Qur'an&Sunnah

İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî)

Sección V02/P175–V02/P176

وإذا اختلف المكري والمكتري أو الأجير والمستأجر في مدة الزمان الذي وقع فيه استيفاء المنفعة إذا اتفقا على أن المنفعة لم تستوف في جميع الزمان المضروب في ذلك فالمشهور في المذهب أن القول قول المكتري والمستأجر لأنه الغارم والأصول على أن القول قول الغارم وقال ابن الماجشون القول قول المكتري له والمستأجر إذا كانت العين مستوفاة منها المنافع في قبضهما مثل الدار وما أشبه ذلك وأما ما لم يكن في قبضه مثل الأجير فالقول قول الأجير ومن مسائل المذهب المشهورة في هذا الباب اختلاف المتكاريين في الدواب وفي الرواحل وذلك أن اختلافهما لا يخلو أن يكون في قدر المسافة أو نوعها أو قدر الكراء أو نوعه فإن كان اختلافهما في نوع المسافة أو في نوع الكراء فالتحالف والتفاسخ كاختلاف المتبايعين في نوع الثمن قال ابن القاسم انعقد أو لم ينعقد وقال غيره القول قول رب الدابة إذا انعقد وكان يشبه ما قال وإن كان اختلافهما في قدر المسافة فإن كان قبل الركوب أو بعد ركوب يسير فالتحالف والتفاسخ وإن كان بعد ركوب كثير أو بلوغ المسافة التي يدعيها رب الدابة فالقول قول رب الدابة في المسافة إن انعقد وكان يشبه ما قال وإن لم ينعقد وأشبه قوله تحالفا ويفسخ الكراء على أعظم المسافتين فما جعل منه للمسافة التي ادعاها رب الدابة أعطيه وكذلك إن انعقد ولم يشبه قوله وإن اختلفا في الثمن واتفقا على المسافة فالقول قول المكتري نقد أو لم ينقد لأنه مدعى عليه وإن اختلفا في الأمرين جميعا في المسافة والثمن مثل أن يقول والدابة بقرطبة اكتريت منك إلى قرمونة بدينارين ويقول المكتري بل بدينار إلى إشبيلية فإن كان أيضا قبل الركوب أو بعد ركوب لا ضرر عليهما في الرجوع تحالفا وتفاسخا وإن كان بعد سير كثير أو بلوغ المسافة التي يدعيها رب الدابة فإن كان لم ينقد المكتري شيئا كان القول قول رب الدابة في المسافة والقول قول المكتري في الثمن ويغرم من الثمن ما يجب له من قرطبة إلى قرمونة على أنه لو كان الكراء به إلى إشبيلية وذلك أنه قول المكتري وإن لم يشبه ما قال رب الدابة غرم دينارين وإن كان المكتري نقد الثمن الذي يدعي أنه للمسافة الكبرى وأشبه قول رب الدابة كان القول قول رب الدابة في المسافة ويبقى له ذلك الثمن الذي قبضه لا يرجع عليه بشيء منه إذ هو مدعى عليه في بعضه وهو يقول بل هو لي وزيادة فيقبل قوله فيه لأنه قبضه ولا يقبل قوله في الزيادة ويسقط عنه ما لم يقرب به من المسافة أشبه ما قال أو لم يشبه إلا أنه إذا لم يشبه قسم الكراء الذي أقر به المكتري على المسافة فيأخذ رب الدابة من ذلك ما ناب المسافة التي ادعاها وهذا القدر كاف لي في هذا الباب بسم الله الرحمن الرحيم وصل الله على سيدنا محمد وله وصحبه وسلم تسليما كتاب الجعل والجعل هو الإجارة على منفعة مظنون حصولها مثل مشارطة الطبيب على البرء والمعلم على الحذاق والناشد على وجود العبد الآبق وقد اختلف العلماء في منعه وجوازه فقال مالك يجوز ذلك في اليسير بشرطين أحدهما أن لا يضرب لذلك أجلا والثاني أن يكون الثمن معلوما وقال أبو حنيفة لا يجوز وللشافعي قولان وعمدة من أجازه قوله تعالى ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم وإجماع الجمهور على جوازه في الإباق والسؤال وما جاء في الأثر من أخذ الثمن على الرقية بأم القرآن وقد تقدم ذلك وعمدة من منعه الغرر الذي فيه قياسا على سائر الإجارات ولا خلاف في مذهب مالك أن الجعل لا يستحق شيء منه إلا بتمام العمل وأنه ليس بعقد لازم واختلف مالك وأصحابه في هذا الباب في كراء السفينة هل هو جعل أو إجارة فقول مالك ليس لصاحبها كراء إلا بعد البلوغ وهو قول ابن القاسم ذهابا إلى أن حكمها حكم الجعل وقال ابن نافع من أصحابه له قدر ما بلغ من المسافة فأجرى حكمه مجرى الكراء

Sección V02/P176–V02/P178

وقال أصبغ إن لجج فهو جعل وإن لم يلجج فهو إجارة له بحسب الموضع الذي وصل إليه والنظر في هذا الباب في جوازه ومحله وشروطه وأحكامه ومحله هو ما كان من الأفعال لا ينتفع الجاعل بجزء منه لأنه إذا انتفع الجاعل بجزء مما عمل الملتزم للجعل ولم يأت بالمنفعة التي انعقد الجعل عليها وقلنا على حكم الجعل إنه إذا لم يأت بالمنفعة التي انعقد الجعل عليها لم يكن له شيء فقد انتفع الجاعل بعمل المجعول من غير أن يعوضه من عمله بأجر وذلك ظلم ولذلك يختلف الفقهاء في كثير من المسائل هل هو جعل أو إجارة مثل مسألة السفينة المتقدمة هل هي مما يجوز فيها الجعل أو لا يجوز مثل اختلافهم في المجاعلة على حفر الآبار وقالوا في المغارسة إنها تشبه الجعل من جهة والبيع من جهة وهي عند مالك أن يعطي الرجل أرضه لرجل على أن يغرس فيه عددا من الثمار معلوما فإذا استحق الثمر كان للغارس جزء الأرض متفق عليه كتاب القراض ولا خلاف بين المسلمين في جواز القراض وأنه مما كان في الجاهلية فأقره الإسلام وأجمعوا على أن صفته أن يعطي الرجل الرجل المال على أن يتجر به على جزء معلوم يأخذه العامل من ربح المال أي جزء كان مما يتفقان عليه ثلثا أو ربعا أو نصفا وأن هذا مستثنى من الإجارة المجهولة وأن الرخصة في ذلك إنما هي لموضع الرفق بالناس وأنه لا ضمان على العامل فيما تلف من رأس المال إذا لم يتعد وإن كان اختلفوا فيما هو تعد مما ليس بتعد وكذلك أجمعوا بالجملة على أنه لا يقترن به شرط يزيد في مجهلة الربح أو في الغرر الذي فيه وإن كان اختلفوا فيما يقتضي ذلك من الشروط مما لا يقتضي وكذلك اتفقوا على أنه يجوز بالدنانير والدراهم واختلفوا في غير ذلك وبالجملة فالنظر فيه في صفته وفي محله وفي شروطه وفي أحكامه ونحن نذكر في باب باب من هذه الثلاثة الأبواب مشهورات مسائله الباب الأول في محله أما صفته فقد تقدمت وأنهم أجمعوا عليها وأما محله فإنهم أجمعوا على أنه جائز بالدنانير والدراهم واختلفوا في العروض فجمهور فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز القراض بالعروض وجوزه ابن أبي ليلى وحجة الجمهور أن رأس المال إذا كان عروضا كان غررا لأنه يقبض العرض وهو يساوي قيمة ما ويرده وهو يساوي قيمة غيرها فيكون رأس المال والربح مجهولا وأما إن كانه رأس المال ما به يباع العروض فإن مالكا منعه والشافعي أيضا وأجازه أبو حنيفة وعمدة مالك أنه قارضه على ما بيعت به السلعة وعلى بيع السلعة نفسها فكأنه قراض ومنفعة مع أن ما يبيع به السلعة مجهول فكأنه إنما قارضه على رأس مال مجهول ويشبه أن يكون أيضا إنما منع المقارضة على قيم العروض لمكان ما يتكلف المقارض في ذلك من البيع وحينئذ ينض رأس مال القراض وكذلك إن أعطاه العرض الذي اشتراه به ولكنه أقرب الوجوه إلى الجواز ولعل هذا هو الذي جوزه ابن أبي ليلى بل هو الظاهر من قولهم فإنهم حكوا عنه أنه يجوز أن يعطى الرجل ثوبا يبيعه فما كان فيه من ربح فهو بينهما وهذا إنما هو على أن يجعلا أصل المال الثمن الذي اشترى به الثوب ويشبه أيضا إن جعل رأس المال الثمن أن يتهم المقارض في تصديقه رب المال بحرصه على أخذ القراض منه واختلف قول مالك في القراض بالنقد من الذهب والفضة فروى عنه أشهب منع ذلك وروى ابن القاسم جوازه ومنه في المصوغ وبالمنع في ذلك قال الشافعي والكوفي فمن منع القراض بالنقد شبهها بالعروض ومن أجازه شبهها بالدراهم والدنانير لقلة اختلاف أسواقها

Sección V02/P178–V02/P179

واختلف أيضا أصحاب مالك في القراض بالفلوس فمنعه ابن القاسم وأجازه أشهب وبه قال محمد بن الحسن وجمهور العلماء مالك والشافعي وأبو حنيفة على أنه إذا كان لرجل على رجل دين لم يجز أن يعطيه له قراضا قبل أن يقبضه أما العلة عند مالك فمخافة أن يكون أعسر بماله فهو يريد أن يؤخره عنه على أن يزيد فيه فيكون الربا المنهي عنه وأما العلة عند الشافعي وأبي حنيفة فإن ما في الذمة لا يتحول ويعود أمانة واختلفوا فيمن أمر رجلا أن يقبض دينا له على رجل آخر ويعمل فيه على جهة القراض فلم يجز ذلك مالك وأصحابه لأنه رأى إذا ازداد على العامل كلفة وهو ما كلفه من قبضه وهذا على أصله أن من اشترط منفعة زائدة في القراض أنه فاسد وأجاز ذلك الشافعي والكوفي قالوا لأنه وكله على القبض لا أنه جعل القبض شرطا في المصارفة فهذا هو القول في محله وأما صفته فهي الصفة التي قدمناها الباب الثاني في مسائل الشروط وجملة ما لا يجوز من الشروط عند الجميع هي ما أدى عندهم إلى غرر أو إلى مجهلة زائدة ولا خلاف بين العلماء أنه إذا اشترط أحدهما لنفسه من الربح شيئا زائدا غير ما انعقد عليه القراض أن ذلك لا يجوز لأنه يصير ذلك الذي انعقد عليه القراض مجهولا وهذا هو الأصل عند مالك في أن لا يكون مع القراض بيع ولا كراء ولا سلف ولا عمل ولا مرفق يشترطه أحدهما لصاحبه مع نفسه فهذه جملة ما اتفقوا عليه وإن كانوا قد اختلفوا في التفصيل فمن ذلك اختلافهم إذا شرط العامل الربح كله له فقال مالك يجوز وقال الشافعي لا يجوز وقال أبو حنيفة هو قرض لا قراض فمالك رأى أنه إحسان من رب المال وتطوع إذ كان يجوز له أن يأخذ منه الجزء القليل من المال الكثير والشافعي رأى أنه غرر لأنه إن كان خسران فعلى رب المال وبهذا يفارق القرض وإن كان ربح فليس لرب المال فيه شيء ومنها إذا شرط رب المال الضمان على العامل فقال مالك لا يجوز القراض وهو فاسد وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة وأصحابه القراض جائز والشرط باطل وعمدة مالك أن اشتراط الضمان زيادة غرر في القراض نفسه وأما أبو حنيفة فشبهه بالشرط الفاسد في البيع على رواية أن البيع جائز والشرط باطل اعتمادا على حديث بريرة المتقدم واختلفوا في المقارض يشترط رب المال عليه خصوص التصرف مثل أن يشترط عليه تعيين جنس ما من السلع أو تعيين جنس ما من البيع أو تعيين موضع ما للتجارة أو تعيين صنف ما من الناس يتجر معهم فقال مالك والشافعي في اشتراط جنس من السلع لا يجوز ذلك إلا أن يكون ذلك الجنس من السلع لا يختلف وقتا ما من أوقات السنة وقال أبو حنيفة يلزمه ما اشترط عليه وإن تصرف في غير ما اشترط عليه ضمن فمالك والشافعي رأيا أن هذا الاشتراط من باب التضييق على المقارض فيعظم الغرر بذلك و أبو حنيفة استخف الغرر الموجود في ذلك كما لو اشترط عليه أن لا يشتري جنسا ما من السلع لكان على شرطه في ذلك بإجماع ولا يجوز القراض المؤجل عند الجمهور وأجازه أبو حنيفة إلا أن يتفاسخا فمن لم يجزه رأى أن في ذلك تضييفا على العامل يدخل عليه مزيد غرر لأنه ربما بارت عنده سلع فيضطر عند بلوغ الأجل إلى بيعها فيلحقه في ذلك ضرر ومن أجاز الأجل شبه القراض بالإجارة ومن هذا الباب اختلافهم في جواز اشتراط رب المال زكاة الربح على العامل في حصته من الربح فقال مالك في الموطأ لا يجوز ورواه عنه أشهب وقال ابن القاسم ذلك جائز ورواه عن مالك وبقول مالك قال الشافعي وحجة من لم يجزه أنه تعود حصة العامل ورب المال مجهولة لأنه لا يدري كم يكون المال في حين وجوب الزكاة فيه وتشبيها باشتراط زكاة أصل المال عليه أعني على العامل فإنه لا يجوز باتفاق

Sección V02/P179–V02/P180

وحجة ابن القاسم أنه يرجع إلى جزء معلوم النسبة وإن لم يكن معلوم القدر لأن الزكاة معلومة النسبة من المال المزكى فكأنه اشترط عليه في الربح الثلث إلا ربع العشر أو النصف إلا ربع العشر أو الربع إلا ربع العشر وذلك جائز وليس مثل اشتراطه زكاة رأسال مال لأن ذلك معلوم القدر غير معلوم النسبة فكان ممكنا أن يحيط بالربح فيبقى عمل المقارض باطلا وهل يجوز أن يشترط ذلك المقارض على رب المال في المذهب فيه قولان قيل بالفرق بين العامل ورب المال وقيل يجوز أن يشترطه العامل على رب المال ولا يجوز أن يشترطه رب المال على العامل وقيل عكس هذا واختلفوا في اشتراط العامل على رب المال غلاما بعينه على أن يكون للغلام نصيب من المال فأجازه مالك والشافعي وأبو حنيفة وقال أشهب من أصحاب مالك لا يجوز ذلك فمن أجاز ذلك شبهه بالرجل يقارض الرجلين ومن لم يجز ذلك رأى أنها زيادة ازدادها العامل على رب المال فأما إن اشترط العامل غلامه فقال الثوري لا يجوز وللغلام فيما عمل أجرة المثل وذلك أن حظ العامل يكون عنده مجهولا القول في أحكام القراض والأحكام منها ما هي أحكام القراض الصحيح ومنها ما هي أحكام القراض الفاسد وأحكام القراض الصحيح منها ما هي من موجبات العقد أعني أنها تابعة لموجب العقد ومختلف فيها هل هي تابعة أو غير تابعة ومنها أحكام طوارىء تطرأ على العقد مما لم يكن موجبه من نفس العقد مثل التعدي والاختلاف وغير ذلك ونحن نذكر من هذه الأوصاف ما اشتهر عند فقهاء الأمصار ونبدأ من ذلك بموجبات العقد فنقول إنه أجمع العلماء على أن اللزوم ليس من موجبات عقد القراض وإن لكل واحد منهما فسخه ما لم يشرع العامل في القراض واختلفوا إذا شرع العامل فقال مالك هو لازم وهو عقد يورث فإن مات وكان للمقارض بنون أمناء كانوا في القراض مثل أبيهم وإن لم يكونوا أمناء كان لهم أن يأتوا بأمين وقال الشافعي وأبو حنيفة لكل واحد منهم الفسخ إذا شاء وليس هو عقد يورث فمالك ألزمه بعد الشروع في العمل لما فيه من ضرر ورآه من العقود المورثة والفرقة الثانية شبهت الشروع في العمل بما بعد الشروع في العمل ولا خلاف بينهم أن المقارض إنما يأخذ حظه من الربح بعد أن ينض جميع رأس المال وأنه إن خسر ثم اتجر ثم ربح جبر الخسران من الربح واختلفوا في الرجل يدفع إلى رجل مالا قراضا فيهلك بعضه قبل أن يعمل فيه ثم يعمل فيه فيربح فيريد المقارض أن يجعل رأس المال بقيمة المال بعد الذي هلك هل له ذلك أم لا فقال مالك وجمهور العلماء إن صدقه رب المال أو دفع رجل مالا قراضا لرجل فهلك منه جزء قبل أن يعمل فأخبره بذلك فصدقه ثم قال له يكون الباقي عندك قراضا على الشرط المتقدم لم يجز حتى يفاصله ويقبض منه رأس ماله وينقطع القراض الأول وقال ابن حبيب من أصحاب مالك إنه يلزمه في ذلك القول ويكون الباقي قراضا وهذه المسألة هي من أحكام الطوارىء ولكن ذكرناها هنا لتعلقها بوقت وجوب القسمة وهي من أحكام العقد واختلفوا هل للعامل نفقته من المال المقارض عليه أم لا على ثلاثة أقوال فقال الشافعي في أشهر أقواله لا نفقة له أصلا إلا أن يأذن له رب المال وقال قوم له نفقته وبه قال إبراهيم النخعي والحسن وهو أحد ما روي عن الشافعي وقال آخرون له النفقة في السفر من طعامه وكسوته وليس له شيء في الحضر وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري وجمهور العلماء إلا أن مالكا قال إذا كان المال يحمل ذلك وقال الثوري ينفق ذاهبا ولا ينفق راجعا وقال الليث يتغدى في المصر ولا يتعشى وروي عن الشافعي أن له نفقته في المرض والمشهور عنه مثل قول الجمهور أن لا نفقة له في المرض وحجة من لم يجزه أن ذلك زيادة منفعة في القراض فلم يجز أصله المنافع

Sección V02/P180–V02/P182

وحجة من أجازه أن عليه العمل في الصدر الأول ومن أجازه في الحضر شبهه بالسفر وأجمع علماء الأمصار على أنه لا يجوز للعامل أن يأخذ نصيبه من الربح إلا بحضرة رب المال وأن حضور رب المال شرط في قسمة المال وأخذ العامل حصته وأنه ليس يكفي في ذلك أن يقسمه بحضور بينة ولا غيرها القول في أحكام الطوارىء واختلفوا إذا أخذ المقارض حصته من غير حضور رب المال ثم ضاع المال أو بعضه فقال مالك إن أذن له رب المال في ذلك فالعامل مصدق فيما ادعاه من الضياع وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري ما أخذ العامل يرده ويجبر به رأس المال ثم يقتسمان فضلا إن كان هنالك واختلفوا إذا هلك مال القراض بعد أن اشترى العامل به سلعة ما وقبل أن ينقده البائع فقال مالك البيع لازم للعامل ورب المال مخير إن شاء دفع قيمة السلعة مرة ثانية ثم تكون بينهما على ما شرطا من المقارضة وإن شاء تبرأ عنها وقال أبو حنيفة بل يلزم ذلك الشراء رب المال شبهه بالوكيل إلا أنه قال يكون رأس المال في ذلك القراض الثمنين ولا يقتسمان الربح إلا بعد حصوله عينا أعني ثمن تلك السلعة التي تلفت أولا والثمن الثاني الذي لزمه بعد ذلك واختلفوا في بيع العامل من رب المال بعض سلع القراض فكره ذلك مالك وأجازه أبو حنيفة على الإطلاق وأجازه الشافعي بشرط أن يكونا قد تبايعا بما لا يتغابن الناس بمثله ووجهه ما كره من ذلك مالك أن يكون يرخص له في السلعة من أجل ما قارضه فكأن رب المال أخذ من العامل منفعة سوى الربح الذي اشترط عليه ولا أعرف خلافا بين فقهاء الأمصار أنه إن تكارى العامل على السلع إلى بلد فاستغرق الكراء قيم السلع وفضل عليه فضلة أنها على العامل لا على رب المال لأن رب المال إنما دفع ماله إليه ليتجر به فما كان من خسران في المال فعليه وكذلك ما زاد على المال واستغرقه واختلفوا في العامل يستدين مالا فيتجر به مع مال القراض فقال مالك ذلك لا يجوز وقال الشافعي وأبو حنيفة ذلك جائز ويكون الربح بينهما على شرطهما وحجة مالك أنه كما لا يجوز أن يستدين على المقارضة كذلك لا يجوز أن يأخذ دينا فيها واختلفوا هل للعامل أن يبيع بالدين إذا لم يأمره به رب المال فقال مالك ليس له ذلك فإن فعل ضمن وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة له ذلك والجميع متفقون على أن العامل إنما يجب له أن يتصرف في عقد القراض ما يتصرف فيه الناس غالبا في أكثر الأحوال فمن رأى أن التصرف بالدين خارج عما يتصرف فيه الناس في الأغلب لم يجزه ومن رأى أنه مما يتصرف فيه الناس أجازه واختلف مالك والشافعي وأبو حنيفة والليث في العامل يخلط ماله بمال القراض من غير إذن رب المال فقال هؤلاء كلهم ما عدا مالكا هو تعد ويضمن وقال مالك ليس بتعد ولم يختلف هؤلاء المشاهير من فقهاء الأمصار أنه إن دفع العامل رأس مال القراض إلى مقارض آخر أنه ضامن إن كان خسران وإن كان ربح فذلك على شرطه ثم يكون للذي عمل شرطه على الذي دفع إليه فيوفيه حظه مما بقي من المال وقال المزني عن الشافعي ليس له إلا أجرة مثله لأنه عمل على فساد القول في حكم القراض الفاسد واتفقوا على أن حكم القراض الفاسد فسخه ورد المال إلى صاحبه ما لم يفت بالعمل واختلفوا إذا فات بالعمل ما يكون للعامل فيه في واجب عمله على أقوال أحدها أنه يرد جميعه إلى قراض مثله وهي رواية ابن الماجشون عن مالك وهو قوله وقول أشهب والثاني أنه يرد جميعه إلى إجارة مثله وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وعبد العزيز بن أبي سلمة من أصحاب مالك وحكى عبد الوهاب أنها رواية عن مالك

Sección V02/P182–V02/P183

والثالث أنه يرد إلى قراض مثله ما لم يكن أكثر مما سماه وإنما له الأقل مما سمى أو قراض مثله إن كان رب المال هو مشترط الشرط على المقارض أو الأكثر من قراض مثله أو من الجزء الذي سمي له إن كان المقارض هو مشترط الشرط الذي يقتضي الزيادة التي من قبلها فسد القراض وهذا القول يتخرج رواية عن مالك والرابع أنه يرد إللى قراض مثله في كل منفعة اشترطها أحد المتقارضين على صاحبه في المال مما ليس ينفرد أحدهما بها عن صاحبه وإلى إجارة مثله في كل منفعة اشترطها أحد المتقارضين خالصة لمشترطها مما ليست في المال وفي كل قراض فاسد من قبل الغرر والجهل وهو قول مطرف وابن نافع وابن عبد الحكم وأصبغ واختاره ابن حبيب وأما ابن القاسم فاختلف قوله في القراضات الفاسدة فبعضها وهو الأكثر قال إن فيها أجرة المثل وفي بعضها قال فيها قراض المثل فاختلف الناس في تأويل قوله فمنهم من حمل اختلاف قوله فيها على الفرق الذي ذهب إليه ابن عبد الحكم ومطرف وهو اختيار ابن حبيب واختيار جدي رحمة الله عليه ومنهم من لم يعلل قوله وقال إن مذهبه أن كل قراض فاسد ففيه أجرة المثل إلا تلك التي نص فيها قراض المثل وهي سبعة القراض بالعروض والقراض بالضمان والقراض إلى أجل والقراض المبهم وإذا قال له اعمل على أن لك في المال شركاء وإذا اختلف المتقارضان وأتيا بما لا يشبه فحلفا على دعواهما وإذا دفع إليه المال على أن لا يشتري به إلا بالدين فاشترى بالنقد أو على أن لا يشتري إلا سلعة كذا وكذا والسلعة غير موجودة فاشترى غير ما أمر به وهذه المسائل يجب أن ترد إلى علة واحدة وإلا فهو اختلاف من قول ابن القاسم وحكى عبد الوهاب عن ابن القاسم أنه فصل فقال إن كان الفساد من جهة العقد رد إلى قراض المثل وإن كان من جهة زيادة ازدادها أحدهما على الآخر رد إلى أجرة المثل والأشبه أن يكون الأمر في هذا بالعكس والفرق بين الأجرة وقراض المثل أن الأجرة تتعلق بذمة رب المال سواء أكان في المال ربح أو لم يكن وقراض المثل هو على سنة القراض إن كان فيه ربح كان للعامل منه وإلا فلا شيء له القول في اختلاف المتقارضين واختلف الفقهاء إذا اختلف العامل ورب المال في تسمية الجزء الذي تقارضا عليه فقال مالك القول قول العامل لأنه عنده مؤتمن وكذلك الأمر عنده في جميع دعاويه إذا أتى بما يشبه وقال الليث يحمل على قراض مثله وبه قال مالك إذا أتى بما لا يشبه وقال أبو حنيفة وأصحابه القول قول رب المال وبه قال الثوري وقال الشافعي يتحالفان ويتفاسخان ويكون له أجرة مثله وسبب اختلاف مالك وأبي حنيفة اختلافهم في سبب ورود النص بوجوب اليمين على المدعى عليه هل ذلك لأنه مدعى عليه أو لأنه في الأغلب أقوى شبهة فمن قال لأنه مدعى عليه قال القول قول رب المال ومن قال لأنه أقواهما شبهة في الأغلب قال القول قول العامل لأنه عنده مؤتمن وأما الشافعي فقاس اختلافهما على اختلاف المتبايعين في ثمن السلعة وهذا كاف في هذا الباب كتاب المساقاة القول في المساقاة أما أولا ففي جوازها والثاني في معرفة الفساد والصحة فيها والثالث في أحكامها القول في جواز المساقاة فأما جوازها فعليه جمهور العلماء مالك والشافعي والثوري وأبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة وأحمد وداود وهي عندهم مستثناة بالسنة من بيع ما لم يخلق ومن الإجارة المجهولة قال أبو حنيفة لا تجوز المساقاة أصلا

Sección V02/P183–V02/P184

وعمدة الجمهور في إجازتها حديث ابن عمر الثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم شطر ثمرها خرجه البخاري ومسلم وفي بعض رواياته أنه صلى الله عليه وسلم ساقاهم على نصف ما تخرجه الأرض والثمرة وما رواه مالك أيضا من مرسل سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليهود خيبر يوم افتتح خيبر أقركم على ما أقركم الله على أن الثمر بيننا وبينكم قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم ثم يقول إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي وكذلك مرسله أيضا عن سليمان بن يسار في معناه وأما أبو حنيفة ومن قال بقوله فعمدتهم مخالفة هذا الأثر للأصول مع أنه حكم مع اليهود واليهود يحتمل أن يكون أقرهم على أنهم عبيد ويحتمل أن يكون أقرهم على أنهم ذمة إلا أنا إذا أنزلنا أنهم ذمة كان مخالفا للأصول لأنه بيع ما لم يخلق وأيضا فإنه من المزابنة وهو بيع التمر بالتمر متفاضلا لأن القسمة بالخرص بيع الخرص واستدلوا على مخالفته للأصول بما روي في حديث عبد الله بن رواحة أنه كان يقول لهم عند الخرص إن شئتم فلكم وتضمنون نصيب المسلمين وإن شئتم فلي وأضمن نصيبكم وهذا حرام بإجماع وربما قالواإن النهي الوارد عن المخابرة هو ما كان من هذا الفعل بخيبر والجمهور يرون أن المخابرة هي كراء الأرض ببعض ما يخرج منها قالوا ومما يدل على نسخ هذا الحديث أو أنه خاص باليهود ما ورد من حديث رافع وغيره من النهي عن كراء الأرض بما يخرج منها لأن المساقاة تقتضي جواز ذلك وهو خاص أيضا في بعض روايات أحاديث المساقاة ولهذا المعنى لم يقل بهذه الزيادة مالك ولا الشافعي أعني بما جاء من أنه صلى الله عليه وسلم ساقاهم على نصف ما تخرجه الأرض والثمرة وهي زيادة صحيحة وقال بها أهل الظاهر القول في صحة المساقاة والنظر في الصحة راجع إلى النظر في أركانها وفي وقتها وفي شروطها المشترطة في أركانها وأركانها أربعة المحل المخصوص بها والجزء الذي تنعقد عليه وصفة العمل الذي تنعقد عليه والمدة التي تجوز فيها وتنعقد عليها الركن الأول في محل المساقاة واختلفوا في محل المساقاة فقال داود لا تكون المساقاة إلا في النخيل فقط وقال الشافعي في النخل والكرم فقط وقال مالك تجوز في كل أصل ثابت كالرمان والتين والزيتون وما أشبه ذلك من غير ضرورة وتكون في الأصول غير الثابتة كالمقاثىء والبطيخ مع عجز صاحبها عنها وكذلك الزرع ولا تجوز في شيء من البقول عند الجميع إلا ابن دينار فإنه أجازها فيه إذا نبتت قبل أن تستغل فعمدة من قصره على النخل أنها رخصة فوجب أن لا يتعدى بها محلها الذي جاءت فيه السنة وأما مالك فرأى أنها رخصة ينقدح فيها سبب عام فوجب تعدية ذلك إلى الغير وقد يقاس على الرخص عند قوم إذا فهم هنالك أسباب أعم من الأشياء التي علقت الرخص بالنص بها وقوم منعوا القياس على الرخص وأما داود فهو يمنع القياس على الجملة فالمساقاة على أصوله مطردة وأما الشافعي فإنما أجازها في الكرم من قبل أن الحكم في المساقاة هو بالخرص وقد جاء في حديث عتاب بن أسيد الحكم بالخرص في النخل والكرم وإن كان ذلك في الزكاة فكأنه قاس المساقاة في ذلك على الزكاة والحديث الذي ورد عن عتاب بن أسيد هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأمره أن يخرص العنب وتؤدي زكاته زبيبا كما تؤدي زكاة النخل تمرا ودفع داود حديث عتاب بن أسيد لأنه مرسل ولأنه انفرد به عبد الرحمن بن إسحاق وليس بالقوي

Sección V02/P184–V02/P186

واختلفوا إذا كان مع النخل أرض بيضاء أو مع الثمار هل يجوز أن تساقى الأرض مع النخل بجزء من النخل أو بجزء من النخل وبجزء مما يخرج من الأرض فذهب إلى جواز ذلك طائفة وبه قال صاحبا أبي حنيفة والليث وأحمد والثوري وابن أبي ليلى وجماعة وقال الشافعي وأهل الظاهر لا تجوز المساقاة إلا في الثمر فقط وأما مالك فقال إذا كانت الأرض تبعا للثمر وكان الثمر أكثر ذلك فلا بأس بدخولها في المساقاة اشترط جزءا خارجا منها أو لم يشترطه وحد ذلك الجزء بأن يكون الثلث فما دونه أعني أن يكون مقدار كراء الأرض الثلث من الثمر فما دونه ولم يجز أن يشترط رب الأرض أن يزرع البياض لنفسه لأنها زيادة ازدادها عليه وقال الشافعي ذلك جائز وحجة من أجاز المساقاة عليهما جميعا أعني على الأرض بجزء مما يخرج منها حديث ابن عمر المتقدم وحجة من لم يجز ذلك ما روي من النهي عن كراء الأرض بما يخرج منها في حديث رافع بن خديج وقد تقدم ذلك وقال أحمد بن حنبل أحاديث رافع مضطربة الألفاظ وحديث ابن عمر أصح وأما تحديد مالك ذلك بالثلث فضعيف وهو استحسان مبني على غير الأصول لأن الأصول تقتضي أنه لا يفرق بين الجائز من غير الجائز بالقليل والكثير من الجنس الواحد ومنها اختلافهم في المساقاة في البقل فأجازها مالك والشافعي وأصحابه ومحمد بن الحسن وقال الليث لا تجوز المساقاة في البقل وإنما أجازها الجمهور لأن العامل وإن كان ليس عليه فيها سقي فيبقى عليه أعمال أخر مثل الإبار وغير ذلك وأما الليث فيرى السقي بالماء هو الفعل الذي تنعقد عليه المساقاة ولمكانه وردت الرخصة فيها الركن الثاني وأما الركن الذي هو العمل فإن العلماء بالجملة أجمعوا على أن الذي يجب على العامل هو السقي والإبار واختلفوا في الجذاذ على من هو وفي سد الحظار وتنقية العين والسانية أما مالك فقال في الموطأ السنة في المساقاة التي يجوز لرب الحائط أن يشترطه سد الحظار وخم العين وشرب الشراب وإبار النخل وقطع الجريد وجذ الثمر هذا وأشباهه هو على العامل وهذا الكلام يحتمل أن يفهم منه دخول هذه في المساقاة بالشرط ويمكن أن يفهم منه دخولها فيها بنفس العقد وقال الشافعي ليس عليه سد الحظار لأنه ليس من جنس ما يؤثر في زيادة الثمرة مثل الإبار والسقي وقال محمد بن الحسن ليس عليه تنقية السواني والأنهار وأما الجذاذ فقال مالك والشافعي هو على العامل إلا أن مالكا قال إن اشترطه العامل على رب المال جاز وقال الشافعي لا يجوز شرطه وتنفسخ المساقاة إن وقع وقال محمد بن الحسن الجذاذ بينهما نصفان وقال المحصلون من أصحاب مالك إن العمل في الحائط على وجهين عمل ليس في إصلاح الثمرة وعمل له تأثير في إصلاحها والذي له تأثير في إصلاحها منه ما يتأبد ويبقى بعد الثمر ومنه ما لا يبقى بعد الثمر فأما الذي ليس له تأثير في إصلاح الثمر فلا يدخل في المساقاة لا بنفس العقد ولا بالشرط إلا الشيء اليسير منه وأما ما له تأثير في إصلاح الثمر ويبقى بعد الثمر فيدخل عنده بالشرط في المساقاة لا بنفس العقد مثل إنشاء حفر بئر أو إنشاء ظفيرة للماء أو إنشاء غرس أو إنشاء بيت يجنى فيه الثمر وأما ما له تأثير في إصلاح الثمر ولا يتأبد فهو لازم بنفس العقد وذلك مثل الحفر والسقي وزبر الكرم وتقليم الشجر والتذكير والجذاذ وما أشبه ذلك وأجمعوا على أن ما كان في الحائط من الدواب والعبيد أنه ليس من حق العامل واختلفوا في شرط العامل ذلك على المساقي فقال مالك يجوز ذلك فيما كان منها في الحائط قبل المساقاة وأما إن اشترط فيها ما لم يكن في الحائط فلا يجوز وقال الشافعي لا بأس بذلك وإن لم يكن في الحائط وبه قال ابن نافع من أصحاب مالك وقال محمد بن الحسن لا يجوز أن يشترطه العامل على رب المال ولو اشترطه رب المال على العامل جاز ذلك

Sección V02/P186–V02/P187

ووجه كراهيته ذلك ما يلحق في ذلك من الجهل بنصيب رب المال ومن أجازه رأى أن ذلك تافه ويسير ولتردد الحكم بين هذين الأصلين استحسن مالك ذلك في الرقيق الذي يكون في الحائط في وقت المساقاة ومنعه في غيرهم لأن اشتراط المنفعة في ذلك أظهر وإنما فرق محمد بن الحسن لأن اشتراطهما على العامل هو من جنس ما وجب عليه من المساقاة وهو العمل بيده واتفق القائلون بالمساقاة على أنه إن كانت النفقة كلها على رب الحائط وليس على العامل إلا ما يعمل بيده أن ذلك لا يجوز لأنها إجارة بما لم يخلق فهذه هي صفات هذا الركن والشروط الجائزة فيه وغير الجائزة الركن الثالث وأجمعوا على أن المساقاة تجوز بكل ما اتفقا عليه من أجزاء الثمر فأجاز مالك أن تكون الثمرة كلها للعامل كما فعل في القراض وقد قيل إن ذلك منحه لا مساقاة وقيل لا يجوز واتفقوا على أنه لا يجوز فيها اشتراط منفعة زائدة مثل أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة دارهم أو دنانير ولا شيئا من الأشياء الخارجة عن المساقاة إلا الشيء اليسير عند مالك مثل سد الحظار وإصلاح الظفيرة وهي مجتمع الماء ولا يجوز عند مالك أن يساقى على حائطين أحدهما على جزء والآخر على جزء آخر واحتج بفعله عليه الصلاة والسلام في خيبر وذلك أنه سقى على حوائط مختلفة بجزء واحد وفيه خلاف وأكثر العلماء على أن القسمة بين العامل والمساقي في الثمر لا تكون إلا بالكيل وكذلك في الشركة وأنها لا تجوز بالخرص وأجاز قوم قسمتها بالخرص واختلف في ذلك أصحاب مالك واختلفت الرواية عنه فقيل يجوز وقيل لا يجوز من الثمار في الربوية ويجوز في غير ذلك وقيل يجوز بإطلاق إذا اختلفت حاجة الشريكين وحجة الجمهور أن ذلك يدخله الفساد من جهة المزابنة ويدخله بيع الرطب بالتمر وبيع الطعام بالطعام نسيئة وحجة من أجاز قسمتها بالخرص تشبيهها بالعرية وبالخرص في الزكاة وفيه ضعف وأقوى ما اعتمدوا عليه في ذلك ما جاء من الخرص في مساقاة خيبر من مرسل سعيد بن المسيب وعطاء بن يسار الركن الرابع وأما اشتراط الوقت في المساقاة فهو صنفان وقت هو مشترط في جواز المساقاة ووقت هو شرط في صحة العقد وهو المحدد لمدتها فأما الوقت المشترط في جواز عقدها فإنهم اتفقوا على أنها تجوز قبل بدو الصلاح واختلفوا في جواز ذلك بعد بدو الصلاح فذهب الجمهور من القائلين بالمساقاة على أنه لا يجوز بعد بدو الصلاح وقال سحنون من أصحاب مالك لا بأس بذلك واختلف قول الشافعي في ذلك فمرة قال لا يجوز ومرة قال يجوز وقد قيل عنه إنها لا تجوز إذا خلق الثمر وعمدة الجمهور أن مساقاة ما بدا صلاحه من الثمر ليس فيه عمل ولا ضرورة داعية إلى المساقاة إذ كان يجوز بيعه في ذلك الوقت قالوا وإنما هي إجارة إن وقعت وحجة من أجازها أنه إذا جازت قبل أن يخلق الثمر فهي بعد بدو الصلاح أجوز ومن هنا لم تجز عندهم مساقاة البقول لأنه يجوز بيعها أعني عند الجمهور وأما الوقت الذي هو شرط في مدة المساقاة فإن الجمهور على أنه لا يجوز أن يكون مجهولا أعني مدة غير مؤقتة وأجاز طائفة أن يكون إلى مدة غير مؤقتة منهم أهل الظاهر وعمدة الجمهور ما يدخل في ذلك من الغرر قياسا على الإجارة وعمدة أهل الظاهر ما وقع في مرسل مالك من قوله صلى الله عليه وسلم أقركم على ما أقركم الله وكره مالك المساقاة فيما طال من السنين وانقضاء السنين فيها هو بالجذ لا بالأهلة وأما هل اللفظ شرط في هذا العقد فاختلفوا في ذلك فذهب ابن القاسم إلى أن من شرط صحتها أن لا تنعقد إلا بلفظ المساقاة وأنه ليس تنعقد بلفظ الإجارة وبه قال الشافعي وقال غيرهم تنعقد بلفظ الإجارة وهو قياس قول سحنون

Sección V02/P187–V02/P188

القول في أحكام الصحة والمساقاة عند مالك من العقود اللازمة باللفظ لا بالعمل بخلاف القراض عنده الذي ينعقد بالعمل لا باللفظ وهو عند مالك عقد موروث ولورثة المساقي أن يأتوا بأمين يعمل إن لم يكونوا أمناء وعليه العمل إن أبى الورثة من تركته وقال الشافعي إذا لم يكن له تركة سلم إلى الورثة رب المال أجرة ما عمل وفسد العقد وإن كانت له تركة لزمته المساقاة وقال الشافعي تنفسخ المساقاة بالعجز ولم يفصل وقال مالك إذا عجز وقد حل بيع الثمر لم يكن له أن يساقي غيره ووجب عليه أن يستأجر من يعمل وإن يكن له شيء استؤجر من حظه من الثمر وإذا كان العامل لصا أو ظالما لم ينفسخ العقد بذلك عند مالك وحكي عن الشافعي أنه قال يلزمه أن يقيم غيره للعمل وقال الشافعي إذا هرب العامل قبل تمام العمل استأجر القاضي عليه من يعمل عمله ويجوز عند مالك أن يشترط كل واحد منهما على صاحبه الزكاة بخلاف القراض ونصابهما عنده نصاب الرجل الواحد بخلاف قوله في الشركاء وإذا اختلف رب المال والعامل في مقدار ما وقعت عليه المساقاة من الثمر فقال مالك القول قول العامل مع يمينه إذا أتى بما يشبه وقال الشافعي يتحالفان ويتفاسخان وتكون للعامل الأجرة شبههه بالبيع وأوجب مالك اليمين في حق العامل لأنه مؤتمن ومن أصله أن اليمين تجب على أقوى المتداعيين شبهة وفروع هذا الباب كثيرة لكن التي اشتهر الخلاف فيها بين الفقهاء هي هذه التي ذكرناها أحكام المساقاة الفاسدة واتفقوا على أن المساقاة إذا وقعت على غير الوجه الذي جوزها الشرع أنها تنفسخ ما لم تفت بالعمل واختلفوا إذا فاتت بالعمل ماذا يجب فيها فقيل إنها ترد إلى إجارة المثل في كل نوع من أنواع الفساد وهو قياس قول الشافعي وقياس إحدى الروايتين عن مالك وقيل إنها ترد إلى مساقاة المثل بإطلاق وهو قول ابن الماجشون وروايته عن مالك وأما ابن القاسم فقال في بعضها ترد إلى مساقاة مثلها وفي بعضها إلى إجارة المثل واختلف التأويل عنه في ذلك فقيل في مذهبه إنها ترد إلى إجارة المثل إلا في أربع مسائل فإنها ترد إلى مساقاة مثلها إحداها المساقاة في حائط فيه تمر قد أطعم والثانية إذا اشترط المساقي على رب المال أن يعمل معه والثالثة المساقاة مع البيع في صفقة واحدة والرابعة إذا ساقاه في حائط سنة على الثلث وسنة على النصف وقيل إن الأصل عنده في ذلك أن المساقاة إذا لحقها الفساد من قبل ما دخلها من الإجارة الفاسدة أو من بيع الثمر من قبل أن يبدو صلاحه وذلك مما يشترطه أحدهما على صاحبه من زيادة رد فيها إلى أجرة المثل مثل أن يساقيه على أن يزيد أحدهما صاحبه دنانير أو دراهم وذلك أن هذه الزيادة إن كانت من رب الحائط كانت إجارة فاسدة وإن كانت من العامل كانت بيع الثمر قبل أن يخلق وأما فساده من قبل الغرر مثل المساقاة على حوائط مختلفة فيرد إلى مساقاة المثل وهذا كله استحسان جار على غير قياس وفي المسألة قول رابع وهو أنه يرد إلى مساقاة مثله ما لم يكن أكثر من الجزء الذي شرط عليه إن كان للمساقي أو أقل إن كان الشرط للمساقى وهذا كاف بحسب غرضنا كتاب الشركة والنظر في الشركة في أنواعها وفي أركانها الموجبة للصحة في الأحكام ونحن نذكر من هذه الأبواب ما اتفقوا عليه وما اشتهر الخلاف فيه بينهم على ما قصدناه في هذا الكتاب والشركة بالجملة عند فقهاء الأمصار على أربعة أنواع شركة العنان وشركة الأبدان وشركة المفاوضة وشركة الوجوه واحدة منها متفق عليها وهي شركة العنان وإن كان بعضهم لم يعرف هذا اللفظ وإن كانوا اختلفوا في بعض شروطها على ما سيأتي بعد والثلاثة مختلف فيها ومختلف في بعض شروطها عند من اتفق منهم عليها القول في شركة العنان وأركان هذه الشركة ثلاثة الأول محلها من الأموال والثاني في معرفة قدر الربح من قدر المال المشترك فيه

Sección V02/P188–V02/P190

الثالث في معرفة قدر المال من الشريكين من قدر المال الركن الأول فأما محل الشركة فمنه ما اتفقوا عليه ومنه ما اختلفوا فيه فاتفق المسلمون على أن الشركة تجوز في الصنف الواحد من العين أعني الدنانير والدراهم وإن كانت في الحقيقة بيعا لا تقع فيه مناجزة ومن شرط البيع في الذهب وفي الدارهم المناجزة لكن الإجماع خصص هذا المعنى في الشركة وكذلك اتفقوا فيما أعلم على الشركة بالعرضين يكونان بصفة واحدة واختلفوا في الشركة بالعرضين المختلفين وبالعيون المختلفة مثل الشركة بالدنانير من أحدهما والدراهم من الآخر وبالطعام الربوي إذا كان صنفا واحدا فههنا ثلاث مسائل المسألة الأولى فأما إذا اشتركا في صنفين من العروض أو في عروض ودراهم أو دنانير فأجاز ذلك ابن القاسم وهو مذهب مالك وقد قيل عنه إنه كره ذلك وسبب الكراهية اجتماع الشركة فيها والبيع وذلك أن يكون العرضان مختلفين كأن كل واحد منهما باع جزءا من عرضه بجزء من العرض الآخر ومالك يعتبر في العروض إذا وقعت فيها الشركة القيم والشافعي يقول لا تنعقد الشركة إلا على أثمان العروض وحكى أبو حامد أن ظاهر مذهب الشافعي يشير إلى أن الشركة مثل القراض لا تجوز إلا بالدراهم والدنانير قال والقياس أن الإشاعة فيها تقوم مقام الخلط المسألة الثانية وأما إن كان الصنفان مما لا يجوز فيهما النساء مثل الشركة بالدنانير من عند أحدهما والدراهم من عند الآخر أو بالطعامين المختلفين فاختلف في ذلك قول مالك فأجازه مرة ومنعه مرة وذلك لما يدخل الشركة بالدراهم من عند أحدهما والدنانير من عند الآخر من الشركة والصرف معا وعدم التناجز ولما يدخل الطعامين المختلفين من الشركة وعدم التناجز وبالمنع قال ابن القاسم ومن لم يعتبر هذه العلل أجازها المسألة الثالثة وأما الشركة بالطعام من صنف واحد فأجازها ابن القاسم قياسا على إجماعهم على جوازها في الصنف الواحد من الذهب أو الفضة ومنعها مالك في أحد قوليه وهو المشهور بعدم المناجزة الذي يدخل فيه إذ رأى أن الأصل هو أن لا يقاس على موضع الرخصة بالإجماع وقد قيل إن وجه كراهية مالك لذلك أن الشركة تفتقر إلى الاستواء في القيمة والبيع يفتقر إلى الاستواء في الكيل فافتقرت الشركة بالطعامين من صنف واحد إلى استواء القيمة والكيل وذلك لا يكاد يوجد فكره مالك ذلك فهذا هو اختلافهم في جنس محل الشركة واختلفوا هل من شرط مال الشركة أن يختلط أو لا يختلط فقال مالك إن من شرط الشركة أن يختلطا إما حسا وإما حكما مثل أن يكونا في صندوق واحد وأيديهما مطلقة عليهما وقال الشافعي لا تصح الشركة حتى يخلطا ماليهما خلطا لا يتميز به مال أحدهما من مال الآخر وقال أبو حنيفة تصح الشركة وإن كان مال كل واحد منهما بيده فأبو حنيفة اكتفى في انعقاد الشركة بالقول ومالك اشترط إلى ذلك اشتراك التصرف في المال والشافعي اشترط إلى هذين الاختلاط والفقه أن بالاختلاط يكون عمل الشريكين أفضل وأتم لأن النصح يوجد منه لشريكه كما يوجد لنفسه فهذا هو القول في هذا الركن وفي شروطه فأما الركن الثاني وهو وجه اقتسامها الربح فإنهم اتفقوا على أنه إذا كان الربح تابعا لرؤوس الأموال أعني إن كان أصل مال الشركة متساويين كان الربح بينهما نصفين واختلفوا هل يجوز أن يختلف رؤوس أموالهما ويستويان في الربح فقال مالك والشافعي ذلك لا يجوز وقال أهل العراق يجوز ذلك وعمدة من منع ذلك أن تشبيه الربح بالخسران فكما أنه لو اشترط أحدهما جزءا من الخسران لم يجز كذلك إذا اشترط جزءا من الربح خارجا عن ماله وربما شبهوا الربح بمنفعة العقار الذي بين الشريكين أعني أن المنفعة بينهما تكون على نسبة أصل الشركة

Sección V02/P190–V02/P191

وعمدة أهل العراق تشبيه الشركة بالقراض وذلك أنه لما جاز في القراض أن يكون للعامل من الربح ما اصطلحا عليه والعامل ليس يجعل مقابله إلا عملا فقط كان في الشركة أحرى أن يجعل للعمل جزء من المال إذا كانت الشركة مالا من كل واحد منهما وعملا فيكون ذلك الجزء من الربح مقابلا لفضل عمله على عمل صاحبه فإن الناس يتفاوتون في العمل كما يتفاوتون في غير ذلك وأما الركن الثالث الذي هو العمل فإنه تابع كما قلنا عند مالك للمال فلا يعتبر بنفسه وهو عند أبي حنيفة يعتبر مع المال وأظن أن من العلماء من لا يجيز الشركة إلا أن يكون مالاهما متساويين التفاتا إلى العمل فإنهم يرون أن العمل في الغالب مستو فإذا لم يكن المال بينهما على التساوي كان هنالك غبن على أحدهما في العمل ولهذا قال ابن المنذر أجمع العلماء على جواز الشركة التي يخرج فيها كل واحد من الشريكين مالا مثل مال صاحبه من نوعه أعني دراهم أو دنانير ثم يخلطانهما حتى يصيرا مالا واحدا لا يتميز على أن يبيعا ويشتريا ما رأيا من أنواع التجارة وعلى أن ما كان من فضل فهو بينهما بنصفين وما كان من خسارة فهو كذلك وذلك إذا باع كل واحد منهما بحضرة صاحبه واشتراطه هذا الشرط يدل على أن فيه خلافا والمشهور عند الجمهور أنه ليس من شرط الشركاء أن يبيع كل واحد منهما بحضرة صاحبه القول في شركة المفاوضة واختلفا في شركة المفاوضة فاتفق مالك وأبو حنيفة بالجملة على جوازها وإن كان اختلفوا في بعض شروطها وقال الشافعي لا تجوز ومعنى شركة المفاوضة أن يفوض كل واحد من الشريكين إلى صاحبه التصرف في ماله مع غيبته وحضوره وذلك واقع عندهم في جميع أنواع الممتلكات وعمدة الشافعي أن اسم الشركة إنما ينطلق على اختلاط الأموال فإن الأرباح فروع ولا يجوز أن تكون الفروع مشتركة إلا باشتراك أصولها وأما إذا اشترط كل واحد منهما ربحا لصاحبه في ملك نفسه فذلك من الغرر ومما لا يجوز وهذه صفة شركة المفاوضة وأما مالك فيرى أن كل واحد منهما قد باع جزءا من ماله بجزء من مال شريكه ثم وكل واحد منهما صاحبه على النظر في الجزء الذي بقي في يده والشافعي يرى أن الشركة ليست هي بيعا ووكالة وأما أبو حنيفة فهو ههنا على أصله في أنه لا يراعى في شركة العنان إلا النقد فقط وأما ما يختلف فيه مالك وأبو حنيفة من شروط هذه الشركة فإن أبا حنيفة يرى أن من شرط المفاوضة التساوي في رؤوس الأموال وقال مالك ليس من شرطها ذلك تشبيها بشركة العنان وقال أبو حنيفة لا يكون لأحدهما شيء إلا أن يدخل في الشركة وعمدتهم أن اسم المفاوضة يقتضي هذين الأمرين أعني تساوي المالين وتعميم ملكهما القول في شركة الأبدان وشركة الأبدان بالجملة عند أبي حنيفة والمالكية جائزة ومنع منها الشافعي وعمدة الشافعية أن الشركة إنما تختص بالأموال لا بالأعمال لأن ذلك لا ينضبط فهو غرر عندهم إذ كان عمل كل واحد منهما مجهولا عند صاحبه وعمدة المالكية اشتراك الغانمين في الغنيمة وهم إنما استحقوا ذلك بالعمل وما روي من أن ابن مسعود شارك سعدا يوم بدر فأصاب سعد فرسين ولم يصب ابن مسعود شيئا فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهما وأيضا فإن المضاربة إنما تنعقد على العمل فجاز أن تنعقد عليه الشركة وللشافعي أن المفاوضة خارجة عن الأصول فلا يقاس عليها وكذلك يشبه أن يكون حكم الغنيمة خارجا عن الشركة ومن شرطها عند مالك اتفاق الصنعتين والمكان وقال أبو حنيفة تجوز مع اختلاف الصنعتين فيشترك عنده الدباغ والقصار ولا يشتركان عند مالك وعمدة مالك زيادة الغرر الذي يكون عند اختلاف الصنعتين أو اختلاف المكان وعمدة أبي حنيفة جواز الشركة على العمل القول في شركة الوجوه وشركة الوجوه عند مالك والشافعي باطلة وقال أبو حنيفة جائزة وهذه الشركة هي الشركة على الذمم من غير صنعة ولا مال

Sección V02/P191–V02/P193

وعمدة مالك والشافعي أن الشركة إنما تتعلق على المال أو على العمل وكلاهما معدومان في هذه المسألة مع ما في ذلك من الغرر لأن كل واحد منهما عارض صاحبه بكسب غير محدود بصناعة ولا عمل مخصوص وأبو حنيفة يعتمد أنه عمل من الأعمال فجاز أن تنعقد عليه الشركة القول في أحكام الشركة الصحيحة وهي من العقود الجائزة لا من العقود اللازمة أي لأحد الشريكين أن ينفصل من الشركة متى شاء وهي عقد موروث ونفقتهما وكسوتهما من مال الشركة إذا تقاربا في العيال ولم يخرجا عن نفقة مثلهما ويجوز لأحد الشريكين أن يبضع وأن يقارض وأن يودع إذا دعت إلى ذلك ضرورة ولا يجوز له أن يهب شيئا من مال الشركة ولا أن يتصرف فيه إلا تصرفا يرى أنه نظر لهما وأما من قصر في شيء أو تعدى فهو ضامن مثل أن يدفع مالا من التجارة فلا يشهد وينكره القابض فإنه يضمن لأنه قصر إذ لم يشهد وله أن يقبل الشيء المعيب في الشراء وإقرار أحد الشريكين في مال لمن يتهم عليه لا يجوز وتجوز إقالته وتوليته ولا يضمن أحد الشريكين ما ذهب من مال التجارة باتفاق ولا يجوز للشريك المفاوض أن يقارض غيره إلا بإذن شريكه ويتنزل كل واحد منهما منزلة صاحبه فيما له وفيما عليه في مال التجارة وفروع هذا الباب كثيرة كتاب الشفعة والنظر في الشفعة أولا في قسمين القسم الأول في تصحيح هذا الحكم وفي أركانه القسم الثاني في أحكامه القسم الأول فأما وجوب الحكم بالشفعة فالمسلمون متفقون عليه لما ورد في ذلك من الأحاديث الثابتة إلا ما يتأمل على من يرى بيع الشقص المشاع وأركانها أربعة الشافع والمشفوع عليه والمشفوع فيه وصفة الأخذ بالشفعة الركن الأول وهو الشافع ذهب مالك والشافعي وأهل المدينة إلى أن لا شفعة إلا للشريك ما لم يقاسم وقال أهل العراق الشفعة مرتبة فأولى الناس بالشفعة الشريك الذي لم يقاسم ثم الشريك المقاسم إذا بقيت في الطرق أو في الصحن شركة ثم الجار الملاصق وقال أهل المدينة لا شفعة للجار ولا للشريك المقاسم وعمدة أهل المدينة مرسل مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة فيما لم يقسم بين الشركاء فإذا وقعت الحدود فلا شفعة وحديث جابر أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة خرجه مسلم والترمذي وأبو داود وكان أحمد بن حنبل يقول حديث معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أصح ما روي في الشفعة وكان ابن معين يقول مرسل مالك أحب إلي إذ كان مالك إنما رواه عن ابن شهاب موقوفا وقد جعل قوم هذا الاختلاف على ابن شهاب في إسناده توهينا له وقد روي عن مالك في غير الموطأ عن ابن شهاب عن أبي هريرة ووجه استدلالهم من هذا الأثر ما ذكر فيه من أنه إذا وقعت الحدود فلا شفعة وذلك أنه لما كانت الشفعة غير واجبة للشريك المقاسم فهي أحرى أن لا تكون واجبة للجار وأيضا فإن الشريك المقاسم هو جار إذا قاسم وعمدة أهل العراق حديث أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الجار أحق بصقبه وهو حديث متفق عليه وخرج اللترمذي وأبو داود عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال جار الدار أحق بدار الجار وصححه الترمذي ومن طريق المعنى لهم أيضا أنه لما كانت الشفعة إنما المقصود منها دفع الضرر الداخل من الشركة وكان هذا المعنى موجودا في الجار وجب أن يلحق به ولأهل المدينة أن يقولوا وجود الضرر في الشركة أعظم منه في الجوار

Sección V02/P193–V02/P194

وبالجملة فعمدة المالكية أن الأصول تقتضي أن لا يخرج ملك أحد من يده إلا برضاه وأن من اشترى شيئا فلا يخرج من يده إلا برضاه حتى يدل الدليل على التخصيص وقد تعارضت الآثار في هذا الباب فوجب أن يرجح ما شهدت له الأصول ولكلا القولين سلف متقدم لأهل العراق من التابعين ولأهل المدينة من الصحابة الركن الثاني وهو المشفوع فيه اتفق المسلمون على أن الشفعة واجبة في الدور والعقار والأرضين كلها واختلفوا فيما سوى ذلك فتحصيل مذهب مالك أنها في ثلاثة أنواع أحدها مقصود وهو العقار من الدور والحوانيت والبساتين والثاني ما يتعلق بالعقار مما هو ثابت لا ينقل ولا يحول وذلك كالبئر ومحال النخل ما دام الأصل فيها على صفة تجب فيها الشفعة عنه وهو أن يكون الأصل هو الأرض مشاعا بينه وبين شريكه غير مقسوم والثالث ما تعلق بهذه كالثمار وفيها عنه خلاف وكذلك كراء الأرض للزرع وكتابة المكاتب واختلف عنه في الشفعة في الحمام والرحا وأما ما عدا هذا من العروض والحيوان فلا شفعة فيها عنده وكذلك لا شفعة عنده في الطريق ولا في عرصة الدار واختلف عنه في أكرية الدور وفي المساقاة وفي الدين هل يكون الذي عليه الدين أحق به وكذلك الذي عليه الكتابة وبه قال عمر بن عبد العزيز وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في الدين وبه قال أشهب من أصحاب مالك وقال ابن القاسم لا شفعة في الدين ولم يختلفا في إيجابها في الكتابة لحرمة العتق وفقهاء الأمصار على أن شفعة إلا في العقار فقط وحكي عن قوم أن الشفعة في البئر وفي كل شيء ما عدا المكيل والموزون ولم يجز أبو حنيفة الشفعة في البئر والفحل وأجازها في العرصة والطريق ووافق الشافعي مالكا في العرصة وفي الطريق وفي البئر وخالفاه جميعا في الثمار وعمدة الجمهور في قصر الشفعة على العقار ما ورد في الحديث الثابت من قوله عليه الصلاة والسلام الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة فكأنه قال الشفعة فيما تمكن فيه القسمة ما دام لم يقسم وهذا استدلال بدليل الخطاب وقد أجمع عليه في هذا الموضع فقهاء الأمصار مع اختلافهم في صحة الاستدلال به وأما عمدة من أجازها في كل شيء فما خرجه الترمذي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الشريك شفيع في كل شيء ولأن معنى ضرر الشركة والجوار موجود في كل شيء وإن كان العقار أظهر ولما لحظ هذا مالك أجرى ما يتبع العقار مجرى العقار واستدل أبو حنيفة على منع الشفعة في البئر بما روي لا شفعة في بئر ومالك حمل هذا الأثر على آبار الصحارى التي تعمل في الأرض الموات لا التي تكون في أرض متملكة الركن الثالث وأما المشفوع عليه فإنهم اتفقوا على أنه من انتقل إليه الملك بشراء من شريك غير مقاسم أو من جار عند من يرى الشفعة للجار واختلفوا فيمن انتقل إليه الملك بغير شراء فالمشهور عند مالك أن الشفعة إنما يجب إذا كان انتقال الملك بعوض كالبيع والصلح والمهر وأرش الجنايات وغير ذلك وبه قال الشافعي وعنه رواية ثانية أنها تجب بكل ملك انتقل بعوض أو بغير عوض كالهبة لغير الثواب والصدقة ما عدا الميراث فإنه لا شفعة عند الجميع فيه اتفاق وأما الحنفية فالشفعة عندهم في المبيع فقط وعمدة الحنفية ظاهر الأحاديث وذلك أن مفهومها يقتضي أنها في المبيعات بل ذلك نص فيها لا في بعضها فلا بيع حتى يستأذن شريكه وأما المالكية فرأت أن كل ما انتقل بعوض فهو في معنى البيع ووجه الرواية الثانية أنها اعتبرت الضرر فقط وأما الهبة للثواب فلا شفعة فيها عند أبي حنيفة ولا الشافعي أما أبو حنيفة فلأن الشفعة عنده في المبيع وأما الشافعي فلأن هبة الثواب عنده باطلة وأما مالك فلا خلاف عنده وعند أصحابه في أن الشفعة فيها واجبة

Sección V02/P194–V02/P195

واتفق العلماء على أن المبيع الذي بالخيار أنه إذا كان الخيار فيه للبائع أن الشفعة لا تجب حتى يجب البيع واختلفوا إذا كان الخيار للمشتري فقال الشافعي والكوفيون الشفعة واجبة عليه لأن البائع قد صرم الشقص عن ملكه وأبانه منه وقيل إن الشفعة غير واجبة عليه لأنه غير ضامن وبه قال جماعة من أصحاب مالك واختلف في الشفعة في المساقاة وهي تبديل أرض بأرض فعن مالك في ذلك ثلاث روايات الجواز والمنع والثالث أن تكون المناقلة بين الأشراك أو الأجانب فلم يرها في الأشراك ورآها في الأجانب الركن الرابع في الأخذ بالشفعة والنظر في هذا الركن بماذا يأخذ الشفيع وكم يأخذ ومتى يأخذ فإنهم اتفقوا على أنه يأخذ في البيع بالثمن إن كان حالا واختلفوا إذا كان البيع إلى أجل هل يأخذه الشفيع بالثمن إلى ذلك الأجل أو يأخذ المبيع بالثمن حالا وهو مخير فقال مالك يأخذه بذلك الأجل إذا كان مليا أو يأتي بضامن مليء وقال الشافعي الشفيع مخير فإن عجل تعجلت الشفعة وإلا تتأخر إلى وقت الأجل وهو نحو قول الكوفيين وقال الثوري لا يأخذها إلا بالنقد لأنها قد دخلت في ضمان الأول قال ومنا من يقول تبقى في يد الذي باعها فإن بلغ الأجل أخذها الشفيع والذين رأوا الشفعة في سائر المعاوضات مما ليس ببيع فالمعلوم عنهم أنه يأخذ الشفعة بقيمة الشقص إن كان العوض مما ليس يتقدر مثل أن يكون معطى في خلع وأما أن يكون معطى في شيء يتقدر ولم يكن دنانير ولا دراهم ولا بالجملة مكيلا ولا موزونا فإنه يأخذه بقيمة ذلك الشيء الذي دفع الشقص فيه وإن كان ذلك الشيء محدود القدر بالشرع أخذ ذلك القدر مثل أن يدفع الشقص في موضحة وجبت عليه أو منقلة فإنه يأخذه بدية الموضحة أو المنقلة وأما كم يأخذ فإن الشفيع لا يخلو أن يكون واحدا أو أكثر والمشفوع عليه أيضا لا يخلو أن يكون واحدا أو أكثر فأما أن الشفيع واحد والمشفوع عليه واحد فلا خلاف في أن الواجب على الشفيع أن يأخذ الكل أو يدع وأما إذا كان المشفوع عليه واحدا والشفعاء أكثر من واحد فإنهم اختلفوا من ذلك في موضعين أحدهما في كيفية قسمة المشفوع فيه بينهم والثاني إذا اختلف أسباب شركتهم هل يحجب بعضهم بعضا عن الشفعة أم لا مثل أن يكون بعضهم شركاء في المال الذي ورثوه لأنهم أهل سهم واحد وبعضهم لأنهم عصبة فأما المسألة الأولى وهي كيفية توزيع المشفوع فيه فإن مالكا والشافعي وجمهور أهل المدينة يقولون إن المشفوع فيه يقتسمونه بينهم على قدر حصصهم فمن كان نصيبه من أصل المال الثلث مثلا أخذ من الشقص بثلث الثمن ومن كان نصيبه الربع أخذ الربع وقال الكوفيون هي على عدد الرؤوس على السواء وسواء في ذلك الشريك ذو الحظ الأكبر وذو الحظ الأصغر وعمدة المدنيين أن الشفعة حق يستفاد وجوبه بالملك المتقدم فوجب أن يتوزع على مقدار الأصل أصله الأكرية في المستأجرات المشتركة والربح في شركة الأموال وأيضا فإن الشفعة إنما هي لإزالة الضرر والضرر داخل على كل واحد منهم على غير استواء لأنه إنما يدخل على كل واحد منهم بحسب حصته فوجب أن يكون استحقاقهم لدفعه على تلك النسبة وعمدة الحنفية أن وجوب الشفعة إنما يلزم بنفس الملك فيستوفي ذلك أهل الحظوظ المختلفة لاستوائهم في نفس الملك وربما شبهوا ذلك بالشركاء في العبد يعتق بعضهم نصيبه أنه يقوم على المعتقين على السوية أعني حظ من لم يعتق

Sección V02/P195–V02/P196

وأما المسألة الثانية فإن الفقهاء اختلفوا في دخول الأشراك الذين هم عصبة في الشفعة مع الأشراك الذين شركتهم من قبل السهم الواحد فقال مالك أهل السهم الواحد أحق بالشفعة إذا باع أحدهم من الأشراك معهم في المال من قبل التعصيب وأنه لا يدخل ذو العصبة في الشفعة على أهل السهام المقدرة ويدخل ذوو السهام على ذوي التعصيب مثل أن يموت ميت فيترك عقارا ترثه عنه بنتان وابنا عم ثم تبيع البنت الواحدة حظها فإن البنت الثانية عند مالك هي التي تشفع في ذلك الحظ الذي باعته أختها فقط دون ابني العم وإن باع أحد ابني العم نصيبه يشفع فيه البنات وابن العم الثاني وبهذا القول قال ابن القاسم وقال أهل الكوفة لا يدخل ذوو السهام على العصبات ولا العصبات على ذوي السهام ويتشافع أهل السهم الواحد فيما بينهم خاصة وبه قال أشهب وقال الشافعي في أحد قوليه يدخل ذوو السهام على العصبات والعصبات على ذوي السهام وهو الذي اختاره المزني وبه قال المغيرة من أصحاب مالك وعمدة مذهب الشافعي عموم قضائه صلى الله عليه وسلم بالشفعة بين الشركاء ولم يفصل ذوي السهم من عصبة ومن خصص ذوي السهام من العصبات فلأنه رأى الشركة مختلفة الأسباب أعني بين ذوي السهام وبين العصبات فشبه الشركات المختلفة الأسباب بالشركات المختلفة من قبل محالها الذي هو المال بالقسمة بالأموال ومن أدخل ذوي السهام على العصبة ولم يدخل العصبة على ذوي السهام فهو استحسان على غير قياس ووجه الاستحسان أنه رأى أن ذوي السهام أقعد من العصبة وأما إذا كان المشفوع عليهما اثنين فأكثر فأراد الشفيع أن يشفع على أحدهما دون الثاني فقال ابن القاسم إما أن يأخذ الكل أو يدع وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي له أن يشفع على أيهما أحب وبه قال أشهب فأما إذا باع رجلان شقصا من رجل فأراد الشفيع أن يشفع على أحدهما دون الثاني فإن أبا حنيفة منع ذلك وجوزه الشافعي وأما إذا كان الشافعون أكثر من واحد أعني الأشراك فأراد بعضهم أن يشفع ويسلم له الباقي في البيوع فالجمهور على أن للمشتري أن يقول للشريك إما أن تشفع في الجميع أو تترك وأنه ليس له أن يشفع بحسب حظه إلا أن يوافقه المشتري على ذلك وأنه ليس له أن يبعض الشفعة على المشتري إن لم يرض بتبعيضها وقال أصبغ من أصحاب مالك إن كان ترك بعضهم الأخذ بالشفعة رفقا بالمشتري لم يكن للشفيع إلا أن يأخذ حصته فقط ولا خلاف في مذهب مالك أنه إذا كان بعض الشفعاء غائبا وبعضهم حاضرا فأراد الحاضر أن يأخذ حصته فقط أنه ليس له ذلك إلا أن يأخذ الكل أو يدع فإذا قدم الغائب فإن شاء أخذ وإن شاء ترك واتفقوا على أن من شرط الأخذ بالشفعة أن تكون الشركة متقدمة على البيع واختلفوا هل من شرطها أن تكون موجودة في حال البيع وأن تكون ثابتة قبل البيع فأما المسألة الأولى وهي إذا لم يكن شريكا في حال البيع وذلك يتصور بأن يكون يتراخى عن الأخذ بالشفعة بسبب من الأسباب التي لا يقطع له الأخذ بالشفعة حتى يبيع الحظ الذي كان به شريكا فروى أشهب أن قول مالك اختلف في ذلك فمرة قال له الأخذ بالشفعة ومرة قال ليس له ذلك واختار أشهب أنه لا شفعة له وهو قياس قول الشافعي والكوفيين لأن المقصود بالشفعة إنما هو إزالة الضرر من جهة الشركة وهذا ليس بشريك وقال ابن القاسم له الشفعة إذا كان قيامه في أثره لأنه يرى أن الحق الذي وجب له لم يرتفع ببيعه حظه

Sección V02/P196–V02/P198

وأما المسألة الثانية فصورتها أن يستحق إنسان شقصا في أرض قد بيع منها قبل وقت الاستحقاق شقص ما هل له أن يأخذ بالشفعة أم لا فقال قوم له ذلك لأنه وجبت له الشفعة بتقدم شركته قبل البيع ولا فرق في ذلك كانت يده عليه أو لم تكن وقال قوم لا تجب له الشفعة لأنه إنما ثبت له مال الشركة يوم الاستحقاق قالوا ألا ترى أنه لا يأخذ الغلة من المشتري فأما مالك فقال إن طال الزمان فلا شفعة وإن لم يطل ففيه الشفعة وهو استحسان وأما متى يأخذ وهل له الشفعة فإن الذي له الشفعة رجلان حاضر أو غائب فأما الغائب فأجمع العلماء على أن الغائب على شفعته ما لم يعلم ببيع شريكه واختلفوا إذا علم وهو غائب فقال قوم تسقط شفعته وقال قوم لا تسقط وهو مذهب مالك والحجة له ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر أنه قال الجار أحق بصقبه أو قال بشفعته ينتظر بها إذا كان غائبا وأيضا فإن الغائب في الأكثر معوق عن الأخذ بالشفعة فوجب عذره وعمدة الفريق الثاني أن سكوته مع العلم قرينة تدل على رضاه بإسقاطها وأما الحاضر فإن الفقهاء اختلفوا في وقت وجوب الشفعة له فقال الشافعي وأبو حنيفة هي واجبة له على الفور بشرط العلم وإمكان الطلب فإن علم وأمكن ولم يطلب بطلت شفعته إلا أن أبا حنيفة قال إن أشهد بالأخذ لم تبطل وإن تراخى وأما مالك فليست عنده على الفور بل وقت وجوبها متسع واختلف قوله في هذا الوقت هل هو محدود أم لا فمرة قال هو غير محدود وأنها لا تنقطع أبدا إلا أن يحدث المبتاع بناء أو تغييرا كثيرا بمعرفته وهو حاضر عالم ساكت ومرة حدد هذا الوقت فروي عنه السنة وهو الأشهر وقيل أكثر من سنة وقد قيل عنه أن الخمسة أعوام لا تنقطع فيها الشفعة واحتج الشافعي بما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال الشفعة كحل العقال وقد روي الشافعي أن أمدها ثلاثة أيام وأما من لم يسقط الشفعة بالسكوت واعتمد على أن السكوت لا يبطل حق امريء مسلم ما لم يظهر من قرائن أحواله ما يدل على إسقاطه وكان هذا أشبه بأصول الشافعي لأن عنده أنه ليس يجب أن ينسب إلى ساكت قول قائل وإن اقترنت به أحوال تدل على رضاه ولكنه فيما أحسب اعتمد الأثر فهدا هو القول في أركان الشفعة وشروطها المصححة لها وبقي القول في الأحكام القسم الثاني القول في أحكام الشفعة وهذه الأحكام كثيرة ولكن نذكر منها ما اشتهر فيه الخلاف بين فقهاء الأمصار فمن ذلك اختلافهم في ميراث حق الشفعة فذهب الكوفيون إلى أنه لا يورث كما أنه لا يباع وذهب مالك والشافعي وأهل الحجاز إلى أنها موروثة قياسا على الأموال وقد تقدم سبب الخلاف في هذه المسائل في مسألة الرد بالعيب ومنها اختلافهم في عهدة الشفيع هل هي على المشتري أو على البائع فقال مالك والشافعي هي على المشتري وقال ابن أبي ليلى هي على البائع وعمدة مالك أن الشفعة إنما وجبت للشريك بعد حصول ملك المشتري وصحته فوجب أن تكون عليه العهدة وعمدة الفريق الآخر أن الشفعة إنما وجبت للشريك بنفس البيع فطروها على البيع فسخ له وعقد لها وأجمعوا على أن الإقالة لا تبطل الشفعة من رأى أنها بيع ومن رأى أنها فسخ أعني الإقالة واختلف أصحاب مالك على من عهدة الشفيع في الإقالة فقال ابن القاسم على المشتري وقال أشهب هو مخير ومنها اختلافهم إذا أحدث المشتري بناء أو غرسا أو ما يشبه في الشقص قبل قيام الشفيع ثم قام الشفيع بطلب شفعته فقال مالك لا شفعة إلا أن يعطي المشتري قيمة ما بنى وما غرس وقال الشافعي وأبو حنيفة هو متعد وللشفيع أن يعطيه قيمة بنائه مقلوعا أو يأخذه بنقضه

Sección V02/P198–V02/P199

والسبب في اختلافهم تردد تصرف المشفوع عليه العالم بوجوب الشفعة عليه بين شبهة تصرف الغاصب وتصرف المشتري الذي يطرأ عليه الاستحقاق وقد بني في الأرض وغرس وذلك أنه وسط بينهما فمن غلب عليه شبه الاستحقاق لم يكن له أن يأخذ القيمة ومن غلب عليه شبه التعدي قال له أن يأخذه بنقضه أو يعطيه قيمته منقوضا ومنها اختلافهم إذا اختلف المشتري والشفيع في مبلغ الثمن فقال المشتري اشتريت الشقص بكذا وقال الشفيع بل اشتريته بأقل ولم يكن لواحد منهما بينة فقال جمهور الفقهاء القول قول المشتري لأن الشفيع مدع والمشفوع عليه مدعى عليه وخالف في ذلك بعض التابعين فقالوا القول قول الشفيع لأن المشتري قد أقر له بوجوب الشفعة وادعى عليه مقدارا من الثمن لم يعترف له به وأما أصحاب مالك فاختلفوا في هذه المسألة فقال ابن القاسم القول قول المشتري إذا أتى بما يشبه باليمين فإن أتى بما لا يشبه فالقول قول الشفيع وقال أشهب إذا أتى بما يشبه فالقول قول المشتري بلا يمين وفيما لا يشبه باليمين وحكي عن مالك أنه قال إذا كان المشتري ذا سلطان يعلم بالعادة أنه يزيد في الثمن قبل قول المشتري بغير يمين وقيل إذا أتى المشتري بما لا يشبه رد الشفيع إلى القيمة وكذلك فيما أحسب إذا أتى كل واحد منهما بما لا يشبه واختلفوا إذا أتى كل واحد ببينة وتساوت العدالة فقال ابن القاسم يسقطان معا ويرجع إلى الأصل من أن القول قول المشتري مع يمينه وقال أشهب البينة بينة المشتري لأنها زادت علما كتاب القسمة والأصل في هذا الكتاب قوله تعالى وإذا حضر القسمة أولوا القربى وقوله مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما دار قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية وأيما دار أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام والنظر في هذا الكتاب في القاسم والمقسوم عليه والقسمة والنظر في القسمة في أبواب الباب الأول في أنواع القسمة الثاني في تعيين محل نوع نوع من أنواعها أعني ما يقبل القسمة وما لا يقبلها وصفة القسمة فيها وشروطها أعني فيما يقبل القسمة الثالث في معرفة أحكامها الباب الأول في أنواع القسمة والنظر في القسمة ينقسم أولا إلى قسمين قسمة رقاب الأموال والثاني منافع الرقاب القسم الأول من هذا الباب فأما قسمة الرقاب التي لا تكال ولا توزن فتنقسم بالجملة إلى ثلاثة أقسام قسمة قرعة بعد تقويم وتعديل وقسمة مراضاة بعد تقويم وتعديل وقسمة مراضاة بغير تقويم ولا تعديل وأما ما يكال أو يوزن فبالكيل والوزن القسم الثاني وأما الرقاب فإنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام ما لا ينقل ولا يحول وهي الرباع والأصول ما ينقل ويحول وهذان قسمان وإما غير مكيل ولا موزون وهو الحيوان والعروض وإما مكيل أو موزون ففي هذا الباب ثلاثة فصول الأول في الرباع والثاني في العروض والثالث في المكيل والموزون الفصل الأول في الرباع فأما الرباع والأصول فيجوز أن تقسم بالتراضي وبالسهمة إذا عدلت بالقيمة اتفق أهل العلم على ذلك اتفاقا مجملا وإن كانوا اختلفوا في محل ذلك وشروطه والقسمة لا تخلو أن تكون في محل واحد أو في محال كثيرة فإذا كانت في محل واحد فلا خلاف في جوازها إذا انقسمت إلى أجزاء متساوية بالصفة ولم تنقص منفعة الأجزاء بالانقسام ويجيز الشركاء على ذلك وأما إذا انقسمت إلى ما لا منفعة فيه فاختلف في ذلك مالك وأصحابه فقال مالك إنها تنقسم بينهم إذا دعا أحدهم إلى ذلك ولو لم يصر لواحد منهم إلا ما لا منفعة فيه مثل قدر القدم وبه قال ابن كنانة من أصحابه فقط وهو قول أبي حنيفة والشافعي وعمدتهم في ذلك قوله تعالى مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا وقال ابن القاسم لا يقسم إلا أن يصير لكل واحد في حظه ما ينتفع به من غير مضرة داخلة عليه في الانتفاع من قبل القسمة وإن كان لا يراعى في ذلك نقصان الثمن

Sección V02/P199–V02/P200

وقال ابن الماجشون يقسم إذا صار لكل واحد منهم ما ينتفع به وإن كان من غير جنس المنفعة التي كانت في الاشتراك أو كانت أقل وقال مطرف من أصحابه إن لم يصر في حظ كل واحد ما ينتفع به لم يقسم وإن صار في حظ بعضهم ما ينتفع به وفي حظ بعضهم ما لا ينتفع به قسم وجبروا على ذلك سواء دعا إلى ذلك صاحب النصيب القليل أو الكثير وقيل يجبر إن دعا صاحب النصيب القليل ولا يجبر إن دعا صاحب النصيب الكثير وقيل بعكس هذا وهو ضعيف واختلفوا من هذا الباب فيما إذا قسم انتقلت منفعته إلى منفعة أخرى مثل الحمام فقال مالك يقسم إذا طلب ذلك أحد الشريكين وبه قال أشهب وقال ابن القاسم لا يقسم وهو قول الشافعي فعمدة من منع القسمة قوله صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار وعمدة من رأى القسمة قوله تعالى مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ومن الحجة لمن لم ير القسمة حديث جابر عن أبيه لا تعضية على أهل الميراث إلا ما حمل القسم والتعضية التفرقة يقول لا قسمة بينهم وأما إذا كان الرباع أكثر من واحد فإنها لا تخلو أيضا أن تكون من نوع واحد أو مختلفة الأنواع فإذا كانت متفقة الأنواع فإن فقهاء الأمصار في ذلك مختلفون فقال مالك إذا كانت متفقة الأنواع قسمت بالتقويم والتعديل والسهمة وقال أبو حنيفة والشافعي بل يقسم كل عقار على حدته فعمدة مالك أنه أقل للضرر الداخل على الشركاء من القسمة وعمدة الفريق الثاني أن كل عقار تعينه بنفسه لأنه تتعلق به الشفعة واختلف أصحاب مالك إذا اختلفت الأنواع في النفاق وإن تباعدت مواضعها على ثلاثة أقوال وأما إذا كانت الرباع مختلفة مثل أن يكون منها دور ومنها حوائط ومنها أرض فلا خلاف أنه لا يجمع في القسمة بالسهمة ومن شرط قسمة الحوائط المثمرة أن لا تقسم مع الثمرة إذا بدأ صلاحها باتفاق في المذهب لأنه يكون بيع الطعام بالطعام على رؤوس الثمر وذلك مزابنة وأما قسمتها قبل بدو الصلاح ففيه اختلاف بين أصحاب مالك أما ابن القاسم فلا يجيز ذلك قبل الإبار بحال من الأحوال ويعتل لذلك لأنه يؤدي إلى بيع طعام بطعام متفاضلا ولذلك زعم أنه لم يجز مالك شراء الثمر الذي لم يطب بالطعام لا نسيئه ولا نقدا وأما إن كان بعد الإبار فإنه لا يجوز عنده إلا بشرط أن يشترط أحدهما على الآخر أن ما وقع من الثمر في نصيبه فهو داخل في القسمة وما لم يدخل في نصيبه فهم فيه على الشركة والعلة في ذلك عنده أنه يجوز اشتراط المشتري الثمر بعد الإبار ولا يجوز قبل الإبار فكأن أحدهما اشترى حظ صاحبه من جميع الثمرات التي وقعت له في القسمة بحظه من الثمرات التي وقعت لشريكه واشترط الثمر وصفة القسم بالقرعة أن تقسم الفريضة وتحقق وتضرب إن كان في سهامهم كسر إلى أن تصح السهام ثم يقوم كل موضع منها وكل نوع من غراساتها ثم يعدل على أقل السهام بالقيمة فربما عدل جزء من موضع ثلاثة أجزاء من موضع آخر على قيم الأرضين ومواضعها فإذا قسمت على هذه الصفات وعدلت كتبت في بطائق أسماء الأشراك وأسماء الجهات فمن خرج اسمه في جهة أخذ منها وقيل يرمى بالأسماء في الجهات فمن خرج اسمه في جهة أخذ منها فإن كان أكثر من ذلك السهم ضوعف له حتى يتم حظه فهذه هي حال قرعة السهم في الرقاب والسهمة إنما جعلها الفقهاء في القسمة تطيبا لنفوس المتقاسمين وهي موجودة في الشرع في مواضع منها قوله تعالى فساهم فكان من المدحضين وقوله وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ومن ذلك الأثر الثابت الذي جاء فيه أن رجلا أعتق ستة أعبد عند موته فأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم فأعتق ثلث ذلك الرقيق

Sección V02/P200–V02/P202

وأما القسمة بالتراضي سواء أكانت بعد تعديل وتقويم أو بغير تقويم وتعديل فتجوز في الرقاب المتفقة والمختلفة لأنه بيع من البيوع وإنما يحرم فيها ما يحرم في البيوع الفصل الثاني في العروض وأما الحيوان والعروض فاتفق الفقهاء على أنه لا يجوز قسمة واحد منهما للفساد الداخل في ذلك واختلفوا إذا تشاح الشريكان في العين الواحدة منهما ولم يتراضيا بالانتفاع بها على الشياع وأراد أحدهما أن يبيع صاحبه معه فقال مالك وأصحابه يجبر على ذلك فإن أراد أحدهما أن يأخذه بالقيمة التي أعطي فيها أخذه وقال أهل الظاهر لا يجبر لأن الأصول تقتضي أن لا يخرج ملك أحد من يده إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع وحجة مالك أن في ترك الإجبار ضررا وهذا من باب القياس المرسل وقد قلنا في غير ما موضع إنه ليس يقول به أحد من فقهاء الأمصار إلا مالك ولكنه كالضروري في بعض الأشياء وأما إذا كانت العروض أكثر من جنس واحد فاتفق العلماء على قسمتها على التراضي واختلفوا في قسمتها بالتعديل والسهمة فأجازها مالك وأصحابه في الصنف الواحد ومنع من ذلك عبد العزيز بن أبي سلمة وابن الماجشون واختلف أصحاب مالك في تمييز الصنف الواحد الذي تجوز فيه السهمة من التي لا تجوز فاعتبره أشهب بما لا يجوز تسليم بعضه في بعض وأما ابن القاسم فاضطرب فمرة أجاز القسم بالسهمة فيما لا يجوز تسليم بعضه في بعض فجعل القسمة أخف من السلم ومرة منع القسمة فيما منع فيه السلم وقد قيل إن مذهبه أن القسمة في ذلك أخف وأن مسألة التي يظن من قبلها أن القسمة عنده أشد من السلم تقبل التأويل على أصله الثاني وذهب ابن حبيب إلى أنه يجمع في القسمة ما تقارب من الصنفين مثل الخز والحرير والقطن والكتان وأجاز أشهب جمع صنفين في القسمة بالسهمة مع التراضي وذلك ضعيف لأن الغرر لا يجوز بالتراضي الفصل الثالث في معرفة أحكامها فأما المكيل والموزون فلا تجوز فيه القرعة باتفاق إلا ما حكى اللخمي والمكيل أيضا لا يخلو أن يكون صبرة واحدة أو صبرتين فزائدا فإن كان صنفا واحد فلا يخلو أن تكون قسمته على الاعتدال بالكيل أو الوزن إذا دعا إلى ذلك أحد الشريكين ولا خلاف في جواز قسمته على التراضي على التفضيل البين كان ذلك من الربوي أو من غير الربوي أعني الذي لا يجوز فيه التفاضل ويجوز ذلك بالكيل المعلوم والمجهول ولا يجوز قسمته جزافا بغير كيل ولا وزن وأما إن كانت قسمته تحريا فقيل لا يجوز في المكيل ويجوز في الموزون ويدخل في ذلك من الخلاف ما يدخل في جواز بيعه تحريا وأما إن لم يكن ذلك من صبرة واحدة وكانا صنفين فإن كان ذلك مما لا يجوز فيه التفاضل فلا تجوز قسمتها على جهة الجمع إلا بالكيل المعلوم فيما يكال وبالوزن بالصنجة المعروفة فيما يوزن لأنه إذا كان بمكيال مجهول لم يدر كم يحصل فيه من الصنف الواحد إذا كانا مختلفين من الكيل المعلوم وهذا كله على مذهب مالك لأن أصل مذهبه أنه يحرم التفاضل في الصنفين إذا تقاربت منافعهما مثل القمح والشعير وأما إن كان مما يجوز فيه التفاضل فيجوز قسمته على الاعتدال والتفاضل البين المعروف بالمكيال المعروف أو الصنجة المعروفة أعني على جهة الجمع وإن كانا صنفين وهذا الجواز كله في المذهب على جهة الرضا وأما في واجب الحكم فلا تنقسم كل صبرة إلا على حدة وإذا قسمت كل صبرة على حدة جازت قسمتها بالمكيال المعلوم والمجهول فهذا كله هو حكم القسمة التي تكون في الرقاب القول في القسم الثاني وهو قسمة المنافع فأما قسمة المنافع فإنها لا تجوز بالسهمة على مذهب ابن القاسم ولا يجبر عليها من أباها ولا تكون القرعة على قسمة المنافع وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يجبر على قسمة المنافع وقسمة المنافع هي عند الجميع بالمهايأة وذلك إما بالأزمان وإما بالأعيان أما قسمة المنافع بالأزمان فهو أن ينتفع كل واحد منهما بالعين مدة مساوية لمدة انتفاع صاحبه

Preguntas