقتل لها مع النهي عن قتل البهائم المباحة الأكل أن العلة في ذلك هو كونها محرمة وهو مذهب الشافعي وقوما فهموا من ذلك معنى التعدي لا معنى التحريم وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وجمهور أصحابهما وأما الجنس الرابع وهو الذي تستخبثه النفوس كالحشرات والضفادع والسرطانات والسلحفاة وما في معناها فإن الشافعي حرمها وأباحها الغير ومنهم من كرهها فقط وسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم ما ينطلق عليه اسم الخبائث في قوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث فمن رأى أنها المحرمات بنص الشرع لم يحرم من ذلك ما تستخبثه النفوس مما لم يرد فيه نص ومن رأى أن الخبائث هي ما تستخبثه النفوس قال هي محرمة وأما ما حكاه أبو حامد عن الشافعي في تحريمه الحيوان المنهي عن قتله كالخطاف والنحل زعم فإني لست أدري أين وقعت الآثار الواردة في ذلك ولعلها في غير الكتب المشهورة عندنا وأما الحيوان البحري فإن العلماء أجمعوا على تحليل ما لم يكن منه موافقا بالاسم لحيوان في البر محرم فقال مالك لا بأس بأكل جميع حيوان البحر إلا أنه كره خنزير الماء وقال أنتم تسمونه خنزيرا وبه قال ابن أبي ليلى والأوزاعي ومجاهد وجمهور العلماء إلا أن منهم من يشترط في غير السمك التذكية وقد تقدم ذلك وقال الليث بن سعد أما إنسان الماء وخنزير الماء فلا يؤكلان على شيء من الحالات وسبب اختلافهم هو هل يتناول لغة أو شرعا اسم الخنزير والإنسان خنزير الماء وإنسانه وعلى هذا يجب أن يتطرق الكلام إلى كل حيوان في البحر مشارك بالاسم في اللغة أو في العرف لحيوان محرم في البر مثل الكلب عند من يرى تحريمه والنظر في هذه المسألة يرجع إلى أمرين أحدهما هل هذه الأسماء لغوية والثاني هل للاسم المشترك عموم أم ليس له فإن إنسان الماء وخنزيره يقالان مع خنزير البر وإنسانه باشتراك الاسم فمن سلم أن هذه الأسماء لغوية ورأى أن للاسم المشترك عموما لزمه أن يقول بتحريمها ولذلك توقف مالك في ذلك وقال أنتم تسمونه خنزيرا فهذه حال الحيوان المحرم الأكل في الشرع والحيوان المباح الأكل وأما النبات الذي هو غذاء فكله حلال إلا الخمر وسائر الأنبذة المتخذة من العصارات التي تتخمر ومن العسل نفسه أما الخمر فإنهم اتفقوا على تحريم قليلها وكثيرها أعني التي هي من عصير العنب وأما الأنبذة فإنهم اختلفوا في القليل منها الذي لا يسكر وأجمعوا على أن المسكر منها حرام فقال جمهور فقهاء الحجاز وجمهور المحدثين قليل الأنبذة وكثيرها المسكرة حرام وقال العراقيون إبراهيم النخعي من التابعين وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وشريك وابن شبرمة وأبو حنيفة وسائر فقهاء الكوفيين وأكثر علماء البصريين إن المحرم من سائر الأنبذة المسكرة هو السكر نفسه لا العين وسبب اختلافهم تعارض الآثار والأقيسة في هذا الباب فللحجازيين في تثبيت مذهبهم طريقتان الطريقة الأولى الآثار الواردة في ذلك والطريقة الثانية تسمية الأنبذة بأجمعها خمرا فمن أشهر الآثار التي تمسك بها أهل الحجاز ما رواه مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أنها قالت سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع وعن نبيذ العسل فقال كل شراب أسكر فهو حرام خرجه البخاري
وقال يحيى بن معين هذا أصح حديث روي عن النبي عليه الصلاة والسلام في تحريم المسكر ومنها أيضا ما خرجه مسلم عن ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال كل مسكر خمر وكل خمر حرام فهذان حديثان صحيحان أما الأول فاتفق الكل عليه وأما الثاني فانفرد بتصحيحه مسلم وخرج الترمذي وأبو داود والنسائي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أسكر كثيره فقليله حرام وهو نص في موضع الخلاف وأما الاستدلال الثاني من أن الأنبذة كلها تسمى خمرا فلهم في ذلك طريقتان إحداهما من جهة إثبات الأسماء بطريق الاشتقاق والثاني من جهة السماع فأما التي من جهة الاشتقاق فإنهم قالوا إنه معلوم عند أهل اللغة أن الخمر إنما سميت خمرا لمخامرتها العقل فوجب لذلك أن ينطلق اسم الخمر لغة على كل ما خامر العقل وهذه الطريقة من إثبات الأسماء فيها اختلاف بين الأصوليين وهي غير مرضية عند الخراسانيين وأما الطريقة الثانية التي من جهة السماع فإنهم قالوا إنه وإن لم يسلم لنا أن الأنبذة تسمى في اللغة خمرا فإنها تسمى خمرا شرعا واحتجوا في ذلك بحديث ابن عمر المتقدم وبما روي أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة وما روي أيضا عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن من العنب خمرا وإن من العسل خمرا ومن الزبيب خمرا ومن الحنطة خمرا وأنا أنهاكم عن كل مسكر فهذه هي عمدة الحجازيين في تحريم الأنبذة وأما الكوفيون فإنهم تمسكوا لمذهبهم بظاهر قوله تعالى ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا وبآثار رووها في هذا الباب وبالقياس المعنوي أما احتجاجهم بالآية فإنهم قالوا السكر هو المسكر ولو كان محرم العين لما سماه الله رزقا حسنا وأما الآثار التي اعتمدوها في هذا الباب فمن أشهرها عندهم حديث أبي عون الثقفي عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس عن النبي عليه الصلاة والسلام قال حرمت الخمر لعينها والسكر من غيرها وقالوا هذا نص لا يحتمل التأويل وضعفه أهل الحجاز لأن بعض رواته روى والمسكر من غيرها ومنها حديث شريك عن سماك بن حرب بإسناده عن أبي بردة بن نيار قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني كنت نهيتكم عن الشراب في الأوعية فاشربوا فيما بدا لكم ولا تسكروا خرجها الطحاوي ورووا عن ابن مسعود أنه قال شهدت تحريم النبيذ كما شهدتم ثم شهدت تحليله فحفظت ونسيتم ورووا عن أبي موسى قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ومعاذا إلى اليمن فقلنا يا رسول الله إن بها شرابين يصنعان من البر والشعير أحدهما يقال له المزر والآخر يقال له البتع فما نشرب فقال عليه الصلاة والسلام اشربا ولا تسكرا خرجه الطحاوي أيضا إلى غير ذلك من الآثار التي ذكروها في هذا الباب وأما احتجاجهم من جهة النظر فإنهم قالوا قد نص القرآن أن علة التحريم في الخمر إنما هي الصد عن ذكر الله ووقوع العداوة والبغضاء كما قال تعالى إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة وهذه العلة توجد في القدر المسكر فيما دون ذلك فوجب أن يكون ذلك القدر هو الحرام إلا ما انعقد عليه الإجماع من تحريم قليل الخمر وكثيرها قالوا وهذا النوع من القياس يلحق بالنص وهو القياس الذي ينبه الشرع على العلة فيه
وقال المتأخرون من أهل النظر حجة الحجازيين من طريق السمع أقوى وحجة العراقيين من طريق القياس أظهر وإذا كان هذا كما قالوا فيرجع الخلاف إلى اختلافهم في تغليب الأثر على القياس أو تغليب القياس على الأثر إذا تعارضا وهي مسألة مختلف فيها لكن الحق أن الأثر إذا كان نصا ثابتا فالواجب أن يغلب على القياس وأما إذا كان ظاهر اللفظ محتملا للتأويل فهنا يتردد النظر هل يجمع بينهما بأن يتأول اللفظ أو يغلب ظاهر اللفظ على مقتضى القياس وذلك مختلف بحسب قوة لفظ من الألفاظ الظاهرة وقوة قياس من القياسات التي تقابلها ولا يدرك الفرق بينهما إلا بالذوق العقلي كما يدرك الموزون من الكلام من غير الموزون وربما كان الذوقان على التساوي ولذلك كثر الاختلاف في هذا النوع حتى قال كثير من الناس كل مجتهد مصيب قال القاضي والذي يظهر لي والله أعلم أن قوله عليه الصلاة والسلام كل مسكر حرام وإن كان يحتمل أن يراد به القدر المسكر لا الجنس المسكر فإن ظهوره في تعليق التحريم بالجنس أغلب على الظن من تعليقه بالقدر لمكان معارضة ذلك القياس له على ما تأوله الكوفيون فإنه لا يبعد أن يحرم الشارع قليل المسكر وكثيره سدا للذريعة وتغليظا مع أن الضرر إنما يوجد في الكثير وقد ثبت من حال الشرع بالإجماع أنه اعتبر في الخمر الجنس دون القدر الواجب فوجب كل ما وجدت فيه علة الخمر أن يلحق بالخمر وأن يكون على من زعم وجود الفرق إقامة الدليل على ذلك هذا إن لم يسلموا لنا صحة قوله عليه الصلاة والسلام ما أسكر كثيره فقليله حرام فإنهم إن سلموه لم يجدوا انفكاكا فإنه نص في موضع الخلاف ولا يصح أن تعارض النصوص بالمقاييس وأيضا فإن الشرع قد أخبر أن في الخمر مضرة ومنفعة فقال تعالى قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وكان القياس إذا قصد الجمع بين انتفاء المضرة ووجود المنفعة أن يحرم كثيرها ويحلل قليلها فلما غلب الشرع حكم المضرة على المنفعة في الخمر ومنع القليل منها والكثير وجب أن يكون الأمر كذلك في كل ما يوجد فيه علة تحريم الخمر إلا أن يثبت في ذلك فارق شرعي واتفقوا على أن الانتباذ حلال ما لم تحدث فيه الشدة المطربة الخمرية لقوله عليه الصلاة والسلام فانتبذوا وكل مسكر حرام ولما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان ينتبذ وأنه كان يريقه في اليوم الثاني أو الثالث واختلفوا من ذلك في مسألتين إحداهما في الأواني التي ينتبذ فيها والثانية في انتباذ شيئين مثل البسر والرطب والتمر والزبيب فأما المسألة الأولى فإنهم أجمعوا على جواز الانتباذ في الأسقية واختلفوا فيما سواها فروى ابن القاسم عن مالك أنه كره الانتباذ في الدباء والمزفت ولم يكره غيره ذلك وكره الثوري الانتباذ في الدباء والحنتم والنقير والمزفت وقال أبو حنيفة وأصحابه لا بأس بالانتباذ في جميع الظروف والأواني وسبب اختلافهم اختلاف الآثار في هذا الباب وذلك أنه ورد من طريق ابن عباس النهي عن الانتباذ في الأربع التي كرهها الثوري وهو حديث ثابت وروى مالك عن ابن عمر في الموطأ أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الانتباذ في الدباء والمزفت وجاء في حديث جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام من طريق شريك عن سماك أنه قال كنت نهيتكم أن تنبذوا في الدباء والحنتم والنقير والمزفت فانتبذوا ولا أحل مسكرا وحديث أبي سعيد الخدري الذي رواه مالك في الموطأ وهو أنه عليه الصلاة والسلام قال كنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا وكل مسكر حرام فمن رأى أن النهي المتقدم الذي نسخ إنما كان نهيا عن الانتباذ في هذه الأواني إذ لم يعلم ههنا نهي متقدم غير ذلك قال يجوز الانتباذ في كل شيء
ومن قال إن النهي المتقدم الذي نسخ إنما كان نهيا عن الانتباذ مطلقا قال بقي النهي عن الانتباذ في هذه الأواني فمن اعتمد في ذلك حديث ابن عمر قال بالآيتين المذكورتين فيه ومن اعتمد في ذلك حديث ابن عباس قال بالأربعة لأنه يتضمن مزيدا والمعارضة بينه وبين حديث ابن عمر إنما هي من باب دليل الخطاب وفي كتاب مسلم النهي عن الانتباذ في الحنتم وفيه أنه رخص لهم فيه إذا كان غير مزفت وأما المسألة الثانية وهي انتباذ الخليطين فإن الجمهور قالوا بتحريم الخليطين من الأشياء التي من شأنها أن تقبل الانتباذ وقال قوم بل الانتباذ مكروه وقال قوم هو مباح وقال قوم كل خليطين فهما حرام وإن لم يكونا مما يقبلان الانتباذ فيما أحسب الآن والسبب في اختلافهم ترددهم في هل النهي الوارد في ذلك هو على الكراهة أو على الحظر وإذا قلنا إنه على الحظر فهل يدل على فساد المنهي عنه أم لا وذلك أنه ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن أن يخلط التمر والزبيب والزهو والرطب والبسر والزبيب وفي بعضها أنه قال عليه الصلاة والسلام لا تنتبذوا الزهو والزبيب جميعا ولا التمر والزبيب جميعا وانتبذوا كل واحد منهما على حدة فيخرج في ذلك بحسب التأويل الأقاويل الثلاثة قول بتحريمه وقول بتحليله مع الإثم في الانتباذ وقول بكراهية ذلك وأما من قال إنه مباح فلعله اعتمد في ذلك عموم الأثر بالانتباذ في حديث أبي سعيد الخدري وأما من منع كل خليطين فإما أن يكون ذهب إلى أن علة المنع هو الاختلاط لا ما يحدث من الاختلاط من الشدة في النبيذ وإما أن يكون قد تمسك بعموم ما ورد أنه نهى عن الخليطين وأجمعوا على أن الخمر إذا تخللت من ذاتها جاز أكلها واختلفوا إذا قصد تخليلها على ثلاثة أقوال التحريم والكراهية والإباحة وسبب اختلافهم معارضة القياس للأثر واختلافهم في مفهوم الأثر وذلك أن أبا داود خرج من حديث أنس بن مالك أن أبا طلحة سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن أيتام ورثوا خمرا فقال أهرقها قال أفلا أجعلها خلا قال لا فمن فهم من المنع سد ذريعة حمل ذلك على الكراهية ومن فهم النهي لغير علة قال بالتحريم ويخرج على هذا أن لا تحريم أيضا على مذهب من يرى أن النهي لا يعود بفساد المنهي والقياس المعارض لحمل الخل على التحريم أنه قد علم من ضرورة الشرع أن الأحكام المختلفة إنما هي للذوات المختلفة وأن الخمر غير ذات الخل والخل بإجماع حلال فإذا انتقلت ذات الخمر إلى ذات الخل وجب أن يكون حلالا كيفما انتقل الجملة الثانية في استعمال المحرمات في حال الاضطرار والأصل في هذا الباب قوله تعالى وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه والنظر في هذا الباب في السبب المحلل وفي جنس الشيء المحلل وفي مقداره فأما السبب فهو ضرورة التغذي أعني إذا لم يجد شيئا حلالا يتغذى به وهو لا خلاف فيه وأما السبب الثاني طلب البرء وهذا المختلف فيه فمن أجازه احتج بإباحة النبي عليه الصلاة والسلام الحرير لعبد الرحمن بن عوف لمكان حكة به ومن منعه فلقوله عليه الصلاة والسلام إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها وأما جنس الشيء المستباح فهو كل شيء محرم مثل الميتة وغيرها والاختلاف في الخمر عندهم هو من قبل التداوي بها لا من قبل استعمالها في التغذي ولذلك أجازوا للعطشان أن يشربها إن كان منها ري وللشرق أن يزيل شرقه بها وأما مقدار ما يؤكل من الميتة وغيرها فإن مالكا قال حد ذلك الشبع والتزود منها حتى يجد غيرها وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يأكل منها إلا ما يمسك الرمق وبه قال بعض أصحاب مالك
وسبب الاختلاف هل المباح له في حال الاضطرار هو جميعها أم ما يمسك الرمق فقط والظاهر أنه جميعها لقوله تعالى فمن اضطر غير باغ ولا عاد واتفق مالك والشافعي على أنه لا يحل للمضطر أكل الميتة إذا كان عاصيا بسفره لقوله تعالى غير باغ ولا عاد وذهب غيره إلى جواز ذلك كتاب النكاح وأصول هذا الكتاب تنحصر في خمسة أبواب الباب الأول في مقدمات النكاح الباب الثاني في موجبات صحة النكاح الباب الثالث في موجبات الخيار في النكاح الباب الرابع في حقوق الزوجية الباب الخامس في الأنكحة المنهي عنها والفاسدة الباب الأول في مقدمات النكاح وفي هذا الباب أربع مسائل في حكم النكاح وفي حكم خطبة النكاح وفي الخطبة على الخطبة وفي النظر إلى المخطوبة قبل التزويج فأما حكم النكاح فقال قوم هو مندوب إليه وهم الجمهور وقال أهل الظاهر هو واجب وقال المتأخرة من المالكية هو في حق بعض الناس واجب وفي حق بعضهم مندوب إليه وفي حق بعضهم مباح وذلك بحسب ما يخاف على نفسه من العنت وسبب اختلافهم هل تحمل صيغة الأمر به في قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء وفي قوله عليه الصلاة والسلام تناكحوا فإني مكاثر بكم الأمم وما أشبه ذلك من الأخبار الواردة في ذلك على الوجوب أم على الندب أم على الإباحة فأما من قال إنه في حق بعض الناس واجب وفي حق بعضهم مندوب إليه وفي حق بعضهم مباح فهو التفات إلى المصلحة وهذا النوع من القياس هو الذي يسمى المرسل وهو الذي ليس له أصل معين يستند إليه وقد أنكره كثير من العلماء والظاهر من مذهب مالك القول به وأما خطبة النكاح المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال الجمهور إنها ليست واجبة وقال داود هي واجبة وسبب الخلاف هل يحمل فعله في ذلك عليه الصلاة والسلام على الوجوب أو على الندب فأما الخطبة على الخطبة فإن النهي في ذلك ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام واختلفوا هل يدل ذلك على فساد النهي عنه أو لا يدل وإن كان يدل ففي أي حالة يدل فقال داود يفسخ وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يفسخ وعن مالك القولان جميعا وثالث وهو أن يفسخ قبل الدخول ولا يفسخ بعده وقال ابن القاسم إنما معنى النهي إذا خطب رجل صالح على خطبة رجل صالح وأما إن كان الأول غير صالح والثاني صالح جاز وأما الوقت عند الأكثر فهو إذا ركن بعضهم إلى بعض لا في أول الخطبة بدليل حديث فاطمة بنت قيس جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أن أبا جهم بن حذيفة ومعاوية بن أبي سفيان خطباها فقال أما أبو جهم فرجل لا يرفع عصاه عن النساء وأما معاوية فصعلوك لا مال له ولكن انكحي أسامة وأما النظر إلى المرأة عند الخطبة فأجاز ذلك مالك إلى الوجه والكفين فقط وأجاز ذلك غيره إلى جميع البدن عدا السوأتين ومنع ذلك قوم على الإطلاق وأجاز أبو حنيفة النظر إلى القدمين مع الوجه والكفين والسبب في اختلافهم أنه ورد الأمر بالنظر إليهن مطلقا وورد بالمنع مطلقا وورد مقيدا أعني بالوجه والكفين على ما قاله كثير من العلماء في قوله تعالى ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها أنه الوجه والكفان وقياسا على جواز كشفهما في الحج عند الأكثر الباب الثاني في موجبات صحة النكاح وهذا الباب ينقسم إلى ثلاثة أركان الركن الأول في معرفة كيفية هذا العقد الركن الثاني في معرفة محل هذا العقد الثالث في معرفة شروط هذا العقد الركن الأول في الكيفية والنظر في هذا الركن في مواضع في كيفية الإذن المنعقد به ومن المعتبر رضاه في لزوم هذا العقد وهل يجوز عقده على الخيار أم لا يجوز وهل إن تراخى القبول من أحد المتعاقدين لزم ذلك العقد أم من شرط ذلك الفور الموضع الأول الإذن في النكاح على ضربين فهو واقع في حق الرجال والثيب من النساء بالألفاظ وهو في حق الأبكار المستأذنات واقع بالسكوت أعني الرضا
وأما الرد فباللفظ ولا خلاف في هذه الجملة إلا ما حكي عن أصحاب الشافعي أن إذن البكر إذا كان المنكح غير أب ولا جد بالنطق وإنما صار الجمهور إلى أن إذنها بالصمت للثابت من قوله عليه الصلاة والسلام الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها واتفقوا على أن انعقاد النكاح بلفظ النكاح ممن إذنه اللفظ وكذلك بلفظ التزويج واختلفوا في انعقاده بلفظ الهبة أو بلفظ البيع أو بلفظ الصدقة فأجازه قوم وبه قال مالك وأبو حنيفة وقال الشافعي لا ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج وسبب اختلافهم هل هو عقد يعتبر فيه مع النية اللفظ الخاص به أم ليس من صحته اعتبار اللفظ فمن ألحقه بالعقود التي يعتبر فيها الأمران قال لا نكاح منعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج ومن قال إن اللفظ ليس من شرطه اعتبارا بما ليس من شرطه اللفظ أجاز النكاح بأي لفظ اتفق إذا فهم المعنى الشرعي من ذلك أعني أنه إذا كان بينه وبين المعنى الشرعي مشاركة الموضع الثاني وأما من المعتبر قبوله في صحة هذا العقد فإنه يوجد في الشرع على ضربين أحدهما يعتبر فيه رضا المتناكحين أنفسهما أعني الزوج والزوجة إما مع الولي وإما دونه على مذهب من لا يشترط الولي في رضا المرأة المالكة أمر نفسها والثاني يعتبر فيه رضا الأولياء فقط وفي كل واحد من هذين الضربين مسائل اتفقوا عليها ومسائل اختلفوا فيها ونحن نذكر منها قواعدها وأصولها فنقول أما الرجال البالغون الأحرار المالكون لأمر أنفسهم فإنهم اتفقوا على اشتراط رضاهم وقبولهم في صحة النكاح واختلفوا هل يجبر العبد على النكاح سيده والوصي محجوره البالغ أم ليس يجبره فقال مالك يجبر السيد عبده على النكاح وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يجبره والسبب في اختلافهم هل النكاح من حقوق السيد أم ليس من حقوقه وكذلك اختلفوا في جبر الوصي محجوره والخلاف في ذلك موجود في المذهب وسبب اختلافهم هل النكاح مصلحة من مصالح المنظور له أم ليس بمصلحة وإنما طريقه الملاذ وعلى القول بأن النكاح واجب ينبغي أن لا يتوقف في ذلك وأما النساء اللاتي يعتبر رضاهن في النكاح فاتفقوا على اعتبار رضا الثيب البالغ لقوله عليه الصلاة والسلام والثيب تعرب عن نفسها إلا ما حكي عن الحسن البصري واختلفوا في البكر البالغ وفي الثيب الغير البالغ ما لم يكن ظهر منها الفساد فأما البكر البالغ فقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى للأب فقط أن يجبرها على النكاح وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأبو ثور وجماعة لا بد من اعتبار رضاها ووافقهم مالك في البكر المعنسة على أحد القولين عنه وسبب اختلافهم معارضة دليل الخطاب في هذا للعموم وذلك أن ما روي عنه عليه الصلاة والسلام من قوله لا تنكح اليتيمة إلا بإذنها وقوله تستأمر اليتيمة في نفسها خرجه أبو داود والمفهوم منه بدليل الخطاب أن ذات الأب بخلاف اليتيمة وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس المشهور والبكر تستأمر يوجب بعمومه استئمار كل بكر والعموم أقوى من دليل الخطاب مع أنه خرج مسلم في حديث ابن عباس زيادة وهو أنه قال عليه الصلاة والسلام والبكر يستأذنها أبوها وهو نص في موضع الخلاف وأما الثيب الغير البالغ فإن مالكا وأبا حنيفة قالا يجبرها الأب على النكاح وقال الشافعي لا يجبرها وقال المتأخرون إن في المذهب فيها ثلاثة أقوال قول إن الأب يجبرها ما لم تبلغ بعد الطلاق وهو قول أشهب وقول إنه يجبرها وإن بلغت وهو قول سحنون وقول إنه لا يجبرها وإن لم تبلغ وهو قول أبي تمام والذي حكيناه عن مالك هو الذي حكاه أهل مسائل الخلاف كابن القصار وغيره عنه
وسبب اختلافهم معارضة دليل الخطاب للعموم وذلك أن قوله عليه الصلاة والسلام تستأمر اليتيمة في نفسها ولا تنكح اليتيمة إلا بإذنها يفهم منه أن ذات الأب لا تستأمر إلا ما أجمع عليه الجمهور من استئمار الثيب البالغ وعموم قوله عليه الصلاة والسلام الثيب أحق بنفسها من وليها يتناول البالغ وغير البالغ وكذلك قوله لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح حتى تستأذن يدل بعمومه على ما قاله الشافعي ولاختلافهم في هاتين المسألتين سبب آخر وهو استنباط القياس من موضع الإجماع وذلك أنهم لما أجمعوا على أن الأب يجبر البكر غير البالغ وأنه لا يجبر الثيب البالغ إلا خلافا شاذا فيهما جميعا كما قلنا اختلفوا في موجب الإجبار هل هو البكارة أو الصغر فمن قال الصغر قال لا تجبر البكر البالغ ومن قال البكارة قال تجبر البكر البالغ ولا تجبر الثيب الصغيرة ومن قال كل واحد منهما يوجب الإجبار إذا انفرد قال تجبر البكر البالغ والثيب الغير البالغ والتعليل الأول تعليل أبي حنيفة والثاني تعليل الشافعي والثالث تعليل مالك والأصول أكثر شهادة لتعليل أبي حنيفة واختلفوا في الثيوبة التي ترفع الإجبار وتوجب النطق بالرضا أو الرد فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها الثيوبة التي تكون بنكاح صحيح أو شبهة نكاح أو ملك وأنها لا تكون بزنا ولا بغصب وقال الشافعي كل ثيوبة ترفع الإجبار وسبب اختلافهم هل يتعلق الحكم بقوله عليه الصلاة والسلام الثيب أحق بنفسها من وليها بالثيوبة الشرعية أم بالثيوبة اللغوية واتفقوا على أن الأب يجبر ابنه الصغير على النكاح وكذلك ابنته الصغيرة البكر ولا يستأمرها لما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة رضي الله عنها بنت ست أو سبع وبنى بها وهي بنت تسع بإنكاح أبي بكر أبيها رضي الله عنه إلا ما روي من الخلاف عن ابن شبرمة واختلفوا من ذلك في مسألتين إحداهما هل يزوج الصغيرة غير الأب والثانية هل يزوج الصغير غير الأب فأما هل يزوج الصغيرة غير الأب أم لا فقال الشافعي يزوجها الجد أبو الأب والأب فقط وقال مالك لا يزوجها إلا الأب فقط أو من جعل الأب له ذلك إذا عين الزوج إلا أن يخاف عليها الضيعة والفساد وقال أبو حنيفة يزوج الصغيرة كل من له عليها ولاية من أب وقريب وغير ذلك ولها الخيار إذا بلغت وسبب اختلافهم معارضة العموم للقياس وذلك أن قوله عليه الصلاة والسلام والبكر تستأمر وإذنها صماتها يقتضي العموم في كل بكر إلا ذات الأب التي خصصها الإجماع إلا الخلاف الذي ذكرناه وكون سائر الأولياء معلوما منهم النظر والمصلحة لوليتهم يوجب أن يلحقوا بالأب في هذا المعنى فمنهم من ألحق به جميع الأولياء ومنهم من ألحق به الجد فقط لأنه في معنى الأب إذ كان أبا أعلى وهو الشافعي ومن قصر ذلك على الأب رأى أن ما للأب في ذلك غير موجود لغيره إما من قبل أن الشرع خصه بذلك وإما من قبل أن ما يوجد فيه من الرأفة والرحمة لا يوجد في غيره وهو الذي ذهب إليه مالك رضي الله عنه وما ذهب إليه أظهر والله أعلم إلا أن يكون هناك ضرورة وقد احتج الحنفية بجواز إنكاح الصغار غير الآباء بقوله تعالى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء قال واليتيم لا ينطلق إلا على غير البالغة والفريق الثاني قالوا إن اسم اليتيم قد ينطلق على بالغة بدليل قوله عليه الصلاة والسلام تستأمر اليتيمة والمستأمرة هي من أهل الإذن وهي البالغة فيكون لاختلافهم سبب آخر وهو اشتراك اسم اليتيم وقد احتج أيضا من لم يجز نكاح غير الأب لها بقوله عليه الصلاة والسلام تستأمر اليتيمة في نفسها قالوا والصغيرة ليست من أهل الاستئمار باتفاق فوجب المنع ولأولئك أن يقولوا أن هذا حكم اليتيمة التي هي من أهل الاستئمار وأما الصغيرة فمسكوت عنها
وأما هل يزوج الولي غير الأب الصغير فإن مالكا أجازه للوصي وأبا حنيفة أجازه للأولياء إلا أن أبا حنيفة أوجب الخيار له إذا بلغ ولم يوجب ذلك مالك وقال الشافعي ليس لغير الأب إنكاحه وسبب اختلافهم قياس غير الأب في ذلك على الأب فمن رأى أن الاجتهاد الموجود فيه الذي جاز للأب به أن يزوج الصغير من ولده لا يوجد في غير الأب لم يجز ذلك ومن رأى أنه يوجد فيه أجاز ذلك ومن فرق بين الصغير في ذلك والصغيرة فلأن الرجل يملك الطلاق إذا بلغ ولا تملكه المرأة ولذلك جعل أبو حنيفة لهما الخيار إذا بلغا وأما الموضع الثالث وهو هل يجوز عقد النكاح على الخيار فإن الجمهور على أنه لا يجوز وقال أبو ثور يجوز والسبب في اختلافهم تردد النكاح بين البيوع التي لا يجوز فيها الخيار والبيوع التي يجوز فيها الخيار أو نقول إن الأصل في العقود أن لا خيار إلا ما وقع عليه النص وعلى المثبت للخيار الدليل أو نقول إن أصل منع الخيار في البيوع هو الغرر والأنكحة لا غرر فيها لأن المقصود بها المكارمة لا المكايسة ولأن الحاجة إلى الخيار والرؤية في النكاح أشد منه في البيوع وأما تراخي القبول من أحد الطرفين عن العقد فأجاز مالك من ذلك التراخي اليسير ومنعه قوم وأجازه قوم وذلك مثل أن ينكح الولي امرأة بغير إذنها فيبلغها النكاح فتجيزه وممن منعه مطلقا الشافعي وممن أجازه مطلقا أبو حنيفة وأصحابه والتفرقة بين الأمر الطويل والقصير لمالك وسبب الخلاف هل من شرط الانعقاد وجود القبول من المتعاقدين في وقت واحد معا أم ليس ذلك من شرطه ومثل هذا الخلاف عرض في البيع الركن الثاني في شروط العقد وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في الأولياء والثاني في الشهود والثالث في الصداق الفصل الأول في الأولياء والنظر في الأولياء في مواضع أربعة الأول في اشتراط الولاية في صحة النكاح الموضع الثاني في صفة الولي الثالث في أصناف الأولياء وترتيبهم في الولاية وما يتعلق بذلك الرابع في عضل الأولياء من يلونهم وحكم الاختلاف الواقع بين الولي والمولى عليه الموضع الأول اختلف العلماء هل الولاية شرط من شروط صحة النكاح أم ليست بشرط فذهب مالك إلى أنه لا يكون النكاح إلا بولي وأنها شرط في الصحة في رواية أشهب عنه وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة وزفر والشعبي والزهري إذا عقدت المرأة نكاحها بغير ولي وكان كفؤا جاز وفرق داود بين البكر والثيب فقال باشتراط الولي في البكر وعدم اشتراطه في الثيب ويتخرج على رواية ابن القاسم عن مالك في الولاية قول رابع أن اشتراطها سنة لا فرض وذلك أنه روي عنه أنه كان يرى الميراث بين الزوجين بغير ولي وأنه يجوز للمرأة غير الشريفة أن تستخلف رجلا من الناس على إنكاحها وكان يستحب أن تقدم الثيب وليها ليعقد عليها فكأنه عنده من شروط التمام لا من شروط الصحة بخلاف عبارة البغداديين من أصحاب مالك أعني أنهم يقولون إنها من شروط الصحة لا من شروط التمام وسبب اختلافهم أنه لم تأت آية ولا سنة هي ظاهرة في اشتراط الولاية في النكاح فضلا عن أن يكون في ذلك نص بل الآيات والسنن التي جرت العادة بالاحتجاج بها عند من يشترطها هي كلها محتملة وكذلك الآيات والسنن التي يحتج بها من يشترط إسقاطها هي أيضا محتملة في ذلك والأحاديث مع كونها محتملة في ألفاظها مختلف في صحتها إلا حديث ابن عباس وإن كان المسقط لها ليس عليه دليل لأن الأصل براءة الذمة ونحن نورد مشهور ما احتج به الفريقان ونبين وجه الاحتمال في ذلك فمن أظهر ما يحتج به من الكتاب من اشترط الولاية قوله تعالى فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن قالوا وهذا خطاب للأولياء ولو لم يكن لهم في الولاية لما نهوا عن العضل وقوله تعالى ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا قالوا وهذا خطاب للأولياء أيضا
ومن أشهر ما احتج به هؤلاء من الأحاديث ما رواه الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ( ثلاث مرات ) وإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له خرجه الترمذي وقال فيه حديث حسن وأما ما احتج به من لم يشترط الولاية من الكتاب والسنة فقوله تعالى فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف قالوا وهذا دليل على جواز تصرفها في العقد على نفسها قالوا وقد أضاف إليهن في غير ما آية من الكتاب الفعل فقال أن ينكحن أزواجهن وقال حتى تنكح زوجا غيره وأما من السنة فاحتجوا بحديث ابن عباس المتفق على صحته وهو قوله عليه الصلاة والسلام الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها وبهذا الحديث احتج داود في الفرق عنده بين الثيب والبكر في هذا المعنى فهذا مشهور ما احتج به الفريقان من السماع فأما قوله تعالى فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن فليس فيه أكثر من نهي قرابة المرأة وعصبتها من أن يمنعوها النكاح وليس نهيهم عن العضل مما يفهم منه اشتراط إذنهم في صحة العقد لا حقيقة ولا مجازا أعني بوجه من وجوه أدلة الخطاب الظاهرة أو النص بل قد يمكن أن يفهم منه ضد هذا وهو أن الأولياء ليس لهم سبيل على من يلونهم وكذلك قوله تعالى ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا هو أن يكون خطابا لأولي الأمر من المسلمين أو لجميع المسلمين أحرى منه أن يكون خطابا للأولياء وبالجملة فهو متردد بين أن يكون خطابا للأولياء أو لأولي الأمر فمن احتج بهذه الآية فعليه البيان أنه أظهر في خطاب الأولياء منه في أولي الأمر فإن قيل إن هذا عام والعام يشمل ذوي الأمر والأولياء قيل إن هذا الخطاب إنما هو خطاب بالمنع والمنع بالشرع فيستوي فيه الأولياء وغيرهم وكون الولي مأمورا بالمنع بالشرع لا يوجب له ولاية خاصة في الإذن أصله الأجنبي ولو قلنا إنه خطاب للأولياء يوجب اشتراط إذنهم في صحة النكاح لكان مجملا لا يصح به عمل لأنه ليس فيه ذكر أصناف الأولياء ولا صفاتهم ولا مراتبهم والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة ولو كان في هذا كله شرع معروف لنقل تواترا أو قريبا من التواتر لأن هذا مما تعم به البلوى ومعلوم أنه كان في المدينة من لا ولي له ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يعقد أنكحتهم ولا ينصب لذلك من يعقدها وأيضا فإن المقصود من الآية ليس هو حكم وإنما المقصود منها تحريم نكاح المشركين والمشركات وهذا ظاهر والله أعلم وأما حديث عائشة فهو حديث مختلف في وجوب العمل به والأظهر أن ما لا يتفق على صحته أنه ليس يجب العمل به وأيضا فإن سلمنا صحة الحديث فليس فيه إلا اشتراط إذن الولي لمن لها ولي أعني المولى عليها وإن سلمنا أنه عام في كل امرأة فليس فيه أن المرأة لا تعقد على نفسها أعني أن لا تكون هي التي تلي العقد بل الأظهر منه أنه إذا أذن الولي لها جاز أن تعقد على نفسها دون أن تشترط في صحة النكاح إشهاد الولي معها وأما ما احتج به الفريق الآخر من قوله تعالى فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف فإن المفهوم منه النهي عن التثريب عليهن فيما استبددن بفعله دون أوليائهن وليس ههنا شيء يمكن أن تستبد به المرأة دون الولي إلا عقد النكاح فظاهر هذه الآية والله أعلم أن لها أن تعقد النكاح وللأولياء الفسخ إذا لم يكن بالمعروف وهو الظاهر من الشرع إلا أن هذا لم يقل به أحد وأن يحتج ببعض ظاهر الآية على رأيهم ولا يحتج ببعضها فيه ضعف وأما إضافة النكاح إليهن فليس فيه دليل على اختصاصهن بالعقد لكن الأصل هو الاختصاص إلا أن يقوم الدليل على خلاف ذلك
وأما حديث ابن عباس فهو لعمري ظاهر في الفرق بين الثيب والبكر لأنه إذا كان كل واحد منهما يستأذن ويتولى العقد عليهما الولي فبماذا ليت شعري تكون الأيم أحق بنفسها من وليها وحديث الزهري هو أن يكون موافقا هذا الحديث أحرى من أن يكون معارضا له ويحتمل أن تكون التفرقة بينهما في السكوت والنطق فقط ويكون السكوت كافيا في العقد والاحتجاج بقوله تعالى فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف هو أظهر في أن المرأة تلي العقد من الاحتجاج بقوله ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا على أن الولي هو الذي يلي العقد وقد ضعفت الحنفية حديث عائشة وذلك أنه حديث رواه جماعة عن ابن جريج عن الزهري وحكى ابن علية عن ابن جريج أنه سأل الزهري عنه فلم يعرفه قالوا والدليل على ذلك أن الزهري لم يكن يشترط الولاية ولا الولاية من مذهب عائشة وقد احتجوا أيضا بحديث ابن عباس أنه قال لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ولكنه مختلف في رفعه وكذلك اختلفوا أيضا في صحة الحديث الوارد في نكاح النبي عليه الصلاة والسلام أم سلمة وأمره لابنها أن ينكحها إياه وأما احتجاج الفريقين من جهة المعاني فمحتمل وذلك أنه يمكن أن يقال إن الرشد إذا وجد في المرأة اكتفي به في عقد النكاح كما يكتفى به في التصرف في المال ويشبه أن يقال إن المرأة مائلة بالطبع إلى الرجال أكثر من ميلها إلى تبذير الأموال فاحتاط الشرع بأن جعلها محجوزة في هذا المعنى على التأبيد مع أن ما يلحقها من العار في إلقاء نفسها في غير موضع كفاءة يتطرق إلى أوليائها لكن يكفي في ذلك أن يكون للأولياء الفسخ أو الحسبة والمسألة محتملة كما ترى ولكن الذي يغلب على الظن أنه لو قصد الشارع اشتراط الولاية لبين جنس الأولياء وأصنافهم ومراتبهم فإن تأخر البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فإذا كان لا يجوز عليه عليه الصلاة والسلام تأخير البيان عن وقت الحاجة وكان عموم البلوى في هذه المسألة يقتضي أن ينقل اشتراط الولاية عنه صلى الله عليه وسلم تواترا أو قريبا من التواتر ثم لم ينقل فقد يجب أن يعتقد أحد أمرين إما أنه ليست الولاية شرطا في صحة النكاح وإنما للأولياء الحسبة في ذلك وإما إن كان شرطا فليس من صحتها تمييز صفات الولي وأصنافهم ومراتبهم ولذلك يضعف قول من يبطل عقد الولي الأبعد مع وجود الأقرب الموضع الثاني وأما النظر في الصفات الموجبة للولاية والسالبة لها فإنهم اتفقوا على أن شرط الولاية الإسلام والبلوغ والذكورة وأن سوالبها أضداد هذه أعني الكفر والصغر والأنوثة واختلفوا في ثلاثة في العبد والفاسق والسفيه فأما العبد فالأكثر على منع ولايته وجوزها أبو حنيفة وأما الرشد فالمشهور في المذهب أعني عند أكثر أصحاب مالك أن ذلك ليس من شرطها وقد روي عن مالك مثل قول الشافعي وبقول الشافعي قال أشهب وأبو معصب وسبب الخلاف تشبيه هذه الولاية بولاية المال فمن رأى أنه قد يوجب الرشد في هذه الولاية مع عدمه في المال قال ليس من شرطه أن يكون رشيدا في المال ومن رأى أن ذلك ممتنع الوجود قال لا بد من الرشد في المال وهما قسمان كما ترى أعني أن الرشد في المال غير الرشد في اختيار الكفاءة لها وأما العدالة فإنما اختلفوا فيها من جهة أنها نظر للمعنى أعني هذه الولاية فلا يؤمن مع عدم العدالة أن لا يختار لها الكفاءة وقد يمكن أن يقال إن الحالة التي بها يختار الأولياء لمولياتهم الكفء غير حالة العدالة وهي خوف لحوق العار بهم وهذه هي موجودة بالطبع وتلك العدالة الأخرى مكتسبة ولنقص العبد يدخل الخلاف في ولايته كما يدخل في عدالته الموضع الثالث وأما أصناف الولاية عند القائلين بها فهي نسب وسلطان ومولى أعلى وأسفل ومجرد الإسلام عند مالك صفة تقتضي الولاية على الدنيئة واختلفوا في الوصي فقال مالك يكون الوصي وليا ومنع ذلك الشافعي
وسبب اختلافهم هل صفة الولاية مما يمكن أن يستناب فيها أم ليس يمكن ذلك ولهذا السبب بعينه اختلفوا في الوكالة في النكاح لكن الجمهور على جوازها إلا أبا ثور ولا فرق بين الوكالة والإيصاء لأن الوصي وكيل بعد الموت والوكالة تنقطع بالموت واختلفوا في ترتيب الولاية من النسب فعند مالك أن الولاية معتبرة بالتعصيب إلا الابن فمن كان أقرب عصبة كان أحق بالولاية والأبناء عنده أولى وإن سفلوا ثم الآباء ثم الإخوة للأب والأم ثم للأب ثم بنو الإخوة للأب والأم ثم للأب فقط ثم الأجداد للأب وإن علوا وقال المغيرة الجد وأبوه أولى من الأخ وابنه ليس من أصل ثم العمومة على ترتيب الإخوة وإن سفلوا ثم المولى ثم السلطان والمولى الأعلى عنده أحق من الأسفل والوصي عنده أولى من ولي النسب أعني وصي الأب واختلف أصحابه فيمن هو أولى وصي الأب أو ولي النسب فقال ابن القاسم الوصي أولى مثل قول مالك وقال ابن الماجشون وابن عبد الحكم الولي أولى وخالف الشافعي مالكا في ولاية البنوة فلم يجزها أصلا وفي تقديم الإخوة على الجد فقال لا ولاية للابن وروي عن مالك أن الأب أولى من الابن وهو أحسن وقال أيضا الجد أولى من الأخ وبه قال المغيرة والشافعي اعتبر التعصيب أعني أن الولد ليس من عصبتها لحديث عمر لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان ولم يعتبره مالك في الابن لحديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ابنها أن ينكحها إياه ولأنهم اتفقوا أعني مالكا والشافعي على أن الابن يرث الولاء الواجب للأم والولاء عندهم للعصبة وسبب اختلافهم في الجد هو اختلافهم فيمن هو أقرب هل الجد أو الأخ ويتعلق بالترتيب ثلاث مسائل مشهورة أحدها إذا زوج الأبعد مع حضور الأقرب والثانية إذا غاب الأقرب هل تنتقل الولاية إلى الأبعد أو إلى السلطان والثالثة إذا غاب الأب عن ابنته البكر هل تنتقل الولاية أو لا تنتقل فأما المسألة الأولى فاختلف فيها قول مالك فمرة قال إن زوج الأبعد مع حضور الأقرب فالنكاح مفسوخ ومرة قال النكاح جائز ومرة قال للأقرب أن يجيز أو يفسخ وهذا الخلاف كله عنده فيما عدا الأب في ابنته البكر والوصي في محجورته فإنه لا يختلف قوله أن النكاح في هذين مفسوخ أعني تزويج غير الأب البنت البكر مع حضور الأب أو غير الوصي المحجورة مع حضور الوصي وقال الشافعي لا يعقد أحد مع حضور الأب لا في بكر ولا في ثيب وسبب هذا الاختلاف هو هل الترتيب حكم شرعي أعني ثابتا بالشرع في الولاية أم ليس بحكم شرعي وإن كان حكما فهل ذلك حق من حقوق الولي الأقرب أم ذلك حق من حقوق الله فمن لم ير الترتيب حكما شرعيا قال يجوز نكاح الأبعد مع حضور الأقرب ومن رأى أنه حكم شرعي ورأى أنه حق للولي قال النكاح منعقد فإن أجازه الولي جاز وإن لم يجزه انفسخ ومن رأى أنه حق لله قال النكاح غير منعقد وقد أنكر قوم هذا المعنى في المذهب أعني أن يكون النكاح منفسخا غير منعقد وأما المسألة الثانية فإن مالكا يقول إذا غاب الولي الأقرب انتقلت الولاية إلى الأبعد وقال الشافعي تنتقل إلى السلطان وسبب اختلافهم هل الغيبة في ذلك بمنزلة الموت أم لا وذلك أنه لا خلاف عندهم في انتقالها في الموت وأما المسألة الثالثة وهي غيبة الأب عن ابنته البكر فإن في المذهب فيها تفصيلا واختلافا وذلك راجع إلى بعد المكان وطول الغيبة أو قربه والجهل بمكانه أو العلم به وحاجة البنت إلى النكاح إما لعدم النفقة وإما لما يخاف عليها من عدم الصون وإما للأمرين جميعا فاتفق المذهب على أنه إذا كانت الغيبة بعيدة أو كان الأب مجهول الوضع أو أسيرا وكانت في صون وتحت نفقة أنها إن لم تدع إلى التزويج لا تزوج وإن دعت فتزوج عند الأسر وعند الجهل بمكانه
واختلفوا هل تزوج مع العلم بمكانه أم لا إذا كان بعيدا فقيل تزوج وهو قول مالك وقيل لا تزوج وهو قول عبد الملك وابن وهب وأما إن عدمت النفقة أو كانت في غير صون فإنها تزوج أيضا في هذه الأحوال الثلاثة أعني في الغيبة البعيدة وفي الأسر والجهل بمكانه وكذلك إن اجتمع الأمران فإذا كانت في غير صون تزوج وإن لم تدع إلى ذلك ولم يختلفوا فيما أحسب أنها لا تزوج في الغيبة القريبة المعلومة لمكان إمكان مخاطبته وليس يبعد بحسب النظر المصلحي الذي انبنى عليه هذا النظر أن يقال إن ضاق الوقت وخشي السلطان عليها الفساد زوجت وإن كان الموضع قريبا وإذا قلنا إنه تجوز ولاية الأبعد مع حضور الأقرب فإن جعلت امرأة أمرها إلى وليين فزوجها كل واحد منهما فإنه لا يخلو أن يكون تقدم أحدهما في العقد على الآخر أو يكونا عقدا معا ثم لا يخلو ذلك من أن يعلم المتقدم أو لا يعلم فأما إذا علم المتقدم منهما فأجمعوا على أنها للأول إذا لم يدخل بها واحد منهما واختلفوا إذا دخل الثاني فقال قوم هي للأول وقال قوم هي للثاني وهو قول مالك وابن القاسم وبالأول قال الشافعي وابن عبد الحكم وأما إن أنكحاها معا فلا خلاف في فسخ النكاح فيما أعرف وسبب الخلاف في اعتبار الدخول أولا اعتباره معارضة العموم للقياس وذلك أنه قد روي أنه عليه الصلاة والسلام قال أيما امرأة أنكحها وليان فهي للأول منهما فعموم هذا الحديث يقتضي أنها للأول دخل بها الثاني أو لم يدخل ومن اعتبر الدخول فتشبيها بفوات السلعة في البيع المكروه وهو ضعيف وأما إن لم يعلم الأول فإن الجمهور على الفسخ وقال مالك يفسخ ما لم يدخل أحدهما وقال شريح تخير فأيهما اختارت كان هو الزوج وهو شاذ وقد روي عن عمر بن عبد العزيز الموضع الرابع في عضل الأولياء واتفقوا على أنه ليس للولي أن يعضل وليته إذا دعت إلى كفء وبصداق مثلها وأنها ترفع أمرها إلى السلطان فيزوجها ما عدا الأب فإنه اختلف فيه المذهب واختلفوا بعد هذا الاتفاق فيما هي الكفاءة المعتبرة في ذلك وهل صداق المثل منها أم لا وكذلك اتفقوا على أن للمرأة أن تمنع نفسها من إنكاح من له من الأولياء جبرها إذا لم تكن فيها الكفاءة موجودة كالأب في ابنته البكر أما غير البالغ باتفاق والبالغ والثيب الصغيرة باختلاف على ما تقدم وكذلك الوصي في محجوره على القول بالجبر فأما الكفاءة فإنهم اتفقوا على أن الدين معتبر في ذلك إلا ما روي عن محمد بن الحسن من إسقاط اعتبار الدين ولم يختلف المذهب أن البكر إذا زوجها الأب من شارب الخمر وبالجملة من فاسق أن لها أن تمنع نفسها من النكاح وينظر الحاكم في ذلك فيفرق بينهما وكذلك إن زوجها ممن ماله حرام أو ممن هو كثير الحلف بالطلاق واختلفوا في النسب هل هو من الكفاءة أم لا وفي الحرية وفي اليسار وفي الصحة من العيوب فالمشهور عن مالك أنه يجوز نكاح الموالي من العرب وأنه احتج لذلك بقوله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم وقال سفيان الثوري وأحمد لا تزوج العربية من مولى وقال أبو حنيفة وأصحابه لا تزوج قرشية إلا من قرشي ولا عربية إلا من عربي والسبب في اختلافهم اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام تنكح المرأة لدينها وجمالها ومالها وحسبها فاظفر بذات الدين تربت يمينك فمنهم من رأى أن الدين هو المعتبر فقط لقوله عليه الصلاة والسلام فعليك بذات الدين تربت يمينك ومنهم من رأى أن الحسب في ذلك هو بمعنى الدين وكذلك المال وأنه لا يخرج من ذلك إلا ما أخرجه الإجماع
وهو كون الحسن ليس من الكفاءة وكل من يقول برد النكاح من العيوب يجعل الصحة منها من الكفاءة وعلى هذا فيكون الحسن يعتبر لجهة ما ولم يختلف المذهب أيضا أن الفقر مما يوجب فسخ إنكاح الأب ابنته البكر أعني إذا كان فقيرا غير قادر على النفقة عليها فالمال عنده من الكفاءة ولم ير ذلك أبو حنيفة أما الحرية فلم يختلف المذهب أنها من الكفاءة لكون السنة الثابتة لتخيير الأمة إذا عتقت وأما مهر المثل فإن مالكا والشافعي يريان أنه ليس من الكفاءة وأن للأب أن ينكح ابنته بأقل من صداق المثل أعني البكر وأن الثيب الرشيدة إذا رضيت به لم يكن للأولياء مقال وقال أبو حنيفة مهر المثل من الكفاءة وسبب اختلافهم أما في الأب فلاختلافهم هل له أن يضع من صداق ابنته البكر شيئا أم لا وأما في الثيب فلاختلافهم هل ترتفع عنها الولاية في مقدار الصداق إذا كانت رشيدة كما ترتفع في سائر تصرفاتهم المالية أم ليس ترتفع الولاية عن مقدار الصداق إذ كانت لا ترتفع عنها في التصرف في النكاح والصداق من أسبابه وقد كان هذا القول أخلق بمن يشترط الولاية ممن لم يشترطها لكن أتى الأمر بالعكس ويتعلق بأحكام الولاية مسألة مشهورة وهي هل يجوز للولي أن ينكح وليته من نفسه أم لا يجوز ذلك فمنع ذلك الشافعي قياسا على الحاكم والشاهد أعني أنه لا يحكم لنفسه ولا يشهد لنفسه وأجاز ذلك مالك ولا أعلم له حجة في ذلك إلا ما روي من أنه عليه الصلاة والسلام تزوج أم سلمة بغير ولي لأن ابنها كان صغيرا وما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام أعتق صفية فجعل صداقها عتقها والأصل عند الشافعي في أنكحة النبي صلى الله عليه وسلم أنها على الخصوص حتى يدل الدليل على العموم لكثرة خصوصيته في هذا المعنى صلى الله عليه وسلم ولكن تردد قوله في الإمام الأعظم الفصل الثاني في الشهادة واتفق أبو حنيفة والشافعي ومالك على أن الشهادة من شرط النكاح واختلفوا هل هي شرط تمام يؤمر به عند الدخول أو شرط صحة يؤمر به عند العقد واتفقوا على أنه لا يجوز نكاح السر واختلفوا إذا أشهد شاهدين ووصيا بالكتمان هل هو سر أو ليس بسر فقال مالك هو سر ويفسخ وقال أبو حنيفة والشافعي ليس بسر وسبب اختلافهم هل الشهادة في ذلك حكم شرعي أم إنما المقصود منها سد ذريعة الاختلاف أو الإنكار فمن قال حكم شرعي قال هي شرط من شروط الصحة ومن قال توثق قال من شروط التمام والأصل في هذا ما روي عن ابن عباس لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد ولا مخالف له من الصحابة وكثير من الناس رأى هذا داخلا في باب الإجماع وهو ضعيف وهذا الحديث قد روي مرفوعا ذكره الدارقطني وذكر أن في سنده مجاهيل وأبو حنيفة ينعقد النكاح عنده بشهادة فاسقين لأن المقصود عنده بالشهادة هو الإعلان فقط والشافعي يرى أن الشهادة تتضمن المعنيين أعني الإعلان والقبول ولذلك اشترط فيها العدالة وأما مالك فليس تتضمن عنده الإعلان إذا وصي الشاهدان بالكتمان وسبب اختلافهم هل ما تقع فيه الشهادة ينطلق عليه اسم السر أم لا والأصل في اشتراط الإعلان قول النبي عليه الصلاة والسلام أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدفوف خرجه أبو داود وقال عمر فيه هذا نكاح السر ولو تقدمت فيه لرجمت وقال أبو ثور وجماعة ليس الشهود من شرط النكاح لا شرط صحة ولا شرط تمام وفعل ذلك الحسن بن علي روي عنه أنه تزوج بغير شهادة ثم أعلن النكاح الفصل الثالث في الصداق والنظر في الصداق في ستة مواضع الأول في حكمه وأركانه الموضع الثاني في تقرر جميعه للزوجة الموضع الثالث في تشطيره الموضع الرابع في التفويض وحكمه الموضع الخامس الأصدقة الفاسدة وحكمها الموضع السادس في اختلاف الزوجين في الصداق الموضع الأول وهذا الموضع فيه أربع مسائل الأولى في حكمه الثانية في قدره الثالثة في جنسه ووصفه الرابعة في تأجيله
المسألة الأولى أما حكمه فإنهم اتفقوا على أنه شرط من شروط الصحة وأنه لا يجوز التواطؤ على تركه لقوله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة وقوله تعالى فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن المسألة الثانية وأما قدره فإنهم اتفقوا على أنه ليس لأكثره حد واختلفوا في أقله فقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وفقهاء المدينة من التابعين ليس لأقله حد وكل ما جاز أن يكون ثمنا وقيمة لشيء جاز أن يكون صداقا وبه قال ابن وهب من أصحاب مالك وقالت طائفة بوجوب تحديد أقله وهؤلاء اختلفوا فالمشهور في ذلك مذهبان أحدهما مذهب مالك وأصحابه والثاني مذهب أبي حنيفة وأصحابه فأما مالك فقال أقله ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم كيلا من فضة أو ما يساوي الدراهم الثلاثة أعني دراهم الكيل فقط في المشهور وقيل أو ما يساوي أحدهما وقال أبو حنيفة عشرة دراهم أقله وقيل خمسة دراهم وقيل أربعون درهما وسبب اختلافهم في التقدير سببان أحدهما تردده بين أن يكون عوضا من الأعواض يعتبر فيه التراضي بالقليل كان أو بالكثير كالحال في البيوعات وبين أن يكون عبادة فيكون مؤقتا وذلك أنه من جهة أنه يملك به على المرأة منافعها على الدوام يشبه العوض ومن جهة أنه لا يجوز التراضي على إسقاطه يشبه العبادة والسبب الثاني معارضة هذا القياس فالمقتضى التحديد لمفهوم الأثر الذي لا يقتضي التحديد أما القياس الذي يقتضي التحديد فهو كما قلنا إنه عبادة والعبادات مؤقتة وأما الأثر الذي يقتضي مفهومه عدم التحديد فحديث سهل بن سعد الساعدي المتفق على صحته وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياما طويلا فقام رجل فقال يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل معك من شيء تصدقها إياه فقال ما عندي إلا إزاري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك فالتمس شيئا فقال لا أجد شيئا فقال عليه الصلاة والسلام التمس ولو خاتما من حديد فالتمس فلم يجد شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل معك شيء من القرآن قال نعم سورة كذا وسورة كذا لسور سماها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنكحتكها بما معك من القرآن قالوا فقوله عليه الصلاة والسلام التمس ولو خاتما من حديد دليل على أنه لا قدر لأقله لأنه لو كان له قدر لبينه إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وهذا الاستدلال بين كما ترى مع أن القياس الذي اعتمده القائلون بالتحديد ليس تسلم مقدماته وذلك أنه انبنى على مقدمتين إحداهما أن الصداق عبادة والثانية أن العبادة مؤقتة وفي كليهما نزاع للخصم وذلك أنه قد يلغي في الشرع من العبادات ما ليست مؤقتة بل الواجب فيها هو أقل ما ينطلق عليه الاسم وأيضا فإنه ليس فيه شبه العبادات خالصا وإنما صار المرجحون لهذا القياس على مفهوم الأثر لاحتمال أن يكون ذلك الأثر خاصا بذلك الرجل لقوله فيه قد أنكحتكها بما معك من القرآن وهذا خلاف للأصول وإن كان قد جاء في بعض رواياته أنه قال قم فعلمها لما ذكر أنه معه من القرآن فقام فعلمها فجاء نكاحا بإجارة لكن لما التمسوا أصلا يقيسون عليه قدر الصداق لم يجدوا شيئا أقرب شبها به من نصاب القطع على بعد ما بينهما
وذلك أن القياس الذي استعملوه في ذلك هو أنهم قالوا عضو مستباح بمال فوجب أن يكون مقدرا أصله القطع وضعف هذا القياس هو من قبل الاستباحة فيهما هي مقولة باشتراك الاسم وذلك أن القطع غير الوطء وأيضا فإن القطع استباحة على جهة العقوبة والأذى ونقص خلقه وهذا استباحة على جهة اللذة والمودة ومن شأنه قياس الشبه على ضعفه أن يكون الذي به تشابه الفرع والأصل شيئا واحدا لا باللفظ بل بالمعنى وأن يكون الحكم إنما وجد للأصل من جهة الشبه وهذا كله معدوم في هذا القياس ومع هذا فإنه من الشبه الذي لم ينبه عليه اللفظ وهذا النوع من القياس مردود عند المحققين لكن لم يستعملوا هذا القياس في إثبات التحديد المقابل لمفهوم الحديث إذ هو في غاية الضعف وإنما استعملوه في تعيين قدر التحديد وأما القياس الذي استعملوه في معارضة مفهوم الحديث فهو أقوى من هذا ويشهد لعدم التحديد ما خرجه الترمذي أن امرأة تزوجت على نعلين فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضيت من نفسك ومالك بنعلين فقالت نعم فجوز نكاحها وقال حديث حسن صحيح ولما اتفق القائلون بالتحديد على قياسه على نصاب السرقة اختلفوا في ذلك بحسب اختلافهم في نصاب السرقة فقال مالك هو ربع دينار أو ثلاثة دراهم لأنه النصاب في السرقة عنده وقال أبو حنيفة هو عشرة دراهم لأنه النصاب في السرقة عنده وقال ابن شبرمة هو خمسة دراهم لأنه النصاب عنده أيضا في السرقة وقد احتجت الحنفية لكون الصداق محددا بهذا القدر بحديث يروونه عن جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لا مهر بأقل من عشرة دراهم ولو كان ثابتا لكان رافعا لموضع الخلاف لأنه كان يجب لموضع هذا الحديث أن يحمل حديث سهل ابن سعد على الخصوص لكن حديث جابر هذا ضعيف عند أهل الحديث فإنه يرويه قال مبشرابن عبيد عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء عن جابر ومبشر والحجاج ضعيفان أيضا لم يلق جابرا ولذلك لا يمكن أن يقال إن هذا الحديث معارض لحديث سهل بن سعد المسألة الثالثة أما جنسه فكل ما جاز أن يتملك وأن يكون عوضا واختلفوا من ذلك في مكانين في النكاح بالإجارة وفي جعل عتق أمته صداقها أما النكاح على الإجارة ففي المذهب فيه ثلاثة أقوال قول بالإجازة وقول بالمنع وقول بالكراهة والمشهور عن مالك الكراهة ولذلك رأى فسخه قبل الدخول وأجازه من أصحابه أصبغ وسحنون وهو قول الشافعي ومنعه ابن القاسم وأبو حنيفة إلا في العبد فإن أبا حنيفة أجازه وسبب اختلافهم سببان أحدهما هل شرع من قبلنا لازم لنا حتى يدل الدليل على ارتفاعه أم الأمر بالعكس فمن قال هو لازم أجازه لقوله تعالى إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج الآية ومن قال ليس بلازم قال لا يجوز النكاح بالإجارة والسبب الثاني هل يجوز أن يقاس النكاح في ذلك على الإجارة وذلك أن الإجارة هي مستثناة من بيوع الغرر المجهول ولذلك خالف فيها الأصم وابن علية وذلك أن أصل التعامل إنما هو على عين معروفة ثابتة في عين معروفة ثابتة والإجارة هي عين ثابتة في مقابلتها حركات وأفعال غير ثابتة ولا مقدرة بنفسها ولذلك اختلف الفقهاء متى تجب الأجرة على المستأجر وأما كون العتق صداقا فإنه منعه فقهاء الأمصار ما عدا داود وأحمد وسبب اختلافهم معارضة الأثر الوارد في ذلك للأصول أعني ما ثبت من أنه عليه الصلاة والسلام أعتق صفية وجعل عتقها صداقها مع احتمال أن يكون هذا خاصا به عليه الصلاة والسلام لكثرة اختصاصه في هذا الباب
ووجه مفارقته للأصول أن العتق إزالة ملك والإزالة لا تتضمن استباحة الشيء بوجه آخر لأنها إذا أعتقت ملكت نفسها فكيف يلزمها النكاح ولذلك قال الشافعي إنها إن كرهت زواجه غرمت له قيمتها لأنه رأى أنها قد أتلفت عليه قيمتها إذا كان إنما أتلفها بشرط الاستمتاع بها وهذا كله لا يعارض به فعله عليه الصلاة والسلام ولو كان غير جائز لغيره لبينه عليه الصلاة والسلام والأصل أن أفعاله لازمة لنا إلا ما قام الدليل على خصوصيته وأما صفة الصداق فإنهم اتفقوا على انعقاد النكاح على العوض المعين الموصوف أعني المنضبط جنسه وقدره بالوصف واختلفوا في العوض الغير موصوف ولا معين مثل أن يقول أنكحتكها على عبد أو خادم من غير أن يصف ذلك وصفا يضبط قيمته فقال مالك وأبو حنيفة يجوز وقال الشافعي لا يجوز وإذا وقع النكاح على هذا الوصف عند مالك كان لها الوسط مما سمى وقال أبو حنيفة يجبر على القيمة وسبب اختلافهم هل يجري النكاح في ذلك مجرى البيع من القصد في التشاح أو ليس يبلغ ذلك المبلغ بل القصد منه أكثر ذلك المكارمة فمن قال يجري في التشاح مجرى البيع قال كما لا يجوز البيع على شيء غير موصوف كذلك لا يجوز النكاح ومن قال ليس يجري مجراه إذ المقصود منه إنما هو المكارمة قال يجوز وأما التأجيل فإن قوما لم يجيزوه أصلا وقوم أجازوه واستحبوا أن يقدم شيئا منه إذا أراد الدخول وهو مذهب مالك والذين أجازوا التأجيل منهم من لم يجزه إلا لزمن محدود وقدر هذا البعد وهو مذهب مالك ومنهم من أجازه لموت أو فراق وهو مذهب الأوزاعي وسبب اختلافهم هل يشبه النكاح البيع في التأجيل أو لا يشبهه فمن قال يشبهه لم يجز التأجيل لموت أو فراق ومن قال لا يشبهه أجاز ذلك ومن منع التأجيل فلكونه عبادة الموضع الثاني في النظر في التقرر واتفق العلماء على أن الصداق يجب كله بالدخول أو الموت أما وجوبه كله بالدخول فلقوله تعالى وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا الآية وأما وجوبه بالموت فلا أعلم الآن فيه دليلا مسموعا إلا انعقاد الإجماع على ذلك واختلفوا هل من شرط وجوبه مع الدخول المسيس أم ليس ذلك من شرطه بل يجب بالدخول والخلوة وهو الذي يعنون بإرخاء الستور فقال مالك والشافعي وداود لا يجب بإرخاء الستور إلا نصف المهر ما لم يكن المسيس وقال أبو حنيفة يجب المهر بالخلوة نفسها إلا أن يكون محرما أو مريضا أو صائما في رمضان أو كانت المرأة حائضا وقال ابن أبي ليلى يجب المهر كله بالدخول ولم يشترط في ذلك شيئا وسبب اختلافهم في ذلك معارضة حكم الصحابة في ذلك لظاهر الكتاب وذلك أنه نص تبارك وتعالى في المدخول بها المنكوحة أنه ليس يجوز أن يؤخذ من صداقها شيء في قوله تعالى وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ونص في المطلقة قبل المسيس أن لها نصف الصداق فقال تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم وهذا نص كما ترى في حكم كل واحدة من هاتين الحالتين أعني قبل المسيس وبعد المسيس ولا وسط بينهما فوجب بهذا إيجابا ظاهرا أن الصداق لا يجب إلا بالمسيس والمسيس ههنا الظاهر من أمره أنه الجماع وقد يحتمل أن يحمل على أصله في اللغة وهو المس ولعل هذا هو الذي تأولت الصحابة ولذلك قال مالك في العنين المؤجل إنه قد وجب لها الصداق عليه إذا وقع الطلاق لطول مقامه معها فجعل له دون الجماع تأثيرا في إيجاب الصداق وأما الأحكام الواردة في ذلك عن الصحابة فهو أن من أغلق بابا أو أرخى سترا فقد وجب عليه الصداق لم يختلف عليهم في ذلك فيما حكموا
واختلفوا من هذا الباب في فرع وهو إذا اختلفا في المسيس أعني القائلين باشتراط المسيس وذلك مثل أن تدعي هي المسيس وينكر هو فالمشهور عن مالك أن القول قولها وقيل إن كان دخول بناء صدقت وإن كان دخول زيارة لم تصدق وقيل إن كانت بكرا نظر إليها النساء فيتحصل فيها في المذهب ثلاثة أقوال وقال الشافعي وأهل الظاهر القول قوله وذلك لأنه مدعى عليه ومالك ليس يعتبر في وجوب اليمين على المدعى عليه من جهة ما هو مدعى عليه بل من جهة ما هو أقوى شبهة في الأكثر ولذلك يجعل القول في مواضع كثيرة قول المدعي إذ كان أقوى شبهة وهذا الخلاف يرجع إلى هل إيجاب اليمين على المدعى عليه معلل أو غير معلل وكذلك القول في وجوب البينة على المدعي وسيأتي هذا في مكانه الموضع الثالث في التشطير واتفقوا اتفاقا مجملا أنه إذا طلق قبل الدخول وقد فرض صداقا أنه يرجع عليها بنصف الصداق لقوله تعالى فنصف ما فرضتم الآية والنظر في التشطير في أصول ثلاثة في محله من الأنكحة وفي موجبه من أنواع الطلاق أعني الواقع قبل الدخول وفي حكم ما يعرض له من التغيرات قبل الطلاق أما محله من النكاح عند مالك فهو النكاح الصحيح أعني أن يكون يقع الطلاق الذي قبل الدخول في النكاح الصحيح وأما النكاح الفاسد فإن لم تكن الفرقة فيه فسخا وطلق قبل الفسخ ففي ذلك قولان وأما موجب التشطير فهو الطلاق الذي يكون باختيار من الزوج لا باختيار منها مثل الطلاق الذي يكون من قبل قيامها بعيب يوجد فيه واختلفوا من هذا الباب في الذي يكون سببه قيامها عليه بالصداق أو النفقة مع عسره ولا فرق بينه وبين القيام بالعيب وأما الفسوخ التي ليست طلاقا فلا خلاف أنها ليست توجب التشطير إذا كان فيها الفسخ من قبل العقد أو من قبل الصداق وبالجملة من قبل عدم موجبات الصحة وليس لها في ذلك اختيار أصلا وأما الفسوخ الطارئة على العقد الصحيح مثل الردة والرضاع فإن لم يكن لأحدهما فيه اختيار أو كان لها دونه لم يوجب التشطير وإن كان له فيه اختيار مثل الردة أوجب التشطير والذي يقتضيه مذهب أهل الظاهر أن كل طلاق قبل البناء فواجب أن يكون فيه التنصيف سواء كان من سببها أو سببه وأن ما كان فسخا ولم يكن طلاقا فلا تنصيف فيه وسبب الخلاف هل هذه السنة معقولة المعنى أم ليست بمعقولة فمن قال إنها معقولة المعنى وأنه إنما وجب لها نصف الصداق عوض ما كان لها لمكان الجبر على رد سلعتها وأخذ الثمن كالحال في المشتري فلما فارق النكاح في هذا المعنى البيع جعل لها هذا عوضا من ذلك الحق قال إذا كان الطلاق من سببها لم يكن لها شيء لأنها أسقطت ما كان لها من جبره على دفع الثمن وقبض السلعة ومن قال إنها سنة غير معقولة واتبع ظاهر اللفظ قال يلزم التشطير في كل طلاق كان من سببه أو سببها فأما حكم ما يعرض للصداق من التغيرات قبل الطلاق فإن ذلك لا يخلو أن يكون من قبلها أو من الله فما كان من قبل الله فلا يخلو من أربعة أوجه إما أن يكون تلفا للكل وإما أن يكون نقصا وإما أن يكون زيادة وإما أن يكون زيادة ونقصا معا وما كان من قبلها فلا يخلو أن يكون تصرفها فيه بتفويت مثل البيع والعتق والهبة أو يكون تصرفها فيه في منافعها الخاصة بها أو فيما تتجهز به إلى زوجها فعند مالك أنهما في التلف وفي الزيادة وفي النقصان شريكان وعند الشافعي أنه يرجع في النقصان والتلف عليها بالنصف ولا يرجع بنصف الزيادة