İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn
وهى ثلاثة أشياء : الرجوع إلى الحق إصلاحا كما رجع إليه اعتذارا والرجوع إليه وفاء كما رجع إليه عهدا والرجوع إليه حالا كما رجعت إليه إجابة لما كان التائب قد رجع إلى الله بالاعتذار والإقلاع عن معصيته كان من تتمة ذلك : رجوعه إليه بالاجتهاد والنصح في طاعته كما قال : إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا الفرقان : 70 ] وقال : إلا الذين تابوا وأصلحوا البقره : 160 ] فلا تنفع توبة وبطالة فلا بد من توبة وعمل صالح : ترك لما يكره وفعل لما يحب تخل عن معصيته وتحل بطاعته وكذلك الرجوع إليه بالوفاء بعهده كما رجعت إليه عند أخذ العهد عليك فرجعت إليه بالدخول تحت عهده أولا فعليك بالرجوع بالوفاء بما عاهدته عليه ثانيا والدين كله : عهد ووفاء فإن الله أخذ عهده على جميع المكلفين بطاعته فأخذ عهده على أنبيائه ورسله على لسان ملائكته أو منه إلى الرسول بلا واسطة كما كلم موسى وأخذ عهده على الأمم بواسطة الرسل وأخذ عهده على الجهال بواسطة العلماء فأخذ عهده على هؤلاء بالتعليم وعلى هؤلاء بالتعلم ومدح الموفين بعهده وأخبرهم بما لهم عنده من الأجر فقال : ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما الفتح : 10 ] وقال : وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا الإسراء : 34 ] وقال : وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم النحل : 91 ] وقال : والموفون بعهدهم إذا عاهدوا البقره : 177 ] وهذا يتناول عهودهم مع الله بالوفاء له بالإخلاص والإيمان والطاعة وعهودهم مع الخلق وأخبر النبي : أن من علامات النفاق الغدر بعد العهد فما أناب إلى الله عز وجل من خان عهده وغدر به كما أنه لم ينب إليه من لم يدخل تحت عهده فالإنابة لا تتحقق إلا بالتزام العهد والوفاء به وقوله : والرجوع إليه حالا كما رجعت إليه إجابة أي هو سبحانه قد دعاك فأجبته بلبيك وسعديك قولا فلا بد من الإجابة حالا تصدق به المقال فإن الأحوال تصدق الأقوال أو تكذبها وكل قول فلصدقه وكذبه شاهد من حال قائله فكما رجعت إلى الله إجابة بالمقال فارجع إليه إجابة بالحال قال الحسن رحمه الله : ابن آدم لك قول وعمل وعملك أولى بك من قولك ولك سريرة وعلانية وسريرتك أملك بك من علانيتك فصل قال : وإنما يستقيم الرجوع إليه إصلاحا بثلاثة أشياء : بالخروج من التبعات والتوجع للعثرات واستدراك الفائتات والخروج من التبعات : هو بالتوبة من الذنوب التي بين العبد وبين الله وأداء الحقوق التي عليه للخلق والتوجع للعثرات يحتمل شيئين أحدهما : أن يتوجع لعثرته إذا عثر فيتوجع قلبه وينصدع وهذا دليل على إنابته إلى الله بخلاف من لا يتألم قلبه ولا ينصدع من عثرته فإنه دليل على فساد قلبه وموته الثاني : أن يتوجع لعثرة أخيه المؤمن إذا عثر حتى كأنه هو الذي عثر بها ولا يشمت به فهو دليل على رقة قلبه وإنابته واستدراك الفائتات : هو استدراك ما فاته من طاعة وقربة بأمثالها أو خير منها ولا سيما في بقية عمره عند قرب رحيله إلى الله فبقية عمر المؤمن لا قيمة لها يستدرك بها ما فات ويحيي بها ما أمات فصل قال : وإنما يستقيم الرجوع إليه عهدا : بثلاثة أشياء بالخلاص من
لذة الذنب وبترك الاستهانة بأهل الغفلة تخوفا عليهم مع الرجاء لنفسك وبالاستقصاء في رؤية علة الخدمة إذا صفت له الإنابة إلى ربه تخلص من الفكرة في لذة الذنب وعاد مكانها ألما وتوجعا لذكره والفكرة فيه فما دامت لذة الفكرة فيه موجودة في قلبه فإنابته غير صافية فإن قيل : أي الحالين أعلى حال من يجد لذة الذنب في قلبه فهو يجاهدها لله ويتركها من خوفه ومحبته وإجلاله أو حال من ماتت لذة الذنب في قلبه وصار مكانها ألما وتوجعا وطمأنينة إلى ربه وسكونا إليه والتذاذا بحبه وتنعما بذكره قيل : حال هذا أكمل وأرفع وغاية صاحب المجاهدة أن يجاهد نفسه حتى يصل إلى مقام هذا ومنزلته ولكنه يتلوه في المنزلة والقرب ومنوط به فإن قيل : فأين أجر مجاهدة صاحب اللذة وتركه محابه لله وإيثاره رضى الله على هواه وبهذا كان النوع الإنساني أفضل من النوع الملكي عند أهل السنة وكانوا خير البرية والمطمئن قد استراح من ألم هذه المجاهدة وعوفي منها فبينهما من التفاوت ما بين درجة المعافى والمبتلى قيل : النفس لها ثلاثة أحوال : الأمر بالذنب ثم اللوم عليه والندم منه ثم الطمأنينة إلى ربها والإقبال بكليتها عليه وهذه الحال أعلى أحوالها وأرفعها وهي التي يشمر إليها المجاهد وما يحصل له من ثواب مجاهدته وصبره فهو لتشميره إلى درجة الطمأنينة إلى الله فهو بمنزلة راكب القفار والمهامه والأهوال ليصل إلى البيت فيطمئن قلبه برؤيته والطواف به والآخر بمنزلة من هو مشغول به طائفا وقائما وراكعا وساجدا ليس له التفات إلى غيره فهذا مشغول بالغاية وذاك بالوسيلة وكل له أجر ولكن بين أجر الغايات وأجر الوسائل بون وما يحصل للمطمئن من الأحوال والعبودية والإيمان فوق ما يحصل لهذا المجاهد نفسه في ذات الله وإن كان أكثر عملا فقدر عمل المطمئن المنيب بجملته وكيفيته أعظم وإن كان هذا المجاهد أكثر عملا وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فما سبق الصديق الصحابة بكثرة عمل وقد كان فيهم من هو أكثر صياما وحجا وقراءة وصلاة منه ولكن بأمر آخر قام بقلبه حتى إن أفضل الصحابة كان يسابقه ولا يراه إلا أمامه ولكن عبودية مجاهد نفسه على لذة الذنب والشهوة قد تكون أشق ولا يلزم من مشقتها تفضيلها في الدرجة فأفضل الأعمال الإيمان بالله والجهاد أشق منه وهو تاليه في الدرجة ودرجة الصديقين أعلى من درجة المجاهدين والشهداء وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي ذكر الشهداء فقال : إن أكثر شهداء أمتي لأصحاب الفرش ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته فصل ومن علامات الإنابة : ترك الاستهانة بأهل الغفلة والخوف عليهم مع
فتحك باب الرجاء لنفسك فترجو لنفسك الرحمة وتخشى على أهل الغفلة النقمة ولكن ارج لهم الرحمة واخش على نفسك النقمة فإن كنت لا بد مستهينا بهم ماقتا لهم لانكشاف أحوالهم لك ورؤية ما هم عليه فكن لنفسك أشد مقتا منك لهم وكن لهم أرجى لهم لرحمة الله منك لنفسك قال بعض السلف : لن تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في ذات الله ثم ترجع إلى نفسك فتكون لها أشد مقتا وهذا الكلام لا يفقه معناه إلا الفقيه في دين الله فإن من شهد حقيقة الخلق وعجزهم وضعفهم وتقصيرهم بل تفريطهم وإضاعتهم لحق الله وإقبالهم على غيره وبيعهم حظهم من الله بأبخس الثمن من هذا العاجل الفاني لم يجد بدا من مقتهم ولا يمكنه غير ذلك ألبتة ولكن إذا رجع إلى نفسه وحاله وتقصيره وكان على بصيرة من ذلك : كان لنفسه أشد مقتا واستهانة فهذا هو الفقيه وأما الاستقصاء في رؤية علل الخدمة : فهو التفتيش عما يشوبها من حظوظ النفس وتمييز حق الرب منها من حظ النفس ولعل أكثرها أو كلها أن تكون حظا لنفسك وأنت لا تشعر فلا إله إلا الله كم فى النفوس من علل وأغراض وحظوظ تمنع الأعمال : أن تكون لله خالصة وأن تصل إليه وإن العبد ليعمل العمل حيث لا يراه بشر ألبتة وهو غير خالص لله ويعمل العمل والعيون قد استدارت عليه نطاقا وهو خالص لوجه الله ولا يميز هذا إلا أهل البصائر وأطباء القلوب العالمون بأدوائها وعللها فبين العمل وبين القلب مسافة وفى تلك المسافة قطاع تمنع وصول العمل إلى القلب فيكون الرجل كثير العمل وما وصل منه إلى قلبه محبة ولا خوف ولا رجاء ولا زهد في الدنيا ولا رغبة في الآخرة ولا نور يفرق به بين أولياء الله وأعدائه وبين الحق والباطل ولا قوة في أمره فلو وصل أثر الأعمال إلى قلبه لاستنار وأشرق ورأى الحق والباطل وميز بين أولياء الله وأعدائه وأوجب له ذلك المزيد من الأحوال ثم بين القلب وبين الرب مسافة وعليها قطاع تمنع وصول العمل إليه من كبر وإعجاب وإدلال ورؤية العمل ونسيان المنة وعلل خفية لو استقصى فى طلبها لرأى العجب ومن رحمة الله تعالى : سترها على أكثر العمال إذ لو رأوها وعاينوها لوقعوا فيما هو أشد منها من اليأس والقنوط والاستحسار وترك العمل وخمود العزم وفتور الهمة ولهذا لما ظهرت رعاية أبي عبدالله الحارث بن أسد المحاسبي واشتغل بها العباد عطلت منهم مساجد كانوا يعمرونها بالعبادة والطبيب الحاذق يعلم كيف يطب النفوس فلا يعمر قصرا ويهدم مصرا فصل قال : وإنما يستقيم الرجوع إليه حالا بثلاثة أشياء : بالإياس من عملك وبمعاينة اضطرارك وشيم برق لطفه بك الإياس من العمل يفسر بشيئين أحدهما : أنه إذا نظر بعين الحقيقة إلى الفاعل الحق والمحرك الأول وأنه لولا مشيئته لما كان منك فعل فمشيئته أوجبت فعلك لا مشيئتك : بقي بلا فعل فههنا تنفع مشاهدة القدر والفناء عن رؤية الأعمال والثاني : أن تيأس من النجاة بعملك وترى النجاة إنما هى برحمته تعالى وعفوه وفضله كما في الصحيح عن النبي أنه قال : لن ينجي أحدا منكم عمله قالوا : ولا أنت يا رسول الله قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل فالمعنى الأول يتعلق ببداية الفعل والثاني بغايته ومآله وأما معاينة الاضطرار : فإنه إذا أيس من عمله بداية وأيس من النجاة به نهاية شهد به شهد فى كل ذرة منه ضرورة تامة إليه وليست ضرورته من هذه الجهة وحدها بل من جميع الجهات وجهات ضرورته لا تنحصر بعدد ولا لها سبب بل هو مضطر إليه بالذات كما أن الله عز وجل غني بالذات فإن الغنى وصف ذاتي للرب والفقر والحاجة والضرورة وصف ذاتي للعبد قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه :
والفقر لي وصف ذات لازم أبدا كما الغنى أبدا وصف له ذاتي وأما شيم برق لطفه بك : فإنه إذا تحقق له قوة ضرورية وأيس من عمله والنجاة به نظر إلى ألطاف الله وشام برقها وعلم أن كل ما هو فيه وما يرجوه وما تقدم له : لطف من الله به ومنة من بها عليه وصدقة تصدق بها عليه بلا سبب منه إذ هو المحسن بالسبب والمسبب والأمر له من قبل ومن بعد وهو الأول والآخر لا اله غيره ولا رب سواه فصل ثم ينزل القلب منزل التذكر وهو قرين الإنابة قال الله تعالى وما يتذكر إلا من ينيب غافر : 123 ] وقال : تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ق : 8 ] وهو من خواص أولي الألباب كما قال تعالى : إنما يتذكر أولوا الألباب الرعد : 19 ] وقال تعالى : وما يذكر إلا أولو الألباب البقره : 269 ] و التذكر و التفكر منزلان يثمران أنواع المعارف وحقائق الإيمان والإحسان والعارف لا يزال يعود بتفكره على تذكره وبتذكره على تفكره حتى يفتح قفل قلبه بإذن الفتاح العليم قال الحسن البصري ما زال أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التذكر ويناطقون القلوب حتى نطقت قال صاحب المنازل التذكر فوق التفكر لأن التفكر طلب والتذكر وجود يريد أن
التفكر التماس الغايات من مباديها كما قال : التفكر تلمس البصيرة واستدراك البغية وأما قوله : التذكر وجود فلأنه يكون فيما قد حصل بالتفكر ثم غاب عنه بالنسيان فإذا تذكره وجده فظفر به و التذكر تفعل من الذكر وهو ضد النسيان وهو حضور صورة المذكور العلمية فى القلب واختير له بناء التفعل لحصوله بعد مهلة وتدرج كالتبصر والتفهم والتعلم فمنزلة التذكر من التفكر منزلة حصول الشيء المطلوب بعد التفتيش عليه ولهذا كانت آيات الله المتلوة والمشهودة ذكرى كما قال في المتلوة ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب غافر : 5354 ] وقال عن القرآن : وإنه لتذكرة للمتقين الحاقة : 69 ] وقال في آياته المشهودة : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ق : 58 ] ف التبصر آلة البصر و التذكره آلة الذكر وقرن بينهما وجعلهما لأهل الإنابة لأن العبد إذا أناب إلى الله أبصر مواقع الآيات والعبر فاستدل بها على ما هي آيات له فزال عنه الإعراض بالإنابة والعمى بالتبصرة والغفلة بالتذكرة لأن التبصرة توجب له حصول صورة المدلول في القلب بعد غفلته عنها فترتب المنازل الثلاثة أحسن ترتيب ثم إن كلا منها يمد صاحبه ويقويه ويثمره وقال تعالى في آياته المشهودة : وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ق : 3637 ] والناس ثلاثة : رجل قلبه ميت فذلك الذي لا قلب له فهذا ليست هذه الآية ذكرى في حقه الثاني : رجل له قلب حي مستعد لكنه غير مستمع للآيات المتلوة التي يخبر بها الله عن الآيات المشهودة : إما لعدم ورودها أو لوصولها إليه ولكن قلبه مشغول عنها بغيرها فهو غائب القلب ليس حاضرا فهذا أيضا لا تحصل له الذكرى مع استعداده ووجود قلبه والثالث : رجل حي القلب مستعد تليت عليه الآيات فأصغى بسمعه وألقى السمع وأحضر قلبه ولم يشغله بغير فهم ما يسمعه فهو شاهد القلب ملق السمع فهذا القسم هو الذي ينتفع بالآيات المتلوة والمشهودة فالأول : بمنزلة الأعمى الذي لا يبصر والثاني : بمنزلة البصير الطامح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه فكلاهما لا يراه والثالث : بمنزلة البصير الذي قد حدق إلى جهة المنظور وأتبعه بصره وقابله على توسط من البعد والقرب فهذا هو الذي يراه فسبحان من جعل كلامه شفاء لما في الصدور فإن قيل : فما موقع أو من هذا النظم على ما قررت قيل : فيها سر لطيف ولسنا نقول : إنها بمعنى الواو كما يقوله ظاهرية النحاة فاعلم أن الرجل قد يكون له قلب وقاد مليء باستخراج العبر واستنباط الحكم فهذا قلبه يوقعه على التذكر والاعتبار فإذا سمع الآيات كانت له نورا على نور وهؤلاء أكمل خلق الله وأعظمهم إيمانا وبصيرة حتى كأن الذي أخبرهم به الرسول مشاهد لهم لكن لم يشعروا بتفاصيله وأنواعه حتى قيل : إن مثل حال الصديق مع النبي كمثل رجلين دخلا دارا فرأى أحدهما تفاصيل ما فيها وجزئياته والآخر : وقعت يده على ما في الدار ولم ير تفاصيله ولا جزئياته لكن علم أن فيها أمورا عظيمة لم يدرك بصره تفاصيلها ثم خرجا فسأله عما رأى فى الدار فجعل كلما أخبره بشيء صدقه لما عنده من شواهده وهذه أعلى درجات الصديقية ولا تستبعد أن يمن الله المنان على عبد بمثل هذا الإيمان فإن فضل الله لا يدخل تحت حصر ولا حسبان فصاحب هذا القلب إذا سمع الآيات وفي قلبه نور من البصيرة ازداد بها نورا إلى نوره فإن لم يكن للعبد مثل هذا القلب فألقى السمع وشهد قلبه ولم يغب حصل له التذكر أيضا فإن لم يصبها وابل فطل والوابل والطل في جميع الأعمال وآثارها وموجباتها وأهل الجنة سابقون مقربون وأصحاب يمين وبينهما في درجات التفضيل ما بينهما حتى إن شراب أحد النوعين الصرف يطيب به شراب النوع الآخر ويمزج به مزجا قال الله تعالى ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد فكل مؤمن يرى ذ هذا ولكن رؤية أهل العلم له لون ورؤية غيرهم له لون آخر
قال صاحب المنازل أبنية التذكر ثلاثة : الانتفاع بالعظة والاستبصار بالعبرة والظفر بثمرة الفكرة الانتفاع بالعظة : هو أن يقدح في القلب قادح الخوف والرجاء فيتحرك للعمل طلبا للخلاص من الخوف ورغبة في حصول المرجو و العظة هي الأمر والنهي المعروف بالترغيب والترهيب و العظة نوعان : عظة بالمسموع وعظة بالمشهود فالعظة بالسموع : الانتفاع بما يسمعه من الهدى والرشد والنصائح التي جاءت على يد الرسل وما أوحى إليهم وكذلك الانتفاع بالعظة من كل ناصح ومرشد في مصالح الدين والدنيا و العظة بالمشهود : الانتفاع بما يراه ويشهده في العالم من مواقع العبر وأحكام القدر ومجاريه وما يشاهده من آيات الله الدالة على صدق رسله وأما استبصار العبرة : فهو زيادة البصيرة عما كانت عليه في منزل التفكر بقوة الاستحضار لأن التذكر يعتقل المعاني التي حصلت بالتفكر في مواقع الآيات والعبر فهو يظفر بها بالتفكر وتنصقل له وتنجلي بالتذكر فيقوي العزم على السير بحسب قوة الاستبصار لأنه يوجب تحديد النظر فيما يحرك المطلب إذ الطلب فرع الشعور فكلما قوي الشعور بالمحبوب اشتد سفر القلب إليه وكلما اشتغل الفكر به ازداد الشعور به والبصيرة فيه والتذكر له وأما الظفر بثمرة الفكرة : فهذا موضع لطيف وللفكرة ثمرتان : حصول المطلوب تماما بحسب الإمكان والعمل بموجبه رعاية لحقه فإن العقل حال التفكر كان قد كل بأعماله في تحصيل المطلوب فلما حصلت له المعاني وتخمرت في القلب واستراح العقل : عاد فتذكر ما كان حصله وطالعه فابتهج به وفرح به وصحح في هذا المنزل ما كان فاته في منزل التفكر لأنه قد أشرف عليه في مقام التذكر الذي هو أعلى منه فأخذ حينئذ في الثمرة المقصودة وهي العمل بموجبه مراعاة لحقه فإن العمل الصالح : هو ثمرة العلم النافع الذي هو ثمرة التفكر وإذا أردت فهم هذا بمثال حسي : فطالب المال ما دام جادا في طلبه فهو في كلال وتعب حتى إذا ظفر به استراح من كد الطلب وقدم من سفر التجارة فطالع ما حصله وأبصره وصحح في هذه الحال ما عساه غلط فيه في حال اشتغاله بالطلب فإذا صح له وبردت غنيمته له أخذ في صرف المال في وجوه الانتفاع المطلوبة منه والله أعلم فصل قال : وإنما ينتفع بالعظة بعد حصول ثلاثة أشياء : شدة الافتقار إليها
والعمى عن عيب الواعظ وتذكر الوعد والوعيد إنما يشتد افتقار العبد إلى العظة وهي الترغيب والترهيب إذا ضعفت إنابته وتذكره وإلا فمتى قويت إنابته وتذكره : لم تشتد حاجته إلى التذكير والترغيب والترهيب ولكن تكون الحاجة منه شديدة إلى معرفة الأمر النهي و العظة يراد بها أمران : الأمر والنهي المقرونان بالرغبة والرهبة ونفس الرغبة والرهبة فالمنيب المتذكر : شديد الحاجة إلى الأمر والنهي والمعرض الغافل شديد الحاجة إلى الترغيب والترهيب والمعارض المتكبر : شديد الحاجة إلى المجادلة فجاءت هذه الثلاثة في حق هؤلاء الثلاثة في قوله : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن النحل : 125 ] أطلق الحكمة ولم يقيدها بوصف الحسنة إذ كلها حسنة ووصف الحسن لها ذاتي وأما الموعظة فقيدها بوصف الإحسان إذ ليس كل موعظة حسنة وكذلك الجدال قد يكون بالتي هي أحسن وقد يكون بغير ذلك وهذا يحتمل أن يرجع إلى حال المجادل وغلظته ولينه وحدته ورفقه فيكون مأمورا بمجادلتهم بالحال التي هي أحسن ويحتمل أن يكون صفة لما يجادل به من الحجج والبراهين والكلمات التي هي أحسن شيء وأبينه وأدله على المقصود وأوصله إلى المطلوب والتحقيق : أن الآية تتناول النوعين وأما ما ذكره بعض المتأخرين : أن هذا إشارة إلى أنواع القياسات ف الحكمة هى طريقة البرهان و الموعظة الحسنة هي طريقة الخطابة و المجادلة بالتي هي أحسن طريقة الجدل فالأول : بذكر المقدمات البرهانية لمن لا يرضى إلا بالبرهان ولا ينقاد إلا له وهم خواص الناس والثاني : بذكر المقدمات الخطابية التي تثير رغبة ورهبة لمن يقنع بالخطابة وهم الجمهور والثالث : بذكر المقدمات الجدلية للمعارض الذي يندفع بالجدل وهم المخالفون فتنزيل القرآن على قوانين أهل المنطق اليوناني واصطلاحهم وذلك باطل قطعا من وجوه عديدة ليس هذا موضع ذكرها وإنما ذكر هذا استطرادا لذكر العظة وأن المنيب المتذكر لا تشتد حاجته إليها كحاجة الغافل المعرض فإنه شديد الحاجة جدا إلى العظة ليتذكر ما قد نسيه فينتفع بالتذكر وأما العمى عن عيب الواعظ : فإنه إذا اشتغل به حرم الانتفاع بموعظته لأن النفوس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه ولا ينتفع به وهذا بمنزلة من يصف له الطبيب دواء لمرض به مثله والطبيب معرض عنه غير ملتفت إليه بل الطبيب المذكور عندهم : أحسن حالا من هذا الواعظ المخالف لما يعظ به لأنه قد يقوم عنده دواء آخر عنده مقام هذا الدواء وقد يرى أن به قوة على ترك التداوي وقد يقنع بعمل الطبيعة وغير ذلك بخلاف هذا الواعظ فإن ما يعظ به طريق معين للنجاة لا يقوم غيرها مقامها ولا بد منها ولأجل هذه النفرة قال شعيب عليه السلام لقومه : وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه هود : 88 ] وقال بعض السلف : إذا أردت أن يقبل منك الأمر والنهي : فإذا أمرت بشيء فكن أول الفاعلين له المؤتمرين به وإذا نهيت عن شيء فكن أول المنتهين عنه وقد قيل : يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام من الضنى ومن الضنى تمسي وأنت سقيم لا تنه عن خلق وتأتى مثله عار عليك إذا فعلت ذميم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل ما تقول ويقتدى بالقول منك وينفع التعليم فالعمى عن عيب الواعظ : من شروط تمام الانتفاع بموعظته وأما تذكر الوعد والوعيد : فإن ذلك يوجب خشيته والحذر منه ولا تنفع الموعظة إلا لمن آمن به وخافه ورجاه قال الله تعالى إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة هود : 103 ] وقال : سيذكر من يخشى الأعلى : 10 ] وقال : إنما أنت منذر من يخشاها النازعات : 45 ] وأصرح من ذلك قوله تعالى فذكر بالقرآن من يخاف وعيد بالوعد والوعيد وذكره : شرط في الانتفاع بالعظات والآيات والعبر يستحيل حصوله بدونه قال وإنما تستبصر العبرة بثلاثة أشياء : بحياة العقل ومعرفة الأيام والسلامة من الأغراض إنما تتميز العبرة وترى وتتحقق بحياة العقل و العبرة هي الاعتبار وحقيقتها : العبور من حكم الشيء إلى حكم مثله فإذا رأى من قد أصابته محنة وبلاء لسبب ارتكبه علم أن حكم من ارتكب ذلك السبب كحكمه وحياة العقل : هي صحة الإدراك وقوة الفهم وجودته وتحقق الانتفاع بالشيء والتضرر به وهو نور يخص الله به من يشاء من خلقه وبحسب تفاوت الناس في قوة ذلك النور وضعفه ووجوده وعدمه يقع تفاوت أذهانهم وأفهامهم وإدراكاتهم ونسبته إلى القلب كنسبة النور الباصر إلى العين ومن تجريبات السالكين التي جربوها فألفوها صحيحة : أن من أدمن يا حي ياقيوم لا إله إلا أنت أورثه ذلك حياة القلب والعقل وكان شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه شديد اللهج بها جدا وقال لي يوما : لهذين الاسمين وهما الحي القيوم تأثير عظيم في حياة القلب وكان يشير إلى أنهما الاسم الأعظم وسمعته يقول : من واظب على أربعين مرة كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر ياحي ياقيوم لاإله إلا أنت برحمتك أستغيث حصلت له حياة القلب ولم يمت قلبه ومن علم عبوديات الأسماء الحسنى والدعاء بها وسر ارتباطها بالخلق والأمر وبمطالب العبد وحاجاته عرف ذلك وتحققه فإن كل مطلوب يسأل بالمناسب له فتأمل أدعية القرآن والأحاديث النبوية تجدها كذلك وأما معرفة الأيام : فيحتمل أن يريد به أيامه التى تخصه وما يلحقه فيها من الزيادة والنقصان ويعلم قصرها وأنها أنفاس معدودة منصرمة كل نفس منها يقابله آلاف آلاف من السنين في دار البقاء فليس لهذه الأيام الخالية قط نسبة إلى أيام البقاء والعبد منساق زمنه وفي مدة العمر إلى النعيم أو إلى الجحيم وهي كمدة المنام لمن له عقل حي وقلب واع فما أولاه أن لايصرف منها نفسا إلا في أحب الأمور إلى الله فلو صرفه فيما يحبه وترك الأحب لكان مفرعطا فكيف إذا صرفه فيمالا ينفعه فكيف إذا صرفه فيما يمقته عليه ربه فالله المستعان ولا قوة إلا به ويحتمل أن يريد بالأيام أيام الله التي أمر رسله بتذكير أممهم بها كما قال تعالى ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إبراهيم : 5 ] وقد فسرت أيام الله بنعمه وفسرت بنقمة من أهل الكفر والمعاصي فالأول تفسير ابن عباس وأبي بن كعب ومجاهد والثاني : تفسير مقاتل والصواب : أن أيامه تعم النوعين وهي وقائعه التي أوقعها بأعدائه ونعمه التي ساقها إلى أوليائه وسميت هذه النعم والنقم الكبار المتحدث بها أياما لأنها ظرف لها تقول العرب فلان عالم بأيام العرب وأيام الناس أي بالوقائع التي كانت في تلك الأيام فمعرفة هذه الأيام توجب للعبد استبصار العبر وبحسب معرفته بها تكون عبرته وعظته قال الله تعالى لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب يوسف : 111 ] ولا يتم ذلك إلا بالسلامة من الأغراض وهي متابعة الهوى والانقياد لداعي النفس الأمارة بالسوء فإن اتباع الهوى يطمس نور العقل ويعمي بصيرة القلب ويصد عن اتباع الحق ويضل عن الطريق المستقيم فلا تحصل بصيرة العبرة معه ألبتة والعبد إذا اتبع هواه فسد رأيه ونظره فأرته نفسه الحسن في صورة القبيح والقبيح في صورة الحسن فالتبس عليه الحق بالباطل فأنى له الانتفاع بالتذكر والتفكر أو بالعظة
فصل قال : وإنما تجتنى ثمرة الفكرة بثلاثة أشياء : بقصر الأمل والتأمل في القرآن وقلة الخلطة والتمني والتعلق بغير الله والشبع والمنام يعنى : أن في منزل التذكر تجتني ثمرة الفكرة لأنه أعلى منها وكل مقام تجتنى ثمرته في الذي هو أعلى منه ولا سيما على ما قرره في خطبة كتابه أن كل مقام يصحح ما قبله ثم ذكر أن هذه الثمرة تجتنى بثلاثة أشياء أحدها : قصر الأمل والثاني : تدبر القرآن والثالث : تجنب مفسدات القلب الخمسة فأما قصر الأمل : فهو العلم بقرب الرحيل وسرعة انقضاء مدة الحياة وهو من أنفع الأمور للقلب فإنه يبعثه على معافصة الأيام وانتهاز الفرص التي تمر مر السحاب ومبادرة طي صحائف الأعمال ويثير ساكن عزماته إلى دار البقاء ويحثه على قضاء جهاز سفره وتدارك الفارط ويزهده في الدنيا ويرغبه في الآخرة فيقوم بقلبه إذا داوم مطالعة قصر الأمل شاهد من شواهد اليقين يريه فناء الدنيا وسرعة انقضائها وقلة ما بقي منها وأنها قد ترحلت مدبرة ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها وأنها لم يبق منها إلا كما بقي من يوم صارت شمسه على رءوس الجبال ويريه بقاء الآخرة ودوامها وأنها قد ترحلت مقبلة وقد جاء أشراطها وعلاماتها وأنه من لقائها كمسافر خرج صاحبه يتلقاه فكل منهما يسير إلى الآخر فيوشك أن يلتقيا سريعا ويكفى فى قصر الأمل قوله تعالى : أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون الشعراء : 20520 وقوله تعالى ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم يونس : 45 ] وقوله تعالى : كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها وقوله تعالى قالوا لبثنا يوما أوبعض يوم فاسأل العادين قال : إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون المؤمنون : 1131 وقوله تعالى كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون وقوله تعالى يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة : إن لبثتم إلا يوما طه : 103104 ] وخطب النبيأصحابه يوما والشمس على رءوس الجبال فقال : إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه ومر رسول اللهببعض أصحابه وهم يعالجون خصا لهم قد وهى وهم يصلحونه فقال : ما هذا قالوا : خص لنا قد وهى فنحن نعالجه فقال : ما أرى الأمر إلا أعجل من هذا وقصر الأمل بناؤه على أمرين : تيقن زوال الدنيا ومفارقتها وتيقن لقاء الآخرة وبقائها ودوامها ثم يقايس بين الأمرين ويؤثر أولاهما بالإيثار فصل وأما التأمل في القرآن : فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه وجمع
الفكر على تدبره وتعقله وهو المقصود بإنزاله لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر قال الله تعالى : كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ص : 29 ] وقال تعالى أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها محمد : 24 ] وقال تعالى أفلم يدبروا القول المؤمنون : 68 ] وقال تعالى إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون الزخرف : 3 ] وقال الحسن : نزل القرآن ليتدبر ويعمل به فاتخذوا تلاوته عملا فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته : من تدبر القرآن وإطالة التأمل وجمع منه الفكر على معاني آياته فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما ومآل أهلهما وتتل في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة وتثبت قواعد الإيمان في قلبه وتشيد بنيانه وتوطد أركانه وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه وتحضره بين الأمم وتريه أيام الله فيهم وتبصره مواقع العبر وتشهده عدل الله وفضله وتعرفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله وما يحبه وما يبغضه وصراطه الموصل إليه وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه وقواطع الطريق وآفاتها وتعرفه النفس وصفاتها ومفسدات الأعمال ومصححاتها وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم وأحوالهم وسيماهم ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه وافتراقهم فيما يفترقون فيه وبالجملة : تعرفه الرب المدعو إليه وطريق الوصول اليه وما له من الكرامة إذا قدم عليه وتعرفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى : ما يدعو إليه الشيطان والطريق الموصلة إليه وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه فهذه ستة أمور ضرورية للعبد معرفتها ومشاهدتها ومطالعتها فتشهده الآخرة حتى كأنه فيها وتغيبه عن الدنيا حتى كأنه ليس فيها وتميز له بين الحق والباطل في كل ما اختلف فيه العالم فتريه الحق حقا والباطل باطلا وتعطيه فرقانا ونورا يفرق به بين الهدى والضلال والغي والرشاد وتعطيه قوة في قلبه وحياة وسعة وانشراحا وبهجة وسرورا فيصير في شأن والناس فى شأن آخر فإن معاني القرآن دائرة على التوحيد وبراهينه والعلم بالله وماله من أوصاف الكمال وما ينزه عنه من سمات النقص وعلى الإيمان بالرسل وذكر براهين صدقهم وأدلة صحة نبوتهم والتعريف بحقوقهم وحقوق مرسلهم وعلى الإيمان بملائكته وهم رسله في خلقه وأمره وتدبيرهم الأمور بإذنه ومشيئته وما جعلوا عليه من أمر العالم العلوي والسفلي وما يختص بالنوع الإنسانى منهم من حين يستقر في رحم أمه إلى يوم يوافي ربه ويقدم عليه وعلى الإيمان باليوم الآخر وما أعد الله فيه لأوليائه من دار النعيم المطلق التى لا يشعرون فيها بألم ولا نكد ولا تنغيص وما أعد لأعدائه من دار العقاب الوبيل التى لا يخالطها سرور ولا رخاء ولا راحة ولا فرح وتفاصيل ذلك أتم تفصيل وأبينه وعلى تفاصيل الأمر والنهي والشرع والقدر والحلال والحرام والمواعظ والعبر والقصص والأمثال والأسباب والحكم والمبادىء والغايات في خلقه وأمره فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل وتحثه على التضمر والتخفف للقاء اليوم الثقيل وتهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل وتصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل وتبعثه على الازدياد من النعم بشكر ربه الجليل وتبصره بحدود الحلال والحرام وتوقفه عليها لئلا يتعداها فيقع في العناء الطويل وتثبت قلبه عن الزيغ والميل عن الحق والتحويل وتسهل عليه الأمور الصعاب والعقبات الشاقة غاية التسهيل وتناديه كلما فترت عزماته وونى في سيره : تقدم الركب وفاتك الدليل فاللحاق اللحاق والرحيل الرحيل وتحدو به وتسير أمامه سير الدليل وكلما خرج عليه كمين من كمائن العدو أو قاطع من قطاع الطريق نادته : الحذر الحذر فاعتصم بالله واستعن به وقل : حسبي الله ونعم الوكيل وفي تأمل القرآن وتدبره وتفهمه : أضعاف أضعاف ما ذكرنا من الحكم والفوائد وبالجملة : فهو أعظم الكنوز طلسمه الغوص بالفكر إلى قرار معانيه : نزه فؤادك عن سوى روضاته فرياضه حل لكل منزه والفهم طلسم لكنز علومه فاقصد إلى الطلسم تحظ بكنزه
لا تخش من بدع لهم وحوادث ما دمت فى كنف الكتاب وحرزه من كان حارسه الكتاب ودرعه لم يخش من طعن العدو ووخزه لا تخش من شبهاتهم واحمل إذا ما قابلتك بنصره وبعزه والله ما هاب امرؤ شبهاتهم إلا لضعف القلب منه وعجزه يا ويح تيس ظالع يبغي مسا بقة الهزبر بعدوه وبجمزه ودخان زبل يرتقى للشمس يس تر عينها لما سرى فى أزه وجبان قلب أعزل قد رام يأس ر فارسا شاكى السلاح بهزه فصل وأما مفسدات القلب الخمسة : فهي التي أشار إليها : من كثرة
الخلطة والتمني والتعلق بغير الله والشبع والمنام فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب فنذكر آثارها التي اشتركت فيها وما تميز به كل واحد منها اعلم أن القلب يسير إلى الله عز وجل والدار الآخرة ويكشف عن طريق الحق ونهجه وآفات النفس والعمل وقطاع الطريق بنوره وحياته وقوته وصحته وعزمه وسلامة سمعه وبصره وغيبه الشواغل والقوطع عنه وهذه الخمسة تطفىء نوره وتعور عين بصيرته وتثقل سمعه إن لم تصمه وتبكمه وتضعف قواه كلها وتوهن صحته وتفتر عزيمته وتوقف همته وتنكسه إلى وراءه ومن لا شعور له بهذا فميت القلب وما لجرح بميت إيلام فهي عائقة له عن نبل كماله قاطعه له عن الوصول إلى ما خلق له وجعل نعيمه وسعادته وابتهاجه ولذته في الوصول إليه فإنه لا نعيم له ولا لذة ولا ابتهاج ولا كمال إلا بمعرفة الله ومحبته والطمأنينة بذكره والفرح والابتهاج بقربه والشوق إلى لقائه فهذه جنته العاجلة كما أنه لا نعيم له في الآخرة ولا فوز إلا بجواره في دار النعيم في الجنه الآجلة فله جنتان لا يدخل الثانية منهما إن لم يدخل الأولى وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة وقال بعض العارفين : إنه ليمر بالقلب أوقات أقول : إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب وقال بعض المحبين : مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها قالوا : وما أطيب ما فيها قال : محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه والإقبال عليه والإعراض عما سواه أو نحو هذا من الكلام وكل من له قلب حى يشهد هذا ويعرفه ذوقا وهذه الأشياء الخمسة : قاطعة عن هذا حائلة بين القلب وبينه عائقة له عن سيره ومحدثة له أمراضا وعللا إن لم يتداركها المريض خيف عليه منها فأما ما تؤثره كثرة الخلطة : فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسود ويوجب له تشتتا وتفرقا وهما وغما وضعفا وحملا لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء وإضاعة مصاحله والاشتغال عنها بهم وبأمورهم وتقسم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة هذا وكم جلبت خلطة الناس من نقمة ودفعت من نعمة وأنزلت من منحة وعطلت من منحة وأحلت من رزية وأوقعت في بلية وهل آفة الناس إلا الناس وهل كان على أبي طالب عند الوفاة أضر من قرناء السوء لم يزالوا به حتى حالوا بينه وبين كلمة واحدة توجب له سعادة الأبد وهذه الخلطة التي تكون على نوع مودة في الدنيا وقضاء وطر بعضهم من بعض تنقلب إذا حقت الحقائق عداوة ويعض المخلط عليها يديه ندما كما قال تعالى : ويوم يعض الظالم على يديه يقول : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني الفرقان : 2729 ] وقال تعالى : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين الزخرف : 67 ] وقال خليله إبراهيم لقومه إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار ومالكم من ناصرين العنكبوت : 25 ] وهذا شأن كل مشتركين في غرض يتوادون ما داموا متساعدين على حصوله فإذا انقطع ذلك الغرض أعقب ندامة وحزنا وألما وانقلبت تلك المودة بغضا ولعنة وذما من بعضهم لبعض لما انقلب ذلك الغرض حزنا وعذابا كما يشاهد في هذه الدار من أحوال المشتركين في خزيه إذا أخذوا وعوقبوا فكل متساعدين على باطل متوادين عليه : لا بد أن تنقلب مودتهما بغضا وعداوة والضابط النافع في أمر الخلطة : أن يخالط الناس في الخير كالجمعة والجماعة والأعياد والحج وتعلم العلم والجهاد والنصيحة ويعتزلهم في الشر وفضول المباحات فإذا دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشر ولم يمكنه اعتزالهم : فالحذر الحذر أن يوافقهم وليصبر على أذاهم فإنهم لا بد أن يؤذوه إن لم يكن له قوة ولا ناصر ولكن أذى يعقبه عز ومحبة له وتعظيم وثناء عليه منهم ومن المؤمنين ومن رب العالمين وموافقتهم يعقبها ذل وبغض له ومقت وذم منهم ومن المؤمنين ومن رب العالمين فالصبر على أذاهم خير وأحسن عاقبة وأحمد مآلا وإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعة لله إن أمكنه ويشجع نفسه ويقوي قلبه ولا يلتفت إلى الوارد الشيطاني القاطع له عن ذلك بأن هذا رياء ومحبة لإظهار علمك وحالك ونحو ذلك فليحاربه وليستغن بالله ويؤثر فيهم من الخير ما أمكنه فإن أعجزته المقادير عن ذلك فليسل قلبه من بينهم كسل الشعرة من العجين وليكن فيهم حاضرا غائبا قريبا بعيدا نائما يقظانا ينظر إليهم ولا يبصرهم ويسمع كلامهم ولا يعيه لأنه قد أخذ قلبه من بينهم ورقى به إلى الملأ الأعلى يسبح حول العرش مع الأرواح العلوية الزكية وما أصعب هذا وأشقه على النفوس وإنه ليسير على من يسره الله عليه فبين العبد وبينه أن يصدق الله تبارك وتعالى ويديم اللجأ إليه ويلقي نفسه على بابه طريحا ذليلا ولا يعين على هذا إلا محبة صادقة والذكر الدائم بالقلب واللسان وتجنب المفسدات الأربع الباقية الآتي ذكرها ولا ينال هذا إلا بعدة صالحة ومادة قوة من الله عز وجل وعزيمة صادقة وفراغ من التعلق بغير الله تعالى والله تعالى أعلم
فصل المفسد الثاني : من مفسدات القلب ركوبه بحر التمنى وهو بحر لا ساحل له وهو البحر الذي يركبه مفاليس العالم كما قيل إن المنى رأس أموال المفاليس وبضاعة ركابه مواعيد الشيطان وخيالات المحال والبهتان فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة والخيالات الباطلة تتلاعب براكبه كما تتلاعب الكلاب بالجيفة وهي بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية ليست لها همة تنال بها الحقائق الخارجية بل أعتاضت عنها بالأماني الذهبية وكل بحسب حاله : من متمن للقدرة والسلطان وللضرب فى الأرض والتطراف في البلدان أو للأموال والأثمان أو للنسوان والمردان فيمثل المتمني صورة مطلوبه في نفسه وقد فاز بوصولها والتذ بالظفر بها مبيننا هو على هذه الحال إذ استيقظ فإذا يده والحصير وصاحب الهمة العلية أمانيه حائمة حول العلم والإيمان والعمل الذى يقربه إلى الله ويدنيه من جواره فأماني هذا إيمان ونور وحكمة وأماني أولئك خدع وغرور وقد مدح النبيمتمني الخير وربما جعل أجره في بعض الأشياء كأجر فاعله كالقائل : لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان الذي يتقي في ماله ربه ويصل فيه رحمه ويخرج منه حقه وقال : هما في الأجر سواء وتمنى في حجة الوداع : أنه لو كان تمتع وحل ولم يسق الهدي وكان قد قرن فأعطاه الله ثواب القران بفعله وثواب التمتع الذي تمناه بأمنيته فجمع له بين الأجرين فصل المفسد الثالث من مفسدات القلب التعلق بغير الله تبارك وتعالى وهذا أعظم مفسداته على الإطلاق فليس عليه أضر من ذلك ولا أقطع له عن مصالحه وسعادته منه فإنه إذا تعلق بغير الله وكله الله إلى ما تعلق به وخذله من جهة ما تعلق به وفاته تحصيل مقصوده من الله عز وجل بتعلقه بغيره والتفاته إلى سواه فلا على نصيبه من الله حصل ولا إلى ما أمله ممن تعلق به وصل قال الله تعالى : واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا مريم : 8182 ] وقال تعالى : واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرونلا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون يس : 7475 ] فأعظم الناس خذلانا من تعلق بغير الله فإن مافاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به وهو معرض للزوال والفوات ومثل المتعلق بغير الله : كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت وبالجملة : فأساس الشرك وقاعدته التي بنى عليها : التعلق بغير الله ولصاحبه الذم والخذلان كما قال تعالى : لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا الإسراء : 22 ] مذموما لا حامد لك مخذولا لا ناصر لك إذ قد يكون بعض الناس مقهورا محمودا كالذي قهر بباطل وقد يكون مذموما منصورا كالذي قهر وتسلط عليه بباطل وقد يكون محمودا منصورا كالذي تمكن وملك بحق والمشرك المتعلق بغير الله قسمه أردأ الأقسام الأربعة لا محمود ولا منصور فصل المفسد الرابع من مفسدات القلب : الطعام والمفسد له من ذلك نوعان :
أحدهما ما يفسده لعينه وذاته كالمحرمات وهي نوعان : محرمات لحق الله كالميتة والدم ولحم الخنزير وذي الناب من السباع والمخلب من الطير ومحرمات لحق العباد كالمسروق والمغصوب والمنهوب وما أخذ بغير رضى صاحبه إما قهرا وإما حياء وتذمما والثاني : ما يفسده بقدره : وتعدي حده كالإسراف في الحلال والشبع المفرط فإنه يثقله عن الطاعات ويشغله بمزاولة مؤنة البطنة ومحاولتها حتى يظفر بها فإذا ظفر بها شغله بمزاولة تصرفها ووقاية ضررها والتأذى بثقلها وقوى عليه مواد الشهوة وطرق مجاري الشيطان ووسعها فإنه يجرى من ابن آدم مجرى الدم فالصوم يضيق مجاريه ويسد عليه طرقها والشبع يطرقها ويوسعها ومن أكل كثيرا شرب كثيرا فنام كثيرا فخسر كثيرا وفي الحديث المشهور : ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا بد فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ويحكى أن إبليس لعنه الله عرض ليحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام فقال له يحيى : هل نلت مني شيئا قط قال : لا إلا أنه قدم إليك الطعام ليلة فشهيته إليك حتى شبعت منه فنمت عن وردك فقال يحيى : الله علي أن لا أشبع من طعام أبدا فقال إبليس : وأنا لله علي أن لا أنصح آدمي أبدا فصل المفسد الخامس كثرة النوم فإنه يميت القلب ويثقل البدن ويضيع الوقت ويورث كثرة الغفلة والكسل ومنه المكروه جدا ومنه الضار غير النافع للبدن وأنفع النوم : ما كان عند شدة الحاجة إليه ونوم أول الليل أحمد وأنفع من آخره ونوم وسط النهار أنفع من طرفيه وكلما قرب النوم من الطرفين قل نفعه وكثر ضرره ولا سيما نوم العصر والنوم أول النهار إلا لسهران ومن المكروه عندهم : النوم بين صلاة الصبح وطلوع الشمس فإنه وقت غنيمة وللسير ذلك الوقت عند السالكين مزية عظيمة حتى لو ساروا طول ليلهم لم يسمحوا بالقعود عن السير ذلك الوقت حتى تطلع الشمس فإنه أول النهار ومفتاحه ووقت نزول الأرزاق وحصول القسم وحلول البركة ومنه ينشأ النهار وينسحب حكم جميعه على حكم تلك الحصة فينبغى أن يكون نومها كنوم المضطر وبالجملة فأعدل النوم وأنفعه : نوم نصف الليل الأول وسدسه الأخير وهو مقدار ثمان ساعات وهذا أعدل النوم عند الأطباء وما زاد عليه أو نقص منه أثر عندهم في الطبيعة انحرافا بحسبه ومن النوم الذي لا ينفع أيضا : النوم أول الليل عقيب غروب الشمس حتى تذهب فحمة العشاء وكان رسول اللهيكرهه فهو مكروه شرعا وطبعا وكما أن كثرة النوم مورثة لهذه الآفات فمدافعته وهجره مورث لآفات أخرى عظام : من سوء المزاج ويبسه وانحراف النفس وجفاف الرطوبات المعينة على الفهم والعمل ويورث أمراضا متلفة لا ينتفع صاحبها بقلبه ولا بدنه معها وما قام الوجود إلا بالعدل فمن اعتصم به فقد أخذ بحظه من مجامع الخير وبالله المستعان فصل ثم ينزل القلب منزل الاعتصام وهو نوعان : اعتصام بالله واعتصام
بحبل الله قال الله تعالى : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا آل عمران : 103 ] وقال : واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير الحج : 78 و الاعتصام افتعال من العصمة وهو التمسك بما يعصمك ويمنعك من المحذور والمخوف فالعصمة : الحمية والاعتصام : الاحتماء ومنه سميت القلاع : العواصم لمنعها وحمايتها ومدار السعادة الدنيوية والأخروية : على الاعتصام بالله والاعتصام بحبله ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين فأما الاعتصام بحبله : فإنه يعصم من الضلالة والاعتصام به : يعصم من الهلكة فإن السائر إلى الله كالسائر على طريق نحو مقصده فهو محتاج إلى هداية الطريق والسلامة فيها فلا يصل إلى مقصده إلا بعد حصول هذين الأمرين له فالدليل كفيل بعصمته من الضلالة وأن يهديه إلى الطريق والعدة والقوة والسلاح التى بها تحصل له السلامة من قطاع الطريق وآفاتها نالاعتصام بحبل الله : يوجب له الهداية واتباع الدليل والاعتصام بالله يوجب له القوة والعدة والسلاح والمادة التي يستلئم بها فى طريقه ولهذا اختلفت عبارات السلف في الاعتصام بحبل الله بعد إشارتهم كلهم إلى هذا المعنى فقال ابن عباس : تمسكوا بدين الله وقال ابن مسعود : هو الجماعة وقال : عليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة وقال مجاهد وعطاء : بعهد الله وقال قتادة والسدي وكثير من أهل التفسير هو القرآن قال ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي : إن هذا القرآن هو حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع وعصمة من تمسك به ونجاة من تبعه وقال علي بن أبي طالب رضى الله عنه عن النبيفي القرآن : هو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تختلف به الألسن ولا يخلق على كثرة الرد ولا يشبع منه العلماء وقال مقاتل : بأمر الله وطاعته ولا تفرقوا كما تفرقت اليهود والنصارى وفي الموطأ من حديث مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول اللهقال : إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ويسخط لكم : قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال رواه مسلم في الصحيح قال صاحب المنازل : الاعتصام بحبل الله : هو المحافظة على طاعته مراقبا لأمره ويريد بمراقبة الأمر : القيام بالطاعة لأجل أن الله أمر بها وأحبها لا لمجرد العادة أو لعلة باعثة سوى امتثال الأمر كما قال طلق بن حبيب رضي الله عنه في التقوى : هى العمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله وهذا هو الإيمان والاحتساب المشار إليه فى كلام النبيكقوله من صام رمضان إيمانا واحتسابا ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له فالصيام والقيام : هو الطاعة و الإيمان مراقبة الأمر وإخلاص الباعث : هو أن يكون الإيمان الآمر لا شيء سواه و الاحتساب رجاء ثواب الله فالاعتصام بحبل الله يحمي من البدعة وآفات العمل والله أعلم فصل وأما الاعتصام به : فهو التوكل عليه والامتناع به والاحتماء به وسؤاله أن يحمي العبد ويمنعه ويعصمه ويدفع عنه فإن ثمرة الاعتصام به : هو الدفع عن العبد والله يدافع عن الذين آمنوا فيدفع عن عبده المؤمن إذا اعتصم به كل سبب يفضي به إلى العطب ويحميه منه فيدفع عنه الشبهات والشهوات وكيد عدوه الظاهر والباطن وشر نفسه ويدفع عنه موجب أسباب الشر بعد انعقادها بحسب قوة الاعتصام به وتمكنه فتفقد في حقه أسباب العطب فيدفع عنه موجباتها ومسبباتها ويدفع عنه قدره بقدره وإرادته بإرادته ويعيذه به منه فصل وأما صاحب المنازل فقال : الاعتصام بالله الترقي عن كل موهوم الموهوم
عنده ما سوى الله تعالى و الترقي عنه الصعود من شهود نفعه وضره وعطائه ومنعه وتأثيره إلى الله تعالى وهذه إشارة إلى الفناء ومراده : الصعود عن شهود ما سوى الله إلى الله والكمال في ذلك : الصعود عن إرادة ما سوى الله إلى إرادته والاتحادي يفسره بالصعود عن وجود ما سواه إلى وجوده بحيث لا يرى لغيره وجودا ألبتة ويرى وجود كل موجود هو وجوده فلا وجود لغيره إلا في الوهم الكاذب عنده قال : وهو على ثلاث درجات : اعتصام العامة بالخبر استسلاما وإذعانا بتصديق الوعد والوعيد وتعظيم الأمر والنهي وتأسيس المعاملة على اليقين والانصاف يعني أن العامة اعتصموا بالخبر الوارد عن الله استسلاما من غير منازعة بل إيمانا واستسلاما وانقادوا إلى تعظيم الأمر والنهي والإذعان لهما والتصديق بالوعد والوعيد وأسسوا معاملتهم على اليقين لا على الشك والتردد وسلوك طريقة الاحتياط كما قال القائل : زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأجساد قلت : إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما هذه طريق أهل الريب والشك يقومون بالأمر والنهي احتياطا وهذه الطريق لا تنجي من عذاب الله ولا تحصل لصاحبها السعادة ولا توصله إلى المأمن وأما الإنصاف الذي أسسوا معاملتهم عليه : فهو الإنصاف في معاملتهم لله ولخلقه فأما الإنصاف في معاملة الله : فأن يعطى العبودية حقها وأن لا ينازع ربه صفات إلهيته التي لا تليق بالعبد ولا تنبغي له : من العظمة والكبرياء والجبروت ومن إنصافه لربه : أن لا يشكر سواه على نعمه وينساه ولا يستعين بها على معاصيه ولا يحمد على رزقه غيره ولا يعبد سواه كما في الأثر الإلهي إني والجن والإنس في نبإ عظيم : أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر سواي وفي أثر آخر : ابن آدم : ما أنصفتني خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد أتحبب إليك بالنعم وأنا عنك غني وتتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقير إلي ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح وفي أثر آخر : يا ابن آدم ما من يوم جديد إلا يأتيك من عندي رزق جديد وتأتي عنك الملائكة بعمل قبيح تأكل رزقي وتعصيني وتدعوني فأستجيب لك وتسألني فأعطيك وأنا أدعوك إلى جنتي فتأبى ذلك وما هذا من الإنصاف وأما الإنصاف في حق العبيد : فأن يعاملهم مثل ما يحب أن يعاملوه به ولعمر الله هذا الذي ذكر أنه اعتصام العامة : هو اعتصام خاصة الخاصة في الحقيقة ولكن الشيخ ممن رفع له علم الفناء فشمر إليه فلا تأخذه فيه لومة لائم ولا يرى مقاما أجل منه فصل قال : واعتصام الخاصة : بالانقطاع وهو صون الإرادة قبضا وإسبال الخلق
عن الخلق بسطا ورفض العلائق عزما وهو التمسك بالعروة الوثقى يريد انقطاع النفس عن أغراضها من هذه الوجوه الثلاثة فيصون إرادته ويقبضها عما سوى الله سبحانه وهذا شبيه بحال أبي يزيد رحمه الله فيما أخبر به عن نفسه لما قيل له : ما تريد فقال : أريد أن لا أريد الثاني : إسبال الخلق على الخلق بسطا وهذا حقيقة التصوف فإنه كما قال أبو بكر الكتانى : التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف فإن حسن الخلق وتزكية النفس بمكارم الأخلاق : يدل على سعة قلب صاحبه وكرم نفسه وسجيته وفي هذا الوصف : يكف الأذى ويحمل الأذى ويوجد الراحة ويدير خده الأيسر لمن لطم الأيمن ويعطي رداءه لمن سلبه قميصه ويمشى ميلين مع من سخره ميلا وهذا علامة انقطاعه عن حظوظ نفسه وأغراضها وأما رفض العلائق عزما : فهو العزم التام على رفض العلائق وتركها في ظاهره وباطنه والأصل هو قطع علائق الباطن فمتى قطعها لم تضره علائق الظاهر فمتى كان المال في يدك وليس في قلبك لم يضرك ولو كثر ومتى كان في قلبك ضرك ولو لم يكن في يدك منه شيء قيل للإمام أحمد : الرجل زاهدا ومعه ألف دينار قال : نعم على شريطة ألالا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت ولهذا كان الصحابة أزهد الأمة مع ما بأيديهم من الأموال وقيل لسفيان الثورى : أيكون ذو المال زاهدا قال : نعم إن كان إذا زيد فى ماله شكر وإن نقص شكر وصبر وإنما يحمد قطع العلائق الظاهرة في موضعين : حيث يخاف منها ضررا في دينه أو حيث لا يكون فيها مصلحة راجحة والكمال من ذلك : قطع العلائق التى تصير كلاليب على الصراط تمنعه من العبور وهي كلاليب الشهوات والشبهات ولا يضره ما تعلق به بعدها فصل قال : واعتصام خاصة الخاصة : بالاتصال وهو شهود الحق تفريدا بعد
الاستحذاء له تعظيما والاشتغال به قربا لما كان ذلك الانقطاع موصلا إلى هذا الاتصال : كان ذلك للمتوسطين وهذا عنده لأهل الوصول ويعني بشهود الحق تفريدا : أن يشهد الحق سبحانه وحده منفردا ولا شيء معه وذلك لفناء الشاهد في الشهود والحوالة في ذلك عند القوم : على الكشف وقد تقدم أن هذا ليس بكمال وأن الكمال : أن يفنى بمراده عن مراد نفسه وأما فناؤه بشهوده عن شهود ما سواه : فدون هذا الفناء في الرتبة كما تقدم وأما قوله : بعد الاستحذاء له تعظيما فالشيخ لكثرة لهجه بالاستعارات عبر عن معنى لطيف عظيم بلفظة الاستحذاء التي هي استفعال من المحاذاة وهي المقابلة التي لا يبقى فيها جزء من المحاذي خارجا عما حاذاه بل قد واجهه وقابله بكليته وجميع أجزائه ومراده بذلك : القرب وارتفاع الوسائط المانعة منه ولا ريب أن العبد يقرب من ربه والرب يقرب من عبده فأما قرب العبد : فكقوله تعالى : واسجد واقترب [ العلق : 19 ] وقوله فى الأثر الإلهي من تقرب منى شبرا تقربت منه ذراعا وكقوله : وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي وفي الحديث الصحيح : أقرب ما يكون الرب من عبده : فى جوف الليل الأخير وفي الحديث أيضا أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وفي الحديث الصحيح لما ارتفعت أصواتهم بالتكبير مع النبيفي السفر فقال : يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته فعبر الشيخ رحمه الله عن طلب القرب منه ورفض الوسائط الحائلة بينه وبين القرب المطلوب الذي لا تقر عيون عابديه وأوليائه إلا به : بالاستحذاء وحقيقته : موافاة العبد إلى حضرته وقدامه وبين يديه عكس حال من نبذه وراءه ظهريا وأعرض عنه ونأى بجانبه بمنزلة من ولى المطاع ظهره ومال بشقه عنه وهذا الأمر لا يدرك معناه إلا بوجوده وذوقه وأحسن ما يعبر عنه : بالعبارة النبوية المحمدية وأقرب عبارات القوم : أنه التقريب برفع الوسائط التى بارتفاعها يحصل للعبد حقيقة التعظيم فلذلك قال الاستحذاء له تعظيما ومن أراد فهم هذا كما ينبغي فعليه بفهم اسمه تعالى الباطن وفهم اسمه القريب مع امتلاء القلب بحبه ولهج اللسان بذكره ومن ههنا يؤخذ العبد إلى الفناء الذى كان مشمرا إليه عاملا عليه فإن كان مشمرا إلى الفناء المتوسط وهو الفناء عن شهود السوى لم يبق فى قلبه شهود لغيره ألبتة بل تضمحل الرسوم وتفنى الإشارات ويفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل وفى هذا المقام يجيب داعي الفناء طوعا ورغبة لا كرها لأن هذا المقام امتزج فيه الحب بالتعظيم مع القرب وهو منتهى سفر الطالبين لمقام الفناء وإن كان العبد مشمرا للفناء العالي وهو الفناء عن إرادة السوى : لم يبق في قلبه مراد يزاحم مراده الديني الشرعي النبوي القرآني بل يتحد المرادان فيصير عين مراد الرب هو مراد العبد وهذا حقيقة المحبة الخالصة وفيها يكون الاتحاد الصحيح وهو الاتحاد في المراد لا في المريد ولا في الإرادة فتدبر هذا الفرقان في هذا الموضع الذى طالما زلت فيه أقدام السالكين وضلت فيه أفهام الواجدين وفي هذا المقام حقيقة يفنى من لم يكن إرادة وإيثارا ومحبة وتعظيما وخوفا ورجاء وتوكلا ويبقى من لم يزل وفيه ترتفع الوسائط بين الرب والعبد حقيقة ويحصل له الاستحذاء المذكور مقرونا بغاية الحب وغاية التعظيم وفي هذا المقام : يجيب داعي الفناء في المحبة طوعا واختيارا لا كرها بل ينجذب إليه انجذاب قلب المحب وروحه الذي قد ملأت المحبة قلبه بحيث لم يبق فيه جزء فارغ منها إلى محبوبه الذي هو أكمل محبوب وأجله وأحقه بالحب وهذا الفناء أوجبه الحب الكامل الممتزج بالتعظيم والإجلال والقرب ومحو ما سوى مراد المحبوب من القلب بحيث لم يبق في القلب إلا المحبوب ومراده وهذا حقيقة الاعتصام به وبحبله والله المستعان وأما قوله : والاشتغال به قربا أي يشغله قرب الحق عن كل ما سواه وهذا حقيقة القرب ألا ترى أن القريب من السلطان جداالمقبل عليه المكلم له : لا يشتغل بشيء سواه ألبتة فعلى قدر القرب من الله يكون اشتغال العبد به والله أعلم
فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الفرار
قال الله تعالى : ففروا إلى الله الذاريات : 50 ] وحقيقة الفرار : الهرب من شيء إلى شيء وهو نوعان : فرار السعداء وفرار الأشقياء ففرار السعداء : الفرار إلى الله عز وجل وفرار الأشقياء : الفرار منه لا إليه وأما الفرار منه إليه : ففرار أوليائه قال ابن عباس في قوله تعالى : ففروا إلى الله الذاريات : 50 ] : فروا منه إليه واعملوا بطاعته وقال سهل بن عبدالله : فروا مما سوى الله إلى الله وقال آخرون : اهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطاعة وقال صاحب المنازل : هو الهرب مما لم يكن إلى من لم يزل وهو على ثلاث درجات : فرار العامة من الجهل إلى العلم عقدا وسعيا ومن الكسل إلى التشمير جدا وعزما ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء يريد بما لم يكن الخلق وبما لم يزل الحق وقوله : فرار العامة : من الجهل إلى العلم عقدا وسعيا الجهل نوعان : عدم العلم بالحق النافع وعدم العمل بموجبه ومقتضاه فكلاهما جهل لغة وعرفا وشرعا وحقيقة قال موسى : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين البقره : 67 ] لما قال له قومه : أتتخذنا هزوا البقره : 67 ] أى من المستهزئين وقال يوسف الصديق : وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين يوسف : 33 ] أي من مرتكبي ما حرمت عليهم وقال تعالى : إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة النساء : ] قال قتادة : أجمع أصحاب رسول اللهأن كل ما عصى الله به فهو جهالة وقال غيره : أجمع الصحابة رضي الله عنه أن كل من عصى الله فهو جاهل وقال الشاعر : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا وسمى عدم مراعاة العلم جهلا إما لأنه لم ينتفع به فنزل منزلة الجاهل وإما لجهله بسوء ما تجني عواقب فعله فالفرار المذكور : هو الفرار من الجهلين : من الجهل بالعلم إلى تحصيله اعتقادا ومعرفة وبصيرة ومن جهل العمل إلى السعي النافع والعمل الصالح قصدا وسعيا قوله ومن الكسل إلى التشمير جدا وعزما أي : يفر من إجابة داعي الكسل إلى داعي العمل والتشمير بالجد والاجتهاد و الجد ههنا هو صدق العمل وإخلاصه من شوائب الفتور ووعود التسويف والتهاون وهو تحت السين وسوف وعسى ولعل فهى أضر شىء على العبد وهي شجرة ثمرها الخسران والندامات والفرق بين الجد والعزم : أن العزم صدق الإرادة واستجماعها و الجد صدق العمل وبذل الجهد فيه وقد أمر الله سبحانه وتعالى بتلقى أوامره بالعزم والجد فقال : خذوا ما آتيناكم بقوة البقره : 63 ] وقال : وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة الأعراف : : 145 ] وقال : يا يحيى خذ الكتاب بقوة مريم : 12 ] أي بجد واجتهاد وعزم لا كمن يأخذ ما أمر به بتردد وفتور وقوله : ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء يريد هروب العبد من ضيق صدره بالهموم والغموم والأحزان والمخاوف التي تعتريه في هذه الدار من جهة نفسه وما هو خارج عن نفسه مما يتعلق بأسباب مصالحه ومصالح من يتعلق به وما يتعلق بماله وبدنه وأهله وعدوه يهرب من ضيق صدره بذلك كله إلى سعة فضاء الثقة بالله تبارك وتعالى وصدق التوكل عليه وحسن الرجاء لجميل صنعه به وتوقع المرجو من لطفه وبره ومن أحسن كلام العامة قولهم : لا هم مع الله قال الله تعالى : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب الطلاق : 23 ] قال الربيع بن خثيم : يجعل له مخرجا من كل ما ضاق على الناس وقال أبو العالية : مخرجا من كل شدة وهذا جامع لشدائد الدنيا والآخرة ومضايق الدنيا والآخرة فإن الله يجعل للمتقي من كل ما ضاق على الناس واشتد عليهم فى الدنيا والآخرة مخرجا وقال الحسن : مخرجا مما نهاه عنه ومن يتوكل على الله فهو حسبه الطلاق : 3 ] أي كافي من يثق به فى نوائبه ومهماته يكفيه كل ما أهمه و الحسب الكافي حسبنا الله التوبه : 59 ] كافينا الله وكلما كان العبد حسن الظن بالله حسن الرجاء له صادق التوكل عليه : فإن الله لا يخيب أمله فيه ألبتة فإنه سبحانه لا يخيب أمل آمل ولا يضيع عمل عامل وعبر عن الثقة وحسن الظن بالسعة فإنه لا أشرح للصدر ولا أوسع له بعد الإيمان من ثقته بالله ورجائه له وحسن ظنه به
فصل قال : وفرار الخاصة من الخبر : إلى الشهود ومن الرسوم : إلى الأصول ومن الحظوظ : إلى التجريد يعني أنهم لا يرضون أن يكون إيمانهم عن مجرد خبر حتى يترقوا منه إلى مشاهدة المخبر عنه فيطلبون الترقى من علم اليقين بالخبر إلى عين اليقين بالشهود كما طلب إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه ذلك من ربه إذ قال : رب أرنى : كيف تحيي الموتى قال : أو لم تؤمن قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي البقره : 260 ] فطلب إبراهيم أن يكون اليقين عيانا والمعلوم مشاهدا وهذا هو المعنى الذي عبر عنه النبيبالشك فى قوله نحن أحق بالشك من إبراهيم حيث قال رب أرني كيف تحيي الموتى وهولم يشك ولا إبراهيم حاشاهما من ذلك وإنما عبر عن هذا المعنى بهذه العبارة هذا أحد الأقوال في الحديث وفيه قول ثان : أنه على وجه النفي أي لم يشك إبراهيم حيث قال ما قال ولم نشك نحن وهذا القول صحيح أيضا أي لو كان ما طلبه للشك لكنا نحن أحق به منه لكن لم يطلب ما طلب شكا وإنما طلب ما طلبه طمأنينة فالمراتب ثلاث علم يقين يحصل عن الخبر ثم تتجلى حقيقة المخبر عنه للقلب أو البصر حتى يصير العلم به عين يقين ثم يباشره ويلابسه فيصير حق يقين فعلمنا بالجنة والنار الآن علم يقين فإذا أزلفت الجنة للمتقين في الموقف وبرزت الجحيم للغاوين وشاهدوهما عيانا كان ذلك عين يقين كما قال تعالى : لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين التكاثر : 67 ] فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فذلك حق اليقين وسنزيد ذلك إيضاحا إن شاء الله تعالى إذا انتهينا إليه وأما قوله : ومن الرسوم إلى الأصول فإنه يريد بالرسوم ظواهر العلم والعمل وبالأصول : حقائق الإيمان ومعاملات القلوب وأذواق الإيمان ووارداته فيفر من إحكام العلم والعمل إلى خشوع السر للعرفان فإن أرباب العزائم في السير لا يقنعون برسوم الأعمال وظواهرها ولا يعتدون إلا بأرواحها وحقائقها وما يثبته لهم التعرف الإلهي وهو نصيبهم من الأمر والتعرف الإلهي لا يقتضي مفارقة الأمر كما يظن قطاع الطريق وزنادقة الصوفية بل يستخرج منهم حقائق الأمر وأسرار العبودية وروح المعاملة فحظهم من الأمر : حظ العالم بمراد المتكلم من كلامه تصريحا وإيماء وتنبيها وإشارة وحظ غيرهم منه : حظ التالي له حفظا بلا فهم ولا معرفة لمراده وهؤلاء أحوج شيء إلى الأمر لأنهم لم يصلوا إلى تلك التعرفات والحقائق إلا به فالمحافظة عليه لهم علما ومعرفة وعملا وحالا ضرورية لا عوض لهم عنه ألبتة وهذا القدر هو الذي فات الزنادقة وقطاع الطريق من المنتسبين إلى طريقة القوم فإنهم لما علموا أن حقائق هذه الأوامر هي المطلوبة وأرواحها لا صورها وأشباحها ورسومها قالوا : نجمع هممنا على مقاصدها وحقائقها ولا حاجة لنا إلى رسومها وظواهرها بل الاشتغال برسومها اشتغال عن الغاية بالوسيلة وعن المطلوب لذاته بالمطلوب لغيره وغرهم ما رأوا فيه الواقفين مع رسوم الأعمال وظواهرها دون مراعاة حقائقها ومقاصدها وأرواحها فرأوا نفوسهم أشرف من نفوس أولئك وهممهم أعلى وأنهم المشتغلون باللب وأولئك بالقشر فتركب من تقصير هؤلاء وعدوان هؤلاء تعطيل وجملة الأمر أن هؤلاء عطلوا سره ومقصوده وحقيقته وهؤلاء عطلوا رسمه وصورته فظنوا أنهم يصلون إلى حقيقته من غير رسمه وظاهره فلم يصلوا إلا إلى الكفر والزندقة وجحدوا ما علم بالضرورة مجيء الرسل به فهؤلاء كفار زنادقة منافقون وأولئك مقصرون غير كاملين والقائمون بهذا وهذا هم الذين يرون أن الأمر متوجه إلى قلوبهم قبل جوارحهم وأن على القلب عبودية في الأمر كما على الجوارح وأن تعطيل عبودية القلب بمنزلة تعطيل عبودية الجوراح وأن كمال العبودية قيام كل من الملك وجنوده بعبوديته : فهؤلاء خواص أهل الإيمان وأهل العلم والعرفان فصل قوله ومن الحظوظ إلى التجريد يريد الفرار من حظوظ النفوس على اختلاف