Sülemî — Tabakātü's-Sûfiyye
قال وسمعت يحيى يقول أهل المعرفة وحش الله في الأرض لا يأنسون إلى أحد والزاهدون غرباء في الدنيا والعارفون غرباء في الآخرة قال وسمعت يحيى يقول ابن آدم مالك تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يدك الموت سمعت عبد الواحد بن بكر الورثاني يقول حدثني أحمد بن محمد بن علي البرذعي قال حدثنا طاهر بن إسماعيل الرازي قال قيل ليحيى بن معاذ أخبرنا عن الله ما هو قال إله واحد قيل كيف هو قال ملك قادر قيل أين هو قال بالمرصاد قيل ليس عن هذا أسألك قال يحيى فذاك صفة المخلوق فأما صفة الخالق فما أخبرتك به حدثنا أحمد بن محمد بن يعقوب قال حدثني أحمد بن محمد بن علي حدثنا علي الرازي قال قال يحيى بن معاذ من سر بخدمة الله سرت الأشياء كلها بخدمته ومن قرت عينه بالله قرت عيون كل شيء بالنظر إليه سمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت الحسن بن علويه يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول الزهد ثلاثة اشياء القلة والخلوة والجوع قال وقال يحيى عند نزول البلاء تظهر حقائق الصبر وعند مكاشفة المقدور تظهر حقائق الرضا قال وقال يحيى محبوب اليوم يعقب المكروه غدا ومكروه اليوم يعقب المحبوب غدا قال وقال يحيى اجتنبت صحبة ثلاثة أصناف من الناس العلماء الغافلين والقراء المداهنين والمتصوفة الجاهلين قال وقال يحيى من لم يعتبر بالمعاينة لم يتعظ بالموعظة ومن اعتبر بالمعاينة استغنى عن الموعظة قال وقال يحيى العبرة بالأوتار والمعتبر بالمثقال قال وقال يحيى أبناء الدنيا تخدمهم الإماء والعبيد وأبناء الآخرة يخدمهم الأبرار والأحرار قال وقال يحيى لا تربح على نفسك بشيء أجل من أن تشغلها في كل وقت بما هو أولى بها 15 - ومنهم أبو حفص النيسابوري واسمه عمرو بن سلم ويقال عمرو بن سلمة وهو الأصح إن شاء الله فقد رأيت بخط جدي إسماعيل بن نجيد قال أبو عثمان بن إسماعيل سألت أستاذي أبا حفص عمر بن سلمة وهو من أهل قرية يقال لها كورداباذ على باب مدينة نيسابور إذا خرجت إلى بخارى صحب عبيد الله بن مهدي الأبيوردي وعليا النصراباذي ورافق أحمد بن خضرويه البلخي وكان أحد الأئمة والسادة انتمى إليه شاه بن شجاع الكرماني وأبو عثمان سعيد بن إسماعيل توفي سنة سبعين ومائتين ويقال سنة سبع وستين والله أعلم قرأت بخط أبي عمرو بن حمدان قال سمعت أبي يقول قال أبو حفص المعاصي بريد الكفر كما أن الحمى بريد الموت قال وقال مخمش الجلاب صحبت أبا حفص اثنتين وعشرين سنة ما رأيته ذكر الله تعالى على حد الغفلة والانبساط وما كان يذكره إلا على سبيل الحضور والتعظيم والحرمة فكان إذا ذكر الله تغيرت عليه حاله حتى كان يرى ذلك منه جميع من حضره قال وقال مرة وقد ذكر الله تعالى وتغير عليه حاله فلما رجع قال ما أبعد ذكر المحققين فما أظن أن محقا يذكر الله عن غير غفلة ثم يبقى بعد ذلك حيا إلا الأنبياء فإنهم أيدوا بقوة النبوة وخواص الأولياء بقوة ولايتهم قال وكان أبو حفص يقول من إهانة الدنيا أني لا أبخل بها على أحد ولا أبخل بها على نفسي لاحتقارها واحتقار نفسي عندي قال وقال محمد بن بحر الشجيني أخو زكريا كنت أخاف الفقر مع ما كنت أملك من المال فقال لي يوما أبو حفص إن قضى الله عليك الفقر لا يقدر أحد أن يغنيك فذهب خوف الفقر من قلبي رأسا قال قال أبو حفص الفقير الصادق الذي يكون في كل وقت بحكمه فإذا ورد عليه وارد يشغله عن حكم وقته يستوحش منه وينفيه قال وقال أبو حفص ما أعز الفقر إلى الله وأذل الفقر إلى الاشكال وما أحسن الاستغناء بالله وأقبح الاستغناء باللثام سمعت جدي رحمه الله يقول كان أبو حفص إذا غضب تكلم في حسن الخلق حتى يسكن غضبه ثم يرجع إلى حديثه
سمعت عبد الرحمن بن الحسين الصوفي يقول بلغني أن مشايخ بغداد اجتمعوا عند أبي حفص وسألوه عن الفتوة فقال تكلموا أنتم فإن لكم العبارة واللسان فقال الجنيد الفتوة إسقاط الرؤية وترك النسبة فقال أبو حفص ما أحسن ما قلت ولكن الفتوة عندي أداء الإنصاف وترك مطالبة الإنصاف فقال الجنيد قوموا يا أصحابنا فقد زاد أبو حفص على آدم وذريته وسمعت عبد الرحمن يقول بلغني أنه لما أراد أبو حفص الخروج من بغداد شيعه من بها من المشايخ والفتيان فلما أرادوا أن يرجعوا قال له بعضهم دلنا على الفتوة ما هي فقال الفتوة تؤخذ استعمالا ومعاملة لا نطقا فتعجبوا من كلامه قال وسئل أبو حفص هل للفتى من علامة قال نعم من يرى الفتيان ولا يستحى منهم في شمائله وأفعاله فهو فتى سمعت أبي يقول سمعت أبا العباس الدينوري يقول قال أبو حفص ما دخل قلبي حق ولا باطل منذ عرفت الله سمعت محمد بن أحمد بن حمدان يقول سمعت أبي يقول سمعت أبا حفص يقول تركت العمل فرجعت إليه ثم تركني العمل فلم أرجع إليه سمعت أبا أحمد بن عيسى يقول سمعت محفوظ بن محمود يقول سمعت أبا حفص يقول الكرم طرح الدنيا لمن يحتاج إليها والإقبال على الله لاحتياجك إليه قال وقال رجل لأبي حفص إن فلانا من أصحابك أبدا يدور حول السماع فإذا سمع هاج وبكى ومزق ثيابه فقال أبو حفص أيش يعمل الغريق يتعلق بكل شيء يظن نجاته فيه قال وقال أبو حفص حرست قلبي عشرين سنة ثم حرسني قلبي عشرين سنة ثم وردت حالة صرنا فيها محروسين جميعا قال وقال أبو حفص من تجرع كأس الشوق يهيم هياما لا يفيق إلا عند المشاهدة واللقاء قال وقال أبو حفص إذا رأيت المحب ساكنا هادئا فاعلم أنه وردت عليه غفلة فإن الحب لا يترك صاحبه يهدأ بل يزعجه في الدنو والبعد واللقاء والحجاب قال وقال أبو حفص التصوف كله آداب لكل وقت أدب ولكل مقام أدب فمن لزم آداب الأوقات بلغ مبلغ الرجال ومن ضيع الآداب فهو بعيد من حيث يظن القرب ومردود من حيث يرجو القبول سمعت أبا عمرو بن حمدان يقول وجدت في كتاب أبي قال أبو حفص الحال لا يفارق العلم ولا يقارن القول وذكر أبو عثمان الحيري النيسابوري عن أبي حفص أنه قال من يعطي ويأخذ فهو رجل ومن يعطي ولا يأخذ فهو نصف رجل ومن لا يعطي ولا يأخذ فهو همج لا خير فيه فسئل أبو عثمان عن معنى هذا الكلام فقال من يأخذ من الله ويعطي لله فهو رجل لأنه لا يرى فيه نفسهه بحال ومن يعطي ولا يأخذ فإنه نصف رجل لأنه يرى نفسه في ذلك فيرى أن له بأن لا يأخذ فضيلة ومن لا يأخذ ولا يعطي فهو همج لأنه يظن أنه الآخذ والمعطي دون الله تعالى سمعت ابا الحسن بن مقسم ببغداد يقول سمعت أبا محمد المرتعش يقول سمعت أبا حفص يقول ما استحق اسم السخاء من ذكر العطاء أو لمحه بقلبه قال وسئل أبو حفص عن قول الله عز وجل {وعاشروهن بالمعروف} [النساء 19] قال المعاشرة بالمعروف حسن الخلق مع العيال فيما ساءك ومن كرهت صحبتها قال وسئل أبو حفص عن البخل فقال ترك الإيثار عند الحاجة إليه قال وسئل أيضا من الولي فقال من أيد بالكرامات وغيب عنها قال وقال أبو حفص ما ظهرت حالة عالية إلا من ملازمة أصل صحيح قال سئل عن أحكام الفقر وآدابها على الفقراء فقال حفظ حرمات المشايخ وحسن العشرة مع الإخوان والنصيحة للأصاغر وترك الخصومات في الأرزاق وملازمة الإيثار ومجانبة الادخار وترك صحبة من ليس من طبقتهم والمعاونة في أمور الدين والدنيا قال وسئل أبو حفص من العاقل فقال المطالب نفسه بالإخلاص قال سئل أبو حفص عن العبودية فقال ترك ما لك والتزام ما أمرت به قال وقال أبو حفص من رأى فضل الله عليه في كل حال أرجو ألا يهلك
قال وقال أبو حفص لا تكن عبادتك لربك سببا لأن تكون معبودا سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت المرتعش يقول سمعت أبا حفص يقول إني لا أدعي الخلق لأني أحسن من نفسي سرعة الغضب وإن لم أظهره ولا أدعي السخاء لأني لست آمن من نفسي أن تلاحظ فعله أو تلتفت إليه أو تذكر عطاءه وقتا ما قال وقال أبو حفص حسن أدب الظاهر عنوان حسن أدب الباطن لأن النبي صلى الله عليه وسلم (قال لو خشع قلبه لخشعت جوارحه) قال سئل أبو حفص ما البدعة فقال التعدي في الأحكام والتهاون بالسنن واتباع الآراء وترك الاقتداء والاتباع قال وسئل أبو حفص من الرجال فقال القائمون مع الله تعالى بوفاء العهود قال الله تعالى {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} (الأحزاب) قال وقال أبو حفص الإيثار أن تقدم حظوظ الإخوان على حظك في أمر آخرتك ودنياك 16 - ومنهم حمدون بن أحمد بن عمارة أبو صالح القصار النيسابوري شيخ أهل الملامة بنيسابور ومنه انتشر مذهب الملامة صحب سلم بن الحسن الباروسي وأبا تراب النخشبي وعليا النصراباذي وكان عالما فقيها يذهب مذهب الثوري وطريقته طريقة اختص هو بها ولم يأخذ عنه طريقته أحد من أصحابه كأخذ عبد الله بن محمد بن منازل صاحبه عنه توفي أبو صالح حمدون سنة إحدى وسبعين ومائتين بنيسابور ودفن في مقبرة الحيرة وأسند الحديث حدثنا أبي رحمه الله قال حدثنا عبد الله بن محمد بن منازل حدثنا حمدون بن أحمد القصار حدثنا إبراهيم الزراد حدثنا ابن نمير عن الأعمش عن سعيد بن عبد الله عن أبي برزة الأسلمي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن جسده فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وأين وضعه وعن علمه ما عمل فيه) سمعت محمد بن أحمد الفراء يقول سمعت عبد الله بن محمد بن منازل يقول سئل حمدون القصار متى يجوز للرجل أن يتكلم على الناس فقال إذا تعين عليه أداء فرض من فرائض الله تعالى في علمه أو خاف هلاك إنسان في بدعة يرجو أن ينجيه الله تعالى منها بعلمه قال وقيل لحمدون ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا قال لأنهم تكلموا لعز الإسلام ونجاة النفوس ورضا الرحمن ونحن نتكلم لعز النفس وطلب الدنيا وقبول الخلق قال وقال حمدون أصل رفع الألفة من بين الأخوان حب الدنيا قال وتكلموا يوما بين يدي أبي صالح حمدون في حفظ الأمانات فقال قد تحملت من الأمانة ما لو اشتغلت به لشغلك عن كل أمانة بعدها قال وقال له رجل من أصحابه كيف أعمل لا بد لي من معاملة هؤلاء الجند فماذا ترى لي قال إن كنت تعلم يقينا أنك خير منهم فلا تعاملهم قال وسأله يوما أبو القاسم المنادي عن مسألة فقال له حمدون أرى في سؤالك قوة وعزة نفس أتظن أنك قد بلغت بهذا السؤال الحال الذي تخبر عنه أين طريقة الضعف والفقر والتضرع والالتجاء عندي أن من ظن نفسه خير من نفس فرعون فقد أظهر الكبر وسمعت محمد بن أحمد الفراء يقول سمعت عبد الله الحجام يقول سمعت حمدون يقول مذ علمت أن للسلطان فراسة في الأشرار ما خرج خوف السلطان من قلبي قال وقال عبد الله قال حمدون إذا رأيت سكران فتمايل لئلا تنعى عليه فتبتلى بمثل ذلك وسمعت محمد بن أحمد الفراء يقول سمعت محمد بن أحمد بن منازل يقول قلت لأبي صالح حمدون أوصني فقال إن استطعت ألا تغضب لشيء من الدنيا فافعل قال وقال حمدون من ضيع عهود الله عنده فهو لآداب شريعته أضيع لأن الله تعالى يقول {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا} قال وقال حمدون استعانة المخلوق بالمخلوق كاستعانة المسجون بالمسجون قال وقال رجل لحمدون أوصني بوصية فقال إن استطعت أن تصبح مفوضا لا مدبرا فافعل قال وقال حمدون قعود المؤمن عن الكسب الحاف في المسألة
سمعت عبد الله بن محمد بن فضلويه المعلم يقول سمعت عبد الله بن محمد ابن منازل يقول سمعت حمدون يقول من أصبح وليس له هم إلا طلب قوت من حلال وهم ما جرى في سابق العلم وله وعليه فإنه يتفرغ إلى كل شيء قال وقال حمدون من تحقق في حال لا يخبر عنه قال وقال لأصحابه أوصيكم بشيئين صحبة العلماء والاحتمال عن الجهال قال وقال حمدون من شغله طلب الدنيا عن الآخرة ذل إما في الدنيا وإما في الآخرة قال وقال حمدون من نظر في سير السلف عرف تقصيره وتخلفه عن درجات الرجال قال وقال حمدون كفايتك تساق إليك باليسر من غير تعب وإنما التعب في طلب الفضول قال وسئل حمدون عن الزهد فقال الزهد عندي الا تكون بما في يدك أسكن قلبا منك بضمان سيدك قال وقال حمدون من غفلة العبد أن يتفرغ من أمر ربه إلى سياسة نفسه قال وقال حمدون لا يجزع من المصيبة إلا من يتهم ربه قال وقال حمدون الكياسة تورث العجب قال وقال حمدون لا أحد أدون ممن يتزين لدار فانية ويتجمل لمن لا يملك ضره ونفعه قال وقال حمدون تهاون بالدنيا حتى لا يعظم في عينك أهلها ومن يملكها قال وقال حمدون جمال الفقير في تواضعه فإذا تكبر بفقره فقد أربى على الأغنياء في التكبر قال وقال حمدون لا تفش على أحد ما تحب أن يكون مستورا منك قال وقال حمدون من رأيت فيه خصلة من الخير فلا تفارقه فإنه يصيبك من بركاته سمعت محمد بن أحمد التميمي يقول سمعت أحمد بن حمدون يقول سمعت أبي وسئل عن طريق الملامة يقول خوف القدرية ورجاء المرجئة قال وقال حمدون من استطاع منكم ألا يعمى عن نقصان نفسه فليفعل 17 - ومنهم منصور بن عمار وكنيته أبو السري من أهل مرو وأصله منها من قرية يقال لها دندانقان كذلك سمعت أبا العباس أحمد بن سعيد المعداني يذكر ذلك ويقال إنه من أهل أبيورد كذلك ذكره لي أبو الفضل الشافعي الأخباري ويقال إنه من أهل بوشنج كذلك ذكره لي محمد بن العباس العصمي أقام بالبصرة وكان من أحسن الناس كلاما في الموعظة وكان من حكماء المشايخ وأسند الحديث أخبرنا جدي إسماعيل بن نجيد السلمي قال حدثنا أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم بن سعيد العبدي حدثنا سليم بن منصور بن عمار ببغداد في رحبة أبيه حدثنا أبي عن المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر رضي الله عنه أن فتى من الأنصار يقال له قعلبة بن عبد الرحمن كان يحف برسول الله صلى الله عليه وسلم ويخدمه ثم إنه مر بباب رجل من الأنصار فاطلع فيه فوجد امرأة الأنصاري تغتسل فكرر النظر فخاف أن ينزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما صنع فخرج هاربا من المدينة استحياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى جبالا بين مكة والمدينة فولجها فسأل عنه رسول الله أربعين يوما وهي الأيام التي قالوا ودعه ربه وقلاه فنزل جبريل عليه السلام فقال إن ربك يقرئك السلام ويخبرك أن الهارب من أمتك بين هذه الجبال يعوذ بي من ناري فبعث رسول الله عمر بن الخطاب وسلمان وقال انطلقا فأتياني بثعلبة بن عبد الرحمن فخرجا في أنقاب المدينة فلقيهما راع من رعاة المدينة يقال له ذفافة فقال له عمر يا ذفافة هل لك علم بشاب بين هذه الجبال فقال ذفافة لعلك تريد الهارب من جهنم فقال له عمر ما علمك أنه هارب من جهنم قال إنه إذا كان نصف الليل خرج علينا من هذا الشعب واضعا يده على أم رأسه يبكي وينادي يا ليتك قبضت روحي في الأرواح وجسدي في الأجساد ولا تجردني لفصل القضاء فقال عمر إياه نريد قال فانطلق بهما ذفافة حتى إذا كان في بعض الليل خرج عليهم وهو ينادي يا ليتك قبضت روحي في الأرواح وجسدي في الأجساد فعدا عليه عمر فأخذه فلما سمع حسه قال الأمان الأمان متى الخلاص من النار
قال له أنا عمر بن الخطاب فقال له ثعلبة أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذنبي قال لا علم لي إلا أنه ذكرك بالأمس فينا وأرسلني إليك فقال يا عمر لا تدخلني عليه إلا وهو يصلي أو بلال يقول قد قامت الصلاة قال أفعل قال فلما أتى به عمر المدينة وافى به المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فلما سمع قراءة رسول الله خر مغشيا عليه فدخل عمر وسلمان في الصلاة وهو صريع فلما سلم رسول الله قال يا عمر ويا سلمان ما فعل ثعلبة ابن عبد الرحمن قالا هو ذا يا رسول الله فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحركه ونبهه ثم قال ما الذي غيبك عني قال ذنبي قال أفلا أعلمك آية تمحو الذنوب والخطايا قال بلى يا رسول الله قال قل اللهم {آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} (البقرة 201) قال إن ذنبي أعظم من ذاك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بل كلام الله تعالى أعظم) وأمره بالانصراف إلى منزله فانصرف ومرض ثلاثة أيام وأتى سلمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن ثعلبة مرض لما به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (قوموا بنا إليه) فدخل رسول الله فأخذ برأسه فوضعه في حجره فأزال رأسه عن حجر رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لم أزلت رأسك عن حجري) قال لأنه ملآن من الذنوب فقال له رسول الله (ما تجد) قال أجد مثل دبيب النمل بين جلدي وعظمي قال فما تشتهي قال مغفرة ربي قال فنزل جبريل عليه السلام على رسول الله فقال (يا أخي إن ربي يقرأ عليك السلام ويقول لو لقيني عبدي بقراب الأرض خطيئة للقيته بقرابها مغفرة) قال فأعلمه رسول الله ذلك فصاح صيحة فمات فقام رسول الله فغسله وكفنه وصلى عليه ثم احتمل إلى قبره فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي على أطراف أنامله قالوا يا رسول الله رأيناك تمشي على أطراف أناملك قال (لم أستطع أن أضع رجلي على الأرض من كثرة من شيعه من الملائكة) قال منصور بن عمار سرورك بالمعصية إذا ظفرت بها شر من مباشرتك المعصية وقال منصور من جزع من مصائب الدنيا تحولت مصيبته في دينه وقال منصور من اشتغل بذكر الناس انقطع عن ذكر الله تعالى وقال منصور لرجل عصى بعد توبته ما أراك رجعت عن طريق الآخرة إلا من الوحشة لقلة سالكيها وقال منصور لرجل اترك نهمة الدنيا تسترح من الغم واحفظ لسانك تسترح من المعذرة وقال منصور قلوب العباد كلها روحانية فإذا دخلها الشك والخبث امتنع منها روحها وقال منصور إن الحكمة تنطق في قلوب العارفين بلسان التصديق وفي قلوب الزاهدين بلسان التفضيل وفي قلوب العباد بلسان التوفيق وفي قلوب المريدين بلسان التفكر وفي قول بالعلماء بلسان التذكر وقال منصور الناس رجلان مفتقر إلى الله فهو في أعلى الدرجات على لسان الشريعة والآخر لا يرى الافتقار لما علم من فراغ الله من الخلق والرزق والأجل والسعادة فهو في افتقاره إليه واستغنائه به وقال منصور سبحان من جعل قلوب العارفين أوعية الذكر وقلوب أهل الدنيا أوعية الطمع وقلوب الزاهدين أوعية التوكل وقلوب الفقراء أوعية القناعة وقلوب المتوكلين أوعية الرضا وقال منصور الناس الناس رجلان عارف بنفسه فشغله في المجاهدة والرياضة وعارف بربه فشغله بخدمته وعبادته ومرضاته وقال منصور بن عمار أحسن لباس العبد التواضع والانكسار وأحسن لباس العارفين التقوى قال الله تعالى {ولباس التقوى ذلك خير} (الأعراف) وقال منصور سلامة النفس في مخالفتها وبلاؤها في متابعتها 18 - ومنهم أحمد بن عاصم الأنطاكي كنيته أبو علي ويقال أبو عبد الله وهو الأصح من أقران بشر بن الحارث والسري والحارث المحاسبي ويقال إنه رأى الفضيل بن عياض
سمعت أبا العباس محمد بن الحسن الخشاب قال سمعت جعفرا الخلدي يقول سمعت الجنيد يقول سمعت ابن مسروق الجريري يقول قال أبو عبد الله أحمد بن عاصم الأنطاكي قرة العين وسعة الصدر وروح القلب وطيب النفس من أمور أربعة الاستبانة للحجة والأنس بالأحبة والثقة بالعدة والمعاينة للغاية سمعت أبا القاسم إبراهيم بن محمد بن محمويه النصراباذي يقول سمعت أبا محمد عبد الرحمن بن إدريس الحنظلي الرازي يقول سمعت علي بن عبد الرحمن الزاهد يقول قال أحمد بن عاصم الأنطاكي أنفع العقل ما عرفك نعم الله تعالى عليك وأعانك على شكرها وقام بخلاف الهوى قال وسئل أحمد بن عاصم عن الإخلاص فقال إذا عملت عملا صالحا فلم تحب أن تذكر به وتعظم من أجل عملك ولم تطلب ثواب عملك من أحد سواه فذلك إخلاص عملك قال وقال أحمد أنفع التواضع ما نفى عنك الكبر وأمات منك الغضب قال وقال أحمد أنفع الإخلاص ما نفى عنك الرياء والتزين والتصنع قال وقال أحمد أنفع الفقر ما كنت به متجملا وبه راضيا قال وقال أحمد أنفع الأعمال ما سلمت من آفاتها وكانت مقبولة منك قال وقال أحمد من علامة قلة معرفة العبد بنفسه قلة الحياء وقلة الخوف قال وقال أحمد أضر المعاصي عملك الطاعات بالجهل هو أضر عليك من المعاصي بالجهل قال وقال أحمد العدل عدلان عدل ظاهر فيما بينك وبين الناس وعدل باطن فيما بينك وبين الله تعالى وطريق العدل طريق الاستقامة وطريق الفضل طريق الفضيلة قال وقال أحمد اليقين نور يجعله الله في قلب العبد حتى يشاهد به أمور آخرته ويخرق بقوته كل حجاب بينه وبين ما في الآخرة حتى يطالع تلك الأمور كالمشاهد لها قال وقال أحمد إذا طلبت صلاح قلبك فاستعن عليه بحفظ لسانك قال وقال أحمد اعمل على أن ليس في الأرض أحد غيرك ولا في السماء أحد غيره قال وقال أحمد العاقل من عقل عن الله عز وجل مواعظه وعرف ما يضره مما ينفعه قال وقال أحمد إمام كل عمل علم وإمام كل علم عناية أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعيد الرازي المكتب حدثنا أبو الفضل العباس بن حمزة حدثنا أحمد بن حمزة حدثنا أحمد بن أبي الحواري الدمشقي قال سمعت أحمد بن عاصم الأنطاكي يقول هذه غنيمة باردة أصلح ما بقي يغفر لك ما مضى وبهذا الإسناد قال أحمد قال الله تعالى {أنما أموالكم وأولادكم فتنة} (الأنفال 28) ونحن نستزيد من الفتنة 19 - ومنهم عبد الله بن خببيق بن سابق الأنطاكي كنيته أبو محمد صحب يوسف بن أسباط وهو من زهاد الصوفية والآكلين من الحلال والورعين في جميع أحواله وأصله من الكوفة ولكنه من الناقلة إلى أنطاكية وطريقته في التصوف طريقة النوري فإنه صحب أصحابه وأسند الحديث حدثنا عمر بن أحمد بن عثمان الواعظ ببغداد حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عبد الله بن خبيق حدثنا يوسف بن أسباط حدثنا حبيب بن حسان عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق (إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما) وذكر الحديث أخبرنا أبو عمرو بن مطر حدثنا أبو حفص عمر بن عبد الله بن عمر البحراني حدثنا عبد الله بن خبيق حدثنا يوسف بن أسباط حدثنا سفيان الثوري عن محمد بن جحادة عن قتادة عن أنس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه هذه ثم هذه ثم يغتسل منهن غسلا واحدا
أخبرنا أبو الفرج عبد الواحد بن بكر الورثاني حدثنا أبو الأزهر الميافارقيني قال سمعت فتح بن شخرف يقول حدثني عبد الله بن خبيق الأنطاكي أبو محمد وأول ما لقيته بأذنة قال لي يا خراساني إنما هي أربع لا غير عينك ولسانك وقلبك وهواك فانظر عينك لا تنظر بها إلى ما لا تحل لك وانظر لسانك لا تقل به شيئا يعلم الله خلافه من قلبك وانظر قلبك لا يكن فيه غل ولا حقد على أحد من المسلمين وانظر هواك لا تهو شيئا من الشر فإذا لم يكن فيك هذه الأربع الخصال فقد شقيت قال وسمعته يقول إذا دنا الرجل القارئ من معصية يقول القرآن في جوفه ما لهذا حملتني قال وسمعته يقول خلق الله القلوب مساكن للذكر فصارت مساكن للشهوات ولا يمحو الشهوات من القلوب إلا خوف مزعج أو شوق مقلق سمعت محمد بن علي بن الخليل يقول سمعت جعفر بن محمد بن سوار يقول سمعت عبد الله بن خبيق يقول لكل تاجر رأس مال ورأس مال صاحب الحديث الصدق قال وقال عبد الله لا يستغنى حال من الأحوال عن الصدق والصدق مستغن عن الأحوال كلها ولو صدق العبد فيما بينه وبين الله حقيقة الصدق لاطلع على خزائن من خزائن الغيب ولكان أمينا في السموات والأرض قال وقال عبد الله من أراد أن يعيش غنيا في حياته فلا يسكن الطمع قلبه أخبرنا علي بن محمد لؤلؤ الوراق البغدادي إجازة قال حدثنا عمر ابن عبد الله البحراني قال سمعت عبد الله بن خبيق يقول إن استطعت ألا يسبقك أحد إلى مولاك فافعل ولا تؤثر على مولاك شيئا قال وسمعته يقول لا تغتم إلا من شيء يضرك غدا ولا تفرح بشيء إلا بشيء يسرك غدا قال سمعته يقول ما بقي على وجه الأرض أحد إلا مستوحش منه أولهم أنا قال سمعته يقول علامة الألفة قلة الخلاف وبذل المعروف قال سمعته وقال عبد الله أنفع الخوف ما حجزك عن المعاصي وأطال منك الحزن على ما فاتك وألزمك الفكرة في بقية عمرك قال وقال عبد الله وحشة العباد عن الحق أوحشت منهم القلوب ولو أنسوا بربهم ولزموا الحق لاستأنس بهم كل أحد قال وقال عبد الله أنفع الرجاء ما سهل عليك العمل لإدراك ما ترجوا قال وسئل عبد الله بماذا ألزم الحق في أحوالي فقال بإنصاف الناس من نفسك وقبول الحق ممن هو دونك قال وقال عبد الله إخلاص العمل أشد من العمل والعمل يعجز عنه الرجال قال وقال عبد الله طول الاستماع إلى الباطل يطفي حلاوة الطاعة من القلب 20 - ومنهم أبو تراب النخشبي واسمه عسكر بن حصين ويقال عسكر بن محمد بن حصين صحب أبا حاتم العطار البصري وحاتما الأصم البلخي وهو من جلة مشايخ خراسان والمذكورين بالعلم والفتوة والتوكل والزهد والورع سمعت أبا الحسن القزويني يقول سمعت علي بن عبدك يقول سمعت ابا عمران الطبرستاني يقول سمعت ابن الفرجي يقول رأيت حول أبي تراب من أصحابه عشرين ومائة صاحب ركوة قعود حول الأساطين ما مات منهم على الفقر إلا أبو عبيد البسري وابن الجلاء سمعت عبد الله بن علي الطوسي يقول سمعت محمد بن داود الدقي الدينوري يقول سمعت أبا عبد الله بن الجلاء يقول لقيت ستمائة شيخ ما لقيت فيهم مثل أربعة أولهم أبو تراب النخشبي توفي في البادية قيل نهشته السباع سنة خمس وأربعين ومائتين وأسند الحديث أخبرنا محمد بن أحمد بن فارس الحافظ البغدادي بها قال حدثنا عبد الله ابن محمد بن جعفر الأصبهاني قال حدثنا محمد بن عبد الله بن مصعب حدثنا أبو تراب عسكر بن حصين حدثنا محمد بن نمير حدثنا محمد بن ثابت حدثنا شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب فإن ربهم يطعمهم ويسقيهم)
أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر الأصبهاني إجازة بذلك قال سمعت منصور بن عبد الله الأصبهاني يقول سمعت أبا جعفر بن تركان يقول سمعت يعقوب بن الوليد يقول سمعت أبا تراب يقول يا أيها الناس أنتم تحبون ثلاثة وليست هي لكم تحبون النفس وهي لله وتحبون الروح والروح لله وتحبون المال والمال للورثة وتطلبون اثنين ولا تجدونهما الفرج والراحة وهما في الجنة سمعت أبا نصر عبد الله بن علي يقول سمعت علي بن الحسين يقول قلت لأبي تراب وقد أخذ طريق البادية لا بد من قوت فقال لا بد ممن لا بد منه قال وقال أبو تراب اشرف القلوب قلب حي بنور الفهم عن الله تعالى قال وقال أبو تراب سبب الوصول إلى الله سبع عشرة درجة أدناها الإجابة وأعلاها التوكل على الله بحقيقته قال وقال أبو تراب ليس من العبادات شيء أنفع من إصلاح خواطر القلوب قال وقال أبو تراب الفقير قوته ما وجد ولباسه ما ستر ومسكنه حيث نزل قال وقال أبو تراب إذا صدق العبد في العمل وجد حلاوته قبل مباشرة العمل قال وقال أبو تراب من شغل مشغولا بالله عن الله أدركه المقت من ساعته سمعت علي بن سعيد الثغري يقول سمعت عبد السلام بن محمد المخرمي يقول سمعت ابن أبي شيخ يقول سمعت علي بن الحسين التميمي يقول سمعت أبا تراب يقول التوكل طمأنينة القلب إلى الله عز وجل قال وقال رجل لأبي تراب ألك حاجة فقال له يوم يكون لي إليك وإلى أمثالك حاجة لا يكون لي إلى الله حاجة قال وقال أبو تراب حقيقة الغنى أن تستغني عمن هو مثلك وحقيقة الفقر أن تفتقر إلى من هو مثلك قال وقال أبو تراب الذي منع الصادقين الشكوى إلى غير الله الخوف من الله عز وجل سمعت أحمد بن محمد بن زكريا النسوي يقول سمعت علي بن إبراهيم الشقيقي يقول سمعت إبراهيم بن المولد يقول سمعت محمد بن أحمد الرافعي يقول سمعت علي بن الحسين التميمي يقول سمعت أبا تراب النخشبي يقول الكيس من عمال الله من حفظ حده مع الله تعالى وترك العلم يجري مجاريه قال وقال أبو تراب إن الله عز وجل ينطق العلماء في كل زمان بما يشاكل أعمال أهل ذلك الزمان قال وقال أبو تراب احفظ همك فإنه مقدمة الاشياء فمن صح له همه صح له ما بعد ذلك من أفعاله وأحواله قال وقال أبو تراب القناعة أخذ القوت من الله عز وجل قال وقال أبو تراب من استفتح أبواب المعاش بغير مفاتيح الأقدار وكل إلى حوله وقوته فسئل ما مفاتيح الأقدار فقال الرضا بما يرد عليه في كل وقت من أسباب الغيب الطبقة الثانية من أئمة الصوفية 21 - ومنهم الجنيد بن محمد أبو القاسم الخزاز وكان أبوه يبيع الزجاج فلذلك كان يقال له القواريري أصله من نهاوند ومولده ومنشؤه بالعراق كذلك سمعت أبا القاسم النصراباذي يقول وكان فقيها تفقه على أبي ثور وكان يفتي في حلقته وصحب السري السقطي والحارث المحاسبي ومحمد بن القصاب البغدادي وغيرهم وهو من أئمة القوم وسادتهم مقبول على جميع الألسنة توفي سنة سبع وتسعين ومائتين يوم نيروز الخليفة يوم السبت وقيل توفي في آخر ساعة من يوم الجمعة ودفن يوم السبت سمعت أبا الحسن بن مقسم يذكر ذلك وأسند الحديث حدثنا محمد بن عبد الله الحافظ قال حدثنا بكير بن أحمد الحداد الصوفي بمكة حدثنا الجنيد بن محمد أبو القاسم الصوفي حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا محمد بن كثير الكوفي عن عمرو بن قيس الملائي عن عطية عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (احذروا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى وقرأ {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} قال للمتفرسين) (الحجر 75) سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول قال الجنيد القرب بالوجد جمع والغيبة بالبشرية تفرقة
سمعت عبد الواحد بن بكر يقول سمعت همام بن الحارث يقول سمعت الجنيد يقول باب كل علم نفيس جليل بذل المجهود وليس من طلب الله ببذل المجهود كمن طلبه من طريق الجود سمعت أبا الفتح يوسف بن عمر الزاهد ببغداد يقول سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول سمعت الجنيد يقول إن الله تعالى يخلص إلى القلوب من بره حسب ما خلصت القلوب به إليه من ذكره فانظر ماذا خالط قلبك سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله شاذان يقول سمعت جعفرا الخلدي يقول سمعت الجنيد يقول يا ذاكر الذاكرين بما به ذكروه ويا بادئ العارفين بما به عرفوه ويا موفق العابدين لصالح ما عملوه من ذا الذي يشفع عندك إلا بإذنك ومن ذا الذي يذكرك إلا بفضلك سمعت محمد بن الحسن البغدادي يقول سمعت الجنيد وسئل من العارف يقول من نطق عن سرك وأنت ساكت سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا محمد الجريري يقول سمعت الجنيد يقول ما أخذنا التصوف عن القيل والقال لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات لأن التصوف هو صفاء المعاملة مع الله تعالى وأصله التعزف عن الدنيا كما قال حارث عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري سمعت نصر بن أبي نصر العطار يقول سمعت أحمد بن العلاء يقول سمعت أبا بكر الملاعقي يقول سمعت الجنيد يقول إنما هذا الاسم يعني التصوف نعت أقيم العبد فيه فقلت يا سيدي نعت للعبد أم نعت للحق فقال نعت للحق حقيقة ونعت للعبد رسما سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا عمرو الأنماطي يقول سمعت الجنيد يقول إنك لن تكون له على الحقيقة عبدا وشيء مما دونه لك مسترق وإنك لن تصل إلى صريح الحرية وعليك من حقيقة عبوديته بقية فإذا كنت له وحده عبدا كنت مما دونه حرا سمعت أبا بكر يقول سمعت أبا محمد الجريري يقول سمعت الجنيد يقول لرجل ذكر المعرفة فقال أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله تعالى فقال الجنيد إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال وهذه عندي عظيمة والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا وإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله وإليه رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال بي دونها وإنه لأوكد في معرفتي وأقوى في حالي سمعت أبا الحسن الفارسي يقول سمعت أبا إسحاق الدينوري يقول سئل الجنيد من العارف فقال من لم يأسره لحظه ولا لفظه قال وقال الجنيد الغفلة عن الله تعالى أشد من دخول النار سمعت أبا العباس محمد بن الحسن الخشاب يقول سمعت جعفر بن محمد يقول سمعت الجنيد يقول إن أمكنك ألا تكون آلة بيتك إلى خزفا فافعل وكذلك كانت آلة بيته قال وقال الجنيد الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم واتبع سنته ولزم طريقته فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه سمعت الحسين بن يحيى يقول سمعت جعفرا يقول سمعت الجنيد يقول حاجة العارفين إلى كلائته ورعايته قال تعالى {قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن} (الأنبياء 42) قال وقال الجنيد نجح قضاء كل حاجة من الدنيا تركها وبهذا الإسناد قال الجنيد إذا لقيت الفقير فلا تبدأه بالعلم وابدأه بالرفق فإن العلم يوحشه والرفق يؤنسه سمعت أبا العباس البغدادي يقول سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول سمعت الجنيد يقول للشبلي يا ابا بكر إذا وجدت من يوافقك على كلمة مما تقول فتمسك به سمعت أبا نصر الطوسي يقول سمعت أحمد بن عطاء يذكر عن خاله أبي علي عن الجنيد أنه قال لا تقوم بما عليك حتى تترك ما لك ولا يقوى على ذلك إلا نبي أو صديق قال وقال الجنيد الأنس بالمواعيد والتعويل عليها خلل في الشجاعة قال وقال الجنيد الوقت إذا فات لا يستدرك وليس شيء أعز من الوقت
سمعت أبا الحسن علي بن محمد القزويني يقول سمعت أبا الطيب العكي يقول سمعت جعفرا الخلدي يقول سمعت الجنيد يقول فتح كل باب شريف بذل المجهود سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت أبا عمرو الأنماطي يقول سمعت الجنيد يقول لو أقبل صادق على الله ألف ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة كان ما فاته أكثر مما ناله سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول سمعت الخلدي يقول سمعت الجنيد يقول أكثر الناس علما بالأوقات أكثرهم آفات قال وقال الجنيد لرجل سأله من أصحب فقال من تقدر أن تطلعه على ما يعلمه الله منك قال وقيل له مرة أخرى من أصحب فقال من يقدر أن ينسى ما له ويقضي ما عليه قال وقال الجنيد الحياء من الله عز وجل أزال عن قلوب أوليائه سرور المنة سمعت أحمد بن نصر بن عبد الله بن الفتح الذراع بالنهروان قال سمعت الجنيد يقول مقام الغريب ببغداد بعد خمسة أيام فضول وسمعت أحمد يقول سمعت الجنيد يقول من نظر إلى ولي من أولياء الله تعالى فقبله وأكرمه أكرمه الله على رءوس الأشهاد قال وقال الجنيد الرضا ثاني درجات المعرفة فمن رضي صحت معرفته بالله بدوام رضاه عنه سمعت جعفرا الخلدي يقول رأيت الجنيد في المنام فقلت له أليس كلام الأنبياء إشارات عن مشاهدات فتبسم وقال كلام الأنبياء نبأ عن حضور وكلام الصديقين إشارات عن مشاهدات سمعت أبا الحسن يقول سمعت جعفرا يقول كتب الجنيد إلى بعض إخوانه يقول من أشار إلى الله وسكن إلى غيره ابتلاه الله تعالى وحجب ذكره عن قلبه وأجراه على لسانه فإن انتبه وانقطع ممن سكن إليه كشف الله ما به من المحن والبلوى وإن دام على سكونه نزع الله تعالى من قلوب الخلق الرحمة عليه وألبس لباس الطمع فتزداد مطالبته منهم مع فقدان الرحمة من قلوبهم فتصير حياته عجزا وموته كمدا ومعاده أسفا ونحن نعوذ بالله من السكون إلى غير الله قال وقال الجنيد قد مشى رجال باليقين على الماء ومن مات على العطش أفضل منهم يقينا قال وقال الجنيد من عرف الله لا يسر إلا به سمعت أبا علي محمد بن إبراهيم البزاز يقول سمعت أبا عمرو الزجاجي يقول سألت الجنيد عن المحبة فقال تريد الإشارة قلت لا قال تريد الدعوى قلت لا قال فأيش تريد قلت عين المحبة فقال أن تحب ما يحب الله تعالى في عباده وتكره ما يكره الله تعالى في عباده سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت أبا عمرو الأنماطي يقول وقال رجل للجنيد على ماذا يتأسف المحب من أوقاته قال على زمان بسط أورث قبضا أو زمان أنس أورث وحشة ثم أنشأ يقول (قد كان لي مشرب يصفو برؤيتكم ... فكدرته يد الأيام حين صفا) 22 - ومنهم أبو الحسين النوري واسمه أحمد بن محمد وقيل محمد ابن محمد وأحمد أصح بغدادي المنشأ والمولد خراساني الأصل يعرف بابن البغوي سمعت محمد بن الحسن بن خالد يقول سمعت ابن الأعرابي يقول كان أبو الحسين النوري خراساني الأصل من قرية بين هراة ومرو الروذ يقال لها بغشور لذلك كان يعرف بابن البغوي وكان من أجل مشايخ القوم وعلمائهم لم يكن في وقته أحسن طريقة منه ولا ألطف كلاما صحب سريا السقطي ومحمد بن علي القصاب ورأى أحمد بن أبي الحواري توفي سنة خمس وتسعين ومائتين كذلك سمعت محمد بن عبد الله ابن عبد العزيز الطبري يقول سمعت علي بن عبد الرحيم يقول ذلك وأسند الحديث
أخبرنا أبو القاسم عبد الرحيم بن علي البزاز الحافظ ببغداد قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن عمر بن الفضل حدثنا محمد بن عيسى الدهقان قال كنت أمشي مع أبي الحسين أحمد بن محمد المعروف بابن البغوي الصوفي فقلت له ما الذي تحفظ عن سري السقطي فقال حدثنا السري عن معروف الكرخي عن ابن السماك عن الثوري عن الأعمش عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من قضى لأخيه المسلم حاجة كان له من الأجر كمن خدم الله عمره) قال محمد بن عيسى الدهقان فذهبت إلى سري السقطي فسألته عنه فقال سمعت معروف بن فيروز الكرخي يقول خرجت من الكوفة فرأيت رجلا من الزهاد يقال له ابن السماك فتذاكرنا العلم فقال حدثني الثوري عن الأعمش مثله سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن شاذان يقول سمعت جعفر بن محمد يقال قال النوري الجمع بالحق تفرقة عن غيره والتفرقة عن غيره جمع به سمعت عبد الواحد بن بكر يقول سمعت علي بن عبد الرحيم يقول سمعت النوري يقول التصوف ترك كل حظ للنفس قال وسمعت النوري يقول من وصل إلى وده انس بقربه ومن توسل بالوداد فقد اصطفاه من بين العباد أنشدني منصور بن عبد الله قال سمعت الفرغاني ينشد لأبي الحسين النوري (كم حسرة لي قد غصت مرارتها ... جعلت قلبي لها وقفا لبلواكا) (وحق ما منك يبليني ويتلفني ... لأبكينك أو أحظى بلقياكا) قال وسئل النوري عن الحبيب والخليل فقال ليس من طولب بالتسليم كمن بادر بالتسليم سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت القناد يقول سمعت أبا الحسين النوري يقول رأيت غلاما جميلا ببغداد فنظرت إليه ثم أردت أن أردد النظر فقلت له تلبسون النعال الصرارة وتمشون في الطرقات قال أحسنت أتجمش بالعلم ثم أنشأ يقول (تأمل بعين الحق إن كنت ناظرا ... إلى صفة فيها بدائع فاطر) (ولا تعط حظ النفس منها لما بها ... وكن ناظرا بالحق قدرة قادر) قال وسئل النوري عن التصوف فقال ليس التصوف رسوما ولا علوما ولكنها أخلاق سمعت عبد الواحد بن بكر يقول سمعت عليا الفتى يقول سمعت أبا الحسين النوري يقول أهل الديانة موقوفون وأهل التوحيد يسيرون وأهل الرضا يستروحون وأهل الانقطاع يتحيرون ثم قال إن الحق إذا ظهر تلاشى كل ما حجب وستر سمعت نصر بن أبي نصر العطار يقول سمعت علي بن عبد الله البغدادي يقول سمعت فارسا الحمال يقول لحق أبا الحسين النوري علة والجنيد علة فالجنيد أخبر عن وجده والنوري كتم فقيل له لم لم تخبر كما أخبر صاحبك فقال ما كنا لنبتلى ببلوى فتوقع عليه اسم الشكوى ثم أنشأ يقول (إن كنت للسقم أهلا ... فأنت للشكر أهلا) (عذب فلم يبق قلب ... يقول للسقم مهلا) فأعيد ذلك على الجنيد فقال ما كنا شاكين ولكن أردنا أن نكشف عن عين القدرة فينا ثم بدأ يقول (أجل ما منك يبدو ... لأنه عنك جلا) (وأنت يا أنس قلبي ... أجل من أن تجلا) (أفنيتني عن جميعي ... فكيف أرعى المحلا) قال فبلغ ذلك الشبلي فبدأ يقول (محنتي فيك أني ... لا أبالي بمحنتي) (يا شفائي من السقام ... وإن كنت علتي) (تبت دهرا فمذ عرفتك ... ضيعت توبتي) (قربكم مثل بعدكم ... فمتى وقت راحتي) سمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت إبراهيم بن فاتك يقول سمعت النوري يقول مقامات أهل النظر في النظر شتى فمنهم من كان نظره نظر التسلي ومنهم من كان نظره نظر استفادة ومنهم من كان نظره نظر عيان المكاشفة ومنهم من كان نظره نظر المنافسة في المشاهدة ومنهم من كان نظره نظر المشاكلة والمماثلة ومنهم من كان نظره نظر طيبة وملاحظة ومنهم من كان نظره نظر إشراف ومطالعة وكل واحد منهم أهل النظر قال وقال النوري أعز الأشياء في زماننا شيئان عالم يعمل بعلمه وعارف ينطق عن حقيقته قال وقال النوري من عقل الأشياء بالله فرجوعه في كل شيء إلى الله
قال وسئل النوري عن الفقير الصادق فقال الذي لا يتهم الله تعالى في الأسباب ويسكن إليه في كل حال قال وأنشدنا النوري (وكم رمت أمرا خرت لي في انصرافه ... فلا زلت بي مني أبر وأرحما) (عزمت على ألا أحس بخاطر ... على القلب إلا كنت أنت المقدما) (وألا تراني عند ما قد كرهته ... لأنك في قلبي كبيرا معظما) قال وأحضر النوري مجلسا للسلطان فقال له من أين تأكلون فقال لسنا نعرف الأسباب التي تستجلب بها الأرزاق نحن قوم مدبرون 23 - ومنهم أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور الحيري النيسابوري وأصله من الري صحب قديما يحيى بن معاذ الرازي وشاه بن شجاع الكرماني ثم رحل إلى نيسابور إلى أبي حفص وصحبه وأخذ عنه طريقته وهو في وقته من أوحد المشايخ في سيرته ومنه انتشر طريقة التصوف بنيسابور سمعت عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الرازي يقول لقيت الجنيد ورويما ويوسف بن الحسين ومحمد بن الفضل وأبا علي الجوزجاني وغيرهم من المشايخ فلم أر أحدا أعرف بالطريق إلى الله عز وجل من أبي عثمان مات أبو عثمان بنيسابور سنة ثمان وتسعين ومائتين وكذلك سمعت محمد بن أحمد بن حمدان يذكر ذلك وقال صليت عليه وأسند الحديث أخبرنا سعيد بن عبد الله بن سعيد بن إسماعيل قال وجدت في كتاب جدي أبي عثمان بخط يده حدثني أبو صالح حمدون القصار صاحبنا قال حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري حدثنا قتيبة حدثنا عبثر عن أشعث عن محمد عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من مات وعليه صوم شهر رمضان أطعم عنه وليه كل يوم مسكينا) ورأيت أنا هذا الحديث بخط أبي عثمان في كتابه سمعت أبا عمرو بن حمدان يقول وجدت في كتاب أبي سمعت أبا عثمان يقول أصل العداوة من ثلاثة أشياء من الطمع في المال والطمع في إكرام الناس والطمع في قبول الناس قال وسمعت أبا عثمان يقول لا يكمل الرجل حتى يستوي قلبه في أربعة اشياء في المنع والعطاء والعز والذل قال وسمعت أبا عثمان يقول صلاح القلب في اربع خصال في التواضع لله والفقر إلى الله والخوف من الله والرجاء في الله قال وسمعته يقول الموفق من لا يخاف غير الله ولا يرجو غيره فيؤثر رضاه على هوى نفسه قال وسمعته يقول العجب يتولد من رؤية النفس وذكرها ورؤية الخلق وذكرهم قال ووجدت بخط أبي قلت لأبي عثمان كنت أجد في قلبي حلاوة عند إقبال الليل وأنا لا أجدها الساعة فقال لعلك سررت بشيء من الدنيا فذهبت بحلاوة ذلك من قلبك وربما يعرفك الله ضعفك ويريك قدرك فيلبسك حلاوة مناجاة الليل حتى تتضرع إليه فيرده عليك لئلا تأمن مكره قال وسمعت أبا عثمان يقول الخوف من الله يوصلك إلى الله والكبر والعجب في نفسك يقطعك عن الله واحتقار الناس في نفسك مرض عظيم لا يداوى قال وسمعت أبا عثمان يقول الناس على أخلاقهم ما لم يخالف هواهم فإذا خولف هواهم بان ذوو الأخلاق الكريمة من ذوي الأخلاق اللئيمة سمعت أبا عمرو بن مطر يقول سمعت أبا عثمان يقول من جل مقداره في نفسه جل أقدار الناس عنده ومن صغر مقداره في نفسه صغر أقدار الناس عنده سمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن يوسف يقول سمعت أبا عثمان يقول تعززوا بعز الله كي لا تذلوا قال وقال أبو عثمان سرورك بالدنيا أذهب سرورك بالله من قلبك وخوفك من غيره أذهب خوفك منه عن قلبك ورجاؤك من دونه أذهب رجاءك إياه من قلبك قال وقال أبو عثمان العاقل من تأهب للمخاوف قبل وقوعها قال وقال أبو عثمان قطيعة الفاجر غنم قال وقال أبو عثمان حق لمن أعزه الله بالمعرفة ألا يذله بالمعصية قال وقال أبو عثمان كان يقال الأدب سند الفقراء وزين الأغنياء
قال وقال أبو عثمان أوجب الله على نفسه العفو عن المقصرين من عباده لذلك قال {كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم} (الأنعام 54) قال وقال أبو عثمان الزهد في الحرام فريضة وفي المباح فضيلة وفي الحلال قربة قال وقال أبو عثمان التفويض رد ما جهلت علمه إلى عالمه والتفويض مقدمة الرضا والرضا باب الله الأعظم قال وقال أبو عثمان الصبر على الطاعة حتى لا تفوتك الطاعة والصبر عن المعصية حتى تنجو من الإصرار على المعصية قال وقال أبو عثمان الفراسة ظن وافق الصواب والظن يخطئ ويصيب فإذا تحقق في الفراسة تحقق في حكمها لأنه إذ ذاك يحكم بنور الله تعالى لا بنفسه قال وقال أبو عثمان أصل التعلق بالخيرات قصر الأمل قال وقال أبو عثمان أنت في سجن ما تبعت مرادك وشهواتك فإذا فوضت وسلمت استرحت قال وقال أبو عثمان الذكر الكثير أن تذكره في ذكرك له إنك لم تصل إلى ذكره إلا به وبفضله سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن إبراهيم يقول سمعت أبا الحسين الوراق يقول سمعت أبا عثمان وسئل كيف يستجيز للعاقل أن يزيل اللائمة عمن يظلمه فقال ليعلم أن الله سلطه عليه قال وقال أبو عثمان أصحب الأغنياء بالتعزز والفقراء بالتذلل فإن التعزز على الأغنياء تواضع والتذلل للفقراء شرف سمعت محفوظا يقول سألت أبا عثمان عن قول النبي صلى الله عليه وسلم (أعوذ بك منك) فقال استعمل الصدق في اللفظتين المتقدمتين يبلغ فهمك إلى هذه الكلمة وهو قوله أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك قال وسئل أبو عثمان ما علامة السعادة والشقاوة فقال علامة السعادة أن تطيع الله وتخاف أن تكون مردودا وعلامة الشقاوة أن تعصي الله وترجو أن تكون مقبولا قال وقال أبو عثمان من صحب نفسه صحبه العجب ومن صحب أولياء الله وفق للوصول إلى الطريق إلى الله 24 - ومنهم أبو عبد الله بن الجلاء واسمه أحمد بن يحيى ويقال محمد بن يحيى وأحمد أصح كان أصله من بغداد أقام بالرملة ودمشق وكان من جلة مشايخ الشام صحب أباه يحيى الجلاء وأبا تراب النخشبي وذا النون المصري وأبا عبيد البسري وكان أستاذ محمد بن داود الدقي وكان عالما ورعا سمعت جدي إسماعيل بن نجيد يقول كان يقال إن في الدنيا ثلاثة من أئمة الصوفية لا رابع لهم الجنيد ببغداد وأبو عثمان بنيسابور وأبو عبد الله بن الجلاء بالشام سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا عمرو الدمشقي يقول سمعت أبا عبد الله بن الجلاء يقول الحق استصحب أقواما للكلام وأقواما للخلة فمن استصحبه الحق لمعنى ابتلاه بأنواع المحن فليحذر أحدكم طلب رتبة الأكابر وبإسناده قال سمعت أبا عبد الله يقول من بلغ بنفسه إلى رتبة سقط عنها ومن بلغ به ثبت عليها وبإسناده قال وقد سأله رجل على أي شرط أصحب الخلق فقال إن لم تبرهم فلا تؤذهم وإن لم تسرهم فلا تسؤهم قال وقال أبو عبد الله لا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك وبينه من المودة والصداقة فإن الله تعالى فرض لكل مؤمن حقوقا لا يضيعها إلا من لم يراع حقوق الله عليه قال وسئل أبو عبد الله كيف تكون ليالي الأحباب فأنشأ يقول (من لم يبت والحب حشو فؤاده ... لم يدر كيف تفتت الأكباد) سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول سمعت العباس بن عصام يقول سمعت أبا عبد الله بن الجلاء يقول يحتاج أن يكون للعبد شيء يعرف به كل شيء قال وقال أبو عبد الله من استوى عنده المدح والذم فهو زاهد ومن حافظ على الفرائض في أول مواقيتها فهو عابد ومن رأى الأفعال كلها من الله عز وجل فهو موحد سمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت أحمد بن علي يقول قال رجل لأبي عبد الله ما تقول في الرجل يدخل البادية بلا زاد فقال هذا من فعل رجال الله عز وجل قال فإن مات قال الدية على القاتل
قال وقال أبو عبد الله اهتمامك بالرزق يزيلك عن الحق ويفقرك إلى الخلق قال وقال أبو عبد الله كل حق يشاركه باطل فقد خرج من قسمة الحق إلى قسمة الباطل فإن الحق غيور قال وقال أبو عبد الله من غيرة الحق أن لم يجعل لأحد إليه طريقا ولم يؤيس أحدا من الوصول إليه وترك الخلق في مفاوز التحير يركضون وفي بحار الظن يغرقون فمن ظن أنه واصل فاصله ومن ظن أنه فاصل مناه فلا وصول إليه ولا مهرب عنه ولا بد منه قال وقال أبو عبد الله الدنيا أوسع رقعة وأكثر زحمة من أن يجفوك واحد فلا يرغب فيك آخر وأنشد (تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أهلا بأهل وجيرانا بجيران) قال وسئل أبو عبد الله عن الحق فقال إذا كان الحق واحدا يجب أن يكون وحداني الذات قال وقال أبو عبد الله سمت همم العارفين إلى مولاهم فلم تعكف على شيء سواه وسمت همم المريدين إلى طلب الطريق إليه فأفنوا نفوسهم في الطلب قال وقال أبو عبد الله من علت همته على الأكوان وصل إلى مكونها ومن وقف بهمته على شيء سوى الحق فاته الحق لأنه أعز من أن يرضى معه بشريك 25 - ومنهم رويم بن أحمد بن يزيد كنيته أبو محمد ويقال رويم ابن محمد بن أحمد والأول أصح وهو من أهل بغداد من جلة مشايخهم وجده رويم بن يزيد حدث عن ليث بن سعد وغيره وقيل كنيته أبو بكر وكان فقيها على مذهب داود الأصبهاني وكان مقرئا فقرأ على إدريس ابن عبد الكريم الحداد مات سنة ثلاث وثلاثمائة ووجدت بخط قديم حديثا مسندا ولم أسمعه من أحد وفيه مكتوب حدثت عن رويم بن أحمد الصوفي ببغداد قال حدثنا يزيد بن سنان البصري حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا سويد أبو حاتم عن قتادة عن أنس بن مالك أن رجلا لعن برغوثا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي (لا تلعنه فإنه أيقظ نبيا من الأنبياء للصلاة) سمعت محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن شاذان يقول سمعت رويما وسئل عن أدب المسافر يقول لا يجاوز همه قدمه وحيثما وقف قلبه يكون منزله وسمعت محمدا يقول سمعت رويم بن أحمد يقول لا يزال الصوفية بخير ما تنافروا فإن اصطلحوا هلكوا قال وقال رويم بن أحمد من حكم الحكيم أن يوسع على إخوانه في الأحكام ويضيق على نفسه فيها فإن التوسعة عليهم اتباع العلم والتضييق على نفسه من حكم الورع قال وقال رويم إن الله تعالى غيب أشياء في أشياء غيب مكره في حلمه وغيب خداعه في لطفه وغيب عقابه في كرامته قال وقيل له هل ينفع الولد صلاح الوالدين فقال من لم يكن بنفسه لا يكون بغيره بل من لم يكن بربه لا يكون بنفسه وأنشد لابن الرومي (إذا العود لم يثمر وإن كان شعبة ... من المثمرات اعتده الناس في الحطب) قال وسئل رويم عن الشاطر فقال من شطرت نفسه عن الباطل قال وسئل رويم عن حقيقة الفقر فقال أخذ الشيء من جهته واختيار القليل على الكثير عند الحاجة قال وقال رويم قعودك مع كل طبقة من الناس أسلم من قعودك مع الصوفية فإن كل الخلق قعدوا على الرسوم وقعدت هذه الطائفة على الحقائق وطالب الخلق كلهم أنفسهم بظواهر الشرع وطالبوا هم أنفسهم بحقيقة الورع ومداومة الصدق فمن قعد معهم وخالفهم في شيء مما يتحققون فيه نزع الله نور الإيمان من قلبه قال وقال رويم لما عظمت فيهم البلية استحكمت عليهم الفتنة واستصغروا عند ذلك كل مقام وعزب عنهم التدبير والنظام سمعت الحسين بن يحيى الشافعي يقول سمعت جعفر بن محمد الخواص يقول سمعت رويما يقول الإخلاص ارتفاع رؤيتك من الفعل قال وسئل رويم عن الفتوة فقال أن تعذر إخوانك في زلاتهم ولا تعاملهم بما تحتاج أن تعتذر منه
سمعت عبد الواحد بن بكر يقول سمعت محمد بن خفيف يقول سألت رويم بن أحمد فقلت له أوصني فقال أقل ما في هذا الأمر بذل الروح فإن أمكنك الدخول مع هذا فيه وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية سمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت إبراهيم بن فاتك يقول قال رويم الصبر ترك الشكوى قال وقال رويم الرضا استلذاذ البلوى قال وقال رويم اليقين هو المشاهدة قال وقال رويم يعاتب الخلق بالإرفاق ويعاتب المحب بالغلظة وأنشد لغيره (لو كنت عاتبة لسكن عبرتي ... أملى رضاك وزرت غير مراقب) (لكن مللت فلم تكن لي حيلة ... صد الملول خلاف صد العاتب) قال وقال رويم التوكل إسقاط رؤية الوسائط والتعلق بأعلى العلائق قال وسئل عن المحبة فقال الموافقة في جميع الأحوال وأنشد (ولو قلت لي مت مت سمعا وطاعة ... وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا) قال وقال رويم الأنس أن تستوحش مما سوى محبوبك قال وقيل له كيف حالك فقال كيف يكون حال من دينه هواه وهمته شقاه ليس بصالح تقي ولا عارف نقي قال وقال رويم من أحب لعوض بغض العوض إليه محبوبه قال وسئل رويم عن الشوق فقال أن تشوقه آثار المحبوب وتفنيه مشاهدته 26 - ومنهم يوسف بن الحسين أبو يعقوب الرازي شيخ الري والجبال في وقته كان أوحد في طريقته في إسقاط الجاه وترك التصنع واستعمال الإخلاص صحب ذا النون المصري وأبا تراب النخشبي ورافق أبا سعيد الخراز في بعض أسفاره وكان عالما دينا سمعت عبد الله بن عطاء يقول مات يوسف سنة أربع وثلاثمائة وروى الحديث حدثنا أبو نصر عبد الله بن علي الطوسي قال حدثنا محمد بن أحمد بن الحسين الراوي يقول سمعت يوسف بن الحسين يقول حدثني بعض رفقائي عن أبي بكر بن داود الأصبهاني عن أبيه عن سويد بن سعيد عن علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من عشق فعف وكتم ثم مات فهو شهيد) وأخبرنا عبد الله قال حدثنا محمد حدثنا يوسف حدثنا عبد الله بن حاضر حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا روح عن سعيد عن قتادة عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) سمعت عبد الله بن علي الطوسي يقول سمعت أبا جعفر محمد بن أحمد الرازي يقول سمعت يوسف بن الحسين يقول علم القوم بأن الله يراهم فاستحيوا من نظره أن يراعوا شيئا سواه قال وقال يوسف من ذكر الله بحقيقة ذكره نسى ذكر غيره ومن نسى ذكر كل شيء في ذكره حفظ عليه كل شيء إذ كان الله له عوضا من كل شيء قال وقال رجل ليوسف دلني على طريق المعرفة فقال أر الله الصدق منك في جميع أحوالك بعد أن تكون موافقا للحق ولا ترق إلى حيث لم يرق بك فتزل قدمك فإنك إذا رقيت سقطت وإذا رقي بك لم تسقط وإياك أن تترك اليقين لما ترجوه ظنا قال وقال يوسف إذا رأيت الله قد أقامك لطلب شيء وهو يمنعك ذلك فاعلم أنك معذب قال وسئل يوسف بماذا يقطع الطريق إلى الله قال به وبخطاب كراماته ولطائف جذبه إلى ساحات توحيده ومروج كراماته قال وقال يوسف يتولد الإعجاب بالعمل من نسيان رؤية المنة فيما يجري الله لك من الطاعات قال وقال يوسف خفة المعدة من الشهوات والفضول قوة على العبادة قال وسئل يوسف عن الفقير الصادق فقال من آثر وقته فإن كان فيه تطلع إلى وقت ثان لم يستحق اسم الفقر قال وقال يوسف من تفتت عذاره وانقطع حزامه وساح في مفاوز المخاطرات تجرى عليه أحكام السعايات وهو يقول في تيهه (كيف السبيل إلى مرضاة من غضبا ... من غير جرم ولم أعرف له سببا) قال وقال يوسف أرغب الناس في الدنيا أكثرهم ذما لها عند أبنائها لأن المذمة لها حرفة عندهم
قال وقال يوسف اصل العقل الصمت وباطن العقل كتمان السر وظاهر العقل الاقتداء بالسنة قال وقال يوسف كل ما رأيتموني أفعله فافعلوه إلا صحبة الأحداث فإنهم أفتن الفتن قال وقال يوسف أذل الناس الفقير الطموع والمحب لمحبوبه قال وقال يوسف الخير كله في بيت ومفتاحه التواضع والشر كله في بيت ومفتاحه التكبر ومما يدلك على ذلك أن آدم عليه السلام تواضع في ذنبه فنال العفو والكرامة وأن إبليس تكبر فلم ينفعه معه شيء قال وقال يوسف بالأدب تفهم العلم وبالعلم يصح لك العمل وبالعمل تنال الحكمة وبالحكمة تفهم الزهد وتوفق له وبالزهد تترك الدنيا وبترك الدنيا ترغب في الآخرة وبالرغبة في الآخرة تنال رضى الله سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن شاذان يقول بلغني أن يوسف بن الحسين كان يقول إذا أردت أن تعرف العاقل من الأحمق فحدثه بالمحال فإن قبل فاعلم أنه أحمق قال وقال يوسف إن عين الهوى عوراء سمعت أبا بكر الرازي يقول قال يوسف بن الحسين عارضني بعض الناس في كلام وقال لي لا تستدرك مرادك من علمك إلا أن تتوب فقلت مجيبا لو أن التوبة طرقت بابي ما أذنت لها على أني أنجو بها من ربي ولو أن الصدق والإخلاص كانا لي عبدين لبعتهما زهدا مني فيهما لأني إن كنت عند الله في علم الغيب سعيدا مقبولا لم أتخلف باقتراف الذنوب والمآثم وإن كنت عنده شقيا مخذولا لم تسعدني توبتي وإخلاصي وصدقي وإن الله خلقني إنسانا بلا عمل ولا شفيع كان لي إليه وهداني لدينه الذي ارتضاه لنفسه فقال {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} ) (آل عمران: 85) فاعتمادي على فضله وكرمه أولى بي إن كنت حرا عاقلا من اعتمادي على أفعالي المدخولة وصفاتي المعلولة لأن مقابلة فضله وكرمه بأفعالنا من قلة المعرفة بالكريم المتفضل قال وقال يوسف لولا أني مستعبد بترك الذنوب لأحببت أن ألقاه بذنوب العباد أجمع فإن هو عذبني كان أعذر له في عذابي مع أنه لو عذب الخلق جميعا كان عدلا منه وإن عفا عني كان أظهر لكرمه عندهم في عفوي مع أنه لو لم يعف عن أحد من خلقه لكان ذلك منه فضلا وكرما وكانت له الحجة البالغة وذلك أن الملك ملكه والسلطان سلطانه والخلق مترددون بين عدله وفضله بل الكل كرم وإفضال فقد أحسن مع الكل حيث قال {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} (غافر 46) فمن عفا عنه فبفضله ومن عذبه فبعدله وهو إلى الفضل أقرب {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} (الأنبياء: 23) قال وقال يوسف نظرت في آفات الخلق فعرفت من أين أتوا ورأيت آفة الصوفية في صحبة الأحداث ومعاشرة الأضداد وأرفاق النسوان قال وقال يوسف عاهدت ربي أكثر من مائة مرة ألا أصحب حدثا ففسخها علي حسن الخدود وقوام القدود وغنج العيون وما سالني الله تعالى معهم عن معصية وأنشد لصريع الغواني (إن ورد الخدود والحدق النجل ... وما في الثغور من أقحوان) (واعوجاج الأصداغ في ظاهر الخد ... وما في الصدر من رمان) (تركتني بين الغواني صريعا ... فلهذا أدعى صريع الغواني) قال وقال يوسف في الدنيا طغيانان طغيان العلم وطغيان المال فالذي ينجيك من طغيان العلم العبادة والذي ينجيك من طغيان المال الزهد فيه قال وسئل يوسف عن قول النبي صلى الله عليه وسلم (أرحنا بها يا بلال) فقال معناه أرحنا بها من اشغال الدنيا وحديثها لأنه كان صلى الله عليه وسلم قرة عينه في الصلاة 27 - ومنهم شاه الكرماني وهو شاه بن شجاع أبو الفوارس كان من أولاد الملوك صحب أبا تراب النخشبي وأبا عبد الله بن الذراع البصري وأبا عبيد البسري وكان من أجلة الفتيان وعلماء هذه الطبقة وله رسالات مشهورة والمثلثة التي سماها مرآة الحكماء ورد نيسابور في زيارة أبي حفص ومعه أبو عثمان الحيري ومات قبل الثلاثمائة ويقال إن أصله من مرو
رأيت بخط جدي أبي عمرو إسماعيل بن نجيد قال شاه بن شجاع الكرماني شغل العارف بثلاثة أشياء بالنظر إلى معبوده مستأنسا به والملاحظة لمننه وفوائده شاكرا له والتذكر لذنبه معترفا به ومنيبا تائبا إليه قال وقال شاه من صحبك ووافقك على ما يحب وخالفك فيما تكره فإنما يصحب هواه ومن صحب هواه فهو طالب راحة الدنيا قال وقال شاه اعملوا الطاعات أنزه ما يكون وانظروا إليها أقذر ما يكون سمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت أبا علي الأنصاري باصطخر يقول سمعت شاه بن شجاع الكرماني يقول لأهل الفضل فضل ما لم يروه فإذا رأوه فلا فضل لهم ولأهل الولاية ولاية ما لم يروها فإذا رأوها فلا ولاية لهم قال وقال شاه الفتوة من طباع الأحرار واللوم من شيم الأنذال وما تعبد متعبد بأكثر من التحبب إلى أولياء الله بما يحبون قال وقال شاه محبة أولياء الله تعالى دليل على محبة الله عز وجل قال وقال شاه الإعراض عن الحق هو السخط قال وقال شاه علامة الركون إلى الباطل التقرب من المبطلين قال وقال شاه من عرف ربه طمع في عفوه ورجا فضله قال وقال شاه علامة الحكمة معرفة أقدار الناس قال وقال شاه علامة التقوى الورع وعلامة الورع الوقوف عند الشبهات وعلامة الخوف الحزن وعلامة الرخاء حسن الطاعة وعلامة الزهد قصر الأمل قال وقال شاه ما أعجب عبد بنفسه حتى يكون محجوبا عن ربه قال وقال شاه من عرف ربه نسي كل ما دونه ومن جهل ربه تعلق بكل شيء دونه ومن اعتز بالعلم فاز ومن اعتز بالجهل خاب وخسر قال وقال شاه الجاهل في ظلمة جهله فكيف يكون إذا كان العالم في ظلمة علمه وظلمة العلم أشد 28 - ومنهم سمنون بن حمزة ويقال سمنون بن عبد الله أبو الحسن الخواص ويقال كنيته أبو القاسم سمى نفسه سمنون الكذاب لكتمه عسر البول بلا تضرر صحب سريا السقطي ومحمد بن علي القصاب وأبا أحمد القلانسي وسوس وكان يتكلم في المحبة بأحسن كلام وهو من كبار مشايخ العراق مات بعد الجنيد سمعت عبد الواحد بن بكر يقول سمعت محمد بن عبد العزيز يقول سمعت أبا الحسن بن زرعان يقول كنت عند سمنون فشهق شهقة ثم قال لو صاح إنسان لشدة وجده بحبه لملأ ما بين الخافقين صياحا سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا بكر العجان يقول سمعت سمنون يقول إذا بسط الجليل غدا بساط المجد دخل ذنوب الأولين والآخرين في حاشية من حواشيه وإذا أبدى عينا من عيون الجود ألحق المسيء بالمحسن سمعت علي بن سعيد الثغري يقول سمعت علي بن إبراهيم الثقفي يقول سمعت عمر بن رفيل يقول سمعت أبا القاسم الهاشمي يقول سمعت سمنون يقول كنت ببيت المقدس وكان برد شديد وعلي جبة وكساء وأنا أجد البرد والثلج يسقط فإذا شب مار في الصحن عليه خرقتان فقلت يا حبيبي لو استترت ببعض هذه الأروقة فيكنك من البرد فقال لي يا أخي سمنون (ويحسن ظني أنني في فنائه ... وهل أحد في كنه يجد القرا) سمعت علي بن سعيد يقول سمعت أحمد بن عطاء يقول قال إبراهيم بن المولد قال سمنون المحب لا يعبر عن الشيء إلا بما هو أرق منه ولا شيء أرق من المحبة فبم يعبر عنها أنشدني أبو بكر الرازي قال أنشدي أبو بكر الحربي قال أنشدني سمنون (أنت الحبيب الذي لا شك في خلدي ... منه فإن فقدتك النفس لم تعش) (يا معطشي بوصال أنت واهبه ... هل فيك لي راحة إن صحت واعطشي) سمعت أبا العباس أحمد بن محمد زكريا يقول سمعت علي بن الحسين بن طفان يقول أنشدني بعض أصحابنا لسمنون (أمسى بخدي للدموع رسوم ... أسفا عليك وفي الفؤاد كلوم) (والصبر يحسن في المصائب كلها ... إلا عليك فإنه مذموم)
سمعت أبا نصر الطوسي يقول سمعت أبا الطيب العكي يقول ذكر لي أن سمنون كان جالسا على شاطئ الدجلة وبيده قضيب يضرب به فخذه حتى بان عظم فخذه وساقه وتبدد لحمه وهو يقول (كان لي قلب أعيش به ... ضاع مني في تقلبه) (رب فاردده علي فقد ... ضاق صدري في تطلبه) (وأغث ما دام بي رمق ... يا غياث المستغيث به) أنشدنا محمد بن عبد الله بن عبد العزيز قال أنشدنا أبو جعفر الفرغاني قال أنشدني سمنون (يعاتبني فينبسط انقباضي ... وتسكن روعتي عند العتاب) (جرى في الهوى مذ كنت طفلا ... فما لي قد كبرت عن التصابي) وأنشدنا محمد قال أنشدنا أبو جعفر قال أنشدنا سمنون (أحن بأطراف النهار صبابة ... وفي الليل يدعوني الهوى فأجيب) (وأيامنا تفنى وشوقي زائد ... كأن زمان الشوق ليس يغيب) أنشدني علي بن أحمد بن جعفر قال أنشدني ابن فراس لسمنون (وكان فؤادي خاليا قبل حبكم ... وكان بذكر الخلق يلهو ويمزح) (فلما دعا قلبي هواك أجابه ... فلست أراه عن فنائك يبرح) (رميت ببين منك إن كنت كاذبا ... وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح) (وإن كان شيء في البلاد بأسرها ... إذا غبت عن عيني بعيني يملح) (فإن شئت واصلني وإن شئت لا تصل ... فلست أرى قلبي لغيرك يصلح) قال وسئل سمنون عن الفقير الصادق فقال الذي يأنس بالعدم كما يأنس الجاهل بالغنى ويستوحش من الغنى كما يستوحش الجاهل من الفقر أنشدنا محمد بن عبد الله قال أنشدني أبو جعفر قال أنشدني سمنون (بكيت ودمع العين للنفس راحة ... ولكن دمع الشوق ينكى به القلب) (وذكري لما ألقاه ليس بنافعي ... ولكنه شيء يهيج به الكرب) (فلو قيل لي ما أنت قلت معذب ... بنار مواجيد يضرمها العتب) (بليت بمن لا أستطيع عتابه ... ويعتبني حتى يقال لي الذنب) 29 - ومنهم عمرو المكي وهو عمرو بن عثمان بن كرب بن غصص وكنيته أبو عبد الله كان ينتسب إلى الجنيد في الصحبة ولقي أبا عبد الله النباجي وصحب أبا سعيد الخراز وغيره من المشايخ القدماء وهو عالم بعلوم الاصول وله كلام حسن روى عن محمد بن إسماعيل ويونس بن عبد الأعلى وسليمان بن سيف الحراني وغيرهم مات ببغداد سنة إحدى وتسعين ومائتين ويقال سبع وتسعين والأول أصح وروى الحديث حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن شاذان قال حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد الأصبهاني العقيلي حدثنا عمرو بن عثمان المكي حدثنا أبو بكر العائذي المخزومي حدثنا أبو عبد الله المخزومي وأبو يعقوب البويطي قالا حدثنا ابن عيينة عن الأعمش عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله ابن مسعود قال كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد السلام على الله السلام على فلان سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا بكر محمد بن أحمد القناديلي يقول قال عمرو بن عثمان المكي التوبة فرض على جميع المذنبين والعاصين صغر الذنب أو كبر وليس لأحد عذر في ترك التوبة بعد ارتكاب المعصية لأن المعاصي كلها قد توعد الله عليها أهلها ولا يسقط عنهم الوعيد إلا بالتوبة وهذا مما يبين أن التوبة فرض وبهذا الإسناد قال عمرو اعلم أن كل ما توهمه قلبك أو سنح في مجاري فكرك أو خطر لك في معارضات قلبك من حسن أو بهاء أو جمال أو قبح أو نور أو شبح أو شخص أو خيال فالله تعالى ذكره بعيد من ذلك كله بل هو أعظم وأجل وأكبر ألا تسمع إلى قوله تعالى {ليس كمثله شيء} (الشورى 11) وإلى قوله {لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد} (الأخلاص 34) وبهذا الإسناد قال عمرو المروءة التغافل عن زلل الإخوان وبهذا الإسناد قال عمرو لا يقع على كيفية الوجد عبارة لأنه سر الله تعالى عند المؤمنين الموقنين
وبهذا الإسناد قال عمرو لقد علم الله نبيه صلى الله عليه وسلم ما فيه الشفاء وجوامع النصر وفواتح العبادة فقال {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم} (فصلت 36) وبهذا الإسناد قال عمرو المعرفة دوام محبة الله تعالى ودوام مخافته ودوام الإقبال عليه ودوام انتصاب القلب بذكره وهي علم القلوب بفسخ العزوم وخلع الإرادات وإحياء الفهوم وبه قال عمرو المعرفة صحة التوكل على الله تعالى وبه قال عمرو لقد وبخ الله تعالى التاركين للصبر على دينهم بما أخبرنا عن الكفار أنهم قالوا {امشوا واصبروا على آلهتكم} (ص 6) فهذا توبيخ لمن ترك الصبر من المؤمنين على دينه وبهذا الإسناد قال عمرو اعلم أن العلم قائد والخوف سائق والنفس حرون بين ذلك جموح خداعة رواغة فاحذرها وراعها بسياسة العلم وسقها بتهديد الخوف يتم لك ما تريد وبه قال عمرو اعلم أن الرعاية مصحوبة لك في كل الأحوال من العبادة إلى أن تلقى ربك كذلك التقوى وبه قال عمرو الصدق في الورع مفترض كافتراض الصبر في الورع ومعنى الصدق الاعتدال والعدل وبه قال عمرو اعلم أن رأس الزهد وأصله في القلوب هو احتقار الدنيا واستصغارها والنظر إليها بعين القلة وهذا هو الأصل الذي يكون منه حقيقة الزهد وبهذا الإسناد قال عمرو إذا كان أنين العبد إلى ربه عز وجل فليس بشكوى ولا جزع وبه قال عمرو اعلم أن المحبة داخلة في الرضا ولا محبة إلا بالرضا ولا رضا إلا بمحبة لأنك لا تحب إلا ما رضيت وارتضيت ولا ترضى إلا ما أحببت وبهذا الإسناد قال عمرو الرجاء داخل في تحقيق الرضا قال وقال عمرو واغماه من عهد لم نقم له بوفاء ومن خلوة لم نصحبها بحياء ومن مسألة ما الجواب فيها غدا ومن أيام تفنى ويبقى ما كان فيها أبدا سمعت محمد بن جعفر البغدادي يقول سمعت أبا علي الاصفهاني يقول سمعت عمرو بن عثمان المكي يقول ما صحبت أحدا كان أنفع لي صحبته ورؤيته من أبي عبد الله النباجي سمعت محمد بن جعفر يقول بلغني أن عمرا المكي دخل أصفهان فصحبه حدث وكان والده يمنعه من صحبته فمرض الصبي فدخل عليه عمرو مع قوال فنظر الحدث إلى عمرو وقال له قل له يقول شيئا فقال القوال (ما لي مرضت فلم يعدني عائد ... منكم ويمرض عبدكم فأعود) فتمطى الحدث على فراشه وقعد فقال للقوال زدني بحقك فقال القوال (وأشد من مرضي علي صدودكم ... وصدود عبدكم علي شديد) فزاد به البرء حتى قام وخرج معهم فسئل عمرو عن ذلك فقال إن الإشارة إذا كانت قبل السماع كانت من فوق فالقليل منها يشفي وإذا كانت بعد السماع كانت من تحت والقليل منها يهلك 30 - ومنهم سهل بن عبد الله التستري وهو سهل بن عبد الله بن يونس بن عيسى بن عبد الله بن رفيع وكنيته أبو محمد أحد أئمة القوم وعلمائهم والمتكلمين في علوم الرياضات والإخلاص وعيوب الأفعال صحب خاله محمد بن سوار وشاهد ذا النون المصري سنة خروجه إلى الحج بمكة توفي سنة ثلاث وثمانين وقيل سنة ثلاث وتسعين ومائتين وأظن أن ثلاثا وثمانين أصح والله أعلم وأسند الحديث أخبرنا يوسف بن عمر بن مسرور الزاهد ببغداد قال حدثنا عبيد الله أبو القاسم الصنعاني حدثنا عمر بن واصل حدثنا سهل بن عبد الله التستري حدثنا خالي محمد بن سوار عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو ومعه عدة من نساء الأنصار يسقين الماء ويداوين الجرحى) وذكر الحديث سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن شاذان يقول سمعت أبا صالح البصري يقول سمعت سهل بن عبد الله يقول الناس نيام فإذا انتهبوا ندموا وإذا ندموا لم تنفعهم ندامتهم
سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن شاذان قال سمعت المالكي البصري قال سمعت سهل بن عبد الله يقول ما طلعت شمس ولا غربت على أحد على وجه الأرض إلا وهم جهال بالله إلا من يؤثر الله على نفسه وزوجه ودنياه وآخرته وبه قال سهل أدنى الأدب أن تقف عند الجهل وآخر الأدب أن تقف عند الشبهة وبه قال سهل شكر العلم العمل وشكر العمل زيادة العلم سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت محمد بن أحمد بن سالم يقول سمعت سهل بن عبد الله يقول ما من قلب ولا نفس إلا والله مطلع عليها في ساعات الليل والنهار فأيما قلب أو نفس رأى فيه حاجة إلى سواه سلط عليه إبليس قال وقال سهل بن عبد الله الذي يلزم الصوفي ثلاثة أشياء حفظ سره وأداء فرضه وصيانة فقره قال وقال سهل الله قبلة النية والنية قبلة القلب والقلب قبلة البدن والبدن قبلة الجوارح والجوارح قبلة الدنيا قال وقال سهل ليس في الضرورة تدبير فإذا صار إلى التدبير خرج من الضرورة قال وقال سهل من لم تكن ضرورته لربه فهو مدع لنفسه سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت محمد بن أحمد بن سالم يقول سمعت سهل بن عبد الله يقول من أراد أن يسلم من الغيبة فليسد على نفسه باب النون فمن سلم من الظن سلم من التجسس ومن سلم من التجسس سلم من الغيبة ومن سلم من الغيبة سلم من الزور ومن سلم من الزور سلم من البهتان وبهذا الإسناد قال سهل لا يستحق إنسان الرياسة حتى يجتمع فيه أربع خصال يصرف جهله عن الناس ويحمل جهلهم ويترك ما في أيديهم ويبذل ما في يده لهم سمعت أبا العباس محمد بن الحسن البغدادي قال حدثنا جعفر بن محمد الخلدي قال سمعت أبا محمد الجريري يقول سمعت سهل بن عبد الله يقول من أخلاق الصدقين ألا يحلفوا بالله لا صادقين ولا كاذبين ولا يغتابون ولا يغتاب عندهم ولا يشبعون بطونهم وإذا وعدوا لم يخلفوا ولا يتكلمون إلا والاستثناء في كلامهم ولا يمزحون أصلا وبإسناده قال سهل ذروا التدبير والاختيار فإنهما يكدران على الناس عيشهم وبإسناده قال سهل اعلموا أن هذا زمان لا ينال أحد فيه النجاة إلا بذبح نفسه بالجوع والصبر والجهد لفساد ما عليه أهل الزمان سمعت أبا نصر عبد الله بن علي يقول سمعت أحمد بن عطاء يقول سمعت محمد بن الحسن بن الصباح قال قال سهل أعمال البر يعملها البر والفاجر ولا يجتنب المعاصي إلا صديق وبهذا الإسناد قال سهل من ظن حرم اليقين ومن تكلم فيما لا يعنيه حرم الصدق ومن شغل جوارحه بغير ما أمره الله به حرم الورع وسمعت أبا نصر يقول سمعت الدقي يقول سمعت أبا بكر الفرغاني يحكي عن سهل بن عبد الله قال الفتن ثلاثة فتنة العامة من إضاعة العلم وفتنة الخاصة من الرخص والتأويلات وفتنة أهل المعرفة من أن يلزمهم حق في وقت فيؤخروه إلى وقت ثان وبه قال سهل أصولنا سبعة أشياء التمسك بكتاب الله تعالى والاقتداء بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأكل الحلال وكف الأذى واجتناب الآثام والتوبة وأداء الحقوق وبه قال سهل من أحب أن يطلع الخلق على ما بينه وبين الله فهو غافل سمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت أبا يعقوب البلدي يقول سمعت سهل بن عبد الله يقول لقد أيس العلماء والحكماء من هذه الثلاث خلال ملازمة التوبة ومتابعة السنة وترك أذى الخلق سمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت العباس بن عصام قال سمعت سهل بن عبد الله يقول البلوى من الله على وجهين بلوى رحمة وبلوى عقوبة فبلوى الرحمة يبعث صاحبه على إظهار فقره إلى الله وترك التدبير وبلوى العقوبة يبعث صاحبه على اختياره وتدبيره سمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت محمد بن الحسين يقول قال سهل من خلا قلبه من ذكر الآخرة تعرض لوساوس الشيطان