Qur'an&Sunnah

Gazâlî — Minhâcü'l-Âbidîn

Sección V00/P079–V00/P081

ثم قلث : ولا أرى مثل هذذا الرجل أينما كان إلا ويمكنه الله عز وجل من حضور الجماعات والجمعات وسائر جموع الإسلام، فيحضر لئلا يفوته الحظ ============================================================ منها أيضا ؛ فإن جموع الإسلام من الله عز وجل بمكان وإن تغير الناس وفسدوا ، كذا سمعنا من حال الأبدال أنهم يحضرون جموع الإسلام أينما كانت ، ويسيرون من الأرض حيث شاؤوا ، وأن الأرض لهم قدم واحد وفي الأخبار : أن الأرض تطوى لهم ، وينادون بالتحيات ، ويتحفون بأنواع البر والكرامات، فهنيئا لهم بما ظفروا به، وأحسن الله عزاء من غفل عن النظر في خلاص نفسه، وأعان الطالب الذي لم يصل إلى المقصود كأمثالنا، ولقد (من الخفيف] غرض لي في صفة حالي أبيات من الشعر ، وهي : ل وفاز الأحباب بالأحباب ظفر الطالبون وأتصل الوص بين حذ الوصال والإجتناب وبشيا مذبذبين حيارى نفس حال المحال للألباب نرتجي القرب بالبعاد وهلذا م وتهدي إلى طريق الصواب فاسقنا منك شربة تذهب الغم ح ويا منقذي من الأوصاب يا طبيب السقام يا مرهم الجر أو بماذا أفوز يوم الحساب لست آدري بما آداوي سقامي ولنقبض الآن عنان الجنان ، ونرجع إلى المقصود من شأن العزلة؛ فقد خرجناعن شرط الباب: فإن قيل : أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم : 1 رهبانية أمتي الجلوس في المساجد" ، وفيه زجر عن التفرود ؟ فاعلم : أن ذلك في غير زمان الفتنة كما ذكزناه ، وأيضا فإنه يجلس في المسجد ولا يخالط الناس ولا يداخلهم، فيكون بالشخص معهم ، وفي المعنى منفردا عنهم ، وهذا هو المعنيي في العزلة والتفرد الذي نحن في شرحه، لا التفرد بالشخص والمكان ، فافهم ذلك رحمك الله، وفيه يقول إبراهيم بن أدهم رحمه الله : كن واحدا جامعيا، ومن ربك ذا أنس ، ومن الناس وحشيا . ============================================================ فإن قيل : فما تقول في مدارس علماء الآخرة، ورباطات الصوفية سالكي طريق الاخرة، والكون فيها ؟ فاعلم : أن تلك الطريقة المثلى في هلذا الشأن لعامة أهل العلم والاجتهاد ، وذلك أنها جمعت المعنيين والفائدتين اللتين إحداهما : العزلة عن الناس، والتفرود عنهم بالضحبة والمخالطة والمزاحمة في أمورهم ، والثانية : المشاركة معهم في جمعهم وجماعاتهم، وتكثير شعائر الإسلام، فتحصل السلامة التي هي للمنفردين ، والخير الكثير الذي هو لعامة المسلمين ، مع ما للناس فيهم من العدة والبركة والتصيحة ، فصار الكون فيها أعدل طريق، وأحسن حال، وأسلم سبيل ، ولهلذا الشأن أقام أكثر العارفين بين الناس ؛ لنفعهم لعباد الله تعالى في باب الدين، وقلة أذاهم، ومشاهدة الخلق لادابهم وحسن رسومهم ليقتدوا بهم ؛ فإن لسان الحال أفصح من لسان المقال ، فصار ذلك أحسن تدبير في أمر الدين للعلم والعبادة، وأحكم رأي: فإن قيل : فما حال المريد مع المجتهدين والمرتاضين، أيصحبهم أم يعتزلهم؟

Sección V00/P081–V00/P083

فاعلم: أنهم إذا كانوا ثابتين على رسومهم الأولى، وسيرتهم الموروثة عن سلفهم.. فهم أجل إخوان في الله عز وجل، وأصحاب وأعوان على عبادة ألله تعالى؛ فلا تسعك عنهم عزلة وتفرد، وإنما مثلهم مثل ما تسمع من زهاد لبنان وغيرهم أن منهم جماعات يتعاونون على البر والتقوى ، ويتواصون بالحق والصبر: وأما إذا تغيروا وتركوا رسومهم، وأخلوا بطريقتهم الموروثة عن أسلافهم الصالحين. فحكم هذا المجتهد المرتاض معهم كحكمه مع سائر الناس ، يلزم زاويته ويكفك لسانه، ويشاركهم في خيراتهم، ويجانيهم في سائر أحوالهم وآفاتهم، فيكون هو في عزلة من أهل العزلة، منفردأ عن المنفردين فإن قلت : فإن أختار هاذا المجتهد المرتاض أن يخرج من بينهم إلى مكان آخر؛ لصلاح يراه في نفسه ، وتجنب آفة تدخل عليه في صحبتهم؟ ============================================================ فاعلم : أن هذه المدارس والرباطات بمنزلة حصن حصين يتحصن بها المجتهدون عن القطاع والشراق، وأن الخارج بمنزلة الصحراء، تدور فيه فرسان الشياطين عسكرا عسكرا، فتسلبه أو تستأسره، فكيف حاله إذا خرج إلى الصحراء، وتمكن العدؤ منه من كل جانب ، يعمل فيه ما يشاء ؟! فإذن ليس لهاذا الضعيف إلا لزوم الحصن وأما الرجل القوي البصير الذي لا تغلبه الأعداء ، وأستوى عنده الحصن والصحراء.. فلا خوف عليه إذا خرج غير أن الكون في الحصن أحوط على كل حال؛ إذ لا يؤمن من الفلتات والاتفاقات مع قرناء الشوء ، وإذا كان الأمر بهذه الجملة.. فالكون مع رجال الله ، والصبر على مشقة الصحبة أولى للمرتاض وطالب الخير بكل حال، وأن لا مانع للقوي البالغ مبلغ الاستقامة عن التفرؤد منهم، فاعلم هذه الجملة وتأملها تغنم وتسلم إن شاء الله تعالى: فإن قيل : فما تقول في زيارة الإخوان في الله عز وجل، ومواصلة الأحباب بالثلاقي والتذاكر؟ فاعلم : أن زيارة الإخوان في الله تعالى من جواهر عبادة الله تعالى ، وفيها الزلفة الكريمة إلى الله عز وجل، مع ما فيها من ضروب الفوائد وصلاح القلب ، وللكن بشرطين : أحدهما : ألا يخرج في ذلك إلى الإكثار والإفراط ، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه : " زر غبا تزدد حبا " . والثاني : أن تحفظ حق ذلك ؛ بالتجنب عن الرياء والترين، وقول اللغو والغيبة، ونحو ذلك، فيعوذ عليك وعلى أخيك الوبال، فلقد حكي : أن الفضيل وسفيان رحمهما الله تعالى تذاكرا شيئا فبكيا ، فقال سفيان : يا أبا علي؛ أرجو أنا ما جلسنا مجلسا أرجى لنا من هلذا المجلس ، فقال الفضيل: ============================================================ ما جلست مجلسا أخوف علي من هلذا ، قال : وكيف يا أبا علي؟ قال : ألست تعمد إلى أحسن حديثك فتحدثني به، وأنا عمدث إلى أحسن ما عندي فحدثتك به، فتزينت لي ، وتزئنت لك؟ فبكى سفيان . فيجب أن تكون مجالستك للإخوان وملاقاتهم على مقدار قصد في أحتياط ونظر لطيف ، فلا يقدح ذلك حييذ في عزلتك وتفردك عن الناس، ولا يعود عليك وعلى أخيك بضرر وآفة ، بل بخير كثير، ونفع عظيم، والله الموفق فإن قلت : فما يبعثني على العزلة عن الناس والتفرد، ويهون علي ذلك ؟ فاعلم : أن الذي يهون عليك ذلك ثلاثة أمور : أحذها : أستغراق أوقاتك في العبادة؛ فإن في العبادة شغلا، وإن الاستثناس بالناس من علامات الإفلاس: فإذا رأيت نفسك تتطلع إلى ملاقاة الناس وكلامهم من غير حاجة وضرورة..

Sección V00/P083–V00/P085

فاعلم أن ذلك فضول ساقه إليك الفراغ والبطو، ولقد أحسن من قال في هذا [من الكامل] المعنى: ان الفراغ إلى سلامك قادني ولربما عمل الفضول الفارغ فإذن إذا أعطيت العبادة حقها.. وجدت حلاوة المناجاة، واستأنست بكتاب الله سبحانه، واشتغلت عن الخلق، واستوحشت من صحبتهم وكلامهم، وفي الخبر : أن موسى عليه الصلاة والسلام كان إذا رجع من المناجاة.. يستوحش من الناس، وكان يجعل إصبعيه في أذنيه؛ لئلا يسمع كلامهم، وكان كلامآهم عنده في النفور والوحشة في ذلك الوقت كأصوات الحمير، فعليك بما قاله شيخنا رحمه الله: امن مجزوء الخفيف] ااض بالله صاحيا وذر الناس جاني ادق الوذ شاهدا كنت فيهم وغائا ق ب التاس كيف شيء ت تجدهم عقاربا ============================================================ والثاني : قطع الطمع عنهم بمرة، فيهون عليك أمرهم ؛ لأن من لا ترجو نفعه، ولا تخاف ضره.. فوجوده وعدمه سواء والثالث: تبصر آفاتهم، وتتذكر ذلك، وتكرره على قلبك؛ فإن هلذه الأذكار الثلاثة إذا لزمتها. . طردتك عن صحبة الخلق إلى باب الله تعالى ، والتفرود لعبادته، وحببته إليك، والزمتك بابه، وبالله التوفيق والعصمة العائق الثالث: الشيطان، ثم عليك - يا أخي - بمحاربة الشيطان وقهره، وذلك لخصلتين: احداهما: أنه عدؤ مضل مبينآ، ولا مطمع فيه بمصالحة وإبقاء عليك، بل لا يقنعه إلأ هلائك أصلا، فلا وجه إذن للأمن من مثل هلذا العدو والغفلة عنه ، و تأمل آيتين من كتاب الله سبحانه : إحداهما : قوله تعالى : ألم أفهد إليكم ينبنى ءادم أن لا تعبدوا الشيطلن إنه لكزعدوثبين. والثانية : قوله تعالى : إن الشيطان لكرعدو فاتخذوه عدوا} ، وهلذا أقصى التحذير وغايئه: والخصلة الثانية : أنه مجبول على عداوتك، ومنتصت أبدا لمحاربتك، فهو آناء الليل وأطراف النهار يرميك بسهامه وأنت غافل عنه، فكيف يكون الحال؟! ثم وقعث معك نكتهآ أخرى، وهي أنك في عبادة الله تعالى، ودعوة الخلق إلى باب الله سبحانه بفعلك وقولك، وهذا ضد صنيع الشيطان وهمته، ومراده وحرفته، فصرت كأنك قمت وشددت وسطك لتغايظ الشيطان وتكايده وتناقضه، فهو أيضا يشد وسطه ليعاديك ويقاتلك ويماكرك حتى يفسد عليك شأنك ، بل حتى يهلكك رأسا ؛ إذ لا يأمن من جانبك بعد ؛ فإنه الذي يسيء ويقصد بالهلاك إلى من لا يغايظه ولا يناقضه، بل يصادقه ويوافقه، كالكفار وأهل الضلالة ، وأهل الرغبة في بعض الأحوال، فكيف قصده لمن قام لمغايظته، وتجرد لمناقضته ؟! ============================================================ فله إذن مع سائر الناس عداوة عامة، ومعك أيها المجتهذ في العبادة والعلم عداوة خاصة، وإن أمرك له لمهم، ومعه عليك أعوان، أشدها عليك نفسك وهواك، وله اسبات ومداخل وأبوات أنت عنها غافل، ولقد صدق يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله حيث قال : الشيطان فارغ وأنت مشغول، والشيطان يراك وأنت لا تراه، وأنت تنساه وهو لا ينساك، ومن نفسك للشيطان عليك عون: فإذن لا بد من محاربته وقهره ، وإلا.. فلا تأمن الفساد والهلاك. فإن قلت : فبأي شيء أحارب الشيطان ؟ وبأي شيء أقهره وأدفعه ؟

Sección V00/P085–V00/P087

فاعلم : أن لأهل هلذه الصناعة في هلذه المسألة طريقين : أحذهما : ما قاله بعضهم : إن التدبير في دفع الشيطان الاستعاذة بالله سبحانه لا غير؛ فإن الشيطان كلث سلطه الله تعالى عليك؛ فإن اشتغلت بمحاربته ومعالجته.. تعبت، وضاع عليك وقتآك، وريما يظفر بك فيعقرك ويجرحك؛ فإن الؤجوع إلى رب الكلب ليصرفه عنك أولى: والثاني : ما قال آخرون : إن الطريق المجاهدة، والقيام عليه بالدفع والرد والمخالفة قلث : والذي عندي أن الطريق العدل الجامع في أمره أن تجمع بين الطريقين ؛ فتستعيذ بالله تعالى أولا من شره كما أمرنا، وهو الكافي شره، ثم إن رأيناه يتغلب علينا.. علمنا أنه أبتلاءآ من الله تعالى ليرى صدق مجاهدتنا وقوتنا في أمره سبحانه وتعالى ويرى صبرنا ، كما أنه يسلط علينا الكفار مع قدرته على كفاية أمرهم وشرهم ليكون لنا حظ من الجهاد والصبر والتمحيص والشهادة ، كما قال تعالى : وليعلم الله الذي ء امثوا ويتخذ منكم شهداء) ، وقال تعالى : {أمر حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلو الله الذين جلهدوا منكم ويعلم العدبرين} ، فكذلك هو ============================================================ ثم إن محاربته وقهره - فيما قاله علماؤنا رضي الله عنهم - في ثلاثة أشياء: أحدها: أن تتعرف وتتعلم مكايده وحيله، فلا يتجاسر حينئذ عليك، كاللص إذا علم أن صاحب الدار قد أحس به.. فر. والثاني : أن تستخف بدعوته، فلا تعلق قلبك بذلك وتتبعه؛ فإنه بمنزلة الكلب النابح؛ إن أقبلت عليه. . أولع بك ولج، وإن أعرضت عنه. . سكت . والثالث : أن تديم ذكر الله تعالى بلسانك وقلبك، فلقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن ذكر الله تعالى في جنب الشيطان كالأكلة في جنب أبن آدم" . فإن قلت : كيف تعلم مكايده ؟ وكيف الطريق إلى معرفة ذلك ؟ فاعلم (أولا] : أن له وساوس هي بمنزلة السهام التي يرميها، وذلك إنما يتبين لك بمعرفة الخواطر وأقسامها والثاني : أن له حيلا بمنزلة الشبكات التي تنصبها ، وذلك يتبين لك بمعرفة المكايد وأوصافها ومجاريها ولقد ذكر علماؤنا رضي الله عنهم أبوابا في الخواطر، وقد صنفنا كتابا سميناه : "تلبيس إبليس" ، وكتابنا هاذا لا يحتمل الإكثار، للكنا نذكر لك إن شاء الله تعالى من كل واحد منها أصلا كافيا إذا أعتصمت به. فأما أصل الخواطر : فاعلم أن الله تعالى وكل بقلب أبن آدم ملكا يدعوه إلى الخير، يقال له : (الملهم)، ولدعوته : (إلهام)، وسلط في مقابلته شيطانا يدعو العبد إلى الشر يقال له : (وسواس)، ولدعوته : (وسوسة)، فالملهم ============================================================ لا يدعو إلا إلى الخير ، والوسواس لا يدعو إلا إلى الشر في قول أكثر علمائنا . وقد حكي عن شيخنا رحمه الله : أن الشيطان ربما يدعو إلى الخير وقصده في ذلك الشرو؛ بأن يدعوه إلى المفضول ليمنعه عن الفاضل ، أو يدعوه إلى خير ليجره إلى ذنب عظيم لا يفي خيره بذلك الشر من عجب أو غيره . فهذان داعيان قائمان على قلبه، يدعوانه وهو يسمع قلبه يحس بذلك، على ما روي في الأخبار : أنه إذا ؤلد لابن آدم مولود.. قرن الله سبحانه به ملكا ، وقرن الشيطان به شيطانا ؛ فالشيطان جائم على أذن قلب أبن آدم الأيسر ، والملك جاثم على أذن قلبه الأيمن، فهما يدعوانه: وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة" يعني : نزلة بالدعوة ، من قولهم : لم بالمكان وألم به إذا نزل به. ثم ركب الله تعالى في بنية الإنسان طبيعة مائلة إلى الشهوات ونيل اللذات كيف كانت ، من حسن أو قبح، فذلك هوى النفس الضارفة إلى الآفات ، فهلذه ثلاث دعاة .

Sección V00/P087–V00/P089

ثم أعلم بعد هلذه المقدمة : أن الخواطر هي آثار تحدث في قلب العبد، تبعثه على الأفعال والثروك، وتدعوه إليها، وسمآيت خواطر لاضطرابها، من خطرات الريح ونحوها، وحدوثها جميعا في قلب العبد بالحقيقة من الله سبحانه وتعالى، للكنها أربعة أقسام : منها ما يحدثه الله تعالى في القلب ابتداء، فيقال له : الخاطر فقط -وقسم يحدثه موافقا لطبع الإنسان، فيقال له : هوى النفس، وينسب إليها. وقسم يحديه عقيب دعوة الملهم، فيسب إليه ويقال له : الإلهام ============================================================ وقسم يحدثه عقيب دعوة الشيطان، فينسب إليه ويقال له : الوسوسة ، وتنسب إليه بأنها خواطو من الشيطان ، وإنما هي في الحقيقة حادثة عند دعوته، فهو كالسبب في ذلك، وللكنه تنسب إليه ، فهلذه أربعة أقسام من الخواطر . ثم أعلم بعد هذا التقسيم : أن الخاطر الذي من قبل الله تعالى آبتداء قد يكون بخير؛ إكراما وإلزاما للحجة، وقديكون بشر؛ أمتحانا وتغليظا للمحنة. والخاطر الذي يكون من قبل الملهم لا يكون إلأ بخير ؛ إذ هو ناصح مرشد لم يرسل إلأ لذلك . والخاطر الذي يكون من قبل الشيطان لا يكون إلأ بشر إغواء واستزلالا ، وريما يكون بالخير مكرا واستدراجا. والذي يكون من قبل هوى النفس يكون بالشر وبما لا خير فيه تمنعا وتعشفا . ولقد وجدث عن بعض السلف أن هوى النفس أيضا قد يدعو إلى الخير والمقصوذ منه شرؤ كالشيطان، فهلذه أنواغها ثم اعلم بعد هلذا : أنك محتاج إلى معرفة ثلاثة فصول لا بد لك منها ألبتة ، وفيها المقصود: أحدها : الفرق بين خاطر الخير وخاطر الشرفي الجملة: والثاني : الفرق بين خاطر شر أبتدائي أو شيطاني أو هوائي ، وبماذا تفرق بينها ؟ فإن لكل واحد منها دفعا من نوع آخر. والثالث : الفرق بين خاطر خير ابتدائي وإلهامي ، أو شيطاني أو هوائي لتتبع ما يكون من الله تعالى أو من الملهم ، وتجتنب ما يكون من الشيطان ، وكذلك الهوى على قول من يقول به فأما الفصل الأول : فقد قال علماؤنا رضي الله عنهم : إذا أردت أن تعرف خاطر الخير من خاطر الشر وتفرق بينهما . . فزنه بأحد الموازين الثلاثة يتبين لك حاله: ============================================================ فالأول : أن تعرض الأمر الذي خطر ببالك على الشرع ، فإن وافق جنسه.. فهو خير، وإن كان بالضد برخصة أو شبهة. . فهو شرە . فإن لم يستبن لك بهذا الميزان. . فاعرضه على الاقتداء، فإن كان في فعله أقتداء بالصالحين.. فهو خير ، وإن كان بالضد أتباعا للطالحين.. فهو شة . فإن لم يستين لك بهذا الميزان. . فاعرضه على النفس والهوى ، وانظو؛ فإن كان مما تنفر عنه النفس نفرة طبع لا نفرة خشية وترهيب. . فاعلم أنه خير، وإن كان مما تميل إليه النفس ميل طبع وجبلة لا ميل رجاء إلى الله تعالى وترغيب.. فهو شر ؛ إذ النفس أمارة بالشوء لا تميل بأصلها إلى خير فبأحد هذذه الموازين - إذا نظرت وأمعنت النظر - يستبين لك خاطر الخير من خاطر الشر، والله تعالى ولي الهداية بفضله ، إنه جواد كريم. وأما الفصل الثاني : فقال علماؤنا : إذا أردت أن تفرق بين خاطر شر يكون من قبل الشيطان ، وبين خاطر شر يكون من قبل هوى التفس أو من الله تعالى ابتداء. فانظر فيه من ثلاثة أوجه : أحدها : إن وجدته مصمما راتبا على حالة واحدة. فهو من الله تعالى أو من هوى النفس ، وإن وجدته مترددا مضطربا. فاعلم أنه من الشيطان . وكان بعض العارفين رحمه الله يقول : مثل هوى النفس مثل النمر إذا حارب.. لا ينصرف إلآ بقمع بالغ ، وقهر ظاهر ، أو مثل الخارجي الذي يقاتل 2 تدينا ، لا يكاد يرجع حتى يقتل، ومثل الشيطان مثل الذتب ، إذا طردته من جانب.. دخل من جانب آخر.

Sección V00/P089–V00/P091

وثانيها : إن وجدته عقيب ذنب أحدثته.. فهو من الله تعالى؛ إهانة وعقوبة بشؤم ذلك الذنب ، قال الله تعالى : { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون قال شيخي الإمام رحمه الله : هلكذا تؤدي الذنوب إلى قسوة القلب ؛ أولها خاطهآ، ثم تؤدي إلى القسوة والرين. وإن كان هذا الخاطر مبتدأ لا عقيب ذنب كان منك. . فاعلم أنه من قبل ============================================================ الشيطان ، هلذا في الأكثر؛ لأنه يبتدىء بدعوة الشر ، ويطلب الإغواء بكل حال . وثالثها : إن وجدته لا يضعف، ولا يقل بذكر الله تعالى ، ولا يزول. فهو من الهوى ، وإن وجدته يضعف ويقل بذكر الله تعالى. . فهو من الشيطان ، كما ذكر في تفسير قوله تعالى : من شر آلوسواس الخناس} : ( أن الشيطان جائم على قلب أبن آدم ، إذا ذكر الله تعالى.. خنس ، وإذا غفل.. وسوس) . وأما الفصل الثالث : إذا أردت أن تفرق بين خاطر خير يكون من الله تعالى أو من الملك. . فانظر في ذلك من ثلاثة أوجه : أحدها : أن تنظر؛ فإن كان قويا مصمما.. فهو من الله تعالى ، وإن كان مترددا.. فهو من الملك؛ إذهو بمنزلة ناصح يدخل معك من كل جانب ووجه، ويعرض عليك كل نصح؛ رجاء إجابتك ورغبتك في الخير: والثاني : إن كان عقيب أجتهاد منك وطاعة . فهو من الله تعالى ، قال الله تعالى: وألذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}، والنين أهتدوا زادهر هدى وهاللهم تقوه وإن كان مبتدأ . . فهو من الملك في الأغلب . والثالث : إن كان في الأصول والأعمال الباطنة.. فهو من الله سبحانه وتعالى، وإن كان في الفروع والأعمال الظاهرة.. فهو من الملك في الأكثر؛ إذ الملك لا سبيل له إلى معرفة باطن العبد في قول أكثرهم . وأما خاطر الخير الذي يكون من قبل الشيطان أستدراجا إلى شر يربو عليه : فلقد قال شيخنا رحمه الله : انظر؛ إن وجدت نفسك في ذلك الفعل الذي خطر بقلبك مع نشاط لا مع خشية، ومع عجلة لا مع تأن، ومع أمن لا مع خوف، ومع عمى عن العاقبة لا مع بصيرة. . فاعلم أنه من الشيطان فاجتنبه، وإن وجدت نفسك على ضد ذلك مع خشية لا مع نشاط، ومع تأن لا مع عجلة، ومع خوف لا مع ============================================================ أمن، ومع بصيرة للعاقبة لا مع عمى. فاعلم أنه من الله تعالى أو من الملك. قلث أنا : وكأن التشاط خفة في الإنسان للفعل من غير بصيرة وذكر ثواب ينشطه في ذلك. وأما التأني : فمحمود إلا في مواضع معدودة، وذكر في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " العجلة من الشيطان إلآ في خمسة مواضع : تزويج البكر إذا أدركث، وقضاء الدين إذا وجب ، وتجهيز الميت إذا مات، وقرى الضيف إذا نزل ، والتوبة من الذنب إذا أذنبت " : وأما الخوف : فيحتمل أن يكون في إتمامه وأدائه على وجهه وحقه، وقبول الله تعالى إياه . وأما بصارة العاقبة : فبأن يتبصر ويتيقن أنه رشد وخير ، ويحتمل أن يكون لرؤية الثواب في العقبى ورجائه، فاعلم ذلك موفقا . فهذه جملة الفصول الثلاثة التي لزمتك معرفتها في فصل الخواطر، فارعها حقها، وأمعن النظر فيها ما استطعت ؛ فإنها من العلوم اللطيفة والأسرار الشريفة في هذا الباب، والله الموفق بفضله.

Sección V00/P091–V00/P093

وأما فصل الحيل والمخادعات من الشيطان : فمجرى ذلك ومثاله أن مكايد الشيطان مع ابن آدم في الطاعة من سبعة أوجه : أحدها: أن ينهاه عنها، فإن عصمه الله تعالى.. رده؛ بأن قال : إني محتاج إلى ذلك جدا ؛ إذ لا بد لي من التزؤد من هذه ألذنيا الفانية للآخرة التي لا أنقضاء لها ثم يأمره بالتسويف ، فإن عصمه الله تعالى. . رده؛ بأن قال : ليس أجلي ============================================================ بيدي ، على أني إن سوفت عمل اليوم إلى غد. . فعمل غد متى أعمله ؟ فإن لكل يوم عملا: ثم يأمره بالعجلة فيقول له : عجل عجل لتفرغ لكذا وكذا ، فإن عصمه الله تعالى. . رده ؛ بأن قال : قليل العمل مع التمام خير من كثيره مع النقصان . ثم يأمره بإتمام العمل مراءاة للناس، فإن عصمه الله تعالى. . رده؛ بأن قال : ما الذي أعمل بمراءاة الناس ؟ أفلا تكفيني رؤية الله تعالى ؟ ثم يريد أن يوقعه في العجب فيقول : ما أعقلك وأيقظك ! فإن عصمه الله تعالى.. رده؛ بأن قال : المنة لله تعالى في ذلك دوني، وهو الذي خصني بتوفيقه، وجعل لعملي قيمة عظيمة بفضله، ولولا فضله.. فماذا كان قيمة هذا العمل في جنب نعمة الله تعالى علي وجنب معصيتي له ؟ ثم يأتيه من وجه سادس، وهو أعظئها، ولا يقف عليه إلأكل متيقظ ، وهو أن يقول : أجتهذ أنت في السر ؛ فإن الله تعالى سيظهره عليك، ويلبس كل عامل عمله، وأراد بذلك ضربا من الرياء ، فإن عصمه الله تعالى. . رده ؛ بأن قال : يا ملعون؛ إلى الآن كنت تأتيني من وجه إفساد عملي ، والآن تأتيني من وجه إخلاصه لتفسده، إنما أنا عبد الله تعالى، وهو سيدي، إن شاء.. أظهر، وإن شاء.. أخفى، وإن شاء.. جعلني خطيرا، وإن شاء.. جعلني حقيرا، وذلك إليه ، وما أبالي إن أظهر ذلك للناس أو لم يظهزه ؛ فليس بأيديهم شيء. ثم يأتيه من وجه سابع ويقول : لا حاجة لك إلى هلذا العمل؛ لأنك إن خلقت سعيدا.. لم يضرك ترك العمل، وإن خلقت شقيا.. لم ينفغك فعله، فإن عصمه الله تعالى. . رده؛ بأن قال : إنما أنا عبد ، وعلى العبد أمتثال الأمر لعبوديته، والرث أعلم بربوبيته، يحكم ما يشاءآ، ويفعل ما يريد ، ولأنه ينفعني العمل كيفما كنث ؛ لأني إن كنث سعيدا. . أحتجت إليه لزيادة الثواب ، وإن ============================================================ كنت شقيا. . فأنا محتاج إليه كي لا ألوم نفسي ، على أن الله تعالى لا يعاقبني على الطاعة بكل حال ، ولا تضرني، على أني إن أدخلت النار وأنا مطيع.. أحث إلي من أن أدخلها وأنا عاصي، فكيف ووعذه حق، وقوله صدق، وقد وعد على الطاعات بالثواب ؟! فمن لقي الله تعالى على الإيمان والطاعة.. لم يدخل النار ألبتة، ودخل الجنة ؛ لا لاستحقاقه بعمله الجنة، وللكن لوعده الصادق تعالى ، ولهلذا المعنى أخبر الله تعالى عن الشعداء إذ قالوا : الحمد لله الزى صدقنا وقده) فتيقظ رحمك الله، فإن الأمر كما ترى وتسمع، وقس عليه سائر الأفعال والأحوال، واستعن بالله تعالى واستعذ به؛ فإن الأمر بيده، ومنه التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

Sección V00/P093–V00/P096

العائق الرابع : النفس، ثم عليك - عصمك الله وإيانا - بالحذر من هلذه النفس الأمارة بالشوء؛ فإنها أضرآ الأعداء، وبلاؤها أصعب البلاء، وعلاجها أعسر الأشياء ، وداؤها أعضل الداء ، ودواؤها أشكل الدواء ، وإنما ذلك لأمرين : أحذهما : أنه عدؤ من داخلي ، واللصل إذا كان من داخل البيت.. عزت الحيلة فيه وعظم الضرر، ولقد صدق القائل : امن السريع) نفسي إلى ما ضرتي داعي تكثر أسقامي وأوجاعي كيف أحتيالي من عدوي إذا كان عذوي بين أضلاعي(2 والثاني : أنه عدؤ محبوت، والإنسان عم عن عيب محبويه، لا يكاد يبصر عيبه، كما قال القائل: [من الطويل] ولست ترى عيبا لذي الود والإخا ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا وعين الرضا عن كل عيب كليلة وللكن عين الشخط تبدي المساويا ============================================================ فإذن يستحسن الإنسان من نفسه كل قبيح، ولا يكاد يطلع على عيب لها وهي في عداوتها وأضرارها، فما أوشك ما توقعه في كل هلاك وفضيحة وهو لا يشعر إلا أن يحفظه الله تعالى بفضله ، ويعينه عليها برحميه ثم أقول : تأمل ايها الرجل نكتة واحدة مقنعة ، وهي أنك إذا نظرت.. وجدت أصل كل فتنة وفضيحة، وخزي وهلاك، وذنب وآفة وقع في خلق الله تعالى من أول الخلق إلى يوم القيامة من قبل هلذه التفس ؛ إما بها وحدها، أو بمعونتها ومشاركتها ومساعدتها فأولك معصية لله تعالى كانت من إبليس، وكان سببه بعد القضاء السابق هوى النفس بكبرها وحسدها، ألقته بعد عبادة ثمانين ألف سنة - فيما قيل- في بحر الضلال ، فغرق إلى أبد الآبدين ؛ إذ لم يكن هنالك دنيا ولا خلق ولا شيطان، بل كانت النفس بكبرها وحسدها، فعملت به ما عملت: ثم ذنب آدم وحواء عليهما السلام، طرحتهما شهوة النفس في ذلك، وحرضهما على البقاء والحياة، حتى آغترا بقول إبليس، فكان ذلك إذن بعون النفس وشركتها، حتى سقطا بذلك من جوار الله تعالى وقرار الفردوس إلى هذذه الدنيا الحقيرة النكدة ، الفانية المهلكة ، ولقي أولادهما ما لقوا من ذلك اليوم إلى أبد الابدين. ثم حديث قابيل وهابيل ، كان السبب في أمرهما الحسد والشخ. ثم حديث هاروت وماروت، كان السبب في شأنهما الشهوة ، ثم هلم جرا إلى يوم القيامة. ============================================================ فلا تجد في الخلق فتنة ولا فضيحة ، ولا ضلالا ولا معصية، إلأ وأصلها النفس وهواها ، وإلأ . كان الخلق في سلامة وخير. واذا كان عدؤ بهذا الضرر كله. . فحق للعاقل أن يهتم بأمره، والله تعالى ولي التوفيق والهداية بفضله. فإن قلت : فما الحيلة إذن لنا في هذا العدو ؟ وما التدبير في أمره ؟ فبين لنا ذلك: فاعلم : أنا ذكزنا فيما تقدم أن أمرها عسر صعبث ؛ إذ لا يمكن قهرها بمرة كسائر الأعداء؛ إذهي المطية والآلة، قيل : إن أعرابيا دعا لإنسان بخير فقال : كبت الله كل عدؤ لك إلا نفسك . ولا يمكن إهمالها بمرة؛ لمكان ضررها ، فتحتاج إلى طريق بين الطريقين : تربآيها وتقؤيها بقذر ما تحتمل فعل الخير، وتضعفها وتحبسها على حد لا تتمادى، فأنت من أمرها في علاج شديد ، ونظر لطيف . ثم إنا قد ذكزنا في أمرها أن تلجمها بلجام التقوى والورع؛ لتحصل الفائدتين جميعا فإن قيل : إن هلذه دايه جموح ، وبهيمة صعبة شكسة لا تنقاد للجام ، فما الحيلة فيها حتى تمݣننا منها ؟ فاعلم : أنك لصادق، والحيلة : تذليلها حتى تنقاد للجام . قال علماؤنا رضي الله عنهم : إنما تذلل النفس ويكسر هواها بثلاثة أشياء : أحذها : منع الشهوات ؛ فإن الدابة الحرون تلين إذا نقص من علفها . والثاني : حمل أثقال العبادات عليها؛ فإن الحمار إذا زيد في حمله مع النقصان من علفه. . تذلل وأنقاد . ============================================================ والثالث : الاستعانة بالله تعالى والتضرع إليه بأن يعينك، وإلأ.. فلا مخلص، أما تسمع قول يوسف عليه الصلاة والسلام : إن النفس لأمارة" بالشوه إلامارحه رتى} ؟

Sección V00/P096–V00/P098

فإذا واظبت على هذذه الأمور الثلاثة . . أنقادت لك النفس الجموح بإذن الله تعالى، فحينثذ تبادر إلى أن تملكها وتلجمها وتأمن من شرها . فإن قلت : فبين لنا الآن ما هو التقوى حتى نعلمه ؟ فاعلم أؤلا : أن التقوى كنز عزيز ، فلئن ظفرت به . . فكم تجد فيه من جوهر شريف، وعلق نفيس ، وخير كثير، ورزقي كريم، وفوز كبير، وغنم جسيم، وملك عظيم، فكأن خيرات الدنيا والاخرة جمعث فجعلت تحت هلذه الخصلة الواحدة التي هي التقوى، وتأمل ما في القرآن من ذكرها، كم علق بها من خير، وكم وعد عليها من ثواب وأجر، وكم أضاف إليها من سعادة، وأنا أعذ لك من جملتها أثنتي عشرة خصلة: أؤلها : المدحة والثناء ، قال الله تعالى : وإن تصيروا وتتقوا فإن ذاللك من عزو الأمور. والثاني : الحفظ والحراسة من الأعداء ، قال الله تعالى : { وإن تصيروا وتتقوالا يضركم كيدهم شيعا والثالث : التأييد والنصرة ، قال الله تعالى : إن الله مع الزين أتقوا ، وقال تعالى : واغلموا أن الله مع اليثقين) والرابع : النجاة من الشدائد ، والرزق من الحلال ، قال الله تعالى : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) والخامس : إصلاح العمل ، قال الله تعالى : يكأيها الزين ء امنوا أتقوأ الله وقولوا قولا سديا يصلع لكم اعللكنه ============================================================ بد والشادس : غفران الذنوب ، قال الله تعالى : ويغفر لكم ذتويكم) . والشابع : محبة الله تعالى ، قال الله تعالى : { إن الله يحب المثقين . والثامن : القبول ، قال الله تعالى : { إنما يتقبل الله من المتقين) : والتاسع : الإكرام والإعزاز، قال الله تعالى : إن أكرمكر عند الله اتقلكم). والعاشر : البشارة عند الموت ، قال الله تعالى : { الذي امنوا وكانوا يتقوت والحادي عشر : النجاة من النار ، قال الله تعالى : ثم تنجى الذين اتقوا ، وقال تعالى : { وسيجنبها الأنقى) والثاني عشر : الخلود في الجنة ، قال الله تعالى : أعدت للمتقين) . فهذا بيان كل خير وسعادة في الدارين تحت هلذه التقوى، فلا تنس نصيبك أيها الرجل منها. ثم الذي يختص به هلذا الشأن من أمر العبادة ثلاثة أصول : أحذها : التوفيق والتأييد أولا، وهو للمتقين ، كما قال الله تعالى : ( واغلموا أن الله مع المثقين) والثاني : إصلاح العمل وإتمام التقصير، وهو للمتقين، كما قال الله تعالى : يصلغ لكم اللكر والثالث : قبول العمل ، وهو للمتقين ، كما قال الله تعالى : إنما يتقبل الله من المنقين) ومدار العبادة على هلذه الأمور الثلاثة؛ التوفيق أولا حتى يعمل، ثم الإصلاح للتقصير حتى يتم ، ثم القبول إذا تم ، وهلذه الثلاثة هي التي يتضرع ============================================================ فيها العابدون إلى الله عز وجل، ويسألون فيقولون : رينا؛ وفقنا لطاعتك ، وأتمم تقصيرنا، وتقبل منا، وقد وعد الله تعالى ذلك كله على التقوى، وأكرم بها المتقي ، سأل أو لم يسأل. فعليك بهلذه التقوى إن أردت عبادة الله سبحانه، بل إن أردت سعادة الذنيا والعقبى، ولقد صدق القائل: [من السريع) من أتقى الله فذاك الذي سيق إليه المتجر الرابع والقائل: [من السريع) من عرف الله ولم تغنه معرفة الله فذاك الشقي ما ضر ذا الطاعة ما نال في طساعة آلله وماذا لقي ما يصنع العبذ بعز الغنى والعز كل العز للمتقي ؟!

Sección V00/P098–V00/P100

امن مجزوء المخفيف) وكتب على بعض القبور: لي زاذ سوى التقى فخذي منه أو دعي ثم تامآل أصلا واحدا ، وهو : هب انك قد تعبت جميع عمرك في العبادة، وجاهدت وكابدت ، حتى حصل لك ما تمنيت، أليس الشان كله في القبول وقد علمت ان الله تعالى يقول : إنما يتقبل الله من المتقين) ؟1 فرجع الأمر كله إلى الثقوى ، ولذلك روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالث : (ما أعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من الدنيا ولا أعجبه (32 أحد إلأ ذو تقى) . وعن قتادة أنه قال : (مكتوث في التوراة : يا بن آدم ؛ اتق الله، ونم حيث شيت)(14 ============================================================ وبلغني عن عامر ابن عبد قيس : (أنه بكى عند موته ، وكان يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة ، ثم يأتي فراشه فيقول [لنفسه] : يا مأوى كل شر؛ والله ما رضيئك لله طرفة عين) . وبكى يوما ، فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : قوله تعالى : إنما يتقبل الله من المنقين . ثم تأمل نكتة أخرى ، وهي أصل الأصول ، وهي ما ذكر أن بعض الصالحين قال لبعض أشياخه: أوصني بوصية ، قال : أوصيك بوصية الله رب العالمين للأؤلين والآخرين ؛ قوله تعالى : ( ولقد وصينا الذين أوتوا الكلثب من قبلكم واياكم أن اتقوا الله) قلث أنا : أليس الله تعالى أعلم بصلاح العبد من كل أحد ؟ أوليس هو أنصح له وأرحم وأرأف من كل أحد ؟ ولو كانت في العالم خصلة هي أصلح للعبد ، وأجمع للخير، وأعظم للأجر ، وأجل في العبودية، وأعظم في القذر، وأولى بالحال، وأنجع في المآل من هلذه الخصلة التي هي التقوى.. لكان الله تعالى أمر بها عباده، وأوصى بها خواضه؛ لكمال حكمته، وسعة رحمته، فلما أوصى بهذه الخصلة الواحدة ، وجمع الأولين والأخرين من عباده في ذلك، واقتصر عليها.. علمت أنها الغاية التي لا متجاوز عنها، ولا مقتصر دونها، وأنه عز وجل قد جمع كل نصح ودلالة، وإرشاد وتنبيه وتأديب، وتعليم وتهذيب في هذذه الوصية الواحدة كما يليق بحكمته ورحمته، وعلمت أن هذذه الخصلة التي هي التقوى هي الجامعة لخير الدنيا والآخرة، الكافية لجميع المهمات ، المبلغة إلى أعلى الدرجات في العبودية. امن الطويل] وقد أحسن من قال : الا إنما التقوى هي العز والكرم وحبك للدنيا هو الذل والعدم ============================================================ وليس على عبد تقي نقيصة إذا صكع التقوى وإن حاك أو حجم وهذا أصل لا مزيد عليه، وفيه كفاية لمن أبصر النور وأهتدى، وعمل بذلك واستغنى ، والله ولي الهداية والتوفيق بفضله. فإن قلت : لقد عظم قدر هذذه الخصلة، وجل موقغها، وآشتدت الحاجة الى معرفتها، فلا بد الآن من تفصيلها.

Sección V00/P100–V00/P102

فاعلم : أن الأمر كذلك ، فحق لها أن يجل قدرها ، ويلزم طلبها، وتمس الحاجة إلى علمها، وللكنك تعلم أن كل خطير وكبير يحتاج في أجتلابه إلى طلب كثير، وتعب كبير، وهمة عالية، وجهد شديد، فإذن كما أن هلذه الخصلة خصلة عظيمة كبيرة فالمجاهدة في طلبها ، والقيام بحقها ، والعناية في تحصيلها أيضا.. لفعل كبيرآ، وشأن عظيم ؛ فإن المكارم على حسب المكاره، وإن اللذات على حسب المؤنات ، وألله تعالى يقول : { وألزين جهدوا فينا لنمدينهم سبلنا وإن الله تعالى هو الرؤوف الرحيم الذي بيده تيسير كل عسير، فاستمع وتنيه، وتفهم حد بيان هلذه الخصلة حتى تعلمها، ثم تشمر للقيام بها، واستعن بألله عز وجل حتى تعمل بما تعلم؛ فإن الشأن كله في ذلك ، والله تعالى ولي الهداية والتوفيق بفضله فنقول : أعلم أولا : أن التقوى في قول شيوخنا رحمهم الله تعالى هو : تتزيهآ القلب عن ذنب لم يسبق عنك مثله، حتى يجعل العبذ من قوة العزم على تركها وقاية بينه وبين المعاصي ، هنكذا قال شيخنا رحمه الله تعالى، وذلك أن أصل لفظة التقوى في اللغة هو الوقوى بالواو ، وهو مصدر الوقاية ، يقال : وقط يقي وقاية ووقوى، فأبدلت عن الواو تاء، كما هو في الوكلان والثكلان ونحوهما، فقيل تقوى: فإذن لما حصلت وقاية بين العبد وبين المعاصي؛ من قوة عزمه على ============================================================ تركها، وتوطين قلبه على ذلك. . فيوصف حييذ بأنه متق، ويقال لذلك التنزيه والعزم والتوطين تقوى: والتقوى في القرآن تنطلق على ثلاثة أشياء : أحدها : بمعنى الخشية والهيبة ، قال الله تعالى : وإيى فاتقون}، وقال تعالى : واتقوأ يوما ترجموب فيه إلى الله} والثاني : بمعنى الطاعة والعبادة ، قال الله تعالى : { يأيها ألذينه امنوا أتقوا الله حقتقانه) قال ابن عباس رضي الله عنهما : (أطيعوا الله حق طاعته) وقال مجاهذ : (هو أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى ، وآن يشكر فلا يكفر) والثاث: بمعنى تنزيه القلب عن الذنوب ، وهذه هي الحقيقة في التقوى دون الأولين ، الا ترى أن الله تعالى يقول : { ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولكيك هم الفآيزون} ؟ ذكر الطاعة والخشية ، ثم ذكر الثقوى ، فعلمت أن حقيقة الثقوى معنى سوى الطاعة والخشية، وهي تنزيه القلب عما ذكرناه: ثم قالوا رحمهم الله : منازل التقوى ثلاثة : تقوى عن الشرك ، وتقوى عن البدعة ، وتقوى عن المعاصي الفرعية ، ولقد ذكرها الله سبحانه وتعالى في آية واحدة ، وهي قوله تعالى : { ليس على الذين مامثوا وعلوا الصللحت جنا فيما طهموا إذاما اتقواوه امثوا وعيلوا الصللحت ثم انقواوه امنوا ئم انقوا واخستوا) فالثقوى الأولى تقوى عن الشرك ، والإيمان الذي ذكر معها في مقابلة التوحيد، والتقوى الثانية عن البدعة ، والإيمان الذي ذكر معها إقرار بالشنة والجماعة، والتقوى الثالثة عن المعاصي الفرعية، ولا إقرار في هلذه المنزلة ، ============================================================ فقابلها بالإحسان، وهو الطاعة والاستقامة عليها، فتكون منزلة مستقيمي الطاعة فالآية جمعث ذكر المنازل الثلاث ؛ منزلة الإيمان ، ومنزلة الشنة ، ومنزلة استقامة الطاعة، فهذا ما قاله العلماء رحمهم الله في بيان معنى التقوى: قلث أنا : وجدت التقوى بمعنى آجتناب فضول الحلال ، وهو ما روي في الخبر المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إنما سمي المتقون متقين لتركهم ما لا بأس به حذرا مما به بأس " . فأحببت أن أجمع بين ما قاله علماؤنا رحمهم الله وبين ما جاء في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون حدا جامعا، ومعنى بالغا. فأقول : التقوى هو آجتناب كل ما تخاف منه ضررا في دينك، ألا ترى أنه يقال للمريض المحتمي : إنه متق إذا أجتنب كل شيء يضره في بدنه ؛ من طعام أو شراب، أو فاكهة أو غيرها.

Sección V00/P102–V00/P104

ثم الذي يخاف منه الضرر في أمر الدين قسمان : محض الحرام والمعصية، وفضول الحلال ، لأن الاشتغال بفضول الحلال والانهماك فيه يستجرو صاحبه إلى الحرام ومحض العصيان، وذلك لشره النفس وطغيانها ، وتمؤد الهوى وعصيانه، فمن أراد أن يأمن الضرر في أمر دينه.. أجتنب الخطر ، فامتنع عن فضول الحلال؛ حذرا أن يجره إلى محض الحرام، على ما قاله صلى الله عليه وسلم: "لتركهم ما لا بأس به حذرا مما به بأس" يعني: لتركهم فضول الحلال حذرا عن الوقوع في الحرام. فالتقوى البالغة الجامعة : أجتناب كل ما فيه ضرر لأمر الدين، وهو المعصية والفضول، هذذا تفصيلها. ============================================================ وأما إذا أرذنا تحديدها على موضوع علم الشرع.. فنقول : حد الثقوى الجامع : تنزيهآ القلب عن شر لم يسبق عنك مثله ، بقؤة العزم على تركه ، حتى يصير ذلك وقاية بينك وبين كل شر . ثم الشرور ضربان : شرؤ أصليي، وهو ما نهي عنه كالمعاصي المحضة، وشرە غير أصلي، وهو ما نهي عنه تأديبا، وهو فضول الحلال، كالمباحات المأخوذة بالشهوات. فالأولى تقوى فرضي ، يلزم بتركها عذاب النار ، والثانية تقوى خير وأدب، يلزم بتركها الحبس والحساب ، والتعيير واللوم؛ فمن أتى بالأولى.. فهو في الدرجة الدنيا من التقوى ، وهي منزلة مستقيمي الطاعة ، ومن أتى بالأخرى.: فهو في الدرجة العليا من التقوى ، وذلك منزلة مستقيمي ترك المباح. فإذا جمع العبد بينهما - أعني : اجتناب كل معصية وفضول - فقد أستكمل معنى التقوى ، وقام بحقها، وجمع كل خير فيها ، وهذا هو الورع الكامل الذي هو ملاك أمر الدين ، وذلك منزلة الأدب على باب الله تعالى ، فهلذا معنى التقوى وبيانها في الجملة ، فافهمه موفقا إن شاء الله تعالى. فإن قلت : ففصل لنا الآن هلذا المعنى في النفس وأستعماله فيها؛ فإن الحاجة جاءت من هنالك؛ لنعلم كيف نلجم هذه النفس بهذا المعنى الذي فصلت من حقيقة التقوى : فأقول : أجل، إنما تفصيله في أمر هذه النفس أن تقوم عليها بقوة العزم ، فتمنعها عن كل معصية، وتصونها عن كل فضول. فإذا فعلت ذلك .. كنت قد اتقيت الله تعالى في عينك وأذنك، ولسانك وقلبك، وبطنك وفرجك، وجميع أعضائك، وألجمتها بلجام التقوى، ولهلذا الباب شرخ يطول، وقد أشرنا إليه في كتاب 8 إحياء علوم الدين" . وأما الذي لا بد منه هلهنا فأن نقول : من أراد أن يتقي الله تعالى.. فليراع الأعضاء الخمسة؛ فإنهن الأصول ، وهي : العين ، والأذن، واللسان، 104 ============================================================ والقلب، والبطن، فيحرص عليها بالصيانة لها عن كل ما يخاف منه ضررا في أمر الدين؛ من معصية وحرام، وفضول وإسراف من حلال. فإذا حصل صيانة هذه الأعضاء.. فمرجؤ أن يكفى سائر أركانه، ويكون قد قام بالتقوى الجامعة بجميع بدنه لله عز وجل، فدعت الحاجة إلى بيان خمسة فصول لهذذه الأعضاء، وتفصيل ما يحرم في حق كل واحد منها، على قدر ما يليق بهذذا الكتاب. الفصل الأول : العين. ثم عليك - وفقك الله وإيانا - بحفظ العين؛ فإنها سبب كل فتنة وآفة، وأذكر في أمرها ثلاثة أصول كافية. أحذها : ما قال سبحانه : قل للمومنيب يغضوا من أبص رهم ويخفظوأ فررجهة ذالك أزكن لهم إن الله خبير بمايصنعون} وأعلم : أني تأملت هلذه الآية فوجدت فيها مع قصرها ثلاثة معان عزيزة : تأديث، وتنبيه، وتهديد. فأما التأديب : فقوله تعالى : { قل للمؤمني يغضوا من ابصرهم}، ولا بد للعبد من أمتثال أمر السيد، والتأدب بأدبه ، وإلا.. فيكون سيء الأدب ، فيحجب فلا يؤذن له في حضور المجلس والمثول بالحضرة، فافهم هذذه النكتة، وتأمل ما تحتها؛ فإن فيها ما فيها. وأما التنبيهآ : فقوله تعالى : ذالك أزكي لهم}، وينطلق على معنيين والله أعلم: الأؤل : أن ذلك أطهر لقلوبهم ، والزكاة الطهارة، والتزكية التطهير .

Sección V00/P104–V00/P107

والثاني : ذلك أنمى لخيرهم وأكثر ، والزكاة في الأصل النمؤ ، فنبة على أن في غض البصر تطهير القلب، وتكثير الطاعة والخير ، وذلك أنك إن لم تغض بصرك، وأرخيت عنانه تنظر إلى ما لا يعنيك.. فلا يخلو من أن تقع عينك على 15 ============================================================ حرام، فإن تعمدت.. فذنب وكبيرةآ، وربما تعلق قلبك بذلك، فتهلك إن لم يرحم الله تعالى ، فلقد روي : ( إن العبد لينظر النظرة ينغل فيها قلبه كما ينغل الأديم في الدباغ ، لا ينتفع به أبدا) . وإن كان مباحا.. فرتما يشتغل قلبك به، فجاءك الوسواس والخواطر بسببه، ولعلك لا تصل إليه فتبقى مشغول القلب ، منقطعا عن الخير، وإن كنت لم تر ذلك.. فقد كنت مستريحا عن ذلك كله ، وفي هذذا المعنى ذكر عن عيسى صلوات الله وسلامآه عليه وعلى نبئنا أنه قال : (إياكم والنظرة؛ فإنها تزرع في القلب الشهوة ، وكفى بها لصاحبها فتنة) : وقال ذو النون رحمه الله تعالى : نعم حاجب الشهوات غض الأبصار. ولقد أحسن القائل: (من الطويل] وأنت إذا أرسلت طزفك رائدا لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قاد عليه ولا عن بعضه أنت صابرو(3 فإذن لما كنت غاضا للبصر، حافظا للعين، لا تنظر إلى ما لا يعنيك ولا يهئك. كنت نقي الصدر، فارغ القلب ، مستريحا عن كثير من الوسواس ، سالم النفس عن الآفات ، متزايدا في الخيرات، فتنبه لهلذه النكتة الجامعة ، واللهعز وجل الموفق بمنه وفضله . وأما التهديد : فقوله تعالى : إن الله خبير بما يضنعون} ، وقال تعالى : يعلم خآينة الاعين وما تخفى الضدور) وكفى بهذا تحذيرا لمن خاف مقام ربه، فهذا أصل واحد من كتاب الله عز وجل. ============================================================ والأصل الثاني : ما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "النظر إلى محاسن المرآة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن تركها. . أذاقه الله تعالى طعم عبادة تسره 1114. وإن وجدان حلاوة العبادة ولذة المناجاة من العابدين بمكان ، وهلذا شيءآ مجرت، علمه وتحققه من عمل به ؛ أنه إذا امتنع عن النظر إلى ما لا يعنيه.. يجذلذة للعبادة، وحلاوة للطاعة، وللقلب صفوة لم يجدها قبل ذلك : والأصل الثالث : أن تنظر إلى كل عضو من أعضائك يصلح لماذا؟ وينتظر له ماذا؟ فعلى حسب ذلك تصونه وتحفظه؛ فالرجل للمشي في رياض الجنة وقصورها، واليذ لكأس الشراب وتناؤل الأثمار، وكذلك في سائر الأعضاء ، فالعين إنما هي للنظر إلى رب العالمين سبحانه وتعالى ، وليس في الدارين كرامة أجل وأكبر من ذلك ، فحقيق لشيء ينتظر ويرجى له مثل هلذه الكرامة أن يصان ويحفظ، ويعز ويكرم: فهذه الأصول الثلاثة إذا أحسنت التايل فيها.. كفتك المؤنة في هلذا الفصل، والله ولي التوفيق، وهو حسبي ونعم الوكيل: الفصل الثاني : الأذن . فعليك بصيانة سمعك عن الخنا والفضول ، وذلك لأمرين : أحدهما : لما روي أن المستمع شريك المتكلم. وفي ذلك يقول القائل: [من المتقارب) تحر من الطرق أوساطها وعد عن الجانب المشتبة وسمعك صن عن سماع القبيخ كصون اللسان عن النطق به ============================================================ فانك عند استماع القبيخ شريك لقائله فانتبه(1 والثاني : أن ذلك يهيج الخواطر والوسواس في القلب ، ثم من ذلك يبدو الاشتغال في البدن ، فما يبقى في العبادة شيء . ثم اعلم : أن الكلام الذي يقع في قلب الإنسان وسمعه بمنزلة الطعام الذي يقع في جوفه، فمنه الضار ومنه النافع، ومنه الغذاء ومنه الشم القاتل، بل إن بقاء الكلام وتجرعه اكثر وأبلغ من الطعام ؛ فإن الطعام يزول عن المعدة بنوم أو غيره ، وربما يبقى أثره زمانا ثم يزول ، وله دواءآ يزيل أثره من جسم الإنسان .

Sección V00/P107–V00/P110

وأما الكلام الذي وقع في قلب الإنسان : فرتما يبقى معه جميع عمره ولا ينساه، فإن كان شيئا رديئا. . فلا يزال يتعبه ويعنيه ، وترد بسببه خواطر في القلب ، ووساوس يحتاج إلى أن يعرض عنها، ويعدل بقلبه عن تذگرها، ويستعيذ بالله تعالى من شرها، ولا يأمن من أن تحمله على بلية، وتحركه حتى يقع آخر الأمر في آفة عظيمة بسبب ذلك، ولو كنت حفظت سمعك عما لا يعنيك. كنت عن هلذه المؤن مستريحا، فلينظر العاقل في ذلك، وبالله التوفيق. الفصل الثالث : اللسان . ثم عليك بحفظ اللسان وضبطه وتقييده؛ فإنه أشذ الأعضاء جماحا وطغيانا، واكثرها فسادا وعدوانا. ولقد روينا عن سفيان بن عبد الله أنه قال : قلت : يا رسول الله؛ ما أكثر ما تخاف علي ؟ فأخذ عليه الصلاة والسلام بلسان نفسه ثم قال : "هذذا " : وعن يونس بن عبيد أنه قال : (إني وجدت نفسي تحتمل مؤنة الصوم في ============================================================ الحر الشديد بالبصرة ، ولا تحتمل ترك كلمة لا تعنيها) . فعليك إذن بالتحفظ جدا وبذل المجهود ونذكر خمسة أصول : أحلها : ما روى أبو سعيد الخدري : "أن ابن آدم إذا أصبح.. كفرت الأعضاء كلها للسان ، وقلن : ننشدك بالله أن تستقيم ؛ فإنك إن استقمت. . استقمنا، وإن اعوججت.. اعوججنا4 قلث : والمعنى فيه والله أعلم : أن نطق اللسان يؤثر في أعضاء الإنسان بالتوفيق والخذلان ، ويؤكذ هلذا المعنى ما حكي عن مالك بن دينار انه قال : إذا رأيت قساوة في قلبك، ووهنا في بدنك ، وحرمانا في رزقك.. فاعلم انك قد تكلمت فيما لا يعنيك والأصل الثاني : حفظ وقتك ؛ فإن أكثر ما يتكلم به الإنسان من غير ذكر الله تعالى ، فعلى الأقل يكون لغوايضيع الوقت به. وذكر أن حسان بن أبي سنان مر على غرفة بنيت فقال : (منذ كم بنيت هذه ؟ ثم أقبل على نفسه وقال : يا نفسي الغرورة ؛ تسألين عما لا يعنيك ؟! وعاقبها بصوم ستة)11. قلث : فيا طوبى للمهتمآين بأنفسهم ! ويا ويح الغافلين الذين خلعوا العذار، وأرخوا العنان 1 والله المستعان: امن الخفيف) ولقد صدق القائل وأحسن حيث يقول : واغتنم ركعتين في ظلمة اللي حل إذا كنت خاليا مستريحا وإذا ما هممت باللغو في البا طل فاجعل مكانه تسبيحا ============================================================ فلزوم الشكوت خير من النط قي وإن كنت في الكلام فصيحا والأصل الثالث : حفظ الأعمال الصالحة ، فإن من لم يصن لسانه، وأكثر الكلام.. يقع لا محالة في غيبة الناس، كما قيل : من كثر لغطه.. كثر سقطه والغيبة هي الصاعقة المهلكة للطاعات، على ما قيل : إن مثل من يغتاب الناس مثل من نصب متجنيقا، فهو يرمي به حسناته شرقا وغربا، يمينا وشمالا. وبلغنا عن الحسن أنه قيل له : يا أبا سعيد؛ إن فلانا اغتابك، فبعث إليه بطبق فيه رطت، وقال : بلغني أنك أهديت إلي حسنايك ، فأحببت أن اكافئك . وذكرت الغيبة عند ابن المبارك فقال : لو كنث مغتابا. . لاغتبت أمي؛ لأنها أحق بحسناتي وذكر أنه فات حاتما الأصم ليلة القيام ، فعزته زوجته ، فقال : إن أقواما صلوا بالليل البارحة، فلما أصبحوا. . نالوا مني، فتكون صلاتهم يوم القيامة في ميزاني والأصل الوابع : السلامة من آفات الدنيا ، على ما قال سفيان : لا تتكلم بلسانك ما تكسر به أسنانك. وقال آخر : لا تبسطن لسانك، فيفسد عليك شأنك ، وأنشدوا : [من الكامل احفظ لسانك لا تقول فتبتلى إن البلاء موكل بالمنطق ============================================================ ولابن المبارك: امن المتقارب] سريع إلى المرء في قتله احفظ لسانك إن اللسان يدك السرجال على عقله وإن اللسان دليل الفؤاد [من الوافر] ولابن مطيع : إذا خلى عليه له إغارهآ لسان المرء ليث في كمين يكن لك من بليات ستاره فصنه عن الخنا بلجام صمت وفي المثل السائر : (رب كلمة تقول لصاحبها : دغني) .

Sección V00/P110–V00/P112

والأصل الخامس : ذكر آفات الآخرة وعاقبتها ، وأذكر فيه نكتة واحدة ، وهو أنه لا يخلو : إما أن تقول قولا محظورا حراما، أو قولا مباحا من فضول لا يعنيك. فإن كان محظورا.. ففيه من عذاب الله تعالى الذي لا طاقة لك به، فقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ليلة أسري بي إلى الشماء نظرت في النار قوما يأكلون الجيف، قلت : يا جبريل؛ من هؤلاء؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس" . ولقد قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ : "اقطع لسانك عن حملة القرآن وطلأب العلم ، ولا تمزق الناس بلسانك فتمزقك كلاب النار" . وعن أبي قلابة : إن في الغيبة خراب القلب من الهدى. قنسأل الله تعالى العصمة من ذلك بفضله. هلذا الكلام في المحظور ، وأما المباح : ففيه أربعة أمور : ============================================================ أحذها: شغل الكرام الكاتبين بما لا خير فيه ولا فائدة، وحق للمرء أن يستحي منهما فلا يؤذيهما ، قال الله سبحانه وتعالى : { ما يلفظ من قول إلالديه رقيب عيد والثاني : إرسال كتاب إلى الله تعالى من اللغو والهذر ، فليحذر العبد من ذلك، وليخش الله عز وجل. وذكر : أن بعضهم نظر إلى رجل يتكلم بالخنا ، فقال : يا هلذا؛ إنما تملي كتابا إلى ربك، فانظر ما تملي ! والثالث : قراءته بين يدي الملك الجبار يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ، بين الشدائد والأهوال ، عطشان عريان جيعان، منقطعا عن الجنة، محبوسأ عن النعمة. والوابع : اللوم والتعيير لماذا قلت، وانقطاع الحكة ، والحياء من رب العزة ، وقد قيل : إياك والفضول ؛ فإن حسابه يطول . وكفى بهذه الأصول واعظا لمن اتعظ، وقد بسطنا في كتاب "أسرار معاملات الدين" ما فيه مقنع، فانظر فيه تجد الشفاء. الفصل الرابع : القلب. ثم عليك بحفظ القلب واصلاحه، وحسن النظر في ذلك، وبذل المجهود؛ فإنه أعظم هلذه الأعضاء خطرا، وأكثرها أثرا، وأديها أمرا ، وأشقها إصلاحا، وأذكر فيه خمسة أصول مقنعة : الأصل الأول : قوله تعالى : ( يعلم خاينة الأقين وما تخفى الصدور) ، وقوله تعالى : والله يعلم ما فى قلوبكم} ، وقوله تعالى : إنهرعليو بذات الصدور، كم ذكره وكرر ذكره في القرآن ، فكفى باطلاع العليم الخبير تحذيرا وتهديدا للخواص من العباد ؛ لأن المعاملة مع علام الغيوب خطرة، فانظر ماذا يعلم من قلبك. الأصل الثاني : قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى لا ينظر 112 ============================================================ الى صوركم وأجسادكم وأبشاركم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " . فالقلب إذن موضع نظر رب العالمين ، فيا عجبا ممن يهتم بوجهه الذي هو موضع نظر الخلق ، فيغسله وينظفه من الأقذار والأدناس ، ويزئنه بما أمكنه؛ لئلا يطلع مخلوق فيه على عيب، ولا يهتم بقلبه الذي هو موضع نظر رب العالمين ، فيطهره ويزينه ويطيبه؛ كي لا يطلع الرث جل ذكره على دنس فيه وشين، وآفة وعيب ، بل يهمله مملوءا بفضائح وأقذار وقبائح لو اطلع الخلق على واحد منها.. لهجروه وتبرؤوا منه وطردوه ! والله المستعان. الأصل الثالث : أن القلب ملك مطاع ، ورئيس متبع ، والأعضاء كلها تبع له، فإذا صلح المتبوع.. صلح التابع، وإذا استقام الملك.. استقامت الرعية، يبين ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن في الجسد مضغة، إذا صلحث.. صلح الجسذ كله، وإذا فسدت. فسد الجسذ كله، ألا وهي القلب " . وإذا كان صلاح الكل في ذلك. . وجب صرف العناية إليه .

Sección V00/P112–V00/P114

الأصل الرابع : أن القلب خزانة كل جوهر نفيس للعبد ، وكل معنى خطير ، أؤلها العقل ، وأجلها معرفة الله تعالى التي هي سبب سعادة الدارين ، ثم البصائر التي بها التقدم والوجاهة عند الله عز وجل ، ثم النية الخالصة في الطاعات التي بها يتعلق ثواب الأبد، ثم أنواع العلوم والحكم التي هي شرف العبد، وسائر الأخلاق الشريفة، والخصال الحميدة التي بها تفاضل الرجال، على ما فصلنا وشرخنا في كتاب " أسرار معاملات الدين" . وحق لمثل هلذه الخزانة أن تحفظ وتصان عن الأدناس والآفات، وتحرس ل وتحرز من الشراق والقطاع، وتكرم وتجل بضروب الكرامات ؛ لثآلا يلحق تلك ============================================================ الجواهر العزيزة دنس، ولا يظفر بها - والعياذ بالله - عدو . الأصل الخامس : أني تأملث حاله فوجدت له خمسة أحوال ليست لغيره من أعضاء ابن آدم. أحذها : أن العدو قاصد إليه ، مقبل عليه، ملازم له؛ فإن الشيطان جاثم على قلب ابن آدم الأيسر، فهو منزل الإلهام والوسوسة ، يقرعانه أبدا بالدعوتين كلاهما ؛ الملك والشيطان . والثاني : أن الشغل له أكثر؛ فإن الهوى والعقل كلاهما فيه ، فهو معترك العسكرين : الهوى وجنوده، والعقل وجنوده ، فهو أبدا بين تحاربهما وتقاتلهما وتناقضهما، وحق للثغر أن يحرس ويحصن ولا يغفل عنه : والثالث : أن العوارض له أكثر؛ فإن الخواطر له كالسهام ، لا تزال تقع فيه ، وكالمطر ، لا تزال تمطرو عليه ليلا ونهارا لا تنقطع عنه ، ولا أنت تقدر علىا منعها فتمتنع، وليس هو بمنزلة العين التي بين جفنين تغقض فتستريخ، أو تكون في موضع خال أو ليل مظلم فتكفى رؤيتها ، أو اللسان الذي هو وراء الحجابين : الأسنان والشفتين، وأنت القادر عليى منعه وتسكينه، بل القلب غرض للخواطر، لا تقدر على منعها والتحفظ عنها بحال، ولا هي تنقطع عنك بوقت، ثم النفس مسارعة إلى اتباعها، والامتناع عن ذلك في مجهود الطاقة أمر شديد، ومحنةآ عظيمةآ والرابع : أن علاجه عليك عسير ؛ إذ هو غيب عنك ، فلا تكاد تشعر حتى تدب فيه آفه، وتحدث له حالة، فتحتاج إلى أن تبحث عن ذلك أتم البحث، بطول الجهد، ودقيق النظر ، وكثرة الرياضة. والخامسن : أن الآفات إليه أسرع ، فهو إلى الانقلاب أقرب، فلقد قيل : أمن البسيط) إن القلب أسرع انقلابا من القدر في غليانها، ولذلك قيل : ما سمي القلب إلا من تقلبه والرأي يضرب بالإنسان أطوارا ============================================================ ثم إن زل القلب - والعياذ بالله - فزلله عظيم، ووقوغه أصعب وأفظع، أدناه : قسوة وميل إلى غير الله سبحانه ، ومنتهاه : ختم ونكرة لله تعالى ، أما تسمع قوله تعالى : أبن وآستكبر وكان من الكفريب) ؟ فكان الكبر بقلبه ، فحمله على الإباء والكفر بظاهره أما تسمع قوله تعالى : ولكنه، أخلد إل الأرض وآتبع هوله} ؟ فكان الميل واتباع الهوى بقلبه ، فحمله ذلك على الذنب المشؤوم بنفسه. أما تسمع قوله تعالى : ونقلب أفعدتهم وأبصكرهم كما لو يومثوا بوه أول مرق ونذرهم فى ظغينهه يعمهون} ؟ ولهذا المعنى - أيها الرجل- خاف عباد الله تعالى الخواص على قلوبهم، وبكوا عليها، وصرفوا عنايتهم إليها، قال الله تعالى في وصفهم : { يخافون يوما للقلب فيه القلوب والأبصكر . جعلنا الله وإياكم من المعتبرين بالعبر، المهتمين بمواضع الخطر، الموفقين لإصلاح قلوبهم بحسن التنظر ، إنه أرحم الراحمين. فإن قيل : إن أمر هذا القلب لمهم جدا ، فأخبرنا عن المعاني التي تصلحه، وعن الآفات التي تعترضه فتفسذه ، عسى أن نوفق للاجتهاد في العمل بذلك: يقال له : اعلم : أن تفصيل هلذه المعاني لطويل، لا يحتمله هذذا الكتاب، وإنما علماء الآخرة عنوا باستخراج ذلك وتصنيفه في هلذه النكتة لا غير، وقد ذكروا فيما يحتاج إليه من ذلك نحو تسعين خصلة محمودة ، وفي أضدادها المذمومة، ثم من الأفعال والمساعي الواجبة والمحظورة نحو ذلك في سائر تفاصيلها.

Sección V00/P114–V00/P116

ولعمري؛ إن من أهمه أمر دينه، وانتبه من رقدة الغافلين، فنظر لنفسه.. فلا يكون تحصيل جميع ذلك والعمل به عليه كثيرا إذا وفقه الله تعالى ، وقد ذكرنا نبذة منها في (شرح عجائب القلب) من كتاب " إحياء علوم الدين" ، وأتينا على 115 ============================================================ شرح جميعها بتفاصيلها وكيفية علاجها في كتاب " أسرار معاملات الدين" ، وهو كتات مستقل بنفسه، عظيم الفائدة، ولا ينتفع به إلأ فحول العلماء الراسخين في علم الأخرة، وموضوع هذا الكتاب أن ينتفع به المبتدي والمنتهي ، والقوي والضعيف. فنظرنا في الأصول التي لا بد من ذكرها في علاج القلب ، والحاجة إليها ماسة، ولا غنية عنها ألبتة في شأن العبادة ، فوجدناها أربعة أمور هي مداحض العابدين، وآفات المجتهدين، وهي فتن القلوب ، وبليات النفوس، تعوق وتشين، وتفسد وتتلف، وأربعة في مقابلتها فيها قوام العباد، وانتظام العبادة، واصلاح القلوب. فالآفات الأربع : الأمل، والاستعجال، والحسد ، والكبر . والمناقب الأربع : قصر الأمل، والتأني في الأمور، والنصيحة للخلق ، والتواضع والخشوع. فهذه هي الأصول في صلاح القلوب وفسادها، والنكتة التي عليها المدار، فلتبذل المجهود في التحوز من هذذه الأفات ، والتحصيل لهاذه المناقب.. تكف المؤن، وتظفر بالمقصود إن شاء الله تعالى، وسأخبرك عن هلذه الافات بكلمات وجيزة مقنعة . أما طول الأمل : فإنه العائق عن كل خير وطاعة ، الجالب لكل شر وفتنة ، وإنه الداء العضال الذي يوقع الخلق في أنواع البليات . واعلم : أنك إذا طال أملك . . هاج لك منه أربعة أشياء : أحدها : ترك الطاعة والكسل فيها ، تقول : سوف أفعل، والأيام بين يدي، ولا يفوتني ذلك، ولقد صدق داوود الطائي رحمه الله حيث قال : (من خاف الوعيد. . قرب عليه البعيد، ومن طال أمله.. ساء عمله) : ============================================================ وقال يحيى بن معاذ الرازيي رحمه الله : الأمل قاطع عن كل خير ، والطمع مانع من كل حق، والصبر صائر إلى كل ظفر ، والنفس داعية إلى كل شر . والثاني : ترك التوية وتسويفها ، تقول : سوف أتوب ، وفي الأيام سعة ، وأنا شات، وسني قليل، والتوبة بين يدي، وأنا قادر عليها متى رمثها، وربما اغتاله الحمام على الإصرار ، فاختطفه الأجل قبل إصلاح العمل. والثالث : الحرص على الجمع والاشتغال بالدنيا عن الآخرة، تقول : أخاف الفقر في الكبر ، وربما أضعف عن الاكتساب ، ولا بد لي من شيء فاضل أدخره لمرضي أو هرم أو فقر ، هلذا ونحوه مما يحرك إلى الرغبة في الدنيا ، والحرص عليها ، والاهتمام للرزق ، تقول : أيش آكل، وأيش أشرب، وأيش ألبس، وهلذا الشتاء وهلذا الصيف وما لي شيء ، ولعل العمر يطول فأحتاج، والحاجة مع الشيب شديدة ، ولا بد من قوت وغنية عن الناس. فهذه وأمثالها تحرك إلى طلب الدنيا والرغبة فيها، والجمع لها والمنع لما عندك منها، وأقل ما في الباب أن تشغل قلبك، وتضيع عليك وقتك، وتكثر همك وغمك بلا فائدة ولا طائلي ، على ما روي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال : (قتلني هم يوم لم أدركه) ، قيل : وكيف ذلك يا أبا ذر؟ قال : (إن أملي جاوز أجلي).

Sección V00/P116–V00/P118

والرابع : القسوة في القلب ، والنسيان للآخرة؛ لأنك إذا أملت العيش الطويل.. لا تذكر الموت والقبر ، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( إن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان : طول الأمل ، واتباع الهوى ، ألا وإن طول الأمل ينسي الآخرة، واتباع الهوى يصد عن الحق) فإذن يصير فكرك ومعظم أمرك في حديث الدنيا وأسباب العيش في صحبة ============================================================ الخلق ونحوها ، فيقسو القلب من ذلك، وإنما رقة القلب وصفوته بذكر الموت والقبر ، والثواب والعقاب وأحوال الآخرة ، وإذا لم يكن شيء من ذلك.. فمن أين يكون لقلبك رقة وصفوة ؟! قال الله تعالى : { فطال عليهم الأمد فقست قلوثهم) فاذن إنك إذا طؤلت أملك.. قلث طاعتك، وتأخرث توبتك، وكثرت معصيتك، واشتد حرصك، وقسا قلبك، وعظمت غفلتآك عن العاقبة، فذهبت - والعياذ بالله إن لم يرحم اللهآ - آخرتك، فأيي حال أسوأ من هلذه ؟! وأيي آفة أعظم من هلذه ؟! وكل هلذا بسبب طول الأمل: وأما إن قصرت أملك، وقربت من نفسك موتك، وتذكرت حال أقرانك واخوانك الذين غافصهم الموث في وقت لم يحتسبوه ، ولعل حالك مثل حالهم.. قلت لنفسك : احذري يا نفسي الغرور، واذكري ما قال عون بن عبد الله رحمه اللهآ: (كم من مستقبل يومأ لم يستكمله، ومنتظر غدا لم يدركه، ولو رأيتم الأجل ومسيره. لأبغضتم الأمل وغروره) . أما سمعت قول عيسى ابن مريم عليه السلام : الذنيا ثلاثة أيام : أمسي مضى ما بيدك منه شيء ، وغد لا تدري أتدركه أم لا؟ ويوم أنت فيه فاغتنيه . ثم قول أبي ذر رضي الله عنه : (الذنيا ثلاث ساعات : ساعة مضت ، وساعة أنت فيها، وساعة لا تدري أتدركها أم لا؟) فلست تملك بالحقيقة إلا ساعة واحدة؛ إذ الموث من ساعة إلى ساعة ثم قول شيخنا رحمه الله : الذنيا ثلاثة أنفاس: نفس مضى، عملت فيه ما عملت ، ونفسي أنت فيه ، ونفس لا تدري أتدركه أم لا؟ إذ كم من متنفس نفسا ففاجأه الموث قبل النفس الآخر ، فلست تملك إلأ نفسا واحدا بالحقيقة ، لا يوما ولا ساعة ، فبادر في هذذا النفس الواحد إلى الطاعة قبل أن يفوت ، وإلى ============================================================ التوبة؛ فلعلك في النفس الثاني تموث ، ولا تهتمي يا نفس بالرزق؛ فلعلك لا تبقين لتحتاجي إليه ، فيكون وقتك ضائعا، والهم فاضلا، وما عسى أن يهتم الإنسان بالرزق ليوم واحد ، أو ساعة واحدة، أو نفس واحد؟ أما تذكرين ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " ألا تعجبون من أسامة المشتري بصبر شهر ؟! إن اسامة لطويل الأمل ، والله ؛ ما وضعت قدما .. فظننت أني أرفعها، ولا لقمة.. فظننت أني أسيغها حتى يدركني الموث، والذي نفسي بيده؛ إن ما توعدون لات وما أنتم بمعجزين " . فإذا أنت أيها الرجل تذكرت هذه الأذكار ، وواظبت على ذلك بالإعادة والتكرار.. قصر أملك بإذن الله تعالى ، فحيثذ ترى نفسك تبادر إلى الطاعات ، وتعجل توبتك، وتسقط عنك معصيئك، وتزهذ في الدنيا وطلبها، فيخف حسائك وتبعتك، ويقع قلبك في تذكر الآخرة وأهوالها، وما هو إلآ من تفسي الى نفس، تصير إليها وتعاينها واحدا فواحدا، فتزول عنك القسوة، وتبدو لك الرقة والصفوة، وتستشعر عند ذلك الخوف من الله تعالى والخشية، فيستقيم لك أمر عبادتك، ويقوى الرجاء في أن تسعد في عاقبتك، فتظفر بالمراد في آخرتك، وكل ذلك بعد فضل الله تعالى بسبب هلذه الخصلة التي هي قصر الأمل. ولقد حكي : أن زرارة بن أوفى رحمه الله تعالى قيل له في النوم بعد موته : أي الأعمال أبلغ فيما عندكم ؟ قال : الرضا، وقصر الأمل. فانظز لنفسك أيها الأخ ، وابذل المجهود في هلذا الأصل الكبير؛ فإنه الأهم والأعظم في صلاح القلب والنفس ، والله تعالى وليك التوفيق بفضله ورحمته .

Sección V00/P118–V00/P121

وأما الحسد : فإنه المفسد للطاعات ، الباعث على الخطيئات ، وإنه الداء العضال الذي يبتلى به الكثير من القراء والعلماء، فضلا عن العامة والجهال ، ============================================================ حتى أهلكهم وأوردهم النار، أما تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ستةآ يدخلون النار بستة : العرب بالعصبية ، والأمراء بالجور، والدهاقين بالكبر، والثجار بالخيانة، وأهل الرساتيق بالجهل ، والعلماء بالحسد" . وإن بلية بلغ شؤمها أن أوردت العلماء النار لحقيق أن يحذر منها. واعلم : أن الحسد يهيج خمسة أشياء: أحدها : إفساد الطاعات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب " : والثاني : فعل المعاصي والشرور، على ما قال وهب بن منبو رحمه الله تعالى : (للحاسد ثلاث علامات : يتملق إذا شهد، ويغتاب إذا غاب، ويشمتآ (3 بالمصيية)(11. قلث : وحسبك أن الله تعالى أمرنا بالاستعاذة من شر الحاسد فقال : { ومن شرحاسه إذا حسد كما أمر بالاستعاذة من شر الشيطان الوجيم والساحر . فانظر كم له من الشر والفتنة ، حتى أنزله منزلة الشيطان والساحر ، حتى أن لا مستعان عليه ولا مستعاذ إلا بالله رب العالمين. والثالث: التعب والهم من غير فائدة ، بل مع ذلك وزر ومعصية، كما قال ابن السماك رحمه الله : (لم أر ظالما أشبة بالمظلوم من الحاسد ، نفس دائم، ( وعقل هائم، وغه لازم)(5 ============================================================ والروابع : عمى القلب ، حتى لا يكاد يفهم حكما من أحكام الله عز وجل ، فلقد قال سفيان الثوري رحمه الله : (عليك بطول الصمت تملك الورع، ولا تكن حريصا على الذنيا تكن حافظا ، ولا تكن طعانا تنج من ألسن الناس، ولا تكن حاسدا تكن سريع الفهم) . والخامسن : الحرمان والخذلان، فلا يكاد يظفر بمراد، ولا ينصر على عدؤ، كما قال حاتم الأصم رحمه الله : الضغين غير ذي دين ، والعائب غير عابد، والنمام غيرمأمون، والحسود غير منصور. قلتث: الحسوذ كيف يظفر بمراده ومراده زوال نعم الله تعالى عن عباده المسلمين ؟! وكيف ينصو على أعداثآه وهم عباد الله المؤمنون ؟! ولقد أحسن أبو يعقوب رحمه الله فيما قال : اللهم ؛ صبرنا على تمام النعم على عبادك وحسن أحوالهم: وإن داء يفسد عليك الطاعة، ويكثر شرك ومعصيتك، ويمنعك راحة النفس، وفهم القلب ، والنصرة على الأعداء، والظفر بالمطلوب.. فأي داء يكون أدوأ منه ؟! فعليك بمعالجة نفسك من ذلك ، والله تعالى وليي التوفيق بمنه وكريه وأما الاستعجال والترق : فإنه الخصلة المفوتة للمقاصد ، الموقعة في المعاصي، وإن منها تبدو آفات أربع: إحداها : أن يقصد العابد منزلة في الخير والاستقامة ويجتهد، فربما يستعجل في نيلها وليس ذلك بوقتها؛ فإما أن يفتر ويياس، ويترك الاجتهاد فيحرم تلك المنزلة ، وإما أن يغلو في الجهد وإتعاب النفس فينقطع عن تلك المنزلة، فهو بين إفراط وتفريط، وكلاهما نتيجة الاستعجال، ولقد روينا ============================================================ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن ديننا هذا متين ، فأوغل فيه برفق ؛ فإن المنبت لا أرضا قطع ، ولا ظهرا أبقى" .

Sección V00/P121–V00/P123

وفي المثل السائر : (إن لم تستعجل.. تصل) : وقول القائل في ذلك : امن البسيط] 9 قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل(2 والثانية : أن يكون للعابد حاجة، فيدعو الله تعالى فيها، ويكثر الدعاء ويجد، فربما يستعجل الإجابة قبل وقتها فلا يجذها، فيفتر ويسأم، فيترك الذعاء فيحرم حاجته ومقصوده والثالثة : أن يظلمه إنسان فيغيظه، فيعجل في الدعاء عليه، فيهلك مسلم بسببه ، وريما يتجاوز عن الحد فيقع في معصية وهلاك ، قال الله تعالى : { ويدع الإنين بالشردعلة بالخيروكان الإنكن عجولا والرابعة : أن أصل العبادة وملاكها الورع ، والورع أصله النظر البالغ في كل شيء، والبحث التام عن كل شيء هو بصدده؛ من أكل وشرب ، ولبس وكلام وفعل ، فإذا كان الرجل مستعجلا في الأمور غير متأن ولا متثبت متبين.. لم يقع منه توئ ونظر في الأمور كما يجب ، ويتسارع إلى كل كلام فيقع في الزلل ، والى كل طعام فيقع في الحرام والشبهة ، وكذلك في كل أمر ، فيفوته الورغ، وأي خير في عبادة بلا ورع ؟1 وإذا كان في خصلة الانقطاع عن منازل الخير ، وحرمان الحاجات ، وهلالە المسلمين وهلاكه، ثم خطر فوت الورع الذي هو رأسن المال. . فحق للإنسان أن يهتم لها بالإزالة وإصلاح النفس بعدها ، والله ولي التوفيق بمنه وفضله . وأما الكبر : فإنه الخصلة المهلكة رأسا، أما تسمع قوله تعالى: أبى وأستكبروكان من الكنفريب} ؟ ============================================================ وليست هذه الخصلة بمنزلة سائر الخصال التي تقدح في عمل، وتضو بفرع، إنما تضرو بالأصل، وتقدح في الدين والاعتقاد ، وإذا قويت وغلبث.. لا تتدارك والعياذ بالله سبحانه. ثم أقل ما يهيج منها على صاحبها أربع آفات : إحداها: حرمان الحق، وعمى القلب عن معرفة آيات الله تعالى وفهم أحكامه ، قال الله تعالى : سأضرف عن هايتى الذين يتكبروت فى الأرض بغير الحق)، وقال تعالى : كذالك يطبع الله على كل قلب متكير جبار الثانية : المقت والبغض من الله تعالى ، قال الله عز وجل : { إنه لا يحث المشتكبريب وروي أن موسى عليه الصلاة والسلام قال : يا رب؛ من أبغض خلقك إليك؟ قال: من تكبر قلبه، وغلظ لسانه، وصفق عينه ، وبخلت يده، وساء خلقه الثالثة: الخزي والنكال في الدنيا والآخرة ، قال حاتم رحمه الله : اجتنبت الموت على ثلاثة : على الكبر، والحرص، والخيلاء؛ فإن المتكبر لا يخرجه الله تعالى من الدنيا حتى يريه الهوان من أرذل أهله وخدامه، والحريص لا يخرجه الله تعالى من الدنيا حتى يحوجه إلى كسرة أو شربة ولا يجد مساغا ، والمختالك لا يخرجه الله من الأنيا حتى يمرغه ببوله وقذره. وقيل : من تكبر بغير حق.. أورثه الله تعالى ذلا بحق. الرابعة: النار والعذاب في العقبى ، على ما روي أن الله تعالى يقول : "الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري، فمن نازعني في واحد منهما.. أدخلته نار جهنم" . ============================================================ والمعنى : أن العظمة والكبرياء من الصفات التي تختص بي، ولا تنبغي لأحد غيري ، كما أن رداء الإنسان وإزاره يختصى به ، لا يشارك فيه . وإن خصلة تفوتك معرفة الحق، وفهم معاني آيات الله تعالى وأحكامه الذي هو أصل الأمر كله، ثم تثمر لك المقت من الله سبحانه وتعالى ، والخزي في الذنيا ، والنار في الآخرة .. لا يسع العاقل أن يغفل عن نفسه فيها ، فلا يصلحها بإزالتها؛ بالحذر والتحوز والاستعاذة بالله تعالى من ذلك ، وهو وليك العصمة والتوفيق بمنه وكرمه. فهذا بعض ما حضرنا في هذذه الخصال الأربع من الافات، وحسب العاقل واحدة منها فضلا عن الكل إذا أهمه أمر قلبه ، وحامى عن أمر دينه ، والله الموفق للصواب فإن قلت : فإذا كان الأمر بهلذه المنزلة من آفات هذه الخصال، ولزم التحفظ منها.. فلا بد من معرفة حقيقتها وحدها، فبين لنا ذلك لنعرف كيف الطريق إلى التحفظ عنها.

Preguntas