İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî)
فتأمل هذه المسألة فإنها بينة ولا حجة في الظواهر التي يرام الاحتجاج بها لهذا المذهب من قوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم فإن هذا لم يبطل الصلاة بإرادته وإنما أبطلها طرو الماء كما لو أحدث الباب السابع في الأشياء التي هذه الطهارة شرط في صحتها أو في استباحتها واتفق الجمهور على أن الأفعال التي هذه الطهارة شرط في صحتها هي الأفعال التي الوضوء شرط في صحتها من الصلاة ومس المصحف وغير ذلك واختلفوا هل يستباح بها أكثر من صلاة واحدة فقط فمشهور مذهب مالك أنه لا يستباح بها صلاتان مفروضتان أبدا واختلف قوله في الصلاتين المقضيتين والمشهور عنه أنه إذا كانت إحدى الصلاتين فرضا والأخرى نفلا أنه إن قدم الفرض جمع بينهما وإن قدم النفل لم يجمع بينهما وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز الجمع بين صلوات مفروضة بتيمم واحد وأصل هذا الخلاف هو هل التيمم لكل صلاة أم لا إما من قبل ظاهر الاية كما تقدم وإما من قبل وجوب تكرار الطلب وإما من كليهما كتاب الطهارة من النجس والقول المحيط بأصول هذه الطهارة وقواعدها ينحصر في ستة أبواب الباب الأول في معرفة حكم هذه الطهارة أعني في الوجوب أو في الندب إما مطلقا وإما من جهة أنها مشترطة في الصلاة الباب الثاني في معرفة أنواع النجاسات الباب الثالث في معرفة المحال التي يجب إزالتها عنها الباب الرابع في معرفة الشيء الذي به تزال الباب الخامس في صفة إزالتها في محل محل الباب السادس في آداب الإحداث الباب الأول في معرفة حكم هذه الطهارة والأصل في هذا الباب أما من الكتاب فقوله تعالى وثيابك فطهر وأما من السنة فآثار كثيرة ثابتة منها قوله عليه الصلاة والسلام من توضأ فليستنثر ومن استجمر فليوتر ومنها أمره صلى الله عليه وسلم بغسل دم الحيض من الثوب وأمره بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي وقوله عليه الصلاة والسلام في صاحبي القبر إنهماليعذبان وما يعذبان في كبيرأماأحدهما فكان لا يستنزه من االبول واتفق العلماء لمكان هذه المسموعات على أن إزالة النجاسة مأمور بها في الشرع واختلفوا هل ذلك على الوجوب أو على الندب المذكور وهو الذي يعبر عنه بالسنة فقال قوم إن إزالة النجاسات واجبة وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال قوم إزالتها سنة مؤكدة وليست بفرض وقال قوم هي فرض مع الذكر ساقطة مع النسيان وكلا هذين القولين عن مالك وأصحابه وسبب اختلافهم في هذه المسألة راجع إلى ثلاثة أشياء أحدها اختلافهم في قوله تبارك وتعالى وثيابك فطهر هل ذلك محمول على الحقيقة أو محمول على المجاز والسبب الثاني تعارض ظواهر الاثار في وجوب ذلك والسبب الثالث اختلافهم في الأمر والنهي الوارد لعلة معقولة المعنى هل تلك العلة المفهومة من ذلك الأمر أو النهي قرينة تنقل الأمر من الوجوب إلى الندب والنهي من الحظر إلى الكراهة أم ليست قرينة وأنه لا فرق في ذلك بين العبادة المعقولة وغير المعقولة وإنما صار من صار إلى الفرق في ذلك لأن الأحكام المعقولة المعاني في الشرع أكثرها هي من باب محاسن الأخلاق أو من باب المصالح وهذه في الأكثر هي مندوب إليها فمن حمل قوله تعالى وثيابك فطهر على الثياب المحسوسة قال الطهارة من النجاسة واجبة ومن حملها على الكناية عن طهارة القلب لم ير فيها حجة وأما الاثار المتعارضة في ذلك فمنها حديث صاحبي القبر المشهور وقوله فيهما صلى الله عليه وسلم إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله فظاهر هذا الحديث يقتضي الوجوب لأن العذاب لا يتعلق إلا بالواجب وأما المعارض لذلك فما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من أنه رمي عليه وهو في الصلاة سلا جزور بالدم والفرث فلم يقطع الصلاة وظاهر هذا أنه لو كانت إزالة النجاسة واجبة كوجوب الطهارة من الحدث لقطع الصلاة ومنها ما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في صلاة من الصلوات يصلي في نعله
فطرح نعليه فطرح الناس لطرحه نعليه فأنكر ذلك عليهم عليه الصلاة والسلام وقال إنما خلعتها لأن جبريل أخبرني أن فيها قذرا فظاهر هذا أنه لو كانت واجبة لما بنى على ما مضى من الصلاة فمن ذهب في هذه الاثار مذهب ترجيح الظواهر قال إما بالوجوب إن رجح ظاهر حديث الوجوب أو بالندب إن رجح ظاهر حديثي الندب أعني الحديثين اللذين يقتضيان أن إزالتها من باب الندب المؤكد ومن ذهب مذهب الجمع فمنهم من قال هي فرض مع الذكر والقدرة ساقطة مع النسيان وعدم القدرة ومنهم من قال هي فرض مطلقا وليست من شروط صحة الصلاة وهي قول رابع في المسألة وهو ضعيف لأن النجاسة إنما تزال في الصلاة وكذلك من فرق بين العبادة المعقولة المعنى وبين الغير معقولته أعني أنه جعل الغير معقولة آكد في باب الوجوب فرق بين الأمر الوارد في الطهارة من الحدث وبين الأمر الوارد في الطهارة من النجس لأن الطهارة من النجس معلوم أن المقصود بهاالنظافة وذلك من محاسن الأخلاق وأما الطهارة من الحدث فغير معقولة المعنى مع ما اقترن من صلاتهم في النعال مع أنها لا تنفعك من أن يوطأ بها النجاسات غالبا وما أجمعوا عليه من العفو عن اليسير في بعض النجاسات الباب الثاني في معرفة أنواع النجاسات وأما أنواع النجاسات فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربعة ميتة الحيوان ذي الدم الذي ليس بمائي وعلى لحم الخنزير بأي سبب اتفق أن تذهب حياته وعلى الدم نفسه من الحيوان الذي ليس بملئي انفصل من الحي أو الميت إذا كان مسفوحا أعني كثيرا وعلى بول ابن آدم ورجيعه وأكثرهم على نجاسة الخمر وفي ذلك خلاف عن بعض المحدثين واختلفوا في غير ذلك والقواعد من ذلك سبع مسائل المسألة الأولى اختلفوا في ميتة الحيوان الذي لا دم له وفي ميتة الحيوان البحري فذهب قوم إلى أن ميتة ما لا دم له طاهرة وكذلك ميتة البحر وهو مذهب مالك وأصحابه وذهب قوم إلى التسوية بين ميتة ذوات الدم والتي لا دم لها في النجاسة واستثنوا من ذلك ميتة البحر وهو مذهب الشافعي إلا ما وقع الاتفاق على أنه ليس بميتة مثل دود الخل وما يتولد في المطعومات وسوى قوم بين ميتة البر والبحر واستثنوا ميتة ما لا دم له وهو مذهب أبي حنيفة وسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم قوله تعالى حرمت عليكم الميتة وذلك أنهم فيما أحسب اتفقوا أنه من باب العام أريد به الخاص واختلفوا أي خاص أريد به فمنهم من استثنى من ذلك ميتة البحر وما لا دم له ومنهم من استثنى من ذلك ميتة البحر فقط ومنهم من استثنى من ذلك ميتة ما لا دم له فقط وسبب اختلافهم في هذه المستثنيات هو سبب اختلافهم في الدليل المخصوص أما من استثنى من ذلك ما لا دم له فحجته مفهوم الأثر الثابت عنه عليه الصلاة والسلام من أمره بمقل الذباب إذا وقع في الطعام قالوا فهذا يدل على طهارة الذباب وليس لذلك علة إلا أنه غير ذي دم وأما الشافعي فعذره أن هذا خاص بالذباب لقوله عليه الصلاة والسلام فإن في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى دواء ووهن الشافعي هذا المفهوم من الحديث بأن ظاهر الكتاب يقتضي أن الميتة والدم نوعان من أنواع المحرمات أحدهما تعمل فيه التذكية وهي الميتة وذلك في الحيوان المباح الأكل باتفاق والدم لا تعمل فيه التذكية فحكمهما مفترق فكيف يجوز أن يجمع بينهما حتى يقال إن الدم هو سبب تحريم الميتة وهذا قوي كما ترى فإنه لو كان الدم هو السبب في تحريم الميتة لما كانت ترتفع الحرمية عن الحيوان بالذكاة وتبقى حرمية الدم الذي لم ينفصل بعد عن المذكاة وكانت الحلية إنما توجد بعد انفصال الدم عنه لأنه إذا ارتفع السبب ارتفع المسبب الذي يقتضيه ضرورة لأنه إن وجد السبب والمسبب غير موجود فليس هو سببا ومثال ذلك أنه إذا ارتفع التحريم عن عصير العنب وجب ضرورة أن يرتفع الإسكار إن كنا نعتقد أن الإسكار هو سبب التحريم
وأما من استثنى من ذلك ميتة البحر فإنه ذهب إلى الأثر الثابت في ذلك من حديث جابر وفيه أنهم أكلوا من الحوت الذي رماه البحر أياما وتزودوا منه وأنهم أخبروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحسن فعلهم وسألهم هل بقي منه شيء وهو دليل على أنه لم يجوز لهم لمكان ضرورة خروج الزاد عنهم واحتجوا أيضا بقوله عليه الصلاة والسلام هو الطهور ماؤه الحل ميتته وأما أبو حنيفة فرجح عموم الآية على هذا الأثر إما لأن الاية مقطوع بها والأثر مظنون وإما لأنه رأى أن ذلك رخصة لهم أعني حديث جابر أو لأنه احتمل عنده أن يكون الحوت مات بسبب وهو رمي البحر به إلى الساحل لأن الميتة هو ما مات من تلقاء نفسه من غير سبب خارج ولاختلافهم في هذا أيضا سبب آخر وهو احتمال عودة الضمير في قوله تعالى وطعامه متاعا لكم وللسيارة أعني أن يعود على البحر أو على الصيد نفسه فمن أعاده على البحر قال طعامه هو الطافي ومن أعاده على الصيد قال هو الذي أحل فقط من صيد البحر مع أن الكوفيين أيضا تمسكوا في ذلك بأثر ورد فيه تحريم الطافي من السمك وهو عندهم ضعيف المسألة الثانية وكما اختلفوا في أنواع الميتات كذلك اختلفوا في أجزاء ما اتفقوا عليه أنه ميتة وذلك أنهم اتفقوا على أن اللحم من أجزاء الميتة ميتة واختلفوا في العظام والشعر فذهب الشافعي إلى أن العظم والشعر ميتة وذهب أبو حنيفة إلى أنهما ليسا بميتة وذهب مالك للفرق بين الشعر والعظم فقال إن العظم ميتة وليس الشعر ميتة وسبب اختلافهم هو اختلافهم فيما ينطلق عليه اسم الحياة من أفعال الأعضاء فمن رأى أن النمو والتغذي هو من أفعال الحياة قال إن الشعر والعظام إذا فقدت النمو والتغذي فهي ميتة ومن رأى أنه لا ينطلق اسم الحياة إلا على الحس قال إن الشعر والعظام ليست بميتة لأنها لا حس لها ومن فرق بينهما أوجب للعظام الحس ولم يوجب للشعر وفي حس العظام اختلاف والأمر مختلف فيه بين الأطباء ومما يدل على أن التغذي والنمو ليسا هما الحياة التي يطلق على عدمها اسم الميتة أن الجميع قد اتفقوا على أن ما قطع من البهيمة وهي حية أنه ميتة لورود ذلك في الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة واتفقوا على أن الشعر إذا قطع من الحي أنه طاهر ولو انطلق اسم الميتة على من فقد التغذي والنمو لقيل في النبات المقلوع إنه ميتة وذلك أن النبات فيه التغذي الموت هو التغذي الموجود في الحساس المسألة الثالثة اختلفوا في الانتفاع بجلود الميتة فذهب قوم إلى الانتفاع بجلودها مطلقا دبغت أو لم تدبغ وذهب قوم إلى خلاف هذا وهو ألا ينتفع به أصلا وإن دبغت وذهب قوم إلى الفرق بين أن تدبغ وألا تدبغ ورأوا أن الدباغ مطهر لها وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وعن مالك في ذلك روايتان إحداهما مثل قول الشافعي والثانية أن الدباغ لا يطهرها ولكن تستعمل في اليابسات والذين ذهبوا إلى أن الدباغ مطهر اتفقوا على أنه مطهر لما تعمل فيه الذكاة من الحيوان أعني المباح الأكل واختلفوا فيما لا تعمل فيه الذكاة فذهب الشافعي إلى أنه مطهر لما تعمل فيه الذكاة فقط وأنه بدل منها في إفادة الطهارة وذهب أبو حنيفة إلى تأثير الدباغ في جميع ميتات الحيوان ما عدا الخنزير وقال داود تطهر حتى جلد الخنزير وسبب اختلافهم تعارض الاثار في ذلك وذلك أنه ورد في حديث ميمونة إباحة الانتفاع بها مطلقا وذلك أن فيه أنه مر بميتة فقال عليه الصلاة والسلام هلا انتفعتم بجلدها وفي حديث ابن عكيم منع الانتفاع بها مطلقا وذلك أن فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب قال وذلك قبل موته بعام بعد الدباغ والمنع قبل الدباغ والثابت في هذا الباب هو حديث ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام قال إذا دبغ الإهاب فقد طهر
فلمكان اختلاف هذه الاثار اختلف الناس في تأويلها فذهب قوم مذهب الجمع على حديث ابن عباس أعني أنهم فرقوا في الانتفاع بها بين المدبوغ وغير المدبوغ وذهب قوم مذهب النسخ فأخذوا بحديث ابن عكيم لقوله فيه قبل موته بعام وذهب قوم مذهب الترجيح لحديث ميمونة ورأوا أنه يتضمن زيادة على ما في حديث ابن عباس وأن تحريم الانتفاع ليس يخرج من حديث ابن عباس قبل الدباغ لأن الانتفاع غير الطهارة أعني كل طاهر ينتفع به وليس يلزم عكس هذا المعنى أعني أن كل ما ينتفع به هو طاهر المسألة الرابعة اتفق العلماء على أن دم الحيوان البري نجس واختلفوا في دم السمك وكذلك اختلفوا في الدم القليل من دم الحيوان غير البحري فقال قوم دم السمك طاهر وهو أحد قولي مالك ومذهب الشافعي وقال قوم هو نجس على أصل الدماء وهو قول مالك في المدونة وكذلك قال قوم إن قليل الدماء معفو عنه وقال قوم بل القليل منها والكثير حكمه واحد والأول عليه الجمهور والسبب في اختلافهم في دم السمك هو اختلافهم في ميتته فمن جعل ميتته داخلة تحت عموم التحريم جعل دمه كذلك ومن أخرج ميتته أخرج دمه قياسا على الميتة وفي ذلك أثر ضعيف وهو قوله عليه الصلاة والسلام أحلت لنا ميتتان ودمان الجراد والحوت والكبد والطحال وأما اختلافهم في كثير الدم وقليله فسببه اختلافهم في القضاء بالمقيد على المطلق أو بالمطلق على المقيد وذلك أنه ورد تحريم الدم مطلقا في قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وورد مقيدا في قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما إلى قوله أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فمن قضى بالمقيد على المطلق وهم الجمهور قال المسفوح هو النجس المحرم فقط ومن قضى بالمطلق على المقيد لأن فيه زيادة قال المسفوح وهو الكثير وغير المسفوح وهو القليل كل ذلك حرام وأيد هذا بأن كل ما هو نجس لعينه فلا يتبعض المسألة الخامسة اتفق العلماء على نجاسة بول ابن آدم ورجيعه إلا بول الصبي الرضيع واختلفوا فيما سواه من الحيوان فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنها كلها نجسة وذهب قوم إلى طهارتها بإطلاق أعني فضلتي سائر الحيوان البول والرجيع وقال قوم أبوالها وأرواثها تابعة للحومها فما كان منها لحومها محرمة فأبوالها وأرواثها نجسة محرمة وما كان منها لحومها مأكولة فأبوالها وأرواثها طاهرة ما عدا التي تأكل النجاسة وما كان منها مكروها فأبوالها وأرواثها مكروهة وبهذا قال مالك كما قال أبو حنيفة بذلك في الأسآر وسبب اختلافهم شيئان أحدهما اختلافهم في مفهوم الإباحة الواردة في الصلاة في مرابض الغنم وإباحته عليه الصلاة والسلام للعرنيين شرب أبوال الإبل وألبانها وفي مفهوم النهي عن الصلاة في أعطان الإبل والسبب الثاني اختلافهم في قياس سائر الحيوان في ذلك على الإنسان فمن قاس سائر الحيوان على الإنسان ورأى أنه من باب قياس الأولى والأخرى ولم يفهم من إباحة الصلاة في مرابض الغنم طهارة أرواثها وأبوالها جعل ذلك عبادة ومن فهم من للعرنيين أبوال الإبل لمكان المداواة على أصله في إجازة ذلك قال كل رجيع وبول فهو نجس ومن فهم من حديث إباحة الصلاة في مرابض الغنم طهارة أرواثها وأبوالها وكذلك من حديث العرنيين وجعل النهي عن الصلاة في أعطان الإبل عبادة أو لمعنى غير معنى النجاسة وكان الفرق عنده بين الإنسان وبهيمة الأنعام أن فضلتي الإنسان مستقذرة بالطبع وفضلتي بهيمة الأنعام ليست كذلك جعل الفضلات تابعة للحوم والله أعلم ومن قاس على بهيمة الأنعام غيرها جعل الفضلات كلها ما عدا فضلتي الإنسان غير نجسة ولا محرمة والمسألة محتملة ولولا أنه لا يجوز إحداث قول لم يتقدم إليه أحد في المشهور وإن كانت مسألة فيها خلاف لقيل إن ما ينتن منها ويستقذر بخلاف ما لا ينتن ولا يستقذر وبخاصة ما كان منها رائحته حسنة لاتفاقهم على إباحة العنبر وهو عند أكثر الناس فضلة من فضلات حيوان البحر وكذلك المسك وهو فضلة دم الحيوان الذي يوجد المسك فيه فيما يذكر
المسألة السادسة اختلف الناس في قليل النجاسات على ثلاثة أقوال فقوم رأوا قليلها وكثيرها سواء وممن قال بهذا القول الشافعي وقوم رأوا أن قليل النجاسات معفو عنه وحددوه بقدر الدرهم البغلي وممن قال بهذا القول أبو حنيفة وشذ محمد بن الحسن فقال إن كانت النجاسة ربع الثوب فما دونه جازت به الصلاة وقال فريق ثالث قليل النجاسات وكثيرها سواء إلا الدم على ما تقدم وهو مذهب مالك وعنه في دم الحيض روايتان والأشهر مساواته لسائر الدماء وسبب اختلافهم اختلافهم في قياس النجاسة على الرخصة الواردة في الاستجمار للعلم بأن النجاسة هناك باقية فمن أجاز القياس على ذلك استجاز قليل النجاسة ولذلك حدده بالدرهم قياسا على قدر المخرج ومن رأى أن تلك رخصة والرخص لا يقاس عليها منع ذلك وأما سبب استثناء مالك من ذلك الدماء فقد تقدم وتفصيل مذهب أبي حنيفة أن النجاسات عنده تنقسم إلى مغلظة ومخففة وأن المغلظة هي التي يعفى منها عن قدر الدرهم والمخففة هي التي يعفى منها عن ربع الثوب والمخففة عندهم ( هي ) مثل أرواث الدواب وما لا تنفك منه الطرق غالبا وتقسيمهم إياها إلى مغلظة ومخففة حسن جدا المسألة السابعة اختلفوا في المني هل هو نجس أم لا فذهبت طائفة منهم مالك وأبو حنيفة إلى أنه نجس وذهبت طائفة إلى أنه طاهر وبهذا قال الشافعي وأحمد وداود وسبب اختلافهم فيه شيئان أحدهما اضطراب الرواية في حديث عائشة وذلك أن في بعضها كنت أغسل ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المني فيخرج إلى الصلاة وإن فيه لبقع الماء وفي بعضها كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي بعضها فيصلي فيه خرج هذه الزيادة مسلم والسبب الثاني تردد المني بين أن يشبه بالأحداث الخارجة من البدن وبين أن يشبه بخروج الفضلات الطاهرة كاللبن وغيره فمن جمع الأحاديث كلها بأن حمل الغسل على باب النظافة واستدل من الفرك على الطهارة على أصله في أن الفرك لا يطهر نجاسة وقاسه على اللبن وغيره من الفضلات الشريفة لم يره نجسا ومن رجح حديث الغسل على الفرك وفهم منه النجاسة وكان بالأحداث عنده أشبه منه مما ليس بحدث قال إنه نجس وكذلك أيضا من اعتقد أن النجاسة تزول بالفرك قال الفرك يدل على نجاسته كما يدل الغسل وهو مذهب أبي حنيفة وعلى هذا فلا حجة لأولئك في قولها فيصلي فيه بل فيه حجة لأبي حنيفة في أن النجاسة تزال بغير الماء وهو خلاف قول المالكية الباب الثالث في معرفة المحال التي يجب إزالتها عنها وأما المحال التي تزال عنها النجاسات فثلاثة ولا خلاف في ذلك أحدها الأبدان ثم الثياب ثم المساجد ومواضع الصلاة وإنما اتفق العلماء على هذه الثلاثة لأنها منطوق بها في الكتاب والسنة أما الثياب ففي قوله تعالى وثيابك فطهر على مذهب من حملها على الحقيقة وفي الثابت من أمره عليه الصلاة والسلام بغسل الثوب من دم الحيض وصبه الماء على بول الصبي الذي بال عليه وأما المساجد فلأمره عليه الصلاة والسلام بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي الذي بال في المسجد وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه أمر بغسل المذي من البدن وغسل النجاسات من المخرجين واختلف الفقهاء هل يغسل الذكر كله من المذي أم لا لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث علي المشهور وقد سئل عن المذي فقال يغسل ذكره ويتوضأ وسبب الخلاف فيه هل هو الواجب هو الأخذ بأوائل الأسماء أو بأواخرها فمن رأى أنه بأواخرها أعني بأكثر ما ينطلق عليه الاسم قال بغسل الذكر كله ومن رأى الأخذ بأقل ما ينطلق عليه قال إنما يغسل موضع الأذى فقط قياسا على البول والمذي الباب الرابع في الشيء الذي تزال به
وأما الشيىء الذي به تزال فإن المسلمين اتفقوا على أن الماء الطاهر المطهر يزيلها من هذه الثلاثة المحال واتفقوا أيضا على أن الحجارة تزيلها من المخرجين واختلفوا فيما سوى ذلك من المائعات والجامدات التي تزيلها فذهب قوم إلى أن ما كان طاهرا يزيل عين النجاسة مائعا كان أو جامدا في أي موضع كانت وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وقال قوم لا تزال النجاسة بما سوى الماء إلا في الاستجمار فقط المتفق عليه وبه قال مالك والشافعي واختلفوا أيضا في إزالتها في الاستجمار بالعظم والروث فمنع ذلك قوم أجازه بغير ذلك مما ينقي واستثنى مالك من ذلك ما هو مطعوم ذو حرمة كالخبز وقد قيل ذلك فيما في استعماله سرف كالذهب والياقوت وقوم قصروا الإنقاء على الأحجار فقط وهو مذهب أهل الظاهر وقوم أجازوا الاستنجاء بالعظم دون الروث وإن كان مكروها عندهم وشذ الطبري فأجاز الاستجمار بكل طاهر ونجس وسبب اختلافهم في إزالة النجاسة بما عدا الماء فيما عدا المخرجين هو هل المقصود بإزالة النجاسة بالماء هو إتلاف عينها فقط فيستوي في ذلك مع الماء كل ما يتلف عينها أم للماء في ذلك مزيد خصوص ليس بغير الماء فمن لم يظهر عنده للماء مزيد خصوص قال بإزالتها بسائر المائعات والجامدات الطاهرة وأيد هذا المفهوم بالاتفاق على إزالتها من المخرجين بغير الماء وبما ورد من حديث أم سلمة أنها قالت إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم يطهره ما بعده وكذلك بالاثار التي خرجها أبو داود في هذا مثل قوله عليه الصلاة والسلام إذا وطىء أحدكم الأذى بنعليه فإن التراب له طهور إلى غير ذلك مما روي في هذا المعنى ومن رأى أن الماء في ذلك مزيد خصوص منع ذلك إلا في موضع الرخصة فقط وهو المخرجان ولما طالبت الحنفية الشافعية بذلك الخصوص المزيد الذي للماء لجأوا في ذلك إلى أنها عبادة إذ لم يقدروا أن يعطوا في ذلك سببا معقولا حتى أنهم سلموا أن الماء لا يزيل النجاسة بمعنى معقول وإنما إزالته بمعنى شرعي حكمي وطال الخطب والجدل بينهم هل إزالة النجاسة بالماء عبادة أو معنى معقول خلفا عن سلف واضطرت الشافعية إلى أن تثبت أن في الماء قوة شرعية في رفع أحكام النجاسات ليست في غيره وإن استوى مع سائر الأشياء في إزالة العين وأن المقصود إنما هو إزالة ذلك الحكم الذي اختص به الماء لإذهاب عين النجاسة بل قد يذهب العين ويبقى الحكم فباعدوا المقصد وقد كانوا اتفقوا قبل مع الحنفيين أن طهارة النجاسة ليست طهارة حكمية أعني شرعية ولذلك لم تحتج إلى نية ولو راموا الانفصال عنهم بأنا نرى أن للماء قوة إحالة للأنجاس والأدناس وقلعها من الثياب والأبدان ليست لغيره ولذلك اعتمده الناس في تنظيف الأبدان والثياب لكان قولا جيدا وغيره بعيد بل لعله واجب أن يعتقد أن الشرع إنما اعتمد في كل موضع غسل النجاسة بالماء لهذه الخاصية التي في الماء ولو كانوا قالوا هذا لكانوا قد قالوا في ذلك قولا هو أدخل في المذهب الفقه الجاري على المعاني وإنما يلجأ الفقيه إلى أن يقول عبادة إذا ضاق عليه المسلك مع الخصم فتأمل ذلك فإنه بين من أمرهم في أكثر المواضع وأما اختلافهم في الروث فسببه اختلافهم في المفهوم من النهي الوارد في ذلك عنه عليه الصلاة والسلام أعني أمره عليه الصلاة والسلام أن لا يستنجى بعظم ولا روث فمن دل عنده النهي على الفساد لم يجز ذلك ومن لم ير ذلك إذ كانت النجاسة معنى معقولا حمل ذلك على الكراهية ولم يعده إلى إبطال الاستنجاء بذلك ومن فرق بين العظام والروث فلأن الروث نجس عنده الباب الخامس في صفة إزالتها
وأما الصفة التي تزول فاتفق العلماء على أنها غسل ومسح ونضح لورود ذلك في الشرع وثبوته في الآثار واتفقوا على أت الغسل عام لجميع أنواع النجاسات ولجميع محال النجاسات وأن المسح بالأحجار يجوز في المخرجين ويجوز في الخفين وفي النعلين من العشب اليابس وكذلك ذيل المرأة الطويل اتفقوا على أن طهارته هي على ظاهر حديث أم سلمة من العشب اليابس وكذلك ذيل المرأة الطويل اتفقوا على أن طهارته هي على ظاهر حديث أم سلمة من العشب اليابس واختلفوا من ذلك في ثلاثة مواضع هي أصول هذا الباب أحدها في النضح لأي نجاسة هو والثاني في المسح لأي محل هو ولأي نجاسة هو بعد أن اتفقوا على ما ذكرناه والثالث اشتراط العدد في الغسل والمسح أما النضح فإن قوما قالوا هذا خاص بإزالة بول الطفل الذي لم يأكل الطعام وقوم فرقوا بين بول الذكر في ذلك والأنثى فقالوا ينضح بول الذكر ويغسل بول الأنثى وقوم قالوا الغسل طهارة ما يتيقن بنجاسته والنضح طهارة ما شك فيه وهو مذهب مالك بن أنس رضي الله عنه وسبب اختلافهم تعارض ظواهر الأحاديث في ذلك أعني اختلافهم في مفهومها وذلك أن هاهنا حديثين ثابتين في النضح أحدهما حديث عائشة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم فأتي بصبي فبال عليه فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله وفي بعض رواياته فنضحه ولم يغسله خرجه البخاري والاخر حديث أنس المشهور حين وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته قال فقمت إلى حصير لنا قد أسود من طول ما لبث فنصحته بالماء فمن الناس من صار إلى العمل بمقتضى حديث عائشة وقال هذا خاص ببول الصبي واستثناه من سائر البول ومن الناس من رجح الاثار الواردة في الغسل على هذا الحديث وهو مذهب مالك ولم ير النضح إلا الذي في حديث أنس وهو الثوب المشكوك فيه على ظاهر مفهومه وأما الذي فرق في ذلك بين بول الذكر والأنثى فإنه اعتمد على ما رواه أبو داود عن أبي السمح من قوله عليه الصلاة والسلام يغسل بول الجارية ويرش بول الصبي وأما من لم يفرق فإنما اعتمد قياس الأنثى على الذكر الذي ورد فيه الحديث الثابت وأما المسح فإن قوما أجازوه في أي محل كانت النجاسة إذا ذهب عينها على مذهب أبي حنيفة وكذلك الفرك على قياس من يرى أن كل ما أزال العين فقد طهر وقوم لم يجيزوه إلا في المتفق عليه وهو المخرج وفي ذيل المرأة وفي الخف وذلك من العشب اليابس لا من الأذى غير اليابس وهو مذهب مالك وهؤلاء لم يعدوا المسح إلى غير المواضع التي جاءت في الشرع وأما الفريق الاخر فإنهم عدوه والسبب في اختلافهم في ذلك هل ما ورد من ذلك رخصة أو حكم فمن قال رخصة لم يعدها إلى غيرها أعني لم يقس عليها ومن قال هو حكم من أحكام إزالة النجاسة كحكم الغسل عداه فإن قوما اشترطوا الإنقاء فقط في الغسل والمسح وقوم اشترطوا العدد في الاستجمار وفي الغسل والذين اشترطوه في الغسل منهم من اقتصر على المحل الذي ورد فيه العدد في الغسل بطريق السمع ومنهم من عداه إلى سائر النجاسات أما من لم يشترط العدد لا في غسل ولا في مسح فمنهم مالك وأبو حنيفة وأما من اشترط في الاستجمار العدد أعني ثلاثة أحجار لا أقل من ذلك فمنهم الشافعي وأهل الظاهر وأما من اشترط العدد في الغسل واقتصر به على محله الذي ورد فيه وهو غسل الإناء سبعا من ولوغ الكلب فالشافعي ومن قال بقوله وأما من عداه واشترط السبع في غسل النجاسات ففي أغلب ظني أن أحمد بن حنبل منهم و أبو حنيفة يشترط الثلاثة في إزالة النجاسة الغير محسوسة العين أعني الحكمية
وسبب اختلافهم في هذا تعارض المفهوم من هذه العبادة لظاهر اللفظ في الأحاديث التي ذكر فيها العدد وذلك أن من كان المفهوم عنده من الأمر بإزالة النجاسة إزالة عينها لم يشترط العدد أصلا وجعل العدد الوارد من ذلك في الاستجمار في حديث سلمان الثابت الذي فيه الأمر أن لا يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار على سبيل الاستحباب حتى يجمع بين المفهوم من الشرع والمسموع من هذه الأحاديث وجعل العدد المشترط في غسل الإناء من ولوغ الكلب عبادة لا لنجاسة كما تقدم من مذهب مالك وأما من صار إلى ظواهر هذه الاثار واستثناها من المفهوم فاقتصر بالعدد على هذه المحال التي ورد العدد فيها وأما من رجح الظاهر على المفهوم فإنه عدى ذلك إلى سائر النجاسات وأما حجة أبي حنيفة في الثلاثة فقوله عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده ثلاثا قبل أن يدخلها في إنائه الباب السادس في آداب الإستنجاء وأما آداب الاستنجاء ودخول الخلاء فأكثرها محمولة عند الفقهاء على الندب وهي معلومة من السنة كالبعد في المذهب إذا أراد الحاجة وترك الكلام عليها والنهي عن الاستنجاء باليمين وألا يمس ذكره بيمينه وغير ذلك مما ورد في الاثار وإنما اختلفوا من ذلك في مسألة واحدة مشهورة وهي استقبال القبلة للغائط والبول واستدبارها فإن للعلماء فيها ثلاثة أقوال إنه لا يجوز أن تستقبل القبلة لغائط ولا بول أصلا ولا في موضع من المواضع وقول إن ذلك يجوز بإطلاق وقول إنه يجوز في المباني والمدن ولا يجوز ذلك في الصحراء وفي غير المباني والمدن والسبب في اختلافهم هذا حديثان متعارضان ثابتان أحدهما حديث أبي أيوب الأنصاري أنه قال عليه الصلاة والسلام إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا الحديث الثاني حديث عبد الله بن عمر أنه قال ارتقيت على ظهر بيت أختي حفصة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا لبيتين لحاجته على لبنتين مستقبل الشام مستدبر القبلة فذهب الناس في هذين الحديثين ثلاثة مذاهب أحدها مذهب الجمع والثاني مذهب الترجيح والثالث مذهب الرجوع إلى البراءة الأصلية إذا وقع التعارض وأعني بالبراءة الأصلية عدم الحكم فمن ذهب مذهب الجمع حمل حديث أبي أيوب الأنصاري على الصحارى وحيث لا سترة وحمل حديث ابن عمر على السترة وهو مذهب مالك ومن ذهب مذهب الترجيح رجح حديث أبي أيوب لأنه إذا تعارض حديثان أحدهما فيه شرع موضوع والاخر موافق للأصل الذي هو عدم الحكم ولم يعلم المتقدم منهما من المتأخر وجب أن يصار إلى الحديث المثبت للشرع لأنه وقد وجب العمل بنقله من طريق العدول وتركه الذي ورد أيضا من طريق العدول يمكن أن يكون ذلك قبل شرع ذلك الحكم ويمكن أن يكون بعده فلم يجز أن نترك شرعا وجب العمل به بظن من لم نؤمر أن نوجب النسخ به إلا لو نقل أنه كان بعده فإن الظنون التي تستند إليها الأحكام محدودة بالشرع أعني التي توجب رفعها أو إيجابها وليست هي أي ظن اتفق ولذلك يقولون إن العمل ما لم يجب بالظن وإنما وجب بالأصل المقطوع به يريدون بذلك الشرع المقطوع به الذي أوجب العمل بذلك النوع من الظن وهذه الطريقة التي قلنا ها هي طريقة أبي محمد بن حزم الأندلسي وهي طريقة جيدة مبنية على أصول أهل الكلام الفقهي وهو راجع إلى أنه لا يرفع بالشك ما ثبت بالدليل الشرعي وأما من ذهب مذهب الرجوع إلى الأصل عند التعارض فهو مبني على أن الشك يسقط الحكم ويرفعه وأنه كلا حكم وهو مذهب داود الظاهري ولكن خالفه أبو محمد بن حزم في هذا الأصل مع أنه من أصحابه
قال القاضي فهذا هو الذي رأينا أن نثبته في هذا الكتاب من المسائل التي ظننا أنها تجري مجرى الأصول وهي التي نطق بها في الشرع أكثر ذلك أعني أن أكثرها يتعلق بالمنطوق به إما تعلقا قريبا أو قريبا من القريب وإن تذكرنا لشيء من هذا الجنس أثبتناه في هذا الباب وأكثر ما عولت فيما نقلته من نسبة هذه المذاهب إلى أربابها هو كتاب الاستذكار وأنا قد أبحت لمن وقع من ذلك على وهم لي أن يصلحه والله المعين كتاب الصلاة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وصلى الله على سيدنامحمد واله وصحبه وسلم تسليما الصلاة تنقسم أولا وبالجملة إلى فرض وندب والقول المحيط بأصول هذه العبادة ينحصر بالجملة في أربعة أجناس أعني أربع جمل الجملة الأولى في معرفة الوجوب وما يتعلق به والجملة الثانية في معرفة شروطها الثلاث أعني شروط الوجوب وشروط الصحة وشروط التمام والكمال والجملة الثالثة في معرفة ما تشتمل عليه من أفعال وأقوال وهي الأركان والجملة الرابعة في قضائها ومعرفة إصلاح ما يقع فيها من الخلل وجبره لأنه قضاء ما إذا كان استدراكا لما فات الجملة الأولى وهذه الجملة فيها أربع مسائل هي في معنى أصول هذا الباب المسألة الأولى في بيان وجوبها الثانية في بيان عدد الواجبات منها الثالثة في بيان على من تجب الرابعة ما الواجب على من تركها متعمدا المسألة الأولى أما وجوبها فبين من الكتاب والسنة والإجماع وشهرة ذلك تغني عن تكلف القول فيه المسألة الثانية وأما عدد الواجب منها ففيه قولان أحدهما قول مالك والشافعي والأكثر وهو أن الواجب هي الخمس صلوات فقط لا غير والثاني قول أبي حنيفة وأصحابه وهو أن الوتر واجب مع الخمس واختلافهم هل يسمى ما ثبت بالسنة واجبا أو فرضا لا معنى له وسبب اختلافهم الأحاديث المتعارضة أما الأحاديث التي مفهومها وجوب الخمس فقط بل هي نص في ذلك فمشهورة وثابتة ومن أبينها في ذلك ما ورد في حديث الإسراء المشهور أنه لما بلغ الفرض إلى خمس قال له موسى ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك قال فراجعته فقال تعالى هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي وحديث الأعرابي المشهور الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام فقال له خمس صلوات في اليوم والليلة قال هل علي غيرها قال لا إلا أن تطوع وأما الأحاديث التي مفهومها وجوب الوتر فمنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله قد زادكم صلاة وهي الوتر فحافظوا عليها وحديث حارثة بن حذافة قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن الله أمركم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم وهي الوتر وجعلها لكم فيما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وحديث بريدة الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الوتر حق فمن لم يؤثر فليس منا فمن رأى أن الزيادة هي نسخ ولم تقو عنده هذه الأحاديث قوة تبلغ بها أن تكون ناسخة لتلك الأحاديث الثابتة المشهورة رجح تلك الأحاديث وأيضا فإنه ثبت من قوله تعالى في حديث الإسراء إنه لا يبدل القول لدي وظاهره أنه لا يزاد فيها ولا ينقص منها وإن كان هو في النقصان أظهر والخبر ليس يدخله النسخ ومن بلغت عنده قوة هذه الأخبار التي اقتضت الزيادة على الخمس إلى رتبة توجب العمل أوجب المصير إلى هذه الزيادة لا سيما إن كان ممن يرى أن الزيادة لا توجب نسخا لكن ليس هذا من رأي أبي حنيفة المسألة الثالثة وأما على من تجب فعلى المسلم البالغ ولا خلاف في ذلك المسألة الرابعة وأما ما الواجب على من تركها عمدا وأمر بها فأبى أن يصليها لا جحودا لفرضها فإن قوما قالوا يقتل وقوما قالوا يعزر ويحبس والذين قالوا يقتل منهم من أوجب قتله كفرا وهو مذهب أحمد وإسحاق وابن المبارك ومنهم من أوجبه حدا وهو مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وأهل الظاهر ممن رأى حبسه وتعزيره حتى يصلي
والسبب في هذا الاختلاف اختلاف الاثار وذلك أنه ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس وروي عنه عليه الصلاة والسلام من حديث بريدة أنه قال العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر وحديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس بين العبد وبين الكفر أو قال الشرك إلا ترك الصلاة فمن فهم من الكفر هاهنا الكفر الحقيقي جعل هذا الحديث كأنه تفسير لقوله عليه الصلاة والسلام كفر بعد إيمان ومن فهم هاهنا التغليظ والتوبيخ أي أن أفعاله أفعال كافر وأنه في صورة كافر كما قال لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن لم ير قتله كفرا وأما من قال يقتل حدا فضعيف ولا مستند له إلا قياس شبه ضعيف إن أمكن وهو تشبيه الصلاة بالقتل في كون الصلاة رأس المأمورات والقتل رأس المنهيات وعلى الجملة فاسم الكفر إنما يطلق بالحقيقة على التكذيب وتارك الصلاة معلوم أنه ليس بمكذب إلا أن يتركها معتقدا لتركها هكذا فنحن إذن بين أحد أمرين إما إن أردنا أن نفهم من الحديث الكفر الحقيقي فيجب علينا أن نتأول أنه أراد عليه الصلاة والسلام من ترك الصلاة معتقدا لتركها فقد كفر وإما أن يحمل على أن اسم الكفر على غير موضوعه الأول وذلك على أحد معنيين إما على أن حكمه حكم الكافر أعني في القتل وسائر أحكام الكفار وإن لم يكن مكذبا وإما على أن أفعاله أفعال كافر على جهة التغليظ والردع له أي أن فاعل هذا يشبه الكافر في الأفعال إذ كان الكافر لا يصلي كما قال عليه الصلاة والسلام لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وحمله على أن حكمه حكم الكافر في أحكامه لا يجب المصير إليه إلا بدليل لأنه حكم لم يثبت بعد في الشرع من طريق يجب المصير إليه فقد يجب إذا لم يدل عندنا على الكفر الحقيقي الذي هو التكذيب أن يدل على المعنى المجازي لا على معنى يوجب حكما لم يثبت بعد في الشرع بل يثبت ضده الذين نص عليهم الشرع فتأمل هذا فإنه بين والله أعلم أعني أنه يجب علينا أحد أمرين إما أن نقدر في الكلام محذوفا إن أردنا حمله على المعنى الشرعي المفهوم من اسم الكفر وإما أن نحمله على المعنى المستعار وأما حمله على أن حكمه حكم الكافر في جميع أحكامه مع أنه مؤمن فشيء مفارق للأصول مع أن الحديث نص في حق من يجب قتله كفرا أو حدا ولذلك صار هذا القول مضاهيا لقول من يكفر بالذنوب الجملة الثانية في الشروط وهذه الجملة فيها ثمانية أبواب الباب الأول في معرفة الأوقات الثاني في معرفة الأذان والإقامة الثالث في معرفة القبلة الرابع في ستر العورة واللباس في الصلاة الخامس في اشتراط الطهارة من النجس في الصلاة السادس في تعيين المواضع التي يصلى فيها من المواضع التي لا يصلى فيها السابع في معرفة الشروط التي هي شروط في صحة الصلاة الثامن في معرفة النية وكيفية اشتراطها في الصلاة الباب الأول في معرفة الأوقات وهذا الباب ينقسم أولا إلى فصلين الأول في معرفة الأوقات المأمور بها الثاني في معرفة الأوقات المنهي عنها الفصل الأول في معرفة الأوقات المأمور بها وهذا الفصل ينقسم إلى قسمين أيضا القسم الأول في الأوقات الموسعة والمختارة والثاني في أوقات أهل الضرورة القسم الأول من الفصل الأول من الباب الأول من الجملة الثانية والأصل في هذا الباب قوله تعالى إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا
اتفق المسلمون على أن للصلوات الخمس أوقاتا خمسا هي شرط في صحة الصلاة وأن منها أوقات فضيلة وأوقات توسعة واختلفوا في حدود أوقات التوسعة والفضيلة وفيه خمس مسائل المسألة الأولى اتفقوا على أن أول وقت الظهر الذي لا تجوز قبله هو الزوال إلا خلافا شاذا روي عن ابن عباس وإلا ما روي من الخلاف في صلاة الجمعة على ما سيأتي واختلفوا منها في موضعين في آخر وقتها الموسع وفي وقتها المرغب فيه فأما آخر وقتها الموسع فقال مالك والشافعي وأبو ثور وداود هو أن يكون ظل كل شيء مثله وقال أبو حنيفة آخر الوقت أن يكون ظل كل شيء مثليه في إحدى الروايتين عنه وهو عنده أول وقت العصر وقد روي عنه أن آخر وقت الظهر هو المثل وأول وقت العصر المثلان وأن ما بين المثل والمثلين ليس يصلح لصلاة الظهر وبه قال صاحباه أبو يوسف ومحمد وسبب الخلاف في ذلك اختلاف الأحاديث وذلك أنه ورد في إمامة جبريل أنه صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم الظهر في اليوم الأول حين زالت الشمس وفي اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثله ثم قال الوقت ما بين هذين وروي عنه صلى الله عليه وسلم إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ثم أوتي أهل الإنجيل فعملوا إلى صلاة العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطا ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين فقال أهل الكتاب أي ربنا أعطيت ونحن كنا أكثر عملا قال الله تعالى هل ظلمتكم من أجركم من شيء قالوا لا قال فهو فضلي أوتيه من أشاء فذهب مالك والشافعي إلى حديث إمامة جبريل وذهب أبو حنيفة إلى مفهوم ظاهر هذا وهو أنه إذا كان من العصر إلى الغروب أقصر من أول الظهر إلى العصر على مفهوم هذا الحديث فواجب أن يكون أول العصر أكثر من قامة وأن يكون هذا هو آخر وقت الظهر قال أبو محمد بن حزم وليس كما ظنوا وقد امتحنت الأمر فوجدت القامة تنتهي من النهار إلى تسع ساعات وكسر قال القاضي أنا الشاك في الكسر وأظنه قال وثلث وحجة من قال باتصال الوقتين أعني اتصالا لا بفصل غير منقسم قوله عليه الصلاة والسلام لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل وقت أخرى وهو حديث ثابت وأما وقتها المرغب فيه والمختار فذهب مالك إلى أنه للمنفرد أول الوقت ويستحب تأخيرها عن أول الوقت قليلا في مساجد الجماعات وقال الشافعي أول الوقت أفضل إلا في شدة الحر وروي مثل ذلك عن مالك وقالت طائفة أول الوقت أفضل بإطلاق للمنفرد والجماعة وفي الحر والبرد وإنما اختلفوا في ذلك لاختلاف الأحاديث وذلك أن في ذلك حديثين ثابتين أحدهما قوله عليه الصلاة والسلام إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم والثاني أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي الظهر بالهاجرة وفي حديث خباب أنهم شكوا حر الرمضاء فلم يشكهم خرجه مسلم قال زهير راوي الحديث قلت لأبي إسحاق شيخه أفي الظهر قال نعم قلت أفي تعجيلها قال نعم فرجح قوم حديث الإبراد إذ هو نص وتأولوا هذه الأحاديث إذ ليست بنص وقوم رجحوا هذه الأحاديث لعموم ما روي من قوله عليه الصلاة والسلام وقد سئل أي الأعمال أفضل قال الصلاة لأول ميقاتها والحديث متفق عليه وهذه الزيادة فيه أعني لأول ميقاتها مختلف فيها المسألة الثانية اختلفوا من صلاة العصر في موضعين أحدهما في اشتراك أول وقتها مع آخر وقت صلاة الظهر والثاني في آخر وقتها فأما اختلافهم في الاشتراك فإنه اتفق مالك والشافعي وداود وجماعة على أن أول وقت العصر هو بعينه آخر وقت الظهر وذلك إذا صار ظل كل شيء مثله إلا أن مالكا يرى أن آخر وقت الظهر وأول وقت العصر هو وقت ركعات
وأما الشافعي وأبو ثور وداود فآخر وقت الظهر عندهم هو الان الذي هو أول وقت العصر وهو زمان غير منقسم وقال أبو حنيفة كما قلنا أول وقت العصر أن يصير ظل كل شيء مثليه وقد تقدم سبب اختلاف أبي حنيفة معهم في ذلك وأما سبب اختلاف مالك مع الشافعي ومن قال بقوله في هذه فمعارضة حديث جبريل في هذا المعنى لحديث عبد الله بن عمر وذلك أنه جاء في إمامة جبريل أنه صلى بالنبي عليه الصلاة والسلام الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول وفي حديث ابن عمر أنه قال عليه الصلاة والسلام وقت الظهر ما لم يحضر وقت العصر خرجه مسلم فمن رجح حديث جبريل جعل الوقت مشتركا ومن رجح حديث عبد الله لم يجعل بينهما اشتراكا وحديث جبريل أمكن أن يصرف إلى حديث عبد الله من حديث عبد الله إلى حديث جبريل لأنه يحتمل أن يكون الراوي تجوز في ذلك لقرب ما بين الوقتين وحديث إمامة جبريل صححه الترمذي وحديث ابن عمر خرجه مسلم وأما اختلافهم في آخر وقت العصر فعن مالك في ذلك روايتان إحداهما أن آخر وقتها أن يصير ظل كل شيء مثليه وبه قال الشافعي والثانية أن آخر وقتها ما لم تصفر الشمس وهذا قول أحمد بن حنبل وقال أهل الظاهر آخر وقتها قبل غروب الشمس بركعة والسبب في اختلافهم أن في ذلك ثلاثة أحاديث متعارضة الظاهر أحدها حديث عبد الله بن عمر خرجه مسلم وفيه فإذا صليتم العصر فإنه وقت إلى أن تصفر الشمس وفي بعض رواياته وقت العصر ما لم تصفر الشمس والثاني حديث ابن عباس في إمامة جبريل وفيه أنه صلى به العصر في اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثليه والثالث حديث أبي هريرة المشهور من أدرك ركعة العصر قبل أن تغرب لاشمس فقد أدرك العصر ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح فمن صار إلى ترجيح حديث إمامة جبريل جعل خر وقتها المختار المثلين ومن صار إلى ترجيح حديث ابن عمر جعل آخر وقتها المختار اصفرار الشمس ومن صار إلى ترجيح حديث أبي هريرة قال وقت العصر إلى أن يبقى منها ركعة قبل غروب الشمس وهم أهل الظاهر كما قلنا وأما الجمهور فسلكوا في حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر مع حديث ابن عباس إذ كان معارضا لهما كل التعارض مسلك الجمع لأن حديثي ابن عباس وابن عمر تتقارب الحدود المذكورة فيهما ولذلك قال مالك مرة بهذا ومرة بذلك وأما الذي في حديث أبي هريرة فبعيد منهما ومتفاوت فقالوا حديث أبي هريرة إنما خرج مخرج أهل الأعذار المسألة الثالثة اختلفوا في المغرب هل لها وقت موسع كسائر الصلوات أم لا فذهب قوم إلى أن وقتها واحد غير موسع وهذا هو أشهر الروايات عن مالك وعن الشافعي وذهب قوم إلى أن وقتها موسع وهو ما بين غروب الشمس إلى غروب الشفق وبه قال أبو حنيفة وأحمد وأبو ثور وداود وقد روي هذا القول عن مالك والشافعي وسبب اختلافهم في ذلك معارضة حديث إمامة جبريل في ذلك لحديث عبد الله بن عمر وذلك أن في حديث إمامة جبريل أنه صلى المغرب في اليومين في وقت واحد وفي حديث عبدالله ووقت صلاة المغرب مالم يغب الشفق فمن رجح حديث إمامة جبريل جعل لها وقتا واحدا ومن رجح حديث عبد الله جعل لها وقتا موسعا وحديث عبد الله خرجه مسلم ولم يخرج الشيخان حديث إمامة جبريل أعني حديث ابن عباس الذي فيه أنه صلى بالنبي عليه الصلاة والسلام عشر صلوات مفسرة الأوقات ثم قال له الوقت ما بين هذين والذي في حديث عبد الله من ذلك هو موجود أيضا في حديث بريدة الأسلمي خرجه مسلم وهو أصل في هذا الباب قالوا وحديث بريدة أولى لأنه كان بالمدينة عند سؤال السائل له عن أوقات الصلوات وحديث جبريل كان في أول الفرض بمكة
المسألة الرابعة اختلفوا من وقت العشاء الاخرة في موضعين أحدهما في أوله والثاني في آخره أما أوله فذهب مالك والشافعي وجماعة إلى أنه مغيب الحمرة وذهب أبو حنيفة إلى أنه مغيب البياض الذي يكون بعد الحمرة وسبب اختلافهم في هذه المسألة اشتراك اسم الشفق في لسان العرب فإنه كما أن الفجر في لسانهم فجران كذلك الشفق شفقان أحمر وأبيض ومغيب الشفق الأبيض يلزم أن يكون بعده من أول الليل إما بعد الفجر المستدق من آخر الليل أعني الفجر الكاذب وإما بعد الفجر الأبيض المستطير وتكون الحمرة نظير الحمرة فالطوالع إذن أربعة الفجر الكاذب والفجر الصادق والأحمر والشمس وكذلك يجب أن تكون الغوارب ولذلك ما ذكر عن الخليل من أنه رصد الشفق الأبيض فوجده يبقى إلى ثلث الليل كذب بالقياس والتجربة وذلك أنه لا خلاف بينهم أنه قد ثبت في حديث بريدة وحديث إمامة جبريل أنه صلى العشاء في اليوم الأول حين غاب الشفق وقد رجح الجمهور مذهبهم بما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العشاء عند مغيب القمر في الليلة الثالثة ورجح أبو حنيفة مذهبه بما ورد في تأخير العشاء واستحباب تأخيره الصلاة إلى نصف الليل وأما آخر وقتها فاختلفوا فيه على ثلاثة أقوال قول إنه ثلث الليل وقول إنه نصف الليل وقول إنه إلى طلوع الفجر وبالأول أعني ثلث الليل قال الشافعي وأبو حنيفة وهو المشهور من مذهب مالك وروي عن مالك القول الثاني أعني نصف الليل وأما الثالث فقول داود وسبب الخلاف في ذلك تعارض الاثار ففي حديث إمامة جبريل أنه صلاها بالنبي عليه الصلاة والسلام في اليوم الثاني ثلث الليل وفي حديث أنس أنه قال أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء إلى نصف الليل خرجه البخاري وروي أيضا من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى نصف الليل وفي حديث أبي قتادة ليس التفريط في النوم إنما التفريط أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى فمن ذهب مذهب الترجيح لحديث إمامة جبريل قال ثلث الليل ومن ذهب مذهب الترجيح لحديث أنس قال شطر الليل وأما أهل الظاهر فاعتمدوا حديث أبي قتادة وقالوا هو عام وهو متأخر عن حديث إمامة جبريل فهو ناسخ ولو لم يكن ناسخا لكان تعارض الاثار يسقط حكمها فيجب أن يصار إلى استصحاب حال الإجماع وقد اتفقوا على أن الوقت يخرج لما بعد طلوع الفجر واختلفوا فيما قبل فإنا روينا عن ابن عباس أن الوقت عنده إلى طلوع الفجر فوجب أن يستصحب حكم الوقت إلا حيث وقع الاتفاق على خروجه وأحسب أن به قال أبو حنيفة المسألة الخامسة واتفقوا على أن أول وقت الصبح طلوع الفجر الصادق وآخره طلوع الشمس إلا ما روي عن ابن القاسم وعن بعض أصحاب الشافعي من أن آخر وقتها الإسفار واختلفوا في وقتها المختار فذهب الكوفيون و أبو حنيفة وأصحابه و الثوري وأكثر العراقيين إلى أن الإسفار بها أفضل وذهب مالك والشافعي وأصحابه و أحمد بن حنبل وأبو ثور وداود إلى أن التغليس بها أفضل وسبب اختلافهم اختلافهم في طريقة جمع الأحاديث المختلفة الظواهر في ذلك وذلك أنه ورد عنه عليه الصلاة والسلام من طريق رافع بن خديج أنه قال أسفروا بالصبح فكلما أسفرتم فهو أعظم للأجر وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال وقد سئل أي الأعمال أفضل قال الصلاة لأول ميقاتها وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يصلي الصبح فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس وظاهر الحديث أنه كان عمله في الأغلب فمن قال إن حديث رافع خاص وقوله الصلاة لأول ميقاتها عام
والمشهور أن الخاص يقضي عن العام إذا هو استثنى من هذا العموم صلاة الصبح وجعل حديث عائشة محمولا على الجواز وأنه إنما تضمن الإخبار بوقوع ذلك منه لا بأنه كان ذلك غالب أحواله صلى الله عليه وسلم قال الإسفار أفضل من التغليس ومن رجح حديث العموم لموافقة حديث عائشة له ولأنه نص في ذلك أو ظاهر وحديث رافع بن خديج محتمل لأنه يمكن أن يريد بذلك تبين الفجر وتحققه فلا تكون بينه وبين حديث عائشة ولا العموم الوارد في ذلك تعارض قال أفضل الوقت أوله وأما من ذهب إلى أن آخر وقتها الإسفار فإنه تأول الحديث في ذلك أنه لأهل الضرورات أعني قوله عليه الصلاة والسلام من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح وهذا شبيه بما فعله الجمهور في العصر والعجب أنهم عدلوا عن ذلك في هذا ووافقوا أهل الظاهر ولذلك لأهل الظاهر أن يطالبوهم بالفرق بين ذلك القسم الثاني من الفصل الأول من الباب الأول فأما أوقات الضرورة والعذر فأثبتها كما قلنا فقهاء الأمصار ونفاها أهل الظاهر وقد تقدم سبب اختلافهم في ذلك اختلف هؤلاء الذين أثبتوها في ثلاثة مواضع أحدها لأي الصلوات توجد هذه الأوقات ولأيها لا والثاني في حدود هذه الأوقات والثالث في من هم أهل العذر الذين رخص لهم في هذه الأوقات وفي أحكامهم في ذلك أعني من وجوب الصلاة ومن سقوطها المسألة الأولى اتفق مالك والشافعي على أن هذا الوقت هو لأربع صلوات للظهر والعصر مشتركا بينهما والمغرب والعشاء كذلك وإنما اختلفوا في جهة اشتراكهما على ما سيأتي بعد وخالفهم أبو حنيفة فقال إن هذا الوقت إنما هو للعصر فقط وإنه ليس هاهنا وقت مشترك وسبب اختلافهم في ذلك هو اختلافهم في جواز الجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما على ما سيأتي بعد فمن تمسك بالنص الوارد في صلاة العصر أعني الثابت من قوله عليه الصلاة والسلام من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل مغيب الشمس فقد أدرك العصر وفهم من هذا الرخصة ولم يجز الاشتراك في الجمع لقوله عليه الصلاة والسلام لا يفوت وقت صلاة حتى يدخل وقت الأخرى ولما سنذكره بعد في باب الجمع من حجج الفريقين قال إنه لا يكون هذا الوقت إلا لصلاة العصر فقط ومن أجاز الاشتراك في الجمع في السفر قاس عليه أهل الضرورات لأن المسافر أيضا صاحب ضرورة وعذر فجعل هذا الوقت مشتركا للظهر والعصر والمغرب والعشاء المسألة الثانية اختلف مالك والشافعي في آخر الوقت المشترك لهما فقال مالك هو للظهر والعصر من بعد الزوال بمقدار أربع ركعات للظهر للحاضر وركعتين للمسافر إلى أن يبقى للنهار مقدار أربع ركعات للحاضر أو ركعتين للمسافر وجعل الوقت الخاص للظهر إنما هو مقدار أربع ركعات للحاضر بعد الزوال وإما ركعتان للمسافر وجعل الوقت الخاص بالعصر إما أربع ركعات قبل المغيب للحاضر وإما ثنتان للمسافر أعني أنه من أدرك الوقت الخاص فقط لم تلزمه إلا الصلاة الخاصة بذلك الوقت إن كان ممن لم تلزمه الصلاة قبل ذلك الوقت ومن أدرك أكثر من ذلك أدرك الصلاتين معا أو حكم ذلك الوقت وجعل آخر الوقت الخاص لصلاة العصر مقدار ركعة قبل الغروب وكذلك فعل في اشتراك المغرب والعشاء إلا أن الوقت الخاص مرة جعله للمغرب فقال هو مقدار ثلاث ركعات قبل أن يطلع الفجر ومرة جعله للصلاة الأخيرة كما فعل في العصر فقال هو مقدار أربع ركعات وهو القياس وجعل آخر هذا الوقت مقدار ركعة قبل طلوع الفجر وأما الشافعي فجعل حدود أواخر هذه الأوقات المشتركة حدا واحدا وهو إدراك ركعة قبل غروب الشمس وذلك للظهر والعصر معا ومقدار ركعة أيضا قبل انصداع الفجر وذلك للمغرب والعشاء معا وقد قيل عنه بمقدار تكبيرة أعني أنه من أدرك تكبيرة قبل غروب الشمس فقد لزمته صلاة الظهر والعصر معا وأما أبو حنيفة فوافق مالكا في أن آخر وقت العصر مقدار ركعة لأهل الضرورات عنده قبل الغروب ولم يوافق في الاشتراك والاختصاص
وسبب اختلافهم أعني مالكا والشافعي هل القول باشتراك الوقت للصلاتين معا يقتضي أن لهما وقتين وقت خاص بهما ووقت مشترك أم إنما يقتضي أن لهما وقتا مشتركا فقط وحجة الشافعي أن الجمع إنما دل على الاشتراك فقط لا على وقت خاص وأما مالك فقاس الاشتراك عنده في وقت الضرورة على الاشتراك عنده في وقت التوسعة أعني أنه لما كان لوقت الظهر والعصر الموسع وقتان وقت مشترك ووقت خاص وجب أن يكون الأمر كذلك في أوقات الضرورة و الشافعي لا يوافقه على اشتراك الظهر والعصر في وقت التوسعة فخلافهما في هذه المسألة إنما ينبني والله أعلم على اختلافهم في تلك الأولى فتأمله فإنه بين والله أعلم المسألة الثالثة وأما هذه الأوقات أعني أوقات الضرورة فاتفقوا على أنها لأربع للحائض تطهر في هذه الأوقات أو تحيض في هذه الأوقات وهي لم تصل والمسافر يذكر الصلاة في هذه الأوقات وهو حاضر أو الحاضر يذكرها فيها وهو مسافر والصبي يبلغ فيها والكافر يسلم واختلفوا في المغمى عليه فقال مالك والشافعي هو كالحائض من أهل هذه الأوقات لأنه لا يقضي عندهم الصلاة التي ذهب وقتها وعند أبي حنيفة أنه يقضي الصلاة فيما دون الخمس فإذا أفاق عنده من إغمائه متى ما أفاق قضى الصلاة وعند الاخر أنه إذا أفاق في أوقات الضرورة لزمته الصلاة التي أفاق في وقتها وإذا لم يفق فيها لم تلزمه الصلاة وستأتي مسألة المغمى عليه فيما بعد واتفقوا على أن المرأة إذا طهرت في هذه الأوقات إنما تجب عليها الصلاة التي طهرت في وقتها فإن طهرت عند مالك وقد بقي من النهار أربع ركعات لغروب الشمس إلى ركعة فالعصر فقط لازمة لها وإن بقي خمس ركعات فالصلاتان معا وعند الشافعي إن بقي ركعة للغروب فالصلاتان معا كما قلنا أو تكبيرة على القول الثاني له وكذلك الأمر عند مالك في المسافر الناسي يحضر في هذه الأوقات أو الحاضر يسافر وكذلك الكافر يسلم في هذه الأوقات أعني أنه تلزمهم الصلاة وكذلك الصبي يبلغ والسبب في أن جعل مالك الركعة جزءا لاخر الوقت وجعل الشافعي جزء الركعة حدا مثل التكبيرة منها أن قوله عليه الصلاة والسلام من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر وهو عند مالك من باب التنبيه بالأقل على الأكثر وعند الشافعي من باب التنبيه بالأكثر على الأقل وأيد هذا بما روي من أدرك سجدة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر فإنه فهم من السجدة هاهنا جزء من الركعة وذلك على قوله الذي قال فيه من أدرك منهم تكبيرة قبل الغروب أو الطلوع فقد أدرك الوقت ومالك يرى أن الحائض إنما تعتد بهذا الوقت بعد الفراغ من طهرها وكذلك الصبي يبلغ وأما الكافر يسلم فيعتد له بوقت الإسلام دون الفراغ من الطهر وفيه خلاف والمغمى عليه عند مالك كالحائض وعند عبد الملك كالكافر يسلم ومالك يرى أن الحائض إذا حاضت في هذه الأوقات وهي لم تصل بعد أن القضاء ساقط عنها والشافعي يرى أن القضاء واجب عليها وهو لازم لمن يرى أن الصلاة تجب بدخول أول الوقت لأنها إذا حاضت وقد مضى من الوقت ما يمكن أن تقع فيه الصلاة فقد وجبت عليها الصلاة إلا أن يقال إن الصلاة إنما تجب بآخر الوقت وهو مذهب أبي حنيفة لا مذهب مالك فهذا كما ترى لازم لقول أبي حنيفة أعني جاريا على أصوله لا على أصول قول مالك الفصل الثاني من الباب الأول في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها وهذه الأوقات اختلف العلماء فيها في موضعين أحدهما في عددها والثاني في الصلوات التي يتعلق النهي عن فعلها فيها المسألة الأولى اتفق العلماء على أن ثلاثة من الأوقات منهي عن الصلاة فيها وهي وقت طلوع الشمس ووقت غروبها ومن لدن تصلي صلاة الصبح حتى تطلع الشمس واختلفوا في وقتين في وقت الزوال وفي الصلاة بعد العصر فذهب مالك وأصحابه إلى أن الأوقات المنهي عنها هي أربعة الطلوع والغروب وبعد الصبح وبعد العصر وأجاز الصلاة عند الزوال
أن هذه الأوقات الخمسة كلها منهي عنها إلا وقت الزوال يوم الجمعة فإنه أجاز فيه الصلاة واستثنى قوم من ذلك الصلاة بعد العصر وسبب الخلاف في ذلك أحد شيئين إما معارضة أثر لأثر وإما معارضة الأثر للعمل عند من راعى العمل أعني عمل أهل المدينة وهو مالك بن أنس فحيث ورد النهي ولم يكن هناك معارض لا من قول ولا من عمل اتفقوا عليه وحيث ورد المعارض اختلفوا أما اختلافهم في وقت الزوال فلمعارضة العمل فيه للأثر وذلك أنه ثبت من حديث عقبة بن عامر الجهني أنه قال ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيها وأن نقبر فيها موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل وحين تضيف الشمس للغروب خرجه مسلم وحديث أبي عبد الله الصنابحي في معناه ولكنه منقطع خرجه مالك في موطئه فمن الناس من ذهب إلى منع الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة كلها ومن الناس من استثنى من ذلك وقت الزوال إما بإطلاق وهو مالك وإما في يوم الجمعة فقط وهو الشافعي أما مالك فلأن العمل عنده بالمدينة لما وجده على الوقتين فقط ولم يجده على الوقت الثالث أعني الزوال أباح الصلاة فيه واعتقد أن ذلك النهي منسوخ بالعمل وأما من لم ير للعمل تأثيرا فبقي على أصله في المنع وقد تكلمنا في العمل وقوته في كتابنا في الكلام الفقهي وهو الذي يدعى بأصول الفقه و أما الشافعي فلما صح عنده ما روى ابن شهاب عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر ومعلوم أن خروج عمر كان بعد زوال على ما صح ذلك من حديث الطنفسة التي كانت تطرح إلى جدار المسجد الغربي فإذا غشي الطنفسة كلها ظل الجدار خرج عمر بن الخطاب مع ما رواه أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة استثنى من ذلك النهي يوم الجمعة وقوى هذا الأثر عنده العمل في أيام عمر بذلك وإن كان الأثر عنده ضعيفا وأما من رجح الأثر الثابت في ذلك فبقي على أصله في النهي وأما اختلافهم في الصلاة بعد صلاة العصر فسببه تعارض الاثار الثابتة في ذلك وذلك أن في ذلك حديثين متعارضين أحدهما حديث أبي هريرة المتفق على صحته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس والثاني حديث عائشة قالت ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاتين في بيتي قط سرا ولا علانية ركعتين قبل الفجر وركعتين بعد العصر فمن رجح حديث أبي هريرة قال بالمنع ومن رجح حديث عائشة أو رآه ناسخا لأنه العمل الذي مات عليه صلى الله عليه وسلم قال بالجواز وحديث أم سلمة يعارض حديث عائشة وفيه أنها رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين بعد العصر فسألته عن ذلك فقال إنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر وهما هاتان المسألة الثانية اختلف العلماء في الصلاة التي لا تجوز في هذه الأوقات فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنها لا تجوز في هذه الأوقات صلاة بإطلاق لا فريضة مقضية ولا سنة ولا نافلة إلا عصر يومه قالوا فإنه يجوز أن يقضيه عند غروب الشمس إذا نسيه واتفق مالك والشافعي أنه يقضي الصلوات المفروضة في هذه الأوقات وذهب الشافعي إلى أن الصلوات التي لا تجوز في هذه الأوقات هي النوافل فقط التي تفعل لغير سبب وأن السنن مثل صلاة الجنازة تجوز في هذه الأوقات ووافقه مالك في ذلك بعد العصر وبعد الصبح أعني في السنن وخالفه في التي تفعل لسبب مثل ركعتي المسجد فإن الشافعي يجيز هاتين الركعتين بعد العصر وبعد الصبح ولا يجيز ذلك مالك واختلف قول مالك في جواز السنن عند الطلوع والغروب
وقال الثوري في الصلوات التي لا تجوز في هذه الأوقات هي ما عدا الفرض ولم يفرق سنة من نفل فيتحصل في ذلك ثلاثة أقوال قول هي الصلوات بإطلاق وقول إنها ما عدا الفروض سواء كانت سنة أو نفلا وقول إنها النفل دون السنن وعلى الرواية التي منع مالك فيها صلاة الجنائز عند الغروب قول رابع وهو أنها النفل فقط بعد الصبح والعصر والنفل والسنن معا عند الطلوع والغروب وسبب الخلاف في ذلك اختلافهم في الجمع بين العمومات المتعارضة في ذلك أعني الواردة في السنة وأي يخص بأي وذلك أن عموم قوله عليه الصلاة والسلام إذا نسي أحدكم الصلاة فليصلها إذا ذكرها يقتضي استغراق جميع الأوقات وقوله في أحاديث النهي في هذه الأوقات نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها يقتضي أيضا عموم أجناس الصلوات المفروضات والسنن والنوافل فمتى حملنا الحديثين على العموم في ذلك وقع بينهما تعارض هو من جنس التعارض الذي يقع بين العام والخاص إما في الزمان وإما في اسم الصلاة فمن ذهب إلى الاستثناء في الزمان أعني استثناء الخاص من العام منع الصلوات بإطلاق في تلك الساعات ومن ذهب إلى استثناء الصلاة المفروضة المنصوص عليها بالقضاء من عموم اسم الصلاة المنهي عنها منع ما عدا الفرض في تلك الأوقات وقد رجح مالك مذهبه من استثناء الصلوات المفروضة من عموم لفظ الصلاة بما ورد من قوله عليه الصلاة والسلام من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ولذلك استثنى الكوفيون عصر اليوم من الصلوات المفروضة لكن قد كان يجب عليهم أن يستثنوا من ذلك صلاة الصبح أيضا للنص الوارد فيها ولا يردوا ذلك برأيهم من أن المدرك لركعة قبل الطلوع يخرج للوقت المحظور والمدرك لركعة قبل الغروب يخرج للوقت المباح وأما الكوفيون فلهم أن يقولوا إن هذا الحديث ليس يدل على استثناء الصلوات المفروضة من عموم اسم الصلاة التي تعلق النهي بها في تلك الأيام لأن عصر اليوم ليس في معنى سائر الصلوات المفروضة وكذلك كان لهم أن يقولوا في الصبح لو سلموا أنه يقضي في الوقت المنهي عنه فإذا الخلاف بينهم آيل إلى أن المستثنى الذي ورد به اللفظ هل هو من باب الخاص أريد به الخاص أو من باب الخاص أريد به العام وذلك أن من رأى أن المفهوم من ذلك هي صلاة العصر والصبح فقط المنصوص عليهما فهو عنده من باب الخاص أريد به الخاص ومن رأى أن المفهوم من ذلك ليس هو صلاة العصر فقط ولا الصبح بل جميع الصلاة المفروضة فهو عنده من باب الخاص أريد به العام وإذا كان ذلك كذلك فليس هاهنا دليل قاطع على أن الصلوات المفروضة هي المستثناة من اسم الصلاة الفائتة كما أنه ليس هاهنا دليل أصلا لا قاطع ولا غير قاطع على استثناء الزمان الخاص الوارد في أحاديث النهي من الزمان العام الوارد في أحاديث الأمر دون استثناء الصلاة الخاصة المنطوق بها في أحاديث الأمر من الصلاة العامة المنطوق بها في أحاديث النهي وهذا بين فإنه إذا تعارض حديثان في كل واحد منهما عام وخاص لم يجب أن ستثناء خاص هذا من عام ذاك أو خاص ذاك من عام هذا وذلك بين والله أعلم الباب الثاني في معرفة الأذان والإقامة هذا الباب ينقسم أيضا إلى فصلين الأول في الأذان والثاني في الإقامة الفصل الأول هذا الفصل ينحصر الكلام فيه في خمسة أقسام الأول في صفته الثاني في حكمه الثالث في وقته الرابع في شروطه الخامس فيما يقوله السامع له القسم الأول من الفصل الأول من الباب الثاني في صفة الأذان اختلف العلماء في الأذان على أربع صفات مشهورة إحداها تثنية التكبير فيه وتربيع الشهادتين وباقيه مثنى وهو مذهب أهل المدينة مالك وغيره واختار المتأخرين من أصحاب مالك الترجيع وهو أن يثني الشهادتين أولا خفيا ثم يثنيهما مرة ثانية مرفوع الصوت والصفة الثانية أذان المكيين وبه قال الشافعي وهو تربيع التكبير الأول والشهادتين وتثنية باقي الأذان
والصفة الثالثة أذان الكوفيين وهو تربيع التكبير الأول وتثنية باقي الأذان وبه قال أبو حنيفة والصفة الرابعة أذان البصريين وهو تربيع التكبير الأول وتثليث الشهادتين وحي على الصلاة وحي على الفلاح يبدأ بأشهد أن لا إله إلا الله حتى يصل إلى حي على الفلاح ثم يعيد كذلك مرة ثانية أعني الأربع كلمات تبعا ثم يعيدهن ثالثة وبه قال الحسن البصري وابن سيرين السبب في اختلاف كل واحد من هؤلاء الأربع فرق اختلاف الاثار في ذلك واختلاف اتصال العمل عند كل واحد منهم وذلك أن المدنيين يحتجون لمذهبهم بالعمل المتصل بذلك في المدينة والمكيون كذلك أيضا يحتجون بالعمل المتصل عندهم بذاك وكذلك الكوفيون والبصريون ولكل واحد منهم آثار تشهد لقوله أما تثنية التكبير في أوله على مذهب أهل الحجاز فروي من طرق صحاح عن أبي محذورة وعبد الله بن زيد الأنصاري وتربيعه أيضا عن أبي محذورة من طرق أخر وعن عبد الله بن زيد قال الشافعي وهي زيادات يجب قبولها مع اتصال العمل بذلك بمكة وأما الترجيع الذي اختاره المتأخرون من أصحاب مالك فروي من طريق أبي قدامة قال أبو عمر وأبو قدامة عندهم ضعيف وأما الكوفيون فبحديث أبي ليلى وفيه أن عبد الله بن زيد رأى في المنام رجلا قام على خرم حائط وعليه بردان أخضران فأذن مثنى وأقام مثنى وأنه أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام بلال فأذن مثنى وأقام مثنى والذي خرجه البخاري في هذا الباب إنما هو من حديث أنس فقط وهو أن بلالا أمر أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا قد قامت الصلاة فإنه يثنيها وخرج مسلم عن أبي محذورة على صفة أذان الحجازيين ولمكان هذا التعارض الذي ورد في الأذان رأى أحمد بن حنبل وداود أن هذه لا على إيجاب واحدة منها وأن الإنسان مخير فيها واختلفوا في قول المؤذن في صلاة الصبح الصلاة خير من النوم هل يقال فيها أم لا فذهب الجمهور إلى أنه يقال ذلك فيها وقال آخرون إنه لا يقال لأنه ليس من الأذان المسنون وبه قال الشافعي وسبب اختلافهم اختلافهم هل قيل ذلك في زمان النبي صلى الله عليه وسلم أو إنما قيل في زمان عمر القسم الثاني من الفصل الأول من الباب الثاني اختلف العلماء في حكم الأذان هل واجب أو سنة مؤكدة وإن كان واجبا فهل هو من فروض الأعيان أو من فروض الكفاية فقيل عن مالك إن الأذان هو فرض على مساجد الجماعات وقيل سنة مؤكدة ولم يره على المنفرد لا فرضا ولا سنة وقال بعض أهل الظاهر واجب على الأعيان وقال بعضهم على الجماعة كانت في سفر أو في حضر وقال بعضهم في السفر واتفق الشافعي وأبو حنيفة على أنه سنة للمنفرد والجماعة إلا أنه آكد في حق الجماعة قال أبو عمر واتفق الكل على أنه سنة مؤكدة أو فرض على المصري لما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع النداء لم يغر وإذا لم يسمعه أغار والسبب في اختلافهم معارضة المفهوم من ذلك لظواهر الاثار وذلك أنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن الحويرث ولصاحبه إذا كنتما في سفر فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما وكذلك ما روى من اتصال عمله به صلى الله عليه وسلم في الجماعة فمن فهم من هذا الوجوب مطلقا قال إنه فرض على الأعيان أو على الجماعة وهو الذي حكاه ابن المفلس عن داود ومن فهم منه الدعاء إلى الاجتماع للصلاة قال إنه سنة في المساجد أو فرض في المواضع التي يجتمع إليها الجماعة فسبب الخلاف هو تردده بين أن يكون قولا من أقاويل الصلاة المختصة بها أو يكون المقصود به هو الاجتماع القسم الثالث من الفصل الأول في وقته
وأما وقت الأذان فاتفق الجميع على أنه لا يؤذن للصلاة قبل وقتها ما عدا الصبح فإنهم اختلفوا فيها فذهب مالك والشافعي إلى أنه يجوز أن يؤذن لها قبل الفجر ومنع ذلك أبو حنيفة وقال قوم لا بد للصبح إذا أذن لها قبل الفجر من أذان بعد الفجر لأن الواجب عندهم هو الأذان بعد الفجر وقال أبو محمد بن حزم لا بد لها من أذان بعد الوقت وإن أذن قبل الوقت جاز إذا كان بينهما زمان يسير قدر ما يهبط الأول ويصعد الثاني والسبب في اختلافهم أنه ورد في ذلك حديثان متعارضان أحدهما الحديث المشهور الثابت وهو قوله عليه الصلاة والسلام إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت والثاني ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي ألا إن العبد قد نام وحديث الحجازيين أثبت وحديث الكوفيين أيضا خرجه أبو داود وصححه كثير من أهل العلم فذهب الناس في هذين الحديثين إما مذهب الجمع وإما مذهب الترجيح الترجيح فالحجازيون فإنهم قالوا حديث بلال أثبت والمصير إليه أوجب وأما من ذهب مذهب الجمع فالكوفيون وذلك أنهم قالوا يحتمل أن يكون نداء بلال في وقت يشك فيه في طلوع الفجر لأنه كان في بصره ضعف ويكون نداء ابن أم مكتوم في وقت يتيقن فيه طلوع الفجر ويدل على ذلك ما روي عن عائشة أنها قالت لم يكن بين أذانيهما إلا بقدر ما يهبط هذا ويصعد هذا وأما من قال إنه يجمع بينهما أعني أن يؤذن قبل الفجر وبعده فعلى ظاهر ما روي من ذلك في صلاة الصبح خاصة أعني أنه كان يؤذن لها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنان بلال وابن أم مكتوم القسم الرابع من الفصل الأول في الشروط وفي هذا القسم مسائل ثمانية إحداها هل من شروط من أذن أن يكون هو الذي يقيم أم لا والثانية هل من شروط الأذان ألا يتكلم في أثنائه أم لا والثالثة هل من شرطه أن يكون على طهارة أم لا والرابعة هل من شرطه أن يكون متوجها إلى القبلة أم لا والخامسة هل من شرطه أن يكون قائما أم لا والسادسة هل يكره أذان الراكب أم ليس يكره والسابعة هل من شرطه البلوغ أم لا والثامنة هل من شرطه ألا يأخذ على الأذان أجرا أم يجوز له أن يأخذه فأما اختلافهم في الرجلين يؤذن أحدهما ويقيم الأخر فأكثر فقهاء الأمصار على إجازة ذلك وذهب بعضهم إلى أن ذلك لا يجوز والسبب في ذلك أنه ورد في هذا حديثان متعارضان أحدهما حديث الصدائي قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان أوان الصبح أمرني فأذنت ثم قام إلى الصلاة فجاء بلال ليقيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم والحديث الثاني ما روي أن عبد الله بن زيد حين أري الأذان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن ثم أمر عبد الله فأقام فمن ذهب مذهب النسخ قال حديث عبد الله بن زيد متقدم وحديث الصدائي متأخر ومن ذهب مذهب الترجيح قال حديث عبد الله بن زيد أثبت لأن حديث الصدائي انفرد به عبد الرحمن بن زياد الإفريقي وليس بحجة عندهم وأما اختلافهم في الأجرة على الأذان فلمكان اختلافهم في تصحيح الخبر الوارد في ذلك أعني حديث عثمان بن أبي العاص أنه قال إن من آخر ما عهدإلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا ومن منعه قاس الأذان في ذلك على الصلاة وأما سائر الشروط الأخر فسبب الخلاف فيها هو قياسها على الصلاة فمن قاسها على الصلاة أوجب تلك الشروط الموجودة في الصلاة ومن لم يقسها لم يوجب ذلك
قال أبو عمر بن عبد البر قد روينا عن أبي وائل بن حجر قال حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن إلا وهو قائم ولا يؤذن إلا على طهر قال وأبو وائل هو من الصحابة وقوله سنة يدخل في المسند وهو أولى من القياس قال القاضي وقد خرج الترمذي عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال لا يؤذن إلا متوضىء القسم الخامس اختلف العلماء فيما يقوله السامع للمؤذن فذهب قوم إلى أنه يقول ما يقول المؤذن كلمة بكلمة إلى اخر النداء وذهب اخرون إلى أنه يقول مثل ما يقول المؤذن إلا إذا قال حي على الصلاة حي علة الفلاح فإنه يقول لا حول ولا قوة إلا بالله والسبب في الاختلاف في ذلك تعارض الاثار وذلك أنه قد روي من حديث أبي سعيد الخدري أنه عليه الصلاة والسلام قال إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول وجاء من طريق عمر بن الخطاب وحديث معاوية أن السامع يقول عند حي على الصلاة حي على الفلاح لا حول ولا قوة إلا بالله فمن ذهب مذهب الترجيح أخذ بعموم حديث أبي سعيد الخدري ومن بنى العام في ذلك على الخاص جمع بين الحديثين وهو مذهب مالك بن أنس الفصل الثاني من الباب الثاني من الجملة الثانية في الإقامة اختلفوا في الإقامة في موضعين في حكمها وفي صفتها أما حكمها فإنها عند فقهاء الأمصار في حق الأعيان والجماعات سنة مؤكدة أكثر من الأذان وهي عند أهل الظاهر فرض ولا أدري هل هي فرض عندهم على الإطلاق أو فرض من فروض الصلاة والفرق بينهما أن على القول الأول لا تبطل الصلاة بتركها وعلى الثاني تبطل وقال ابن كنانة من أصحاب مالك من تركها عامدا بطلت صلاته وسبب هذا الاختلاف اختلافهم هل هي من الأفعال التي وردت بيانا لمجمل الأمر بالصلاة فيحمل على الوجوب لقوله عليه الصلاة والسلام صلوا كما رأيتموني أصلي أم هي من الأفعال التي تحمل على الندب وظاهر حديث مالك بن الحويرث يوجب كونها فرضا إما في الجماعة وإما على المنفرد وأما صفة الإقامة فإنها عند مالك والشافعي أما التكبير الذي في أولها فمثنى وأما بعد ذلك فمرة واحدة إلا قوله قد قامت الصلاة فإنها عند مالك مرة واحدة وعند الشافعي مرتين وأما الحنفية فإن الإقامة عندهم مثنى مثنى وخير أحمد بن حنبل بين الإفراد والتثنية على رأيه في التخيير في النداء وسبب الاختلاف تعارض حديث أنس في هذا المعنى وحديث أبي ليلى المتقدم وذلك أن في حديث أنس الثابت أمر بلال أن يشفع الأذان ويفرد الإقامة إلا قد قامت الصلاة وفي حديث أبي ليلى أنه صلى الله عليه وسلم أمر بلالا فأذن مثنى وأقام مثنى والجمهور أنه ليس على النساء أذان ولا إقامة وقال مالك إن أقمن فحسن وقال الشافعي إن أذن وأقمن فحسن وقال إسحاق إن عليهن الأذان والإقامة وروي عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم فيما ذكره ابن المنذر والخلاف آيل إلى هل تؤم المرأة أو لا تؤم وقيل الأصل أنها في معنى الرجل في كل عبادة إلا أن يقوم الدليل على تخصيصها أم في بعضها هي كذلك وفي بعضها يطلب الدليل الباب الثالث من الجملة الثانية في القبلة اتفق المسلمون على أن التوجه نحو البيت شرط من شروط صحة الصلاة لقوله تعالى ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام أما إذا أبصر البيت فالفرض عندهم هو التوجه إلى عين البيت ولا خلاف في ذلك أما إذا غابت الكعبة عن الأبصار فاختلفوا من ذلك في موضعين أحدهما هل الفرض هو العين أو الجهة والثاني هل فرضه الإصابة أو الاجتهاد أعني إصابة الجهة أو العين عند من أوجب العين فذهب قوم إلى أن الفرض هو العين وذهب آخرون إلى أنه الجهة