Qur'an&Sunnah

İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb)

Sección V02/P077–V02/P078

وفي هذا المبحث اختلاف عظيم بين أهل السّنّة وبين مخالفيهم في مقامين: المقام الاوّل: هو أن أهل السّنّة قائلون بحقّيّة خلافة الخلفاء الاربع ويقولون لكلّ واحد من هؤلاء الاربع خليفة حقّا لانّه قد ورد في الحديث الصّحيح بطريق الإخبار عن المغيّبات: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة " وهذه المدّة تمّت بخلافة علىّ فبمقتضى هذا الحديث يكون كلّ من الأربعة خليفة ويكون ترتيب الخلافة على الحقّ والمخالفون ينكرون حقّيّة خلافة الخلفاء الثلاثة وينسبون خلافتهم إلى التّعصّب والتّغلّب لا يعتقدون أحدا غير علىّ إماما على الحقّ ويحملون البيعة الواقعة من علىّ للخلفاء الثلاثة على التّقاة ويظنّون الصّحبة الواقعة فيما بين الأصحاب الكرام صحبة نفاق ويتصوّرون المداراة الكائنة فيهم مخادعة فإنّ موافقى علىّ قد صحبوا في زعم هؤلاء الفرقة مع مخالفيه بحكم التّقاة صحبة نفاق واظهروا بلسانهم خلاف ما في قلوبهم ومخالفوا علىّ لمّا كانوا في زعم هؤلاء الطّائفة أعداءه وأعداء موافقيه وأحبابه كانوا أحبابا لهم على سبيل النّفاق وأظهروا المعاداة في صورة الموالاة فيكون جميع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على زعمهم الفاسد منافقين ومخادعين ومظهرين بظواهرهم خلاف ما في بواطنهم فيكون شرار هذه الامّة عند هؤلاء الفرقة هم الاصحاب الكرام ويكون شرّ الصّحبات وأخبثها صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام حيث نشأت منها أمثال هذه الاخلاق الذّميمة ويكون شرّ القرون قرن الاصحاب لكونه مملوّا من النّفاق والعداوة والبغضاء والحقد وقد قال الله في كلامه المجيد في حقّهم رُحَماءُ بَيْنَهُمْ أعاذنا الله سبحانه من اعتقاداتهم السّوء فإذا جعلوا سابقى هذه الامّة متّصفين بهذه الاخلاق الذّميمة فكيف توجد الخيريّة في اللّاحقين وكأنّ هذه الطّائفة لم يروا الآيات القرآنيّة والاحاديث النّبويّة الواردة في فضل صحبة خير البشر عليه الصّلاة والسّلام وفضيلة أصحابه الكرام وخيرة هذه الامّة أو رأوها ولكنّهم لم يؤمنوا بها ولم يصدّقوها وإنّما وصل القرآن والاحاديث إلينا بتبليغ الاصحاب الكرام فإذا كان الاصحاب مطعونا فيهم يكون الدين الواصل إلينا بواسطتهم ومن طرقهم أيضا مطعونا فيه بالضّرورة نعوذ بالله من ذلك ولعلّ مقصود هذه الطّائفة ابطال الدين وإنكار شريعته عليه الصّلاة والسّلام. ففى ظاهر الصّورة يظهرون محبّة أهل بيت رسول الله وفي الحقيقة يبطلون شريعته عليه الصّلاة والسّلام وليتهم يتركون عليّا وموافقيه مسلّما فيهم ولم يجعلوهم متّسمين بسمة التّقاة الّتي هي من سمة أهل المكر والنّفاق وأيّ خير يكون في جماعة من موافقى علىّ أو مخالفيه حيث صحب بعضهم بعضا ثلاثين سنة بالنّفاق وعاشروا بالمكر والخداع وكيف يستحقّون الإعتماد عليهم. وهؤلاء يطعنون في أبي هريرة رضي الله عنه ولا يعلمون أنّ في طعنه طعنا في نصف الاحكام الشّرعيّة وذلك أنّ العلماء المحقّقين قالوا ورد في الاحكام ثلاثة آلاف حديث يعني ثبت ثلاثة آلاف حكم من الاحكام الشّرعيّة بالسّنّة وثبت ألف وخمسمائة منها برواية أبي هريرة فيكون الطّعن فيه طعنا في نصف الاحكام الشّرعيّة وقال الإمام البخاريّ أن رواة أبي هريرة أزيد من ثمانمائة من الاصحاب الكرام والتّابعين العظام واحد منهم ابن عبّاس رضي الله عنهما وروى عنه ابن عمر أيضا وكذلك جابر بن عبد الله وأنس بن مالك من رواته والحديث الذي ينقلون عن علىّ - كرّم الله وجهه - في الطّعن في أبي هريرة رضي الله عنه فهو حديث مفترى كما حقّقه العلماء وحديث دعائه صلّى الله عليه وسلّم لابي هريرة رضي الله عنه بالفهم معروف بين العلماء قال أبو هريرة رضي الله عنه حضرت مجالسا لرسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - فقال: «من يبسط منكم رداءه حتّى أفيض فيه مقالتي فيضمّها إليه ثمّ لا ينساها؟ " فبسطت بردة كانت علىّ فأفاض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مقالته فضممتها إلى صدرى فما نسيت بعد ذلك شيئا».

Sección V02/P078–V02/P080

فاعتقاد شخص عظيم من أكابر الدين عدوّا لعلىّ بمجرّد الزّعم وتجويز السّبّ والطّعن واللّعن في حقّه بعيد عن الإنصاف وهذه كلّها من آفات إفراط المحبّة حتّى كادوا يخرجون رؤسهم من ربقة الإيمان فلئن جوّزت التّقاة فرضا في حقّ علىّ كرّم الله وجهه فماذا يقولون في أقواله الّتي نقلت عنه بالتّواتر في أفضليّة الشّيخين وكذلك في كلماته القدسيّة الّتي صدرت عنه في عين خلافته وكرسيّ مملكته في حقّيّة خلافة الخلفاء الثلاثة فإنّ التّقاة إنّما تكون بستر حقّيّة خلافته وعدم إظهار بطلان خلافة الخلفاء الثلاثة وأمّا إظهار حقّيّة خلافة الخلفاء الثلاثة وبيان أفضليّة الشّيخين فأمر على حدة وراء تلك التّقاة لا محمل له غير الصّدق والصّواب لا يتصوّر رفعها بالتّقاة وأيضا قد وردت الاحاديث الصّحيحة في فضائل الخلفاء الثلاثة وغيرهم وبلغت حدّ الشّهرة بل حدّ التّواتر في المعنى وبشّرت جماعة منهم بالجنّة فماذا يقولون في هذه الاحاديث فإنّ التّقاة لا تجوز في حقّ النّبىّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فإنّ التّبليغ لازم للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وأيضا قد نزلت في هذا الباب آيات قرآنيّة ولا يتصوّر فيها التّقاه رزقهم الله سبحانه الإنصاف. ومعلوم عند أرباب العقول أنّ التّقاة من صفات الجبان فنسبتها إلى أسد الله غير مناسبة وإن جوّزت التّقاة بحكم البشريّة ساعة أو ساعتين ويوما أو يومين فله مساغ ومجال وأمّا إثباتها لاسد الله مدّة ثلاثين سنة والقول بإصراره على التّقاة في تلك المدّة فمستكره جدّا وقد قال العلماء: الإصرار على الصّغيرة كبيرة فما يكون حكم الإصرار على صفة من صفات أرباب الشّقاق والنّفاق يا ليتهم يفهمون قباحة هذا الامر. وهم إنّما هربوا من تقديم الشّيخين لكونه مستلزما لاهانة علىّ وتنقيصه يعني في زعمهم الفاسد واختاروا إثبات التّقاة له ولم يفهموا شناعة هذه الصّفة فلو فهموا شناعتها لما جوّزوها له أصلا ولاختاروا أهون الامرين (بل أقول) لا إهانة لعليّ في تقديم الشّيخين فإنّ حقّيّة خلافته باقية على حالها ودرجة ولايته ورتبة هدايته ومنزلة إرشاده أيضا باقية على ما هي عليها وفي إثبات التّقاة يلزم التّنقيص والتّوهين لكونها من خصائص أرباب النّفاق ولوازم أصحاب المكر والخداع. والمقام الثاني: هو أنّ أهل السّنّة والجماعة شكر الله سعيهم يحملون مشاجرات أصحاب خير البشر عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات ومنازعاتهم على محامل حسنة ويعتقدونها بعيدة عن الهوى والتّعصّب فإنّ نفوسهم صارت مزكّاة في صحبة خير البشر عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وساحة صدورهم طاهرة نظيفة من العداوة والغلّ والحقد غاية ما في الباب أنّه لمّا كان لكلّ واحد منهم رأيا واجتهادا وكان العمل لكلّ مجتهد على وفق اجتهاده واجبا لزمت المشاجرة والمخالفة في بعض الامور بسبب مخالفة الآراء بالضّرورة وكان أتباع كلّ منهم رأى نفسه صوابا فكانت مخالفتهم مثل موافقتهم لاجل الحقّ لا للهوى والهوس واتّباع النّفس الامّارة. والرّوافض يكفّرون مخالفي عليّ ومحاربيه ويجوّزون في حقّهم أنواع الطّعن والتّشنيع فإذا صدرت مخالفة الاصحاب الكرام للنّبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - في بعض الامور الإجتهاديّة وحكمهم بخلاف حكمه - عليه الصّلاة والسّلام - ولم تكن مخالفتهم هذه مذمومة ولم يكونوا ملومين عليها ولم يجئ منعهم عنها مع وجود نزول الوحى في ذلك الوقت فكيف تكون مخالفتهم لعلىّ في الامور الإجتهاديّة كفرا ولم يكون المخالفون مطعونا فيهم وملومين كيف؛ فإنّ المخالفين جمّ غفير من أهل الإسلام ومن أجلّة الاصحاب الكرام وبعض منهم مبشّر بالجنّة وليس تكفيرهم وتشنيعهم أمرا يسيرا كبرت كلمة تخرج من أفواههم فإنّهم كادوا يكونون هم الذين بلغوا قريبا من نصف الدين والشّريعة فإذا كانوا مطعونا فيهم يزول الإعتماد عن شطر الدين كيف يكون هؤلاء الاكابر مطعونا فيهم فإنّه لم يردّ أحد رواية أحد منهم أصلا لا علىّ ولا غيره.

Sección V02/P080–V02/P082

وأيضا إنّ صحيح البخاريّ أصحّ الكتب بعد كتاب الله تعالى ويعترف به الشّيعة أيضا وسمع هذا الفقير أحمد التّبتىّ الذي كان من أكابر الشّيعة يقول إنّ كتاب البخاريّ أصحّ الكتب بعد كتاب الله وفيه روايات من موافقى علىّ وروايات من مخالفيه ولم يجعل الرّجحان وعدمه مبنيّا على الموافقة والمخالفة فكما أنّه يروى عن عليّ يروي عن معاوية فلو كان في معاوية وفي روايته شائبة الطعن لما أدرج روايته في كتابه أصلا وكذلك لم يفرّق بهذا الوجه في رواية الحديث أحد من نقّاد الاحاديث من السّلف ولم يجعل مخالفة على منشأ للطّعن. وممّا ينبغي أن يعلم أنّه لا يلزم أن يكون علىّ رضي الله عنه محقّا في جميع الامور الخلافيّة ولا يقطع به وأن يكون مخالفوه على الخطاء وإن كان الحقّ في أمر المحاربة في جانبه؛ فإنّ علماء الصّدر الاوّل من التّابعين والأئمّة المجتهدين اختاروا مذهب غيره في كثير من الاحكام الخلافيّة ولم يحكموا بمذهبه فإن كان الحقّ متعيّنا في جانبه لما كانوا يحكمون بخلافه وكان القاضى شريح من التّابعين وصاحب اجتهاد ولم يحكم بمذهب عليّ ولم يقبل شهادة ابنه الحسن عليهما الرّضوان - له بواسطة نسبة البنوّة وعمل المجتهدون بقول شريح وأخذوا به ولم يجوّزوا شهادة الإبن للأب واختيار الاقوال الّتي تخالف رأى علىّ كرّم الله وجهه كثير في مسائل أخرى أيضا لا يخفى على المتتبّع المنصف وتفصيله يستدعى تطويلا فلا يكون في مخالفة علىّ كرّم الله وجهه مجال للاعتراض ولا يكون مخالفوه مطعونا فيهم وملومين. وكانت عائشة الصّدّيقة رضي الله تعالى عنها حبيبة حبيب ربّ العالمين ومقبولته ومنظورة إليه صلّى الله عليه وسلم إلى شفير اللّحد وكان - صلّى الله عليه وسلم - مقيما في حجرتها في مرض موته وقبض روحه الشّريفة في حجرها وبين سحرها ونحرها ودفن في حجرتها المطهّرة ومع ذلك الشّرف كلّه كانت رضي الله عنها عالمة ومجتهدة وأحال النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم بيان شطر الدين عليها ورجع الاصحاب الكرام في مشكلات الاحكام إليها ووجدوا حلّ المغلقات منها فالطّعن في مثل هذه الصّدّيقة المجتهدة بواسطة مخالفة علىّ ونسبة الاشياء الغير اللّائقة إليها غير مناسبة جدّا وبعيدة عن الإيمان بالنّبىّ صلّى الله عليه وسلّم فإن كان عليّ كرّم الله وجهه ختنه وابن عمّه فالصّدّيقة زوجته المطهّرة وحبيبته المقبولة عليه وعلى جميع أهل بيته الصّلاة والسّلام. وكان دأب الفقير قبل هذا بسنين إذا طبخ طعام كنت أجعل حصّة منه مخصوصة بروحانيّات أهل العباء نبيّنا - صلّى الله عليه وسلّم - وعليّ وفاطمة والامامين يعني السّبطين رضوان الله عليهم أجمعين فرأيت النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم في المنام فسلّمت عليه وهو صلّى الله عليه وسلّم لا يكون متوجّها إلى الفقير بل يتوجّه إلى جانب آخر وقال في تلك الاثناء للفقير: أنا آكل الطّعام في بيت عائشة فكلّ من يرسل الطّعام إلى فليرسله إلى بيت عائشة فتيقّن الفقير في ذلك الوقت أنّ سبب عدم توجّهه الشّريف هو عدم تشريك الفقير الصّدّيقة في الطّعام فبعد ذلك كنت أجعل الصّدّيقة بل سائر الازواج المطهّرات اللّاتى كلّهنّ من أهل البيت شركاء في الطّعام وكنت أتوسّل بجميع أهل البيت فالجفاء والايذاء اللّذان يصيبان النّبىّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام من جهة الصّدّيقة أزيد من الجفاء والايذاء اللّذين يصيبانه صلّى الله عليه وسلّم من جهة عليّ وهذا المعنى غير مخفىّ على العقلاء أصحاب الإنصاف (نعم) إنّ هذا على تقدير كون محبّة عليّ وتعظيمه بواسطة محبّة الرّسول وتعظيمه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وبواسطة قرابته صلّى الله عليه وسلّم.

Sección V02/P082–V02/P083

وأمّا من اختار محبّة عليّ استقلالا ولم يجعل لحبّ النّبىّ فيها مدخلا فهو خرج عن المبحث وغير قابل للمخاطبة غرضه إبطال الدين وهدم الشّريعة يريد أن يتّخذ سبيلا بدون توسّط النّبىّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ويرغب عن محمّد في علىّ وهو محض الكفر وعين الزّندقة وعلىّ كرّم الله وجهه برئ منه ومتأذّ من صنيعه فإنّ حبّ أصحابه وأختانه - صلّى الله عليه وسلّم - بواسطة حبّه عليه الصّلاة والسّلام وتعظيمهم وتكريمهم بواسطة تعظيمه وتكريمه - صلّى الله عليه وسلّم - قال عليه الصّلاة والسّلام «من أحبّهم فبحبّى أحبّهم " وكذلك من كان مبغضا إيّاهم فإنّما يكون ذلك ببغضه - صلّى الله عليه وسلّم - كما قال عليه الصّلاة والسّلام «ومن أبغضهم فببغضى أبغضهم " يعني أنّ المحبّة الّتي تتعلّق بأصحابي عين المحبّة الّتي تتعلّق بى وكذلك بغضهم هو عين البغض الذي يتعلّق بى. وطلحة وزبير رضي الله عنهما من كبار الاصحاب ومن العشرة المبشّرة بالجنّة فالطّعن فيهما وتشنيعهما غير مناسب ولعنهما وطردهما عائدان إلى اللّاعن والطّارد وهما اللّذان جعلهما الفاروق من السّتّة الّتي ترك الخلافة شورى بينهم لما لم يجد دليلا واضحا لترجيح بعضهم على بعض فتركا نصيب الخلافة عن أنفسهما باختيارهما وقال كلّ منهما تركت حظّى وطلحة هو الذي قتل اباه بواسطة صدور سوء أدب عنه في حقّه - صلّى الله عليه وسلّم - وجاءه برأسه وورد ثناؤه على فعله هذا في القرآن المجيد والزّبير هو الذي أخبر المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بكون قاتله في جهنّم حيث قال صلّى الله عليه وسلّم " قاتل الزّبير في جهنّم» ولعن الزّبير ليس بادون من قتله فلاعنه وقاتله متساويان فالحذر ثمّ الحذر ثمّ الحذر من الطّعن في أكابر الدين وذمّ كبراء الإسلام الذين بذلوا جهدهم في إعلاء كلمة الإسلام ونصرة سيّد الأنام وأنفقوا أموالهم لتأييد الدين باللّيل والنّهار وفي السّرّ والجهار وتركوا لحبّ الرّسول عشائرهم وقبائلهم وأولادهم وأزواجهم وأوطانهم ومساكنهم وعيونهم وزروعهم وأشجارهم وأنهارهم وآثروا نفس الرّسول عليه وعليهم الصّلاة والسّلام على أنفسهم واختاروا محبّته على محبّتهم ومحبّة أموالهم وذرّيّاتهم وهم الذين نالوا شرف الصّحبة وفازوا في صحبته ببركات النّبوّة وشاهدوا الوحى يعنى نزوله وتشرّفوا بحضور الملك ورأوا الخوارق والمعجزات حتّى صار غيبهم شهادة وعلمهم عينا وأعطوا من اليقين ما لا يعطى أحد من بعدهم حتّى لا يبلغ إنفاق غيرهم مثل أحد ذهبا إنفاقهم مدّ شعير ولا نصيفه وهم الذين أثنى الله تعالى عليهم في القرآن المجيد ورضى عنهم وهم رضوا عنه ذلك مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ومَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ سمّي الله الغائظ بهم كفّارا فليحذر عن غيظهم كما يحذر عن الكفر والله الموفّق. والجماعة الذين صحّحوا مثل هذه النّسبة برسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - وصاروا مقبولين لديه ومنظورين إليه - صلّى الله عليه وسلّم - إذا خالف بعضهم بعضا في بعض الامور وتشاجروا وعملوا بما أدّى اليه رأيهم واجتهادهم لا يكون مجال للطّعن فيهم ولا للإعتراض على صنيعهم بل الحقّ والصّواب في ذلك الموطن هو عين الإختلاف وعدم تقليد رأى غيره ألا ترى أنّ تقليد الإمام أبي يوسف أبا حنيفة رضي الله عنهما بعد وصوله إلى درجة الإجتهاد خطأ والصّواب إنّما هو تقليد رأى نفسه حتّى إنّ الإمام الشّافعيّ رضي الله عنه لا يقدّم قول صحابىّ أىّ صحابىّ كان سواء كان صدّيقا أو عليّا على رأيه بل يرى الصّواب في العمل برأيه وإن كان مخالفا لقول صحابىّ فإذا كان لمجتهد من الامّة غير صحابىّ مجال في مخالفة آراء الاصحاب كيف يكون الاصحاب مطعونا فيهم إذا خالف بعضهم بعضا.

Sección V02/P083–V02/P084

(مع أنّا) نقول انّ الاصحاب الكرام قد خالفوا في الامور الإجتهاديّة رأى رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - ولم يرد الذّمّ على خلافهم ذلك مع وجود نزول الوحى ولم يرد المنع عن اختلافهم ذلك كما مرّ فإن كان اختلافهم ذلك غير مرضىّ وغير مقبول عند الحقّ جلّ شأنه لكان يرد المنع عنه وينزل الوعيد على المخالفين ألا ترى كيف جاء المنع من رفع الصّوت حين رفع جماعة أصواتهم فوق صوت النّبىّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وترتّب عليه الوعيد قال الله تبارك وتعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ الآية ووقع في أسارى بدر اختلاف عظيم حيث حكم عمر الفاروق وسعد بن معاذ بقتل الأسارى وحكم الآخرون بالتّخليص والفدية وكان الرّأي المقبول عنده صلّى الله عليه وسلّم الحكم بالتّخليص والفدية وسائر مواضع الإختلافات كثيرة. ومن هذا القبيل اختلافهم في إتيان القرطاس حين طلب النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم في مرض موته قرطاسا ليكتب لهم شيأ فاراد جمع اتيان القرطاس ومنعه الآخرون وكان الفاروق من الذين لم يرضوا بإتيان القرطاس وقال حسبنا كتاب الله فأكبّ الطّاعنون من هذه الجهة على الفاروق وأطالوا لسان الطّعن والتّشنيع عليه وليس هذا في الحقيقة محلّا للطّعن فإنّ الفاروق قد علم أنّ زمان الوحى صار منقطعا والاحكام السّماوية قد تمّت ولم يبق مجال لاثبات الاحكام غير الرّأي والاجتهاد وكلّ ما يكتب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يكون من الامور الإجتهاديّة الّتي فيها شركة للآخرين بقوله تعالى فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ فرأى الصّواب في أن لا يصدّع النّبىّ - صلّى الله عليه وسلّم - عند غلبة وجعه وأن يكتفى برأى غيره واجتهاده حسبنا كتاب الله يعني: القرآن المجيد مأخذ القياس والاجتهاد وكاف للمستنبطين فيستنبط منه الاحكام وتخصيص الكتاب بالذّكر يمكن أن يكون أنّه علم بالقرائن أنّ تلك الاحكام الّتي هو صلّى الله عليه وسلّم في صدد كتابتها مأخذها الكتاب لا السّنّة حتّى يذكر السّنّة فكان منع الفاروق من جهة الشّفقة والمرحمة لئلّا يصدّع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بشيء في شدّة الوجع وكان أمره صلّى الله عليه وسلّم بإتيان القرطاس للاستحسان لا للوجوب ليكون غيره مستريحين من مشقّة استنباطه فلو كان أمر " ائتونى " للوجوب لبالغ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيه ولما كان يعرض عنه لمجرّد الإختلاف (فإن قيل) قد قال الفاروق في ذلك الوقت " أهجر استفهموه! " فما يكون المراد منه؟ (أجب) لعلّ الفاروق فهم في ذلك الوقت أنّ هذا الكلام إنّما صدر عنه صلّى الله عليه وسلّم بواسطة الوجع من غير قصد اختيار كما يتوهّم من لفظ " اكتب " فإنّه صلّى الله عليه وسلّم كان أمّيّا لم يكتب شيئا أصلا وأيضا انّه قال " لن تضلّوا بعدي» .

Sección V02/P084–V02/P086

فإذا كان الدين كاملا وصارت النّعمة تماما وحصل رضا المولى به كيف تتصوّر الضّلالة بعد ذلك وماذا يقدر يكتب في ساعة واحدة حتّى تندفع به الضّلالة ألم يكف الذين كتب في مدّة ثلاث وعشرين سنة ولم تندفع به الضّلالة ويكتب في ساعة واحدة شيء مع وجود شدّة المرض تندفع به الضّلالة فعلم الفاروق من هنا أنّ هذا الكلام جرى على لسانه الشّريف من غير قصد منه بناء على البشريّة فقال " حقّقوا هذا المعنى بالاستفسار منه ثانيا " فارتفع الكلمات في أثناء الإختلاف فقال النّبىّ - صلّى الله عليه وسلّم -: «قوموا ولا تختلفوا فإنّه لا يستحسن النّزاع عند نبىّ " ولم يقل ثانيا من هذه المقولة شيئا ولم يذكر دواتا ولا قرطاسا (ينبغي) أن يعلم أنّ الإختلاف الواقع من الاصحاب الكرام في بعض الامور الإجتهاديّة بالنّسبة إلى النّبىّ عليه وعليهم الصّلاة والسّلام لو كان عياذا بالله سبحانه فيه شائبة الهوى والتّعصّب لانجرّ ذلك إلى اللّحوق بزمرة أهل الإرتداد واخراج الرّأس من ربقة الإسلام فإنّ سوء الادب وسوء المعاشرة معه صلّى الله عليه وسلّم كفر أعاذنا الله سبحانه منه بل كان هذا الإختلاف بناء على أمر " فاعتبروا " فانّ من كان فيه رتبة الإجتهاد فتقليده اجتهاد غيره ورأيه في الامور الإجتهاديّة خطأ ومنهيّ عنه نعم لا مجال في الاحكام المنزّلة الّتي لا مدخل فيها للرّأى والاجتهاد لغير التّقليد والإيمان والانقياد واجب فيها غاية ما في الباب أنّ أصحاب القرن الاوّل كانوا برآء من التّكلّفات ومستغنين عن تحسين العبارات وإنّما كان اهتمامهم في إصلاح الباطن وكان ظاهرهم مطروحا عن نظرهم وغير ملحوظ أصلا وكانت مراعاة الآداب في ذلك القرن باعتبار الحقيقة والمعنى لا باعتبار الظّاهر والصّورة فقط وكان حالهم امتثال أمر الرّسول - صلّى الله عليه وسلّم - ومعاملتهم الإجتناب عمّا ليس بمرضيّ عنده صلّى الله عليه وسلّم جعلوا آباءهم وأمّهاتهم وأولادهم وأزواجهم فداء له عليه الصّلاة والسّلام ومن كمال اعتقادهم وإخلاصهم لم يتركوا بزاق النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم ليقع في الارض بل كانوا يأخذونه ويمسحونه أبدانهم ووجوههم مثل ماء الحياة وقصدهم شرب دمه صلّى الله عليه وسلّم بعد الفصد من كمال الإخلاص مشهور ومعروف فإن صدرت عن هؤلاء الاكابر عبارة موهمة لسوء الادب بالنّسبة إليه صلّى الله عليه وسلّم عند أهل هذه القرون الّتي هي ملآنة من الكذب والخداع ينبغي أن يحملها على محمل حسن وأن يذهب إلى حاصل العبارة وأن لا يلاحظ الالفاظ من أىّ قسم كانت وهذا هو طريق السّلامة والله سبحانه الموفّق (فإن قيل) إذا كان في الامور الإجتهاديّة مجال الخطأ كيف يكون الوثوق بجميع الاحكام الشّرعيّة المنقولة عنه عليه الصّلاة والسّلام (أجيب) أنّ الاحكام الإجتهاديّة صارت في المآل وثانى الحال أحكاما منزّلة سماويّة فإنّ تقرير الانبياء على الخطأ غير جائز فينزل في الاحكام الإجتهاديّة بعد ثبوت اجتهاد المستنبطين واختلاف آراءهم حكم من عند الحقّ جلّ وعلا يفرّق الصّواب من الخطأ ويميّز المحقّ من المبطل فكانت الاحكام الإجتهاديّة في زمانه صلّى الله عليه وسلّم بعد نزول الوحى وتميّز الصّواب من الخطأ أيضا قطعيّ الثبوت لم يبق فيها احتمال الخطأ فجميع الاحكام الّتي ثبتت في زمنه صلّى الله عليه وسلّم قطعيّ محفوظ عن احتمال الخطأ لانّها ثبتت بوحى قطعيّ ابتداء وانتهاء وكان المقصود من الإجتهاد في استنباط هذه الاحكام هو أن يحصل للمجتهدين والمستنبطين أنواع العناية وارتفاع درجات الكرامة وينال المصيب والمخطئ ثوابا على تفاوت الدرجات ففى الاحكام الإجتهاديّة ارتفاع درجات المجتهدين وقطعيّة تلك الاحكام نعم إنّ الاحكام الإجتهاديّة بعد انقراض زمان النّبوّة ظنّيّات مفيدة للعمل لا مثبتة للاعتقاد حتّى يكون منكرها كافرا الّا أن ينعقد إجماع المجتهدين على حكم فيكون حينئذ مثبتا للاعتقاد أيضا ولنختم المكتوب بالخاتمة الحسنة في فضائل أهل بيت الرّسول عليه وعلى آله وأصحابه الصّلاة والسّلام روى ابن عبد البرّ أنّه قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " من أحبّ عليّا فقد أحبّنى ومن أبغض عليّا فقد أبغضنى ومن آذي عليّا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذي الله " وأخرج التّرمذيّ والحاكم وصحّحه عن بريدة قال قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله أمرنى بحبّ أربعة وأخبرنى أنّه يحبّهم قيل: يا رسول الله سمّهم لنا قال: «عليّ منهم " يقول ذلك ثلاثا - وأبو ذرّ والمقداد وسلمان» أخرج الطّبرانىّ والحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنّه قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم " النّظر إلى عليّ عبادة» إسناده حسن وأخرج الشّيخان عن البراء رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والحسن على عاتقه وهو عليه الصّلاة والسّلام يقول " اللهمّ انّى أحبّه فأحبّه» وأخرج البخاريّ عن أبي بكر قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى النّاس مرّة وإليه مرّة ويقول: «إنّ ابنى هذا لسيّد ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» أخرج التّرمذيّ عن أسامة بن زيد قال رأيت النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم وحسن وحسين على وركه فقال " هذان ابناي وابنا بنتي اللهمّ إنّى أحبّهما وأحبّ من يحبّهما» .

Sección V02/P086–V02/P091

أخرج التّرمذيّ عن أنس قال " سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم " أىّ أهل بيتك أحبّ إليك قال: «الحسن والحسين» » وروى المسور بن مخرمة أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - قال " فاطمة بضعة منّى فمن أبغضها أبغضنى» وفي رواية «يريبنى ما أرابها ويؤذينى ما آذاها» وأخرج الحاكم عن أبي هريرة أنّ النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم قال لعليّ: «فاطمة أحبّ إليّ منك وأنت أعزّ عليّ منها» وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «إنّ النّاس كانوا يتحرّون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بذلك مرضاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» وقالت: «إنّ نساء رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - كنّ حزبين: فحزب فيه عائشة وحفصة وصفيّة وسودة والحزب الآخر أمّ سلمة وسائر نساء رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - فكلّم حزب أمّ سلمة فقلن لها كلّمي رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - يكلّم النّاس فيقول: «من أراد أن يهدي إلى رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - فليهد إليه حيث كان " فكلّمته فقال لها: «لا تؤذيني فإنّ الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة الّا عائشة " فقالت: أتوب إلى الله سبحانه من أذاك يا رسول الله ثمّ إنّهنّ دعون فاطمة فأرسلن إلى رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - فكلّمته فقال " يا بنىّ ألا تحبّين ما أحبّ قالت: بلى قال: فأحبّي هذه» وعن عائشة رضي الله عنها قالت " ما غرت على أحد من نساء رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - ما غرت على خديجة وما رأيتها ولكن يكثر ذكرها وربّما ذبح شاة ثمّ يقطّعها أعضاء ثمّ يبعثها في صدائق خديجة فربّما قلت له: كأنّه لم يكن في الدنيا امرأة الّا خديجة فيقول " إنّها كانت وكانت وكان لي منها ولد» . وعن ابن عبّاس - رضي الله عنهما - أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم " العبّاس منّي وأنا منه» وأخرج الديلميّ عن أبي سعيد أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - قال " اشتدّ غضب الله على من آذاني في عترتي» وأخرج الحاكم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - قال " خيركم خيركم لاهلي من بعدي» أخرج ابن عساكر عن عليّ كرّم الله وجهه أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - قال " من صنع إلى أهل بيتي يدا أكافئه عليها يوم القيامة» أخرج ابن عديّ والديلميّ عن عليّ رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال " أثبتكم على الصّراط أشدّكم حبّا لاهل بيتي ولأصحابي» (شعر) إلهي بحق بني فاطمه . كه بر قول إيمان كنى خاتمه اكر دعوتم رد كنى ور قبول . من ودست ودامان آل رسول صلّى الله عليه وسلّم وعلى جميع إخوانه من الانبياء والمرسلين والملائكة الكرام المقرّبين وعلى سائر عباد الله الصّالحين أجمعين. المكتوب السّابع والثلاثون إلى الفقير الحقير عبد الحيّ الذي هو جامع هذه المكتوبات الشّريفة في بيان فضائل الكلمة الطّيّبة: «لا إله الّا الله» وما يناسب ذلك بسم الله الرّحمن الرّحيم " لا إله الّا الله " لا شيء أنفع من هذه الكلمة الطّيّبة في تسكين غضب الرّبّ جلّ سلطانه وعلا برهانه فإذا كانت هذه الكلمة سببا لتسكين غضب دخول النّار تكون سببا لتسكين غضبات أخر بالطّريق الاولى فإنّها دون ذلك كيف لا تكون سببا للتّسكين فإنّ العبد قد أعرض عن السّوى نافيا له بتكرار هذه الكلمة الطّيّبة وجعل قبلة توجّهه المعبود على الحقّ؟

Sección V02/P091–V02/P093

وكان منشأ الغضب هو التّوجّهات الشّتّى الّتي كان العبد مبتلى بها وليس " فليس " وشاهد هذا المعنى في عالم المجاز هو أنّ شخصا إذا تأذّى عن مملوكه وغضب عليه فحينئذ لو أعرض المملوك بحسن التّدبير الذي فيه عمّا سوى مالكه وتوجّه إلى مالكه بكلّيته تظهر الشّفقة والمرحمة في المالك في حقّ المملوك بالضّرورة يرتفع عنه الغضب والأذى وأجد هذه الكلمة الطّيّبة مفتاح خزينة تسع وتسعين رحمة أعني ما جعلت ذخيرة لاجل الآخرة. وأعلم أنّه لا شيء أشفع من هذه الكلمة الطّيّبة في دفع ظلمات الكفر وكدورات الشّرك ومن صدّق بمضمون هذه الكلمة وحصّل ذرّة من الإيمان ومع ذلك كان مبتلى برسوم الكفر ورذائل الشّرك نرجو أن يخرج من العذاب بشفاعة هذه الكلمة الطّيّبة وأن ينجو من الخلود في النّار كما أنّ شفاعة محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنفع في دفع عقوبات سائر كبائر هذه الامّة وأدخل فيه. وإنّما قلت: «كبائر هذه الامّة " فإنّ ارتكاب الكبائر في سائر الامم السّابقة أقلّ منه في هذه الامّة بل امتزاج رسوم الكفر ورذائل الشّرك أيضا أقلّ فيهم والاحوج إلى الشّفاعة هو هذه الامّة وفي الامم كان جمع مصرّا على الكفر وكان جمع آخر مؤمنا خالصا ممتثلا للأوامر قد هلكت هذه الامّة الكثيرة الذّنوب لو لا أن يكون شفيعهم مثل الكلمة الطّيّبة وشافعهم مثل خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلات والتّحيّات أمّة مذنبة وربّ غفور والذي تناله هذه الامّة من عفوه وغفرانه سبحانه لا يعلم نيل جميع الامم الماضية هذا القدر وكأنّ التّسعة والتّسعين من الرّحمة ادّخرت لهذه الامّة المستغرقة في الذّنوب [ع] أحقّ النّاس بالكرم العصاة ولمّا كان الحقّ سبحانه وتعالى يحبّ العفو والمغفرة ولا شيء من المادّة لاجل العفو والمغفرة مساويا لهذه الامّة لا جرم صارت هذه الامّة خير الامم والكلمة الطّيّبة الّتي هي شفيعتهم أفضل الذّكر ونال نبيّهم الذي هو شفيعهم سيّد الانبياء خطاب فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا نعم هكذا يكون أرحم الرّاحمين وهكذا يفعل أكرم الاكرمين [ع] لا عسر في أمر مع الكرام وكانَ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيرًا رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وثَبِّتْ أَقْدامَنا واُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ واسمع أيضا من فضائل هذه الكلمة الطّيّبة: قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - وبارك وكرّم " من قال لا إله إلّا الله دخل الجنّة» . ويتعجّب القاصرون كيف يتيسّر دخول الجنّة بأن يقول " لا إله الّا الله " مرّة واحدة وهذا لكونهم غير واقفين على بركات هذه الكلمة الطّيّبة وقد صار مكشوفا للفقير أنّه لو غفر ذنوب جميع العالم بتكلّم هذه الكلمة الطّيّبة مرّة واحدة وأدخلوا الجنّة لساغ. وكان مشهودا أيضا أنّه لو قسمت بركات هذه الكلمة المقدّسة بين تمام العالم لكفت الجميع إلى أبد الآباد ولاروت الكلّ فكيف إذا اجتمعت بهذه الكلمة الطّيّبة المقدّسة " محمّد رسول الله " وانتظم التّبليغ بالتّوحيد واقترنت الرّسالة بالولاية؟

Sección V02/P093–V02/P094

ومجموعة هاتين الكلمتين جامعة لجميع كمالات الولاية والنّبوّة وهادي سبيل كلا هاتين السّعادتين من طهّر الولاية من ظلمات الضّلال وأوصل النّبوّة إلى الدرجة العليا اللهمّ لا تحرمنا من بركات هذه الكلمة العليّة وثبّتنا عليها وأمتنا على تصديقها واحشرنا مع المصدّقين لها وأدخلنا الجنّة بحرمتها وحرمة مبلّغيها عليهم الصّلاة والتّحيّات والتّسليمات والبركات وأيضا: إذا عجز النّظر والقدم وانخفض جناح الهمّة وترخّى ووقعت المعاملة على الغيب الصّرف لا يمكن السّير في ذلك الموطن بغير قدم " لا إله الّا الله محمّد رسول الله " ولا يمكن قطع تلك المسافة الّا في كنف تلك الكلمة المقدّسة وكلّما قال السّائر في ذلك الموطن هذه الكلمة الطّيّبة مرّة واحدة يقطع بها وبإمداد حقيقة هذه الكلمة المقدّسة وإعانتها خطوة واحدة من تلك المسافة ويقع بعيدا عن نفسه وقريبا من الحقّ سبحانه وكلّ جزء من تلك المسافة أزيد من تمام دائرة عالم الإمكان بزيادة مضاعفة فينبغي أن يعلم فضيلة هذا الذّكر من ههنا حيث لا مقدار لتمام الدنيا في جنبه ولا إحساس ليت لها حكم القطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط وعظمة هذه الكلمة الطّيّبة باعتبار درجات قائلها كلّما كانت درجة القائل أزيد وأعلى تكون تلك العظمة أكثر وأولى (شعر) يزيدك وجهه حسنا . إذا ما زدته نظرا ولا يعلم في الدنيا تمنّ يساوي لتمنّي أن يقعد الإنسان في زاوية ملتذّا ومحتظّا بتكرار هذه الكلمة الطّيّبة ولكن ما نفعل! لا يتيسّر جميع التّمنّيات ولا بدّ من الغفلة والإختلاط بالخلق! رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعالَمِينَ . المكتوب الثامن والثلاثون إلى الحاجّ يوسف الكشميريّ في بيان أنّه لا تعلّق لباطن أهل الله بالدّنيا مقدار خردلة وإن تشبّثوا في الظّاهر بالدّنيا وأسبابها وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى تكون معرفة الله جلّ سلطانه حراما على شخص يكون في باطنه مقدار خردلة من محبّة الدنيا أو من التّعلّق بالدّنيا أو خطر في باطنه هذا المقدار من خواطر الدنيا بقي ظاهره الذي وقع بعيدا من باطنه بمراحل وجاء من الآخرة إلى الدنيا واختلط بالنّاس لحصول المناسبة المشروطة في الإفادة والاستفادة فإن تكلّم من الدنيا وتشبّث بالأسباب الدنيويّة جاز له ذلك وساغ ولا يكون مذموما أصلا بل يكون محمودا لئلّا تتعطّل حقوق العباد وكيلا ينسدّ طريق الإفادة والاستفادة فباطن هذا الشّخص أفضل من ظاهره وحكمه حكم بائع حنطة تشبه الشّعير والذين نظرهم مقصور على رؤية الظّاهر يحسبونه كأنفسهم مثل بايعي شعير يشبه الحنطة ويعتقدون ظاهره أفضل من باطنه ويتخيّلون أنّه يرى نفسه في الظّاهر عديم التّعلّق وأنّه متعلّق في الباطن. رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. المكتوب التّاسع والثلاثون إلى السّيّد عبد الباقي السّارنكبوريّ في بيان أصحاب اليمين وأصحاب الشّمال والسّابقين وما يناسب ذلك بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أرشدك الله تعالى أنّ أصحاب الشّمال هم أصحاب الحجب الظّلمانيّة وأصحاب اليمين أرباب الحجب النّورانيّة والسّابقون هم الذين تخلّصوا من هذه الحجب وتلك الحجب وحازوا قصب السّبق على أقرانهم ووصلوا إلى ميدان الاصل واضعين إحدى قدميهم على الشّمال والأخرى على اليمين وترقّوا من الظّلال الإمكانيّ والظّلال الوجوبيّ ولم يروا من الإسم والصّفة والشّأن والاعتبار غير الذّات تعالت وتقدّست أصحاب الشّمال أرباب الكفر والشّقاوة. وأصحاب اليمين أهل الإسلام وأرباب الولاية. والسّابقون بالأصالة هم الانبياء عليهم الصّلاة والتّسليمات.

Sección V02/P094–V02/P096

وبالتّبعيّة كلّ من يشرّف بهذه الدولة وهذه الدولة بالتّبعيّة أكثر في أكابر أصحاب الانبياء - عليهم الصّلاة والسّلام - وفي غير الاصحاب أيضا متحقّقة على سبيل القلّة والنّدرة وهذا الشّخص أيضا من زمرة الاصحاب في الحقيقة وملحق بكلمات الانبياء - عليهم الصّلاة والتّسليمات - وكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال في حقّه حيث قال " لا يدرى أوّلهم خير أم آخرهم» وإن قال عليه الصّلاة والسّلام «خير القرون قرني» قال هذا باعتبار القرون وذاك باعتبار الاشخاص والله سبحانه أعلم. ولكنّ إجماع أهل السّنّة على أفضليّة الشّيخين ولا أحد يسبق أبا بكر بعد الانبياء - عليهم الصّلاة والسّلام - وهو أسبق سابقي هذه الامّة وأقدم قدماء أرباب هذه الملّة. وتشرّف الفاروق بتوسّله بدولة الافضليّة وترقّى بتوسّطه فوق الآخرين ومن ههنا قالوا للفاروق خليفة الصّدّيق وقرؤا في الخطبة خليفة خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفارس ميدان هذه المعاملة هو الصّدّيق والفاروق رديفه وحبّذا الرّديف حيث رافق الفارس وشاركه في أخصّ أوصافه (ولنرجع إلى أصل الكلام ونقول) إنّ السّابقين خارجون من أحكام اليمين والشّمال ومتفوّقون من معاملات الظّلمانيّة والنّورانيّة كتابهم وراء كتاب اليمين والشّمال ومحاسبتهم وراء محاسبة أصحاب اليمين والشّمال أشغالهم وأحوالهم على حدة وغنجهم ودلالهم ممتاز ماذا يدرك أصحاب اليمين مثل أصحاب الشّمال من كمالاتهم؟ وماذا ينال أرباب الولاية كعامّة المؤمنين من أسرارهم؟ حروف المقطّعات القرآنيّة رموز أسرارهم والمتشابهات الفوقانيّة كنوز مدارج وصولهم وجعلهم الوصول إلى الاصل فارغين من الظّلّ وأبعد أرباب الظّلال عن حريمهم الخاصّ بهم وهم المقرّبون والرّوح والرّيحان نصيبهم وهم الذين لا يحزنهم الفزع الاكبر ولا يتحرّكون من محلّهم من أهوال يوم القيامة في المحشر كغيرهم اللهمّ اجعلنا من محبّيهم فإنّ المرء مع من أحبّ بحرمة سيّد المرسلين وعلى آله الصّلوات والتّسليمات والتّحيّات والبركات. المكتوب الاربعون إلى مولانا بدر الدين في بيان أنّ خرق الحجب باعتبار الشّهود لا باعتبار الوجود وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى إنّ خرق حجب الاسماء والصّفات والشّئون والاعتبارات من حضرة الذّات تعالت وتقدّست على قسمين: خرق باعتبار الشّهود. وخرق باعتبار الوجود. فالخرق الوجوديّ ممتنع والخرق الشّهوديّ ممكن بل واقع وإن كان نصيب أقلّ قليل وأخصّ خواصّ وما ورد في الخبر من قوله عليه السّلام " إنّ لله سبعين الف حجاب من نور وظلمة لو كشفت لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» فالمراد من هذا الكشف والخرق الوجوديّ الممتنع وما كتب هذا الفقير في بعض رسائله من خرق جميع الحجب من حضرة الذّات تعالت وتقدّست فالمراد منه الخرق الشّهوديّ كما أنّ الحقّ سبحانه يكرم شخصا ببصارة يرى بها الاشياء من وراء الحجب والأستار وخرق الحجب والأستار هنا باعتبار الشّهود فكذا هذا فعلم أنّ ما كتبه الفقير من جواز خرق الحجب ليس بمناف لخبر عدم جواز خرق الحجب فإنّ ذلك الخرق غير هذا الخرق فلا تكن من الممترين والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. المكتوب الحادي والأربعون إلى الشّيخ فريد التّهانيسرىّ في بيان أنّ في مراتب نهاية النّهاية تظهر مرتبة كلّ ذرّة من ذلك الموطن أزيد من تمام دائرة الإمكان بأضعاف مضاعفة وما يناسب ذلك قد يظهر وقت العروج إلى مراتب نهاية النّهاية بعناية الله سبحانه وحرمة حبيبه - عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام - مرتبة كلّ ذرّة من ذلك الموطن أزيد من تمام دائرة الإمكان بأضعاف مضاعفة فإذا قطع مسافة مقدار ذرّة من ذلك الموطن بالسّلوك كأنّه تيسّر قطع زيادة أضعاف دائرة الإمكان فكيف إذا طوى شخص مسافة طويلة من تلك المرتبة؟ فعلم أنّه لا مقدار لدائرة الإمكان بالنّسبة إلى مرتبة الوجوب فما فوقها يا ليت لها حكم القطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط! فبالضّرورة لا يمكن وصول أحد إلى منزل الحبيب بقوّة قدمه ولا بقدر رؤيته ببصر نفسه لا يحمل عطايا الملك الّا مطاياه.

Sección V02/P096–V02/P098

المكتوب الثاني والأربعون إلى الخواجه جمال الدين الحسين ولد المرزا حسام الدين أحمد في بيان حصر الصّوفيّة السّير في الآفاق والأنفس وإثباتهم التّخلية والتّحلية في ذلك السّير ومنعه هو قدّس سرّه هذا المعنى وإثباته نهاية النّهاية فيما وراء الانفس والآفاق بعناية الله سبحانه بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وعلى آله الكرام وأصحابه العظام إلى يوم القيامة. أيّها الولد العزيز أسعدك الله تعالى (اسمع) بسمع العقل انّ السّالك إذا اشتغل بالذّكر الإلهيّ جلّ سلطانه بعد تصحيح النّيّة وتخليصها وقدّم الرّياضات الشّاقّة والمجاهدات الشّديدة وحصّل التّزكية وبدّل الاوصاف الرّذيلة بالاوصاف الحسنة وتيسّرت له التّوبة والإنابة وزال حبّ الدنيا عن قلبه وحصل له الصّبر والتّوكّل والرّضا وشاهد هذه المعاني الحاصلة له في عالم المثال بالتّدريج والتّرتيب ورأى نفسه طاهرا ومصفّى عن الكدورات البشريّة والصّفات الرّذيلة لكان قد أتمّ السّير الآفاقيّ البتّة واختار طائفة في هذا المقام الإحتياط وقرّروا الامر على تمثّل كلّ لطيفة من اللّطائف السّبعة الإنسانيّة في عالم المثال بصورة نور من الانوار المناسبة لها وجعلوا علامة صفاء كلّ لطيفة ظهور نور من تلك الانوار المثاليّة وابتدءوا هذا السّير من لطيفة القلب وأوصلوه بالتّدريج والتّرتيب إلى اللّطيفة الاخفى الّتي هي منتهى اللّطائف وجعلوا علامة صفاء قلب السّالك مثلا ظهور ذلك القلب في عالم المثال بصورة النّور الاحمر وجعلوا علامة صفاء الرّوح ظهوره بصورة النّور الاصفر وعلى هذا القياس فكان حاصل السّير الآفاقيّ أن يشاهد السّالك تبدّل أوصافه وتغيّر أخلاقه في مرايا عالم المثال وأن يحسّ زوال ظلماته وكدوراته في ذلك العالم حتّى يحصل له اليقين بصفائه ويثبت العلم بتزكيته ولمّا كان السّالك في هذا السّير يشاهد أحواله وأطواره ساعة فساعة في عالم المثال الذي هو من جملة الآفاق ورأى فيه انتقاله من هيئة إلى هيئة كأنّ سيره كان في الآفاق وإن كان هذا السّير في الحقيقة سيرا في نفس السّالك وكانت الحركة حركة كيفيّة في أخلاقه وأوصافه ولكن لمّا كان سطح نظره بعيدا في رؤيته كان ذلك آفاقا لا أنفسا وصار السّير أيضا منتسبا إلى الآفاق وقالوا بتمام السّير إلى الله عند تمام هذا السّير المنسوب إلى الآفاق وجعلوا الفناء مربوطا بهذا السّير وعبّروا عن هذا السّير بالسّلوك فإذا وقع السّير بعد ذلك يسمّونه سيرا أنفسيّا ويقال له أيضا السّير في الله ويثبتون البقاء بالله في هذا الموطن ويرون في هذا المقام حصول الجذبة بعد السّلوك ولمّا حصلت التّزكية للطائف السّالك في السّير الاوّل وتخلّصت عن الكدورات البشريّة حصلت لها قابليّة ظهور ظلال الإسم الجامع الذي هو ربّ السّالك وعكوس ذلك الإسم في مرايا تلك اللّطائف وتكون تلك اللّطائف موارد تجلّيات جزئيّات ذلك الإسم الجامع وظهوراتها وإنّما يسمّون هذا السّير بالسّير الانفسيّ لانّ الانفس صارت مرايا ظلال الاسماء وعكوسها لا إنّ سير السّالك في الانفس كما مرّ في السّير الآفاقيّ من أنّه قيل سيرا آفاقيّا باعتبار المرآتيّة لا لكون السّير في الآفاق وهذا السّير في الحقيقة سير في ظلال الاسماء في مرايا الانفس ولهذا قيل لهذا السّير سير المعشوق في العاشق. (شعر) ما صورة المرآة من حركاتها . لكنّها انطبعت بها لصفائها يمكن أن يقال لهذا السّير السّير في الله باعتبار أنّهم قالوا إنّ السّالك يتخلّق في هذا السّير بأخلاق الله وينتقل من خلق إلى خلق فإنّ للمظهر نصيبا من بعض أوصاف الظّاهر ولو في الجملة فكأنّه تحقّق السّير في أسماء الله تعالى هذا نهاية تحقيق هذا المقام وتصحيح هذا الكلام ولا يدرى ماذا كان حال صاحب المقام؟

Sección V02/P098–V02/P099

وأيّ شيء كان مراد المتكلّم من الكلام كلّ شخص يقول شيئا على مقدار فهمه ووجدانه يريد المتكلّم من كلامه معنى ويفهم السّامع من ذلك الكلام معنى آخر وهم يقولون للسّير الانفسيّ سيرا في الله من غير تكلّف ويسمّونه بقاء بالله بلا تحاش ويزعمونه مقام الوصال والاتّصال وهذه الإطلاقات تثقل على الفقير جدّا؛ فلا جرم يرتكب في توجيهها وتصحيحها التّمحّل والتّكلّف بعض ذلك التّمحّل مأخوذ من كلامهم وبعضه وارد من طريق الإفاضة والإلهام وفي السّير الآفاقيّ كأنّه حصلت التّخلية من الرّذائل وفي السّير الانفسيّ التّحلّي بالاخلاق الحميدة فإنّ التّخلية مناسبة لمقام الفناء والتّحلية مناسبة لمقام البقاء ولم يثبتوا لهذا السّير الانفسيّ نهاية وحكموا بعدم انقطاعه وإن تيسّر العمر الابديّ وقالوا: لا نهاية لشمائل المحبوب وأوصافه فلا يزال تتجلّى صفة من صفاته في مرآة السّالك المتخلّق ويظهر كمال من كمالاته فأين يكون الإنقطاع؟ وكيف تجوز النّهاية؟ قالوا: (شعر) ولو سعت ذرّة في عمرها طلبا . خيرا وشرّا تجد في نفسها اكتمانا وبهذا الفناء والبقاء اللّذين حصلا بالسّير الآفاقيّ والأنفسيّ يطلقون اسم الولاية ويرون نهاية الكمال إلى هنا فإن وقع السّير بعد ذلك فهو سير رجوعيّ عندهم الذي هو معبّر بالسّير عن الله بالله وكذلك السّير الرّابع الذي قالوه سيرا في الاشياء بالله يتعلّق بالنّزول أيضا وقرّروا هذين السّيرين لاجل التّكميل والإرشاد كما أنّ ذينك السّيرين لحصول نفس الولاية والكمال والإسترشاد. وقال جمع: إنّ سبعين ألف حجاب الذي ورد في الخبر: إنّ لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة يخرق في السّير الآفاقيّ فإنّه يخرق في كلّ لطيفة من اللّطائف السّبع عشرة آلاف حجاب فإذا بلغ ذلك السّير تمامه ارتفعت الحجب بتمامها وتحقّق السّالك بالسّير في الله وبلغ مقام الوصل هذا حاصل سير أرباب الولاية وسلوكهم ونسخة كمالهم وتكميلهم الجامعة وما ظهر لهذا الفقير بمحض فضل الحقّ سبحانه وكرمه في هذا الباب وما سلك هو فيه يحرّره إظهارا للنّعمة وشكرا على العطيّة فاعتبروا يا أولي الابصار (اعلم) أرشدك الله وهداك سواء الصّراط أنّ الحقّ سبحانه الذي هو منزّه عن الكيف والمثال والشّبه وما يقع في الخيال كما أنّه وراء الآفاق كذلك هو سبحانه وراء الانفس أيضا فلا يكون لتسمية السّير الآفاقيّ بالسّير بالله والسّير الانفسيّ بالسّير في الله معنى بل كلا السّيرين الآفاقيّ والأنفسيّ داخلان في السّير إلى الله والسّير في الله هو سير بعيد عن الآفاق والأنفس بمراحل ووراء ورائهما (والعجب) أنّهم قرّروا السّير في الله في السّير الانفسيّ وقالوا بعدم نهاية ذلك السّير ولم يجوّزوا انقطاعه في العمر الابديّ كما مرّ وحيث كانت الأنفس كالآفاق من جملة دائرة الإمكان فعلى هذا التّقدير لا يمكن قطع دائرة الإمكان فلا جرم يكون الحرمان دائما والخسران سرمدا ولا يتحقّق الفناء أبدا ولا يتصوّر البقاء حينئذ فكيف الوصل والإتّصال؟ وكيف القرب والكمال؟ سبحان الله إذا اكتفى الكبراء من الشّراب بالسّراب وزعموا إلى الله في الله وتصوّروا الإمكان وجوبا وعبّروا عن المثليّ والكيفيّ باللّامثليّ واللّاكيفيّ؟ كيف نشتكي من الصّغار ووضيعي الفطرة أيّ بلاء وقع بأيّ اعتبار؟ قالوا للأنفس حقّا جلّ وعلا وظنّوا سيرها غير متناه مع وجود حدّها ونهايتها وظهور أسماء الواجب جلّ سلطانه وصفاته في مرآة السّالك الذي قرّروه في هذا السّير الانفسيّ - هو ظهور ظلّ من ظلال الاسماء والصّفات لا ظهور عين الاسماء والصّفات كما يحرّر تحقيق هذا المعنى في آخر هذا المكتوب إن شاء الله تعالى ماذا أفعل؟ وكيف أجوّز سوء الادب هذا مع جناب قدسه تعالى مع وجود العلم والتّمييز؟ وكيف أشرك غيره في ملكه سبحانه وتعالى؟ وإن اعتقدت أنّ حقوق هؤلاء الاكابر قدّس الله أسرارهم ثابتة في ذمّتي فإنّي مربّى بأنواع تربيتهم ولكنّ حقوق واجب الوجود جلّ سلطانه فوق جميع حقوقهم وتربيته سبحانه فوق تربية الآخرين ولقد نجوت بحسن تربيته تعالى من هذه الورطة ولم أشرك في ملكه تعالى غيره سبحانه.

Sección V02/P099–V02/P101

الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدانا لِهذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا الله وهو تعالى منزّه عن الكيف والشّبه والمثال وكلّ ما هو متّسم بسمة الكيف والكمّ فهو مسلوب عن جنابه تعالى فلا يكون له سبحانه مجال في مرايا الآفاق ومجالي الانفس وكلّ ما يظهر في هؤلاء يكون كالمظاهر كيفيّا وكمّيّا فينبغي أن يتجاوز الآفاق والانفس وأن يطلبه سبحانه فيما وراءهما وكذلك دائرة الإمكان آفاقيّا كانت او أنفسيّا كما أنّه لا مجال لذاته سبحانه فيها لا مجال أيضا لاسمائه وصفاته سبحانه فيها بل كلّ ما هو ظاهر فيها فهو ظلال الاسماء والصّفات - تعالت وتقدّست - وشبحها ومثالها بل ظلّيّة الاسماء والصّفات ومثاليّتها أيضا في خارج الآفاق والأنفس ليس هنا غير التّعبية وانتقاش القدرة لمن الظّهور وأين التّجلّي فإنّ أسماءه وصفاته سبحانه كذاته تعالى منزّهة عن الكيف والشّبه والمثال فما لم تخرج إلى ما وراء الآفاق والأنفس لا تعلم معنى ظلّيّة أسمائه وصفاته تعالى فكيف الوصول إلى الاسماء والصّفات تعالت وتقدّست؟ وأعجب من هذه المعاملة فإنّي إن تكلّمت من مكشوفاتي ومعلوماتي اليقينيّة لا تكون موافقة لمذاق المشايخ ومطابقة لمكشوفاتهم فمن يصدّقها منّي ومن يقبل؟ وإن لم أتكلّم بل أسكت أكن مجوّزا لالتباس الحقّ بالباطل ولإطلاق ما لا يجوز إطلاقه على الحقّ تعالى وتقدّس فأظهر بالضّرورة ما هو الحقّ واللّائق بجناب قدسه تعالى وأسلب ما ليس بمناسب لجناب قدسه تعالى ولا أبالي من خلاف الآخرين ولا أغتمّ به وإنّما يتحقّق الخوف من مخالفة الآخرين إذا كان في معاملتي تذبذب وفي مكشوفي اشتباه فإذا انكشفت حقيقة الامر مثل فلق الصّبح واتّضحت معاملة الاصل كالقمر ليلة البدر وتجاوزت مراتب الظّلال بالتّمام وارتقيت من الشّبه والمثال أين يكون الإشتباه ولمن يعرض التّذبذب؟ قال حضرة شيخنا - قدّس سرّه -: «علامة صحّة الأحوال حصول اليقين على الكمال». وأيضا كيف يتصوّر الإشتباه والتّذبذب؟ فإنّه قد تيسّر الإطّلاع بعنايته تعالى الّتي لا غاية لها على تفصيل أحوال هؤلاء الاكابر المقرّرة وانكشفت معارف التّوحيد والاتّحاد وأسرار الإحاطة والسّريان وحصلت حقيقة مكشوفهم ومشهودهم واتّضحت دقائق علومهم ومعارفهم واخترت الإقامة مدّة مديدة في هذا المقام وأدركت قليلهم وكثيرهم الّا ما شاء الله تعالى فظهر آخر الامر - بفضل الله جلّ سلطانه - أنّ هذه كلّها شعبذات الظّلال وشغف بالشّبه والمثال والمطلوب فيما وراء وراء ذلك والمقصود ما سوى هذه فلا جرم صرت متوجّها إلى جناب قدس اللّامثليّ معرضا عن الكلّ وتبرّأت عن كلّ ما هو متّسم بسمة الكمّ والكيف. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والْأَرْضَ حَنِيفًا وما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فلو لم تكن المعاملة هكذا لما حرّكت شفتيّ على خلاف المشائخ ولما أظهرت مخالفتهم بالظّنّ والتّخمين وأيضا إنّ هذا الخلاف لو لم يتعلّق بذات الواجب وصفاته جلّ سلطانه ولم يكن الكلام من تقديسه وتنزيهه تعالى لما وقع إظهار خلاف مكشوف هؤلاء الاكابر البتّة ولم يحصل الكلام من مخالفة علومهم فإنّي أقلّ مقتطفي عناقيد رياض دولهم وأرذل ملتقطي كسرات خوان نعمهم وأظهر مكرّرا أنّهم هم الذين ربّوني بأنواع التّربية ونفعوني بأضعاف الكرم والإحسان والتّرقية ولكن ماذا نفعل فإنّ حقوق الحقّ سبحانه فوق حقوقهم فإذا وقع البحث في ذاته وصفاته تعالى وعلم أنّ إطلاق بعض الامور على جناب قدسه ليس بلائق فالسّكوت في هذا الموطن خوفا من خلاف الآخرين بعيد عن الدين والديانة لا يطيقه مقام العبوديّة والإطاعة خلاف العلماء من المشائخ رحمهم الله تعالى في الامور الخلافيّة كمسألة التّوحيد وغيرها من طريق النّظر والإستدلال وخلاف هذا الفقير معهم في هذه الامور من طريق الكشف والشّهود والعلماء قائلون بقبح هذه الامور وهذا الفقير قائل بحسن هذه الامور بشرط العبور وخلاف الشّيخ علاء الدولة في مسألة وحدة الوجود يفهم على طور العلماء وينظر إلى قبحها وإن دخل فيها بطريق الكشف فإنّ صاحب الكشف لا يقول بقبحها فإنّ هذه المسألة متضمّنة لأحوال غريبة ومشتملة على معارف عجيبة غاية ما في الباب أنّ دوام الإقامة في هذا الموطن غير مستحسن والإكتفاء بهذه الأحوال ليس بحسن.

Sección V02/P101–V02/P102

(فإن قيل) فعلى هذا التّقدير يكون المشائخ على الباطل ويكون الحقّ وراء مكشوفهم ومشهودهم. (أجيب) أنّ الباطل هو الذي لا يكون له محمل من الصّدق وفيما نحن فيه: منشأ هذه الأحوال والمعارف غلبة محبّة الحقّ سبحانه واستيلاء حبّه تعالى على نهج لا يترك في نظر بصيرتهم اسما ولا رسما ممّا سواه تعالى ويجعل اسم الغير والغيريّة ورسمها ممحوّا ومتلاشيا ففي هذا الوقت يعلمون الاغيار والسّوى بواسطة السّكر وغلبة الحال معدومة بالضّرورة ولا يرون موجودا غير الحقّ تعالى فما الباطل هنا وأين البطلان؟ بل في هذا الموطن استيلاء الحقّ وبطلان الباطل وهؤلاء الاكابر باعوا أنفسهم وغيرهم في محبّة الحقّ جلا وعلا ولم يتركوا من أنفسهم وغيرهم اسما ولا رسما يكاد الباطل يفرّ من ظلّهم وهنا كلّه حقّ ولأجل الحقّ ما ذا ينال العلماء الذين نظرهم مقصور على الظّاهر من حقيقتهم؟ وماذا يفهمون غير المخالفة الصّوريّة؟ وماذا يأخذون من كمالاتهم؟ والكلام في أنّ فيما وراء هذه الأحوال والمعارف كمالات أخر حكم هذه الأحوال والمعارف بالنّسبة إلى تلك الكمالات كحكم القطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط. (شعر) متى قسنا السّماء بالعرش ينحطّ . وما أعلاه إن قسنا بأرض (ولنرجع) إلى أصل الكلام ونقول وما قالوا في خرق الحجب من أنّه ترتفع في السّير الآفاقيّ الحجب الظّلمانيّة والنّورانيّة بتمامها كما مرّ فهذا الكلام عند هذا الفقير محلّ خدشة بل ثبت خلافه وشوهد أنّ خرق الحجب الظّلمانيّة منوط بطيّ جميع مراتب الإمكان وهو إنّما يتيسّر بالسّير الآفاقيّ والسّير الانفسيّ وخرق الحجب النّورانيّة مربوط بسير الاسماء والصّفات الواجبيّة تعالت وتقدّست حتّى لا يبقى في نظره اسم ولا صفة ولا شأن ولا اعتبار فحينئذ يتيسّر له خرق الحجب النّورانيّة بتمامها ويتشرّف بالوصل العريان وإن كان هذا الوصل أقلّ حصولا وهذا الوصل أعزّ وجودا ففي السّير الآفاقيّ لا يعلم أنّه انخرق نصف الحجب الظّلمانيّة أم لا؟ فكيف يتصوّر هناك خرق الحجب النّورانيّة؟ غاية ما في الباب أنّ المراتب في الحجب الظّلمانيّة متفاوتة فيكون ذلك التّفاوت سببا للاشتباه فإنّ الحجب النّفسانيّة فوق الحجب القلبيّة في الظّلمة مثلا وإن ظهر قليل الظّلمة نفسه بعنوان النّورانيّة النّسبيّة وخيّل الظّلمانيّ نورانيّا ولكنّ الظّلمانيّ ظلمانيّ في الحقيقة والنّورانيّ نورانيّ لا يخلط حديد البصر أحدهما بالآخر ولا يحكم على الظّلمة بالنّور لوجدانه منشأ الإشتباه. ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ والطّريق الذي شرّف هذا الفقير بتسليكه جامع للجذبة والسّلوك وكلّ واحد من التّخلية والتّحلية مجتمع مع الآخر وكلّ واحد من التّصفية والتّزكية مقترن في ذلك الموطن بالآخر والسّير الانفسيّ متضمّن في ذلك المقام للسّير الآفاقيّ ففي عين التّصفية تزكية وفي عين التّخلية تحلية ونفس الجذبة محصّلة للسّلوك والأنفس شاملة للآفاق ولكنّ التّقدّم الذّاتيّ للتّخلية والجذبة وللتّصفية سبقة ذاتيّة على التّزكية وملحوظ النّظر الانفس لا الآفاق فلا جرم كان هذا الطّريق أقرب في الوصول بل أقول: إنّ هذا الطّريق موصّل البتّة واحتمال عدم الوصول مفقود فيه ينبغي أن يسأل الحقّ سبحانه الإستقامة وأن يطلب منه تعالى الفرصة وإنّما قلت: إنّ هذا الطّريق موصّل البتّة فإنّ أوّل قدم هذا الطّريق الجذبة الّتي هي دهليز الوصول ومواقع التّوقّفات أمّا منازل السّلوك أو مواطن الجذبات الّتي لا تكون متضمّنة للسّلوك وكلا المانعين مرتفعان في هذا الطّريق؛ فإنّ السّلوك طفيليّ يحصل في ضمن الجذبة فههنا ليس سلوك خالص ولا جذبة أبتر حتّى يكون الطّريق مسدودا وهذا الطّريق طريق الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام وهؤلاء الاكابر وصلوا إلى منازل الوصول على تفاوت درجاتهم من هذا الطّريق وقطعوا الآفاق والأنفس بخطوة واحدة ووضعوا أقدامهم الاخر فيما وراء الآفاق والأنفس ورقّوا المعاملة فوق السّلوك والجذبة فإنّ نهاية السّلوك إلى نهاية السّير الآفاقيّ ونهاية الجذبة إلى نهاية السّير الانفسيّ فإذا بلغ السّير الآفاقيّ والأنفسيّ نهايته فقد تمّت معاملة السّلوك والجذبة وبعد ذلك لا سلوك ولا جذبة وهذا المعنى ليس ممّا يجيء في حوصلة كلّ مجذوب سالك وسالك مجذوب فإنّ عندهم لا مجال للقدم فيما وراء الآفاق والأنفس فلو نالوا عمرا أبديّا بالفرض والتّقدير لصرفوه في السّير الانفسيّ ثمّ لا يظنّونه تماما.

Sección V02/P102–V02/P103

قال واحد من العظماء. (شعر) ولو سعت ذرّة في عمرها طلبا . خيرا وشرّا تنل في نفسها اكتمانا كما مرّ وقال الآخر: والتّجلّي من الذّات لا يكون الّا بصورة المتجلّي له فالمتجلّي له ما رأى غير صورته في مرآة الحقّ ولا يمكن أن يراه (ينبغي أن يعلم) أنّ شيوخي وهداتي وأدلّائي إلى الله تعالى الذين فتحت عيني في هذا الطّريق بتوسّلهم وحرّكت شفتيّ بمثل هذه المقالة بتوسّطهم وأخذت درس " ألف با " في الطّريقة منهم وحصّلت ملكة المولويّة من توجّهاتهم الشّريفة فإن كان لي علم فهو بتطفّلهم وإن كانت معرفة فهي أيضا أثر التفاتهم وتعلّمت طريق اندراج النّهاية في البداية من هؤلاء الاكابر وأخذت نسبة الإنجذاب إلى جهة القيّوميّة أيضا منهم ورأيت بنظرهم الواحد ما لا يراه النّاس في الاربعين ووجدت بكلامهم الواحد ما لا يجده الآخرون في السّنين. (شعر) من نال نظرة شمس تبريز ليهزأ . باختلاء الاربعين وعشرة ولقد أجاد من قال: أعجب من النّقشبنديّين إنّهم . يمشون بالرّكب مخفيّين للحرم ومن علوّ الفطرة وسموّ الهمّة قرّروا ابتداء الطّريقة من السّير الانفسيّ وقطعوا السّير الآفاقيّ في ضمنه والسّفر في الوطن في عباراتهم كناية عن هذا السّير والمسافة في طريق هؤلاء الاكابر قريبة وأقرب إلى الوصول نهاية سير الآخرين بداية سيرهم ولهذا قالوا: نحن ندرج النّهاية في البداية. وبالجملة أنّ طريق هؤلاء الاكابر فيما بين سائر طرق المشائخ قدّس الله أسرار جميعهم عال جدّا وحضورهم وشعورهم يمكن أن يقال: إنّهما فوق شعور أكثرهم ومن هنا قالوا: إن نسبتنا فوق جميع النّسب وأرادوا بالنّسبة الحضور والشّعور ولكن لمّا لم يكن فيما وراء الآفاق والأنفس ووراء السّلوك والجذبة مجال لقدم ولاية الأولياء وممرّ - لم يخبر هؤلاء الاكابر أيضا بالضّرورة عن خارج الآفاق والأنفس ولم يتكلّموا فيما وراء السّلوك والجذبة ويقولون بمقياس كمالات الولاية: إنّ أهل الله كما يرونه بعد الفناء والبقاء يرونه في أنفسهم وكلّ ما يعرفون يعرفونه في أنفسهم والحيرة فيهم في وجود أنفسهم وفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ لله سبحانه الحمد والمنّة انّ هؤلاء الاكابر وإن لم يخبروا عن خارج الانفس ولكنّهم ليسوا بمبتلين ومفتونين بالأنفس أيضا بل يريدون أن يجعلوا الانفس تحت كلمة " لا " كالآفاق وأن ينفوها بعلّة الغيريّة قال الخواجه الاعظم - قدّس سرّه -: كلّ ما يرى ويسمع ويعلم فهو غيره تعالى ينبغي نفيه بحقيقة كلمة " لا " (شعر) ما غرّهم نقش ذا من نقش ذا بل أتوا .

Sección V02/P103–V02/P105

في كلّ آن بنقش عزّ عن شبه ينبغي أن يعلم: أنّ نفي الغيريّة غير انتفاء الغيريّة شتّان ما بينهما وإنّما قلت أن ليس للولاية مجال القدم في خارج الجذبة والسّلوك والآفاق والأنفس فإنّ ما وراء هذه الاركان الاربعة للولاية مبادى كمالات النّبوّة ومقدّماتها ويد الولاية قاصرة عن تلك الشّجرة العالية الرّفيعة وقد اهتدى إلى هذه الدولة الاكثرون من أصحاب الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام والأقلّون من سائر الامم بتبعيّة الانبياء ووراثتهم عليهم الصّلوات والتّحيّات وقطعوا بهذا الطّريق الجامع للجذبة والسّلوك منازل البعد ووضعوا أقدامهم فيما وراء السّلوك والجذبة وخرجوا من دائرة الظّلال بالتّمام وخلّفوا الانفس كالآفاق وراءهم وفي هذا المقام التّجلّي الذّاتيّ البرقيّ - الذي هو كالبرق الخاطف لغيرهم - دائميّ لهم بل معاملة هؤلاء الاكابر فوق التّجلّي برقيّا أو غيره فإنّ التّجلّي يستدعي نحوا من الظّلّيّة والنّقطة من الظّلّيّة جبل عظيم لهؤلاء الكبراء وبداية أمر هؤلاء العظماء الجذب والمحبّة الإلهيّة جلّ سلطانه فإذا زادت تلك المحبّة بعناية الله جلّ سلطانه وعظم شأنه الّتي لا غاية لها واستولت ساعة فساعة وقويت وغلبت تشرع محبّة ما سواه تعالى بالضّرورة درجة فدرجة في الزّوال ويرتفع التّعلّق بالأغيار بالتّدريج فإذا زالت محبّة ما سواه تعالى عن صاحب دولة باستيلاء محبّته جلّ سلطانه بالكلّيّة وصار محلّها التّعلّق والمحبّة ما سواه تعالى عن صاحب دولة الرّذيلة وأخلاقه الرّديئة بالتّمام وصار محلّى بالأخلاق الحميدة وتحقّق بالمقامات العشرة وما كان له تعلّق بالسّير الآفاقيّ تيسّر بلا مؤنة السّلوك التّفصيليّ وبلا رياضات شاقّة ومجاهدات شديدة؛ فإنّ المحبّة تقتضي إطاعة المحبوب فإذا بلغت المحبّة كمالها حصلت الإطاعة بتمامها وحيث حصلت الإطاعة على الوجه الاتمّ بمقياس القوّة البشريّة تيسّرت المقامات العشرة وبهذا السّير المحبوبيّ - كما حصل السّير الآفاقيّ - تمّ به السّير الانفسيّ أيضا؛ فإنّه قال المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " المرء مع من أحبّ " وحيث كان المحبوب وراء الآفاق والأنفس ينبغي للمحبّ أيضا أن يتجاوز الآفاق والأنفس بحكم المعيّة فيخلّف السّير الانفسيّ أيضا وراءه بالضّرورة ويحصّل دولة المعيّة فهؤلاء الاكابر لا شغل لهم بالآفاق ولا بالأنفس ببركة دولة المحبّة بل الآفاق والأنفس تابعة لامرهم والسّلوك والجذبة متطفّلان بمعاملاتهم ورأس بضاعة هؤلاء الاكابر المحبّة الّتي إطاعة المحبوب لازمة لها وإطاعة المحبوب مربوطة بإتيان الشّريعة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة الّتي هي الدين المرضيّ لله تعالى فعلامة كمال المحبّة كمال إتيان الشّريعة وإتيان الشّريعة بكمالها منوط بالعلم والعمل والإخلاص والإخلاص الذي يتصوّر في جميع الاقوال والأعمال وجميع الحركات والسّكنات هو نصيب المخلصين بفتح اللّام والمخلصين المكسوري اللّام ماذا يدركون من هذا المعمّى لعلّك سمعت والمخلصون على خطر عظيم (ولنرجع) إلى أصل الكلام فنقول: إنّ المقصود من السّلوك والجذبة والتّصفية تطهير النّفس من الاخلاق الرّديّة والأوصاف الرّذيلة ورأس جميع تلك الذّمائم التّعلّق بالنّفس وتحصيل مراداتها وهواها فح لا يكون بدّ من السّير الانفسيّ ولا مندوحة من الإنتقال من الصّفات الذّميمة إلى الاخلاق الحميدة والسّير الآفاقيّ خارج عن المقصود ولا تعلّق به لغرض معتدّ به فإنّ العلائق الآفاقيّة بواسطة العلائق الانفسيّة فإنّ كلّ ما يحبّه الإنسان إنّما يحبّه لحبّ نفسه فإذا أحبّ الاولاد والاموال إنّما يحبّ لاجل استمتاعه وانتفاعه فإذا زالت في السّير الانفسيّ محبّته لنفسه بواسطة استيلاء محبّة الحقّ جلّ وعلا زالت في ضمنه محبّته لاولاده وأمواله أيضا؛ فكان السّير الانفسيّ ضروريّا ويتيسّر السّير الآفاقيّ بالتّطفّل في ضمنه ولهذا كان سير الانبياء عليهم الصّلوات والتّحيّات مقصورا على السّير الانفسيّ وقطع السّير الآفاقيّ في ضمنه طفيليّا نعم السّير الآفاقيّ أيضا حسن لو وجدت الفرصة لقطعة وتيسّر إتمامه من غير تخلّل التّوقّفات فلو لم توجد الفرصة لقطعة ووقع الإبتلاء بالتّوقّفات يكاد يعدّ السّير الآفاقيّ داخلا فيما لا يعني ويحسب من موانع حصول المطلوب والسّير الانفسيّ كلّما يقطع فهو مغتنم فإنّه انتقال من السّيّئة إلى الحسنة يا لها من نعمة عظيمة لو أتمّ السّالك بهذا السّير وتبختر في خارج دائرة الانفس ولايّ شيء يلزم أن يشاهد شخص تلوينات الانفس في مرآة الآفاق وأن يعاين تغيّراته فيها كما يعلم صفاء قلبه مثلا في مرآة المثال ويرى ذلك الصّفاء بصورة النّور الاحمر فلم لا يستعمل وجدانه؟

Sección V02/P105–V02/P106

ولم لا يحيل صفاءه على فراسته؟ ما حاجة من بلغ اثنتي عشرة سنة إلى الطّبيب مثل مشهور فإنّه يمكن أن يدرك تلوينات أحواله بوجدانه الصّحيح وأن يعلم بتفرّسه الصّريح صحّته وسقمه نعم إنّ السّير الآفاقيّ فيه علوم ومعارف وتجلّيات وظهورات كثيرة ولكنّ كلّها راجعة إلى الظّلال وتسلّ بالشّبه والمثال فإذا كان السّير الانفسيّ متعلّقا بالظّلال كما حقّقته في رسائلي ومكاتيبي يلزم أن يكون السّير الآفاقيّ متعلّقا بظلّ الظّلّ فإنّ الآفاق كالظّلّ للأنفس ومرآة لظهورها (ينبغي) أن يعلم أنّ مثل من يشاهد أحوال الانفس في مرآة الآفاق ويعلم الصّفاء والتّخلية منها كمثل من يرى نفسه في المنام أو في الواقعة في عالم المثال سلطانا أو يشاهد فيه نفسه قطب الوقت فهو في الحقيقة ليس بسلطان ولا قطب الوقت فإنّ السّلطان والقطب من يكون مشرّفا في الخارج بمنصب السّلطنة أو القطبيّة غاية ما في الباب أنّه يعلم من هذا المنام أو الواقعة استعداد السّلطنة وقابليّة القطبيّة ينبغي بذل الرّوح حتّى تخرج المعاملة من القوّة إلى الفعل وتنتقل من المراسلة إلى المعانقة وفيما نحن فيه أيضا التّزكية والتّحلية منوطة بالسّير الانفسيّ وما رآه في السّير الآفاقيّ فهو استعداد التّزكية وقابليّة التّحلية فما لم ير نفسه مزكّى ومطهّرا فهو الخارج بالسّير الانفسيّ ولم يدرك نفسه مصفّى بوجدانه فليس له نصيب من الفناء في الحقيقة ولا حظّ له من التّحقّق بالمقامات ولم يحصل من الاطوار السّبعة غير القشر فكان السّير الانفسيّ داخلا في السّير إلى الله بالضّرورة وكانت تماميّة السّير إلى الله الّتي هي مقام الفناء مربوطة بالسّير الانفسيّ والسّير في الله يتصوّر بعد السّير الانفسيّ بمراحل. (شعر) كيف الوصول إلى سعاد ودونها . قلل الجبال ودونهنّ خيوف (أيّها السّعيد) إنّ التّعلّق العلميّ والحبّيّ الذي كان منسوبا إلى ذات السّالك إذا زال في السّير الانفسيّ يرتفع التّعلّق الذي كان بنفسه ويزول تعلّقه بالأغيار أيضا في ضمن زوال تعلّقه بنفسه فإنّ علائقه بالأغيار إنّما هي بواسطة علاقته بنفسه كما تقدّم تحقيقه فصحّ أنّ السّير الآفاقيّ يقطع في ضمن السّير الانفسيّ ونجي السّالك بهذا السّير الواحد من علائق الاغيار ومن علائق نفسه أيضا فبمقياس ذلك التّحقيق صحّ معنى السّير الانفسيّ والسّير الآفاقيّ من غير تكلّف فإنّ السّير في الحقيقة في الانفس وفي الآفاق أيضا فإنّ قطع تعلّقات الانفس بالتّدريج سير في الانفس وقطع التّعلّقات الآفاقيّة الذي هو يحصل في ضمن السّير الانفسيّ سير في الآفاق بخلاف السّير الآفاقيّ والسّير الانفسيّ بطور الآخرين فإنّه يحتاج فيهما إلى التّكلّف كما مرّ نعم إنّ كلّ محلّ فيه حقيقة فهو محرّر عن التّكلّف والله سبحانه الموفّق (اسمع اسمع) انّ ظهور أسماء الواجب وصفاته جلّ سلطانه في مرآة السّالك الذي أثبتوه في السّير الانفسيّ وظنّوه تحلية بعد تخلية ليس ذلك الظّهور في الحقيقة ظهور الاسماء والصّفات ولا هو تحلية بعد تخلية بل هو ظهور ظلّ من ظلال الاسماء والصّفات ومحصّل للتّحلية ومسهّل للتّزكية والتّصفية.

Sección V02/P106–V02/P107

بيانه أنّ السّبقة من ذلك الطّرف؛ لانّها مناسبة للمبدائيّة فيحصل أوّلا ظهور ظلّ من ظلال المطلوب في مرآة الطّالب حتّى يزيل ظلماته وكدوراته وتحصل له التّزكية والتّصفية وبعد زوال الظّلمات وحصول التّزكية والتّصفية الذي هو مربوط بتماميّة السّير الانفسيّ تتصوّر التّخلية ويحصل الإستعداد للتّحلية ويصير حقيقا ومستحقّا لظهور أسماء الواجب وصفاته جلّ سلطانه ففي السّير الانفسيّ تحصل التّخلية الذي هو منوط بالتّزكية والتّصفية والتّخلية الّتي كانت متوهّمة في السّير الآفاقيّ فهي صورة التّخلية لا حقيقتها حتّى يتصوّر في السّير الانفسيّ حصول التّحلية وظهور الاسماء والصّفات الواجبيّة كما قالوا؛ فلزم من هذا البيان أنّ الإتّصال بالظّلّ مقدّم على الإنقطاع والإنفصال فإنّه ما لم ينعكس ظلّ من ظلال المطلوب في مرآة السّالك لا يتصوّر الإنقطاع عن غير المطلوب وأمّا الإتّصال بالأصل فهو بعد حصول الإنقطاع والإنفصال فمن قدّم من المشائخ الإتّصال ينبغي أن يراد به الإتّصال بالظّلّ ومن قدّم الإنفصال على الإتّصال ينبغي أن يراد به الإتّصال بالأصل حتّى يكون نزاع الفريقين راجعا إلى اللّفظ والشّيخ أبو سعيد الخرّاز قدّس سرّه - متوقّف في هذا المقام يقول: ما لم تتخلّص لم تنل وما لم تنل لم تتخلّص ولا أدري أيّهما أقدم وأسبق وقد علم أنّ نيل الظّلّ مقدّم على التّخلّص ونيل الاصل بعد التّخلّص فلا اشتباه كما أنّ وقت الصّبح قبل طلوع الشّمس ظهور ظلال أشعّة الشّمس حتّى يخلّى العالم عن الظّلمات ويورثه الصّفاء وبعد زوال الظّلمات وحصول الصّفاء طلوع نفس الشّمس فظهور ظلّ الشّمس من زوال الظّلمات السّابقة وطلوع نفس الشّمس من زوال الظّلمات اللّاحقة والمناسب لطلوع السّلاطين أن يكون بعد التّخلية والتّصفية وإن لم تتصوّر التّخلية والتّصفية بدون مقدّمة طلوعهم فظهر الحقّ وارتفع النّزاع وزال الإشتباه والله سبحانه الملهم للصّواب. المكتوب الثالث والأربعون إلى مولانا محمّد أفضل في بيان معنى قولهم: «إنّ ما هو الميسّر للسّالك في حقّ حضرة الحقّ سبحانه إنّما هو ذوق الوجدان لا الوجدان» وتحقيق معنى اندراج النّهاية في البداية الذي هو من خاصّة هذه الطّريقة العليّة وبيان أفضليّة هذه الطّريقة على سائر الطّرق وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد وقع في عبارات مشائخ هذه الطّريقة العليّة قدّس الله أسرارهم السّنيّة أنّ الميسّر للسّالك في حقّ حضرة الحقّ جلّ سلطانه ذوق الوجدان لا الوجدان لا الوجدان وهذا الكلام مناسب لمقام اندراج النّهاية في البداية الذي هو موطن الجذبة الخاصّة بهؤلاء الاكابر وليس في هذا المقام حقيقة الوجدان فإنّها مخصوصة بالإنتهاء ولكن حيث مزجوا ودرجوا ذوقا وطعما من النّهاية في البداية فذوق الوجدان ميسّر فيه فإذا ترقّت المعاملة من الجذبة وبلغت من الإبتداء إلى الإنتهاء يشرع ذوق الوجدان أيضا كالوجدان في الإنعدام فلا يكون فيه وجدان ولا ذوق الوجدان فإذا بلغ الامر نهايته يتيسّر الوجدان ويفقد ذوق الوجدان وحيث كان ذوق الوجدان مفقودا في المنتهى يكون الإلتذاذ والحلاوة أقلّ في حقّه فإنّ المنتهى قد ترك الذّوق والحلاوة في القدم الاوّل وصار آخرا مخمول زاوية عدم الحلاوة والذّوق " كان رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - متواصل الحزن دائم الفكر» (فإن قيل) إذا تيسّر وجدان المطلوب للمنتهي فلم لا يتيسّر ذوق الوجدان فيه وحيث لا نصيب للمبتدي من الوجدان من أين وجد ذوق الوجدان؟

Sección V02/P107–V02/P108

(أجيب) أنّ دولة الوجدان نصيب باطن المنتهي فإنّه تشرّف بهذه الدولة بعد انقطاع تعلّقه الذي كان منه بظاهرة وحيث بقي تعلّق باطنه بظاهره قليلا لا تسري نسبة باطنه في ظاهره بالضّرورة ولا يأخذ الظّاهر ذوقا من وجدان الباطن ولا يكون ملتذّا به فيكون وجدان المطلوب حاصلا في باطن المنتهي ولا يكون في ظاهره ذوق ذلك الوجدان بقي ذوق الباطن الذي الوجدان نصيبه وحيث أنّ الباطن نال نصيبا من اللّامثليّ يكون ذوق ذلك الوجدان أيضا من عالم اللّامثليّ لا يحصل في درك الظّاهر الذي هو مثليّ من القدم إلى الرّأس فكثيرا ما ينفي الظّاهر الذّوق من الباطن ويزعم الباطن أيضا مثل نفسه فاقد الحلاوة فإنّ ذوق المثليّ غير ذوق اللّامثليّ لا مناسبة بينهما فإذا لم يكن لظاهر المنتهي خبر عن ذوق باطنه كيف يكون للعوامّ الذين نظرهم مقصور على الظّاهر خبر عن باطن المنتهي وماذا يكون نصيبهم غير الإنكار والذّوق الذي يجيء في فهمهم هو ذوق الظّاهر الذي هو من عالم المثل ومن ههنا كان السّماع والرّقص والصّيحة والاضطراب وأمثالها ممّا هو من أحوال الظّاهر وأذواق الصّورة عزيزة الوجود وعظيمة القدرة عندهم بل ربّما يعتقدون انحصار الاذواق والمواجيد في هذه الامور ولا يظنّون كمالات الولاية في غيرها هداهم الله سبحانه سواء الصّراط وحكم أحوال الظّاهر بالنّسبة إلى أحوال الباطن كحكم المثليّ بالنّسبة إلى اللّامثليّ فثبت أنّ لباطن المنتهي وجدانا وذوق الوجدان غاية ما في الباب أنّ ذلك الذّوق لمّا كان له نصيب من عالم اللّامثليّ ولا يجيء في درك ظاهره بل الظّاهر حاكم بنفيه وإن كان الظّاهر مطّلعا على وجدان الباطن ولكنّه لا يمكن أن يدرك ذوق ذلك الوجدان أمكن أن يقال بالنّظر إلى الظّاهر: إنّ الوجدان موجود في المنتهي وذوق الوجدان مفقود فيه وإنّما يثبتون ذوق الوجدان في المبتدي الرّشيد من هذا الطّريق العالي مع فقدان الوجدان وذلك لانّ هؤلاء الاكابر يدرجون في الإبتداء طعما وذوقا من الإنتهاء ويلقون ظلّا من النّهاية في باطن المبتدى الرّشيد بطريق الإنعكاس وحيث كان ظاهر المبتدي مرتبطا بباطنه وقوّة التّعلّق بين الظّاهر والباطن ثابتة فلا جرم يسري ظلّ تلك النّهاية وذوق الولاية من باطن المبتدئ إلى ظاهره ويجعل ظاهره منصبغا بلون باطنه ويظهر ذوق الوجدان في ظاهره من غير اختيار فصحّ أنّ حقيقة الوجدان مفقودة في المبتدي وذوق الوجدان حاصل فيه. ومن هذا البيان يعلم علوّ طريق أكابر النّقشبنديّة قدّس الله تعالى أسرارهم ورفعة نسبتهم العليّة ويفهم منه حسن تربية هؤلاء الاكابر وكمال اهتمامهم في حقّ المريدين والطّالبين وإنّهم يعطون للمريد الرّشيد والطّالب الصّادق على مقدار حوصلته في أوّل القدم ما هو فيهم ويرمونه بعلاقة حبّيّة وارتباط معنويّ بطريق الإلتفات والإنعكاس وبعض مشايخ السّلاسل الاخر قدّس الله أسرارهم في اشتباه من كلمة: «اندراج النّهاية في البداية " الّتي صدرت عن هؤلاء الاكابر وله تردّد في حقّيّة هذا الكلام ولا يجوز أن يكون مبتدى هذا الطّريق مساويا لمنتهى طريق آخر والعجب انّه من أين فهم مساواة مبتدى هذا الطّريق لمنتهى طرق أخرى ولم يصدر عن هؤلاء الاكابر غير اندراج النّهاية في البداية وليست في هذه العبارة دلالة على المساواة ومقصودهم منها أنّ الشّيخ المنتهي في هذا الطّريق يعطي بالتّوجّه والتّصرّف ذوقا من دولة نهايته لمبتدى رشيد بطريق الإنعكاس ويمزج في بداية ملح نهايته فأين المساواة وما محلّ الإشتباه؟ وأين المجال للتّردّد في حقّيّته وهذا الإندراج دولة عظيمة جدّا؟

Sección V02/P108–V02/P110

ومبتدى هذا الطّريق وإن لم يكن له حكم المنتهى ولكنّه ليس محروما عن دولة النّهاية ولو فرضنا أنّ هذا المبتدى لا يعطي فرصة قطع طريق الوصول وطيّ منازله ولكنّه لا يذهب محروما عن دولة النّهاية وتجعل تلك الذّرّة من ملح النّهاية كلّيّته مليحة ومملوحة بخلاف مبتدى طرق أخر فإنّهم بعيدون عن معاملة النّهاية وعاجزون عن قطع المنازل وطيّ المسافات فيا ويلهم الف ويل لو لم يقطعوا فرصة قطع المنازل وطيّ المسافات فإذا اتّضح الفرق بين مبتدئى هذا الطّريق ومبتدئي طرق أخر ولاحت مزيّة ذلك المبتدى على سائر أرباب البداية ينبغي أن يعلم أنّ هذا الفرق ثابت بين منتهى هذا الطّريق ومنتهى طرق أخر وهذه المزيّة متحقّقة بينهما بل نهاية هذا الطّريق العليّة وراء نهايات سائر طرق المشائخ يصدّقون هذا الكلام منّي أم لا فإن سلكوا طريق الإنصاف لعلّهم يصدّقون فإنّ النّهاية الّتي بدايتها ممتزجة بالنّهاية يكون لها امتياز عن نهايات الآخرين البتّة وتكون نهاية تلك النّهايات البتّة [ع] وعام الرّخص يعلم من ربيعه وجماعة من متعصّبي سلاسل أخرى يقولون لنا: إنّ نهايتنا وصول إلى الحقّ سبحانه وأنتم تقولون: إنّها بدايتكم فإلى أين تذهبون من الحقّ؟ وما يكون نهايتكم وراء الحقّ؟ (قلنا) نذهب من الحقّ إلى الحقّ جلّ سلطانه ونهرب من شائبة الظّلّيّة ونقصد أصل الاصل ونعرض عن التّجلّيات ونطلب المتجلّي ونخلّف الظّهورات خلف ظهورنا ونلتمس الظّاهر في أبطن البطون وحيث كانت مراتب الأبطنيّة متفاوتة تذهب من أبطنيّة إلى أبطنيّة أخرى ونضع القدم من أبطنيّة أخرى إلى أبطنيّة ثالثة ومنها إلى ما شاء الله تعالى وحضرة الحقّ سبحانه وإن كان بسيطا حقيقيّا ولكنّه تعالى واسع أيضا لا بالوسعة الّتي لها طول وعرض فإنّها من أمارات الإمكان وعلامات الحدوث بل وسعته تعالى كذاته سبحانه منزّهة عن الكيف والشّبه والمثال والسّير الواقع في تلك الوسعة أيضا لا مثليّ ولا كيفيّ وصاحب السّير مع وجود كونه كمّيّا وكيفيّا يقطع تلك المنازل اللّامثليّة بقوّة لا كيفيّة ولا مثليّة ويرغب عن المثليّ في اللّامثليّ ماذا يدرك العاجزون المفلسون عن حقيقة المعاملة؟ وأيّ خبر يعرف المتعلّقون بعالم المثليّ عن عالم اللّامثليّ؟ يزعمون قصورهم اعتراضا ويتباهون بجهالاتهم. (شعر) كم من بليد غفول عن معايبه . استحسن العيب زعما أنّه حسن ألم يفهموا أنّ نهاية الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام بل نهاية خاتم الرّسل عليه الصّلاة والسّلام أيضا وصول إلى الحقّ سبحانه ونهاية هذه الطّائفة ليست متّحدة بنهاية هؤلاء الاكابر بل لا مناسبة بينهما أصلا فيمكن أن تتيسّر لجماعة نهاية تكون وراء نهاية هذه الطّائفة ودون نهاية هؤلاء الكبراء عليهم الصّلوات والتّحيّات فصحّ أنّ نهاية الكلّ هو الوصول إلى الحقّ سبحانه والتفاوت فيما بين الطّوائف ثابت على تفاوت درجاتهم أو نقول: إنّ الكلّ يزعم أنّ نهايته الوصول إلى الحقّ سبحانه لكن كثير من النّاس يظنّ الظّلال وظهورات الحقّ الحقّ تعالى وتقدّس مع وجود تفاوت درجات تلك الظّلال والظّهورات فلم تكن نهايات جميع أرباب النّهايات في نفس الامر الوصول إلى الحقّ تعالى وتقدّس بل منتهى كلّ واحد الحقّ سبحانه بحسب زعمه فحينئذ إذا كان ابتداء شخص ظلال الحقّ وظهوراته سبحانه الّتي هي نهاية الآخر بزعم الحقّانيّة تكون نهاية ذلك الشّخص الوصول إلى الحقّ تعالى الذي هو سبحانه وراء تلك الظّلال والظّهورات فلم يكون مستبعدا؟ وكيف يكون محلّ اشتباه؟ (شعر) لو عابهم قاصر طعنا بهم سفها . نزهت ساحتهم عن أفحش الكلم هل يقطع الثعلب المحتال سلسلة . قيّدت بها أسد الدنيا بأسرهم رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وثَبِّتْ أَقْدامَنا واُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ المكتوب الرّابع والأربعون إلى محمّد صادق ولد الحاجّ محمّد مؤمن في جواب استفساره عن وحدة الوجود وتطبيقها على العلوم الشّرعيّة وعن سؤاله عن حديث إذا أحبّ الله عبدا . الخ وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد سألت أنّ الصّوفيّة قائلون بوحدة الوجود ويعتقد العلماء هذا القول كفرا وزندقة وكلتا الطّائفتين من الفرقة النّاجية فما حقيقة هذه المعاملة عندك.

Preguntas