Qur'an&Sunnah

İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb)

Sección V01/P425–V01/P427

ينبغي أن يعلم أنّ هذا الدّرويش لمّا نظرت إلى كلّ ذرّة من ذرّاتي بعدما أخرجت في المرّة الاولى من السّكر إلى الصّحو وبعد ما شرّفت بعد الفناء بالبقاء لم أجد غير الحقّ ووجدت جميع الذّرّات مرآة لشهوده سبحانه ثمّ أخرجت من ذلك المقام إلى الحيرة ولمّا رجعت إلى نفسي يعني صحوت من الحيرة وجدت الحقّ سبحانه مع كلّ ذرّة من ذرّات وجودي لا فيها وكان المقام السّابق في النّظر أسفل وأدنى من هذا المقام الثّاني ثمّ أخرجت إلى الحيرة ولمّا أفقت وجدت الحقّ سبحانه في تلك المرّة لا متّصلا بالعالم ولا منفصلا عنه ولا داخل العالم ولا خارجه وصارت نسبة المعيّة والإحاطة والسّريان على نهج كنت وجدتها أوّلا منتفية بالكلّيّة ومع ذلك كان مشهودا بتلك الكيفيّة بل كأنّه محسوس وكان العالم أيضا مشهودا في ذلك الوقت ولكن لم يكن للحقّ سبحانه شيء من تلك النّسب المذكورة ثمّ وقعت في الحيرة ولمّا أخرجت إلى الصّحو صار معلوما أنّ للحقّ سبحانه نسبة بالعالم وراء النّسب المذكورة وهذه النّسبة مجهولة الكيفيّة وكان تعالى مشهودا بالنّسبة المجهولة الكيفيّة ثمّ أخرجت إلى الحيرة وعرض لي في تلك المرتبة نحو من القبض ولمّا رجعت إلى نفسي صار الحقّ سبحانه مشهودا بغير تلك النّسبة المجهولة الكيفيّة على طور لا نسبة له بالعالم أصلا لا معلومة الكيفيّة ولا مجهولة الكيفيّة وكان العالم مشهودا في ذلك الوقت بتلك الخصوصيّة وحصل لي في ذلك الوقت علم خاصّ عناية من الله سبحانه وبسبب هذا العلم لم يبق بين الحقّ سبحانه والخلق مناسبة أصلا مع وجود كلا الشّهودين وصار معلوما في ذلك الوقت أنّ هذا المشهود مع هذه الصّفة ومع هذا التّنزيه ليس هو ذات الحقّ سبحانه وتعالى عن ذلك بل هو صورة مثاليّة لتعلّق تكوينه تعالى الّذي هو وراء التّعلّقات الكونيّة سواء كان ذلك التّعلّق معلوم الكيفيّة أو مجهول الكيفيّة هيهات هيهات، (شعر): كيف الوصول إلى سعاد ودونها . قلل الجبال ودونهنّ خيوف أيّها الأخ الأعزّ إنّي إن أجريت القلم في تفصيل الأحوال وتبيّن المعارف لانجرّ إلى التّطويل والإطناب وعلى الخصوص لو بيّنت معارف التّوحيد الوجوديّ وعلوم ظلّيّة الأشياء لعلم الّذين مضى عمرهم في التّوحيد الوجوديّ أنّهم لم ينالوا قطرة من ذلك البحر الّذي لا نهاية له والعجب أنّ تلك الجماعة لا يظنّون هذا الدّرويش من أرباب التّوحيد الوجوديّ بل يعدّونه من العلماء المنكرين للتّوحيد الوجوديّ ويزعمون من قصور النّظر أنّ الإصرار على المعارف التّوحيديّة من الكمال والتّرقّي من ذلك المقام نقص أو محال، شعر: كم من بليد غفول عن معائبه . يستحسن العيب زعما أنّه حسن ومستشهد هؤلاء الجماعة في هذا الأمر أقوال المشائخ المتقدّمين الّتي صدرت في التّوحيد الوجوديّ رزقهم الله سبحانه الإنصاف من أين علموا أنّ هؤلاء المشائخ لم يحصل لهم ترقّ من ذلك المقام وبقوا محبوسين فيه وليس الكلام في حصول المعارف التّوحيديّة فإنّه واقع ألبتّة وإنّما الكلام في التّرقّي من ذلك المقام فإن قالوا: صاحب التّرقّي منكر للتّوحيد واصطلحوا على ذلك فلا مناقشة فيه. (ولنرجع) إلى أصل الكلام ونقول: إنّه لمّا كان في القليل دلالة على الكثير وفي القطرة إشارة إلى البحر الغزير اكتفيت بالقطرة واقتصرت على القليل.

Sección V01/P427–V01/P428

أيّها الأخ، إنّ شيخنا لمّا حكم لي بالكمال والتّكميل أجاز لي بتعليم الطّريقة وأحال علىّ جماعة من الطّالبين كان لي في ذلك الوقت تردّد في كمالي وتكميلي فقال: ليس هذا محلّ التّردّد فإنّ المشائخ العظام قالوا لهذا المقام " مقام الكمال والتّكميل " فلو جاز تردّد في هذا المقام يلزمه تردّد في كماليّة هؤلاء المشائخ الكرام فشرعت في تعليم الطّريقة حسب الأمر وراعيت التّوجّهات في أحوال الطّالبين فصارت الآثار العظام محسوسة في المسترشدين حتّى تقرّر على السّاعات أمر السّنين واشتغلت بهذه الأشغال أوقاتا ظهر آخر الأمر العلم بنقصي وظهر لي أنّ التّجلّي البرقيّ الّذي قال المشائخ فيه انّه نهاية الأمر لم يظهر لي في هذا الطّريق أصلا ولم يعلم السّير إلى الله والسّير في الله أيضا أنّهما ما هما ولا بدّ من تحصيل هذه الكمالات وصار العلم بنقصي مبرهنا في ذلك الوقت فجمعت الطّالبين الّذين حولي وحدّثتهم حديث نقصي وودّعت جميعهم ولكنّ الطّالبين حملوا هذا المعنى على التّواضع وهضم النّفس ولم يرجعوا عمّا هم كانوا عليه فرزق الحقّ سبحانه الأحوال المنتظرة بحرمة حبيبه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام (اعلم) أنّ حاصل طريقة حضرة خواجكان قدّس الله أسرارهم اعتقاد أهل السّنّة والجماعة واتّباع السّنّة السّنيّة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة واجتناب البدعة الرّديّة والأهواء النّفسانيّة والعمل بالعزيمة مهما أمكن والإحتراز عن العمل بالرّخصة والإستهلاك والإضمحلال أوّلا في جهة الجذبة وعبّروا عن هذا الإستهلاك بالعدم. والبقاء الّذي يحصل في هذه الجهة بعد الإستهلاك معبّر عنه بوجود العدم يعني وجود وبقاء مترتّب على العدم الّذي هو الإستهلاك وهذا الإستهلاك والإضمحلال ليس هو عبارة عن الغيبة عن الحسّ بل قد تتّفق الغيبة عن الحسّ للبعض مع هذا الإستهلاك وقد لا تقع للبعض الآخر وصاحب هذا البقاء يمكن أن يرجع إلى الصّفات البشريّة وأن يعود إلى الأخلاق النّفسانيّة بخلاف البقاء الّذي هو مترتّب على الفناء فإنّ العود منه غير جائز يمكن أن يكون هذا معنى ما قال الخواجه النّقشبند قدّس الله تعالى سرّه الأقدس: إنّ وجود العدم يعود إلى وجود البشريّة وأمّا وجود الفناء فلا يعود إلى وجود البشريّة أصلا فإنّ الباقي بالبقاء الأوّل هو في الطّريق بعد والرّجوع عن الطّريق ممكن والثّاني واصل منته ولا رجوع للواصل قال واحد من الأكابر: ما رجع من رجع الّا من الطّريق ومن وصل لا يرجع. ينبغي أن يعلم أنّ صاحب وجود العدم وإن كان في الطّريق ولكن له بحكم اندراج النّهاية في البداية شعور بنهاية الأمر وما هو ميسّر للمنتهي في الآخر حاصل له خلاصته من هذه الجهة إجمالا وهذه النّسبة لمّا كانت في المنتهي بطريق الشّمول وعموم السّريان صارت حاصلة في روحانيّته وجسمانيّته البتّة وفي صاحب وجود العدم مقصور على خلاصة القلب ولو في الجملة وعلى سبيل الإجمال فلا جرم كان المنتهي صاحب تفصيل ورجوعه إلى صفات الجسمانيّة ممتنعا فإنّ سريان تلك النّسبة في مراتب جسمانيّته خلعه عن صفاتها وجعله فانيا وهذا الفناء موهبة محضة والرّجوع عن الموهبة المحضة لا يليق بجناب قدسه تعالى وتقدّس بخلاف صاحب وجود العدم فإنّ تلك السّراية مفقودة في حقّه. غاية ما في الباب أنّ هذه المراتب لمّا كانت تابعة للقلب كانت تلك النّسبة أيضا سارية فيها وكسرت سورتها وجعلتها مغلوبة ولكنّها ما بلغت حدّ الفناء والزّوال فيمكن الرّجوع عنه إذ المغلوب قد يغلب بعروض بعض العوارض ولحوق بعض الموانع والزّائل لا يعود كما مرّ.

Sección V01/P428–V01/P429

(واعلم) أنّ بعض المشائخ من هذه السّلسلة العليّة قدّس الله أرواحهم قد أطلقوا الفناء والبقاء على الإستهلاك والإضمحلال المذكور والبقاء الّذي يترتّب عليه وأثبتوا التّجلّي والشّهود الذّاتيّين أيضا في تلك المرتبة وقالوا لهذا الباقي واصلا وقالوا بتحقّق يادداشت الّذي هو عبارة عن دوام الحضور مع جناب الحقّ سبحانه في هذا المقام أيضا وكلّ ذلك باعتبار اندراج النّهاية في البداية والّا فالفناء والبقاء لا يكونان الّا للمنتهي الّذي هو الواصل والتّجلّي الّذي مخصوص به ودوام الحضور مع الله سبحانه لا يكون الّا للمنتهي الواصل إذ هو الّذي لا رجوع له أصلا وأمّا الإطلاق الأوّل فهو أيضا صحيح بالإعتبار المذكور ومبتن على وجه وجيه ومن هذا القبيل ما وقع في كتاب الفقرات لحضرة الخواجه عبيد الله أحرار قدّس الله سرّه الأقدس من إطلاق الفناء والبقاء والتّجلّي والشّهود الذّاتيّين والوصل ودوام الحضور. قال واحد من الأعزّة: إنّ مبنى ذلك الكتاب الّذي عبارة عن مكتوبات ورسائل مرسلة إلى بعض مخلصيه على دراية من أرسلت إليه ومعرفته وكلّموا النّاس على قدر عقولهم مراعى فيه ومن هذا القبيل أيضا رسالة سلسلة الأحرار الواقعة على طريق كلام حضرة الخواجه احرار والرّباعيّات المشروحة الّتي كتبها حضرة شيخنا مؤيّد الدّين الرّضيّ مولانا محمّد الباقي سلّمه الله تعالى وهذا البقاء بل جميع ما هو واقع في طرف الجذبة ناظر إلى توحيد الوجود ولهذا بيّن بعض المشائخ حقّ اليقين على نهج مآله إلى التّوحيد الوجوديّ وهذا البيان أوقع البعض في اشتباه أنّ حقّ اليقين الّذي هو منسوب إليهم ومختصّ بهم عبارة عن التّجلّي الصّوريّ وانجرّ ذلك إلى الطّعن والتّشنيع والحقّ أنّ هذا حقّ اليقين المنسوب إليهم الّذي بيّنه بعض المشائخ حاصل في جهة الجذبة وهذه المعرفة مناسبة لهذا المقام والتّجلّي الصّوريّ شيء آخر كما لا يخفى على أربابه وأطلقوا دوام الحضور على مرتبة شهود الوحدة في مرآة الكثرة على نهج تكون المرآة مختفية بالتّمام ولا يبقى المشهود غير الوجه الباقي أصلا لرؤيتهم هذا المقام مناسبا ليادداشت يعني دوام الحضور ويقولون لهذا الشّهود تجلّيا ذاتيّا أيضا وشهودا ذاتيّا ويقال لهذا المقام مقام الإحسان وعبّروا عن ذلك الإستهلاك والإضمحلال بالوصل، (ع) أنت غبّ فيه وذا عين الوصال وهذا الإصطلاح مخصوص بحضرة ناصر الدّين الخواجه عبيد الله أحرار قدّس سرّه ولم يتكلّم بهذا الإصطلاح أحد من المشائخ المتقدّمين من هذه السّلسلة، (ع) وجميع ما فعل المليح مليح ومن كلماته القدسيّة أنّ اللّسان مرآة القلب والقلب مرآة الرّوح والرّوح مرآة الحقيقة الإنسانيّة والحقيقة الإنسانيّة مرآة الحقّ سبحانه والحقائق الغيبيّة تصل إلى اللّسان من غيب الذّات بقطع هذه المسافة البعيدة ومنه تقبل صورة اللّفظ وتصل إلى مسامع المستعدّين للحقائق وقال أيضا: كنت في ملازمة بعض الأكابر مدّة فأنعم عليّ بشيئين أحدهما أنّ كلّما أكتبه يكون جديدا لا قديما. وثانيهما أنّ كلّما أقول يكون مقبولا لا مردودا ويفهم من كلماته القدسيّة هذه جلالة شأنه وعلوّ منزلة معارفه واتّضح أيضا أنّه ليس في البين في هذه الكلمات يعني لا مدخل له في صدورها عنه وإنّما ظهرت منه بطريق الإنعكاس وليس وظيفته ودخله فيها غير المرآتيّة لها والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال وما عنده من علوّ درجة ومنزلة الكمال وأنشد هذه المثنويّات، شعر: كان كلّ النّاس أصحابي على . ظنّهم والقلب بالسّرّ اختلى لم يكن سرّي بعيدا من أني .

Sección V01/P429–V01/P430

ني ولكن أين فهم للدّنىّ وسيكتب هذا الحقير نبذة من حقيقة علومه ومعارفه في آخر هذا المكتوب على مقدار فهمه القاصر والأمر عند الله سبحانه وإذا شرّف الحقّ سبحانه بكمال عنايته بعد حصول الجذبة وتمام تلك الجهة بنعمة السّلوك يمكن أن يقطع بمدد الجذبة المسافة البعيدة الّتي قدّروها بخمسين ألف سنة وفي قوله تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ والرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ رمز إلى هذا التّقدير في مدّة قليلة وأن يصل إلى حقيقة الفناء في الله والبقاء بالله ومنتهى السّلوك وصول السّالك إلى نهاية السّير إلى الله الّذي هو معبّر عنه بالفناء المطلق وبعد ذلك أيضا مقام الجذبة الّذي عبّروا عنه بالسّير في الله، والبقاء بالله والسّير إلى الله عبارة عن السّير إلى الإسم الّذي السّالك مظهره والسّير في الله سير في ذلك الإسم فإنّ كلّ اسم جامع لأسماء غير متناهية فيكون السّير فيه أيضا غير متناه ولهذا الدّرويش في هذا المقام معرفة خاصّة وستذكر إن شاء الله تعالى عن قريب وهذا الإسم في مراتب العروج فوق العين الثّابتة فإنّ العين الثّابتة للسّالك ظلّ ذلك الإسم وصورته العلميّة والجماعة المخصوصة بفضل الحقّ سبحانه يعرجون من هذا الإسم أيضا ويترقّون إلى ما شاء الله بلا نهاية، شعر: ومن بعد هذا يدقّ بيانه . وما كتمه أحظى لديّ وأجمل والواصلون من سائر أرباب السّلوك وإن كانوا مشاركين لهم في الجهة الثّانية ومتحقّقون بالفناء في الله والبقاء بالله ولكنّ المسافة الّتي يقطعها أرباب السّلوك بالرّياضات والمجاهدات ويصلون إلى منتهاها في أزمنة طويلة يقطعها أكابر هذه السّلسلة العليّة بالتذاذ دولة الشّهود وذوق وجدان المقصود في أزمنة قليلة ويصلون إلى كعبة المطلوب ثمّ بعد الوصول يحصل لهم ترقيّات غير متناهية والمنتهون من أرباب السّلوك قليلو النّصيب من ذلك التّرقّي والقرب فإنّ تقدّم الجذبة على السّلوك يستدعي نحوا من المحبوبيّة فإنّه ما لم يكن مرادا لا يحصل له جذب فإذا انجذب يقع أقرب ألبتّة ويحصل له زيادة القرب والفرق بين المراد وغير المراد كثير (ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) مثنويّ، شعر: عشق معشوق خفيّ وستّير . عشق عشّاق بطبل ونفير غير أنّ الثّاني مضن للبدن . عشق معشوق مزيد في السّمن فإن قيل: إنّ المرادين من سائر السّلاسل أيضا شركاء لهم في هذا التّرقّي والقرب فإنّ الجذبة مقدّمة على سلوكهم فما يكون مزيّة هذا الطّريق على غيره من الطّرق ولأيّ شيء يقال له إنّه أقرب الطّرق؟ أجيب: انّ سائر الطّرق ليست بموضوعة لحصول هذا المعنى بل تحصل هذه الدّولة لبعضهم على سبيل الإتّفاق وهذا الطّريق موضوع لحصول هذا المعنى ويادداشت الّذي يقع في عبارات أكابر هذه السّلسلة العليّة يتصوّر بعد تحقّق كلا جهتي الجذبة والسّلوك، وإطلاق النّهاية عليه باعتبار نهاية مراتب الشّهود والحضور والّا فالنّهاية المطلقة وراء الوراء. وتفصيله أنّ الشّهود إمّا في مرآة الصّورة أو في مرآة المعنى أو فيما وراء الصّورة والمعنى وقالوا لهذا الشّهود العاري عن الحجاب يعني حجاب الصّورة والمعنى برقيّا يعني أنّ حصول هذا الشّهود كالبرق ثمّ يكون في الحجاب فإذا حصل لهذا الشّهود بمحض فضل الحقّ سبحانه دوام وخرج عن مضيق الحجب بالتّمام يعبّرون عنه حينئذ بيادداشت الّذي هو حضور بلا غيبة فإنّ الشّهود مادام يحتجب ولم يحصل له دوام عدم الإحتجاب لا يطلق عليه اسم يادداشت.

Sección V01/P430–V01/P432

وههنا دقيقة ينبغي أن يعلم أنّ كلّ واصل لا رجوع له حضوره دائميّ ولكنّ سريان تلك النّسبة في كلّيّته كالبرق بخلاف المحبوبين الّذين جذبتهم مقدّمة على سلوكهم فإنّ هذا السّريان دائميّ فيهم وكلّيّتهم آخذة لحكم السّرّ وعاملة عمل السّرّ كما مرّت الإشارة إليه لانت أجسادهم كما لانت أرواحهم حتّى صارت ظواهرهم بواطنهم وبواطنهم ظواهرهم فلا جرم لا يكون في حضورهم للغيبة مجال فتكون هذه النّسبة فوق جميع النّسب على كلّ حال وهذه العبارة شائعة في كتبهم ورسائلهم لهذا المعنى فإنّ النّسبة عبارة عن الحضور، ونهاية مراتب الحضور هي أن يكون الحضور بلا حجاب ودائما وتخصيص مشائخ هذه الطّريقة هذه النّسبة بأنفسهم باعتبار وضع الطّريق لحصول هذه الدّولة كما مرّ والّا فإن تيسّرت لبعض أكابر طرق اخر أيضا فجائز بل واقع وقد أظهر قدوة أكابر أهل الله الشّيخ أبو سعيد أبو الخير قدّس الله سرّه رمزا من هذا الحضور وطلب تحقيقه من أستاذه حيث سأله هل يكون هذا الحديث دائميّا؟ فقال الاستاذ في جوابه: لا يكون فأعاد الشّيخ المسألة ثانيا ووجد الجواب الأوّل ثمّ كرّر السّؤال ثالثا فقال أستاذه في جوابه: فإن كان فنادر فرقص الشّيخ وقال هذا من تلك النّوادر. وما قلت من أنّ النّهاية المطلقة وراء الوراء فبيانه أنّه إذا وقع العروج بعد تحقّق هذا الحضور يقع السّالك في لجّة الحيرة ويخلف هذا الحضور وراء ظهره كسائر مراتب العروج وهذه الحيرة هي المسمّاة بالحيرة الكبرى المخصوصة بالأكابر كما وقع في كتب القوم قال واحد من الأكابر في هذا المقام، شعر: حسن تو مرا كرد ? نان زبر وزبر . كز خال وخط وزلف توام نيست خبر مضمونه: نسيت اليوم من عشقي صلاتي . فلا أدري غدائي من عشائي وقال الآخر: (شعر) تعالى العشق عن كفر ودين . كذاك عن التّشكّك واليقين رأيت العقل مقرونا بكفر . وذي دين وشكّ واليقين فجزت عوالما من غير عقل . فلم أر بعد من كفر ودين وكلّ الكون سدّك في طريق . أرى ذا سدّ يأجوج بعين وقال الآخر من الأعزّة (شعر) وقد ساروا وطاروا نحو أوج . فعادوا صفر جيب واليدين وبعد حصول هذه الحيرة مقام المعرفة ومن ذا يشرّف بهذه الدّولة ومن ذا يحتظّ بالإيمان الحقيقيّ بعد الكفر الحقيقيّ الّذي هو مقام الحيرة ونهاية مطلوب المحقّقين في هذا الإيمان ومقام الدّعوة وكمال متابعة سيّد المرسلين عليه الصّلاة والسّلام على وفق قوله تعالى (أَدْعُوا إلى الله عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اِتَّبَعَنِي) في هذا المقام وكان صلّى الله عليه وسلّم يطلب هذا الإيمان حيث قال في دعائه " اللهمّ أعطني إيمانا صادقا ويقينا ليس بعده كفر " وكان يستعيذ من الكفر الحقيقيّ الّذي هو مقام الحيرة حيث قال " أعوذ بك من الكفر والفقر». وهذه المرتبة نهاية مراتب حقّ اليقين وههنا ليس العلم والعين بعضهما حجابا عن بعض، شعر: هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها . وللعاشق المسكين ما يتجرّع (واعلم) أرشدك الله أنّ جذبة هؤلاء الأعزّة على نوعين النّوع الأوّل: واصل من الصّدّيق الأكبر رضي الله عنه وبهذا الإعتبار ينسب طريقهم إليه رضي الله عنه وحصول هذا النّوع بالتّوجّه إلى الوجه الخاصّ الّذي هو قيّوم جميع الموجودات والإستهلاك والإضمحلال فيه. والنّوع الثّاني مبدأ ظهوره في هذا الطّريق حضرة الخواجه بهاء الدّين النّقشبند وهو ينبعث من طريق المعيّة الذّاتيّة ووصلت تلك الجذبة من حضرة الخواجه إلى أوّل خلفائه الخواجه علاء الدّين ولمّا كان هو قطب الإرشاد في وقته وضع طريقا أيضا لحصول هذه الجذبة وذلك الطّريق مشهور فيما بين خلفاء هذه السّلسلة بالعلائيّ وربّما يقع في عباراتهم أنّ أقرب الطّرق الطّريقة العلائيّة وأصل هذه الجذبة وإن كان من الخواجه النّقشبند ولكنّ وضع الطّريق لتحصيلها مخصوص بالخواجه علاء الدّين قدّس الله أسرارهما والحقّ أنّ هذا الطّريق كثير البركة وقليله أنفع من كثير طرق الآخرين وخلفاء مشائخ العلائيّة والأحراريّة مشرّفون ومحتظّون بهذه الدّولة العظمى ويربّون الطّالبين بهذا الطّريق نال الخواجه أحرار هذه الدّولة العظمى من مولانا يعقوب ال? رخيّ عليهما الرّضوان وهو من خلفاء الخواجه علاء الدّين.

Sección V01/P432–V01/P433

(والنّوع الأوّل) من الجذبة الّذي هو منسوب إلى الصّدّيق الأكبر رضي الله عنه وضع لحصوله طريق على حدة وذلك الطّريق هو الوقوف العدديّ والسّلوك الّذي يتحقّق بعد هذه الجذبة أيضا على نوعين بل على أنواع نوع بلغ الصّدّيق رضي الله عنه مقصوده من هذا الطّريق، وخاتم الرّسالة عليه الصّلاة والسّلام أيضا وصل من موطن الجذبة بهذا الطّريق ولمّا كان الصّدّيق رضي الله عنه متخلّفا بكمال الأخلاق الّذي كان فيه صلّى الله عليه وسلّم وفانيا فيه خصّ من بين سائر الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين بخصوصيّة هذا الطّريق وهذه النّسبة أعني نسبة الجذبة والسّلوك المذكورين الآن وصلت إلى الإمام جعفر الصّادق بهذه الخصوصيّة ولمّا كانت والدة الإمام من بنات أولاد الصّدّيق رضي الله عنه قال الإمام بملاحظة كلا الإعتبارين ولدنى أبو بكر مرّتين وحيث كان الإمام أخذ نسبة على حدة من آبائه الكرام صار جامعا كلا هذين الطّرفين وجمع تلك الجذبة مع سلوكهم ووصل إلى المقصود بهذا السّلوك والفرق بين هذين السّلوكين هو أنّ سلوك الإمام عليّ يقطع بالسّير الآفاقيّ وسلوك الصّدّيق لا يتعلّق بالآفاق كثيرا ويشبّه بنقب نقبة من موطن الجذبة إلى أن تصل إلى المقصود. وفي السّلوك الأوّل تحصيل المعارف وفي الثّاني غلبة المحبّة فلا جرم كان الإمام عليّ باب مدينة العلم وكان للصّديق قابليّة خلّته عليه الصّلاة والسّلام قال عليه الصّلاة والسّلام «لو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا " وحصّل الإمام باعتبار جامعيّته للجذبة الّتي مبناها المحبّة وجهة السّلوك الآفاقيّ الّذي هو منشأ العلوم والمعارف نصيبا وافرا من المحبّة والمعرفة ثمّ فوّض الإمام هذه النّسبة المركّبة بطريق الوديعة إلى سلطان العارفين وكأنّه حمل ثقل هذه الأمانة على ظهره ليسلّمها إلى أهلها بالتّدريج ووجّه عنان توجّهه إلى جانب آخر لم تكن له مناسبة بتلك النّسبة قبل تحمّل تلك الأمانة وفي هذا التّحميل أيضا حكم كثيرة وإن كان نصيب الحاملين منها قليلا ولكن لها نصيب وافر من أنوار هؤلاء الأكابر كما أنّ نوعا من السّكر مثلا الّذي هو مندمج وممتزج فيها من آثار أنوار سلطان العارفين وهذا السّكر يجعل المبتدئ غائبا عن الحسّ ويورثه عدم الشّعور ثمّ يستتر بعد ذلك بالتّدريج باعتبار غلبة الصّحو تكون هذه النّسبة مندمجة في مراتب الصّحو ففى الظّاهر صحو وفي الباطن سكر وهذا البيت في بيان حالهم، شعر: بقلبك صاحبنا وجانب بظاهر . وذا السّير في الدّنيا قليل النّظائر وعلى هذا القياس أخذت من كلّ واحد من الأكابر نورا ووصلت إلى أهلها وهو العارف الرّبّانيّ الخواجه عبد الخالق الغجدوانيّ رأس حلقة سلسلة خوجكان قدّس الله أسرارهم ففى ذلك الوقت حصلت لتلك النّسبة طراوة كلّيّة وبرزت في عرصة الظّهور ثمّ صار جانب السّلوك الآفاقيّ مختفيا بعده في هذه السّلسلة وصاروا يسلكون طرقا أخر بعد حصول الجذبة ويعرجون منها ولمّا جاء حضرة الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس الله سرّه الأقدس إلى عالم الظّهور ظهرت تلك النّسبة ثانيا بتلك الجذبة والسّلوك الآفاقيّ وصار هو بهذين الجهتين جامعا لكمال المعرفة والمحبّة ومع وجود ذلك القسم الواحد من الجذبة أعطي قسما آخر منها أيضا منبعثا من طريق المعيّة كما مرّ وحصل من كمالاته نصيب وافر لنائب منابه أعني حضرة الخواجه علاء الحقّ والدّين وتشرّف بدولة كلا الجذبتين والسّلوك الآفاقيّ وبلغ مقام قطبيّة الإرشاد وكذلك الخواجه محمّد ? ارسا قدّس سرّه حاز حظّا وافرا من كمالاته قال حضرة الخواجه في آخر حياته في حقّه من أراد أن ينظر إليّ فلينظر إلى محمّد ونقل عنه أيضا أنّه قال: المقصود من وجود بهاء الدّين وجود محمّد ومع وجود هذه الكمالات في خواجه ? ارسا منحه الخواجه عارف الدّيك كرانىّ في آخر حياته نسبة الفرديّة وهذه النّسبة صارت مانعة له من المشيخة وتكميل الطّلبة والّا كان له في الكمال والتّكميل درجة عليا قال حضرة الخواجه في شأنه: لو ربّى هو المريدين لينوّر العالم منه ووجد مولانا عارف هذه النّسبة أعني نسبة الفرديّة من والد زوجته مولانا بهاء الدّين يعني القشلاقىّ.

Sección V01/P433–V01/P435

ينبغي أن يعلم أنّ وجه الفرديّة إلى الحقّ سبحانه بالتّمام لا تعلّق له بالمشيخة والتّكميل والدّعوة فإن اجتمعت تلك النّسبة مع نسبة قطبيّة الإرشاد الّتي هي مقام دعوة الخلق وتكميلهم ينبغي أن ينظر: فإن كانت نسبة الفرديّة غالبة فطرف الإرشاد والتّكميل ضعيف ومغلوب على هذه التّقدير والّا فصاحب هاتين النّسبتين في حدّ الإعتدال ظاهره مع الخلق بالتّمام وباطنه مع الحقّ تعالى وتقدّس بالكلّيّة، والدّرجة العليا في مقام دعوة الخلق لصاحب هاتين النّسبتين. ونسبة قطبيّة الإرشاد وإن كانت وحدها كافية في الدّعوة ولكن لهؤلاء الأكابر في هذا المقام مرتبة على حدة، نظرهم شفاء الأمراض القلبيّة وصحبتهم دافعة للأخلاق الغير المرضيّة وكان سيّد الطّائفة جنيد مستسعدا بهذه الدّولة ومشرّفا بهذه المنزلة حصلت له نسبة القطبيّة من شيخه السّرّىّ السّقطيّ ونسبة الفرديّة من الشّيخ محمّد القصّاب ومن كلماته القدسيّة انّ النّاس يزعمونني مريد السّرّيّ أنا مريد محمّد القصّاب جعل نسبة الفرديّة غالبة ونسي نسبة القطبيّة ورآها معدومة في جنبها. وبعد خلفاء الخواجه النّقشبند كان سراج هذه الطّائفة العليّة حضرة الخواجه عبيد الله أحرار قدّس سرّه توجّه إلى السّير الآفاقيّ بعد إتمام جذبة خواجكان قدّس الله أسرارهم وأوصل السّير إلى الإسم وحصل له الإستهلاك والفناء فيه قبل دخوله إلى الإسم ثمّ عاد إلى موطن الجذبة وحصل له في تلك الجهة استهلاك واضمحلال خاصّ ووجد البقاء أيضا في تلك الجهة وبالجملة كان له شأن عظيم في تلك الجهة وما تيسّر من العلوم والمعارف من الفناء والبقاء تيسّر له في هذا المقام وإن كان في العلوم تفاوت بواسطة تغاير الجهتين ومن التّفاوت إثبات توحيد الوجود وعدمه وكذلك إثبات أمور مناسبة للتّوحيد المذكور من الإحاطة والسّريان والمعيّة الذّاتيّات وشهود الوحدة في الكثرة مع اكتفاء الكثرة بالكلّيّة بحيث لا يرجع كلمة أنا إلى السّالك أصلا وأمثال ذلك بخلاف العلوم الّتي تترتّب على البقاء الّذي بعد الفناء المطلق فإنّها ليست كذلك بل هي مطابقة لعلوم الشّريعة حقيقة غير محتاجة إلى التّمحّلات والتّكلّفات والأسئلة والأجوبة وبالجملة انّ البقاء في جهة الجذبة أيّ جذبة كانت لا يخرج السّالك من السّكر ولا يدخله في الصّحو ولهذا لا يرجع أنا إلى السّالك الباقي مع وجود البقاء ولا تقع الإشارة عليه لأنّ في الجذبة غلبة المحبّة، وغلبة المحبّة يلزمها السّكر لا ينفكّ عنها بوجه من الوجوه ولهذا تكون علومها ممتزجة بالسّكر يعني بالمعارف السّكريّة كالقول بوحدة الوجود فإنّ مبناها على السّكر وغلبة المحبّة بحيث لا يبقى في نظر المحبّ سوى المحبوب فيحكم بنفي ما سواه فإن خرج من السّكر إلى الصّحو لا يكون شهود المحبوب مانعا عن شهود ما سواه فلا يحكم بوحدة الوجود والبقاء الّذي بعد الفناء المطلق ونهاية السّلوك فهو منشأ الصّحو ومبدأ المعرفة لا مدخل للسّكر في ذلك الموطن وما غاب عن السّالك في حالة الفناء يرجع إليه كلّه ولكن منصبغا بصبغ الأصل وهو المعنى بالبقاء بالله فبالضّرورة لا يكون للسّكر مجال في علوم أرباب هذا البقاء فتكون علومهم مطابقة لعلوم الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وأيضا إنّي سمعت واحدا من الأعزّة يقول: إنّ حضرة الخواجه أحرار قدّس سرّه حصّل أيضا نسبة من آبائه وأجداده من طرف أمّه وقد كانوا أصحاب أحوال غريبة وجذبات قويّة وكان لحضرة الخواجه أحرار نصيب وافر من مقام الأقطاب الإثنى عشر الّذين تأييد الدّين كان مربوطا بهم ولهم شأن عظيم في المحبّة وحصل له تأييد الشّريعة ونصرة الدّين من هذه الجهة وقد ذكرت ثمّة من أحواله فيما سبق ثمّ تحقّق إحياء طريقة هؤلاء الأكابر وإشاعة آداب هؤلاء الأعزّة بعده خصوصا في ممالك الهند الّتي كان أهلها محرومين من كمالاتهم بظهور معدن الإرشاد ومنبع المعارف مؤيّد الدّين الرّضيّ شيخنا ومولانا محمّد الباقي سلّمه الله وقد أردت أن أذكر نبذة من كمالاته أيضا في هذا المكتوب ولكن لمّا لم يفهم رضاؤه في هذا الباب تركت الجراءة عليه.

Sección V01/P435–V01/P436

المكتوب الحادي والتّسعون والمائتان إلى مولانا عبد الحيّ في بيان مراتب التّوحيد الوجوديّ والشّهوديّ وما يتعلّق بهما من المعارف بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين. اعلم أرشدك الله تعالى أنّ منشأ التّوحيد الوجوديّ في جماعة كثرة ممارسته مراقبات التّوحيد وملاحظة معنى لا إله الّا الله بلا موجود الّا الله وتعقّله كذلك وظهور هذا القسم من التّوحيد بعد التّمحّل والتّأمّل والتّخيّل بواسطة استيلاء سلطان الخيال فإنّ من كثرة مزاولة معنى التّوحيد تنتقش هذه المعرفة في المتخيّلة وحيث كانت مجعولة بجعل الجاعل تكون معلومة البتّة وليس صاحب هذا التّوحيد من أرباب الأحوال فإنّ أرباب الأحوال أرباب القلوب ولا خبر له في ذلك الوقت عن مقام القلب بل هو علميّ لا غير بل للعلم درجات بعضها فوق بعض ومنشأ التّوحيد الوجوديّ في جماعة أخرى الإنجذاب والمحبّة القلبيّة حيث اشتغلوا ابتداء بالأذكار والمراقبات خالية عن تخيّل معنى التّوحيد وبلغوا بالجدّ والجهد أو بمجرّد سبق العناية مقام القلب وحصّلوا الجذب فإن ظهر لهم في هذا المقام جمال التّوحيد الوجوديّ فسببه ينبغي أن يكون غلبة محبّة المجذوب فإنّها جعلت ما سوى المحبوب مختفيا عن نظرهم ومستورا فإذا لم يروا ما سوى المحبوب ولم يجدوه فلا جرم لا يعلمون موجودا غير المحبوب وهذا القسم من التّوحيد من الأحوال ومنزّه ومبرّأ عن علّة التّخيّل وشائبة التّوهّم والإنتقاش في الخيال فإن رجعت هذه الجماعة الّذين هم من أرباب القلوب من ذلك المقام إلى العالم يشاهدون محبوبهم في كلّ ذرّة من ذرّات العالم ويرون الموجودات مرايا حسن المحبوب ومجالي جماله فإن توجّهوا بمحض فضل الحقّ جلّ سلطانه من مقام القلب إلى جناب قدس مقلّب القلب تشرع هذه المعرفة التّوحيديّة الحاصلة في مقام القلب في الزّوال وكلّما صعدوا في معارج العروج يجدون انفسهم غير مناسب لتلك المعرفة حتّى تبلغ جماعة منهم حدّ الإنكار والطّعن في أرباب تلك المعرفة مثل شيخ ركن الدّين أبى المكارم علاء الدّولة السّمنانيّ ولا يبقى لبعض آخر شغل بنفي تلك المعرفة وإثباتها. وكاتب هذه السّطور يتحاشا من إنكار أرباب هذه المعرفة ويبعد نفسه عن طعنهم فإنّه إنّما يكون للإنكار والطّعن مجال إذا كان لأرباب ذلك الحال حين ظهوره قصد واختيار وهذا المعنى ظهر فيهم من غير إرادة وصنع منهم فهم مغلوبون لذلك الحال فيكونون معذورين البتّة ولا ردّ ولا طعن للمضطرّ المعذور ولكنّي أعلم أنّ فوق هذه المعرفة معرفة أخرى ووراء هذا الحال حالة أخرى والمحبوسون في هذا المقام ممنوعون عن كمالات كثيرة ومحرومون من مقامات عديدة وقد فتح لهذا الفقير قليل البضاعة باب هذه المعرفة من غير ممارسة معنى التّوحيد في ضمن المراقبات والأذكار بل من غير جدّ وجهد بفضل الحقّ سبحانه في ملازمة منبع الهداية والإفاضة ومعدن الحقائق والمعارف المستفاضة مؤيّد الدّين الرّضيّ شيخنا ومولانا محمّد الباقيّ قدّس الله تعالى سرّه الأقدس بعد تعليم الذّكر وتوجّهه والتفاته وإيصاله إلى مقام القلب وأعطيت في هذا المقام علوما غزيرة ومعارف كثيرة وانكشفت دقائق هذه المعارف وبقيت مدّة مديدة في هذا المقام ثمّ أخرجت آخر الأمر من مقام القلب بيمن عنايته لعبده وتوجّهت هذه المعارف في ضمن ذلك نحو الزّوال حتّى صارت بالتّدريج معدومة والمقصود من إظهار الأحوال ليعلم أنّ ما هو المسطور والمرقوم محرّر على وجه الذّوق والكشف لا على وجه الظّنّ والتّقليد وما ظهر من بعض أولياء الله تعالى من المعارف التّوحيديّة لعلّها ظهرت منهم في ابتداء أحوالهم من مقام القلب فلا يلحقهم حينئذ نقص من هذه الجهة أصلا وقد كتب هذا الفقير أيضا رسائل في المعارف التّوحيديّة ولمّا نشر بعض الأصحاب تلك الرّسائل تعسّر جمعها فتركت على حالها وإنّما يلزم النّقص إذا لم يجاوزوا هذا المقام. وطائفة أخرى من أرباب التّوحيد الّذين حصل لهم الإستهلاك والإضمحلال في مشهودهم على الوجه الأتمّ وجلّ همّتهم أن يكونوا مضمحلّين ومعدومين في مشهودهم دائما وأن لا يرى أثر من لوازم وجودهم ويرون رجوع أنا إلى أنفسهم كفرا. ونهاية الأمر عندهم الفناء والإنعدام حتّى يرون المشاهدة أيضا تعلّقا.

Sección V01/P436–V01/P437

قال بعضهم: أشتهي عدما لا أعود أبدا وهم قتلى المحبّة، وحديث «من قتلته محبّتي فأنا ديتهم " صادق في حقّهم ومتحقّق في شأنهم وهم تحت ثقل الوجود ليلا ونهارا لا يستريحون لمحة فإنّ الرّاحة في الغفلة ولا مجال للغفلة على تقدير دوام الإستهلاك. قال شيخ الإسلام الهرويّ: من أغفلني عن الحقّ سبحانه ساعة أرجو أن يغفر له جميع ذنوبه والغفلة لازمة للوجود البشريّة وجعل الحقّ سبحانه وتعالى ظاهر كلّ منهم من كمال كرمه مشغولا بأمور مستلزمة للغفلة على قدر استعداده ليخفّف عنهم أثقال الوجود في الجملة: ألّف جماعة منهم السّماع والرّقص وجعل طائفة مشغولة بتصنيف الكتب وتحرير العلوم والمعارف وشغّل بعضهم بأمور مباحة كان الشّيخ عبد الله الاصطخريّ يذهب إلى الصّحراء ومعه كلاب يصطاد بهنّ فسأل شخص واحد من الأعزّة عن سرّه فقال: ليتخلّص عن ثقل الوجود لحظة وروّح بعضهم بعلوم التّوحيد الوجوديّ وشهود الوحدة في الكثرة ليستريح من تلك الأثقال ساعة ومن هذا القبيل ما ظهر من بعض أكابر مشائخ النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم العليّة من المعارف التّوحيديّة فإنّ نسبتهم تجرّ إلى التّنزيه الصّرف لا تعلّق لها بالعالم وشهود العالم وما كتبه معدن الإرشاد ومنبع الحقائق والمعارف ناصر الدّين الخواجه عبيد الله أحرار من المعارف المناسبة بعلوم التّوحيد الوجوديّ، وشهود الوحدة في الكثرة من القسم الأخير من التّوحيد وكتاب الفقرات له مشتمل على بعض علوم التّوحيد وغيرها منشأ علوم ذلك الكتاب. والمقصود من تلك المعارف استيناسه وألفته بالعالم وكذلك معارف شيخنا المحرّرة في بعض الرّسائل على طبق كلام كتاب الفقرات وليس منشأ هذه العلوم التّوحيديّة الجذبة ولا غلبة المحبّة ولا نسبة لمشهودهم بالعالم وما يرى لهم في مرآة العالم إنّما هو شبه مشهودهم ومثاله لا مشهودهم الحقيقيّ كما أنّ شخصا إذا كان عاشقا لجمال الشّمس ومن كمال المحبّة أفنى نفسه في الشّمس بحيث لم يترك من نفسه اسما ولا رسما فإذا أريد تسليته وأنسه وألفته بما سوى الشّمس ليتنفّس من غلبة تشعشع أنوارها لمحة ويستريح منها لحظة يرى له الشّمس في مجالي هذا العالم ويحصل له بتلك العلاقة أنس وألفة بهذا العالم ويقال له أحيانا: إنّ هذا العالم عين الشّمس ولا موجود غيرها أصلا وأحيانا يرى له جمال الشّمس في مرآة ذرّات العالم. لا يقال: إنّ العالم إذا لم يكن عين الشّمس في نفس الأمر يكون الإخبار بأنّه عين الشّمس خلاف الواقع لأنّا نقول: إنّ لبعض أفراد العالم مع بعض آخر اشتراكا في بعض الامور وامتيازا في بعض آخر والحقّ سبحانه بكمال قدرته يخفي عن نظر هؤلاء الأكابر الامور الباعثة على الإمتياز بواسطة بعض الحكم والمصالح ويبقى الأجزاء المشتركة فقط مشهودة فيحكمون باتّحاد بعضها لبعض بالضّرورة فتجد الشّمس فيما نحن فيه بهذه العلاقة عين العالم وكذلك الحقّ سبحانه وإن لم يكن له مناسبة بالعالم في الحقيقة أصلا ولكنّ المشابهة الإسميّة قد تصير مصحّحة لهذا الإتّحاد فإنّ الحقّ سبحانه مثلا موجود والعالم أيضا موجود وإن لم يكن بين الوجودين في الحقيقة مناسبة أصلا وكذلك هو تعالى عالم وسميع وبصير وحيّ وقادر ومريد وبعض أفراد العالم أيضا متّصف بهذه الصّفات وإن كان صفات كلّ منهما مغايرة لصفات الآخر ولكن لمّا كانت خصوصيّة الوجود الإمكانيّ ونقائص المحدثات مستورة عن نظرهم ساغ لهم لو حكموا بالإتّحاد وهذا القسم الأخير من التّوحيد أعلى أقسام التّوحيد بل ليس أرباب هذه المعرفة في الحقيقة مغلوبي هذا الوارد ولم يكن الباعث على هذه المعرفة سكرهم بل اورد عليهم هذا الوارد لأجل مصلحة ما وأريد إخراجهم من السّكر إلى الصّحو بسبب هذه المعرفة وتسليتهم بها كما تتسلّى جماعة بالسّماع والرّقص وطائفة بالإشتغال ببعض أمور مباحة.

Sección V01/P437–V01/P439

ينبغي أن يعلم أنّ هؤلاء المذكورين من هذه الطّوائف يشتغلون ببعض أمور مغايرة لمشهودهم ويتسلّون بها على ما عرفت بخلاف هؤلاء الأكابر فإنّهم لا يلتفتون إلى أمر مغاير لمشهودهم ولا يتسلّون به فلا جرم قد يرى لهم العالم عين مشهودهم أو يظهر لهم مشهودهم في مرآة العالم ليخفّ عنهم ذلك الثّقل ساعة ومنشأ هذا القسم الأخير من التّوحيد لم يكن معلوما لهذا الحقير بطريق الكشف والذّوق بل المعلوم هو الجهتان السّابقتان وهذا القسم ظنيّ ولهذا لم أكتب في كتبي ورسائلي الّا هاتين الجهتين بل الجهة الثّانية فقط وجعلت التّوحيد الوجوديّ منحصرا فيها ولكن لمّا وقع المرور ببلدة دهلي المحروسة بعد رحلة مرشدي وقبلتي بنيّة زيارة قبره الشّريف اتّفاقا وذهبت لزيارة قبره الشّريف يوم عيد ظهر في أثناء التّوجّه إلى مزاره المتبرّك من روحانيّته المقدّسة التفات تامّ ومنحنى من كمال الطافه وإشفاقه للغرباء نسبته الخاصّة المنسوبة إلى الخواجه أحرار قدّس سرّه ولمّا وجدت تلك النّسبة في نفس وجدت حقيقة تلك العلوم والمعارف بطريق الذّوق بالضّرورة وعلمت أنّ منشأ التّوحيد الوجوديّ فيهما ليس هو الإنجذاب القلبيّ وغلبة المحبّة بل المقصود من تلك المعرفة تخفيف تلك المحبّة ولم أر إظهار هذا المعنى مناسبا إلى مدّة مديدة ولكن لمّا كان ذلك الوجهان السّابقان مذكورين في بعض الرّسائل وقع من ذلك أناس قليلو الدّراية في توهّم أنّه يلزم من هذا البيان تنقيص هذين الشّيخين الجليلين بأنّ طريقهما طريق أرباب التّوحيد وأطالوا بهذا السّبب لسان الفتنة حتّى صار ذلك التّوهّم في بعض الطّلّاب القليلي الإخلاص واليقين باعثا على فتور أحوالهم فرأيت المصلحة في إظهار هذا القسم من التّوحيد بالضّرورة ورأيت المناسب ذكر تلك الواقعة للاستشهاد فحرّرتها لذلك. (نقل) درويش من مخلصي شيخنا عنه أنّه قال: إنّ النّاس يزعمون بأنّا نكتسب النّسبة من مطالعة كتب أرباب التّوحيد وليس كذلك بل المقصود أن نغفل أنفسنا ساعة وهذا الكلام مؤيّد للكلام السّابق. ونقل معدن الفضيلة الشّيخ عبد الحقّ الّذي هو من مخلصي شيخنا عنه أنّه قال قبيل أيّام رحلته: قد صار معلوما لنا بيقين يقين أنّ التّوحيد الوجوديّ سكّة ضعيفة والطّريق السّلطانيّ غيره وإن كنت أعلم ذلك قبل ذلك ولكنّ الآن قد ظهر هذا القسم من اليقين به ويفهم من هذا الكلام أيضا أنّه لم يكن لمشربه مناسبة بالتّوحيد الوجوديّ في آخر الأمر وإن كان قد ظهر مثل هذا التّوحيد في ابتداء الحال فليس ذلك بضائر بل قد ظهر مثل هذا التّوحيد لكثير من المشائخ في ابتداء أمرهم ثمّ انقلعوا عنه في الآخر. وأيضا إنّ بين طريق الخواجه النّقشبند وطريق الخواجه أحرار فرقا ومغايرة بعد الوصول إلى مقام الجذبة النّقشبنديّة وكذلك بين علومهما ومعارفهما أيضا فرق وغالب توجّه الخواجه أحرار بعد ذلك إلى نسبة أجداده من طرف أمّه وكانوا كبراء بطنا بعد بطن. وهذا الفناء والإنعدام الّذي ذكر فيما سبق من لوازم نسبة هؤلاء الأكابر وهذا الفقير اختار لتربية الطّالبين طريق حضرة الخواجه النّقشبند لمصلحة أبناء هذا الوقت ورأيت المناسب ظهور علوم هذا الطّريق ومعارفه الّتي هي أكثر مناسبة بعلوم الشّريعة في مثل هذا الزّمان الفاسد الّذي ظهر فيه ضعف تامّ في أركان الشّريعة فعيّنت هذا الطّريق لإفادة الطّالبين فلو أراد الحقّ سبحانه ترويج الطّريقة الأحراريّة بواسطة هذا الحقير لنوّر العالم بأنوارها فإنّي قد اعطيت أنوار كلّ من هذين الشّيخين المعظّمين على وجه الكمال وكشف عن طريق تكميل كلّ منهما أنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، (شعر): مليك من عنايته ولطفه . لأعطي للفقير العالمينا آخر: فإذا أتى باب العجوز خليفة .

Sección V01/P439–V01/P440

إيّاك يا صاح ونتف سبالكا وقد أوردت بعض الأسرار الخفيّة بحكم (وأمّا بنعمة ربّك فحدّث) في معرض الظّهور نفع الحقّ سبحانه الطّالبين بها وإنّي وإن كنت أعلم أنّها لا تزيد المنكرين غير الإنكار ولكنّ المقصود إفادة الطّالبين والمنكرون خارجون عن المبحث ومبعدون عن مطمح النّظر (يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا) ولا يخفى على أرباب البصيرة أنّ اختيار طريق من الطّرق لإجل مصلحة لا يستلزم أفضليّة هذا الطّريق على طريق آخر ولا يلزم منه تنقيصه، (شعر): ويمكن غلق أبواب الحصون . ولكن لا نجاة من الكلام المكتوب الثّاني والتّسعون والمائتان إلى الشّيخ حميد البنكاليّ في بيان الآداب الضّروريّة للمريدين ودفع بعض الشّبه بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الّذي أدّبنا بالآداب النّبويّة وهذّبنا بالأخلاق المصطفويّة عليه وعلى آله أفضل الصّلاة والسّلام وأزكى التّحيّة (اعلم) أنّ سالكي هذا الطّريق لا يخلون عن أحد الحالين إمّا أن يكونوا مريدين وإمّا أن يكونوا مرادين فإنّ كانوا مرادين فطوبى لهم يوصل بهم إلى المطلب الأعلى من طريق الإنجذاب والمحبّة من غير اختيار ويعلمون كلّ أدب لازم بواسطة أو بلا واسطة فإن صدرت عنهم زلّة ينبّهون عليها سريعا ولا يؤاخذون بها فإن احتاجوا إلى شيخ ظاهر يهتدون إليه من غير سعي عنهم وبالجملة انّ العناية الأزليّة متكفّلة لجال هؤلاء الأكابر ولا بدّ من حصول أمرهم بسبب أو بلا سبب والله يجتبي إليه من يشاء. وإن كانوا مريدين فأمرهم من غير شيخ كامل مكمّل عسير والشّيخ ينبغي أن يكون مشرّفا بدولة الجذبة والسّلوك ومستسعدا بسعادة الفناء والبقاء وأن يكون قد أتمّ السّير إلى الله والسّير في الله والسّير عن الله بالله والسّير في الأشياء بالله فإن كانت جذبته مقدّمة على سلوكه وتربّى بتربية المرادين فهو كبريت أحمر وكلامه دواء ونظره شفاء، إحياء القلوب الميّتة منوط بتوجّهه الشّريف وتزكية النّفوس العاتية مربوطة بالتفاته اللّطيف فإن لم يوجد صاحب دولة مثل ذلك فالسّالك المجذوب أيضا مغتنم يحصل منه تربية النّاقصين ويصلون بوساطته إلى دولة الفناء والبقاء، شعر: متى قسنا السّما بالعرش ينحطّ . وما أعلاه إن قسنا بأرض فإن اهتدى الطّالب بعناية الحقّ جلّ سلطانه إلى مثل هذا الشّيخ الكامل المكمّل ووصل إليه ينبغي أن يغتنم وجوده وأن يفوّض نفسه إليه بالتّمام وأن يعتقد سعادته في مرضيّاته وشقاوته في خلاف مرضيّاته وبالجملة ينبغي أن يجعل هواه تابعا لرضاه وفي الخبر النّبويّ عليه الصّلاة والسّلام «لن يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تابعا لما جئت به " اعلم أنّ رعاية آداب الصّحبة ومراعاة شرائطها من ضروريّات هذا الطّريق حتّى يكون طريق الإفادة والإستفادة مفتوحا وبدونها لا نتيجة للصّحبة ولا ثمرة للمجالسة ولنورد بعض الآداب والشّرائط الضّروريّة في معرض البيان ينبغي استماعها بسمع العقل (اعلم) أنّه ينبغي للطّالب أن يعرض بقلبه عن جميع الجهات وأن يتوجّه به إلى شيخه وأن لا يشتغل بالنّوافل والأذكار مع وجود الشّيخ بلا إذنه ولا يلتفت في حضوره إلى غيره بل يجلس لديه متوجّها بكلّيّته إليه حتّى لا يشتغل عنده بالذّكر أيضا الّا أن يأمره به ولا يصلّي في حضوره غير الفرائض والسّنن.

Sección V01/P440–V01/P441

ونقل عن سلطان هذا الوقت أنّ وزيره كان قائما عنده فالتفت الوزير في ذلك الوقت اتّفاقا إلى ثوبه وأصلح أزراره بيده فوقع نظر السّلطان عليه في هذا الحال فرآه متوجّها إلى غيره فقال له بلسان العتاب: أنا لا أقدر أن أهضم هذا الفعل تكون وزيري وتلتفت في حضوري إلى غيري وتشتغل بإصلاح أزرار ثوبك فينبغي التّأمّل إذا كانت رعاية الآداب الدّقيقة لازمة في وسائل الدّنيا الدّنيّة تكون رعاية الآداب لازمة على الوجه الأتمّ في وسائل الوصول إلى الله ومهما أمكن لا يقوم في محلّ يقع ظلّه على ثوب شيخه أو على ظلّه ولا يضع رحله في مصلّاه ولا يتوضّأ في متوضّاه ولا يستعمل ظروفه الخاصّة به ولا يشرب ماء ولا يأكل طعاما ولا يكلّم أحدا في حضوره بل لا يكون متوجّها إلى أحد ولا يمدّ رجله عند غيبة شيخه إلى جانب هو فيه ولا يرمى بزاقه إلى ذلك الجانب وكلّ شيء يصدر عن شيخه يعتقده صوابا وإن لم ير صوابا في الظّاهر فإنّه يفعل ما يفعله بطريق الإلهام والإذن فلا يكون للاعتراض مجال على هذا التّقدير وإن تطرّق الخطأ إلى إلهامه في بعض الصّور فإنّ الخطأ الإلهاميّ كالخطأ الاجتهاديّ لا يجوز فيه الملامة والإعتراض وأيضا إنّ المريد لا بدّ من أن يحصل له محبّة الشّيخ وكلّ ما يصدر عن المحبوب يكون محبوبا في نظر المحبّ فلا يكون للاعتراض مجال وليقتد بشيخه في الكلّيّ والجزئيّ سواء كان في الأكل والشّرب أو اللّبس أو النّوم أو الطّاعة وينبغي أن يصلّي الصّلاة على طرز صلاته وأن يأخذ الفقه من عمله، شعر: من كان في قصره الحسناء قد فرغا . من التّنزّه في البستان والمرج ولا يترك في نفسه مجالا للاعتراض على حركاته وسكناته أصلا وإن كان الإعتراض مقدار حبّة خردلة فإنّه لا نتيجة للاعتراض غير الحرمان وأشقى جميع الخلائق وأبعدهم عن السّعادة الّذين يرون عيوب هذه الطّائفة نجّانا الله سبحانه من هذا البلاء العظيم ولا يطلب من شيخه الكرامات وخوارق العادات وإن كان هذا الطّلب بطريق الخواطر والوساوس فهل سمعت قطّ أنّ مؤمنا طلب من نبيّه معجزة وإنّما طلبها الكفّار وأهل الإنكار، (شعر): المعجزات مفيدة قهر العدا . ونتيجة التّقليد ذاك الإقتدا ما المعجزات مفيدة الإيمان بل . قد يجذب التّقليد نحو الإهتدا فإن عرضت لخاطره شبهة يعرضها على شيخه من غير توقّف فإن لم تنحلّ فلير التّقصير من نفسه ولا يجوّز عود منقصة أصلا إلى جانب شيخه فإن وقعت عليها واقعة لا يكتمها عن شيخه ويطلب تعبير الوقائع منه ويعرض عليه أيضا ما انكشف له من التّعبير ويطلب منه تمييز صوابه عن خطئه ولا يعتمد على كشوفه أصلا فإنّ الحقّ ممتزج بالباطل في هذه الدّار والصّواب مختلط بالخطأ ولا يفارقه بلا ضرورة ولا إذن منه فإنّ اختيار الغير وتفضيله عليه مناف للإرادة ولا يرفع صوته فوق صوته ولا يتكلّم معه برفع صوته فإنّه سوء أدب وكلّ فيض وفتوح يرد عليه فليعتقد أنّه بواسطة شيخه فإن رأى في الواقعة أنّ الفيض يرد عليه من مشائخ أخر فليره أيضا من شيخه وليعلم أنّ الشّيخ لمّا كان جامعا للكمالات والفيوضات وصل إليه منه فيض خاصّ مناسب لإستعداده الخاصّ الملائم لكمال شيخ من الشّيوخ أعني الّذي ظهرت منه صورة الإفاضة وإنّ لطيفة من لطائف شيخه لها مناسبة بذلك الفيض ظهرت في صورة ذلك الشّيخ فتخيّل المريد تلك اللّطيفة بواسطة الإبتلاء شيخا وظنّ أنّ الفيض منه وهذه مغلطة عظيمة حفظنا الله من زلّة الأقدام ورزقنا الإستقامة على اعتقاد الشّيخ ومحبّته بحرمة سيّد البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وبالجملة الطّريق كلّه آداب مثل مشهور لا يصل العاري عن الآداب إلى الله تعالى فإن رأى المريد نفسه مقصّرا في رعاية بعض الآداب ولم يبلغ حدّ أدائها كما ينبغي ولم يقدر أن يخرج عن عهدتها بالسّعي فهو معفوّ عنه ولكن لا بدّ من الإعتراف بالتّقصير فإن لم يراع الآداب عياذا بالله سبحانه ولم ير نفسه مقصّرا فهو محروم من بركات هؤلاء الأكابر، (شعر): من لم يكن نحو السّعادة مقبلا .

Sección V01/P441–V01/P443

فشهوده وجه النّبيّ لا ينفعه نعم إذا وصل المريد ببركة توجّه الشّيخ وهمّته إلى مرتبة الفناء والبقاء وظهر له طريق الإلهام والفراسة وسلّم له الشّيخ ذلك وصدّقه وشهد له بالكمال والإكمال فحينئذ يسوغ لمثل هذا المريد أن يخالف شيخه في بعض الامور الإلهاميّة وأن يعمل بمقتضى إلهامه وإن تحقّق عند الشّيخ خلافه فإنّ المريد قد خرج حينئذ عن ربقة التّقليد والتّقليد خطأ في حقّه ألا ترى أنّ الأصحاب الكرام خالفوا رأي النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الامور الإجتهاديّة والأحكام الغير المنزّلة وظهر الصّواب في بعض الأوقات في جانب الأصحاب كما لا يخفى على أرباب العلم أولي الألباب فعلم أنّ مخالفة الشّيخ بعد الوصول إلى مرتبة الكمال والإكمال مجوّز وعن سوء الأدب مبرّأ بل الأدب هنا هو هذه المخالفة والّا فأصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كانوا مؤدّبين بكمال الأدب لم يفعلوا شيئا بلا تقليد وتقليد أبي يوسف أبا حنيفة رحمهما الله تعالى بعد بلوغه مرتبة الإجتهاد خطأ والصّواب إنّما هو متابعة رأيه لا رأى أبي حنيفة وقد اشتهر عن الإمام أبي يوسف رحمه الله أنّه قال: نازعت أبا حنيفة في مسألة خلق القرآن ستّة أشهر. ولعلّك سمعت أنّ تكميل الصّناعة بتلاحق الأفكار فإنّها لو بقيت على فكر واحد لما حصلت فيها الزّيادة ألا ترى أنّ النّحو الّذي كان في زمن سيبويه حصل له اليوم باختلاف الآراء وتلاحق الأفكار والأنظار زيادة مائة أمثاله وبلغ نهاية كماله ولكن لمّا كان هو واضع بنائه ومؤسّس أساسه كان الفضل له الفضل لمتقدّمين ولكنّ الكمال لهؤلاء المتأخّرين " مثل أمّتي مثل المطر لا يدرى أوّله خير أم آخره " حديث نبويّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. تنبيه: لرفع شبهة بعض المريدين اعلم أنّهم قالوا: الشّيخ يحيي ويميت، الإحياء والإماتة من لوازم مقام المشيخة والمراد بالإحياء الإحياء الرّوحيّ لا الجسميّ وكذلك المراد بالإماتة الرّوحيّة لا الجسميّة والمراد بالحياة والموت الفناء والبقاء اللّذان يوصلان إلى مقام الولاية والكمال، والشّيخ المقتدى به متكفّل بهذين الأمرين بإذن الله سبحانه فلا بدّ إذا للشّيخ من هذين فمعنى يحيي ويميت يبقى ويفنى ولا دخل للإحياء والإماتة في مقام المشيخة، وحكم الشّيخ المقتدى به كحكم كهرباء كلّ من له مناسبة به يعدو من ورائه وينجذب إليه كالحشيش بالنّسبة إلى كهرباء وينال منه نصيبه مستوفى وليست الكرامات وخوارق العادات لجذب المريدين فإنّ المريدين يتجذّبون إليه بالمناسبة المعنويّة. وأمّا الّذين لا مناسبة لهم بهؤلاء الأكابر فهم محرومون من نعم كمالاتهم وإن شاهدوا ألوفا من كراماتهم ينبغي أن يستشهد لهذا المعنى بأبي جهل وأبي لهب. قال الله سبحانه في حقّ الكفّار: وإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يقول الّذين كفروا إن هذا الّا أساطير الأوّلين. والسّلام. المكتوب الثّالث والتّسعون والمائتان إلى الشّيخ محمّد ال? تريّ في جواب سؤاله عن قوله عليه الصّلاة والسّلام: «لي مع الله وقت» وقاله أبو ذرّ الغفاريّ أيضا وعن قول الشّيخ عبد القادر الجيلانيّ قدّس سرّه: «قدمي هذه على رقبة كلّ وليّ» وقاله غيره أيضا: وهل المراد بكلّ وليّ أولياء عصره أو مطلقا وما يناسبه الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى قد صرت مبتهجا ومسرورا بورود الصّحيفة الشّريفة الّتي أرسلتها يا لها من نعمة يذكر أولياء الله تعالى المنقطعين المهجورين وقد اندرج فيها أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال " لي مع الله وقت " وقال أبو ذرّ الغفاريّ رضي الله عنه أيضا مثل ذلك وقال الشّيخ محيي الدّين عبد القادر الجيلانيّ قدّس سرّه: قدمي هذه على رقبة كلّ وليّ، وقال آخر مثل ذلك وقد تكون في هذين الكلامين منازعة في بعض الأحيان فنرجو من عنايتكم كتابة ما انطوى في هذين الكلامين من المعنى والفرق بينهما وارساله إلينا ولتكن الكتابة بالتّوجّه التّامّ مشتملة ما لها وما عليها من الكلام وواضحة لتكون قريبة من فهم هذا الغريب.

Sección V01/P443–V01/P444

أيّها المخدوم: إنّ هذا الفقير قد كتب في رسائله أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان له وقت نادر مع وجود استمرار الوقت وأنّ ذلك الوقت النّادر كان في حين أداء الصّلاة ولعلّك سمعت: الصّلاة معراج المؤمن وأرحني يا بلال، شاهد عدل في إثبات هذا المطلب ويمكن أن يكون أبو ذرّ الغفاريّ أيضا مشرّفا بهذه الدّولة بطريق الوراثة والتّبعيّة فإنّ لكمّل تابعيه عليه الصّلاة والسّلام نصيبا وافرا وحظّا كاملا من جميع كمالاته صلّى الله عليه وسلّم بطريق الوراثة. وأمّا ما قال حضرة الشّيخ عبد القادر الجيلانيّ قدّس سرّه: قدمي هذه على رقبة كلّ وليّ الله أو جميع الأولياء فقد جعل صاحب العوارف الّذي هو مريد الشّيخ أبي النّجيب السّهرورديّ ومربّاه وكان من محارم الشّيخ عبد القادر ومصاحبيه هذه الكلمة من الكلمات الّتي صدرت عن المشائخ في بداية الأحوال بواسطة بقايا السّكر، ونقل في النّفحات عن الشّيخ حمّاد الّذي هو من شيوخ حضرة الشّيخ عبد القادر الجيلانيّ أنّه قال بطريق الفراسة: إنّ لهذا العجميّ قدما تكون في وقته على رقبة جميع الأولياء وبكون مأمورا ألبتّة بأن يقول: قدمي هذه على رقبة كلّ وليّ الله ويقول ذلك البتّة ويضع الأولياء جميعهم رقابهم يعني تواضعا وتخضّعا وعلى كلّ حال أنّ حضرة الشّيخ محقّ في هذا الكلام سواء صدر عنه من بقايا السّكر أو حالة الصّحو وسواء كان مأمورا بإظهاره أو لا فإنّ قدمه كانت على رقاب جميع الأولياء في ذلك الوقت وكان أولياء ذلك الوقت جميعهم تحت قدمه ولكن ينبغي أن يعلم أنّ هذا الحكم مخصوص بأولياء ذلك الوقت دون الأولياء المتقدّمين عليه والمتأخّرين عنه فإنّهم خارجون عن هذا الحكم كما يفهم من كلام الشّيخ حمّاد أنّ قدمه تكون في وقته على رقبة جميع الأولياء وأيضا انّه كان في بغداد غوث فذهب الشّيخ عبد القادر وابن السّقا وعبد الله لزيارته فقال ذلك الغوث بطريق الفراسة في حقّ الشّيخ: كأنّي أراك تصعد المنبر في بغداد وتقول: قدمي هذه على رقبة كلّ وليّ الله وأرى أولياء وقتك يضعون رقابهم ويخفضونها إجلالا لك وإكراما. ويفهم من كلام هذا الغوث أيضا أنّ هذا الحكم كان مخصوصا بأولياء ذلك الوقت فإذا أعطي الحقّ سبحانه في هذا الوقت أيضا شخصا بصرا بصيرا يرى مثل ما رأى ذلك الغوث أنّ رقاب أولياء ذلك الوقت تحت قدمه وأنّ هذا الحكم لا يتجاوز إلى غير أولياء ذلك الوقت وكيف يجوز هذا الحكم في الأولياء المتقدّمين فإنّ فيهم الأصحاب الكرام عليهم الرّضوان وهم أفضل من حضرة الشّيخ بيقين وكيف يتمشّى أيضا في المتأخّرين فإنّ فيهم المهديّ الّذي بشّر النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام بقدومه ووجوده وقال إنّه خليفة الله وكذلك عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام الّذي هو من الأنبياء أولي العزم من السّابقين وملحق بأصحاب خاتم الرّسل بمتابعة شريعته عليه الصّلاة والسّلام ولعلّ وجه ما قاله النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم " لا يدرى أوّلهم خير أم آخرهم " هو جلالة شأن متأخّري هذه الامّة. وبالجملة: انّ لحضرة الشّيخ عبد القادر في الولاية شأنا عظيما ودرجة عليا أوصل الولاية الخاصّة المحمّديّة من طريق السّرّ إلى النّقطة الأخيرة وصار رأس حلقة تلك الدّائرة.

Sección V01/P444–V01/P445

لا يتوهّم هنا أنّ الشّيخ إذا كان رأس حلقة دائرة الولاية المحمّديّة ينبغي أن يكون أفضل من جميع الأولياء فإنّ الولاية المحمّديّة فوق جميع ولايات الأنبياء على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام لأنّا نقول: إنّه رأس حلقة الولاية المحمّديّة الحاصلة من طريق السّرّ كما مرّ لا رأس حلقة تلك الولاية مطلقا حتّى يلزم الأفضليّة أو نقول: إنّ كون رأس حلقة الولاية المحمّديّة مطلقا ليس بمستلزم للأفضليّة لأنّه يمكن أن يكون غيره أسبق قدما منه في كمالات النّبوّة المحمّديّة بطريق التّبعيّة والوراثة فتثبت الأفضليّة له من جهة تلك الكمالات وفي جماعة من مريدي حضرة الشّيخ عبد القادر غلوّ كثير في حقّه وتجاوز إلى جانب الإفراط في المحبّة مثل محبّي عليّ كرّم الله وجهه المفرطين فيه، ويفهم من فحوى كلام هؤلاء الجماعة وكلماتهم أنّهم يعتقدون الشّيخ أفضل من جميع الأولياء المتقدّمين والمتأخّرين ولا يعلم أنّهم يفضّلون عليه أحدا غير الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وهذا من إفراط المحبّة. فإن قيل: إنّ الكرامات وخوارق العادات الّتي ظهرت من حضرة الشّيخ لم تظهر من وليّ أصلا فيكون الفضل له؟ قلت: إنّ كثرة ظهور الخوارق لا دلالة فيها على الأفضليّة بل يمكن أن يكون الّذي لم يظهر منه خارق أصلا أفضل من الّذي ظهرت منه خوارق وكرامات قال شيخ الشّيوخ في العوارف بعد ذكر الكرامات وخوارق المشائخ للعادات: وكلّ هذه مواهب الله تعالى وقد يكاشف بها قوم ويعطي وقد يكون فوق هؤلاء من لا يكون له شيء من هذا؛ لأنّ هذه كلّها تقوية اليقين ومن منح صرف اليقين لا حاجة له إلى شيء من هذا فكلّ هذه الكرامات دون ما ذكرناه من تجوهر الذّكر في القلب وجعل كثرة ظهور الخوارق دليلا على الأفضليّة كجعل كثرة فضائل عليّ كرّم الله وجهه ومناقبه دليلا على أفضليّته على الصّدّيق رضي الله عنه فإنّه لم يظهر منه هذا القدر من الفضائل والمناقب. اسمع أيّها الأخ: أنّ خوارق العادات على نوعين، النّوع الأوّل: العلوم والمعارف الإلهيّة الّتي تتعلّق بذات الواجب جلّ وعلا وصفاته وأفعاله وراء طور نظر العقل وخلاف المتعارف المعتاد وجعل الحقّ سبحانه عباده الخاصّة ممتازين بها والنّوع الثّاني: كشف صور المخلوقات والأخبار عن المغيّبات الّتي تتعلّق بالعالم والنّوع الأوّل مخصوص بأهل الحقّ وأرباب المعرفة والنّوع الثّاني شامل للمحقّ والمبطل فإنّه حاصل لأهل الإستدراج أيضا والنّوع الأوّل له شرافة واعتبار عند الحقّ جلّ وعلا لكونه مخصوصا بأوليائه وعدم مشاركة أعدائه فيه. والنّوع الثّاني معتبر عند عوامّ الخلائق ومعزّز ومكرّم عند أنظارهم حتّى لو ظهر ذلك من أهل الإستدراج يكادون يعبدونه من جهلهم ويطيعونه وينقادون له فيما يأمرهم به من رطب ويابس وينهاهم بل المحجوبون لا يعدّون النّوع الأوّل من الخوارق. والكرامات والخوارق منحصرة عندهم في النّوع الثّاني والكرامات مخصوصة عندهم بكشف صور المخلوقات والأخبار عن المغيّبات ما أبعدهم عن العقل أيّ شرافة وأيّ كرامة في علم يتعلّق بأحوال المخلوقات حاضرة كانت أو غائبة بل الأليق والأنسب أن يبدّل مثل هذا العلم جهلا ليحصل نسيان المخلوقات وأحوالها. واللّائق بالشّرافة والكرامة هو معرفة الحقّ تعالى وتقدّس وهي المستحقّة للإعزاز والإحترام، (شعر) ومليحة مهجورة ودميمة . مقبولة من أجل ذا عقلي عطل (غيره) وربّ مليح لا يحبّ وضدّه . يقبّل منه العين والخدّ والفم وقريب ممّا ذكرنا ما قال شيخ الإسلام الهرويّ والإمام الأنصاريّ في منازل السّائرين وشارحه والّذي ثبت عندي بالتّجربة أنّ فراسة أهل المعرفة إنّما هي في تميّزهم من يصلح لحضرة الله جلّ وعلا ممّن لا يصلح ويعرفون أهل الإستعداد الّذين اشتغلوا بالله سبحانه ووصلوا إلى حضرة الجمع وهذه فراسة أهل المعرفة وأمّا فراسة أهل الرّياضة بالجوع والخلوة وتصفية الباطن من غير وصلة إلى جانب الحقّ تعالى فلهم فراسة كشف الصّور والإخبار بالمغيّبات المختصّة بالخلق فإنّهم لا يخبرون الّا عن الخلق لأنّهم محجوبون عن الحقّ سبحانه.

Sección V01/P445–V01/P447

وأمّا أهل المعرفة فلإشتغالهم بما يرد عليهم من معارف الحقّ تعالى لا يكون إخبارهم الّا عن الحقّ تعالى ولمّا كان العالم أكثرهم أهل انقطاع عن الله سبحانه واشتغال بالدّنيا مالت قلوبهم إلى أهل كشف الصّور والإخبار عمّا غاب من أحوال المخلوقات فعظّموهم واعتقدوا أنّهم أهل الله وخاصّته وأعرضوا عن كشف أهل الحقيقة واتّهموهم فيما يخبرون عن الله سبحانه وقالوا: لو كان هؤلاء أهل الحقّ كما يزعمون لأخبرونا عن أحوالنا وأحوال المخلوقات وإذا كانوا لا يقدرون على كشف أحوال المخلوقات فكيف يقدرون على كشف أمور أعلى من هذه وكذّبوهم بهذا القياس الفاسد وعميت عليهم الأنباء الصّحيحة ولم يعلموا أنّ الله تعالى قد حمى هؤلاء عن ملاحظة الخلق وخصّهم وشغلهم عمّا سواه حماية لهم وغيرة عليهم ولو كانوا ممّن يتعرّض لأحوال الخلق ما صلحوا للحقّ سبحانه وقد رأينا أهل الحقّ إذا التفتوا أدنى التفات إلى كشف الصّور أدركوا منها ما لا يقدر غيرهم على إدراكه بالفراسة الّتي يثبتها أهل المعرفة وهي الفراسة فيما يتعلّق بالحقّ سبحانه وما يقرب منه وأمّا فراسة أهل الصّفاء الخارجين المتعلّقين بالخلق فلا يتعلّق بجناب الحقّ سبحانه ولا ما يقرب منه ويشترك المسلمون والنّصارى واليهود وسائر الطّوائف فيها لأنّها ليست شريفة عند الله سبحانه فيختصّ بها أهله. المكتوب الرّابع والتّسعون والمائتان إلى المخدوم جامع العلوم الظّاهريّة والأسرار الباطنيّة مجد الدّين الخواجه محمّد معصوم سلّمه الله تعالى في بيان ما يتعلّق بصفات الحقّ سبحانه الثّمان وفي تحقيق مبادي تعيّنات الأنبياء عليهم السّلام ومبادي تعيّنات سائر الخلائق وما يتعلّق بذلك وفي الفرق بين تجلّيات الأنبياء والأولياء وشهودهم وتحقيق الوصل العريان لكمّل الأتباع مع وجود وساطة الأنبياء عليهم السّلام وفي تحقيق ألفاظ المحو والإضمحلال الواقعة في عبارة المشائخ قدّس الله أسرارهم وما يناسب ذلك اعلم أنّ صفات واجب الوجود تعالى وتقدّس الثّمان الحقيقيّة الّتي أوّلها الحياة وآخرها التّكوين على ثلاثة أقسام قسم تعلّقه بالعالم أغلب وإضافته إلى الخلق أكثر كالتّكوين ومن ههنا أنكر جماعة من أهل السّنّة والجماعة وجودها وقالوا: إنّها من الصّفات الإضافيّة والحقّ أنّها من الصّفات الحقيقيّة الغالبة عليها الإضافة، وقسم آخر ما فيه الإضافة ولكنّها أقلّ بالنّسبة إلى القسم السّابق كالعلم والقدرة والإرادة والسّمع والبصر والكلام. والقسم الثّالث هو أعلى الأقسام الثّلاثة لا تعلّق له بالعالم بوجوه من الوجوه وليس فيه رائحة من الإضافة كالحياة وهذه الصّفة أجمع الصّفات وأصل الكلّ وأسبقها وأقرب إليها صفة العلم الّتي هي مبدأ تعيّن خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وبقيّة الصّفات مبادي تعيّنات خلائق أخر ولمّا كان لكلّ صفة باعتبار تعلّقات متعدّدة جزئيّات فإنّ التّكوين مثلا له باعتبار تعلّقات شتّى جزئيّات وهي التّخليق والتّرزيق والإحياء والإماتة كانت تلك الجزئيّات مثل كلّيّاتها مبادئّ تعيّنات الخلائق وكلّ من كان مبدأ تعيّنه كلّيّا تكون أرباب تعيّنات مباديها جزئيّات ذلك الكلّي اتّباعا لذلك الشّخص ومعاشرين تحت قدمه ومن ههنا تسمعهم يقولون: إنّ فلانا تحت قدم محمّد وفلانا تحت قدم موسى وفلانا تحت قدم عيسى عليهم الصّلاة والسّلام فإذا حصل لتلك الجزئيّات ترقّ بطريق السّلوك تكون ملحقة بكلّيّاتها ويكون شهود الجزئيّات شهود الكلّيّات ويكون الفرق بالأصالة والتّبعيّة والإمتياز بوجود التّوسّط وعدمه فإنّ ما يجده التّابع ويراه لا يمكن أن يكون بدون توسّط الأصل وربّما لا يعلم التّابع من قصوره الأصل متوسّطا ولكنّ الأصل حائل في الحقيقة بين التّابع ومشهوده لا أنّه حائل مانع عن الشّهود بل هو باعث على الشّهود كالمنظر الصّافي ولا يجوز أن يترقّى جزئيّات كلّيّ إلى غيره بأن تخرج منه وتدخل تحت كلّيّ آخر ويكون مشهودها مشهود ذلك الكلّيّ الآخر مثل أن ينتقل الّذين كانوا تحت قدم موسى مثلا إلى تحت قدم عيسى ولكن يمكن أن يدخلوا تحت قدم محمّد بل هم تحت قدمه صلّى الله عليه وسلّم دائما. فإنّ ربّ محمّد ربّ الأرباب وأصل جميع تلك الكلّيّات فيكون بالنّسبة على تلك الجزئيّات أصل الأصل وكأنّ هذا التّرقّي إلى أصل الأصل لا إلى أصل مباين لأصلها.

Sección V01/P447–V01/P448

والفرق حينئذ بين الجزئيّات وبين كلّيّاتها هو أنّ للجزئيّ حائلين أحدهما أصله الّذي هو كلّيّ له وثانيهما أصل الأصل والكلّيّ الّذي هو أصل ذلك الجزئيّ حجابه أصل الأصل فقط فعلم من هذا أنّ شهود محمّد رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم بلا حجاب التّعيّنات وشهود غيره في حجب التّعيّنات ولا أقلّ من أن يكون في حجاب التّعيّن المحمّديّ ومن ههنا قالوا: إنّ تجلّي الذّات من خاصّة محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتجلّي غيره في حجب الصّفات ولا أقلّ من أن يكون في حجاب ربّ الأرباب فإنّ ربّ محمّد فوق جميع الأسماء والصّفات سوى صفة الحياة. فإن قيل: يلزم على هذا البيان أنّ شهود سائر الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام في حجاب مبدأ التّعيّن المحمّديّ الّذي هو ربّه وشهود أولياء أمّته الّذين هم تحت قدمه صلّى الله عليه وسلّم بالأصالة أيضا في حجاب ربّ الأرباب كشهود سائر الأنبياء فما الفرق بين شهود سائر الأنبياء وبين شهود أولياء أمّته عليه الصّلاة والسّلام؟ قلت: إنّ للأنبياء عليهم السّلام شهودا آخر غير هذا الشّهود الّذي هو في حجاب الحقيقة المحمّديّة حصل لهم ذلك الشّهود من طريق مبادي تعيّناتهم يشاهدون منه غيب الغيب بالأصالة واضعين مناظرهم المخصوصة بهم على أبصار بصائرهم. ينبغي أن يعلم أنّ حصول هذين الشّهودين ليس هو بمعنى أنّهما يتحقّقان معا بل بمعنى أنّ التّرقّي إذا بلغ أصل الأصل فشهوده في حجاب الحقيقة المحمّديّة كعيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام حيث أنّه يشرّف بهذه الدّولة بعد نزوله وهذا التّرقّي متعسّر جدّا بل قريب من الإستحالة لا بدّ من الفضل العظيم من طرف الله تعالى وفي عالم الأسباب لا بدّ من شفقة الشّيخ المحمّديّ المشرب فإن لم يترقّ من أصله ولم ينفكّ من حقيقته ولم يصل إلى حقيقة الحقائق فشهوده إنّما هو في حقيقته المخصوصة به. اعلم وتنبّه كما أنّ إلى حضرة ذات الحقّ تعالى وتقدّس طريقا من حقيقة الحقائق يوصل منه إليه تعالى بعد منازل كثيرة كذلك من سائر الحقائق الكلّيّات أيضا طريق إليها يحصل الوصول منه إليه تعالى وتقدّس بعد طيّ مراحل متكثّرة. (غاية ما في الباب) أنّ في طريق حقيقة الحقائق الوصل العريان وفي سائر الطّرق وإن تيسّر وصل الذّات ولكنّ الحجاب الرّقيق كالغلالة من منتهى أصول حقيقة الحقائق العالية الّتي هي الحقيقة المحمّديّة حائل في البين وهو وإن لم يكن حاجزا حصينا ومانعا متينا ولكن صارت حاجزيّته مانعة عن إطلاق التّجلّي الذّاتيّ والّا فلسائر الأنبياء عليهم السّلام أيضا نصيب من الذّات تعالت وتقدّست بالأصالة ولكمّل أممهم أيضا بتبعيّتهم. فإن قيل: إذا كانت صفة الحياة فوق صفة العلم كان تعيّن صفة الحياة في طريق حقيقة الحقائق أيضا حائلا فكيف يكون فيه الوصل العريان وكيف يكون فيه التّجلّي الذّاتيّ؟

Sección V01/P448–V01/P449

أجيب: أنّ ذلك التّعيّن كلا تعيّن؛ لأنّه يصير ممحوّا ومتلاشيا في المرتبة الفوقانيّة ولا يبقى له اعتبار في مرتبة الذّات أصلا وسائر الصّفات وإن لم يكن لها أيضا اعتبار في مرتبة الذّات ولكنّها قبل وصولها إلى مرتبة الذّات تتلاشى بنوع ما بخلاف صفة الحياة فإنّها تصل إلى مرتبة الذّات ثمّ تتلاشى فيها ولهذا كان تعيّن الحقيقة المحمّديّة وسائر تعيّنات الخلائق دائما وصار زوالها في مرتبة من المراتب محالا (نعم) إنّ الوصول إلى شيء غير الإضمحلال فيه وما وقع في عبارة بعض المشائخ قدّس الله أسرارهم من لفظ المحو والإضمحلال فالمراد به المحو النّظريّ لا المحو العينيّ، يعني يرتفع تعيّن السّالك عن نظره لا أنّه يصير ممحوّا في نفس الأمر فإنّه إلحاد وزندقة، وحمل بعض ناقصي أرباب هذا الطّريق هذه الألفاظ الموهمة على المحو والإضمحلال العينيّ ووصلوا به إلى الزّندقة وأنكروا الثّواب والعذاب الاخرويّين وتخيّلوا أنّهم يعودون من الكثرة إلى الوحدة مرّة أخرى كما وردوا من الوحدة إلى الكثرة أوّل مرّة وزعموا أنّ تلك الكثرة تصير مضمحلّة في الوحدة وخال بعض هؤلاء الزّنادقة ذلك الإنمحاء والإضمحلال قيامة كبرى وأنكر الحشر والنّشر والحساب والصّراط والميزان ضلّوا فأضلّوا كثيرا من النّاس ورأيت شخصا من هؤلاء الجماعة يستشهد لمطلبه بشعر مولانا عبد الرّحمن الجاميّ قدّس سرّه هذا، (شعر) جامى معاد ومبدأ ما وحد تست وبس . ما در ميانه كثيرة موهوم والسلام (ترجمة) ما مبدأ ولا معاد . صاح الّا وحدة ما نحن في ذا البين الّا . كثرة موهومة ولم يعلموا أنّ مراد مولانا الجاميّ بهذا البيت العود والرّجوع إلى الوحدة باعتبار النّظر والشّهود يعني لا يبقى المشهود غير الذّات الأحد وتختفي الكثرة عن النّظر بالتّمام لا الرّجوع العينيّ والعود الوجوديّ ولعلّ بهم عمى أما يرون أنّه لم يزل العجز والنّقص والإحتياج عن كامل أصلا فما يكون معنى الرّجوع الوجوديّ إلى الوحدة فإن تخيّلوا أنّ هذا الرّجوع إنّما يكون بعد الموت فهم كفّار وزنادقة حيث ينكرون العذاب الاخرويّ ويبطلون دعوة الأنبياء عليهم السّلام. (فإن قيل) أنت قد كتبت في بعض رسائلك أنّ فناء الأخفى مخصوص بالولاية المحمّديّة فما معنى هذا الكلام؟ (أجيب) قد علم من التّحقيق السّابق أنّ الوصل العريان مخصوص بالولاية المحمّديّة وأنّ ما سواها وإن ارتفعت فيها الحجب ولكن لا بدّ من حيلولة حجاب رقيق كالغلالة حاصل من توسّط الحقيقة المحمّديّة كما مرّ فالأخفى الّذي هو نهاية المراتب الإنسانيّة في العلوّ تبقى منه بقيّة على قدر تلك الحيلولة فلا يجوز إطلاق الفناء المطلق فيه بملاحظة تلك البقيّة ومن الّذي يجد بقاء تلك البقيّة غير المحمّديّ المشرب بل إن حصلت حدّة النّظر هذه لواحد من ألوف من المحمّديّ المشرب فهو أيضا مغتنم فإنّ مشائخ الطبقات تكلّم أكثرهم إلى الرّوح والسّرّ لا يدرى هل تكلّم أحد عن الخفيّ أو لا فكيف عن الأخفى والّذي خاض في بحر الأخفى وأدرك كلّ ذرّة من ذرّاته واطّلع عليها فهو كبريت أحمر ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . فإن قيل: إنّ اعتقادك هو أنّ كلّما يحصل للنّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام من الكمالات يكون منها نصيب لكمّل أتباعه أيضا بطريق التّبعيّة فيلزم منه أن يكون من الوصل العريان نصيب لهم أيضا والحال أنّ النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام حائل في البين. أجيب: انّ حيلولة النّبيّ لا تضرّ في الوصل العريان فإنّ ذلك الوصل بالتّبعيّة لا بالأصالة فالحيلولة تكون مؤكّدة للتّبعيّة لا منافية لها فإنّ معنى التّبعيّة تحقّق المتوسّط لا ارتفاعه فإنّه مناسب للأصالة فتثبت الحيلولة ويحصل الوصل العريان أيضا بالتّبعيّة فافهم. فإن قيل: ما وجه إطلاق الوصل العريان والتّجلّي الذّاتيّ في مادّة كمّل أتباعه صلّى الله عليه وسلّم. وعدم تجويز هذا الإطلاق في حقّ سائر الأنبياء عليهم السّلام وما الفرق بينهما مع أنّ حيلولة نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم حاصلة في كلا المادّتين.

Sección V01/P449–V01/P450

أجيب: انّ تجويز هذا الإطلاق في موادّ كمّل الأتباع باعتبار التّبعيّة فإنّ توسّط نبيّ ليس بمناف لهذا الإطلاق كما مرّ بخلاف سائر الأنبياء عليهم السّلام فإنّه لو جوّز هذا الإطلاق في حقّهم يكون باعتبار الأصالة فإنّ هؤلاء الأكابر قطعوا المنازل بالأصالة ووصلوا إلى حضرة الذّات تعالت وتقدّست ولا شكّ أنّ حصول المتوسّط وتحقّقه في صورة الأصالة يكون منافيا لذلك الإطلاق فصار الفرق واضحا. ينبغي أن يعلم أنّ فرق الأصالة والتّبعيّة فيما بين الأنبياء المتقدّمين وكمّل أولياء هذه الامّة موجب لأفضليّة الأنبياء عليهم السّلام فإنّ الأصل مقصوديّ والتّابع طفيليّ وإن صحّ إطلاق الوصل العريان والتّجلّي الذّاتيّ في مادّة الإتّباع ولم يصحّ ذلك الإطلاق في المتبوعين يعني الأنبياء عليهم السّلام ولكن ما قدر طفيليّ في جنب المقصوديّ حتّى يدّعى التّساوي له وكيف يتصوّر المساواة فإنّ تلك الدّولة في الأصل على الوجه الأتمّ والأكمل وفي التّابع على وجه الإسم والرّسم ولكنّ هذه المناسبة تصحّح النّسبة وتجعل التّابع كالمتبوع ولهذا قال خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام " علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل " فلاح من هذا البيان واتّضح أنّ حصول التّجلّي الذّاتيّ لأولياء هذه الامّة لا يكون موهما لفضلهم على الأنبياء الّذين ليس فيهم التّجلّي الذّاتيّ فافهم فإنّه من مزلّة الأقدام وأنصف فإنّ هذه العلوم ممّا استأثر الله سبحانه هذا العبد بها بحرمة حبيبه محمّد عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. فإن قيل: المقرّر أنّ المقصود من خلق العالم هو خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وغيره طفيليّ في نفس الوجود وفي حصول الكمالات ويصلون إلى الدّرجات العلى بتبعيّته ولهذا يكون آدم ومن دونه تحت لوائه وأنت تقول إنّ دولة الوصول لسائر الأنبياء عليهم السّلام بطريق الأصالة لا بطريق التّبعيّة فما وجه ذلك؟ قلت: كما أنّ لمحمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طريقا من حقيقته إلى حضرة الذّات تعالت وتقدّست كذلك لسائر الأنبياء عليهم السّلام أيضا من حقائقهم طرق إلى حضرة الذّات تعالى شأنها لا تبعيّة فيهم في هذا الوصول بخلاف الأمم فإنّهم يصلون إلى المطلب بتبعيّة الأنبياء من طريق حقائقهم المناسب لإستعداد كلّ منهم والأصالة مفقودة في حقّهم. غاية ما في الباب: أنّ وصول سائر الأنبياء عليهم السّلام وإن كان بالأصالة ولكنّه ليس بوصل عريان فإنّ حقيقة خاتم الرّسل عليه الصّلاة والسّلام صارت حجابا رقيقا عن المطلوب فكلّ فيض وارد يتّصل بهذه الحقيقة أوّلا بالضّرورة ثمّ يصل بتوسّطها إلى الآخرين ومعنى التّبعيّة حصول هذا التّوسّط فتلك الأصالة لا تنافي لهذه التّبعيّة ينبغي حسن التّأمّل: انّ التّبعيّة الّتي ثبتت في حقّهم وراء تلك التّبعيّة فإنّها منافية للأصالة كما مرّ غير مرّة فافترقا. فإن قيل: هل في مراتب العروج نصيب للكمّل من مرتبة صفة الحياة أو لا؟ قلت: نعم. فإن قيل: قد مرّ أنّ نهاية هذه الصّفة اضمحلال وتلاش في حضرة الذّات تعالت وتقدّست فما يكون نصيب الكمّل من مقام المحو والتّلاشي وقد قلت فيما سبق: إنّ تعيّنات الحقائق ليس لها اضمحلال عينيّ فإن كان فنظريّ فإنّ القول بالإضمحلال العينيّ مفض إلى الزّندقة. قلت: من أين يلزم في حصول النّصيب منها الإضمحلال العينيّ بل الإضمحلال النّظريّ كاف فيه وإن كانت المراتب متفاوتة في ذلك الإضمحلال فافهم والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال. والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله من الصّلوات أتمّها ومن التّسليمات أكملها.

Sección V01/P450–V01/P452

المكتوب الخامس والتّسعون والمائتان إلى الحاجّ يوسف الكشميرىّ في بيان النّظر على القدم وهوش دردم والسّفر في الوطن والخلوة في الجلوة الّتي هي أصول الطّريقة النّقشبنديّة العليّة قدّس الله أسرار أهاليها ينبغي أن يعلم: أن واحدا من الاصول المقرّرة في الطّريقة النّقشبنديّة قدّس الله أسرار مشائخها النّظر على القدم، وليس المراد بالنّظر على القدم أنّه لا ينبغي أن يتجاوز النّظر القدم وأن يميل إلى الفوق قبل القدم؛ فإنّه خلاف الواقع فإنّ النّظر يتفوّق القدم ويتقدّم عليه دائما ويجعل القدم رديفه، فإنّ العروج على مدارج العلى يكون أوّلا بالنّظر، ثمّ يصعد بعد ذلك بالقدم، فإذا وصلت القدم إلى مرتبة النّظر يتفوّق النّظر منها إلى درجة فوقانيّة وتصعد القدم أيضا بتبعيّته، ثمّ يترقّى النّظر بعد ذلك من ذلك المقام، ثمّ تتبعه القدم وعلى هذا القياس فإن كان المراد به أنّه لا ينبغي أن يترقّى النّظر إلى مقام لا يكون للقدم فيه مجال فهو أيضا غير واقع؛ فإنّه لو لم ينفرد النّظر بعد تمام السّير القدميّ يفوت كثير من مراتب الكمال بيانه: أنّ نهاية القدم إلى نهاية استعداد السّالك بل إلى نهاية استعداد نبيّ السّالك على قدمه، لكنّ القدم الأوّل بالأصالة والقدم الثّاني بالتّبعيّة، ولا قدم له فوق مراتب ذلك الإستعداد ولكن له فيه نظر فإن حصلت الحدّة لذلك النّظر فمنتهاه نهاية مراتب نظر ذلك النّبيّ الّذي السّالك على قدمه؛ فإنّ لكمّل أتباع نبيّ نصيبا من جميع كمالاته، ولكنّ القدم والنّظر يتوافقان إلى نهاية مراتب استعداد السّالك بالأصالة وبالتّبعيّة، وبعد ذلك يعجز القدم ويصعد النّظر وحده ويترقّى إلى نهاية مراتب نظر ذلك النّبيّ. فعلم: أنّ نظر الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام أيضا يصعد فوق أقدامهم وأنّ لكمّل أتباعهم أيضا نصيبا من مقامات أنظارهم، كما أنّ لهم نصيبا من مقامات أقدامهم وفوق قدم خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام مقام الرّؤية الّتي هي موعودة لغيره في الآخرة فما هو نسبة لغيره نقد له، ولكمّل أتباعه من هذا المقام نصيب وأن لم يكن رؤية، شعر: خليلي ما هذا بهزل وإنّما . عجيب الأحاديث بديع الغرائب ولنرجع إلى أصل الكلام ونقول: فإن كان المراد به أنّه ينبغي أن يتخلّف القدم عن النّظر على وجه لاتّصل إلى مقام النّظر في وقت من الأوقات فحسن؛ فإنّ هذا المعنى ليس بمانع للتّرقّي، وكذلك إذا كانّ المراد بالنّظر والقدم النّظر والقدم الظّاهريّين فله مجال؛ فإنّ النّظر تحصل له التّفرقة وقت المشي ويتشتّت بالوقوع على محسوسات متلوّنة فإنّ نصب النّظر إلى القدم يكون أقرب إلى الجمعيّة وهذا المراد مناسب لمعنى كلمة هي قرينه وهي هذه: «هوش دردم " يعني: العقل في النّفس. غاية ما في الباب: أنّ الكلمة الاولى: لدفع تفرقة منبعثة عن الآفاق. والكلمة الثّانية: لدفع التّفرقة الأنفسيّة. والكلمة الثّالثة: الّتي هي قرين هاتين الكلمتين كلمة: «السّفر في الوطن». وهي عبارة عن السّير في الأنفس الّذي هو منشأ حصول اندراج النّهاية في البداية الّذي هو مخصوص بهذه الطّريقة العليّة، والسّير في الأنفس وإن كان في جميع الطّرق ولكنّه في سائر الطّرق بعد حصول السّير الآفاقي بخلاف هذا الطّريق فإنّ فيه الشّروع من هذا السّير والسّير الآفاقيّ مندرج في ضمنه، فلو قلنا: إنّ في هذا الطّريق اندراج البداية في النّهاية بهذا الإعتبار أيضا لساغ. والكلمة الرّابعة الّتي هي قرين هذه الكلمات الثّلاث كلمة: «الخلوة في الجلوة». ومتى تيسّر السّفر في الوطن يسافر في خلوة الوطن أيضا في نفس الجلوة، ولا تتطرّق تفرقة الآفاق إلى حجرة الأنفس، وهذا أيضا على تقدير غلق أبواب الحجرة وسدّ جميع روزنتها وكوّتها فينبغي أن لا يكون في جلوة التّفرقة متكلّما ولا مخاطبا ولا ملتفتا إلى أحد، وكلّ هذه التّمحّلات والتّكلّفات في البداية والوسط وأمّا في النّهاية فلا شيء يلزم منها أصلا؛ فإنّ المنتهى متّصف بالجمعيّة في نفس التّفرقة وبالحضور في عين الغفلة.

Preguntas

İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb) · 15 · Qur'an & Sunnah