İbn Abbâd er-Rundî — Gaysü'l-Mevâhib (Şerhu'l-Hikemi'l-Atâiyye)
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية لابن عباد النفزي الرندي تاليف الشيخ أبي عبد الله محمد ابن إبراهيم ابن عباد النفزي الرندي المتوفى سنة 792 ه 5 «أ» بسم الله الرحمن الرحيم ترجمة الشارح « 1 » 0 شيخ مشايخ الإسلام » وكعبة القاصدين من الأنام . حجة الله الولي الكامل » والشيخ الفيه العامل » المصنف السالك العارف » المحقق الربّاني » والقطب الفرد الصمداني » ذو العلوم الباهرة » والمحاسن المتظاهرة » سليل الخطباء » ونتيجة العلماء » البليغ الوجيه » النسيب الحسيب . سيدنا ومولانا شيخ الشيوخ » وملاذ أهل التمكين والرسوخ » الشارب من صافي الشراب » والآتي من الحقائق ما أبهر العقول والألباب . وليّ الله الأكبر » وغوث الله الأشهر » مولانا سيدي الشيخ الفقيه الخطيب الخاشع الخاشي » الأستاذ العارف باللّه » مولانا سيدي محمد بن مولانا سيدي عبد الله بن مولانا سيدي مالك بن مولانا سيدي أبي إسحاق إبراهيم بن مولانا سيدي يحيى بن مولانا سيدي النفزي نسبا » الرندي مولدا » الشاذلي طريقة ومشربا » الفاسي مزارا ودارا » الشهير بابن عبّاد » الصوفي الزاهد الولي . ولد - رضي الله عنه وأرضاه - ببلدته رندة « 2 » سبعمائة وثلاثة وثلاثين ( 733 ) ه وكان والده - قدّس سره العالي - من الأولياء » ومن الخطباء » وبها نشأ وحفظ القرآن الكريم » وهو ابن سبع سنوات » فأخذ في تحصيل العلوم ؛ فأخذ علوم أسرار القرآن - من تفسير وقراءة - عن والده » وقرأ عليه كتاب : « قوت القلوب » لأبي طالب المكي » وأجازه بما فيه . وأخذ علم العربية عن خاله » ثم أخذ في طريق التصوف » بعد (1 ) عن كتاب : « طبقات الشاذلية » باختصار . (2 ) وهي مدينة في جنوبي إسبانيا » بالقرب من وادي اللبن » تنتج الغلة والزيت والجلود » كانت من أمنع حصون الأندلس » استولى عليها الأسبان 1485 م » ونشبت ثورة المسلمين ضدهم 1501 م . بها آثار إسلامية رائعة . 2 ب أن امتلاً من العلوم الشرعية ٠ فأخذ في المباحثة على الأسرار الإلهية » حتى أشير إليه » وتكلم في علوم الأصول والمقامات » والعلل والآفات » فحل كثيرا من المشكلات وألف تآليف عجيبة » وتصانيف بديعة غريبة وكان - رضي الله عنه - الغالب عليه الحياء من الله تعالى » والتنزل بين يدي عظمته » وتنزيله نفسه منزلة الحشرات » لا يرى لنفسه مزيّة على مخلوق ؛ لما غلب عليه من هيئة الجلال » وعظمة المالك » وشهود المنة . . . وكان مع ذلك آية في التحقق » وكان ذا صمت وسمت » وتجمل وزهد » وتواضع وعفاف » معوّلا في حل المشكلات على فتح العلام العليم » كثير الوقار والحياء » جميل اللقاء » حسن الخلق والخلق » عالي الهمة متواضعا » معظما عند الخاصة والعامة . قال الإمام القسطيني : « كنت إذا طلبته للدعاء احمرٌ وجهه واستحيى كثيرا ويدعو لي ٠» وكان أكثر تمتعه من الدنيا بالطيب والبخور الكثير » ويتولى خدمة نفسه وكان الذي طلبه في وضع الشرح على الحكم العطائية : سيدي أبو زكريا السراج » فلم تسعه مخالفته . وقد قرّب بها - رضي الله عنه - حقائق الشاذلية » كما قرب ابن رشد مذهب الإمام مالك . قال سيدي أحمد بن زرّوق : « شرحت الحكم ستة وثلاثين شرحا » فأبى الله إلا ابن عباد في الظهور والاستعمال » .
ورحل رضي الله عنه إلى طنجة وفاس « 1 » وتلمسان « 2 » وقدم إلى سلا فلقي بها الشيخ الحاج الصالح السني الزاهد الورع سيدي أبا العباس أحمد بن عمر بن محمد بن عاشر » الولي المشهور » فأقام معه وصحبه سنين مديدة » وأخذ عنه طريقة الشاذلي » وانقطع إليه ولازم خدمته إلى أن توفي - وكانت وفاته - رضي الله عنه ونفع به - عام : سبعمائة وسبعة وسبعين » ( 777 ) ه فرحل سيدي ابن عباد بعد وفاته إلى حضرة فاس ؛ حرسها الله من كل بأس . وتولى الإمامة والخطابة بمسجد القرويين من حضرة فاس » ومكث بها خمسة عشر عاما : يدرس ويخطب ويعظ الناس » وله خطب مدونة بالمغرب مشهورة بأيدي الناس » يقرءونها فيما يتعلق بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم - بين يدي , السلطان تبركا » وله - رضي الله عنه - تلامذة أخيار مباركون . وكان - رضي الله عنه - مما منّ الله به عليه : تألف قلوب الصغار » فهم يحبونه محبة تفوق محبتهم لآبائهم وأمهاتهم » وينتظرون خروجه للصلاة » وهم عدد كثير » يأتون من كل درب ومن المكاتب البعيدة » فإذا رأوه : ازدحموا على تقبيل يديه » وكذا كان ملوك زمانه يزدحمون عليه » ويتذللون بين يديه » وكان إذا خطب في الناس أبكاهم (1 ) إحدى مدن المملكة المغربية . كانت عاصمة المغرب بها جامعة القرويين المشهورة . اح كدا التر ا « ج » وصغيرا ء وكثيرا ما كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة "إذا جاءً نَصْرٌ الَّهِ وَالَْنَحُ " سورة النصر ء وكان يجتمع عموم أهل المغرب يوم الجمعة للصلاة وراءه حتى السلطان وحاشيته وأتباعه » حتى لم يبق بالمسجد مكان خال من الناس » ورفع بعض أهل المغرب تظلما من الوالي » فخطب بحضرة الوالي والشهود : فقال : « من الأمور المستحسنة أن لا يبقى لوالى سنة » فكان كما قال . وكان شيخه - رحمه الله - يقول : « ابن عباد أمة وحده » » ويشير إليه » وكان - رحمه الله - يشيد بذكره ويقدمه على سائر أصحابه » ويأمرهم بالأخذ عليه والانتفاع به » والتسليم له ويكرر قوله : « ابن عباد أمة وحده » . ولا شك أنه كذلك , , . وخ رحد سدح اهن ددن بدكة رمام الشافقي مضيو شرفي د روه شقلا بد يانه العصر يوم الجمعة بداره » في الرابع من شهر رجب سنة سبعماتة واثنين وتسعين ( 792 ) ه بكدية البراطل » من داخل باب الفتوح » ولما احتضر جعل رأسه في حجر أبي القاسم من أصحابه » وأخذ يقرأ آية الكرسي ء إلى أن وصل إلى « الحيّ القيوم » » فصار يكررها » فلقنه بعض الحاضرين بقية الآية الشريفة : ظنا منه أنه غير قادر على إتمامها » فقال رضي الله عنه بلسان فصيح : ما عودوني أحبّائي مقاطعة . بل عودوني إن قاطعتهم وصلوا . وكان هذا آخر كلامه - رضي الله عنه - وأمدتا بأسراره . وحضر جنازته السلطان أمير المسلمين » أبو العباس أحمد » وخواص أتباعه » و « فاس العتيق » التي هي محل الأعلام من الخاص والعام » و « فاس الجديد » التي هي محل الأمراء والأعيان » وأرباب المناصب وذوي الشأن . وبعد أن دفنوه - رضي الله عنه - همت العامة بكسر نعشه : تبرّكا به .
ومقامه من الأماكن التي يستجاب فيها الدعاء » وعليه قبة مبنية معقودة » وضريح يزوره الكبير والصغير » ويتوسل إلى الله به الغني والفقير » وذو الحاجة والعليل وها استكار به احد إلا أجاره , وله - رضي الله عنه - كلام في التصوف عال » فمن أراد الوقوف عليه فليراجع تآليفه » وقد ترجم له ضضم 72777707077077 : الإمام سيدي أحمد بن زرّوق » ألف كتابا مستقلا في مناقبه وفضائله . وما ذكرنا إلا نقطة من بغر مثلاطم الأمواج:» نفحائله لا تحصى وسافيه لا نتقصي © فهو بعر محيط لا ساحل له . « د » اللهمّ إنَا نسألك بسرّه لديك » ومكانته عندك » يا الله يا الله : أن تمدنا بأسراره » وتنفحنا بأنواره » وتميتنا على حبّه وحب أوليائك وأحبّائك . يا الله » اللهمّ إنا قد رفعنا حوائجنا إليك يا الله » فبسره لا تردّنا خائبين ٠ واجعلنا من الذين تجري من تحتهم الأنهار » في جناب النعيم » واجعل آخر دعوانا : أن الحمد لله رب العالمين » امين أمين . لا أرضى بواحدة حتى أقول ألف أمين » . :. « 03 » بسم الله الرحمن الرحيم [ مقدمة المؤلف ]. . قال العبد الفقير إلى الله تعالى » المعتمد في غفران ذنوبه على الله » محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم بن عبّاد النفزي الرندي » لطف الله به : الحمذ لله المتقرد بالعظمة والجلال ٠ المتوحة باستحقاق توت الكمال » المنز عن الشركاء والنظراء والأمثال ؛ المقدّس عن سمات الحدث من التغير والانتقال والاتصال والانفصال » عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال » والصلاة والسلام على سيدنا محمد الهادي من الضلال » وعلى آله وأصحابه الذين خلصت لهم الأعمال » وصفت لهم الأحوال » وعلى جميع من اتّبعهم فيما لهم من محامد الصفات ومحاسن الخلال » وسلّم تسليما كثيرا . أما يعد - فإنا لما رأينا كتاب « الحكم » المنسوب إلى الشيخ الإمام المحقق العارف المكاشف الوليّ الرباني أبي الفضل تاج الدين أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندري » رضى الله عنه ونفعنا به » من أفضل ما صنف في علم التوحيد » وأجلّ ما اعتمده بالتفهّم والتحفظ كلّ سالك ومريد . لكونه صغير الجرم » عظيم العلم » ذا عبارات رائقة » ومعان حسنة فائقة » قصد فيها إلى إيضاح طريق العارفين والموحدين » وإبانة مناهج السالكين والمتجردين » أخذنا في وضع تنبيه يكون كالشرح لبعض معانيه الظاهرة » وكالكشف للمعة بسيرة من أنواره الباهرة » ولا قدرة لنا على استيفاء جميع ما اشتمل عليه الكتاب » وما تضمنه من لباب اللباب ؛ لأن كلام الأولياء والعلماء باللّه منطو على أسرار مصونة » وجواهر حكم مكنونة » لا يكفشها إلا هم » ولا تتبين حقائقها إلا بالتلقي عنهم .
ونحن في هذه الكلمات التي نوردها » والمناحي التي نعتمدها غير مدّعين لشرح كلام المؤلف » ولا أنّ ما نذكره فيه هو حقيقة مرادهم حسبما يفعله كل مصنف ء فإنا إن ادعينا ذلك كان منا إساءة أدب ٠» تئول بنا » والعياذ بالله » إلى العطب , وكنا قد تعرضنا للخطر والضرر » في تعاطي ما لا يليق بنا من شرح كلام السادة من أهل الله تعالى من غير خوف ولا حذر » وإنما نورد ذلك على حسب ما فهمناه من كلامهم » وما انتهى إلينا » 04 « علمه من مذاهبهم ؛ فإن وافقنا فيه حقيقة الأمر» وعثرنا على مكنون السر » كان ذلك من النعم التي لا نحصى لها شكرا » ولا نقدّر لها قدرا » وإن خالفنا ذلك ولم نهتد إلى تلك المسالك » أحلناه على نقصنا وجهلنا » وانتفى عنا التغرير بقولنا وفعلنا » واقتصر الأمر في ذلك علينا » وكانوا هم مبرّئين مما قلنا ونوينا » فلا جرم إذ كان هذا مقصدنا لوجود السلامة التي جعلناها معتمدنا ؛ فينبغي لنا أن نقدم أولا كلام المؤلف » رحمه الله تعالى » مستوفى » ثم نتبعه كلامنا بصيغة الخبر والدعوى ٠ فنأتي فيه بعبارة أبسط من عبارته » وإشارة أجلى من إشارته » ليفهم بذلك ما عندنا في تفسير ما ذكره » لا أنه تفسيره حقيقة مقررة » ونذكر في أثنائه كثيرا مما ناسب عندي من الكلام المنبه عليه ؛ لتتم بذلك الفائدة في الغرض المتوجه إليه » وما ظهر لنا في كلامه من تكرار معان » وتداخل فروع ومبان رأينا التنبيه عليه كالفرض » وأحلنا بعضه على بعض . وعلى الناسخ لهذا المجموع أن يتّبع فيه ما رسمناه » ويكتب نصّ كلام المؤلف يصبغ يخالف لونه لون ما يكتب به سواه » أو يكتبهما بقلمين مختلفين في الغلظ والرقة » ويوفى في ذلك كلا منهم حفه » ليكون ذلك أقرب إلى حصول المرام في استخراج فائدة ترتيب الكلام » والله الموفق لا ربّ عرد ولا عير جره , والذي حملني على وضعه » وتكلف تصنيفه وجمعه » بعد تقدّم إرادة الله تعالى التي لا تغلب » وتقديره الذي ليس للعبد منه منجى ولا مهرب ٠ ثم الرأي الذي رأيناه من المطالب والمقاصد المعظمة » ونبهنا عليه في صدر هذه المقدمة » إلحاح بعض الأصحاب في ذلك عليّ » وتردادهم بالمسألة إليّ ؛ لكونهم على اعتقاد صحيح في هذه الطريقة » ومحبّة خالصة لأهل الحقيقة . فأسعفتهم بما طلبوه » وحققت لهم الأمل فيما رغبوه » كما شاء الله تعالى وحكم » وقضى به علينا وحتم » نفعنا الله وإيّاهم بما يجري منه على يدينا » ولا جعله حجّة عليهم ولا علينا » ونحن نستغفر الله تعالى مما تعاطيناه من الأمر العظيم » واقتحمناه من الخطر الجسيم » ونستعيذ به من الوقوع في حبائل العدوٌ الرجيم » ونسأله توفيقا يقف بنا على جادّة الاستقامة » ويصرفنا عن العمل بما يعقب ملامة أو ندامة » ونرجوه مع هذا إذ منّ علينا بالانتماء إلى مذاهبهم » والانتساب إلى كريم مناسبهم , والتعلّق بأذيالهم » ومحاولة النسج على منوالهم » ورزقنا شيئا من تعظيمهم وحبّهم » وقسطا من تكريمهم وبرّهم » أن لا يحرمنا من شفاعتهم ولا يخرجنا من كنف ولا يتهم ؛ » 05 « اللهم إنا نتوسل إليك بحبّهم » فإنهم أحبّوك . ولم يحبوك حتى أحببتهم » فبحبّك إِيَاهم وصلوا إلى حبّك » ونحن لم نصل إلى حبهم فيك إِلّا بحظنا منك » فتمم لنا ذلك حتى نلقاك يا أرحم الراحمين » وصلى الله على سيدنا محمد ومولانا محمد خاتم النبيين » وعلى آله الطيبين الطاهرين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم عليهم تسليما كثيرا . وهذا حين ابتدائي وباللّه التوفيق » ومنه الهداية إلى سواء الطريق .
[ من علامة الاعتماد على 1 - قال المؤلف قدّس الله سرّه : ( من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل . ) أقول ٠ الاعتماد على الله تعالى نعت العارفين الموحكدين ٠» والاعثماد على غيره وصفه الجاهلين الغافلين كائنا ما كان ذلك الغير حتى علومهم وأعمالهم وأحوالهم . أما العارفون الموحّدون فإنهم على بساط القرب والمشاهدة ناظرون إلى ربهم » فانون عن أنفسهم ؛ فإذا وقعوا في زلّة أو أصابتهم غفلة » شهدوا تصريف الحقّ تعالى لهم » وجريان قضائه عليهم كما أنهم إذا صدرت عنهم طاعة » أو لاح عليهم لائح من يقظة » لم يشهدوا في ذلك أنفسهم » ولم يروا فيها حولهم ولا قوّتهم ؛ لأن السابق إلى قلوبهم ذكر ربّهم » فأنفسهم مطمئنة تحت جريان أقداره » وقلوبهم ساكنة بما لاح لها من أنواره » ولا فرق عندهم بين الحالين ؛ لأنهم غرقى في بحار التوحيد » قد استوى خوفهم ورجاؤهم » فلا ينقص من خوفهم ما يجتنبونه من العصيان ١ ولا يزيد في رجائهم ما ياتون به من الإحسان . قال « شارح المجالس » : « العارفون قائمون باللّه قد تولى الله أمرهم » فإذا ظهرت منهم طاعة لم يرجوا عليها ثوابا ؛ لأنهم لم يروا أنفسهم عمّالا لها » وإن ظهرت منهم زلّة فالدية على العاقل »لم يشاهدوا غيره في الشدة والرخاء قيامهم بالله ونظرهم إليه » وخوفهم : هيبته » ورجاؤهم : الأنس به »اه . وأما غيرهم فبقوا مع نفوسهم في نسبة الأعمال والأفعال إليها » وطلب الحظّ لها وعليها ؛ فاعتمدوا على أعمالهم وسكنوا إلى أحوالهم » فإذا وقعوا في زلّة نقص بذلك رجاؤهم » كما أنهم إذا عملوا طاعة جعلوها من أعظم عددهم » وأقوى معتمدهم » فتعلّقوا بالأسباب » وحجبوا بتصرّفهم بها عن رب الأرباب ؛ فمن وجد هذه العلامة في نفسه فليعرف منزلته وقدره » ولا يتعدّ طوره » فيدّعي مقامات الخاصة من المقرّبين » وإنما هو من عامّة أصحاب اليمين . وستأتي إشارات إلى هذا المعتى في مواضع من كلام المؤلف" » قذس اللداسراه . . » 06 « وقد ذكر الشيخ « أبو عبد الرحمن ن السلمى « 1 » » و « الحافظ أبو نعيم الأصبهاني « 2 » » عن « يوسف بن الحسين الرازي « 3 » » رضى الَّه عنهم أنه قال : « عارضني بعض الناس في كلام وقال لي : لا تستدرك مرادك من عملك إلا أن تتوب » فقلت مجيبا : لو أنّ التوبة تطرق بابي ما أذنت لها » على أني أنجو بها من ربّي » ولو أن الصدق والإخلاص كانا عبدين لي لبعتهما زهدا مني فيهما ؛ لأني إن كنث عند الله في علم الغيب سعيدا مقبولا لم أتخلف باقتراف الذنوب والمآثم » وإن كنت عنده شقيا مخذولا لم تسعدني توبتي ولا إخلاصي وصدقي ء وإن الله خلقني إنسانا بلا عمل ولا شفيع كان لي إليه وهداني لدينه الذي ارتضاه لنفسه » فقال تعالى :ِوَمَنْ يَبْنَعْ غَيْرَ الإْلام ديناً قن يُقبْلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةٍ مِنَ الْخَاسِرِينَ[ آل عمران : 85 ] . فاعتمادي على فضله وكرمه أولى به إن كنت حرا عاقلا من اعتمادي على أفعالي المدخولة « 4 » وصفاتي المعلولة ؛ لأن مقابلة فضله وكرمه بأفعالنا من قلَّة معرفتنا بالكريم المتفضل » . قلت : وهذه الحكاية وأمثالها ربما تقرع سمع من لا حقيقة عنده من طريق القوم » فينكر معناها ولا يعتقده أو يسلمه ويدّعيه مقاما لنفسه » وكلتا الحالتين مؤدّية بصاحبها إلى ضرر وخطر » فليتق الله تعالى عبد ليس له بصر في هذه الطريقة أن ينكر ما ذكرناه فبقع في الاعتراض على السادة والأولياء » وفي ذلك بعده عن الله تعالى » أو يدّعيه مقاما لنفسه من غير أن يستظهر عليها ويتوثق منها » ويزنها بالمعيار الذي نبهنا عليه .
ومحال وجود ذلك (1 ) محمد بن الحسين بن محمد بن موسى الأزدي السلمي النيسابوري ؛ أبو عبد الرحمن » من علماء المتصوفة » كان يضع الأحاديث للصوفية . بلغت تصانيفه مئة أو أكثر منها « حقائق التفسير » مختصر . و « مناهج العارفين » و « رسالة الملاقية » وغير ذلك » مولده ووفاته في نيسابور . ( 325 - 412 ه - 936 - 1021 م ) . ( الأعلام 6/ 99) . (2 ) أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد الأصبهاني ( 336 - 430 ه - 948 - 1038 م ) أبو نعيم : حافظ » مؤرخ من الثقات في الحفظ والرواية . ولد ومات في أصبهان . من تصانيفه « حلية الأولياء وطبقات الأصفياء » و« معرفة الصحابة » وغيرهما . ( الأعلام 1 / 157 » ولسان الميزان 1 / 201 » ووفيات الأعيان 1 / 91 - 92 » وكشف الظنون 2 / 689 ) . جا ا بل ع 1 وا رس نير و و عه مه صوفي من العلماء الأدباء » كثير السياحة . كان شيخ الري والرجال في وقته » وفيهم من يصفه بالزندقة وهو من أقران ذي النون المصري . ( الأعلام 8 / 227 » وطبقات الشعراني 1 / 105 » والرسالة القشيرية ص 414 ) . ( 4 ) دخل فلان : أصابه الفساد في عقله أو جسمه » 07 « ممن لم يصحح مقام الفناء عن النفس » فيرتكب حينئذ مساخط الله تعالى ويتعدى حدوده » ويجعل ذلك ححة لانفسه غلطا وجهلا ,و هذا باب من الز ندقة و العياذ يالل سبحانه وتعالى : 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه: [ إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية » وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية . ] الأسباب هاهنا » عبارة : عمًا يتوصّل به إلى غرض ٠. مما ينال في الدنيا . والتجريد » عبارة : عن عدم تشاغله بتلك الأسباب [ الدنيوية ] ؛ لأجل ذلك . فمن أقامه الحق تعالى في الأسباب » وأراد هو الخروج منها » فذلك من شهوته الخفيّة » وإنما كانت من الشهوة لعدم وقوفه مع مراد الله تعالى به وإرادته هو خلاف ذلك . وإنما كانت خفية » لأنه لم يقصد بذلك نيل حظ عاجل . وإنما قصد بذلك التقرّب إلى الله تعالى بكونه على حال هي أعلى بزعمه » لكن فاته الأدب بعدم وقوفه مع مراد الله تعالى من إقامته إيّاه فيما أقامه فيه » وتطلّعه إلى مقام رفيع لا يليق به في الوقت . وعلامة إقامته إِيّاه في الأسباب أن يدوم له ذلك [ أي : التفاته وطلبه ] وإن تحصل له ثمرته ونتيجته » وذلك بأن يجد عند تشاغله بالأسباب سلامة في دينه » وقطعا لطمعه عن غيره » وحسن نيّة في صلة رحم » أو إعانة فقير معدم » إلى غير ذلك من فوائد المال المتعلّقة بالدين . ومن أقامه الحقّ تعالى في التجريد وأراد هو الخروج منه إلى الأسباب » فذلك انحطاط همّته وسوء أدبه » وكان واقفا مع شهوته الجليّة ؛ لأن التجريد مقام رفيع أقام الحقّ تعالى فيه خواصّ عباده من الموحّدين والعارفين » فإذا أقامه الحقّ تعالى مقام الخواصّ فلم ينحط عن رتبتهم إلى منازل أهل الانتقاص ؟ ! قال الشيخ « أبو عبد الله القرشي » رضي الله عنه : « من لم يأنف من مشاركة الأنداد في الأسباب فهو خسيس الهمّة » وعلامة إقامته إِيّاه في التجريد ما ذكرناه من الدوام ووجدان الثمرة “قسن تتراث ذلك طيتب رفت التكدر د وصفاء فلية )رووهدان ب لكنةمن كائهه الفلق ومخالطتهم .
والهمة : حالة للقلب » وهي : قوة إرادة » وغلبة انبعاث إلى نيل مقصود ما ء وتكون عالية » إن تعلّقت بمعالي الأمور ؛ وسافلة » إن تعلّقت بأدانيها » قال الشاعر وأجاد : وقائلة لم علتك الهموم . وأمرك ممتثل في الأمم فقلت : ذريني على حالي . فإن الهموم بقدر الهمم » 08 « وقال الآخر : إذا عطشتك أكفت اللثام . كفتك القتاعة قتعا وريا فكن رجلا رجله في الثرى . وهامة همته في الثريًّا « 1 » فإ إراقة ماء الحياة ع لفون إن اقشكاء المكذا وما ذكرته من معاني الإقامة في نوعي الأسباب والتجريد هو شيء فهمته مما يقوله بعد هذا ( من علامة إقامة الحقّ لك في الشيء إدامته إِيّاك فيه مع حصول النتائج ) واللّه أعلم . وقد ذكر في « التنوير » « 2 » هذه المسألة بنصّها حاكيا عن هذا الكتاب » وقال بأثره : « وافهم - رحمك الله - أن من شأن العدوٌ أن يأتيك فيما أنت فيه مما أقامك الله فيه فيحقرّه عندك لتطلب غير ما أقامك الله فيه » فيشوّش عليك قلبك ٠ ويكدّر وقتك ؛ وذلك أنه يأتي للمتسببين . فيقول لهم : لو تركتم الأسباب وتجردتم لأشرقت لكم الأنوار » ولصفت منكم القلوب والأسرار » وقائلا أيضا : وكذلك صنع فلان وفلان » ويكون هذا العبد ليس مقصودا بالتجريد » ولا طاقة له به » إنما صلاحه في الأسباب » فيتركها » فيتزلزل إيمانه » ويذهب إيقانه » ويتوجّه إلى الطلب من الخلق » وإلى الاهتمام بأمر الرزق فيرمى في بحر القطيعة » وذلك قصد العدوٌ منه » لأنه إنما يأتيك في صورة ناصح كما أتى أبويك فيما أخبر الله تعالى عنه » وقال. زما نَهاكُما رَبّكُما عَنْ هذِهٍ التدّجرَةٍ إِلّا أن تَكُونا مَلَكَيْنِ أو تَكُونا مِنَ الْخَالِدِينَ » وَقاسَمَهُما إِنَي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ[ الأعراف : 1 ] كما تقدّم بيانه . وكذلك يأتي المتجردين » ويقول لهم : إلى متى تتركون الأسباب ؟ ! ألم تعلموا أن ترك الأسباب تتطلّع معه القلوب إلى ما في أيدي الناس ويفتح باب الطمع » ولا يمكنكم الإسعاف والإيثار » ولا القيام بالحقوق وعوض ما تكون منتظرا ما يفتح الله به عليك من الخلق » فلو دخلت في الأسباب بقي غيرك منتظرا ما يفتح الله به عليك منك إلى غير ذلك . ويكون هذا العبد قد طاب وقته » وانبسط نوره ووجد الراحة بالانقطاع عن الخلق » فلا يزال به حتى يعود إلى الأسباب » فتصيبه كدورتها » وتغشاه ظلمتها » ويعود الدائم في (1 ) الثرى : التراب أو الندي منه . الثريا : مجموعة من النجوم أو المصابيح . (2 ) كتاب « التنوير في إسقاط التدبير » أوله الحمد لَه المنفرد بالخلق والتدبير . . . إلخ ذكر أنه ألفه بمكة المكرمة ثم استدرك عليه بدمشق وزاد فيه فوائد ولم يرتب وإنما هو كلمات من حيث الورود . قال : إذا طالعه المريد الصادق عرف أن المتلوث لا يصلح للحضرة القدسية . ( كشف الظنون 1 / 502 ) . » 09 « سببه أحسن حالا منه ؛ لأن ذلك ما سلك طريقا » ثم رجع عنها » ولا قصد مقصدا ثم انعطف عنه « 1 » » فافهم » واعتصم باللّه » ومن يعتصم باللّه فقد هدى إلى صراط مستقيم . وإنما قصد الشيطان بذلك أن يمنع العباد الرضى عن الله تعالى فيما هم فيه » وأن يخرجهم عن مختار الله لهم إلى مختارهم لأنفسهم » وما أدخلك الله فيه تولى إعانتك عليه » وما دخلت فيه بنفسك وكلك إليك وَل رَبٌ أَدَخِلَنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ؛ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدْنكَ سُلطاناً تصيراً[ الإسراء : 80 ]. فالمدخل الصدق : أن تدخل فيه [ بربّك ] » لا بنفسك » والمخرج الصدق أيضا كذلك » فافهم .
والذي يرتضيه الحقٌّ أمنك أن تمكث حيث أقامك » حتى يكون الحق سبحانه هو الذي يتولى إخراجك كما تولى إدخالك » وليس الشأن أن تترك السبب ؛ بل الشأن أن يتركك السبب . قال بعضهم : « تركت السبب كذا كذا مرة » فعدت إليه » ثم تركني السبب » » فلم أعد إليه » . ودخلت على الشيخ - رضي الله عنه - وفي نفسي العزم على التجريد قائلا » في نفسي » إن الوصول إلى الله تعالى على هذه الحال بعيد من الاشتغال بالعلوم الظاهرة ووجود المخالطة للناس ؛ فقال من غير أن أسأله : صحبني إنسان مشتغل بالعلوم الظاهرة ومتصدّر فيها فذاق من هذه الطريقة شيئا » فجاء إليّ » فقال يا سيدي أخرج عما أنا فيه وأتفرغ لصحتبك ؟ فقلت له : ليس الشأن ذا » ولكن امكث فيما أنت فيه وما قسم الله لك على أيدينا فهو إليك واصل » ثم قال الشيخ ونظر إليّ : وهكذا شأن الصديقين لا يخرجون من شيء حتى يكون الحق سبحانه هو الذي يتولى إخراجهم فخرجت من عنده » وقد غسل الله تلك الخواطر من قلبي . ووجدت الراحة في التسليم إلى الله تعالى ؛ ولكنهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هم القوم لا يشقى بهم جليسهم » « 2 » انتهى كلامه في التنوير في هذا المعنى » وهو كلام حسن ٠ وإنما أثبتناه هاهنا على طوله » لأنه تولى فيه بيان مسألته التي ذكرها في هذا الكتاب بنفسه بيانا شافيا » فنقلناه بلفظه » ووددنا لو أن جميع مسائله تكون هكذا . (1 ) انعطف : مال وانحنى وانثنى . (2 ) أخرجه البخاري ( دعوات » 66 ) » والترمذي ( دعوات » 129 ) . 10 » 10 « 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : [ سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار ] الهمم السوابق » هي : قوى النفس التي تنفعل بها بعض الموجودات بإذن الله تعالى » وتسميها الصوفية « همّة » فيقولون : أحال فلان همّته على أمر ما فانفعل له ذلك » وهذه الهمم السابقة لا تنفعل الأشياء عنها إلا بالقضاء والقدر » وهو معنى قولنا بإذن الله تعالى : فهي على حال سبقيتها ونفوذها لا تخرق أسواء الأقدار ولا تنفذها . وهذه الهمم قد تكون للأولياء كرامات » وقد تكون لغيرهم استدراجا ومكرا . كما تكون للعائن « 1 » والساحر . قد ثبت أن العين حق » والسحر حق ٠ ومعناه ما ذكرناه . وحاصل ذلك أنه يجب أن يعتقد أنها أسباب لا تأثير لها ولا فاعلية » وأن الفاعل هو الله وحده [ وجد الفعل ] عندها لا بها . وكأن المؤلف رحمه الله إنما أورد هذه المسألة بين يدي كلامه في « التدبير » ليعرفك بذلك أن وجود التدبير لا جدوى له ولا فائدة ؛ لأن الهمة الفعّالة إذا لم تفد في خرق أسوار الأقدار شيئا فكيف يفيد في ذلك التدبير ؟ وما لا فائدة فيه فضول لا ينبغي أن يتشاغل به » ويتعب به ذوو العقول ؛ 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : تدبير الخلق لأمور دنياهم على الوجه الذي نقوله مذموم » لأن الله تعالى قد تكفل لهم بذلك » وقام به عنهم » وطلب منهم أن يفرغوا قلوبهم منه » ويقوموا بحق عبوديته ووظائف تكليفاته فقط , وهو أن يقدر العبد لنفسه شؤونا يكون عليها من أمر دنياه على ما تقتضيه شهوته وهواه » ويدبر ولعل أكثر ما يقدره لا يقع ؛ فيخيب ظنه » ويبطل سعيه » ثم فيه من ترك العبودية ومضادة أحكام الربوبية ومنازعة القدر » وإضاعة العمر ما يحمل العاقل على تركه واجتنابه وقطع مواده وأسبابه .
قال سهل بن عبد الله « 2 » رضي الله عنه : « ذروا التدبير والاختيار فإنهما يكدران على الناس عيشهم » . قال سيدي أبو الحسن الشاذلي : « إن كان ولا بد من التدبير فدبروا أن لا تدبروا » : وهذه المسألة أساس طريق القوم » بل هي جملته وكليته » والكلام فيها طويل (1 ) العائن : الذي يصيب بالعين . (2 ) سهل بن عبد الله بن يونس التستري ( 200 - 283 ه - 815 - 896 م ) أبو محمد أحد أئمة الصوفية وعلمائهم والمتكلمين في علوم الإخلاص والرياضيات وعيون الأفعال . له كتاب في « تفسير القرآن » مختصر وكتاب « رقائق المحبين » وغير ذلك . ( الأعلام 3 / 143 » وطبقات الشعراني 1 / 66 » وحلية الأولياء 10 / 189 » ووفيات الأعيان 2 / 429 - 430 »؛ وتهذيب الكمال 13 / 330 » والرسالة القشيرية ص 400 ) . 11 » 11 « عريكن ؛ وإئما اتتصدرنا فيها على هذا القدن اليسير من الشنيد» لأن المؤلفه : راحفة الله ؛ أفرة في هذا المعنى كتابا سماه « التنوير في إسقاط التدبير » أحسن فيه غاية الإحسان » وقرب الأمر فيه بحيث يستغنى به عما صنف في هذه الطريقة من ديوان » فتحصيله متعيّن على كل مريد ٠. . ها« اه 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه: ( اجتهادك فيما ضمن لك وتقصيرك فيما طلب منك دليل على انطماس البصيرة منك ) . الشيء المضمون للعبد هو رزقه الذي يحصل له به قوام وجوده في دنياه . ومعنى كونه مضمونا : أن الله تعالى تكفّل بذلك وفرّغ العباد عنه » ولم يطلب منهم الاجتهاد في السعي فيه ولا الاهتمام له . والشيء المطلوب من العبد : هو العمل الذي يتوصل به إلى سعادة الآخرة » والقرب من الله تعالى من عبادات وطاعات . ومعنى كونه مطلوبا أنه موكول إلى اكتساب العبد له واجتهاده فيه » ومراعاة شروطه وأسبابه وأوقاته » بهذا جرت سنة الله في عباده » قال الله عر وجل في المعنى الأول الذي ضمنه للعبد وَكََيْنْ مِنْ دَابَةٍ لا تَحْمِلُ رِرْقَهَا اللَهُ يَرْرْفْها وَإِيَاكْمٍْ العنكبوت : 60 ] . وقال تعالى في المعنى الثاني الذي طلبه منه :ِوَأَنْ لَيْسَ للإنسان إِلّا ما سَعى[ النجم : 39 ] وقد روى في بعض الاثار : أن الله تعالى يقول ل ل بصلحك » . وذكر في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « « 1 » ما بال أقوام يشرّفون المترفين » ويستخفون بالعابدين » ويعملون بالقرآن ما وافق أهواءهم » وما خالف أهواءهم تركوه » فعند ذلك يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض » يسعون فيما يدرك بغير سعي من القدر المقدور والأجل المكتوب والرزق المقسوم » ولا يسعون فيما لا يدرك إلا بالسعي من الجزاء الموفور » والسعي المشكور », والتجارة التي لا تبور .
وقال « إبراهيم الخواص » « 2 » : « العلم كله في كلمتين : لا تتكلف ما كفيت » ولا (1 ) أخرجه الطبراني في ( المعجم الكبير 10 / 238 ) ٠ والهيثمي في ( مجمع الزوائد 10 / 9 » 234 ) والمتقي الهندي في ( كنز العمال 999 ) » والشجري في ( الأمالي 2 / 206 ) » والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداة 313/26 ) » والسيوطي في ( اللآلىء المصنوعة 2 / 3)ء والعجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 266 ) » وابن عراق في ( تنزيه الشريعة 2 / 4) ء والشوكاني في ( الفوائد المجموعة 420 ) » وابن الجوزي في ( الموضوعات 3 / 0) »ء وأخرجه صاحب ( ميزان الاعتدال 6248 ) ٠» وابن حجر في ( لسان الميزان 4 / 7 ) وابن أبي حاتم الرازي في ( علل الحديث 1856 ) » وابن عدي في ( الكامل في الضعفاء 5 / 1711 ) . 12 ا بن أحمد بن إسماعيل ( توفي 291 ه - 904 م ) أبو إسحاق الخواص ؛ كان أوحد المشايخ في وقته » من أقران الجنيد » ولد في سر من رأى ومات في جامع الري . له كتب مصنفة ( الأعلام - ش 13 » 12 « ص تضيع ماا ستكفيت » » فمن قام بهذا الأمر على ما ينبغي له من الوجه الذي ذكرناه : من الاجتهاد في الأمر المطلوب منه » وتفريغ القلب من الأمر المضمون له » فقد انفتحت بصيرته » وأشرق ومن عكس هذا الأمر فهو مطموس البصيرة » أعمى القلب » وفعله دليل على ذلك . والبصيرة : ناظر القلب » كما أن البصر : ناظر العين . وناظر القلب إنما ينظر إلى العاقبة » والعاقبة للمتقين » فالتقوى هي التي يجب على العبد أن يجتهد فيها ولا يتوانى » ويقصر عما يمنع منها . ل ل ا اي ور ل اقترن به تقصير فيما أمر به » قال في « التنوير » في قوله تعالى وَأَمُرْ أَهْلَكَ بالصّلاةٍ وَاصْطْبر عَلَيْها لا َسْتَلكَ رِزقاً نخنُ نَرْرُقُكَ[ طه : 132 ] . أي : قم بخدمتنا » ونحن نقوم لك بقسمتنا » وهما شيئان : شيء ضمنه الله لك فلا تهتم به » وشيء طلبه منك فلا تهمله . فمن اشتغل بما ضمن له عما طلب منه فقد عظم جهله واتسعت غفلته » وقلَ أن يتنبه لمن يوقظه »ين حتيق على العيد أن:يشتكل يما اطلك نه عما حنمن لد إذا كان الله سيحانه وتعالئ قد. ر رق أهل الجحود » فكيف لا يرزق أهل الشهود ؟ وإذا كان سبحانه قد أجرى رزقه على أهل الكفران » كيف لا يجري رزقه على أهل الإيمان ؟ فقد علمت أيها العبد أن الدنيا مضمونة لك » 3 العامة : العمل لها » لقوله سبحانه وتعالى :َوَتَرَوَدُوا فَإِنّ خَيْرَ الرَّادٍ اللَفُوى [ البقرة : 197 ] ل كاكار وهر ررب نل مي و لل لع لد أمر الآخرة ؟ ! حتى قال بعضهم : « إن الله تعالى ضمن لنا الدنيا وطلب منا الآخرة » فليته ضمن لنا الآخرة وطلب منا الدنيا » . 6 - لذلك قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبا ليأسك فهو الذي ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك . لا فيما تختاره لنفسك . وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد ). حكم العبد أن لا يختار شيئا على مولاه » ولا يجزم بصلاحية حال من الأحوال له » - 1 / 28 وطبقات الشعراني 1 / 83 وسماه إبراهيم بن إسماعيل » والرسالة القشيرية ص 411 ). 14 » 13 « لأنه جاهل من كل وجه » قد يكره الشيء وهو خير له » ويحب الشيء وهو شر به .
قال سيدي أبو الحسن الشاذلي « 1 » رضي الله عنه : « لا تختر من أمرك شيئا » واختر أن لا تختار » وفرّ من ذلك المختار » ومن فرارك ؛ ومن كل شيء إلى الله عز وجل « وربك يخلق ما يشاء ويختار » . ودخل رجل على سيدي أبي العباس المرسي « 2 » » رضي الله عنه » وهو يتألم لما به » فقال ذلك الرجل : عافاك الله يا سيدي . فسكت ولم يجاوبه » ثم سكت ذلك الرجل ساعة » ثم قال : الله يعافيك يا سيدي . فقال له الشيخ أبو العباس : « وأنا ما سألت الله العافية ؟ ! فقد سألته العافية » والذي أنا فيه هو العافية » هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سأل الله العافية وقد قال : ما زالت أكلة خيبر تعاودني » والآن قد قطعت أبهري ٠ وهذا سيدنا عمر » رضي الله عنه » سأل الله تعالى العافية » وبعد ذلك مات مطعونا » وسيدنا عثمان رضي الله عنه » سأل الله تعالى العافية وبعد ذلك مات مذور ها »سيدا على رضي انه عقه بال اله العافية ويعة ذلك مالف" مق 5 ) فإذا عالت ابن العافية فاساله العافية من حيت يعلمها لك انها عافية » . اه فعلى العبد أن يسلم نفسه إلى مولاه » ويعتقد أن الخيرة له في جميع ما به يتولاه » وإن خالف ذلك مراده وهواه » فإذا دعا وطلب من مولاه شيئا يرى أن له فيه مصلحة أيقن بالإجابة لا محالة ؛ قال الله عز وجل :وَقال رَبّكُمْ اذَعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُدْ[ِ غافر : 60 ]. وقال تعالى :وَإذا سَأَلَكَ عِبِادِي عَنْي فَإِنّي قَرِيبٌ حت دَعْوَة ةَ الذّاع إذا دعان[ البقرة 0 وعن جابر « 3 » رضي الله عنه قال اتسمعث رسول الله صلى الله علية وسلم يفول + , ما من أحد يدعو (1 ) هو علي بن الشريف عبد الله بن عبد الجبار المغربي نور الدين أبو الحسن المالكي رئيس الطريقة القاذارة المنو فى سقة يك ويخسوين وملمانة “مق تصانيقة الاختص اضن من الفد اند القرآنية والخواص » وغيره . ( هدية العارفين 5 / 709 » والأعلام 4 / 305 » وطبقات الشعراني 2 / 4 ) . (2 ) هو أحمد بن عمر المرسي ( توفي سنة 686 / 1287 م ) أبو العباس شهاب الدين فقيه متصوف من أهل الإسكندرية » لأهلها فيه اعتقاد كبير إلى اليوم . أصله من مرسية في الأندلس . ( الأعلام 1 / 186 ) . ( 3 ) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي الأنصاري ي السلمي » صحابي من المكثرين فى الرواية عن:النين صلى الله عليه وسلم #وروى عنةاجماعة من الصحاية ٠ غز اسع غشرة غزوة » وكانت له في أواخر أيامه حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم . روى له البخاري ومسلم وغيرهما 1540 حديثا » وله « مسند » مما رواه عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل . - 15 "1" بدعاء إلا آتاه الله ما سأل أو كف عنه من السوء مثله مثله » ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم » « 1 » . وعن أنس « 2 » رضي الله عنه » عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما من داع يدعو إلا استجاب الله له دعوته » أو صرف عنه مثلها سوءا أو حط من ذنوبه بقدرها » ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم » .
فإذن » الإجابة المطلقة حاصلة لكل داع بحق حسبما ورد الوعد الصدق ٠ إلا أن الإجابة أمرها إلى الله تعالى يعجلها متى يشاء » وقد يكون المنع وتأخير العطاء إجابة وعطاء لمن فهم عن الله تعالى في ذلك » فلم ييأس العبد من فضل الله تعالى إذا رأى منعا أو تأخيرا » وإن ألحّ في دعائه وسؤاله » وقد يكون تأخير ذلك إلى الآخرة خيرا له » فقد جاء في بعض الأخبار : « يبعث عبد »2 فيقول الله تعالى : ألم آمرك برفع حوائجك إليّ ؛ فيقول : بلى « 3 » ٠» وقد رفعتها إليك » فيقول اللّه تعالى : ما سألت شيا إلا أجبتك فيه » ولكن أنجزت لك البعض في الدنيا » وما لم أنجزه في الدنيا فهو مدّخر لك ». فخذه الآن » حتى يقول ذلك العبد : ليته لم يقض لي حاجة في الدنيا » . وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى النهي عن الاستعجال في إجابة الدعاء في قوله : « يستجاب لأحدكم ما لم يعجّل فيقول : قد دعوت فلم يستجب لي » « 4 » . وقد دعا موسى وهارون عليهما السلام على فرعون » فيما أخبر الله به عنهما حيث قالا ديكا اطمِدن عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُْدْ عَلى قُلُوبِهِمْ » فلا يُؤْمِنُوا حَنََى يَرَوْا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [ يونس : 88 ] . ثم أخبر أنه أجاب دعاءهما في قوله سبحانه وتعالى ف جوت دَعْوَثُكُما , فادنتقيما ولا تتبِعانٌ سبي الْذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ يونس : 89 ] . قالوا : وكان بين قول الله تعالى لهما قد أجيبت دعوتكما وهلاك فرعون أربعون سنة . قال سيدى ابو الحديق الشاذلي 4 رهبي الله حنة» في قرله 'تعالى < فاشقيما أى - ( الأعلام 2 / 104 » والإصابة 1 / 213 » وتهذيب الكمال 3 / 291 ) . (1 ) أخرجه الترمذي في ( السنن 3381 ) » والتبريزي في ( مشكاة المصابيح 2236 ) » والسوطي فى ر لش لسرن 11 / 196 . , (2 ) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم النجاري الخزرجي الأنصاري ( 10 قه - 93 ه - 2 - 712 م ) أبو ثمامة أو أبو حمزة » صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه . روى عنه رجال الحديث 2286 حديثا » مولده بالمدينة وأسلم صغيرا وخدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قبض . ثم رحل إلى دمشق » ومنها إلى البصرة فمات فيها . وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة . الاعت 2( جم وطقات انس 7 1017 وتيف القدال :3001/3 )1 (3 ) بلى : حرف جواب يأتي بعد النفي فيجعله إثباتا . أخرجه ابن ماجة ( دعاء » 7 ) » ومسلم ( ذكر » 90 ٠ 91 ) » والموطأ ( القرآن » 29 ) والترمذي ( دعوات » 114 ) » وأحمد بن حنبل ( 2 ٠ 396 » 3 » 193 »؛ 210 ) . 16 17 "5005 على عدم استعجال ما طلبتما » ولا تَتّبعانٌ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ : وهم الذين يستعجلون الإجابة . وناهيك شرفا وحظا ما يحصل له » بسبب مداومة الدعاء » من الظفر بمحبة الله تعالى » وموافقة رضاه ؛ فقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن الله يحب الملحين في الدعاء » «1». وقد جاء في الحديث : « قال جبريل عليه السلام : يا رب عبدك فلان إقض له حاجته » فيقول : دعوا عبدي ؛ فإني أحبّ أن أسمع صوته » رواه أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه لشم ومقتشى هذا أن من القاين من يعندل الله له :نو ال اكاجنة لكر اهة ضيبو قد وقد زوق هذا العغتى أيضنا منضوضا ؛.
فليكن اليد خاننا من ذلك عند تعجيل احاية دعاته: قال أبو محمد عبد العزيز المهدوي » رضي الله عنه : « كل من لم يكن في دعائه تاركا لاختياره وراضيا باختيار الحق فهو مستدرج » وهو ممن قيل له : اقضوا حاجته فإني أكره أن أسمع صوته » فإذا كان في دعائه مع اختيار الحق تعالى » لا مع اختيار نفسه » كان مجابا وإن لم يعط » والأعمال بخواتيمها » اه . لعا جد ب اقيم 1 امور ا جم 20 29 وذلك ملل وجود. الاخطرار 4 ذال اله تعاتى : دن يُحِيًا المصنطر إذا ذعاة ز النم ١ 62 ] فر الإجابة على وجود الاضطرار . وقال بعض العارفين : « إذا أراد الله أن يستجيب دعاء عبد رزقه الاضطرار في الدعاء » . والاضطرار لا يتحققه العبد من نفسه في جميع حالاته » قال بعضهم : « المضطر الذي إذا رفع إلى الله يده لم ير لنفسه عملا » وهذا حال شريف » ومقام منيف ٠ يعزّ على أكثر الناس الوصول إليه » فكيف يتحقق مما ينبني عليه » وفي المسألة التي تأتي بأثر هذا تنبيه على هذا المعنى : 7 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه: (لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود , وإن تعين زمنه لئلا يكون ذلك قدحا في (1 ) أخرجه ابن حجر في ( فتح الباري 11 / 95 ) » والألباني في ( إرواء الغليل 3 / 143 ) ؛ والسيوطي في ( جمع الجوامع 5208 ) » وابن حجر في ( تلخيص الحبير 12 / 95 ) » والسيوطي في ( الدر المنثور 5 / 356 ) » والعجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 287 ) » وابن عدي في ( الكامل في الضعفاء 7 / 2621 ) » والسيوطي الحلبي في ( الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة 46 ) » والألباني في ( السلسلة الضعيفة 637 ) . 18 6 1 بصيرتك , وإخمادا لنور سريرتك) . الحق سبحانه لا يخلف الميعاد » فمن وعده مولاه شيئا » وإن كان معيّن الزمن » ثم لم يقع ذلك الموعود فلا ينبغي أن يشككه ذلك في صدق وعد ربه ؛ ويجوز أن يكون وقوع ذلك الوعد معلقا على امدق شو رق اسدنى الك نعلي لطي ذون القد قعل الج أن كدر من قدوين وجو نادي مع ربّه » ويسكن إليه فيما وعده به ويطمئن إليه ولا يتشكك في ذلك ولا يتزلزل اعتقاده فيه » فمن كان على هذا الوصف فهو عارف بالله تعالى سالم البصيرة » منور السريرة » وإلا فعلى العكس . 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : : ( إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها إن قل عملك . فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك . ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك , والأعمال أنت مهديها إليه » وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك ). معرفة الله تعالى هى غاية المطالب ونهاية الآمال والمآرب <ز 1 » ؛ فإذا واجه الله تعالى عبده ببعض أسبابها » وفتح له باب التعرّف له منها » وأوجد له سكينة وطمأنينة فيها » فذلك من النعم الجزيلة عليه » فينبغي أن لا يكترث بما يفوته بسبب ذلك من أعمال البر » وما يترتب عليها من جزيل الأجر » وليعلم أنه سلك يه مسلك الخاصة المقربين » المؤدى إلى حقائق التوحيد واليقين : من غير اكتساب من العبد » ولا بعمل .
والأعمال التي من شأنه أن يتلبس بها هي باكتسابه وبعمله » فلا تسلم من دخول الآفات عليها والمطالبة بوجود الإخلاص فيها وقد لا يحصل له ما ومثالة :ها ياب ينه الإنسان مح البلايا والقذائة: الت تتقطن ير 42> عليه لذات الذنيا:» و تمتعه من تكثير أعمال البر » فإنّ مراده أن يستمر بقاؤه في دنياه » طيب العيش ناعم البال » ويكون حاله في طلب سعادة الآخرة حال المترفين المتورعين ؛ فلا تسخو نفسه إلا بالأعمال الظاهرة التي لا كبير مؤنة عليه فيها » ولا مشقة » ولا تقطع عليه لذته ولا تفوته شهوته . ومراد الله منه : أن يطهره من أخلاقه اللئيمة » ويحول بينه وبين صفاته الذميمة » ويخرجه من أسر وجوده إلى متسع شهوده ؛ ولا سبيل له إلى الوصول إلى هذا المقام على غاية الكمال والتمام »؛ إلا بما يضادٌ مراده » ويشوش عليه معتادة » ويكون حاله حينئذ المعاملة بالباطن » ولا مناسبة بينها وبين الأعمال الظاهرة . (1 ) المآرب : ( ج ) المأرب : الأرب والبغية . 19 د فإذا فهم هذا علم أن اختيار الله له ومراده منه خير له من اختياره لنفسه ومراده لها . وقد روى أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه : أنزلت بعبدي بلائي فدعاني » فما طلته بالإجابة وفي حديث أبي هريرة « 1 » رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال الله تبارك وتعالى : إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عوّاد أنشطته من عقالي » وأبدلته لحما خيرا من لحمه » ودما خيرا من دمه » ويستأنف العمل » « 2 » . وروى عن سعيد المقبري قال : سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول : قال الله تبارك وتعالى : ذ إني ابتلى عدي المؤمن »فإذا لم يشكتي إلى عز اده حللك هذه عفدي ويالنه لهعا خير من لحمه » ودما خيرا من دمه » ثم قلت له : استأنف العمل » " 3 " . قال أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي « 4 » رضي الله عنه : « ولقد مرضت في سالف أيامي مرضة ء فلما شفاني الله تعالى منها مثلت في نفسي ما دبر الله تعالى من هذه العلة في مقدار هذه المدة وبين عبادة الثقلين في قدر أيام علتي » » فقلت : لو خيرت بين هذه العلة وبين أن تكون لي عبادة الثقلين في مقدار مدتها إلى أيهما يميل اختياري ؟ فصحّ عزمي ؛ ودام يقيني » ووقفت بصيرتي ي أن مختار الله تعالى أكثر شرفا » وأعظم خطرا » وأنفع عاقبة » وهي العلّة التي دبرها لي ولا شوب فيه إذ كان فعله » فشتان بين فعله بك لتنجو به وبين فعلك لتنجو به » فلما رأيت ذلك دق في عيني عبادة الثقلين في مقدار تلك المدة في جنب ما أتاني » فصارت العلة عندي نعمة » وصارت النعمة منة وصارت المّنة أملا » وصار الأمل عطفا » فقلت في نفسي : بهذا كانوا يستمرون في البلاء على طيب النفوس مع الحق لهذا الذي كسكس بض للد ور فهذه هي وجهة التعرف التي فتحها الله تعالى له » وحصلت له الغبطة بها » وآثرها (1 ) أبو هريرة : عبد الرحمن بن صخر الدوسي ( 21 ق ه 59 ه / 602 ه - 679 م ) صحابي يتيم . أسلم سنة ( 7 ه ) » ولازم النبي صلى الله عليه وسلم فروى عنه ( 5374 ) حديثا . ولي إمرة المدينة ثم البحرين . ( الرسالة القشيرية ص 101 » والأعلام 3 / 308 » وحلية الأولياء 1 / 376 ) .
(2 ) أخرجه البخاري ( إجارة » 16 ) » ( طب » 39 ) وأبو داود ( بيوع » 37 ) » ( طب » 9 )»ء وأحمد بن حنبل ( 4 » 367 » 5 ٠ 211 ) . (3 ) أخرجه الدارمي ( مقدمة » 1 ) . (4 ) محمد بن علي بن الحسن بن بشر أبو عبد الله » الحكيم الترمذي ( توفي نحو 320 ٠ / 2م ) باحث » صوفي », عالم بالحديث وأصول الدين من أهل « ترمذ » نفي منها بسبب تصنيفه كتابا خالف فيه ما عليه أهلها . له من الكتب « نوادر الأصول في أحاديث الرسول » و « الفروق » وغيرهما . 20 ( الأعلام 6 / 272 ؛ وكشف الظنون 2 / 938 » والرسالة القشيرية ص 400 ) . 21 "1" على عباده الثقلين واللّه اعلم » فإذا أنزل الله تعالى على العبد سينا من البلايا فليستسعر ما ذكرناه » وليجعله نصب عينيه » وليجدّد تذكاره على نفسه حتى يحصل له من السكون والطمأنينة ما يحمل عنه أثقال ذلك » ويزيل عنه مرارته » ويوجد حلاوته وعند ذلك يكون حاله في بلائه حال الشاكرين » من الفرح والاغتباط به » فيرى من حقّ شكره أن يأني بما يمكنه من أعمال بره ؛ واعتبر جميع ما قلناه في هذه المسألة بالحكاية التي ذكرها « أبو العباس ابن العريف » « 1 »» رحمه الله » في كتابه « مفتاح السعادة ومنهاج سلوك طريق الإرادة » قال فيه : « كان بالمغرب - عمره الله بالإسلام - رجل يدعى « أبا الخيّار » رحمه الله ونفعنا بذكره . أصله من « صقلية » « 2 » » وموطنه بغداد » وجاوز سنه التسعين وهو في الرّق « 3 » لم يعتقه مولاه » وذلك منه عن قصد واختيار » وعمّ جسده الجذام » ورائحة المسك توجد منه على مسافة بعيدة . قال الذي حذثني : رأيته يصلّي على الماء » ثم لقيت بعده « محمدا الإسفنجي » فإذا هو الأبرص ء فقلت : يا سيدي ٠ كأن الله تعالى لم يجد للبلاء محلا من أعدائه حتى أنزله بكم وأنتم خاصة أوليائه ! ! قال : فقال لي : اسكت ! ! لا تقل ذلك ؛ إِنْه لمّا أشرفنا على خزائن العطاء لم نجد عند الله شيئا أشرف ولا أقرب إليه من البلاء » فسألناه إِيَاه » فكيف بك لو رأيت سيّد الزهاد » وقطب العباد , وإمام الأولياء الأوتاد » في غار في أرض « طرسوس » « 4 » وجبالها لحمه يتناثر وجلده يسيل قيحا وصديدا « 5 » » وقد أحاط به الذباب والنمل » فإذا كان الليل لم يقنع بذكر الله وشكره على ما أعطاء من الرحمة وما أسكن جسده من العافية حتى يشدّ نفسه بالحديد » ويستقبل القبلة عامّة ليله حتى يطلع الفجر » انتهى . (1 ) أحمد بن محمد بن موسى الصنهاجي الأندلسي المري ( 481 - 526 ه - 1088 - 1 م ) أبو العباس » فاضل شهير بالصلاح . له شعر ومشاركة في العلوم » وصنف كتاب « محاسن المجالس » على طريق القوم » نسبته إلى المرية ووفاته بمراكش ( الأعلام 1 / 215 » ووفيات الأعيان 1 / 168 - 169 ) . (2 ) صقلية : من جزائر بحر المغرب مقابلة أفريقية » وهي مثلثة الشكل بين كل زاوية والأخرى مسيرة سبعة أيام . ( معجم البلدان 3 / 416 ) . (3 )الرّق : العبودية . ( 4 ) طرسوس : مدينة في تركيا ( قيليقيا ) كانت من العواصم . فتحها المأمون 788 م وفيها 5 ( معجم البلدان 4 / 28 ) . ( 5 ) الصديد : الدم المختلط بالقيح في الجرح .
22 "10" وسيأتي شيء من كلام المؤلف » رحمه الله » في هذا المعنى » والتنبيه عليه » واللّه ولي التوفيق . 9 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه: ( تنوعت أجناس الأعمال لتنوع واردات الأحوال» و الأعمال صور قائمة؛ و أرواحها وجود الإخلاص فيها ) . واردات الأحوال » هي : ما يرد على القلوب من المعارف الربّانية والأسرار الروحية » وهي توجب لها أحوالا حميدة ؛ فمنها وارد يوجب هيبة » ومنها وارد يوجب أنسا » ومنها وارد يوجب قبضا » ومنها وارد يوجب بسطا » إلى غير ذلك من مختلفات الأحوال . ولمّا كانت هذه الواردات متنوعة كانت أجناس الأعمال التى تقتضيها هذه الواردات أيضا متنوعة » والأعمال الظاهرة أبدا تبع لأحوال القلوب الباطنة » كما سيقول المؤلف بعد هذا » في قوله : « حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال » . الأعمال صور قائمة وأرواحها وجود سرّ الإخلاص فيها . إخلاص كل عبد في أعماله على حسب رتبته ومقامه ؛ فأمّا من كان منهم من الأبرار فمنتهى ذوجة الخلاصية أن تكون أغعاله سالفة هن الرياة التجلي و الشفى وقصية موافقة أهواء النفين طليا لما وعد الله تعالى به المخلصين من جزيل الثواب » وحسن المآب » وهربا عما أوعد به المخلطين من أليم العذاب وسوء الحساب » وهذا من التحقق بمعنى قوله تعالى : إِيَّاكَ نَعْبْدُ أي : لا نعبد إلا إياك ولا نشرك في عبادتنا غيرك . وحاصل أمره إخراج الخلق عن نظره في أعمال برّه » مع بقاء رؤيته لنفسه في النسبة إليها . والاعتماد عليها » وأمّا من كان منهم من المقرّبين فقد جاوز هذا إلى عدم رؤيته لنفسه في عمله » فإخلاصه إنما هو في شهود انفراد الحق تعالى بتحريكه وتسكينه من غير أن يرى لنفسه في ذلك حولا ولا قوة » ويعبّر عن هذا المقام بالصدق الذي يصح به مقام الإخلاص » وصاحب هذا مسلوك به سبيل التوحيد واليقين » وهو من التحقق بمعنى قوله تعالى : وَإِيَاكَ نَسْتعِينُ [ الفاتحة : 5 . أي : لا نستعين إِلّا بك لا بأنفسنا وحولنا وقوّتنا » فعمل الأول هو العمل لله تعالى » وعمل الثاني هو العمل بالله ؛ فالعمل لله يوجب المثوبة » والعمل بالله يوجب القربة » والعمل اله يوجب تحقيق العبادة » والعمل باللّه يوجب تصحيح الإرادة » والعمل لله نعت كل عابد » والعمل باللّه نعت كل قاصد » والعمل لله قيام بأحكام الظواهر » والعمل باللّهِ قيام بالضمائر . وهذه العبارات للإمام أبي القاسم القشيري « 1 » رضي الله عنه . (1 ) عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة النيسابوري القشيري ( 376 - 465 ٠ - 6 -- 23 20 وبهذا يتبيّن الفرق بين المقامين » وتباينهما في الشرف والجلالة ؛ فإخلاص كل عبد هو روح أعماله ؛ فيوجد ذلك تكون حياتها وصلاحيتها للتقرّب بها » ويكون فيها أهلية وجود القبول لها . وبعدم ذلك يكون موتها وسقوطها عن درجة الاعتبار » وتكون إذ ذاك أشباحا بلا أرواح » وصورا بلا معان . قال بعض المشايخ : « صحّح عملك بالإخلاص » وصحّح إخلاصك بالتبرّي من الحول والقوة ». 2 , ثم ذكر المؤلف » رحمه اللَّه » الحالة التي إذا كان العبد عليها كان مخلصا ء 0 ثم فقال الشيخ رضي الله عنه : ( ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه ). لا شيء أضرّ على المريد من الشهرة وانتشار الصيت ؛ لأن ذلك من أعظم حظوظه التي هو مأمور بتركها » ومجاهدة النفس فيها » وقد تسمح نفس المريد بترك ما سوى هذا من الحظوظ محبّة » والجاه وإيثار الاشتهار مناقض للعبودية التي هو مطالب بها . قال إبراهيم بن أدهم « 1 » » رضى الله عنه : « ما صدق الله من أحبّ الشهرة " .
وقال بعضهم : « طريقتنا هذه لا تصلح إلا لأقوام كنست أرواحهم المزابل " . وقال أيوب السجستاني « 2 » » رضي الله عنه : « واللّه ما صدق الله عبد إِلّا سرّه أن لا يشعر بمكانه » . وقال رجل لبشر بن الحارث « 3 » » رضى الله عنه : « أوصني . فقال : أخمل ذكرك » وأطب مطمعك » , - 1072 م ) من بني قشير بن كعب , أبو القاسم » زين الإسلام » شيخ خراسان في عصره » زهدا وعلما بالدين . كانت إقامته بنيسابور وتوفي فيها . وكان السلطان ألب أرسلان يقدمه ويكرمه . من كتبه « الرسالة القشيرية » و « التيسير في التفسير » وغيرهما . ( الأعلام 4 / 57 » وكشف الظنون 1 / 520 » والرسالة القشيرية ص 5 ) . (1 ) إبراهيم بن أدهم بن منصور التيمي البلخي أبو إسحاق ( توفي سنة 161 «٠ / 778 م ) زاهد مشهور . ٠ تفقه ورحل إلى بغداد » وجال في العراق والشام والحجاز وأخذ الكثير منها . ترك له والده أموالا كثيرة لكنه لم يعبا بمال أبيه . يصوم في السفر والإقامة وينطق بالعربية الفصحى لا يلحن » أخباره كثيرة وفيها اضطراب واختلاف في مسكنه ومتوفاه . ( الأعلام 1 / 31 » وحلية الأولياء 7 / 367 ٠ 8 / 3 » والرسالة القشيرية ص 391 ) . (2 ) أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني البصري ( 66 - 131 ٠ه - 685 - 748 م ) أبو بكر سيد فقهاء عصره » تابعي من النساك الزهاد » من حفاظ الحديث . كان تبتا ثقة روي عنه نحو 800 حديث . ( الأعلام 2 / 38 » وحلية الأولياء 3 / 3 » وتهذيب الكمال 2 / 404 ) . بشر بن الحارث بن علي بن عبد الرحمن المروزي » أبو نصر المعروف بالحافي ( 150 - 227 ه - 767 - 841 م ) من كبار الصالحين . له في الزهد والورع أخبار » وهو من ثقات رجال الحديث » من أهل « مرو » سكن بغداد وتوفي بها . 24 ) الأعلا 1 ا0 ف إأمه اك م 2 / 54 ٠ وطبقات الشعراني 1 / 62 » والرسالة القشيرية » ووفيات 0 و لقشيرية ص 404 » ووفي 25 يلا 221 وقال بشر » رضي الله عنه : « ما أعرف رجلا أحبّ أن يعرف إِلّا ذهب دينه وافتضح » . وقال أيضا : « لا يجد حلاوة الآخرة من أحبٌ أن يعرفه الناس " . امد ا : « بلغني أن الله عر وجل يقول في بعض ما يمن به على ه : ألم أنعم عليك » ألم أسترك » ألم أخمل ذكرك " . ثم إن تلك الأشياء الراجعة إلى محبّة الاشتهار والاستعلاء مما يقدح في إخلاص العبد على اختلاف مراتبه ؛ لأنه إِمّا سقوط الناس عن النظر إليهم » أو سقوط النفس عن النظر إليها » ولا يتبت للمريد جميع ذلك إلا بالخمول وسقوط المنزلة عند نفسه وعند الناس ؛ لأنه إن لم يكن بهذه المثابة لم ينفك عن الأغراض التي تبعثه على استمالة قلوب الخلق لما يرى لنفسه عليهم من الحق » فتدعوه نفسه إلى ذلك دعاء خفيّا » فينصبغ عمله بالرياء انصباغا لا يتفطّن له كما سيأتي عند قوله : « ربما دخل الرياء عليك حيث لا ينظر الخلق إليك » وبقدر تحققك وبهذا يتبين لك إفلاس جميع الناس إِلّا من رحم الله تعالى » وأن الإخلاص في غاية الصعوبة على النفس » وأنه أعز الأشياء في الوجود . وقيل لسهل بن عبد الله ؛ رضى الله عنه : " أي شيء أشدّ على النفس ؟
قال : الإخلاص ؛ لأنه وقال يوسف بن الحسين » رضي الله عنه : " أعزٌ شيء في الدنيا الإخلاص » وكم اجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي فكأنه ينبت فيه على لون آخر " . قال الشيخ أبو طالب المكّي « 2 » ٠ رضي الله عنه : « والإخلاص عند المخلصين إخراج الخلق من معاملة الخالق » وأول الخلق النفس » والإخلاص عند المحبّين : أن (1 ) الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي اليربوعي ( 105 - 187 ه - 723 - 803 م ) أبو علي شيخ الحرم المكي » من أكابر العباد الصلحاء . كان ثقة في الحديث . أخذ عنه خلق منهم الإمام الشافعي . ولد في سمرقند » ونشأ بأبيورد » ودخل الكوفة وهو كبير وأصله منها ثم سكن مكة وتوفي بها . من كلامه « من عرف الناس استراح » . ( الأعلام 5 / 153 ٠ وتذكرة الحفاظ 1 / 225 ٠ وحلية الأولياء 8 / 84 » والرسالة القشيرية ص 424 » ووفيات الأعيان 4 / 47 - 50 ) . (2 ) هو محمد بن علي بن عطية الحارثي واعظ زاهد فقيه من أهل الجبل ونشأ واشتهر بمكة ورحل إلى البصرة فاتهم بالاعتزال وسكن بغداد فوعظ فيها وتوفي ببغداد سنة 386 ه - 996 م . له « قوت القلوب » وغيره . ( الأعلام 6 / 274 » وكشف الظنون 2 / 1361 ٠ ووفيات الأعيان 4 / 303 - 304 ) . 26 27 "202" لا يعمل عملا لأجل النفس » وإِلّا دخل عليه مطالبة العوض أو تشوّف إلى حظ طبع » والإخلاص عند الموحّدين : خروج الخلق من النظر إليهم في الأفعال » وترك السكون والاستراحة بهم في الأحوال » انتهى . فإذا أخمل العبد نفسه » وألزمها التواضع والمذلّة » واستمر على ذلك حتى صار له خلقا « 1 » وجبلة بحيث لا يجد لضعته ألما » ولا لمذلته طعما فحينئذ تتزكىّ نفسه » ويستنير بنور الإخلاص قلبه » وينال من ربّه أعلى درجات الخصوصية » ويحصل على أوفر نصيب من المحبّة الحقيقية "نت قال الشيخ أبو طالب : « ومتى ذل في نفسه » واتضع عند نفسه » فلم يجد لذلّته طعما » ولا لضعته حسّا » فقد صار الذلّ والتواضع كونه ؛ فهذا لا يكره الذمّ من الخلق لوجود النقص في نفسه » ولا يحب المدح منهم ؛ لفقد القدر والمنزلة في نفسه » فصارت الذلة والضعة صفة له لا تفارقه » لازمة لزوم الزبالة لزبّال » والكساحة للكساح » وهما صنعتان له كسائر الصنائع . وربما فخر بهما لعدم النظر إلى نقصهما » فهذه ولاية عظيمة له من ربّه قد ولاه على نفسه » وملّكه عليها فقهرها بعزه » وهذا مقام محمود محبوب » وبعده مقام المكاشفات بأسرار الغيوب . ثم قال أبو طالب : ومن كان حاله مع الله تعالى الذلَ طلبه واستحلاه » كما يطلب المتكبّر العر ويستحليه إذا وجده » فإن فارق ذلك الذلَ ساعة تغيّر قلبه لفراق حاله » كما أنْ المتعزز إذا فارق العز ساعة تكدّر عليه عيشه ؛ لأن ذلك عيش نفسه » انتهى . فإذا » لا بدّ للمريد من إسقاط جاهه » وإخمال ذكره » وفراره عن مواضع اشتهاره » وتعاطيه أمورا مباحة تسقطه من أعين الناس » كقصة السائح الذي سمع به ملك زمانه » فجاء إليه » فلما علم بذلك السائح استدعى بقلا " 2 " وجعل يأكله أكلا عنيفا بمرأى من الملك » فلما رآه على تلك الحالة استحقره واستصغره وانصرف عنه ذامًا له . . . وسيأتى نص هذه القصّة بعد هذا عند قوله : « ربما دخل الرياء عليك من حيث لا ينظر الخلق إليك " .
وقد بالغ بعض أئمة الصوفية » رضي الله عنهم » في مداواة علّة الجاه الذي علق بالقلوب حتى استعملوا في ذلك أشياء منكرة في ظاهر الشرع » ورأوا ذلك جائزا لهم أن يفعلوه » ويأمروا به . وذلك مثل قصة الرجل الذي دخل الحمام ولبس من فاخر ثياب الناس تحت ثيابه بحيث تظهر » ومشى بذلك متحيّرا بحيث يرى ويظنّ به السرقة » فلما رآه (1 ) الجبلّة : الخلقة أو الأمة ( ج ) جبلات . (2 ) البقل : العشب عامة والخضراوات خاصة . 28 22" الناس أخذوه وصفعوه » ونزعوا الثياب عنه » واشتهر عندهم بالسرقة » حتى كان يعرف عندهم ب « لص الحمام » » فحينئذ وجد قلبه . ومثله ما يروى عن « أبي يزيد » رضي الله عنه » في قصّة الشاهد الذي أمره بحلق رأسه ولحيته وتعليق مخلاة الجوز في عنقه » وإعطائه [ من ذلك ] لمن يصفعه من الصبيان » وطوافه على الحالة في المحافل والمحاضر . والحكايتان مشهورتان » ذكرهما الإمام أبو حامد الغزالي » رضي الله عنه » وغيره . وقال يخض المصدفين : « وإذا جاز لمن غص بلقمة من طعام حلال أن يسيغها بجرعة من الخمر إذا لم يجد غيره » مع أن تحريمه مقطوع به » ولا يفوته إِلّا حياة فانية » فلئن يجوز مثل هذا إذا فسن اول إن تدر ده يذلك الهياة البافية ؛ والكويه من ال تحالت. , فإذا التزم العبد هذه الطرق من الرياضات ماتت نفسه » وحيى قلبه » وقرب من حضرة ربه » واجتنى ثمرة غرسه عل غاية الكمال والتمام » وتلك الثمرة أخلاق الإيمان التي تكيّفت بها نفسه وصارت كصفات ذاتية له » وهي نتيجة الحكمة التي أنبتها الله في قلوب عباده المتواضعين وَمَنْ يُوْتَ الْحِكْمَة فَقَد أوتِي خَيْراً كَِيراً [ البقرة : 269 ]. قال عيسى ؛ عليه الصلاة والسلام » لأصحابه : أين تنبت الحبّة ؟ قالوا : في الأرض » فقال عيسى » عليه الصلاة والسلام : كذلك الحكمة لا تنبت إِلَّا في قلب مثل الأرض . قلت : وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في مدح الخمول وذم الشهرة أحاديث كثيرة » منها ل » إنْ أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ 41> » ذو حظ من الصلاة » أحسن عيادة ريه » وأطاعه في السر . وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع » وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك ؛ ثم نفض يده » فقال : عجّلت منيّته » قلت بواكيه » قل تراثه " ا وفي حديث أبي هريرة » رضي الله عنه » قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « رب أشعث « 3 » أغبر ذي طمرين «4» تنبو عنه أعين الناس لو أقسم على الله لأبرّه " 5 " " . وروى معاذ بن جبل « 6 » رضي الله عنه » عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن يسيرا من الرياء (1 ) الخفيف الحاذ : خفيف الظهر . . ) 5 (3 ) الشعث : التلبد أو التغبّر . الطّمر : الثوب الخلق البالي ( ج ) أطمار . ( 5 ) أخرجه الترمذي ( مناقب » 54 ) . 29 ( 6 ) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي ( 20 ق ٠ه - 18 ٠ه - 603 - 639 م)- 30 » 24 « شوك اوات. من عادى أولياء الله فقد يار الله بالمحارية 6 وان الله يكب الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا » وإذا حضروا لم يدعوا ولم يعرفوا » قلوبهم مصابيح الهدى » يخرجون من كل غبراء مظلمة » « 1 » .
وروى أبو هريرة » رضي الله عنه » عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي فوّه فيه باسم « أويس القرني » « 2 » وأشاد بذكره ونبّه على عظيم أمره » رضي الله عنه » أنه قال « بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلقة من أصحابه إذ قال : « ليصلين معكم غدا رجل من أهل الجنة » « 3 » قال أبو هريرة : فطمعت أن أكون ذلك الرجل » فغدوت فصليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم » فأقمت في المسجد حتى انصرف الناس » فبقيت أنا وهو صلى الله عليه وسلم » فبينما نحن كذلك إذا أقبل رجل [ أسود ] متّزر « 4 » بخرقة مرتد بمرقعة » فجاء حتى وضع يده في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم » . ثم قال : يا نبي الله » ادع الله لي بالشهادة » فدعا النبي صلى الله عليه وسلم له بالشهادة » وإنا لنجد منه ريح المسك الأذفر « 5 » » فقلت يا رسول الله : أهو هو ؟ قال : نعم » إنه لمملوك بني فلان ؛ قلت : أفلا تشتريه فتعتقه يا نبى الله ؟ فقال : وأنَى لي بذلك » إن كان الله تعالى يريد أن يجعله من ملوك الجنة وساداتهم يا أبا هريرة » إنّ لأهل الجنة ملوكا وسادة » وإن هذا الأسود أصبح من ملوك الجنة وساداتهم يا أبا هريرة » إن الله عز وجل » يحب من خلقه الأصفياء الأخفياء الأبرياء الأتقياء الشعثة رؤوسهم » المغبرة تعن ضوم ١ - أبو عبد الرحمن » صحابي جليل ؛ كان أعلم الأمة بالحلال والحرام » وهو أحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم . أسلم وهو فتى » وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين جعفر بن أبي طالب . وشهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق » وبعثه رسول الله بعد غزوة تبوك قاضيا ومرشدا لأهل اليمن وبعث معه كتابا . فبقي في اليمن إلى أن توفي النبيّ صلى الله عليه وسلم فعاد إلى المدينة . ثم كان مع أبي عبيدة بن الجراح في غزو الشام ولما أصيب أبو عبيدة في طاعون عمواس استخلف معاذا » وأقره عمر فمات في ذلك العام . ( الأعلام 7 / 258 » وحيلة الألياء 1 / 228 ٠» وتهذيب الكمال 18 / 163 ) . (1 ) أخرجه ابن ماجة ( فتن » 16 ) . (2 ) أويس بن عامر بن جزء بن مالك القرني ( توفي 37 ه - 657 م ) من بني قرن بن ردمان بن ناجية بن مراد » أحد النساك العباد المقدمين » من سادات التابعين أصله من اليمن » يسكن القفار والرمال » وأدرك حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره » فوفد على عمر بن الخطاب ثم سكن الكوفة » وشهد وقعة صفين مع عليّ ويرجح الكثيرون أنه قتل فيها . ( الأعلام 2 / 32 ٠» وحلية الأولياء 2 / 79 وفيه مات في غزوة أذربيجان أيام عمر » وميزان الاعتدال 129 ) . ( 3 ) أخرجه أبو نعيم في ( حلية الأولياء » 2 / 81 ) . ( 4 ) متّزر : لابس الإزار والإزار كساء يغطي النصف الأسفل من البدن . 31 32 »25 « الخمصة « 1 » بطونهم من كسب الحلال » الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم » وإن خطبوا المتنعمات لم ينكحوا » وإن غابوا لم يفتقدوا » وإن حضروا لم يدعوا » وإن طلعوا لم يفرح بطلعتهم » وإن مرضوا لم يعادوا » وإن ماتوا لم يشهدوا . قالوا : يا رسول الله » كيف لنا برجل منهم ؟ قال : « ذلك أويس القرني » قالوا : وما أويس القرني ؟