İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî)
وإن كانت بين قوم غير مأمونين والإمام غير عادل فهو مخير بحسب ما يغلب على ظنه من سلامتها أكثر من أحد الطرفين وهذا كله ما عدا لقطة الحاج فإن العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز التقاطها لنهيه عليه الصلاة والسلام عن ذلك ولقطة مكة أيضا لا يجوز التقاطها إلا لمنشد لورود النص في ذلك والمروي في ذلك لفظان أحدهما أنه لا ترفع لقطتها إلا لمنشد والثاني لا يرفع لقتطها إلا منشد فالمعنى الواحد أنها لا ترفع إلا لمن ينشدها والمعنى الثاني لا يلتقطها إلا من ينشدها ليعرف الناس وقال مالك تعرف هاتان اللقطتان أبدا فأما الملتقط فهو كل حر مسلم بالغ لأنها ولاية واختلف عن الشافعي في جواز التقاط الكافر قال أبو حامد والأصح جواز ذلك في دار الإسلام قال وفي أهلية العبد والفاسق له قولان فوجه المنع عدم أهلية الولاية ووجه الجواز عموم أحاديث اللقطة وأما اللقطة بالجملة فإنها كل مال لمسلم معرض للضياع كان ذلك في عامر الأرض أو غامرها والجماد والحيوان في ذلك سواء إلا الإبل باتفاق والأصل في اللقطة حديث يزيد بن خالد الجهني وهو متفق على صحته أنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللقطة فقال اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها قال فضالة الغنم يا رسول الله قال هي لك أو لأخيك أو للذئب قال فضالة الإبل قال ما لك ولها معها سقاؤها وحذاؤها وترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها وهذا الحديث يتضمن معرفة ما يلتقط مما لا يلتقط ومعرفة حكم ما يلتقط كيف يكون في العام وبعده وبماذا يستحقها مدعيها فأما الإبل فاتفقوا على أنها لا تلتقط واتفقوا على الغنم أنها تلتقط وترددوا في البقر والنص عن الشافعي أنها كالإبل وعن مالك أنها كالغنم وعنه خلاف الجملة الثانية في أحكامها وأما حكم التعريف فاتفق العلماء على تعريف ما كان منها له بال سنة ما لم تكن من الغنم واختلفوا في حكمها بعد السنة فاتفق فقهاء الأمصار مالك والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وأبو عبيد وأبو ثور إذا انقضت كان له أن يأكلها إن كان فقيرا أو يتصدق بها إن كان غنيا فإن جاء صاحبها كان مخيرا بين أن يجيز الصدقة فينزل على ثوابها أو يضمنه إياها واختلفوا في الغني هل له أن يأكلها أو ينفقها بعد الحول فقال مالك والشافعي له ذلك وقال أبو حنيفة ليس له أن يأكلها أو يتصدق بها وروي مثل قوله عن علي وابن عباس وجماعة من التابعين وقال الأوزاعي إن كان مالا كثيرا جعله في بيت المال وروي مثل قول مالك والشافعي عن عمرو ابن مسعود وابن عمر وعائشة وكلهم متفقون على أنه إن أكلها ضمنها لصاحبها إلا أهل الظاهر واستدل مالك والشافعي بقوله عليه الصلاة والسلام فشأنك بها ولم يفرق بين غني وفقير ومن الحجة لهما ما رواه البخاري والترمذي عن سويد بن غفلة قال لقيت أويس بن كعب فقال وجدت صرة فيها مائة دينار فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال عرفها حولا فعرفتها فلم أجد ثم أتيته ثلاثا فقال احفظ وعاءها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها وخرج الترمذي وأبو داود فاستنفقها فسبب الخلاف معارضة ظاهر لفظ حديث اللقطة لأصل الشرع وهو أنه لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس منه فمن غلب هذا الأصل على ظاهر الحديث وهو قوله بعد التعريف فشأنك بها قال لا يجوز فيها تصرف إلا بالصدقة فقط على أن يضمن إن لم يجز صاحب اللقطة الصدقة ومن غلب ظاهر الحديث على هذا الأصل ورأى أنه مستثنى عنه قال تحل له بعد العام وهي مال من ماله لا يضمنها إن جاء صاحبها ومن توسط قال يتصرف بعد العام فيها وإن كانت عينا على جهة الضمان
وأما حكم دفع القطة لمن ادعاها فاتفقوا على إنها لا تدفع إليه إذا لم يعرف العفاص ولا الوكاء واختلفوا إذا عرف ذلك هل يحتاج إلى بينة أم لا فقال مالك يستحق بالعلامة ولا يحتاج إلى بينة وقال أبو حنيفة والشافعي لا يستحق إلا ببينة وسبب الخلاف معارضة الأصل في اشتراط الشهادة في صحة الدعوى لظاهر هذا الحديث فمن غلب الأصل قال لا بد من البينة ومن غلب ظاهر الحديث قال لا يحتاج إلى بينة وإنما اشترط الشهادة في ذلك الشافعي وأبو حنيفة لأن قوله عليه الصلاة والسلام اعرف عفاصها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها يحتمل أن يكون إنما أمره بذلك ليدفعها لصاحبها بالعفاص والوكاء فلما وقع الاحتمال وجب الرجوع إلى الأصل فإن الأصول لا تعارض بالاحتمالات المخالفة لها إلا أن تصبح الزيادة التي نذكرها بعد وعند مالك وأصحابه أن على صاحب اللقطة أن يصف مع العفاص والوكاء صفة الدنانير والعدد قالوا وذلك موجود في بعض روايات الحديث ولفظه فإن جاء صاحبها ووصف عفاصها ووكاءها وعددها فادفعها إليه قالوا لكن لا يضره الجهل بالعدد إذا عرف العفاص والوكاء وكذلك إن زاد فيه واختلفوا إن نقص من العدد على قولين وكذلك اختلفوا إذا جهل الصفة وجاء بالعفاص والوكاء وأما إذا غلط فيها فلا شيء له وأما إذا عرف إحدى العلامتين اللتين وقع عليهما وجهل الأخرى فقيل إنه لا شيء له إلا بمعرفتهما جميعا وقيل يدفع إليه بعد الاستبراء وقيل إن ادعى الجهالة استبرىء وإن غلط لم تدفع إليه واختلف المذهب إذا أتى بالعلامة المستحقة هل يدفع إليه بيمين أو بغير يمين فقال ابن القاسم بغير يمين وقال أشهب بيمين وأما ضالة الغنم فإن العلماء اتفقوا على أن لواجد ضالة الغنم في المكان القفر البعيد من العمران أن يأكلها لقوله عليه الصلاة والسلام في الشاة هي لك أو لأخيك أو للذئب واختلفوا هل يضمن قيمتها لصاحبها أم لا فقال جمهور العلماء إنه يضمن قيمتها وقال مالك في أشهر الأقاويل عنه إنه لا يضمن وسبب الخلاف معارضة الظاهر كما قلنا للأصل المعلوم من الشريعة إلا أن مالكا هنا غلب الظاهر فجرى على حكم الظاهر ولم يجز كذلك التصرف فيما وجب تعريفه بعد العام لقوة اللفظ ههنا وعنه رواية أخرى أنه يضمن وكذلك كل طعام لا يبقى إذا خشي عليه التلف إن تركه وتحصيل مذهب مالك عند أصحابه في ذلك أنها على ثلاثة أقسام قسم يبقى في يد ملتقطه ويخشى عليه التلف إن ترك كالشاة في القفر والطعام الذي يسرع إليه الفساد وقسم لا يخشى عليه التلف فأما القسم الأول وهو ما يبقى في يد ملتقطه ويخشى عليه التلف فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام أحدها أن يكون يسيرا لا بال له ولا قدر لقيمته ويعلم أن صاحبه لا يطلبه لتفاهته فهذا لا يعرف عنده وهو لمن وجده والأصل في ذلك ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بتمرة في الطريق فقال لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها ولم يذكر فيها تعريفا وهذا مثل العصا والسوط وإن كان أشهب قد استحسن تعريف ذلك والثاني أن يكون يسيرا إلا أن له قدرا ومنفعة فهذا لا خلاف في المذهب في تعريفه واختلفوا في قدر ما يعرف فقيل سنة وقيل أياما وأما الثالث فهو أن يكون كثيرا أو له قدر فهذا لا اختلاف في وجوب تعريفه حولا وأما القسم الثاني وهو ما لا يبقى بيد ملتقطه ويخشى عليه التلف فإن هذا يأكله غنيا كان أم فقيرا وهل يضمن فيه روايتان كما قلنا الأشهر أن لا ضمان عليه واختلفوا إن وجد ما يسرع إليه الفساد في الحاضرة فقيل لا ضمان عليه وقيل عليه الضمان وقيل بالفرق بين أن يتصدق به فلا يضمن أو يأكله فيضمن
وأما القسم الثالث فهو كالإبل أعني أن الاختيار عنده فيه الترك للنص الوارد في ذلك فإن أخذها وجب تعريفها والاختيار تركها وقيل في المذهب هو عام في جميع الأزمنة وقيل إنما هو زمان العدل وأن الفضل في زمان غير العدل التقاطها وأما ضمانها في الذي تعرف فيه فإن العلماء اتفقوا على أن من التقطها وأشهد على التقاطها فهلكت عنده أنه غير ضامن واختلفوا إذا لم يشهد فقال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسنلا ضمان عليه إن لم يضيع وإن لم يشهد وقال أبو حنيفة وزفر يضمنها إن هلكت ولم يشهد واستدل مالك والشافعي بأن اللقطة وديعة فلا ينقلها ترك الإشهاد من الأمانة إلى الضمان قالوا وهي وديعة بما جاء من حديث سليمان بن بلال وغيره أنه قال إن جاء صاحبها وإلا فلتكن وديعة عندك واستدل أبو حنيفة وزفر بحديث مطرف بن الشخير عن عياض بن حمار قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من التقط لقطة فليشهد ذوي عدل عليها ولا يكتم ولا يعنت فإن جاء صاحبها فهو أحق بها وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء وتحصيل المذهب في ذلك أن واجد اللقطة عند مالك لا يخلو التقاطه لها من ثلاثة أوجه أحدها أن يأخذها على جهة الاغتيال لها والثاني أن يأخذها على جهة الالتقاط والثالث أن يأخذها لا على جهة الالتقاط ولا على جهة الاغتيال فإن أخذها على جهة الالتقاط فهي أمانة عنده عليه حفظها وتعريفها فإن ردها بعد أن التقطها فقال ابن القاسم يضمن وقال أشهب لا يضمن إذا ردها في موضعها فإن ردها في غير موضعها ضمن كالوديعة والقول قوله في تلفها دون يمين إلا أن يتهم وأما إذا قبضها مغتالا لها فهو ضامن لها ولكن لا يعرف هذا الوجه إلا من قبله وأما الوجه الثالث فهو مثل أن يجد ثوبا فيأخذه وهو يظنه لقوم بين يديه ليسألهم عنه فهذا إن لم يعرفوه ولا ادعوه كان له أن يرده حيث وجده ولا ضمان عليه باتفاق عند أصحاب مالك وتتعلق بهذا الباب مسألة اختلف العلماء فيها وهو العبد يستهلك اللقطة فقال مالك إنها في رقبته إما إن يسلمه سيده فيها وإما أن يفديه بقيمتها هذا إذا كان استهلاكه قبل الحول فإن استهلكها بعد الحول كانت دينا عليه ولم تكن في رقبته وقال الشافعي إن علم بذلك السيد فهو الضامن وإن لم يعلم بها السيد كانت في رقبة العبد واختلفوا هل يرجع الملتقط بما أنفق على اللقطة على صاحبها أم لا فقال الجمهور ملتقط اللقطة متطوع بحفظها فلا يرجع بشيء من ذلك على صاحب اللقطة وقال الكوفيون لا يرجع بما أنفق إلا أن تكون النفقة عن إذن الحاكم وهذه المسألة هي من أحكام الالتقاط وهذا القدر كاف بحسب غرضنا في هذا الباب باب في اللقيط والنظر في أحكام الالتقاط وفي الملتقط واللقيط وفي أحكامه وقال الشافعي كل شيء ضائع لا كافل له فالتقاطه من فروض الكفايات وفي وجوب الإشهاد عليه خيفة الاسترقاق خلاف والخلاف فيه مبني على الاختلاف في الإشهاد على اللقطة واللقيط هو الصبي الصغير غير البالغ وإن كان مميزا ففيه في مذهب الشافعي تردد والملتقط هو كل حر عدل رشيد وليس العبد والمكاتب بملتقط والكافر دون المسلم لأنه لا ولاية له عليه ويلتقط المسلم الكافر وينزع من يد الفاسق والمبذر وليس من شرط الملتقط الغنى ولا تلزم نفقة الملتقط على من التقطه وإن أنفق لم يرجع عليه بشيء وأما أحكامه فإنه يحكم له بحكم الإسلام إن التقطه في دار المسلمين ويحكم للطفل بالإسلام بحكم أبيه عند مالك وعند الشافعي بحكم من أسلم منهما وبه قال ابن وهب من أصحاب مالك وقد اختلف في اللقيط فقيل إنه عبد لمن التقطه وقيل إنه حر وولاؤه لمن التقطه وقيل إنه حر وولاؤه للمسلمين وهو مذهب مالك والذي تشهد له الأصول إلا أن يثبت في ذلك أثر تخصص به الأصول مثل قوله عليه الصلاة والسلام ترث المرأة ثلاثة لقيطها وعتيقها وولدها الذي لاعنت عليه كتاب الوديعة
وجل المسائل المشهورة بين فقهاء الأمصار هي في أحكام الوديعة فمنها أنهم اتفقوا على أنها أمانة لا مضمونة إلا ما حكي عن عمر بن الخطاب قال المالكيون والدليل على أنها أمانة أن الله أمر برد الأمانات ولم يأمر بالإشهاد فوجب أن يصدق المستودع في دعواه رد الوديعة مع يمينه إن كذبه المودع قالوا إلا أن يدفعها إليه ببينة فإنه لا يكون القول قوله قالوا لأنه إذا دفعها إليه ببينة فكأنه ائتمنه على حفظها ولم يأتمنه على ردها فيصدق في تلفها ولا يصدق على ردها هذا هو المشهور عن مالك وأصحابه وقد قيل عن ابن القاسم إن القول قوله وإن دفعها إليه ببينة وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وهو القياس لأنه فرق بين التلف ودعوى الرد ويبعد أن تنتقض الأمانة وهذا فيمن دفع الأمانة إلى اليد التي دفعتها إليه وأما من دفعها إلى غير اليد التي دفعتها إليه فعليه ما على ولي اليتيم من الإشهاد عند مالك وإلا ضمن يريد قول الله عز وجل فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم فإن أنكر القابض القبض فلا يصدق المستودع في الدفع عند مالك وأصحابه إلا ببينة وقد قيل إنه يتخرج من المذهب أنه يصدق في ذلك وسواء عند مالك أمر صاحب الوديعة بدفعها إلى الذي دفعها أو لم يأمر وقال أبو حنيفة إن كان ادعى دفعها إلى أمره بدفعها فالقول قول المستودع مع يمينه فإن أقر المدفوع إليه بالوديعة أعني إذا كان غير المودع وادع التلف فلا يخلو أن يكون المستودع دفعها إلى أمانة وهو وكيل المستودع أو إلى ذمة فإن كان القابض أمينا فاختلف في ذلك قول ابن القاسم فقال مره يبرأ الدافع بتصديق القابض وتكون المصيبة من الآمر الوكيل بالقبض ومرة قال لا يبرأ الدافع إلا بإقامة البينة على الدفع أو يأتي القابض بالمال وأما إن دفع إلى ذمة مثل أن يقول رجل للذي عنده الوديعة ادفعها إلي سلفا أو تسلفا في سلعة أو ما أشبه ذلك فإن كانت الذمة قائمة برىء الدافع في المذهب من غير خلاف وإن كانت الذمة خربة فقولان والسبب في هذا الاختلاف كله أن الأمانة تقوي دعوى المدعي حتى يكون القول قوله مع يمينه فمن شبه أمانة الذي أمره المودع أن يدفعها إليه أعني الوكيل بأمانة المودع عنده قال يكون القول قوله في دعواه التلف كدعوى المستودع عنده ومن رأى أن تلك الأمانة أضعف قال لا يبرأ الدافع بتصديق القابض مع دعوى التلف ومن رأى المأمور بمنزله الآمر قال القول قول الدافع للمأمور كما كان القول قوله مع الآمر وهو مذهب أبي حنيفة ومن رأى أنه أضعف منه قال الدافع ضامن إلا أن يحضر القابض المال وإذا أودعها بشرط الضمان فالجمهور على أنه لا يضمن وقال الغير يضمن وبالجملة فالفقهاء يرون بأجمعهم أنه لا ضمان على صاحب الوديعه إلا أن يتعدى ويختلفون في أشياء هل هي تعد أم ليس بتعد فمن مسائلهم المشهورة في هذا الباب إذا أنفق الوديعة ثم رد مثلها أو أخرجها لنفقته ثم ردها فقال مالك يسقط عنه الضمان بحالة مثل إذا ردها وقال أبو حنيفة إن ردها بعينها قبل أن ينفقها لم يضمن وإن رد مثلها ضمن وقال عبد الملك والشافعي يضمن في الوجهين جميعا فمن غلظ الأمر ضمنه إياها بتحريكها ونية استنفاقها ومن رخص لم يضمنها إذا أعاد مثلها ومنها اختلافهم في السفر بها فقال مالك ليس له أن يسافر بها إلا أن تعطى له في سفر وقال أبو حنيفة له أن يسافر بها إذا كان الطريق آمنا ولم ينهه صاحب الوديعة ومنها أنه ليس للمودع عنده أن يودع الوديعة غيره من غير عذر فإن فعل ضمن وقال أبو حنيفة إن أودعها عند من تلزمه نفقته لم يضمن لأنه شبهه بأهل بيته وعند مالك له أن يستودع ما أودع عند عياله الذين يأمنهم وهم تحت غلقه من زوج أو ولد أو أمة ومن أشبههم
وبالجملة فعند الجميع أنه يجب عليه أن يحفظها مما جرت به عادة الناس أن تحفظ أموالهم فما كان بينا من ذلك أنه حفظ اتفق عليه وما كان غير بين أنه حفظ اختلف فيه مثل اختلافهم في المذهب فيمن جعل وديعة في جيبه فذهبت والأشهر أنه يضمن وعند ابن وهب أن من أودع وديعة في المسجد فجعلها على نعله فذهبت أنه لا ضمان عليه ويختلف في المذهب ضمانها بالنسيان مثل أن ينساها في موضع أو ينسى من دفعها إليه أو يدعيها رجلان فقيل يحلفان وتقسم بينهما وقيل إنه يضمن لكل واحد منهما وإذا أراد السفر فله عند مالك أن يودعها عند ثقة من أهل البلد ولا ضمان عليه قدر على دفعها إلى الحاكم أو لم يقدر واختلف في ذلك أصحاب الشافعي فمنهم من يقول إن أودعها لغير الحاكم ضمن وقبول الوديعة عند مالك لا يجب في حال ومن العلماء من يرى أنه واجب إذا لم يجد المودع من يودعها عنده ولا أجر للمودع عنده على حفظ الوديعة وما تحتاج إليه من مسكن أو نفقة فعلى ربها واختلفوا من هذا الباب في فرع مشهور وهو فيمن أودع مالا فتعدى فيه واتجر به فربح فيه هل ذلك الربح حلال له أم لا فقال مالك والليث وأبو يوسف وجماعة إذا رد المال طاب له الربح وإن كان غاصبا للمال فضلا عن أن يكون مستودعا عنده وقال أبو حنيفة وزفر ومحمد بن الحسن يؤدي الأصل ويتصدق بالربح وقال قوم لرب الوديعة الأصل والربح وقال قوم هو مخير بين الأصل والربح وقال قوم البيع الواقع في تلك التجارة فاسد وهؤلاء هم الذين أوجبوا التصدق بالربح إذا مات فمن اعتبر التصرف قال الربح للمتصرف ومن اعتبر الأصل قال الربح لصاحب المال ولذلك لما أمر عمر رضي الله عنه ابنيه عبد الله وعبيد الله أن يصرفا المال الذي أسلفهما وأبو موسى الأشعري من بيت المال فاتجرا فيه فربحا قيل له لو جعلته قراضا فأجاب إلى ذلك لأنه قد روي أنه قد حصل للعامل جزء ولصاحب المال جزء وأن ذلك عدل كتاب العارية والنظر في العارية في أركانها وأحكامها وأركانها خمسة الإعارة والمعير والمستعير والمعار والصيغة أما الإعارة فهي فعل خير ومندوب إليه وقد شدد فيها قوم من السلف الأول روي عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود أنهما قالا في قوله تعالى ويمنعون الماعون أنه متاع البيت الذي يتعاطاه الناس بينهم من الفأس والدلو والحبل والقدر وما أشبه ذلك وأما المعير فلا يعتبر فيه إلا كونه مالكا للعارية إما لرقبتها وإما لمنفعتها والأظهر أنها لا تصلح من المستعير أعني أن يعيرها وأما العارية فتكون في الدور واورضين والحيوان وجميع ما يعرف بعينه إذا كانت منفعته مباحة الاستعمال ولذلك لا تجوز إباحة الجواري للاستمتاع ويكره للاستخدام إلا أن تكون ذات محرم وأما صيغة الإعارة فهي كل لفظ يدل على الإذن وهي عقد جائز عند الشافعي وأبي حنيفة أي للمعير أن يسترد عاريته إذا شاء وقال مالك في المشهور ليس له استرجاعها قبل الانتفاع وإن شرط مدة لزمته من المدة ما يرى الناس أنه مدة لمثل تلك العارية وسبب الخلاف ما يوجد فيها من شبه العقود اللازمة وغير اللازمة وأما الأحكام فكثيرة وأشهرها هل هي مضمونة أو أمانة فمنهم من قال إنها مضمونة وإن قامت البينة على تلفها وهو قول أشهب والشافعي وأحد قولي مالك ومنهم من قال نقيض هذا وهو أنها ليست مضمونة أصلا وهو قول أبي حنيفة ومنهم من قال يضمن فيما يغاب عليه إذا لم يكن على التلف بينة ولا يضمن فيما لا يغاب عليه ولا فيما قامت البينة على تلفه وهو مذهب مالك المشهور وابن القاسم وأكثر أصحابه
وسبب الخلاف تعارض الآثار في ذلك وذلك أنه ورد في الحديث الثابت أنه قال عليه الصلاة والسلام لصفوان بن أمية بل عارية مضمونة مؤداة وفي بعضها بل عارية مؤداة وروي عنه أنه قال ليس على المستعير ضمان فمن رجح وأخذ بهذا أسقط الضمان عنه ومن أخذ بحديث صفوان بن أمية ألزمه الضمان ومن ذهب مذهب الجمع فرق بين ما يغاب عليه وبين ما لا يغاب عليه فحمل هذا الضمان على ما يغاب عليه والحديث الآخر على ما لا يغاب عليه إلا أن الحديث الذي فيه ليس على المستعير ضمان غير مشهور وحديث صفوان صحيح ومن لم ير الضمان شبهها بالوديعة ومن فرق قال الوديعة مقبوضة لمنفعة الدافع والعارية لمنفعة القابض واتفقوا في الإجارة على أنها غير مضمونة أعني الشافعي وأبا حنيفة ومالكا ويلزم الشافعي إذا سلم أنه لا ضمان عليه في الإجارة أن لا يكون ضمان في العارية إن سلم أن سبب الضمان هو الانتفاع لأنه إذا لم يضمن حيث قبض لمنفعتهما فأحرى أن لا يضمن حيث قبض لمنفعته إذا كانت منفعة الدافع مؤثرة في إسقاط الضمان واختلفوا إذا شرط الضمان فقال قوم يضمن وقال قوم لا يضمن والشرط باطل ويجيء على قول مالك إذا اشترط الضمان في الموضع الذي لا يجب فيه عليه الضمان أن يلزم إجارة المثل في استعماله العارية لأن الشرط يخرج العارية عن حكم العارية إلى باب الإجارة الفاسدة إذا كان صاحبها لم يرض أن يعير إلا بأن يخرجها في ضمانه فهو عوض مجهول فيجب أن يرد إلى معلوم واختلف عن مالك والشافعي إذا غرس المستعير وبنى ثم انقضت المدة التي استعار إليها فقال مالك المالك بالخيار وإن شاء أخذ المستعير بقلع غراسته وبنائه وإن شاء أعطاه قيمته مقلوعا إذا كان مما له قيمة بعد القلع وسواء عند مالك انقضت المدة المحدودة بالشرط أو بالعرف أو العادة وقال الشافعي إذا لم يشترط عليه القلع فليس له مطالبته بالقلع بل يخير المعير بأن يبقيه بأجر يعطاه أو ينقض بأرش أو يتملك ببدل فأيها أراد المعير أجبر عليه المستعير فإن أبى كلف تفريغ الملك وفي جواز بيعه للنقض عنده خلاف لأنه معرض للنقض فرأى الشافعي أخذه المستعير بالقلع دون أرش هوظلم ورأى مالك أن عليه إخلاء المحل وأن العرف في ذلك يتنزل منزلة الشروط وعند مالك أنه إن استعمل العارية استعمالا ينقصها عن استعمال المأذون فيه ضمن ما نقصها بالاستعمال واختلفوا من هذا الباب في الرجل يسأل جاره أن يعيره جداره ليغرز فيه خشبة لمنفعته ولا تضر صاحب الجدار وبالجملة في كل ما ينتفع به المستعير ولا ضرر على المعير فيه فقال مالك وأبو حنيفة لا يقضى عليه به إذ العارية لا يقضى بها وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور وداود وجماعة أهل الحديث يقضى بذلك وحجتهم ما خرجه مالك عن ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره ثم يقول أبو هريرة ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافهم واحتجوا أيضا بما رواه مالك عن عمر بن الخطاب أن الضحاك بن قيس ) ساق خليجا له من العريض فأرادوا أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة فأبى محمد فقال له الضحاك أنت تمنعني وهو لك منفعة تسقي منه أولا وآخرا ولا يضرك فأبى محمد فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب فدعا عمر محمد بن مسلمة فأمره أن يخلي سبيله قال محمد لا فقال عمر لا تمنع أخاك ما ينفعه ولا يضرك فقال محمد لا فقال عمر والله ليمرن به ولو على بطنك فأمره عمر أن يمر به ففعل الضحاك وكذلك حديث عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أنه قال كان في حائط جدي ربيع لعبد الرحمن بن عوف فأراد أن يحوله إلى ناحية من الحائط فمنعه صاحب الحائط فكلم عمر بن الخطاب فقضى لعبد الرحمن بن عوف بتحويله
وقد عذل الشافعي مالكا لإدخاله هذه الأحاديث في موطئه وتركه الأخذ بها وعمدة مالك وأبي حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس منه وعند الغير أن عموم هذا مخصص بهذه الأحاديث وبخاصة حديث أبي هريرة وعند مالك أنها محمولة على الندب وأنه إذا أمكن أن تكون مختصة وأن تكون على الندب فحملها على الندب أولى لأن بناء العام على الخاص إنما يجب إذا لم يمكن بينهما جمع ووقع التعارض وروى أصبغ عن ابن القاسم أنه لا يؤخذ بقضاء عمر على محمد بن مسلمة في الخليج ويؤخذ بقضائه لعبد الرحمن بن عوف في تحويل الربيع وذلك أنه رأى أن تحويل الربيع أيسر من أن يمر عليه بطريق لم يكن قبل وهذا القدر كاف بحسب غرضنا كتاب الغصب وفيه بابان الأول في الضمان وفيه ثلاثة أركان الأول الموجب للضمان والثاني ما فيه الضمان والثالث الواجب وأما الباب الثاني فهو في الطوارىء على المغصوب الباب الاول في الضمان الركن الأول وأما الموجب للضمان فهو إما المباشرة لأخذ المال المغصوب أو لإتلافه وإما المباشرة للسبب المتلف وإما إثبات اليد عليه واختلفوا في السبب الذي يحصل بمباشرته الضمان إذا تناول التلف بواسطة سبب آخر هل يحصل به ضمان أم لا وذلك مثل أن يفتح قفصا فيه طائر فيطير بعد الفتح فقال مالك يضمنه هاجه على الطيران أو لم يهجه وقال أبو حنيفة لا يضمن على حال وفرق الشافعي بين أن يهيجه على الطيران أو لا يهيجه فقال يضمن إن هاجه ولا يضمن إن لم يهجه ومن هذا من حفر بئرا فسقط فيه شيء فهلك فمالك والشافعي يقولان إن حفرة بحيث إن يكون حفره تعديا ضمن ما تلف فيه وإلا لم يضمن ويجيء على أصل أبي حنيفة أنه لا يضمن في مسألة الطائر وهل يشترط في المباشرة العمد أو لا يشترط فالأشهر أن الأموال تضمن عمدا وخطأ وإن كانوا قد اختلفوا في مسائل جزئية من هذا الباب وهل يشترط فيه أن يكون مختارا فالمعلوم عند الشافعي أنه يشترط أن يكون مختارا ولذلك رأى على المكره الضمان أعني المكره على الإتلاف الركن الثاني وأما ما يجب فيه الضمان فهو كل مال أتلفت عينه أو تلفت عند الغاصب عينه بأمر من السماء أو سلطت اليد عليه وتملك وذلك فيما ينقل ويحول باتفاق واختلفوا فيما لا ينقل ولا يحول مثل العقار فقال الجمهور إنها تضمن بالغصب أعني أنها إن انهدمت الدار ضمن قيمتها وقال أبو حنيفة لا يضمن الركن الثالث وهو الواجب في الغصب والواجب على الغاصب إن كان المال قائما عنده بعينه لم تدخله زيادة ولا نقصان أن يرده بعينه وهذا لا اختلاف فيه فإذا ذهبت عينه فإنهم اتفقوا على أنه إذا كان مكيلا أو موزونا أن على الغاصب المثل أعني مثل ما استهلك صفة ووزنا واختلفوا في العروض فقال مالك لا يقضي في العروض من الحيوان وغيره إلا بالقيمة يوم استهلك وقال الشافعي وأبو حنيفة وداود الواجب في ذلك المثل ولا تلزم القيمة إلا عند عدم المثل وعمدة مالك حديث أبي هريرة المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم من أعتق شقصا له في عبد قوم عليه الباقي قيمة العدل الحديث ووجه الدليل منه أنه لم يلزمه المثل وألزمه القيمة
وعمدة الطائفة الثانية قوله تعالى فجزاء مثل ما قتل من النعم ولأن منفعة الشيء قد تكون هي المقصودة عند المتعدى عليه ومن الحجة لهم ما خرجه أبو داود من حديث أنس وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين جارية بقصعة لها فيها طعام قال فضربت بيدها فكسرت القصعة فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى وجعل فيها جميع الطعام وهو يقول غارت أمكم كلوا كلوا حتى جاءت قصعتها التي في بيتها وحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم القصعة حتى فرغوا فدفع الصفحة الصحيحة إلى الرسول وحبس المكسورة في بيته وفي حديث آخر أن عائشة كانت هي التي غارت وكسرت الإناء وأنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كفارة ما صنعت قال إناء مثل إناء وطعام مثل طعام الباب الثاني في الطوارىء والطوارىء على المغصوب إما بزيادة وإما بنقصان وهذان إما من قبل المخلوق وإما من قبل الخالق فأما النقصان الذي يكون بأمر من السماء فإنه ليس له إلا أن يأخذه ناقصا أو يضمنه قيمته يوم الغصب وقيل إن له أن يأخذه ويضمن الغاصب قيمة العيب وأما إن كان النقص بجناية الغاصب فالمغصوب مخير في المذهب بين أن يضمنه القيمة يوم الغصب أو يأخذه وما نقصته الجناية يوم الجناية عند ابن القاسم وعند سحنون ما نقصته الجناية يوم الغصب وذهب أشهب إلى أنه مخير بين أن يضمنه القيمة أو يأخذه ناقصا ولا شيء له في الجناية كالذي يصاب بأمر من السماء وإليه ذهب ابن المواز والسبب في هذا الاختلاف أن من جعل المغصوب مضمونا على الغاصب بالقيمة يوم الغصب جعل ما حدث فيه من نماء أو نقصان كأنه حدث في ملك صحيح فأوجب له الغلة ولم يوجب عليه في النقصان شيئا سواء أكان من سببه أو من عند الله وهو قياس قول أبي حنيفة وبالجملة فقياس قول من يضمنه قيمته يوم الغصب فقط ومن جعل المغصوب مضمونا على الغاصب بقيمته في كل أوان كانت يده عليه آخذه بأرفع القيم وأوجب عليه رد الغلة وضمان النقصان سواء أكان من فعله أو من عند الله وهو قول الشافعي أو قياس قوله ومن فرق بين الجناية التي تكون من الغاصب وبين الجناية التي تكون بأمر من السماء وهو مشهور مذهب مالك وابن القاسم فعمدته قياس الشبه لأنه رأى أن جناية الغاصب على الشيء الذي غصبه هو غصب ثان متكرر منه كما لو جنى عليه وهو في ملك صاحبه فهذا هو نكتة الاختلاف في هذا الباب فقف عليه وأما إن كانت الجناية عند الغاصب من غير فعل الغاصب فالمغصوب مخير بين أن يضمن الغاصب القيمة يوم الغصب ويتبع الغاصب الجاني وبين أن يترك الغاصب ويتبع الجاني بحكم الجنايات فهذا حكم الجنايات على العين في يد الغاصب وأما الجناية على العين من غير أن يغصبها غاصب فإنها تنقسم عند مالك إلى قسمين جناية تبطل يسيرا من المنفعة والمقصود من الشيء باق فهذا يجب فيه ما نقص يوم الجناية وذلك بأن يقوم صحيحا ويقوم بالجناية فيعطى ما بين القيمتين وأما إن كانت الجناية مما تبطل الغرض المقصود فإن صاحبه يكون مخيرا إن شاء أسلمه للجاني وأخذ قيمته وإن شاء أخذ قيمة الجناية وقال الشافعي وأبو حنيفة ليس له إلا قيمة الجناية وسبب الاختلاف الالتفات إلى الحمل على الغاصب وتشبيه إتلاف أكثر المنفعة بإتلاف العين وأما النماء فإنه على قسمين أحدهما أن يكون بفعل الله كالصغير يكبر والمهزول يسمن والعيب يذهب والثاني أن يكون مما أحدثه الغاصب فأما الأول فإنه ليس يفوت وأما النماء بما أحدثه الغاصب في الشيء المغصوب فإنه ينقسم فيما رواه ابن القاسم عن مالك إلى قسمين أحدهما أن يكون قد جعل فيه من ماله ما له عين قائمة كالصبغ في الثوب والنقش في البناء وما أشبه ذلك والثاني أن لا يكون قد جعل فيه من ماله سوى العمل كالخياطة والنسج وطحن الحنطة والخشبة يعمل منها توابيت
فأما الوجه الأول وهو أن يجعل فيه من ماله ما له عين قائمة فإنه ينقسم إلى قسمين أحدهما أن يكون ذلك الشيء مما يمكنه إعادته على حاله كالبقعة يبنيها وما أشبه ذلك والثاني أن لا يقدر على إعادته كالثوب يصبغه والسويق يلته فأما الوجه الأول فالمغصوب منه مخير بين أن يأمر الغاصب بإعادة البقعة على حالها وإزالة ما له فيها مما جعله من نقيض أو غيره وبين أن يعطي الغاصب قيمة ماله فيها من النقض مقلوعا بعد حط أجر القلع وهذا إن كان الغاصب ممن لا يتولى ذلك بنفسه ولا بغيره وإنما يستأجر عليه وقيل إنه لا يحط من ذلك أجر القلع هذا إن كانت له قيمة وأما إن لم تكن له قيمة لم يكن للغاصب على المغصوب فيه شيء لأن من حق المغصوب أن يعيد له الغاصب ما غصب منه على هيئته فإن لم يطالبه بذلك لم يكن له مقال وأما الوجه الثاني فهو فيه مخير بين أن يدفع قيمة الصبغ وما أشبه ويأخذ ثوبه وبين أن يضمنه قيمة الثوب يوم غصبه إلا في السويق الذي يلته في السمن وما أشبه ذلك من الطعام فلا يخير فيه لما يدخله من الربا ويكون ذلك فوتا يلزم الغاصب فيه المثل أو القيمة فيما لا مثل له وأما الوجه الثاني من التقسيم الأول وهو أن لا يكون أحدث الغاصب فيما أحدثه في الشيء المغصوب سوى العمل فإن ذلك أيضا ينقسم قسمين أحدهما أن يكون ذلك يسيرا لا ينتقل به الشيء عن اسمه بمنزلة الخياطة في الثوب أو الرفولة والثاني أن يكون العمل كثيرا ينتقل به الشيء المغصوب عن اسمه كالخشبة يعمل منها تابوتا والقمح يطحنه والغزل ينسجه والفضة يصوغها حليا أو دراهم فأما الوجه الأول فلا حق فيه للغاصب ويأخذ المغصوب منه الشيء المغصوب معمولا وأما الوجه الثاني فهو فوت يلزم الغاصب قيمة الشيء يوم غصبه أو مثله فيما له مثل هذا تفصيل مذهب ابن القاسم في هذا المعنى وأشهب يجعل ذلك كله للمغصوب أصله مسألة البنيان فيقول إنه لا حق للغاصب فيما لا يقدر على أخذه من الصبغ والرفولة والنسج والدباغ والطحين وقد روي عن ابن عباس أن الصبغ تفويت يلزم الغاصب فيه القيمة يوم الغصب وقد قيل إنهما يكونان شريكين هذا بقيمة الصبغ وهذا بقيمة الثوب إن أبى رب الثوب أن يدفع قيمة الصبغ وإن أبى الغاصب أن يدفع قيمة الثوب وهذا القول أنكره ابن القاسم في المدونة في كتاب اللقطة وقال إن الشركة لا تكون إلا فيما كان بوجه شبهة جلية وقول الشافعي في الصبغ مثل قول ابن القاسم إلا أنه يجيز الشركة بينهما ويقول إنه يؤمر الغاصب بقلب الصبغ إن أمكنه وإن نقص الثوب ويضمن للمغصوب مقدار النقصان وأصول الشرع تقتضي أن لا يستحل مال الغاصب من أجل غصبه وسواء أكان منفعة أو عينا إلا أن يحتج محتج بقوله عليه الصلاة والسلام ليس لعرق ظالم حق لكن هذا مجمل ومفهومه الأول أنه ليس له منفعة متولدة بين ماله وبين الشيء الذي غصبه أعني ماله المتعلق بالمغصوب فهذا هو حكم الواجب في غير المغصوب تغير أو لم يتغير وأما حكم غلته فاختلف في ذلك في المذهب على قولين أحدهما أن حكم الغلة حكم الشيء المغصوب والثاني أن حكمها بخلاف الشيء المغصوب فمن ذهب إلى أن حكمها حكم الشيء المغصوب وبه قال أشهب من أصحاب مالك يقول إنما تلزمه الغلة يوم قبضها أو أكثر مما انتهت إليه قيمتها على قول من يرى أن الغاصب يلزمه أرفع القيم من يوم غصبها لا قيمة الشيء المغصوب يوم الغصب وأما الذين ذهبوا إلى أن حكم الغلة بخلاف حكم الشيء المغصوب فاختلفوا في حكمها اختلافا كثيرا بعد اتفاقهم على أنها إن تلفت ببينة أنه لا ضمان على الغاصب وإنه إن ادعى تلفها لم يصدق وأن كان مما لا يغلب عليه
وتحصيل مذهب هؤلاء في حكم الغلة هو أن الغلال تنقسم إلى ثلاثة أقسام أحدها غلة متولدة عن الشيء المغصوب على نوعه وخلقته وهو الولد وغلة متولدة عن الشيء لا على صورته وهو مثل الثمر ولبن الماشية وجبنها وصوفها وغلال غير متولدة بل هي منافع وهي الأكرية والخراجات وما أشبه ذلك فأما ما كان على خلقته وصورته فلا خلاف أعلمه أن الغاصب يرده كالولد مع الأم المغصوبة وإن كان ولد الغاصب وإنما اختلفوا في ذلك إذا ماتت الأم فقال مالك هو مخير بين الولد وقيمة الأم وقال الشافعي بل يرد الولد وقيمة الأم وهو القياس وأما إن كان متولدا على غير خلقة الأصل وصورته ففيه قولان أحدهما أن للغاصب ذلك المتولد والثاني أنه يلزمه رده مع الشيء المغصوب إن كان قائما أو قيمتها إن ادعى تلفها ولم يعرف ذلك إلا من قوله فإن تلف الشيء المغصوب كان مخيرا بين أن يضمنه بقيمته ولا شيء له في الغلة وبين أن يأخده بالغلة ولا شيء له من القيمة وأما ما كان غير متولد فاختلفوا فيه على خمسة أقوال أحدها أنه لا يلزمه رده جملة من غير تفصيل والثاني أنه يلزمه رده من غير تفصيل أيضا والثالث أنه يلزمه الرد إن أكرى ولا يلزمه الرد إن انتفع أو عطل والرابع يلزمه إن أكرى أو انتفع ولا يلزمه إن عطل والخامس الفرق بين الحيوان والأصول أعني أنه يرد قيمة منافع الأصول ولا يرد قيمة منافع الحيوان وهذا كله فيما اغتل من العين المغصوبة مع عينها وقيامها وأما ما اغتل منها بتصريفها وتحويل عينها كالدنانير فيغتصبها فيتجر بها فيربح فالغلة له قولا واحدا في المذهب وقال قوم الربح للمغصوب وهذا أيضا إذا قصد غصب الأصل وأما إذا قصد غصب الغلة دون الأصل فهو ضامن للغلة بإطلاق ولا خلاف في ذلك سواء عطل أو انتفع أو أكرى كان مما يزال به أو بما لا يزال به وقال أبو حنيفة إنه من تعدى على دابة رجل فركبها أو حمل عليها فلا كراء عليه في ركوبه إياها ولا في حمله لأنه ضامن لها إن تلفت في تعديه وهذا قوله في كل ما ينقل ويحول فإنه لما رأى أنه قد ضمنه بالتعدي وصار في ذمته جازت له المنفعة كما تقول المالكية فيما اتجر به من المال المغصوب وإن كان الفرق بينهما أن الذي اتجر به تحولت عينه وهذا لم تتحول عينه وسبب اختلافهم في هل يرد الغاصب الغلة أو لا يردها اختلافهم في تعميم قوله عليه الصلاة والسلام الخراج بالضمان وقوله عليه الصلاة والسلام ليس لعرق ظالم حق وذلك أن قوله عليه الصلاة والسلام هذا خرج على سبب وهو في غلام قيم فيه بعيب فأراد الذي صرف عليه أن يرد المشتري غلته وإذا خرج العام على سبب هل يقصر على سببه أم يحمل على عمومه فيه خلاف فقهاء الأمصار مشهور فمن قصر ههنا هذا الحكم على سببه قال إنما تجب الغلة من قبل الضمان فيما صار إلى الإنسان بشبهة مثل أن يشتري شيئا فيستغله فيستحق منه وأما ما صار إليه بغير وجه شبهة فلا تجوز له الغلة لأنه ظالم وليس لعرق ظالم حق فعمم هذا الحديث في الأصل والغلة أعني عموم هذا الحديث وخصص الثاني وأما من عكس الأمر فعمم قوله عليه الصلاة والسلام الخراج بالضمان على أكثر من السبب الذي خرج عليه وخصص قوله عليه الصلاة والسلام ليس لعرق ظالم حق بأن جعل ذلك في الرقبة دون الغلة قال لا يرد الغلة الغاصب وأما من المعنى كما تقدم من قولنا فالقياس أن تجري المنافع والأعيان المتولدة مجرى واحدا وأن يعتبر التضمن أو لا يعتبر وأما سائر الأقاويل التي بين هذين فهي استحسان
وأجمع العلماء على أن من اغترس نخلا أو ثمرا بالجملة وبنيانا في غير أرضه أنه يؤمر بالقلع لما ثبت من حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق والعرق الظالم عندهم هو ما اغترس في أرض الغير وروى أبو داود في هذا الحديث زيادة قال عروة ولقد حدثني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر فقضى لصاحب الأرض بأرضه وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها قال فلقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفؤوس وإنها لنخل عم حتى أخرجت منها إلا ما روي في المشهور عن مالك أن من زرع زرعا في أرض غيره وفات أوان زراعته لم يكن لصاحب الأرض أن يقلع زرعه وكان على الزارع كراء الأرض وقد روي عنه ما يشبه قياس قول الجمهور وعلى قوله إن كل ما لا ينتفع الغاصب به إذا قلعه وأزاله أنه للمغصوب يكون الزرع على هذا للزارع وفرق قوم بين الزرع والثمار فقالوا الزارع في أرض غيره له نفقته وزريعته وهو قول كثير من أهل المدينة وبه قال أبو عبيد وروي عن رافع بن خديج أنه قال عليه الصلاة والسلام من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فله نفقته وليس له من الزرع شيء واختلف العلماء في القضاء فيما أفسدته المواشي والدواب على أربعة أقوال أحدها أن كل دابة مرسلة فصاحبها ضامن لما أفسدته والثاني أن لا ضمان عليه والثالث أن الضمان على أرباب البهائم بالليل ولا ضمان عليهم فيما أفسدته بالنهار والرابع وجوب الضمان في غير المنفلت ولا ضمان في المنفلت وممن قال يضمن بالليل ولا يضمن بالنهار مالك والشافعي وبأن لا ضمان عليهم أصلا قال أبو حنيفة وأصحابه وبالضمان بإطلاق قال الليث إلا أن الليث قال لا يضمن أكثر من قيمة الماشية والقول الرابع مروي عن عمر رضي الله عنه فعمدة مالك والشافعي في هذا الباب شيئان أحدهما قوله تعالى وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم والنفش عند أهل اللغة لا يكون إلا بالليل وهذا الاحتجاج على مذهب من يرى أنا مخاطبون بشرع من قبلنا والثاني مرسله عن ابن شهاب أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط قوم فأفسدت فيه فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط بالنهار حفظها وأن ما أفسدته المواشي بالليل ضامن على أهلها أي مضمون وعمدة أبي حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام العجماء جرحها جبار وقال الطحاوي وتحقيق مذهب أبي حنيفة أنه لا يضمن إذا أرسلها محفوظة فأما إذا لم يرسلها محفوظة فيضمن والمالكية تقول من شرط قولنا أن تكون الغنم في المسرح وأما إذا كانت في أرض مزرعة لا مسرح فيها فهم يضمنون ليلا ونهارا وعمدة من رأى الضمان فيما أفسدت ليلا ونهارا شهادة الأصول له وذلك أنه تعد من المرسل والأصول على أن على المعتدي الضمان ووجه من فرق بين المنفلت وغير المنفلت بين فإن المنفلت لا يملك فسبب الخلاف في هذا الباب معارضة الأصل للسمع ومعارضة السماع بعضه لبعض أعني أن الأصل يعارض جرح العجماء جبار ويعارض أيضا التفرقة التي في حديث البراء وكذلك التفرقة التي في حديث البراء تعارض أيضا قوله جرح العجماء جبار ومن مسائل هذا الباب المشهورة اختلافهم في حكم ما يصاب من أعضاء الحيوان فروي عن عمر بن الخطاب أنه قضى في عين الدابة بربع ثمنها وكتب إلى شريح فأمره بذلك وبه قال الكوفيون وقضى به عمر بن عبد العزيز وقال الشافعي ومالك يلزم فيما أصيب من البهيمة ما نقص في ثمنها قياسا على التعدي في الأموال والكوفيون اعتمدوا في ذلك على قول عمر رضي الله عنه وقالوا إذا قال الصاحب قولا ولا مخالف له من الصحابة وقوله مع هذا مخالف للقياس وجب العمل به لأنه يعلم أنه إنما صار إلى القول به من جهة التوقيف
فسبب الخلاف إذن معارضة القياس لقول الصاحب ومن هذا الباب اختلافهم في الجمل الصؤول وما أشبهه يخاف الرجل على نفسه فيقتله هل يجب عليه غرمه أم لا فقال مالك والشافعي لا غرم عليه إذا بان أنه خافه على نفسه وقال أبو حنيفة والثوري يضمن قيمته على كل حال وعمدة من لم ير الضمان القياس على من قصد رجلا فأراد قتله فدافع المقصود عن نفسه فقتل في المدافعة القاصد المتعدي أنه ليس عليه قود وإذا كان ذلك في النفس كان في المال أحرى لأن النفس أعظم حرمة من المال وقياسا أيضا على إهدار دم الصيد الحرمي إذا صال وتمسك به حذاق أصحاب الشافعي وعمدة أبي حنيفة أن الأموال تضمن بالضرورة إليها أصله المضطر إلى طعام الغير ولا حرمة للبعير من جهة ما هو ذو نفس ومن هذا الباب اختلافهم في المكرهة على الزنا هل على مكرهها مع الحد صداق أم لا فقال مالك والشافعي والليث عليه الصداق والحد جميعا وقال أبو حنيفة والثوري عليه الحد ولا صداق عليه وهو قول ابن شبرمة وعمدة مالك أنه يجب عليه حقان حق الله وحق للآدمي فلم يسقط أحدهما الآخر أصله السرقة التي يجب بها عندهم غرم المال والقطع وأما من لم يوجب الصداق فتعلق في ذلك بمعنيين أحدهما أنه إذا اجتمع حقان حق لله وحق للمخلوق سقط حق المخلوق لحق الله وهذا على رأي الكوفيين في أنه لا يجمع على السارق غرم وقطع والمعنى الثاني أن الصداق ليس مقابل البضع وإنما هو عبادة إذ كان النكاح شرعيا وإذا كان ذلك كذلك فلا صداق في النكاح الذي على غير الشرع ومن مسائلهم المشهورة في هذا الباب من غصب أسطوانة فبنى عليها بناء يساوي قائما أضعاف قيمة الأسطوانة فقال مالك والشافعي يحكم على الغاصب بالهدم ويأخذ المغصوب منه أسطوانته وقال أبو حنيفة تفوت بالقيمة كقول مالك فيمن غير المغصوب بصناعة لها قيمة كثيرة وعند الشافعي لا يفوت المغصوب بشيء من الزيادة وهنا انقضى هذا الكتاب كتاب الاستحقاق وجل النظر في هذا الكتاب هو في أحكام الاستحقاق وتحصيل أصول أحكام هذا الكتاب أن الشيء المستحق من يد إنسان بما تثبت به الأشياء في الشرع لمستحقها إذا صار إلى ذلك الإنسان الذي استحق من يده الشيء المستحق بشراء أنه لا يخلو من أن يستحق من ذلك الشيء أقله أو كله أو جله ثم إذا استحق منه كله أو جله فلا يخلو أن يكون قد تغير عند الذي هو بيده بزيادة أو نقصان أو يكون لم يتغير ثم لا يخلو أيضا أن يكون المستحق منه قد اشتراه بثمن أو مثمون فأما إن كان استحق منه أقله فإنه إنما يرجع عند مالك على الذي اشتراه منه بقيمة ما استحق من يده وليس له أن يرجع بالجملة وأما إن كان استحق كله أو جله فإن كان لم يتغير أخذه المستحق ورجع المستحق من يده على الذي اشتراه منه بثمن ما اشتراه منه وإن كان اشتراه بالمثمون رجع بالمثمون بعينه إن كان لم يتغير فإن تغير تغيرا يوجب اختلاف قيمته رجع بقيمته يوم الشراء وإن كان المال المستحق قد بيع فإن للمستحق أن يمضي البيع ويأخذ الثمن أو يأخذه بعينه فهذا حكم المستحق من يده ما لم يتغير الشيء المستحق فإن تغير الشيء المستحق فلا يخلو أن يتغير بزيادة أو نقصان فأما إن كان تغير بزيادة فلا يخلو أن يتغير بزيادة من قبل الذي استحق من يده الشيء أو بزيادة من ذات الشيء فأما الزيادة من ذات الشيء فيأخذها المستحق مثل أن تسمن الجارية أو يكبر الغلام وأما الزيادة من قبل المستحق منه فمثل أن يشتري الدار فبنى فيها فتستحق من يده فإنه مخير بين أن يدفع قيمة الزيادة ويأخذ ما استحقه وبين أن يدفع إليه المستحق من يده قيمة ما استحق أو يكونا شريكين هذا بقدر قيمة ما استحق من يده وهذا بقدر قيمة ما بنى أو غرس وهو قضاء عمر بن الخطاب
وأما إن كانت الزيادة ولادة من قبل المستحق منه مثل أن يشتري أمة فيولدها ثم تستحق منه أو يزوجها على أنها حرة فتخرج أمة فإنهم اتفقوا على أن المستحق ليس له أن يأخذ أعيان الولد واختلفوا في أخذ قيمتهم وأما الأم فقيل يأخذها بعينها وقيل يأخذ قيمتها وأما إن كان الولد بنكاح فاستحقت بعبودية فلا خلاف أن لسيدها أن يأخذها ويرجع الزوج بالصداق على من غره وإذا ألزمناه قيمة الولد لم يرجع بذلك على من غره لأن الغرر لم يتعلق بالولد وأما غلة الشيء المستحق فإنه إذا كان ضامنا بشبهة ملك فلا خلاف أن الغلة للمستحق منه وأعني بالضمان أنها تكون من خسارته إذا هلكت عنده وأما إذا كان غير ضامن مثل أن يكون وارثا فيطرأ عليه وارث آخر فيستحق بعض ما في يده فإنه يرد الغلة وأما إن كان غير ضامن إلا أنه ادعى في ذلك ثمنا مثل العبد يستحق بحرية فإنه وإن هلك عنده يرجع بالثمن ففيه قولان إنه لا يضمن إذا لم يجد على من يرجع ويضمن إذا وجد على من يرجع وأما من أي وقت تصح الغلة للمستحق فقيل يوم الحكم وقيل من يوم ثبوت الحق وقيل من يوم توقيفه وإذا قلنا إن الغلة تجب للمستحق في أحد هذه الأوقات الثلاثة فإذا كانت أصولا فيها ثمرة فأدرك هذا الوقت الثمر ولم يقطف بعده فقيل إنها للمستحق ما لم تيبس وقيل ما لم يطب ويرجع عليه بما سقى وعالج المستحق من يديه وهذا إن كان اشترى الأصول قبل الإبار وأما إن اشتراها بعد الإبار فالثمرة للمستحق عند ابن القاسم إن جذت ويرجع بالسقي والعلاج وقال أشهب هي للمستحق ما لم تجذ والأرض إذا استحقت فالكراء إنما هو للمستحق إن وقع الاستحقاق في إبان زريعة الأرض وأما إذا خرج الإبان فقد وجب كراء الأرض للمستحق منه وأما إن كان بغير نقصان فإن كان من غير سبب المستحق من يديه فلا شيء على المستحق من يديه وأما إن كان أخذ له ثمنا مثل أن يهدم الدار فيبيع نقضها ثم يستحقها من يده رجل آخر فإنه يرجع عليه بثمن ما باع من النقض قال القاضي ولم أجد في هذا الباب خلافا يعتمد عليه فيما نقلته فيه من مذهب مالك وأصحابه وهي أصولهم في هذا الباب ولكن يجيء على أصول الغير أنه إذا كان المستحق مشترى بعرض وكان العرض قد ذهب أن يرجع المستحق من يده بعرض مثله لا بقيمته وهم الذين يرون في جميع المتلفات المثل وكذلك يجيء على أصول الغير أن يرجع على المشتري إذا استحق منه قليل أو كثير لأنه لم يدخل على الباقي ولا انعقد عليه بيع ولا وقع به تراض كمل كتاب الاستحقاق بحمد الله كتاب الهبات والنظر في الهبة في أركانها وفي شروطها وفي أنواعها وفي أحكامها ونحن إنما نذكر من هذه الأجناس ما فيها من المسائل المشهورة فنقول أما الأركان فهي ثلاثة الواهب والموهوب له والهبة أما الواهب فإنهم اتفقوا على أنه تجوز هبته إذا كان مالكا للموهوب صحيح الملك وذلك إذا كان في حال الصحة وحال إطلاق اليد واختلفوا في حال المرض وفي حال السفه والفلس وأما المريض فقال الجمهور إنها في ثلثه تشبيها بالوصية أعني الهبة التامة بشروطها وقالت طائفة من السلف وجماعة أهل الظاهر إن هبته تخرج من رأس ماله إذا مات ولا خلاف بينهم أنه إذا صح من مرضه أن الهبة صحيحة
وعمدة الجمهور حديث عمران بن حصين عن النبي عليه الصلاة والسلام في الذي أعتق ستة أعبد عند موته فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتق ثلثهم وأرق الباقي وعمدة أهل الظاهر استصحاب الحال أعني حال الإجماع وذلك أنهم لما اتفقوا على جواز هبته في الصحة وجب استصحاب حكم الإجماع في المرض إلا أن يدل الدليل من كتاب أو سنة بينة والحديث عندهم محمول على الوصية والأمراض التي يحجر فيها عند الجمهور هي الأمراض المخوفة وكذلك عند مالك الحالات المخوفة مثل الكون بين الصفين وقرب الحامل من الوضع وراكب البحر المرتج وفيه اختلاف وأما الأمراض المزمنة فليس عندهم فيها تحجير وقد تقدم هذا في كتاب الحجر وأما السفهاء والمفلسون فلا خلاف عند من يقول بالحجر عليهم أن هبتهم غير ماضية وأما الموهوب فكل شيء صح ملكه واتفقوا على أن للإنسان أن يهب جميع ماله للأجنبي واختلفوا في تفضيل الرجل بعض ولده على بعض في الهبة أو في جميع ماله لبعضهم دون بعض فقال جمهور فقهاء الأمصار بكراهية ذلك له ولكن إذا وقع عندهم جاز وقال أهل الظاهر لا يجوز التفضيل فضلا عن أن يهب جميع ماله وقال مالك يجوز التفضيل ولا يجوز أن يهب بعضهم جميع المال دون بعض ودليل أهل الظاهر حديث النعمان بن بشير وهو حديث متفق على صحته وإن كان قد اختلف في ألفاظه والحديث أنه قال إن أباه بشيرا أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل ولدك نحلته مثل هذا قال لا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتجعه واتفق مالك والبخاري ومسلم على هذا اللفظ قالوا والارتجاع يقتضي بطلان الهبة وفي بعض ألفاظ روايات هذا الحديث أنه قال عليه الصلاة والسلام هذا جور وعمدة الجمهور أن الإجماع منعقد على أن للرجل أن يهب في صحته جميع ماله للأجانب دون أولاده فإن كان ذلك للأجنبي فهو للولد أحرى واحتجوا بحديث أبي بكر المشهور أنه كان نحل عائشة جذاذ عشرين وسقا من مال الغابة فلما حضرته الوفاة قال والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك ولا أعز علي فقرا بعدي منك وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا فلو كنت جذذتيه واحتزتيه كان لك وإنما هو اليوم مال وارث قالوا وذلك الحديث المراد به الندب والدليل على ذلك أن في بعض رواياته ألست تريد أن يكونوا لك في البر واللطف سواء قال نعم قال فأشهد على هذا غيري وأما مالك فإنه رأى أن النهي عن أن يهب الرجل جميع ماله لواحد من ولده هو أحرى أن يحمل على الوجوب فأوجب عنده مفهوم هذا الحديث النهي عن أن يخص الرجل بعض أولاده بجميع ماله فسبب الخلاف في هذه المسألة معارضة القياس للفظ النهي الوارد وذلك أن النهي يقتضي عند الأكثر بصيغته التحريم كما يقتضي الأمر الوجوب فمن ذهب إلى الجمع بين السماع والقياس حمل الحديث على الندب أو خصصه في بعض الصور كما فعل مالك ولا خلاف عند القائلين بالقياس أنه يجوز تخصيص عموم السنة بالقياس وكذلك العدول بها عن ظاهرها أعني أن يعدل بلفظ النهي عن مفهوم الحظر إلى مفهوم الكراهية وأما أهل الظاهر فلما لم يجز عندهم القياس في الشرع اعتمدوا ظاهر الحديث وقالوا بتحريم التفضيل في الهبة واختلفوا من هذا الباب في جواز هبة المشاع غير المقسوم فقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور تصح وقال أبو حنيفة لا تصح وعمدة الجماعة أن القبض فيها يصح كالقبض في البيع
وعمدة أبي حنيفة أن القبض فيها لا يصح إلا مفردة كالرهن ولا خلاف في المذهب في جواز هبة المجهول والمعدوم المتوقع الوجود وبالجملة كل ما لا يصح بيعه في الشرع من جهة الغرر وقال الشافعي ما جاز بيعه جازت هبته كالدين وما لم يجز بيعه لم تجز هبته وكل ما لا يصح قبضه عند الشافعية لا تصح هبته كالدين والرهن وأما الهبة فلا بد من الإيجاب فيها والقبول عند الجميع ومن شرط الموهوب له أن يكون ممن يصح قبوله وقبضه وأما الشروط فأشهرها القبض أعني أن العلماء اختلفوا هل القبض شرط صحة في صحة العقد أم لا فاتفق الثوري والشافعي وأبو حنيفة أن من شرط صحة الهبة القبض وأنه إذا لم يقبض لم يلزم الواهب وقال مالك ينعقد بالقبول ويجبر على القبض كالبيع سواء فإن تأنى الموهوب له عن طلب القبض حتى أفلس الواهب أو مرض بطلت الهبة وله إذا باع تفصيل إن علم فتوانى لم يكن له إلا الثمن وإن قام في الفور كان له الموهوب فمالك القبض عنده في الهبة من شروط التمام لا من شروط الصحة وهو عند الشافعي وأبي حنيفة من شروط الصحة وقال أحمد وأبو ثور تصح الهبة بالعقد وليس القبض من شروطها أصلا لا من شرط تمام ولا من شرط صحة وهو قول أهل الظاهر وقد روي عن أحمد بن حنبل أن القبض من شروطها في المكيل والموزون فعمدة من لم يشترط القبض في الهبة تشبيهها بالبيع وأن الأصل في العقود أن لا قبض مشترط في صحتها حتى يقوم الدليل على اشتراط القبض وعمدة من اشترط القبض أن ذلك مروي عن أبي بكر رضي الله عنه في حديث هبته لعائشة المتقدم وهو نص في اشتراط القبض في صحة الهبة وما روى مالك عن عمر أيضا أنه قال ما بال رجال ينحلون أبناءهم نحلا ثم يمسكونها فإن مات ابن أحدهم قال مالي بيدي لم أعطه أحدا وإن مات قال هو لابني قد كنت أعطيته إياه فمن نحل نحلة فلم يجزها الذي نحلها للمنحول له وأبقاها حتى تكون إن مات لورثته فهي باطلة وهو قول علي قالوا وهو إجماع من الصحابة لأنه لم ينقل عنهم في ذلك خلاف وأما مالك فاعتمد الأمرين جميعا أعني القياس وما روي عن الصحابة وجمع بينهما فمن حيث هي عقد من العقود لم يكن عنده شرطا من شروط صحتها القبض ومن حيث شرطت الصحابة فيه القبض لسد الذريعة التي ذكرها عمر جعل القبض فيها من شرط التمام ومن حق الموهوب له وأنه إن تراخى حتى يفوت القبض بمرض أو إفلاس على الواهب سقط حقه وجمهور فقهاء الأمصار على أن الأب يحوز لابنه الصغير الذي في ولاية نظره وللكبير السفيه الذي ما وهبه كما يجوز لهما ما وهبه غيره لهما وأنه يكفي في الحيازة له إشهاده بالهبة والإعلان بذلك وذلك كله فيما عدا الذهب والفضة وفيما لا يتعين والأصل في ذلك عندهم ما رواه مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن عثمان بن عفان قال من نحل ابنا له صغيرا لم يبلغ أن يحوز نحلته فأعلن ذلك وأشهد عليه فهي حيازة وإن وليها وقال مالك وأصحابه لا بد من الحيازة في المسكون والملبوس فإن كانت دارا سكن فيها خرج منها وكذلك الملبوس إن لبسه بطلت الهبة وقالوا في سائر العروض بمثل قول الفقهاء أعني أنه يكفي في ذلك إعلانه وإشهاده وأما الذهب والورق فاختلفت الرواية فيه عن مالك فروي عنه أنه لا يجوز إلا أن يخرجه الأب عن يده إلى يد غيره وروي عنه أنه يجوز إذا جعلها في ظرف أو إناء وختم عليها بخاتم وأشهد على ذلك الشهود ولا خلاف بين أصحاب مالك أن الوصي يقوم في ذلك مقام الأب
واختلفوا في الأم فقال ابن القاسم لا تقوم مقام الأب ورواه عن مالك وقال غيره من أصحابه تقوم وبه قال أبوحنيفة وقال الشافعي الجد بمنزلة الأب والجدة عند ابن وهب أم الأم تقوم مقام الأم والأم عنده تقوم مقام الأب القول في أنواع الهبات والهبة منها ما هي هبة عين ومنها ما هي هبة منفعة وهبة العين منها ما يقصد بها الثواب ومنها ما لا يقصد بها الثواب والتي يقصد بها الثواب منها ما يقصد بها وجه الله ومنها ما يقصد به وجه المخلوق فأما الهبة لغير الثواب فلا خلاف في جوازها وإنما اختلفوا في أحكامها وأما هبة الثواب فاختلفوا فيها فأجازها مالك وأبو حنيفة ومنعها الشافعي وبه قال داود وأبو ثور وسبب الخلاف هل هي بيع مجهول الثمن أو ليس بيعا مجهول الثمن فمن رآه بيعا مجهول الثمن قال هو من بيوع الغرر التي لا تجوز ومن لم ير أنها بيع مجهول قال يجوز وكأن مالكا جعل العرف فيها بمنزلة الشرط وهو ثواب مثلها ولذلك اختلف القول عندهم إذا لم يرض الواهب بالثواب ما الحكم فقيل تلزمه الهبة إذا أعطاه الموهوب القيمة وقيل لا تلزمه إلا أن يرضيه وهو قول عمر على ما سيأتي بعد فإذا اشترط فيه الرضا فليس هنالك بيع انعقد والأول هو المشهور عن مالك وأما إذا ألزم القيمة فهنالك بيع انعقد وإنما يحمل مالك الهبة على الثواب إذا اختلفوا في ذلك وخصوصا إذا دلت قرينة الحال على ذلك مثل أن يهب الفقير للغني أو لمن يرى أنه إنما قصد بذلك الثواب وأما هبات المنافع فمنها ما هي مؤجلة وهذه تسمى عارية ومنحة وما أشبه ذلك ومنها ما يشترط فيها ما بقيت حياة الموهوب له هذه تسمى العمرى مثل أن يهب رجل رجلا سكنى دار حياته وهذه اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال أحدها أنها هبة مبتوتة أي أنها هبة للرقبة وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وجماعة والقول الثاني أنه ليس للمعمر فيها إلا المنفعة فإذا مات عادت الرقبة للمعمر أو إلى ورثته وبه قال مالك وأصحابه وعنده أنه إن ذكر العقب عادت إذ انقطع العقب إلى المعمر أو إلى ورثته والقول الثالث أنه إذا قال هي عمرى لك ولعقبك كانت الرقبة ملكا للمعمر فإذا لم يذكر العقب عادت الرقبة بعد موت المعمر للمعمر أو لورثته وبه قال داود وأبو ثور وسبب الخلاف في هذا الباب اختلاف الآثار ومعارضة الشرط والعمل للأثر أما الأثر ففي ذلك حديثان أحدهما متفق على صحته وهو ما رواه مالك عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي يعطاها لا ترجع إلى الذي أعطاها أبدا لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث والحديث الثاني حديث أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر الأنصار أمسكوا عليكم أموالكم ولا تعمروها فمن أعمر شيئا حياته فهو له حياته ومماته وقد روي عن جابر بلفظ آخر لا تعمروا ولا ترقبوا فمن أعمر شيئا أو أرقبه فهو لورثته فحديث أبي الزبير عن جابر مخالف لشرط المعمر وحديث مالك عنه مخالف أيضا لشرط المعمر إلا أنه يخيل أنه أقل في المخالفة وذلك أن ذكر العقب يوهم تبتيت العطية فمن غلب الحديث على الشرط قال بحديث أبي الزبير عن جابر وحديث مالك عن جابر ومن غلب الشرط قال بقول مالك وأما من قال إن العمرى تعود إلى المعمر إن لم يذكر العقب ولا تعود إن ذكر فإنه أخذ بظاهر الحديث وأما حديث أبي الزبير عن جابر فمختلف فيه أعني رواية أبي الزبير عن جابر وأما إذا أتى بلفظ الإسكان فقال أسكنتك هذه الدار حياتك فالجمهور على أن الإسكان عندهم أو الإخدام بخلاف العمرى وإن لفظ بالعقب فسوى مالك بين التعمير والإسكان وكان الحسن وعطاء وقتادة يسوون بين السكنى والتعمير في أنها لا تنصرف إلى المسكن أبدا على قول الجمهور في العمرى
والحق أن الإسكان والتعمير معنى مفهوم منهما واحد وأنه يجب أن يكون الحكم إذا لم يصرح بذكر العقب على ما ذهب إليه أهل الظاهر القول في الأحكام ومن مسائلهم المشهورة في هذا الباب جواز الاعتصار في الهبة وهو الرجوع فيها فذهب مالك وجمهور علماء المدينة أن للأب أن يعتصر ما وهبه لابنه ما لم يتزوج الابن أو لم يستحدث دينا أو بالجملة ما لم يترتب عليه حق للغير وأن للأم أيضا أن تعتصر ما وهبت إن كان الأب حيا وقد روي عن مالك أنها لا تعتصر وقال أحمد وأهل الظاهر لا يجوز لأحد أن يعتصر ما وهبه وقال أبو حنيفة يجوز لكل أحد أن يعتصر ما وهبه إلا ما وهب لذي محرم محرمة عليه وأجمعوا على أن الهبة التي يراد بها الصدقة أي وجه الله أنه لا يجوز لأحد الرجوع فيها وسبب الخلاف في هذا الباب تعارض الآثار فمن لم ير الاعتصار أصلا احتج بعموم الحديث الثابت وهو قوله عليه الصلاة والسلام العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه ومن استثنى الأبوين احتج بحديث طاوس أنه قال عليه الصلاة والسلام لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد وقاس الأم على الوالد وقال الشافعي لو اتصل حديث طاوس لقلت به وقال غيره قد اتصل من طريق حسين المعلم وهو ثقة وأما من أجاز الاعتصار إلا لذوي الرحم المحرمة فاحتج بما رواه مالك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال من وهب هبة لصلة رحم أو على جهة صدقة فإنه لا يرجع فيها ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد الثواب بها فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها قالوا وأيضا فإن الأصل أن من وهب شيئا عن غير عوض أنه لا يقضى عليه به كما لو وعد إلا ما اتفقوا عليه من الهبة على وجه الصدقة وجمهور العلماء على أن من تصدق على ابنه فمات الابن بعد أن حازها فإنه يرثها وفي مرسلات مالك أن رجلا أنصاريا من الخزرج تصدق على أبويه بصدقة فهلكا فورث ابنهما المال وهو نخل فسأل عن ذلك النبي عليه الصلاة والسلام فقال قد أجرت في صدقتك وخذها بميراثك وخرج أبو داود عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كنت قد تصدقت على أمي بوليدة وإنها ماتت وتركت تلك الوليدة فقال صلى الله عليه وسلم وجب أجرك ورجعت إليك بالميراث وقال أهل الظاهر لا يجوز الاعتصار لأحد لعموم قوله عليه الصلاة والسلام لعمر لا تشتره في الفرس الذي تصدق به فإن العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه والحديث متفق على صحته قال القاضي والرجوع في الهبة ليس من محاسن الأخلاق والشارع عليه الصلاة والسلام إنما بعث ليتمم محاسن الأخلاق وهذا القدر كاف في هذا الباب كتاب الوصايا والنظر فيها ينقسم أولا قسمين القسم الأول النظر في الأركان والثاني في الأحكام ونحن فإنما نتكلم من هذه فيما وقع فيها من المسائل المشهورة القول في الأركان والأركان أربعة الموصي والموصى له والموصى به والوصية أما الموصي 9 فاتفقوا على أنه كل مالك صحيح الملك ويصح عند مالك وصية السفيه والصبي الذي يعقل القرب وقال أبو حنيفة لا تجوز وصية الصبي الذي لم يبلغ وعن الشافعي القولان وكذلك وصية الكافر تصح عندهم إذا لم يوص بمحرم وأما الموصى له فإنهم اتفقوا على أن الوصية لا تجوز لوارث لقوله عليه الصلاة والسلام لا وصية لوارثواختلفوا هل تجوز لغير القرابة فقال جمهور العلماء إنها تجوز لغير الأقربين مع الكراهية وقال الحسن وطاوس ترد الوصية على القرابة وبه قال إسحاق وحجة هؤلاء ظاهر قوله تعالى الوصية للوالدين والأقربين والألف واللام تقتضي الحصر
واحتج الجمهور بحديث عمران بن حصين المشهور وهو أن رجلا أعتق ستة أعبد له في مرضه عند موته لا مال له غيرهم فأقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة والعبيد غير القرابة وأجمعوا كما قلنا أنها لا تجوز لوارث إذا لم يجزها الورثة واختلفوا كما قلنا إذا أجازتها الورثة فقال الجمهور تجوز وقال أهل الظاهر والمزني لا تجوز وسبب الخلاف هل المنع لعلة الورثة أو عبادة فمن قال عبادة قال لا تجوز وإن أجازها الورثة ومن قال بالبيع لحق الورثة أجازها إذا أجازها الورثة وتردد هذا الخلاف راجع إلى تردد المفهوم من قوله عليه الصلاة والسلام لا وصية لوارث هل هو معقول المعنى أم ليس بمعقول واختلفوا في الوصية للميت فقال قوم تبطل بموت الموصى له وهم الجمهور وقال قوم لا تبطل وفي الوصية للقائل خطأ وعمدا في هذا الباب فرع مشهور وهو إذا أذن الورثة للميت هل لهم أن يرجعوا في ذلك بعد موته فقيل لهم وقيل ليس لهم وقيل بالفرق بين أن يكون الورثة في عيال الميت أو لا يكونوا أعني أنهم إن كانوا في عياله كان لهم الرجوع والثلاثة الأقوال في المذهب القول في الموصى به والنظر في جنسه وقدره أما جنسه فإنهم اتفقوا على جواز الوصية في الرقاب واختلفوا في المنافع فقال جمهور فقهاء الأمصار ذلك جائز وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأهل الظاهر الوصية بالمنافع باطلة وعمدة الجمهور أن المنافع في معنى الأموال وعمدة الطائفة الثانية أن المنافع منتقلة إلى ملك الورثة لأن الميت لا ملك له فلا تصح له وصية بما يوجد في ملك غيره وإلى هذا القول ذهب أبو عمر بن عبد البر وأما القدر فإن العلماء اتفقوا على أنه لا تجوز الوصية في أكثر من الثلث لمن ترك ورثة واختلفوا فيمن لم يترك ورثة وفي القدر المستحب منها هل هو الثلث أو دونه وإنما صار الجميع إلى أن الوصية لا تجوز في أكثر من الثلث لمن له وارث بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه عاد سعد بن أبي وقاص قال له يا رسول الله قد بلغ مني الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثي إلا ابنة لي أفأتصدق بثلثي مالي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا فقال له سعد فالشطر قال لا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس فصار الناس لمكان هذا الحديث إلى أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث واختلفوا في المستحب من ذلك فذهب قوم إلى أنه ما دون الثلث لقوله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث والثلث كثير وقال بهذا كثير من السلف قال قتادة أوصى أبو بكر بالخمس وأوصى عمر بالربع والخمس أحب إلي وأما من ذهب إلى أن المستحب هو الثلث فإنهم اعتمدوا على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله جعل لكم في الوصية ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم وهذا الحديث ضعيف عند أهل الحديث وثبت عن ابن عباس أنه قال لو غض الناس في الوصية من الثلث إلى الربع لكان أحب إلي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الثلث والثلث كثير وأما اختلافهم في جواز الوصية بأكثر من الثلث لمن لا وارث له فإن مالكا لا يجيز ذلك والأوزاعي واختلف فيه قول أحمد وأجاز ذلك أبو حنيفة وإسحاق وهو قول ابن مسعود
وسبب الخلاف هل هذا الحكم خاص بالعلة التي علله بها الشارع أم ليس بخاص وهو أن لا يترك ورثته عالة يتكففون الناس كما قال عليه الصلاة والسلام إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس فمن جعل هذا السبب خاصا وجب أن يرتفع الحكم بارتفاع هذه العلة ومن جعل الحكم عبادة وإن كان قد علل بعلة أو جعل جميع المسلمين في هذا المعنى بمنزلة الورثة قال لا تجوز الوصية بإطلاق بأكثر من الثلث القول في المعنى الذي يدل عليه لفظ الوصية والوصية بالجملة هي هبة الرجل ما له لشخص آخر أو لأشخاص بعد موته أو عتق غلامه سواء صرح بلفظ الوصية أو لم يصرح به وهذا العقد هو من العقود الجائزة باتفاق أعني أن للموصي أن يرجع فيما أوصى به إلا المدبر فإنهم اختلفوا فيه على ما سيأتي في كتاب التدبير وأجمعوا على أنه لا يجب للموصى له إلا بعد موت الموصي واختلفوا في قبول الموصى له هل هو شرط في صحتها أم لا فقال مالك قبول الموصى له إياها شرط في صحة الوصية وروي عن الشافعي أنه ليس القبول شرطا في صحتها ومالك شبهها بالهبة القول في الأحكام وهذه الأحكام منها لفظية ومنها حسابية ومنها حكمية فمن مسائلها المشهورة الحكمية اختلافهم في حكم من أوصى بثلث ماله لرجل وعين ما أوصى له به في ماله مما هو الثلث فقال الورثة ذلك الذي عين أكثر من الثلث فقال مالك الورثة مخيرون بين أن يعطوه ذلك الذي عينه الموصي أو يعطوه الثلث من جميع مال الميت وخالفه في ذلك أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وأحمد وداود وعمدتهم أن الوصية قد وجبت للموصى له بموت الموصي وقبوله إياها باتفاق فكيف ينقل عن ملكه ما وجب له بغير طيب نفس منه وتغير الوصية وعمدة مالك إمكان صدق الورثة فيما ادعوه وما أحسن ما رأى أبو عمر بن عبد البر في هذه المسألة وذلك أنه قال إذا ادعى الورثة ذلك كلفوا بيان ما ادعوا فإن ثبت ذلك أخذ منه الموصى له قدر الثلث من ذلك الشيء الموصى به وكان شريكا للورثة وإن كان الثلث فأقل جبروا على إخراجه وإذا لم يختلفوا في أن ذلك الشيء الموصى به هو فوق الثلث فعند مالك أن الورثة مخيرون بين أن يدفعوا إليه ما أوصي له به أو يفرجوا له عن جميع ثلث مال الميت إما في ذلك الشيء بعينه وإما في جميع المال على اختلاف الرواية عن مالك في ذلك وقال أبو حنيفة والشافعي له ثلث تلك العين ويكون بباقيه شريكا للورثة في جميع ما ترك الميت حتى يستوفي تمام الثلث ش 6 وسبب الخلاف أن الميت لما تعدى في أن جعل وصيته في شيء بعينه فهل الأعدل في حق الورثة أن يخيروا بين إمضاء الوصية أو يفرجوا له إلى غاية ما يجوز للميت أن يخرج عنهم من ماله أو يبطل التعدي ويعود ذلك الحق مشتركا وهذا هو الأولى إذا قلنا إن التعدي هو التعيين لكونه أكثر من الثلث أعني أن الواجب أن يسقط التعيين وأما أن يكلف الورثة أن يمضوا التعيين أو يتخلوا عن جميع الثلث فهو حمل عليهم ومن هذا الباب اختلافهم فيمن وجبت عليه زكاة فمات ولم يوص بها فعل هي من الثلث أو من رأس المال فقال مالك إذا لم يوص بها لم يلزم الورثة إخراجها
وقال الشافعي يلزم الورثة إخراجها من رأس المال وإذا وصى فعند مالك يلزم الورثة إخراجها وهي عنده من الثلث وهي عند الشافعي في الوجهين من رأس المال شبهها بالدين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فدين الله أحق أن يقضى وكذلك الكفارات الواجبة والحج الواجب عنده ومالك يجعلها من جنس الوصايا بالتوصية بإخراجها بعد الموت ولا خلاف أنه لو أخرجها في الحياة أنها من رأس المال ولو كان في السياق وكأن مالكا اتهمه هنا على الورثة أعني في توصيته بإخراجها قال ولو أجيز هذا لجاز للإنسان أن يؤخر جميع زكاته طول عمره حتى إذا دنا من الموت وصى بها فإذا زاحمت الوصايا الزكاة قدمت عند مالك على ما هو أضعف منها وقال أبو حنيفة هي وسائر الوصايا سواء يريد في المحاصة واتفق مالك وجميع أصحابه على أن الوصايا التي يضيق عنها الثلث إذا كانت مستوية أنها تتحاص في الثلث وإذا كان بعضها أهم من بعض قدم الأهم واختلفوا في الترتيب على ما هو مسطور في كتبهم ومن مسائلهم الحسابية المشهورة في هذا الباب إذا أوصى لرجل بنصف ماله ولآخر بثلثيه ورد الورثة الزائد فعند مالك والشافعي أنهما يقتسمان الثلث بينهما أخماسا وقال أبو حنيفة بل يقتسمان الثلث بالسوية وسبب الخلاف هل الزائد على الثلث الساقط هل يسقط الاعتبار به في القسمة كما يسقط في نفسه بإسقاط الورثة فمن قال يبطل في نفيه ولا يبطل الاعتبار به في القسمة إذ كان مشاعا قال يقتسمون المال أخماسا ومن قال يبطل الاعتبار به كما لو كان معينا قال يقتسمون الباقي على السواء ومن مسائلهم اللفظية في هذا الباب إذا أوصى بجزء من ماله يعلم به ومال لا يعلم به فعند مالك أن الوصية تكون فيما علم به دون ما لم يعلم وعند الشافعي تكون في المالين وسبب الخلاف هل اسم المال الذي نطق به يتضمن ما علم وما لم يعلم أو ما علم فقط والمشهور عن مالك أن المدبر يكون في المالين إذا لم يخرج من المال الذي يعلم وفي هذا الباب فروع كثيرة وكلها راجعة إلى هذه الثلاثة الأجناس ولا خلاف بينهم أن للرجل أن يوصي بعد موته بأولاده وأن هذه خلافة جزئية كالخلافة العظمى الكلية التي للإمام أن يوصي بها كتاب الفرائض والنظر في هذا الكتاب فيمن يرث وفيمن لا يرث ومن يرث هل يرث دائما أو مع وارث دون وارث وإذا ورث مع غيره فكم يرث وكذلك إذا ورث وحده كم يرث وإذا ورث مع وارث فهل يختلف ذلك بحسب وارث وارث أو لا يختلف والتعليم في هذا يمكن على وجوه كثيرة قد سلك أكثرها أهل الفرائض والسبيل الحاضرة في ذلك بأن يذكر حكم جنس جنس من أجناس الورثة إذا انفرد ذلك الجنس وحكمه مع سائر الأجناس الباقية مثال ذلك أن ينظر إلى الولد إذا انفرد كم ميراثه ثم ينظر حاله مع سائر الأجناس الباقية من الوارثين فأما الأجناس الوارثة فهي ثلاثة ذو نسب وأصهار وموالي فأما ذو النسب فمنها متفق عليها ومنها مختلف فيها فأما المتفق عليها فهي الفروع أعني الأولاد والأصول أعني الأباء والأجداد ذكورا كانوا أو إناثا وكذلك الفروع المشاركة للميت في الأصل الأدنى أعني الإخوة ذكورا أو إناثا أو المشاركة الأدنى أو الأبعد في أصل واحد وهم الأعمام وبنو الأعمام وذلك الذكور من هؤلاء خاصة فقط وهؤلاء إذا فصلوا كانوا من الرجال عشرة ومن النساء سبعة أما الرجال فالابن وابن الابن وإن سفل والأب والجد أبو الأب وإن علا والأخ من أي جهة كان أعني للأم والأب أو لأحدهما وابن الأخ وإن سفل وابن العم وإن سفل والزوج ومولى النعمة وأما النساء فالابنة وابنة الابن وإن سفلت والأم والجدة وإن علت والأخت والزوجة والمولاة وأما المختلف فيهم فهم ذوو الأرحام وهم من لا فرض لهم في كتاب الله ولا هم عصبة وهم بالجملة بنو البنات وبنات الإخوة وبنو الأخوات وبنات الأعمام والعم أخو الأب للأم فقط وبنو الإخوة للأم والعمات والخالات والأخوال