Qur'an&Sunnah

İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn

Sección V01/P472–V01/P474

مراتبها فإنه لا يعرفها إلا المعتنون بمعرفة الله ومراده وحقه على عبده ومعرفة نفوسهم وأعمالهم وآفاتهما ورب مطالب عالية لقوم من العباد هي حظوظ لقوم آخرين يستغفرون الله منها ويفرون إليه منها يرونها حائلة بينهم وبين مطلوبهم وبالجملة فالحظ : ما سوى مراد الله الدينى منك كائنا ما كان وهو ما يبرح حظ محرم إلى مكروه إلى مباح إلى مستحب غيره أحب إلى الله منه ولا يتميز هذا إلا في مقام الرسوخ في العلم بالله وأمره وبالنفس وصفاتها وأحوالها فهناك تتبين له الحظوظ من الحقوق ويفر من الحظ إلى التجريد وأكثر الناس لا يصلح لهم هذا لأنهم إنما يعبدون الله على الحظوظ وعلى مرادهم منه وأما تجريد عبادته على مراده من عبده : فتلك منزلة لم يعطها أحد سوى نبي وصديق من البشر والزهد زهدك فيها ليس زهدك في ما قد أبيح لنا في محكم السور والصدق صدقك في تجريدها وكذا الإخلاص تخليصها إن كنت ذا بصر كذا توكل أرباب البصائر في تجريد أعمالهم من ذلك الكدر كذاك توبتهم منها فهم أبدا في توبة أو يصيروا داخل الحفر وبالجملة فصاحب هذا التجريد : لا يقنع من الله بأمر يسكن إليه دون الله ولا يفرح بما حصل له دون الله ولا يأسى على ما فاته سوى الله ولا يستغني برتبة شريفة وإن عظمت عنده أو عند الناس فلا يستغني إلا بالله ولا يفتقر إلا إلى الله ولا يفرح إلا بموافقته لمرضاة الله ولا يحزن إلا على ما فاته من الله ولا يخاف إلا من سقوطه من عين الله واحتجاب الله عنه فكله بالله وكله لله وكله مع الله وسيره دائما إلى الله قد رفع له علمه فشمر إليه وتجرد له مطلوبه فعمل عليه تناديه الحظوظ : إلي وهو يقول : إنما أريد من إذا حصل لي حصل لي كل شيء وإذا فاتني فاتني كل شيء فهو مع الله مجرد عن خلقه ومع خلقه مجرد عن نفسه ومع الأمر مجرد عن حظه أعني الحظ المزاحم للأمر وأما الحظ المعين على الأمر : فإنه لا يحطه تناوله عن مرتبته ولا يسقطه من عين ربه وهذا أيضا موضع غلط فيه من غلط من الشيوخ فظنوا أن إرادة الحظ نقص فى الإرادة والتحقيق فيه : أن الحظ نوعان حظ يزاحم الأمر وحظ يؤازر الأمر فينفذه فالأول هو المذموم والثاني ممدوح وتناوله من تمام العبودية فهذا لون وهذا لون فصل قال : وفرار خاصة الخاصة : مما دون الحق إلى الحق ثم من شهود الفرار إلى الحق ثم الفرار من شهود الفرار هذا على قاعدته في جعل الفناء عن الشهود غاية السالكين فيفر أولا من الخلق إلى الحق ويشهد بهذا الفرار انفراد مشهوده الذي فر إليه لكن بقيت عليه بقية وهي شهود فراره فيعدله إحساسا بالخلق فيفر ثانيا من شهود فراره فتنقطع النسب كلها بينه وبين الخلق بهذا الفرار الثاني فلا يبقى فيه بقية إلا ملاحظة فراره من شهود فراره فيفر من شهود الفرار فتنقطع حينئذ النسب كلها وقد تقدم الكلام على هذا وأنه ليس أعلى المقامات والرتب ولا هو غاية الكمال وأن فوقه ما هو أعلى منه مقاما وأشرف منزلا وهو أن يشهد فراره وأنه بالله من الله إلى الله فيشهد أنه فر به منه إليه ويعطي كل مشهد حقه من العبودية وهذا حال الكمل والله المستعان فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين : منزلة الرياضة هي تمرين

Sección V01/P474–V01/P476

النفس على الصدق والإخلاص قال صاحب المنازل : هي تمرين النفس على قبول الصدق وهذا يراد به أمران : تمرينها على قبول الصدق إذا عرضه عليها في أقواله وأفعاله وإرادته فإذا عرض عليها الصدق قبلته وانقادت له وأذعنت له والثاني : قبول الحق ممن عرضه عليه قال الله تعالى : والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون الزمر : 33 ] فلا يكفي صدقك بل لا بد من صدقك وتصديقك للصادقين فكثير من الناس يصدق ولكن يمنعه من التصديق كبر أو حسد أو غير ذلك قال : وهي على ثلاث درجات : رياضة العامة وهي تهذيب الأخلاق بالعلم وتصفية الأعمال بالإخلاص وتوفير الحقوق في المعاملة أما تهذيب الأخلاق بالعلم : فالمراد به إصلاحها وتصفيتها بموجب العلم فلا يتحرك بحركة ظاهرة أو باطنة إلا بمقتضى العلم فتكون حركات ظاهرة وباطنة موزونة بميزان الشرع وأما تصفية الأعمال بالإخلاص : فهو تجريدها عن أن يشوبها باعث لغير الله وهي عبارة عن توحيد المراد وتجريد الباعث إليه وأما توفير الحقوق في المعاملة : فهو أن تعطي ما أمرت به من حق الله وحقوق العباد كاملا موفرا قد نصحت فيه صاحب الحق غاية النصح وأرضيته كل الرضى ففزت بحمده لك وشكره ولما كانت هذه الثلاثة شاقة على النفس جدا : كان تكلفها رياضة فإذا اعتادها صارت خلقا قال : ورياضة الخاصة : حسم التفرق وقطع الالتفات إلى المقام الذي جاوزه وإبقاء العلم يجري مجراه يريد بحسم التفرق : قطع ما يفرق قلبك عن الله بالجمعية عليه والإقبال بكليتك إليه حاضرا معه بقلبك كله لا تلتفت إلى غيره وأما قطع الالتفات إلى المقام الذي جاوزه : فهو أن لا يشتغل باستحسان علوم ذلك المقام ولذته واستحسانه بل يلهى عنه معرضا مقبلا على الله طالبا للزيادة خائفا أن يكون ذلك المقام له حجابا يقف عنده عن السير فهمته حفظه ليس له قوة ولا همة أن ينهض إلى ما فوقه ومن لم تكن همته التقدم فهو فى تأخر ولا يشعر فإنه لا وقوف في الطبيعة ولا في السير بل إما إلى قدام وإما إلى وراء فالسالك الصادق لا ينظر إلى ورائه ولا يسمع النداء إلا من أمامه لا من ورائه وأما إبقاء العلم يجرى مجراه : فالذهاب مع داعي العلم أين ذهب به والجري معه في تياره أين جرى وحقيقة ذلك : الاستسلام للعلم وأن لا تعارضه بجمعية ولا ذوق ولا حال بل امض معه حيث ذهب فالواجب تسليط العلم على الحال وتحكيمه عليه وأن لا يعارض به وهذا صعب جدا إلا على الصادقين من أرباب العزائم فلذلك كان من أنواع الرياضة ومتى تمرنت النفس عليه وتعودته صار خلقا وكثير من السالكين إذا لاحت له بارقة أو غلبه حال أو ذوق : خلى العلم وراء ظهره ونبذه وراءه ظهريا وحكم عليه الحال هذا حال أكثر السالكين وهي حال أهل الانحراف الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ولهذا عظمت وصية أهل الاستقامة من الشيوخ بالعلم والتمسك به فصل قال : ورياضة خاصة الخاصة : تجريد الشهود والصعود إلى الجمع ورفض

Sección V01/P476–V01/P480

المعارضات وقطع المعاوضات أما تجريد الشهود فنوعان أحدهما : تجريده عن الالتفات إلى غيره والثاني : تجريده عن رؤيته وشهوده وأما الصعود إلى الجمع : فيعني به الصعود عن معاني التفرقة إلى الجمع الذاتي وهذا يحتمل أمرين أحدهما : أن يصعد عن تفرقة الأفعال إلى وحدة مصدرها والثاني : أن يصعد عن علائق الأسماء والصفات إلى الذات فإن شهود الذات بدون علائق الأسماء والصفات عندهم هو حضرة الجمع وهذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام لا بد من تحقيقه فنقول : التفرقة تفرقتان : تفرقة في المفعولات وتفرقة في معاني الأسماء والصفات والجمع جمعان : جمع في الحكم الكوني وجمع ذاتي فالجمع في الحكم الكوني : اجتماع المفعولات كلها في القضاء والقدر والحكم والجمع الذاتي : اجتماع الأسماء والصفات في الذات فالذات واحدة جامعة للأسماء والصفات والقدر : جامع لجميع المقضيات والمقدروات والشهود مترتب على هذا وهذا فشهود اجتماع الكائنات في قضائه وقدره وإن كان حقا فهو لا يعطى إيمانا فضلا عن أن يكون أعلى مقامات الإحسان والفناء في هذا الشهود : غايته فناء في توحيد الربوبية الذي لا ينفع وحده ولا بد منه وشهود اجتماع الأسماء والصفات في وحدة الذات : شهود صحيح وهو شهود مطابق للحق في نفسه وأما الصعود عن شهود تفرقة الأسماء والصفات وعلائقها إلى وحدة الذات المجردة : فغايته أن يكون صاحبه معذورا لضيق قلبه وأما أن يكون محمودا في شهوده ذاتا مجردة عن كل اسم وصفة وعن علائقها فكلا ولما وأي إيمان يعطي ذلك وأي معرفة وإنما هو سلب ونفي في الشهود كالسلب والنفي في العلم والاعتقاد فنسبته إلى الشهود كنسبة نفي الجهمية وسلبهم إلى الأخبار لكن الفرق بينهما : أن ذلك السلب في العلم والاعتقاد مخالف للحق الثابت في نفس الأمر وكذب على الله ونفي لما يستحقه من صفات كماله ونعوت جلاله ومعاني أسمائه الحسنى وأما هذا السلب : ففي الشعور به للصعود منه إلى الجمع الذاتي مع الإيمان به والاعتراف بثبوته فهذا لون وذاك لون والكمال شهود الأمر على ما هو عليه ويشهد الذات موصوفة بصفات الجلال منعوتة بنعوت الكمال وكلما كثر شهوده لمعاني الأسماء والصفات كان أكمل نعم قد يعذر في الفناء في الذات المجردة لقوة الوارد وضعف المحل عن شهود معاني الأسماء والصفات فتأمل هذا الموضوع وأعطه حقه ولا يصدنك عن تحقيق ذلك ما يحيل عليه أرباب الفناء من الكشف والذوق فإنا لا ننكره بل نقر به ولكن الشأن في مرتبته وبالله التوفيق وأما رفض المعارضات : فيحتمل أمرين أحدهما : ما يعارض شهوده الجمعي من التفرقات وهو مراده والثانى : ما يعارض إرادته من الإرادات وما يعارض مراد الله من المرادات وهذا أكمل من الأول وأعلى منه وأما قطع المعاوضات : فهو تجريد المعاملة عن إرادة المعاوضة بل يجردها لذاته وأنه أهل أن يعبد ولو لم يحصل لعابده عوض منه فإنه يستحق أن يعبد لذاته لا لعلة ولا لعوض ولا لمطلوب وهذا أيضا موضع لابد من تجريده فيقال : ملاحظة المعاوضة ضرورية للعامل وإنما الشأن في ملاحظة الأعواض وتباينها فالمحب الصادق الذي قد تجرد عن ملاحظة عوض قد لاحظ أعظم الأعواض وشمر إليها وهي قربه من الله ووصوله إليه واشتغاله به عما سواه والتنعم بحبه ولذة الشوق إلى لقائه فهذه أعواض لا بد للخاصة منها وهي من أجل مقاصدهم وأغراضهم ولا تقدح فى مقاماتهم وتجريد عبودياتهم بل أكملهم عبودية أشدهم التفاتا إلى هذه الأعواض نعم طلب الأعواض المنفصلة المخلوقة من الجاه والمال والرياسة والملك أو طلب الحور العين والقصور والولدان ونحو ذلك بالنسبة إلى تلك الأعواض التي تطلبها الخاصة معلولة وهذا لا شك فيه إذا تجرد طلبهم لها أما إذا كان مطلوبهم الأعظم الذاتي : هو قربه والوصول إليه والتنعم بحبه والشوق إلى لقائه وانضاف إلى هذا طلبهم لثوابه المخلوق المنفصل : فلا علة في هذه العبودية بوجه ما ولا نقص وقد قال النبي حولها ندندن يعنى الجنة وقال : إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة ومعلوم أن هذا مسكن خاصة الخاصة وسادات العارفين فسؤالهم إياه ليس علة في عبوديتهم ولا قدحا فيها وقد استوفينا ذكر هذا الموضع فى كتاب سفر الهجرتين عند الكلام على علل المقامات ويحتمل أن يريد الشيخ بقطع المعاوضات : أن تشهد أن الله ما أعطاك شيئا معاوضة بل إنما أعطاكتفضلا وإحسانا لا لعوض يرجوه منك كما يكون عطاء العبد للعبد وإنما نتكلم فيما من العبد مما يؤمر بالتجرد عنه كتجرده عن التفرقة والمعاوضة فهذا أليق المعنيين بكلامه والله أعلم

Sección V01/P480–V01/P482

فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة السماع وهو اسم مصدر كالنبات وقد أمر الله به في كتابه وأثنى على أهله وأخبر أن البشرى لهم فقال تعالى واتقوا الله واسمعوا المائده : 108 ] وقال واسمعوا وأطيعوا التغابن : 16 ] وقال ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم النساء : 46 ] وقال فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب الزمر : 1718 ] وقال : وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا الأعراف : 204 ] وقال : وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق وجعل الإسماع منه والسماع منهم دليلا على علم الخير فيهم وعدم ذلك دليلا على عدم الخير فيهم فقال : ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون الأنفال : 23 ] وأخبر عن أعدائه : أنهم هجروا السماع ونهوا عنه فقال : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه فصلت : 26 ] فالسماع رسول الإيمان إلى القلب وداعيه ومعلمه وكم في القرآن من قوله : أفلا يسمعون وقال : أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها الآية الحج : 46 ] فالسماع أصل العقل وأساس الإيمان الذي انبنى عليه وهو رائده وجليسه ووزيره ولكن الشأن كل الشأن في المسموع وفيه وقع خبط الناس واختلافهم وغلط منهم من غلط وحقيقة السماع تنبيه القلب على معاني المسموع وتحريكه عنها : طلبا وهربا وحبا وبغضا فهو حاد يحدو بكل أحد إلى وطنه ومألفه وأصحاب السماع منهم : من يسمع بطبعه ونفسه وهواه فهذا حظه من مسموعه : ما وافق طبعه ومنهم : من يسمع بحاله وإيمانه ومعرفته وعقله فهذا يفتح له من المسموع بحسب استعداده وقوته ومادته ومنهم : من يسمع بالله لا يسمع بغيره كما في الحديث الإلهي الصحيح : فبي يسمع وبي يبصر وهذا أعلى سماعا وأصح من كل أحد والكلام في السماع مدحا وذما يحتاج فيه إلى معرفة صورة المسموع وحقيقته وسببه والباعث عليه وثمرته وغايته فبهذه الفصول الثلاثة يتحرر أمر السماع ويتميز النافع منه والضار والحق والباطل والممدوح والمذموم فأما المسموع فعلى ثلاثة أضرب أحدها : مسموع يحبه الله ويرضاه وأمر به عباده وأثنى على أهله ورضي عنهم به الثاني : مسموع يبغضه ويكرهه ونهى عنه ومدح المعرضين عنه الثالث : مسموع مباح مأذون فيه لا يحبه ولا يبغضه ولا مدح صاحبه ولا ذمه فحكمه حكم سائر المباحات : من المناظر والمشام والمطعومات والملبوسات المباحة فمن حرم هذا النوع الثالث فقد قال على الله ما لا يعلم وحرم ما أحل الله ومن جعله دينا وقربة يتقرب به إلى الله فقد كذب على الله وشرع دينا لم يأذن به الله وضاهأ بذلك المشركين فصل فأما النوع الأول : فهو السماع الذي مدحه الله في كتابه وأمر به

Sección V01/P482–V01/P485

وأثنى على أصحابه وذم المعرضين عنه ولعنهم وجعلهم أضل من الأنعام سبيلا وهم القائلون فى النار : لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير الملك : 10 ] وهو سماع آياته المتلوة التي أنزلها على رسوله فهذا السماع أساس الإيمان الذى يقوم عليه بناؤه وهو على ثلاثة أنواع سماع إدراك : بحاسة الأذن وسماع فهم وعقل وسماع منهم إجابة وقبول والثلاثة في القرآن فأما سماع الإدراك : ففي قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن قولهم : إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به الجن : 12 ] وقولهم : يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى الآية الأحقاف : 30 ] فهذا سماع إدراك اتصل به الإيمان والإجابة وأما سماع الفهم : فهو المنفي عن أهل الإعراض والغفلة بقوله تعالى : فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء الروم : 52 ] وقوله : إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور فاطر : 22 ] فالتخصيص ههنا لإسماع الفهم والعقل وإلا فالسمع العام الذي قامت به الحجة : لا تخصيص فيه ومنه قوله تعالى : ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون الأنفال : 23 ] أى لو علم الله في هؤلاء الكفار قبولاوانقيادا لأفهمهم وإلا فهم قد سمعوا سمع الإدراك ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون أي ولو أفهمهم لما انقادوا ولا انتفعوا بما فهموا لأن في قلبهم من داعي التولي والإعراض ما يمنعهم عن الانتفاع بما سمعوه وأما سماع القبول والإجابة : ففي قوله تعالى حكاية عن عباده المؤمنين : أنهم قالوا : سمعنا وأطعنا النور : 51 ] فإن هذا سماع قبول وإجابة مثمر للطاعة والتحقيق : أنه متضمن للأنواع الثلاثة وأنهم أخبروا بأنهم أدركوا المسوع وفهموه واستجابوا له ومن سمع القبول : وفيكم سماعون لهم التوبه : 47 ] أى قابلون منهم مستجيبون لهم هذا أصح القولين في الآية وأما قول من قال : عيون لهم وجواسيس فضعيف فإنه سبحانه أخبر عن حكمته في تثبيطهم عن الخروج : بأن خروجهم يوجب الخبال والفساد والسعي بين العسكر بالفتنة وفي العسكر من يقبل منهم ويستجيب لهم فكان في إقعادهم عنهم لطفا بهم ورحمة حتى لا يقعوا في عنت القبول منهم أما اشتمال العسكر على جواسيس وعيون لهم : فلا تعلق له بحكمة التثبيط والإقعاد ومعلوم أن جواسيسهم وعيونهم منهم وهو سبحانه قد أخبر أنه أقعدهم لئلا يسعوا بالفساد في العسكر ولئلا يبغوهم الفتنة وهذه الفتنة إنما تندفع بإقعادهم وإقعاد جواسيسهم وعيونهم وأيضا فإن الجواسيس إنما تسمى عيونا هذا المعروف في الاستعمال لا تسمى سماعين وأيضا فإن هذا نظير قوله تعالى في إخوانهم اليهود : سماعون للكذب أكالون للسحت المائده : 42 ] أي قابلون له والمقصود : أن سماع خاصة الخاصة المقربين : هو سماع القرآن بالاعتبارات الثلاثة : إدراكا وفهما وتدبرا وإجابة وكل سماع في القرآن مدح الله أصحابه وأثنى عليهم وأمر به أولياءه : فهو هذا السماع وهو سماع الآيات لا سماع الأبيات وسماع القرآن لا سماع مزامير الشيطان وسماع كلام رب الأرض والسماء لا سماع قصائد الشعراء وسماع المراشد لا سماع القصائد وسماع الأنبياء والمرسلين لا سماع المغنين والمطربين فهذا السماع حاد يحدو القلوب إلى جوار علام الغيوب وسائق يسوق الأرواح إلى ديار الأفراح ومحرك يثير ساكن العزمات إلى أعلى المقامات وأرفع الدرجات ومناد ينادي للإيمان ودليل يسير بالركب في طريق الجنان وداع يدعو القلوب بالمساء والصباح من قبل فالق الإصباح حي على الفلاح حي على الفلاح فلم يعدم من اختار هذا السماع إرشادا لحجة وتبصرة لعبرة وتذكرة لمعرفة وفكرة في آية ودلالة على رشد وردا على ضلالة وإرشادا من غي وبصيرة من عمى وأمرا بمصلحة ونهيا عن مضرة ومفسدة وهداية إلى نور وإخراجا من ظلمة وزجرا عن هوى وحثا على تقى وجلاء لبصيرة وحياة لقلب وغذاء ودواء وشفاء وعصمة ونجاة وكشف شبهة وإيضاح برهان وتحقيق حق وإبطال باطل ونحن نرضى بحكم أهل الذوق في سماع الأبيات والقصائد ونناشدهم بالذي أنزل القرآن هدى وشفاء ونورا وحياة : هل وجدوا ذلك أو شيئا منه فى الدف والمزمار ونغمة الشادن ومطربات الألحان والغناء المشتمل على تهييج الحب المطلق الذي يشترك فيه محب الرحمن ومحب الأوطان ومحب الإخوان ومحب العلم والعرفان ومحب الأموال والأثمان ومحب النسوان والمردان ومحب الصلبان فهو يثير من قلب كل مشتاق ومحب لشيء ساكنه ويزعج قاطنه فيثور وجده ويبدو شوقه فيتحرك على حسب ما في قلبه من الحب والشوق والوجد بذلك المحبوب كائنا ما كان ولهذا تجد لهؤلاء كلهم ذوقا فى السماع وحالا ووجدا وبكاء ويالله العجب أي إيمان ونور وبصيرة وهدى ومعرفة تحصل باستماع أبيات بألحان وتوقيعات لعل أكثرها قيلت فيما هو محرم من يبغضه الله ورسوله ويعاقب عليه : من غزل وتشبيب بمن لا يحل له من ذكر أو أنثى فإن غالب التغزل والتشبيب : إنما هو في الصور المحرمة ومن أندر النادر تغزل الشاعر وتشبيبه فى امرأته وأمته وأم ولده مع أن هذا واقع لكنه كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود فكيف يقع لمن له أدنى بصيرة وحياة قلب : أن يتقرب إلى الله ويزداد إيمانا وقربا منه وكرامة عليه بالتذاذه بما هو بغيض إليه مقيت عنده يمقت قائله والراضي به وتترقى به الحال حتى يزعم أن ذلك أنفع لقلبه من سماع القرآن والعلم النافع وسنة نبيه يالله إن هذا القلب مخسوف به ممكور به منكوس لم يصلح لحقائق القرآن وأذواق معانيه ومطالعة أسراره فبلاه بقرآن الشيطان كما فى معجم الطبراني وغيره مرفوعا وموقوفا : إن الشيطان قال : يارب اجعل لي قرآنا قال : قرآنك الشعر قال : اجعل لي كتابا قال : كتابك الوشم قال : اجعل لي مؤذنا قال : مؤذنك المزمار قال : اجعل لى بيتا قال : بيتك الحمام قال : اجعل لي مصائد قال : مصائدك النساء قال : اجعل لي طعاما قال : طعامك ما لم يذكر عليه اسمي والله سبحانه وتعالى أعلم

Sección V01/P485

فصل القسم الثاني من السماع ما يبغضه الله ويكرهه ويمدح المعرض عنه

Sección V01/P485–V01/P497

وهو سماع كل ما يضر العبد في قلبه ودينه كسماع الباطل كله إلا إذا تضمن رده وإبطاله والاعتبار به وقصد أن يعلم به حسن ضده فإن الضد يظهر حسنه الضد كما قيل : وإذا سمعت إلى حديثك زادني حبا له : سمعي حديث سواكا وكسماع اللغو الذي مدح التاركين لسماعه والمعرضين عنه بقوله : وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه القصص : 55 ] وقوله : وإذا مروا باللغو مروا كراما الفرقان : 72 ] قال محمد بن الحنفية : هو الغناء وقال الحسن أو غيره : أكرموا نفوسهم عن سماعه قال ابن مسعود : الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل وهذا كلام عارف بأثر الغناء وثمرته فإنه ما اعتاده أحد إلا نافق قلبه وهو لا يشعر ولو عرف حقيقة النفاق وغايته لأبصره في قلبه فإنه ما اجتمع في قلب عبد قط محبة الغناء ومحبة القرآن إلا طردت إحداهما الأخرى وقد شاهدنا نحن وغيرنا ثقل القرآن على أهل الغناء وسماعه وتبرمهم به وصياحهم بالقارىء إذا طول عليهم وعدم انتفاع قلوبهم بما يقرأه فلا تتحرك ولا تطرب ولا تهيج منها بواعث الطلب فإذا جاء قرآن الشيطان فلا إله إلا الله كيف تخشع منهم الأصوات وتهدأ الحركات وتسكن القلوب وتطمئن ويقع البكاء والوجد والحركة الظاهرة والباطنة والسماحة بالأثمان والثياب وطيب السهر وتمني طول الليل فإن لم يكن هذا نفاقا فهو آخية النفاق وأساسه تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفة لكنه إطراق ساه لاهي وأتى الغناء فكالذباب تراقصوا والله ما رقصوا من أجل الله دف ومزمار ونغمة شاهد فمتى شهدت عبادة بملاهي ثقل الكتاب عليهم لما رأوا تقييده بأوامر ونواهي وعليهم خف الغنا لما رأوا إطلاقه في اللهو دون مناهي يا فرقة ما ضر دين محمد وجنى عليه ومله إلا هى سمعوا له رعدا وبرقا إذ حوى زجرا وتخويفا بفعل مناهي ورأوه أعظم قاطع للنفس عن شهواتها يا ويحها المتناهي وأتى السماع موافقا أغراضها فلأجل ذاك غدا عظيم الجاه أين المساعد للهوى من قاطع أسبابه عند الجهول الساهي إن لم يكن خمر الجسوم فإنه خمر العقول مماثل ومضاهي فانظر إلى النشوان عند شرابه وانظر إلى النشوان عند تلاهي وانظر إلى تمزيق ذا أثوابه من بعد تمزيق الفؤاد اللاهي فاحكم بأي الخمرتين أحق بالتحريم والتأثيم عند الله وكيف يكون السماع الذي يسمعه العبد بطبعه وهواه أنفع له من الذي يسمعه بالله ولله وعن الله فإن زعموا أنهم يسمعون هذا السماع الغنائي الشعري كذلك فهذا غاية اللبس على القوم فإنه إنما يسمع بالله ولله وعن الله ما يحبه الله ويرضاه ولهذا قلنا : إنه لا يتحرر الكلام في هذه المسألة إلا بعد معرفة صورة المسموع وحقيقته ومرتبته فقد جعل الله لكل شيء قدرا ولن يجعل الله من شربه ونصيبه وذوقه ووجده من سماع الآيات البينات كمن نصيبه وشربه وذوقه ووجده من سماع الغناء والأبيات ومن أعجب العجائب : استدلال من استدل على أن هذا السماع من طريق لقوم وأنه مباح : بكونه مستلذا طبعا تلذه النفوس وتستروح إليه وأن الطفل يسكن إلى الصوت الطيب والجمل يقاسي تعب السير ومشقة الحمولة فيهون عليه بالحداء وبأن الصوت الطيب نعمة من الله على صاحبه وزيادة فى خلقه وبأن الله ذم الصوت الفظيع فقال : إن أنكر الأصوات لصوت الحمير [ لقمان : 19 ] وبأن الله وصف نعيم أهل الجنة فقال فيه : فهم في روضة يحبرون [ الروم : 15 ] وأن ذلك هو السماع الطيب فكيف يكون حراما وهو في الجنة وبأن الله تعالى ما أذن لشيء كأذنه أي كاستماعه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن وبأن أبا موسى الأشعري استمع النبي إلى صوته وأثنى عليه بحسن الصوت وقال : لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود فقال له أبو موسى : لو علمت أنك استمعت لحبرته لك تحبيرا أي زينته لك وحسنته وبقوله : زينوا القرآن بأصواتكم وبقوله : ليس منا من لم يتغن بالقرآن والصحيح : أنه من التغني بمعنى تحسين الصوت وبذلك فسره الإمام أحمد رحمه الله فقال : يحسنه بصوته ما استطاع وبأن النبي أقر عائشة على غناء القينتين يوم العيد وقال لأبي بكر : دعهما فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا أهل الإسلام وبأنه أذن في العرس في الغناء وسماه لهوا وقد سمع رسول الله الحداء وأذن فيه وكان يسمع أنسا والصحابة وهم يرتجزون بين يديه في حفر الخندق : نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا ودخل مكة والمرتجز يرتجز بين يديه بشعر عبد الله بن رواحة وحدا به الحادي في منصرفه من خيبر فجعل يقول : والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الذين قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا ونحن إن صيح بنا أتينا وبالصياح عولوا علينا ونحن عن فضلك ما استغنينا فدعا لقائله وسمع قصيدة كعب بن زهير وأجازه ببردة واستنشد الأسود بن سريع قصائد حمد بها ربه واستنشد من شعر أمية بن أبي الصلت مائة قافية وأنشده الأعشى شيئا من شعره فسمعه وصدق لبيدا في قوله ألا كل شيءما خلا الله باطل ودعا لحسان أن يؤيده الله بروح القدس مادام ينافح عنه وكان يعجبه شعره وقال له : اهجهم وروح القدس معك وأنشدته عائشة قول أبي كبير الهذلي : ومبرأ من كل غبر حيضة وفساد مرضعة وداء مغيل وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل وقالت : أنت أحق بهذا البيت فسر بقولها وبأن ابن عمر رضي الله عنهما رخص فيه وعبد الله بن جعفر وأهل المدينة وبأن كذا وكذا وليا لله حضروه وسمعوه فمن حرمه فقد قدح في هؤلاء السادة القدوة الأعلام وبأن الإجماع منعقد على إباحة أصوات الطيور المطربة الشجية فلذة سماع صوت الآدمي أولى بالإباحة أو مساوية وبأن السماع يحدو روح السامع وقلبه إلى نحو محبوبه فإن كان محبوبه حراما كان السماع معينا له على الحرام وإن كان مباحا كان السماع في حقه مباحا وإن كانت محبته رحمانية كان السماع في حقه قربة وطاعة لأنه يحرك المحبة الرحمانية ويقويها ويهيجها وبأن التذاذ الأذن بالصوت الطيب كالتذاذ العين بالمنظر الحسن والشم بالروائح الطيبة والفم بالطعوم الطيبة فإن كان هذا حراما كانت جميع هذه اللذات والإدراكات محرمة فالجواب : أن هذه حيدة عن المقصود وروغان عن محل النزاع وتعلق بما لا متعلق به فإن جهة كون الشىء مستلذا للحاسة ملائما لها لا يدل على إباحته ولا تحريمه ولا كراهته ولا استحبابه فإن هذه اللذة تكون فيما فيه الأحكام الخمسة : تكون فى الحرام والواجب والمكروه والمستحب والمباح فكيف يستدل بها على الإباحة من يعرف شروط الدليل ومواقع الاستدلال وهل هذا إلا بمنزلة من استدل على إباحة الزنا بما يجده فاعله من اللذة وأن لذته لا ينكرها من له طبع سليم : وهل يستدل بوجود اللذة والملاءمة على حل اللذيذ الملائم أحد وهل خلت غالب المحرمات من اللذات وهل أصوات المعازف التي صح عن النبى تحريمها وأن في أمته من سيستحلها بأصح إسناد وأجمع أهل العلم على تحريم بعضها وقال جمهورهم : بتحريم جملتها إلا لذيذة تلذ السمع وهل في التذاذ الجمل والطفل بالصوت الطيب دليل على حكمه : من إباحة أو تحريم وأعجب من هذا : الاستدلال على الإباحة بأن الله خلق الصوت الطيب وهو زيادة نعمة منه لصاحبه فيقال : والصورة الحسنة الجميلة أليست زيادة في النعمة والله خالقها ومعطي حسنها أفيدل ذلك على إباحة التمتع بها والالتذاذ على الإطلاق بهاوهل هذا إلا مذهب أهل الإباحة الجارين مع رسوم الطبيعة وهل في ذم الله لصوت الحمار ما يدل على إباحة الأصوات المطربات بالنغمات الموزونات والألحان اللذيذات من الصور المستحسنات بأنواع القصائد المنغمات بالدفوف والشبابات وأعجب من هذا : الاستدلال بسماع أهل الجنة وما أجدر صاحبه أن يستدل على إباحة الخمر بأن في الجنة خمرا و على حل لباس الحرير بأن لباس أهلها حرير وعلى حل أواني الذهب والفضة والتحلي بهما للرجال : بكون ذلك ثابتا وجود النعيم به في الجنة فإن قال : قد قام الدليل على تحريم هذا ولم يقم على تحريم السماع قيل : هذا استدلال آخر غير الاستدلال بإباحته لأهل الجنة فعلم أن استدلالكم بإباحته لأهل الجنة استدلال باطل لا يرضى به محصل وأما قولكم لم يقم دليل على تحريم السماع فيقال لك : أي السماعات تعني وأي المسموعات تريد فالسماعات والمسموعات : منها المحرم والمكروه والمباح والواجب والمستحب فعين نوعا يقع الكلام فيه نفيا وإثباتا فإن قلت : سماع القصائد قيل لك : أي القصائد تعني ما مدح به الله ورسوله ودينه وكتابه وهجي به أعداؤه فهذه لم يزل المسلمون يروونها ويسمعونها ويتدارسونها وهي التي سمعها رسول الله وأصحابه وأثاب عليها وحرض حسانا عليها وهي التي غرت أصحاب السماع الشيطاني فقالوا : تلك قصائد وسماعنا قصائد فنعم إذن والسنة كلام والبدعة كلام والتسبيح كلاموالغيبة كلام والدعاء كلام والقذف كلام ولكن هل سمع رسول الله وأصحابه سماعكم هذا الشيطاني المشتمل على أكثر من مفسدة مذكورة في غير هذا الموضع وقد أشرنا فيما تقدم إلى بعضها ونظير هذا : ما غرهم من استحسانه الصوت الحسن بالقرآن وأذنه له وإذنه فيه ومحبة الله له فنقلوا هذا الاستحسان إلى صوت النسوان والمردان وغيرهم بالغناء المقرون بالمعازف والشاهد وذكر القد والنهد والخصر ووصف العيون وفعلها والشعر الأسود ومحاسن الشباب وتوريد الخدود وذكر الوصل والصد والتجني والهجران والعتاب والاستعطاف والاشتياق والقلق والفراق وما جرى هذا المجرى مما هو أفسد للقلب من شرب الخمر بما لا نسبة بينهما وأي نسبة لمفسدة سكر يوم ونحوه إلى سكرة العشق التي لايستفيق الدهر صاحبها إلا في عسكر الهالكين سليبا حريبا وأسيرا قتيلا وهل تقاس سكرة الشراب بسكرة الأرواح بالسماع وهل يظن بحكيم أن يحرم سكرا لمفسدة فيه معلومة ويبيح سكرا مفسدته أضعاف أضعاف مفسدة الشراب حاشا أحكم الحاكمين فإن نازعوا في سكر السماع وتأثيره في العقول والأرواح : خرجوا عن الذوق والحس وظهرت مكابرة القوم فكيف يحمي الطبيب المريض عما يشوش عليه صحته ويبيح له مافيه أعظم السقم والمنصف يعلم أنه لا نسبة بين سقم الأرواح بسكر الشراب وسقمها بسكر السماع وكلامنا مع واجد لا فاقد فهو المقصود بالخطاب وأعجب من هذا : استدلالكم على إباحة السماع المركب مما ذكرنا من الهيئة الاجتماعية بغناء بنيتين صغيرتين دون البلوغ عند امرأة صبية في يوم عيد وفرح بأبيات من أبيات العرب في وصف الشجاعة والحروب ومكارم الأخلاق والشيم فأين هذا من هذا والعجب أن هذا الحديث من أكبر الحجج عليهم فإن الصديق الأكبر رضي الله عنه سمى ذلك : مزمورا من مزامير الشيطان وأقره رسول الله على هذه التسمية ورخص فيه لجويريتين غير مكلفتين ولا مفسدة في إنشادهما ولا إستماعهما أفيدل هذا على إباحة ما تعملونه وتعلمونه من السماع المشتمل على ما لا يخفى فيا سبحان الله كيف ضلت العقول والأفهام وأعجب من هذا كله : الاستدلال على إباحته بما سمعه رسول الله من الحداء المشتمل على الحق والتوحيد وهل حرم أحد مطلق الشعر وقوله واستماعه فكم في هذا التعلق ببيوت العنكبوت وأعجب من هذا : الاستدلال على إباحته بإباحة أصوات الطيور اللذيذة وهل هذا إلا من جنس قياس الذين قالوا : إنما البيع مثل الربا [ البقره : 275 ] وأين أصوات الطيور إلى نغمات الغيد الحسان والأوتار والعيدان وأصوات أشباه النساء من المردان والغناء بما يحدو الأرواح والقلوب إلى مواصلة كل محبوبة ومحبوب وأين الفتنة بهذا إلى الفتنة بصوت القمرى والبلبل والهزار ونحوها بل نقول : لو كانا سواء لكان اتخاذ هذا السماع قربة وطاعة تستنزل به المعارف والأذواق والمواجيد وتحرك به الأحوال بمنزلة التقرب إلى الله بأصوات الطيور ومعاذ الله أن يكونا سواء والذي يفصل النزاع في حكم هذه المسألة : ثلاث قواعد من أهم قواعد الإيمان والسلوك فمن لم يبن عليها فبناؤه على شفا جرف هار القاعدة الأولى : أن الذوق والحال والوجد : هل هو حاكم أو محكوم عليه فيحكم عليه بحاكم آخر أو ويتحاكم إليه فهذا منشأ ضلال من ضل من المفسدين لطريق القوم الصحيحة حيث جعلوه حاكما فتحاكموا إليه فيما يسوغ ويمتنع وفيما هو صحيح وفاسد وجعلوه محكا للحق والباطل فنبذوا لذلك موجب العلم والنصوص وحكموا فيها الأذواق والأحوال والمواجيد فعظم الأمر وتفاقم الفساد والشر وطمست معالم الإيمان والسلوك المستقيم وانعكس السير وكان إلى الله فصيروه إلى النفوس فالناس المحجوبون عن أذواقهم يعبدون الله وهؤلاء يعبدون نفوسهم ومن العجب : أنهم دخلوا في أنواع الرياضات والمجاهدات والزهد ليتجردوا عن شهوات النفوس وحظوظها فانتقلوا من شهوات إلى شهوات أكبر منها ومن حظوظ إلى حظوظ أحط منها وكان حالهم شهوات نفوسهم فى الشهوات التي انتقلوا عنها أكمل وحال أربابها خير من حال هؤلاء لأنهم لم يعارضوا بها العلم ولا قدموها على النصوص ولا جعلوها دينا وقربة ولا ازدروا من أجلها العلم وأهله والشهوات التي انتقلوا إليها جعلوها أعلى ما يشمرون إليها فهي قبلة قلوبهم فهم حولها عاكفون واقفون مع حظوظهم من الله فانون بها عن مراد الله منهم الناس يعبدون الله وهم يعبدون أنفسهم عائبون على أهل الحظوظ والشهوات ومزدرون لهم وهم أعظم الناس حظوظا وإنما زهدوا في حظ إلى حظ أعلى منه وإنما تركوا شهوة لشهوة أحطفليتدبر اللبيب هذا الموضع في نفسه وفي غيره فكل ما خالف مراد الله الديني من العبد فهو حظه وشهوته مالا كان أو رياسة أو صورة أو حالا أو ذوقا أو وجدا ثم من قدمه على مراد الله فهو أسوأ حالا ممن عرف أنه نقص ومحنة وأن مراد الله أولى بالتقديم منه فهو يتوب منه كل وقت إلى الله ثم إنه وقع من تحكيم الذوق من الفساد ما لا يعلمه إلا الله فإن الأذواق مختلفة فى أنفسها كثيرة الألوان متباينة أعظم التباين فكل طائفة لهم أذواق وأحوال ومواجيد بحسب معتقداتهم وسلوكهم فالقائلون بوحدة الوجود لهم ذوق وحال ووجد في معتقدهم بحسبه والنصارى لهم ذوق في النصرانية بحسب رياضتهم وعقائدهم وكل من اعتقد شيئا أو سلك سلوكا حقا كان أو باطلا فإنه إذا ارتاض وتجرد : لزمه وتمكن من قلبه وبقي له فيه حال وذوق ووجد فنذوق من توزن الحقائق إذن ويعرف الحق من الباطل وهذا سيد أهل الأذواق والمواجيد والكشوف والأحوال من هذه الأمة المحدث المكاشف عمر رضى الله عنه لا يلتفت إلى ذوقه ووجده ومخاطباته فى شيء من أمور الدين حتى ينشد عنه الرجال والنساء والأعراب فإذا أخبروه عن رسول الله بشيء لم يلتفت إلى ذوقه ولا إلى وجده وخطابه بل يقول : لو لم نسمع بهذا لقضينا بغيره ويقول : أيها الناس رجل أخطأ وامرأة أصابت فهذا فعل الناصح لنفسه وللأمة رضي الله عنه ليس كفعل من غش نفسه والدين والأمة القاعدة الثانية : أنه إذا وقع النزاع في حكم فعل من الأفعال أو حال من الأحوال أو ذوق من الأذواق هل هو صحيح أو فاسد وحق أو باطل وجب الرجوع فيه إلى الحجة المقبولة عند الله وعند عباده المؤمنين وهي وحيه الذي تتلقى أحكام النوازل والأحوال والواردات منه وتعرض عليه وتوزن به فما زكاه منها وقبله ورجحه وصححه فهو المقبول وما أبطله ورده فهو الباطل المردود ومن لم يبن على هذا الأصل علمه وسلوكه وعمله : فليس على شىء من الدين وإن وإن وإنما معه خدع وغرور كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنه فوفاه حسابه والله سريع الحساب النور : 39 ] القاعدة الثالثة : إذا أشكل على الناظر أو السالك حكم شيء : هل هو الإباحة أو التحريم فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته فإن كان مشتملا على مفسدة راجحة ظاهرة فإنه يستحيل على الشارع الأمر به أو إباحته بل العلم بتحريمه من شرعه قطعي ولا سيما إذا كان طريقا مفضيا إلى ما يغضب الله ورسوله موصلا إليه عن قرب وهو رقية له ورائد وبريد فهذا لا يشك في تحريمه أولو البصائر فكيف يظن بالحكيم الخبير أن يحرم مثل رأس الإبرة من المسكر لأنه يسوق النفس إلى السكر الذي يسوقها إلى المحرمات ثم يبيح ما هو أعظم منه سوقا للنفوس إلى الحرام بكثير فإن الغناء كما قال ابن مسعود رضي الله عنه هو : رقية الزنا وقد شاهد الناس : أنه ما عاناه صبي إلا وفسد ولا امرأة إلا وبغت ولا شاب إلا وإلا ولا شيخ إلا وإلا والعيان من ذلك يغني عن البرهان ولا سيما إذا جمع هيئة تحدو النفوس أعظم حدو إلى المعصية والفجور بأن يكون على الوجه الذي ينبغي لأهله من المكان والإمكان والعشراء والإخوان وآلات المعازف : من اليراع والدف والأوتار والعيدان وكان القوال شادنا شجي الصوت لطيف الشمائل من المردان أو النسوان وكان القول في العشق والوصال والصد والهجران ودارت كؤوس الهوى بينهم فلست ترى فيهم صاحيا فكل على قدر مشروبه وكل أجاب الهوى الداعيا فمالوا سكارى ولا سكر من تناول أم الهوى خاليا وجار على القوم ساقيهم ولم يؤثروا غيره ساقيا فمزق منهم قلوبا غدت لباسا عليه يرى ضافيا فلم يستفيقوا إلى أن أتى إليهم منادي اللقا داعيا أجيبوا فكل امرىء منكم على حاله ربه لاقيا هنالك تعلم من حمأة شربت مع القوم أم صافيا وبالله لا بد قبل اللقا سنعلم ذا إن تك واعيا لا بد تصحو فإما هنا وإما هناك فكن راضيا

Sección V01/P497

فصل وإذا لم يكن بد من المحاكمة إلى الذوق فهلم نحاكمك إلى ذوق لا

Sección V01/P497–V01/P500

ننكره نحن ولا أنت غير هذه الأذواق التي ذكرناها فالقلب يعرض له حالتان : حالة حزن وأسف على مفقود وحالة فرح ورضى بموجود وله بمقتضى هاتين الحالتين عبوديتان وله بمقتضى الحالة الأولى : عبودية الرضاء وهي للسابقين والصبر وهي لأصحاب اليمين وله بمقتضى الحالة الثانية : عبودية الشكر والشاكرون فيها أيضا نوعان : سابقون وأصحاب يمين فاقتطعته النفس والشيطان عن هاتين العبوديتين بصوتين أحمقين فاجرين هما للشيطان لا للرحمن : صوت الندب والنياحة عند الحزن وفوات المحبوب وصوت اللهو والمزمار والغناء عند الفرح وحصول المطلوب فعوضه الشيطان بهذين الصوتين عن تينك العبوديتين وقد أشار النبي إلى هذا المعنى بعينه في حديث أنس رضي الله عنه : إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين : صوت ويل عند مصيبة وصوت مزمار عند نعمة ووافق ذلك راحة من النفس وشهوة ولذة وسرت فيها تلك الرقائق حتى تعبد بها من قل نصيبه من النور النبوي وقل مشربه من العين المحمدية وانضاف ذلك إلى صدق وطلب وإرادة مضادة لشهوات أهل الغي وأهل البطالة ورأوا قساوة قلوب المنكرين لطريقتهم وكثافة حجبهم وغلظة طباعهم وثقل أرواحهم وصادف ذلك تحريكا لسواكنهم وانقيادا للواعج الحب وإزعاجا للنفوس إلى أوطانها الأولى ومعاهدها التي سبيت منها والنفوس الطالبة المرتاضة السائرة لا بد لها من محرك يحركها وحاد يحدوها وليس لها من حادي القرآن عوض عن حادي السماع فتركب من هذه الأمور : إيثار منهم للسماع ومحبة صادقة له تزول الجبال عن أماكنها ولا تفارق قلوبهم إذ هو مثير عزماتهم ومحرك سواكنهم ومزعج بواطنهم فدواء صاحب مثل هذا الحال : أن ينقل بالتدريج إلى سماع القرآن بالأصوات الطيبة مع الإمعان في تفهم معانيه وتدبر خطابه قليلا قليلا إلى أن فيخلع قلبه محبة سماع الأبيات ويلبس محبة سماع الآيات ويصير ذوقه وشربه وحاله ووجده فيه فحينئذ يعلم هو من نفسه : أنه لم يكن على شىء ويتمثل حينئذ بقول القائل : وكنت أرى أن قد تناهى بي الهوى إلى غاية ما فوقها لي مطلب فلما تلاقينا وعاينت حسنها تيقنت أني إنما كنت ألعب ومنافاة النوح للصبر والغناء للشكر : أمر معلوم بالضرورة من الدين لا يمتري فيه إلا أبعد الناس من العلم والإيمان فإن الشكر إنما هو الاشتغال بطاعة الله لا بالصوت الأحمق الفاجر الذي هو للشيطان وكذلك النوح ضد الصبر كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في النائحة وقد ضربها حتى بدا شعرها وقال : لا حرمة لها إنها تأمر بالجزع وقد نهى الله عنه وتنهى عن الصبر وقد أمر الله به وتفتن الحي وتؤذي الميت وتبيع عبرتها وتبكي شجو غيرها ومعلوم عند الخاصة والعامة : أن فتنة سماع الغناء والمعازف أعظم من فتنة النوح بكثير والذي شاهدناه نحن وغيرنا وعرفناه بالتجارب : أنه ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قوم وفشت فيهم واشتغلوا بها إلا سلط الله عليهم العدو وبلوا بالقحط والجدب وولاة السوء والعاقل يتأمل أحوال العالم وينظر والله المستعان ولا تستطل كلامنا في هذه المنزلة فإن لها عند القوم شأنا عظيما وأما قولهم من أنكر على أهله فقد أنكر على كذا وكذا ولي لله فحجة عامية نعم إذا أنكر أولياء الله على أولياء الله كان ماذا فقد أنكر عليهم من أولياء الله من هو أكثر منهم عددا وأعظم عند الله وعند المؤمنين منهم قدرا وأقرب بالقرون المفضلة عهدا وليس من شرط ولي الله العصمة وقد تقاتل أولياء الله في صفين بالسيوف ولما سار بعضهم إلى بعض كان يقال : سار أهل الجنة إلى أهل الجنة وكون ولي الله يرتكب المحظور والمكروه متأولا أو لا يمنع ذلك من الإنكار عليه ولا يخرجه عن أصل ولاية الله وهيهات هيهات أن يكون أحد من أولياء الله المتقدمين حضر هذا السماع المحدث المبتدع المشتمل على هذه الهيئة التي تفتن القلوب أعظم من فتنة المشروب وحاشا أولياء الله من ذلك وإنما السماع الذي اختلف فيه مشايخ القوم : اجتماعهم في مكان خال من الاغيار يذكرون الله ويتلون شيئا من القرآن ثم يقوم بينهم قوال ينشدهم شيئا من الأشعار المزهدة في الدنيا المرغبة في لقاء الله ومحبته وخوفه ورجائه والدار الآخرة وينبههم على بعض أحوالهم من يقظة أو غفلة أو بعد أو انقطاع أو تأسف على فائت أو تدارك لفارط أو وفاء بعهد أو تصديق بوعد أو ذكر قلق وشوق أو خوف فرقة أو صد وما جرى هذا المجرى فهذا السماع الذي اختلف فيه القوم لا سماع المكاء والتصدية والمعازف والخمريات وعشق الصور من المردان والنسوان وذكر محاسنها ووصالها وهجرانها فهذا لو سئل عنه من سئل من أولي العقول لقضى بتحريمه وعلم أن الشرع لا يأتي بإباحته وأنه ليس على الناس أضر منه ولا أفسد لعقولهم وقلوبهم وأديانهم وأموالهم وأولادهم وحريمهم منه والله أعلم

Sección V01/P500–V01/P503

فصل قال صاحب المنازل : السماع على ثلاث درجات : سماع العامة وهو ثلاثة أشياء : إجابة زجر الوعيد رغبة وإجابة دعوة الوعد جهدا وبلوغ مشاهدة المنة استبصارا الوعيد : يكون على ترك المأمور وفعل المحظور وإجابة داعيه : هو العمل بالطاعة وقوله : رغبة يعني امتثالا لكون الله تعالى أمر ونهى وأوعد وحقيقة الرجاء : الخوف والرجاء فيفعل ما أمر به على نور الإيمان راجيا للثواب ويترك ما نهى عنه على نور الإيمان خائفا من العقاب وفي الرغبة فائدة أخرى وهي أن فعله يكون فعل راغب مختار لا فعل كاره كأنما يساق إلى الموت وهو ينظر وأما إجابة الوعد جهدا : فهو امتثال الأمر طلبا للوصول إلى الموعود به باذلا جهده في ذلك مستفرغا فيه قواه وأما بلوغ مشاهدة المنة استبصارا : فهو تنبه السامع في سماعه إلى أن جميع ما وصله من خير فمن منة الله عليه وبفضله عليه من غير استحقاق منه ولا بذل عوض استوجب به ذلك كما قال تعالى : يمنون عليك أن أسلموا قل : لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين الحجرات : 17 ] وكذلك يشهد أن ما زوي عنه من الدنيا أو ما لحقه منها من ضرر وأذى فهو منة أيضا من الله عليه من وجوه كثيرة ويستخرجها الفكر الصحيح كما قال بعض السلف : يا ابن آدم لا تدري أي النعمتين عليك أفضل : نعمته فيما أعطاك أو نعمته فيما زوى عنك وقال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه لا أبالي على أي حال أصبحت أو أمسيت إن كان الغنى إن فيه للشكر وإن كان الفقر إن فيه للصبر وقال بعض السلف : نعمته فيما زوى عني من الدنيا أعظم من نعمته فيما بسط لي منها إني رأيته أعطاها قوما فاغتروا إذا عم بالسراء أعقب شكرها وإن مس بالضراء أعقبها الأجر وما منهما إلا له فيه نعمة تضيق بها الأوهام والبر والبحر فإن قلت : فهل يشهد منته فيما لحقه من المعصية والذنب قلت : نعم إذا اقترن بها التوبة النصوح والحسنات الماحية كانت من أعظم المنن عليه كما تقدم تقريره فصل قال : وسماع الخاصة : ثلاثة أشياء شهود المقصود في كل رمز والوقوف على الغاية في كل حين والخلاص من التلذذ بالتفرق والمقصود في كل رمز هو فإن المسموع كله يعرف به وبصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه ووعده ووعيده وأمره ونهيه وعدله وفضله وهذا الشهود ينال بالسماع بالله ولله وفي الله ومن الله أما السماع به : فأن لا يسمع وفيه بقية من نفسه فإن كانت فيه بقية قطعها كمال تعلقه بالمسموع فيكون سماعه بقيوميته مجردا من التفاته إلى نفسه وأما السماع له : فأن يجرد النفس في السماع من كل إرادة تزاحم مراد الله منه وتجمع قوى سمعه على تحصيل مراد الله من المسموع وأما السماع فيه : فشأن آخر وهو تجريد ما لا يليق نسبته إلى الحق من وصف أو سمة أو نعت أو فعل مما هو لائق بكماله فيثبت له ما يليق بكماله من المسموع وينزهه عما لا يليق به وهذا الموضع لم يتخلص فيه إلا الراسخون في العلم والمعرفة بالله وأضل الله عنه أهل التحريف والتعطيل والتشبيه والتمثيل وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم البقره : 213 ] وأما السماع منه : فإنما يتصور بواسطة فهو سماع مقيد وأما المطلق : فلا مطمع فيه في عالم الفناء إلا لمن اختصه الله برسالاته وبكلامه ولكن السماع لكلامه كالسماع منه فإنه كلامه الذي تكلم به حقا فمن سمعه فليقدر نفسه كأنه يسمعه من الله هذا هو السماع من الله لا سماع أرباب الخيال ودعوى المحال القائل أحدهم : ناداني في سري وخاطبني وقال لي يا ليت شعري من المنادي لك ومن المخاطب يا مخدوع يا مغرور فما يدريك : أنداء شيطاني أم رحماني وما البرهان على أن المخاطب لك هو الرحمن نعم نحن لا ننكر النداء والخطاب والحديث وإنما الشأن في المنادي المخاطب المحدث فههنا تسكب العبرات وبالجملة فمن قرىء عليه القرآن فليقدر نفسه كأنما يسمعه من الله يخاطبه به فإذا حصل له مع ذلك السماع به وله وفيه ازدحمت معانى المسموع ولطائفه وعجائبه على قلبه وازدلفت إليه بأيهما يبدأ فما شئت من علم وحكم وتعرف وبصيرة وهداية وغيرة وأما الوقوف على الغاية في كل حين : فهو التطلب والسفر إلى الغاية المقصودة بالمسموع الذى جعل وسيلة إليها وهو الحق سبحانه فإنه غاية كل طلب أن إلى ربك المنتهى النجم : 42 ] وليس وراء الله مرمى ولا دونه مستقر ولا تقر العين بغيره ألبتة وكل مطلوب سواه فظل زائل وخيال مفارق مائل وإن تمتع به صاحبه فمتاع الغرور وأما الخلاص من التلذذ بالتفرق : فالتفرق في معاني المسموع وتنقل القلب في منازلها يوجب له لذة كما هو المألوف في الانتقال فليتخلص من لذة تفرقه التي هي حظه إلى الجمعية على المسموع به وله ومنه ولم يقل الشيخ من التفرق فإن المسموع إنما يدرك معناه ويفهم بالتفرق لتنوعه ولكن ليتخلص من لذته لا منه لئلا يكون مع حظه وهذا من لطف أحوال السامعين المخلصين

Sección V01/P503–V01/P507

فصل قال : وسماع خاصة الخاصة : سماع ينفي العلل عن الكشف ويصل الأبد إلى الأزل ويرد النهايات إلى الأول فالكشف : هو مكافحة القلب لحقيقة المسموع وعلله أمران أحدهما : الشبه التي تنتفي بهذه المكافحة فلا تبقى معها شبهة فهذا هو عين اليقين والثاني : نفي الوسائط بين السامع والمسموع فيغيب بمسموعه عنها ويفنى عن شهودها ويفنى عن شهود فنائه عنها بحيث يشهده هو المسمع لا الواسطة وهو الهادي فمنه الإسماع ومنه الهداية ومنه الابتداء وإليه الانتهاء وأما وصله الأبد إلى الأزل : فهذا إن أخذ على ظاهره : فهو محال لأن الأبد والأزل متقابلان تقابل التناقض فإيصال أحدهما إلى الآخر عين المحال وإنما مراده : أن ما يكون في الأبد موجودا مشهودا فقد كان في الأزل معلوما مقدرا فعاد حكم الأبد إلى الأزل علما وحقيقة وصار الأزلي أبديا كما كان الأبدى أزليا في العلم والحكم وإيضاح ذلك : أن الأبد ظهر فيه ما كان كامنا في الأزل خافيا فانتهى الأمر كله إلى علمه وحكمه وحكمته وذلك أزلي وهذا رد النهايات إلى الأول فتصير الخاتمة هي عين السابقة والله تعالى هو الأول والآخر وكل ما كان ويكون آخرا فمردود إلى سابق علمه وحكمه فرجع الأبد إلى الأزل والنهايات إلى الأول والله أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الحزن وليست من المنازل المطلوبة ولا المأمور بنزولها وإن كان لا بد للسالك من نزولها ولم يأت الحزن في القرآن إلا منهيا عنه أو منفيا فالمنهي عنه : كقوله تعالى : ولا تهنوا ولا تحزنوا آل عمران : 139 ] وقوله : ولا تحزن عليهم النحل : 127 ] فى غير موضع وقوله : لا تحزن إن الله معنا التوبه : 40 ] والمنفي كقوله : فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون البقره : 38 ] وسر ذلك : أن الحزن موقف غير مسير ولا مصلحة فيه للقلب وأحب شيء إلى الشيطان : أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره ويوقفه عن سلوكه قال الله تعالى : إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا المجادله : 10 ] ونهى النبي الثلاثة أن يتناجى اثنان منهم دون الثالث لأن ذلك يحزنه فالحزن ليس بمطلوب ولا مقصود ولا فيه فائدة وقد استعاذ منه النبي فقال اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن فهو قرين الهم والفرق بينهما : أن المكروه الذي يرد على القلب إن كان لما سيتقبل : أورثه الهم وإن كان لما مضى : أورثه الحزن وكلاهما مضعف للقلب عن السير مقتر للعزم ولكن نزول منزلته ضروري بحسب الواقع ولهذا يقول أهل الجنة إذا دخلوها : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن فاطر : 34 ] فهذا يدل على أنهم كان يصيبهم في الدنيا الحزن كما يصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم بغير اختيارهم وأما قوله تعالى : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت : لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا : أن لا يجدوا ما ينفقون التوبه : 92 ] فلم يمدحوا على نفس الحزن وإنما مدحوا على ما دل عليه الحزن من قوة إيمانهم حيث تخلفوا عن رسول الله لعجزهم عن النفقة ففيه تعريض بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلفهم بل غبطوا نفوسهم به وأما قوله في الحديث الصحيح : ما يصيب المؤمن من هم ولا نصب ولا حزن إلا كفر الله به من خطاياه فهذا يدل على أنه مصيبة من الله يصيب بها العبد يكفر بها من سيئاته لا يدل على أنه مقام ينبغي طلبه واستيطانه وأما حديث هند بن أبي هالة في صفة النبي : إنه كان متواصل الأحزان فحديث لا يثبت وفي إسناده من لا يعرف وكيف يكون متواصل الأحزان وقد صانه الله عن الحزن على الدنيا وأسبابها ونهاه عن الحزن على الكفار وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فمن أين يأتيه الحزن بل كان دائم البشر ضحوك السن كما في صفته : الضحوك القتال صلوات الله وسلامه عليه وأما الخبر المروي : إن الله يحب كل قلب حزين فلا يعرف إسناده ولا من رواه ولا تعلم صحته وعلى تقدير صحته : فالحزن مصيبة من المصائب التي يبتلي الله بها عبده فإذا ابتلى به العبد فصبر عليه أحب صبره على بلائه وأما الأثر الآخر إذا أحب الله عبدا نصب في قلبه نائحة وإذا أبغض عبدا جعل في قلبه مزمارا فأثر إسرائيلي قيل : إنه فى التوراة وله معنى صحيح فإن المؤمن حزين على ذنوبه والفاجر لاه لاعب مترنم فرح وأما قوله تعالى عن نبيه إسرائيل : وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم يوسف : 84 ] فهو إخبار عن حاله بمصابه بفقد ولده وحبيبه وأنه ابتلاه بذلك كما ابتلاه بالتفريق بينه وبينه وأجمع أرباب السلوك : على أن حزن الدنيا غير محمود إلا أبا عثمان الحيري فإنه قال : الحزن بكل وجه فضيلة وزيادة للمؤمن ما لم يكن بسبب معصية قال : لأنه إن لم يوجب تخصيصا فإنه يوجب تمحيصا فيقال : لا ريب أنه محنة وبلاء من الله بمنزلة المرض والهم والغم وأما أنه من منازل الطريق : فلا والله سبحانه أعلم

Sección V01/P507

فصل قال صاحب المنازل رحمه الله : الحزن : توجع لفائت وتأسف على ممتنع

Sección V01/P507–V01/P510

يريد : أن ما يفوت الإنسان قد يكون مقدورا له وقد لا يكون فإن كان مقدورا توجع لفوته وإن كان غير مقدور تأسف لامتناعه قال : وله ثلاث درجات الأولى : حزن العامة وهو حزن على التفريط في الخدمة وعلى التورط في الجفاء وعلى ضياع الأيام التفريط في الخدمة عندهم : فوق التفريط في العمل وتضييعه بل هذا الحزن يكون مع القيام والعمل فإن الخدمة عندهم من باب الأخلاق والآداب لا من باب الأفعال وهي حق العبودية وأدبها وواجبها وصاحب هذا الحزن بالأولى : أن يحزن لتضييع العمل وأما التورط في الجفاء : فهو أيضا أخصى من المعصية بارتكاب المحظور لأنه قد يكون لفقد أنس سابق مع الله فإذا توارى عنه تورط في الجفوة فإن الشيخ ذكر الحزن في قسم الأبواب وهو عنده من قسم البدايات وأما تضييع الأيام : فنوعان أيضا تضييعها بخلوها عن الطاعات وتضييعها بخلوها عن مواجيد الإيمان وذوق حلاوته والأنس بالله وحسن الصحبة معه فكل واحد من الثلاثة نوعان لأهل البداية وللسالكين المتوسطين وكلامه يعم النوعين وإن كان بالثاني أخص قال : الدرجة الثانية : حزن أهل الإرادة وهو حزن على تعلق القلب بالتفرقة وعلى اشتغال النفس عن الشهود وعلى التسلي عن الحزن تعلق القلب بالتفرقة : هو عدم الجمعية في الحضور مع الله وتشتيت الخواطر في أودية المرادات وأما اشتغال النفس عن الشهود : فهو نوعان اشتغالها عن الذكر الذي يوجب الشهود ويثمره بغيره والثاني : اشتغالها عن الشهود لضعف الذكر أو لضعف القلب عن الشهود أو لمانع آخر ولكن إذا قهر الشهود النفس لم تتمكن من التشاغل عنه إلا بقاهر يقهرها عنه وأما التسلي عن الحزن : فيعني أن وجود الحزن في القلب دليل على الإرادة والطلب ففقده والتسلي عنه نقص فيحزن على فقد الحزن كما يبكي على فقد البكاء ويخاف من عدم الخوف وهذا فيه نظر وإنما يحمد الحزن على فقد الحزن أما إذا اشتغل عن الحزن بفرح محمود وهو الفرح بفضل الله ورحمته فلا معنى للحزن على فوات الحزن قال : صاحب المنازل وليست الخاصة من مقام الحزن في شيء لأن الحزن فقد والخاصة أهل وجدان وهذا إن أراد به : أنه لا ينبغي لهم تعمد الحزن : فصحيح وإن أراد به : لا يعرض لهم حزن : فليس كذلك والحزن من لوازم الطبيعة ولكن ليس هو بمقام قال : الدرجة الثالثة من الحزن : التحزن للمعارضات دون الخواطر ومعارضات القصود واعتراضات الأحكام هذه ثلاثة أمور بحسب الشهود والإرادة الأول : حزن المعارضات فإن القلب يعترضه وارد الرجاء مثلا فلم ينشب أن يعارضه وارد الخوف وبالعكس ويعترضه وارد البسط فلم ينشب أن يعترضه وارد القبض ويرد عليه وارد الأنس فيعترضه وارد الهيبة فيوجب له اختلاف هذه المعارضات عليه حزنا لا محالة وليست هذه المعارضات من قبيل الخواطر بل هي من قبيل الواردات الإلهية فلذلك قال : دون الخواطر فإن معارضات الخواطر غير هذا وعند القوم : هذا من آثار الأسماء والصفات واتصال أشعة أنوارها بالقلب وهو المسمى عندهم بالتجلي وأما معارضات القصود : فهى أصعب ما على القوم وفيه يظهر اضطرارهم إلى العلم فوق كل ضرورة فإن الصادق يتحرى في سلوكه كله أحب الطرق إلى الله فإنه سالك به وإليه فيعترضه طريقان لا يدري أيهما أرضى لله وأحب إليه فمنهم : من يحكم العلم بجهده استدلالا فإن عجز فتقليدا فإن عجز عنهما سكن ينتظر ما يحكم له به القدر ويخلى باطنه من المقاصد جملة ومنهم : من يلقي الكل على شيخه إن كان له شيخ ومنهم : من يلجأ إلى الاستخارة والدعاء ثم ينتظر ما يجري به القدر وأصحاب العزائم يبذلون وسعهم في طلب الأرضى علما ومعرفة فإن أعجزهم قنعوا بالظن الغالب فإن تساوى عندهم الأمران قدموا أرجحهما مصلحة ولترجيح المصالح رتب متفاوتة فتارة تترجح بعموم النفع وتارة تترجح بزيادة الإيمان وتارة تترجح بمخالفة النفس وتارة تترجح باستجلاب مصلحة أخرى لا تحصل من غيرها وتارة تترجح بأمنها من الخوف من مفسدة لا تؤمن في غيرها فهذه خمس جهات من الترجيح قل أن يعدم واحدة منها فإن أعوزه ذلك كله تخلى عن الخواطر جملة وانتظر ما يحركه به محرك القدر وافتقر إلى ربه افتقار مستنزل ما يرضيه ويحبه فإذا جاءته الحركة استخار الله وافتقر إليه افتقارا ثانيا خشية أن تكون تلك الحركه نفسية أو شيطانية لعدم العصمة في حقه واستمرار المحنة بعدوه ما دام في عالم الابتلاء والامتحان ثم أقدم على الفعل فهذا نهاية ما في مقدور الصادقين ولأهل الجهاد في هذا من الهداية والكشف ما ليس لأهل المجاهدة ولهذا قال الأوزاعي وابن المبارك : إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما عليه أهل الثغر يعني أهل الجهاد فإن الله تعالى يقول : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلناوإن الله لمع المحسنين العنكبوت : 69 ] وأما اعتراضات الأحكام : فيجوز أن يريد بالأحكام الأحكام الكونية وهو أظهر وأن يريد بها الأحكام الدينية فإن أرباب الأحوال يقع منهم اعترضات على الأحكام الجارية عليهم بخلاف ما يريدونه فيحزنون عند إدراكهم لتلك الاعتراضات على ما صدر منهم من سوء الأدب وتلك الاعتراضات هي إرادتهم خلاف ما جرى لهم به القدر فيحزنون على عدم الموافقة وإرادة خلاف ما أريد بهم وإن كان المراد به : الأحكام الدينية : فإنهم تعرض لهم أحوال لا يمكنهم الجمع بينها وبين أحكام الأمر كما تقدم فلا يجدون بدا من القيام بأحكام الأمر ولا بد أن يعرض لهم اعتراض خفي أو جلي بحسب انقطاعهم عن الحال بالأمر فيحزنون لوجود هذه المعارضة فإذا قاموا بأحكام الأمر ورأوا أن المصلحة في حقهم ذلك وحمدوا عاقبته : حزنوا على تسرعهم على المعارضة فالتسليم لداعي العلم واجب ومعارضة الحال من قبيل الإرادات والعلل فيحزن على نفيهما فيه والله أعلم

Sección V01/P510

فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الخوف وهى من أجل منازل

Sección V01/P510–V01/P514

الطريق وأنفعها للقلب وهي فرض على كل أحد قال الله تعالى فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين وقال تعالى فإياى فارهبون آل عمران : 175 ] وقال فلا تخشوا الناس واخشون المائده : 44 ] ومدح أهله فى كتابه وأثنى عليهم فقال إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون إلى قوله أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون المؤمنون : 5761 وفي المسند والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله قول الله والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة المؤمنون : 60 ] أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق قال : لا يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه قال الحسن : عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم إن المؤمن جمع إحسانا وخشية والمنافق جمع إساءة وأمنا و الوجل و الخوف و الخشية و الرهبة ألفاظ متقاربة غير مترادفة قال أبو القاسم الجنيد : الخوف توقع العقوبة على مجارى الانفاس وقيل : الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف وقيل : الخوف قوة العلم بمجاري الأحكام وهذا سبب الخوف لا أنه نفسه وقيل : الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره و الخشية أخص من الخوف فإن الخشية للعلماء بالله قال الله تعالى : إنما يخشى الله من عباده العلماء فاطر : 28 ] فهي خوف مقرون بمعرفة وقال النبي : إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية فالخوف حركة والخشية انجماع وانقباض وسكون فإن الذي يرى العدو والسيل ونحو ذلك : له حالتان إحداهما : حركة للهرب منه وهي حالة الخوف والثانية : سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه فيه وهي الخشية ومنه : انخشى الشيء والمضاعف والمعتل أخوان كتقضي البازي وتقضض وأما الرهبة فهي الإمعان في الهرب من المكروه وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه وبين الرهب والهرب تناسب في اللفظ والمعنى يجمعهما الاشتقاق الأوسط الذي هو عقد تقاليب الكلمة على معنى جامع وأما الوجل فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته أو لرؤيته وأما الهيبة : فخوف مقارن للتعظيم والإجلال وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة والإجلال : تعظيم مقرون بالحب فالخوف لعامة المؤمنين والخشية للعلماء العارفين والهيبة للمحبين والإجلال للمقربين وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية كما قال النبي : إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية وفى رواية خوفا وقال لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى فصاحب الخوف : يلتجىء إلى الهرب والإمساك وصاحب الخشية : يلتجىء إلى الاعتصام بالعلم ومثلهما مثل من لا علم له بالطب ومثل الطبيب الحاذق فالأول يلتجىء إلى الحمية والهرب والطبيب يلتجىء إلى معرفته بالأدوية والأدواء قال أبو حفص : الخوف سوط الله يقوم به الشاردين عن بابه وقال : الخوف سراج في القلب به يبصر ما فيه من الخير والشر وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله عز وجل فإنك إذ خفته هربت إليه فالخائف هارب من ربه إلى ربه قال أبو سليمان : ما فارق الخوف قلبا إلا خرب وقال إبراهيم بن سفيان : إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها وطرد الدنيا عنها وقال ذو النون : الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق وقال حاتم الأصم : لا تغتر بمكان صالح فلا مكان أصلح من الجنة ولقى فيها آدم ما لقى ولا تغتر بكثرة العبادة فإن إبليس بعد طول العبادة لقى ما لقى ولا تغتر بكثرة العلم فإن بلعام بن باعورا لقى ما لقى وكان يعرف الاسم الأعظم ولا تغتر بلقاء الصالحين ورؤيتهم فلا شخص أصلح من النبي ولم ينتفع بلقائه أعداؤه والمنافقون والخوف ليس مقصودا لذاته بل هو مقصود لغيره قصد الوسائل ولهذا يزول بزوال المخوف فإن أهل الجنة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون والخوف يتعلق بالأفعال والمحبة تتعلق بالذات والصفات ولهذا تتضاعف محبة المؤمنين لربهم إذا دخلوا دار النعيم ولا يلحقهم فيها خوف ولهذا كانت منزلة المحبة ومقامها أعلى وأرفع من منزلة الخوف ومقامه والخوف المحمود الصادق : ما حال بين صاحبه وبين محارم الله عز وجل فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط قال أبو عثمان : صدق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهرا وباطنا وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : الخوف المحمود : ما حجزك عن محارم الله وقال صاحب المنازل : الخوف : هو الانخلاع من طمأنينة الأمن بمطالعة الخبر يعني الخروج عن سكون الأمن باستحضار ما أخبر الله به من الوعد والوعيد قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الخوف من العقوبة وهو الخوف الذي يصح به الإيمان وهو خوف العامة وهو يتولد من تصديق الوعيد وذكر الجناية ومراقبة العاقبة الخوف مسبوق بالشعور والعلم فمحال خوف الإنسان مما لا شعور له به وله متعلقان أحدهما : نفس المكروه المحذور وقوعه والثاني : السبب والطريق المفضي إليه فعلى قدر شعوره بإفضاء السبب إلى المخوف وبقدر المخوف : يكون خوفه وما نقص من شعوره بأحد هذين نقص من خوفه بحسبه فمن لم يعتقد أن سبب كذا يفضي إلى محذور كذا : لم يخف من ذلك السبب ومن اعتقد أنه يفضي إلى مكروه ما ولم يعرف قدره : لم يخف منه ذلك الخوف فإذا عرف قدر المخوف وتيقن إفضاء السبب إليه : حصل له الخوف هذا معنى تولده من تصديق الوعيد وذكر الجناية ومراقبة العاقبة وفي مراقبة العاقبة : زيادة استحضار المخوف وجعله نصب عينه بحيث لا ينساه فإنه وإن كان عالما به لكن نسيانه وعدم مراقبته يحول بين القلب وبين الخوف فلذلك كان الخوف علامة صحة الإيمان وترحله من القلب علامة ترحل الإيمان منه والله أعلم

Sección V01/P514–V01/P516

فصل قال : الدرجة الثانية : خوف المكر في جريان الأنفاس المستغرقة في اليقظة المشوبة بالحلاوة يريد : أن من حصلت له اليقظة بلا غفلة واستغرقت أنفاسه فيها : استحلى ذلك فإنه لا أحلى من الحضور في اليقظة فإنه ينبغي أن يخاف المكر وأن يسلب هذا الحضور واليقظة والحلاوة فكم من مغبوط بحاله انعكس عليه الحال ورجع من حسن المعاملة إلى قبيح الأعمال فأصبح يقلب كفيه ويضرب باليمين على الشمال بينما بدر أحواله مستنيرا في ليالى التمام إذ أصابه الكسوف فدخل في الظلام فبدل بالأنس وحشة وبالحضور غيبة وبالإقبال إعراضا وبالتقريب إبعادا وبالجمع تفرقة كما قيل : أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر قال : الدرجة الثالثة درجة الخاصة ] وليس في مقام أهل الخصوص وحشة الخوف إلا هيبة الجلال وهي أقصى درجة يشار إليها في غاية الخوف يعني أن وحشة الخوف إنما تكون مع الانقطاع والإساءة وأهل الخصوص أهل وصول إلى الله وقرب منه فليس خوفهم خوف وحشة كخوف المسيئين المنقطعين لأن الله عز وجل معهم بصفة الإقبال عليهم والمحبة لهم وهذا بخلاف هيبة الجلال فإنها متعلقة بذاته وصفاته وكلما كان عبده به أعرف وإليه أقرب كانت هيبته وإجلاله في قلبه أعظم وهي أعلى من درجة خوف العامة قال : وهي هيبة تعارض المكاشف أوقات المناجاة وتصون المسامر أحيان المسامرة وتفصم المعاين بصدمة العزة يعنى أن أكثر ما تكون الهيبة أوقات المناجاة وهو وقت تملق العبد لربه وتضرعه بين يديه واستعطافه والثناء عليه بآلائه وأسمائه وأوصافه أو مناجاته بكلامه هذا هو مراد القوم بالمناجاة وهذه المناجاة : توجب كشف الغطاء بين القلب وبين الرب ورفع الحجاب المانع من مكافحة القلب لأنوار أسمائه وصفاته وتجليها عليه فتعارضه الهيبة في خلال هذه الأوقات فيفيض من عنان مناجاته بحسب قوة واردها وأما صون المسامر أحيان المسامرة : فالمسامرة عندهم : أخص من المناجاة وهي مخاطبة القلب للرب خطاب المحب لمحبوبه فإن لم يقارنها هيبة جلاله أخذت به في الانبساط والإدلال فتجيء الهيبة صائنة للمسامر في مسامرته عن انخلاعه من أدب العبودية وأما فصمها المعاين بصدمة العزة : فإن الفصم هو القطع أي تكاد تقتله وتمحقه بصدمة عزة الربوبية بمعانيها الثلاثة وهي عزة الامتناع وعزة القوة والشدة وعزة السلطان والقهر فإذا صدمت المعاين كادت تفصمه وتمحق أثره إذ لا يقوم لعزة الربوبية شىء والله أعلم فصل القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر فالمحبة رأسه والخوف والرجاء جناحاه فمتى سلم الرأس والجناحان فالطير جيد الطيران ومتى قطع الرأس مات الطائر ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناج الخوف هذه طريقة أبي سليمان وغيره قال : ينبغى للقلب أن تكون الغالب عليه الخوف فإن غلب عليه الرجاء فسد وقال غيره : أكمل الأحوال : اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب فالمحبة هى المركب والرجاء حاد والخوف سائق والله الموصل بمنه وكرمه فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإشفاق

Sección V01/P516–V01/P519

قال الله تعالى : الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون الأنبياء : 49 ] وقال تعالى : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا : إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم الأنبياء : 2527 الإشفاق رقة الخوف وهو خوف برحمة من الخائف لمن يخاف عليه فنسبته إلى الخوف نسبة الرأفة إلى الرحمة فإنها ألطف الرحمة وأرقها ولهذا قال صاحب المنازل : والإشفاق : دوام الحزن مقرونا بالترحم وهو على ثلاث درجات الأولى : إشفاق على النفس أن تجمح إلى العناد أي تسرع وتذهب إلى طريق الهوى والعصيان ومعاندة العبودية وإشفاق على العمل أن يصير إلى الضياع أي يخاف على عمله أن يكون من الأعمال التي قال الله تعالى فيها : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا الفرقان : 23 ] وهي الأعمال التى كانت لغير الله وعلى غير أمره وسنة رسوله ويخاف أيضا أن يضيع عمله في المستقبل إما بتركه وإما بمعاصى تفرقه وتحبطه فيذهب ضائعا ويكون حال صاحبه كالحال التي قال الله تعالى عن أصحابها أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجرى من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات الآية قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للصحابة رضي الله عنهم فيمن ترون هذه الآية نزلت فقالوا : الله أعلم فغضب عمر وقال : قولوا : نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين قال : يا ابن أخي قل ولا تحقرن نفسك قال ابن عباس : ضربت مثلا لعمل قال عمر : أي عمل قال ابن عباس لعمل قال عمر : لرجل غني يعمل بطاعة الله فبعث الله إليه الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق جميع أعماله قال : وإشفاق على الخليقة لمعرفة معاذيرها هذا قد يوهم نوع تناقض فإنه كيف يشفق مع معرفة العذر وليس بمتناقض فإن الإشفاق كما تقدم خوف مقرون برحمة فيشفق عليهم من جهة مخالفة الأمر والنهي مع نوع رحمة بملاحظة جريان القدر عليهم قال الدرجة الثانية : إشفاق على الوقت : أن يشوبه تفرق أى يحذر على وقته : أن يخالطه ما يفرقه عن الحضور مع الله عز وجل قال : وعلى القلب : أن يزاحمه عارض والعارض المزاحم : إما فترة وإما شبهة وإما شهوة كل سبب يعوق السالك قال وعلى اليقين : أن يداخله سبب هو الطمأنينة إلى من بيده الأسباب كلها فمتى داخل يقينه ركون إلى سبب وتعلق به واطمأن إليه : قدح ذلك في يقينه وليس المراد : قطع الأسباب عن أن تكون أسبابا والإعراض عنها فإن هذا زندقة وكفر ومحال فإن الرسول سبب في حصول الهداية والإيمان والأعمال الصالحة سبب لحصول النجاة ودخول الجنة والكفر سبب لدخول النار والأسباب المشاهدة أسباب لمسبباتها ولكن الذي يريد أن يحذر منه : إضافة يقينه إلى سبب غير الله ولا يتعلق بالأسباب بل يفنى بالمسبب عنها والشيخ ممن يبالغ في إنكار الأسباب ولا يرى وراء الفناء في توحيد الربوبية غاية وكلامه في الدرجة الثالثة في معظم الأبواب : يرجع إلى هذين الأصلين وقد عرفت ما فيهما وأن الصواب خلافهما وهو إثبات الأسباب والقوى وأن الفناء في توحيد الربوبية ليس هو غاية الطريق بل فوقه ما هو أجل منه وأعلى وأشرف ومن هاتين القاعدتين عرض في كتابه من الأمور التي أنكرت عليه ما عرض قال : الدرجة الثالثة : إشفاق يصون سعيه عن العجب ويكف صاحبه عن مخاصمة الخلق ويحمل المريد على حفظ الجد الأول : يتعلق بالعمل والثاني : بالخلق والثالث : بالإرادة وكل منها له ما يفسده فالعجب : يفسد العمل كما يفسده الرياء فيشفق على سعيه من هذا المفسد شفقة تصونه عنه والمخاصمة للخلق : مفسدة للخلق فيشفق على خلقه من هذا المفسد شفقة تصونه عنه والإرادة : يفسدها عدم الجد وهو الهزل واللعب فيشفق على إرادته مما يفسدها فإذا صح له عمله وخلقه وإرادته : استقام سلوكه وقلبه وحاله والله المستعان

Sección V01/P519–V01/P521

فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الخشوع قال الله تعالى : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق الحديد : 16 ] قال ابن مسعود رضي الله عنه : ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين وقال ابن عباس : إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن وقال تعالى : قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون المؤمنون : 12 ] والخشوع في أصل اللغة : الانخفاض والذل والسكون قال تعالى : وخشعت الأصوات للرحمن طه : 108 ] أي سكنت وذلت وخضعت ومنه وصف الأرض بالخشوع وهو يبسها وانخفاضها وعدم ارتفاعها بالري والنبات قال تعالى : ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليهما الماء اهتزت وربت فصلت : 39 ] و الخشوع قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل والجمعية عليه وقيل الخشوع الانقياد للحق وهذا من موجبات الخشوع فمن علاماته : أن العبد إذا خولف ورد عليه بالحق استقبل ذلك بالقبول والانقياد وقيل الخشوع خمود نيران الشهوة وسكون دخان الصدور وإشراق نور التعظيم في القلب وقال الجنيد الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب وأجمع العارفون على أن الخشوع محله القلب وثمرته على الجوارح وهي تظهره رأى النبى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال : لو خشع قلب هدا لخشعت جوارحه وقال النبى التقوى ههنا وأشار إلى صدره ثلاث مرات وقال بعض العارفين : حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن ورأى بعضهم رجلا خاشع المنكبين والبدن فقال : يا فلان الخشوع ههنا وأشار إلى صدره لا ههنا وأشار إلى منكبيه وكان بعض الصحابة رضى الله عنهم وهو حذيفة يقول إياكم وخشوع النفاق فقيل له : وما خشوع النفاق قال : أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا طأطأ رقبته فى الصلاة فقال يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب ورأت عائشة رضى الله عنها شبابا يمشون ويتماوتون في مشيتهم فقالت لأصحابها : من هؤلاء فقالوا : نساك فقالت : كان عمر بن الخطاب إذا مشى أسرع وإذا قال : أسمع وإذا ضرب : أوجع وإذا أطعم : أشبع وكان هو الناسك حقا وقال الفضيل بن عياض : كان يكره أن يرى الرجل من الخشوع أكثر مما فى قلبه وقال حذيفة رضي الله عنه أول ما تفقدون من دينكم الخشوع وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة ورب مصل لا خير فيه ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم خاشعا وقال سهل : من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان فصل قال صاحب المنازل : الخشوع : خمود النفس وهمود الطباع لمتعاظم أو

Sección V01/P521–V01/P523

مفزع يعنى : انقباض النفس والطبع وهو خمود قوى النفس عن الانبساط لمن له في القلوب عظمة ومهابة أو لما يفزع منه القلب والحق : أن الخشوع معنى يلتئم من التعظيم والمحبة والذل والانكسار قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : التذلل للأمر : والاستسلام للحكم والاتضاع لنظر الحقالتذلل للأمر والاستسلام للحكم والاتضاع لنظر الحق التذلل للأمر : تلقيه بذلة القبول والانقياد والامتثال ومواطأة الظاهر الباطن مع إظهار الضعف والافتقار إلى الهداية للأمر قبل الفعل والإعانة عليه حال الفعل وقبوله بعد الفعل وأما الاستسلام للحكم : فيجوز أن يريد به : الحكم الديني الشرعي فيكون معناه : عدم معارضته برأي أو شهوة ويجوز أن يريد به : الاستسلام للحكم القدري وهو عدم تلقيه بالتسخط والكراهة والاعتراض والحق : أن الخشوع هو الاستسلام للحكمين وهو الانقياد بالمسكنة والذل لأمر الله وقضائه وأما الاتضاع لنظر الحق : فهو اتضاع القلب والجوارح وانكسارها لنظر الرب إليها واطلاعه على تفاصيل ما في القلب والجوارح وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى : ولمن خاف مقام ربه جنتان الرحمن : 46 ] وقوله : وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى النازعات : 40 ] وهو مقام الرب على عبده بالاطلاع والقدرة والربوبية فخوفه من هذا المقام : يوجب له خشوع القلب لا محالة وكلما كان أشد استحضارا له كان أشد خشوعا وإنما يفارق القلب إذا غفل عن اطلاع الله عليه ونظره إليه والتأويل الثاني : أنه مقام العبد بين يدي ربه عند لقائه فعلى الأول : يكون من باب إضافة المصدر إلى الفاعل وعلى الثاني : وهو أليق بالآية يكون من باب إضافة المصدر إلى المخوف والله أعلم فصل قال : الدرجة الثانية : ترقب آفات النفس والعمل ورؤية فضل كل ذي فضل عليك وتنسم نسيم الفناء يريد : انتظار ظهور نقائص نفسك وعملك وعيوبهما من فإنه يجعل القلب خاشعا لا محالة لمطالعة عيوب نفسه وأعماله ونقائصهما : من الكبر والعجب والرياء وضعف الصدق وقلة اليقين وتشتت النية وعدم تجرد الباعث من الهوى نفساني وعدم إيقاع العمل على الوجه الذي ترضاه لربك وغير ذلك من عيوب النفس ومفسدات الأعمال وأما رؤية فضل كل ذي فضل عليك : فهو أن تراعي حقوق الناس فتؤديها ولا ترى أن ما فعلوه من حقوقك عليهم فلا تعاوضهم عليها فإن هذا من رعونات النفس وحماقاتها ولا تطالبهم بحقوق نفسك وتعترف بفضل ذي الفضل منهم وتنسى فضل نفسك وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : العارف لا يرى له على أحد حقا ولا يشهد له على غيره فضلا ولذلك لا يعاتب ولا يطالب ولا يضارب وأما تنسم نسيم الفناء : فلما كان الفناء عنده غاية جعل هذه الدرجة كالنسيم لرقته وعبر عنها بالنسيم للطف موقعه من الروح وشدة تشبثها به ولا ريب أن الخشوع سبب موصل إلى الفناء فاضله ومفضوله فصل قال الدرجة الثالثة : حفظ الحرمة عند المكاشفة وتصفية الوقت من

Sección V01/P523–V01/P524

مراءاة الخلق وتجريد رؤية الفضل أما حفظ الحرمة عند المكاشفة : فهو ضبط النفس بالذل والانكسار عن البسط والإدلال الذي تقتضيه المكاشفة فإن المكاشفة توجب بسطا ويخاف منه شطح إن لم يصحبه خشوع يحفظ الحرمة وأما تصفية الوقت من مراءاة الخلق : فلا يريد به أنه يصفي وقته عن الرياء فإن أصحاب هذه الدرجة أجل قدرا وأعلى من ذلك وإنما المراد : أنه يخفي أحواله عن الخلق جهده كخشوعه وذله وانكساره لئلا يراها الناس فيعجبه اطلاعهم عليها ورؤيتهم لها فيفسد عليه وقته وقلبه وحاله مع الله وكم قد اقتطع في هذه المفازة من سالك والمعصوم من عصمه الله فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة والفاقة والذل وأنه لا شيء وأنه ممن لم يصح له بعد الإسلام حتى يدعي الشرف فيه ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه من ذلك أمرا لم أشاهده من غيره وكان يقول كثيرا : ما لي شيء ولا مني شيء ولا في شيء وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت : أنا المكدى وابن المكدى وهكذا كان أبي وجدي وكان إذا أثنى عليه في وجهه يقول : والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت وما أسلمت بعد إسلاما جيدا وبعث إلي في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه : أنا الفقير إلى رب البريات أنا المسيكين فى مجموع حالاتى أنا الظلوم لنفسى وهي ظالمتي والخير إن يأتنا من عنده ياتى لا أستطيع لنفسى جلب منفعة ولا عن النفس لى دفع المضرات وليس لي دونه مولى يدبرني ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتى إلا بإذن من الرحمن خالقنا إلى الشفيع كما قد جاء في الآيات ولست أملك شيئا دونه أبدا ولا شريك أنا فى بعض ذرات ولا ظهير له كي يستعين به كما يكون لأرباب الولايات والفقر لى وصف ذات لازم أبدا كما الغنى أبدا وصف له ذاتي وهذه الحال حال الخلق أجمهم وكلهم عنده عبد له آتى فمن بغى مطلبا من غير خالقه فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي والحمد لله ملء الكون أجمعه ما كان منه وما من بعد قد ياتى وأما تجريد رؤية الفضل : فهو أن لا يرى الفضل والإحسان إلا من الله فهو المان به بلا سبب منك ولا شفيع لك تقدم إليه بالشفاعة ولا وسيلة سبقت منك توسلت بها إلى إحسانه والتجريد : هو تخليص شهود الفضل لوليه حتى لا ينسبه إلى غيره وإلا فهو في نفسه مجرد عن النسبة إلى سواه وإنما الشأن في تجريده في الشهود ليطابق الشهود الحق في نفس الأمر والله أعلم فصل فإن قيل : مما تقولون في صلاة من عدم الخشوع في صلاته :