Gazâlî — el-Müstasfâ (usûlü'l-fıkh)
وإن كانوا شاكين في الباقي فقد شكوا في نفس المسألة فإن الخلاف في الباقي وأخطأوا في قولهم إن الثلاثة مفهومه فقط شبه أرباب الوقف قد ذهب القاضي والأشعري وجماعة من المتكلمين إلى الوقف ولهم شبه ثلاث الأولى أن كون هذه الصيغ موضوعة للعموم لا يخلو إما أن تعرف بعقل أو نقل والنقل إما نقل عن أهل اللغة أو نقل عن الشارع وكل واحد إما آحاد وإما تواتر والآحاد لا حجة فيها والتواتر لا يمكن دعواه فإنه لو كان لأفاد علما ضروريا والعقل لا مدخل له في اللغات وهلم جرا إلى تمام الدليل الذي سقناه في بيان أن صيغة الأمر مترددة بين الإيجاب والندب الاعتراض أن هذا مطالبة بالدليل وليس بدليل ومسلم أنه إن لم يدل دليل فلا سبيل إلى القول به وسنذكر وجه الدليل عليه إن شاء الله الثانية إنا لما رأينا العرب تستعمل لفظ العين في مسمياته ولفظ اللون في السواد والبياض والحمرة استعمالا واحدا متشابها قضينا بأنه مشترك فمن ادعى أنه حقيقة في واحد ومجاز في الآخر فهو متحكم وكذلك رأيناهم يستعملون هذه الصيغ للعموم والخصوص جميعا بل استعمالهم لها في الخصوص أكثر فقلما وجد في الكتاب والسنة والكلمات المطلقة في المحاورات ما لا يتطرق إليه التخصيص فمن زعم أنه مجاز في الخصوص حقيقة في العموم كان كمن قال هو حقيقة في الخصوص مجاز في العموم والقولان متقابلان فيجب تدافعهما والاعتراف بالاشتراك الاعتراض إن هذا أيضا يرجع إلى المطالبة بالدليل وليس بدليل لأن العرب تستعمل المجاز والحقيقة كما تستعمل اللفظ المشترك ولم تقيموا دليلا على أن هذا ليس من قبيل المجاز والحقيقة بل طالبتم بالدليل على أن هذا ليس من المشترك الشبهة الثالثة قولهم إنه كم يحسن الاستفهام في قوله افعل إنه للوجوب أو الندب فيحسن الاستفهام في صيغ الجمع أنه أريد به البعض أو الكل فإنه إذا قال السيد لعبده من أخذ مالي فأقتله يحسن أن يقول وإن كان إباك أو ولدك فيقول لا أو نعم ويقول من أطاعني فأكرمه فيقول وإن كان كافرا أو فاسقا فيقول لا أو نعم فكل ذلك مما يحسن فلو قال اقتل كل مشرك فيقول والمؤمن أيضا اقتله أم لا فلا يحسن هذا الاستفهام لظهور التجوز به عن الخصوص قلنا المجاز إذا كثر استعماله كان للمستفهم الاحتياط في طلبه أو يحسن إذا عرف من عادة المتكلم أنه يهين الفاسق والكافر وإن أطاعه ويسامح الأب في بذل المال والقرينة تشهد للخصوص واللفظ يشهد للعموم ويتعارض ما يورث الشك فيحسن الاستفهام
بيان الطريق المختار عندنا في إثبات العموم أعلم أن هذا النظر لا يختص بلغة العرب بل هو جار في جميع اللغات لأن صيغ العموم محتاج إليها في جميع اللغات فيبعد أن يغفل عنها جميع أصناف الخلق فلا يضعونها مع الحاجة إليها ويدل على وضعها توجه الاعتراض على من عصى الأمر العام وسقوط الاعتراض عمن أطاع ولزوم النقض والخلف عن الخبر العام وجواز بناء الاستحلال على المحللات العامة فهذه أمور أربعة تدل على الغرض وبيانها أن السيد إذا قال لعبده من دخل اليوم داري فأعطه درهما أو رغيفا فأعطى كل داخل لم يكن للسيد أن يعترض عليه فإن عاتبه في إعطائه واحدا من الداخلين مثلا وقال لم أعطيت هذا من جملتهم وهو قصير وإنما أردت الطوال أو هو أسود وإنما أردت البيض فللعبد أن يقول ما أمرتني بإعطاء الطوال ولا البيض بل بإعطاء من دخل وهذا داخل فالعقلاء إذا سمعوا هذا الكلام في اللغات كلها أو إعتراض السيد ساقطا وعذر العبد متوجها وقالوا للسيد أنت أمرته بإعطاء من دخل وهذا قد دخل ولو أنه أعطى الجميع إلا واحدا فعاتبه السيد وقال لم لم تعطه فقال العبد لأن هذا طويل أو أبيض وكان لفظك عاما فقلت لعلك أردت القصار أو السود استوجب التأديب بهذا الكلام وقيل له مالك وللنظر إلى الطول واللون وقد أمرت بإعطاء الداخل فهذا معنى سقوط الاعتراض عن المطيع وتوجهه على العاصي وأما النقض على الخبر فإذا قال ما رأيت اليوم أحدا وكان قد رأى جماعة كان كلامه خلفا منقوضا وكذبا فإن أردت أحدا غير تلك الجماعة كان مستنكرا وهذه كصيغ الجميع فإن النكرة في النفي تعم عند القائلين بالعموم ولذلك قال الله تعالى إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس الأنعام 91 وإنما أورد هذا نقضا على كلامهم فإن لم يكن عاما فلم ورد النقض عليهم فإن هم أرادوا غير موسى فلم لزم دخول موسى تحت اسم البشر وأما الاستحلال بالعموم فإذا قال الرجل أعتقت عبيدي وإمائي ومات عقيبه جاز لمن سمعه أن يزوج من أي عبيده شاء ويتزوج من أي جواريه شاء بغير رضا الورثة وإذا قال العبيد الذين هم في يدي ملك فلان كان ذلك إقرارا محكوما به في الجميع وبناء الأحكام على أمثال هذه العمومات في سائر اللغات لا ينحصر ولا خلاف في أنه لو قال أنفق على عبدي غانم أو على زوجتي زينب أو قال غانم حر وزينب طالق وله عبدان اسمهما غانم وزوجتان اسمهما زينب فتجب المراجعة والاستفهام لأنه أتى باسم مشترك غير مفهوم فإن كان لفظ العموم فيما وراء أقل الجمع مشتركا فينبغي أن يجب التوقف على العبد إذا أعطى ثلاثة ممن دخل الدار وينبغي أن يراجع في الباقي وليس كذلك عند العقلاء كلهم في اللغات كلها فإن قيل إن سلم لكم ما ذكرتموه فإنما يسلم بسبب القرائن لا بمجرد اللفظ فإن عرى عن القرائن فلا يسلم قلنا كل قرينة قدرتموها فعلينا أن نقدر نفيها أو يبقى حكم الاعتراض والنقض كما سبق فإن غايتهم أن يقولوا إذا قال أنفق على عبيدي وجواري في غيبتي كان مطيعا بالانفاق على الجميع لأجل قرينة لحاجة إلى النفقة أو أعط من دخل داري فهو بقرينة إكرام الزائر فهذا وما يجري مجراه إذا قدروه فسبيلنا أن نقدر أضدادها فإنه لو قال لا تنفق على عبيدي وزوجاتي كان عاصيا بالانفاق مطيعا بالتضييع ولو قال اضربهم لم يكن عليه أن يقتصر على ثلاثة بل إذا ضرب جميعهم عد مطيعا ولو قال من دخل داري فخذ منه شيئا بقي العموم بل نقدر ما لا غرض في نفيه وإثباته فلو قال من قال من عبيدي جيم فقل له صاد ومن قال من جواري ألف فأعتقها فامتثل أو عصى كان ما ذكرناه من سقوط الاعتراض وتوجهه جاريا بل نعلم قطعا أنه لو ورد من صادق عرف صدقه بالمعجزة ولم يعش إلا ساعة من نهار وقال في تلك الساعة من سرق فأقطعوه ومن زنى فاضربوه والصلاة واجبة على كل عاقل بالغ وكذلك الزكاة ومن قتل مسلما فعلية القصاص ومن كان له ولد فعليه النفقة ومات عقيب هذا الكلام ولم نعرف له عادة ولا أدركنا من أحواله قرينة ولا صدر منه سوى هذه الألفاظ إشارة ورمزا ولا ظهر في وجهه حالة لكنا نحكم بهذه الألفاظ ونتبعها ولا يقال جاء بألفاظ مشتركة مجملة ومات قبل أن يبينها فلا يمكن العمل بها ولو قدروا قرينة في نطقه وصورة حركته عند كلامه فليقدر أنه كتب في كتاب وسلمه إلينا وقال اعملوا بما فيه ومات وإن قدروا قرينة مناسبة بين هذه الجنايات والعقوبات فنقدر أمورا لا مناسبة فيها كحروف المعجم فإذا قال من قال لكم ألف فقولوا جيم وأمثاله فيكون جميع ذلك مفهوما معمولا به وكل قرينة قدروها فنقدر نفيها ويبقى ما ذكرنا بمجرد اللفظ وبهذا تبين أن الصحابة إنما تمسكوا بالعمومات بمجرد اللفظ وانتفاء القرائن المخصصة لا أنهم طلبوا قرينة معممة وتسوية بين أقل الجمع والزيادة فإن قيل إذا قال من دخل داري فأعطه فيحسن أن يقال ولو كان كافرا فاسقا فربما يقول نعم وربما يقول لا فلو عم اللفظ فلم حسن الاستفهام قلنا لا يحسن أن يقال وإن كان طويلا أو أبيض أو محترفا وما جرى مجراه وإنما حسن السؤال عن الفاسق لأنه يفهم من الإعطاء الإكرام ويعلم من عادته أنه لا يكرم الفاسق أو علم من عادة الناس ذلك فتوهم أنه يقتدي بالناس فيه فلتوهم هذه القرينة المخصصة حسن منه السؤال ولذلك لم يحسن في سائر الصفات ولذلك لو لم يراجع وأعطى الفاسق وعاتبه السيد فله أن يقول أمرتني بإعطاء كل داخل وهذا قد دخل فيقول السيد كان ينبغي أن تعرف بعقلك أن هذا إكرام والفاسق لا يكرم فيتمسك بقرينة مخصصة فربما يكون مقبولا فلو لم يقل هذا ولكن قال كان لفظي مشتركا غير مفهوم فلم أقدمت قبل السؤال لم يكن هذا العتاب متوجها قطعا فإن قيل فقد فرضتم الكلام في أداة الشرط وقد قال بعمومه من أنكر سائر العمومات فما الدليل في سائر الصور قلنا هذا يجري في ( من ) و ( ما ) و ( متى ) و ( حيث ) وأي وقت وأي شخص ونظائره ويجري أيضا في النكرة في النفي كقوله ما رأيت أحدا مثل قوله تعالى ما أنزل الله على بشر من شيء الأنعام 91 وكذلك في قولهم ( كل ) و ( جميع ) و ( أجمعون ) بل هو أظهر وهو النوع الثالث وكذلك في النوع الرابع وهي صيغ الجموع كالفقراء والمساكين وهذا أيضا جار فيه فإنه إذا قال لعبده أعط الفقراء واقتل المشركين واقتصر على هذا وانتفت القرائن جري حكم الطاعة والعصيان وتوجه الاعتراض وسقوطه كما سبق وهو جار في كل جمع إلا في بعض الجموع المبنية للتقليل كما ورد على وزن الأفعال كالأثواب والأفعلة كالأرغفة والأفعل كالأكلب والفعلة كالصبية وقد قال سيبويه جميع هذا للتقليل وما عداه للتكثير وقيل أيضا جمع السلامة للتقليل وهذا بعيد لا سيما فيما ليس فيه جمع مبني للتكثير وجمع القلة أيضا لا يتقدر المراد منه بل يختلف ذلك بالقرائن والأحوال إلا أنه ليس موضوعا للاستغراق
وأما النوع الخامس وهو الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام فهذا فيه نظر وقد اختلفوا فيه والصحيح التفصيل وهو أنه ينقسم إلى ما يتميز فيه لفظ الواحد عن الجنس بالهاء كالتمرة والتمر والبرة والبر فإن عري عن الهاء فهو للاستغراق فقوله لا تبيعوا البر بالبر ولا التمر بالتمر يعم كل بر وتمر وما لا يتميز بالهاء ينقسم إلى ما يتشخص ويتعدد كالدينار والرجل حتى يقال دينار واحد ورجل واحد وإلى ما لا يتشخص واحد منه كالذهب إذ لا يقال ذهب واحد فهذا لاستغراق الجنس أما الدينار والرجل فيشبه أن يكون للواحد والألف واللام فيه للتعريف فقط وقولهم الدينار أفضل من الدرهم يعرف بقرينة التسعير ويحتمل أن يقال هو دليل على الاستغراق فإنه لو قال لا يقتل المسلم بالكافر ولا يقتل الرجل بالمرأة فهم ذلك في الجميع فإنه لو قد حيث لا مناسبة فلا يخلو عن الدلالة على الجنس القول في العموم إذا خص هل يصير مجازا في الباقي وهل يبقى حجة وهما نظران أما صيرورته مجازا فقد اختلفوا فيه على أربعة مذاهب فقال قوم يبقى حقيقة لأنه كان متناولا لما بقي حقيقة فخروج غيره عنه لا يؤثر وقال قوم يصير مجازا لأنه وضع للعموم فإذا أريد به غير ما وضع له بالقرينة كان مجازا وإن لم يكن هذا مجازا فلا يبقى للمجاز معنى ولا يكفي تناوله مع غيره لأنه لا خلاف أنه لورد إلى ما دون أقل الجمع صار مجازا فإذا قال لا تكلم الناس ثم قال أردت زيدا خاصة كان مجازا وإن كان هو داخلا فيه وقال قوم هو حقيقة في تناوله مجاز في الإقتصار عليه وهذا ضعيف فإنه لورد إلى الواحد كان مجازا مطلقا لأنه تغير عن وضعه في الدلالة فالسارق مهما صار عبارة عن سارق النصاب خاصة فقد تغير الوضع واستعمل لا على الوجه الذي وضعته العرب وقد اختار القاضي في التفريع على مذهب أرباب العموم أنه صار مجازا لكن قال إنما يصير مجازا إذا أخرج منه البعض بدليل منفصل من عقل أو نقل أما ما خرج بلفظ متصل كالاستثناء فلا يجعله مجازا بل يصير الكلام بسبب الزيادة المتصلة به كلاما آخر موضوعا لشيء آخر فإنا نريد الواو والنون في قولنا مسلم فنقول مسلمون فيدل على أمر زائد ولا نجعله مجازا ونزيد الألف واللام على قولنا رجل فنقول الرجل فيزيد فائدة أخرى وهي التعريف لأن هذه صارت صيغة أخرى بهذه الزيادة فجاز أن يدل على معنى آخر ولا فرق بين أن نزيد حرفا أو كلمة فإذا قال يقطع السارق إلا من سرق دون النصاب كان مجموع هذا الكلام موضوعا للدلالة على ما دل عليه فقوله تعالى فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما العنكبوت 14 دل على تسعمائة وخمسين لا على سبيل المجاز بل الوضع كذلك وضع وكأن العرب وضعت عن تسعمائة وخمسين عبارتين إحداهما ألف سنة إلا خمسين والأخرى تسعمائة وخمسون ويمكن أن يقال ما صار عبارة بالوضع عن هذا القدر بل بقي الألف للألف والخمسون للخمسين وإلا للرفع بعد الإثبات ونحن بعلم الحساب عرفنا أن هذا تسعمائة وخمسون فإنا إذا وضعنا ألفا ورفعنا خمسين علمنا مقدار الباقي بعلم الحساب فلا نقول المجموع صار عبارة موضوعة عن هذا العدد وهذا أدق وأحق لا كزيادة الألف واللام والياء والنون على المسلم فإن تلك الزيادة لا معنى لها بغير اللفظ الأول
فإن قيل لو قال الله تعالى براءة من الله ورسوله فقال الرسول متصلا به إلا زيدا فهل يكون هذا كالمتصل الذي لا يجعل لفظ المشركين مجازا في الباقي قلنا اختلفوا فيه والظاهر أن هذا من غير المتكلم يجري مجرى الدليل المنفصل من قياس العقل والنقل ولهذا لو قال زيد وقال غيره قام لا يصير خبرا حتى يصدر من الأول قوله قام لأن نظم الكلام إنما يكون من متكلم واحد وذلك يجعله خبرا فإن قيل فلو أخرج بالاستثناء عن لفظ المشركين الجميع إلا زيدا فهل يصير لفظ المشركين مجازا قلنا نعم لأنه للجمع بالاتفاق والخلاف في أنه مستغرق أو غير مستغرق فهو عند أرباب العموم عند الاستثناء لجمع غير مستغرق دون الاستثناء لجمع مستغرق وأما النظر الثاني في كونه حجة في الباقي فقد قال قوم من القائلين بالعموم إنه لا يبقى حجة بل صار مجملا وإليه ذهبت القدرية لأنه إذا لم يترك على الوضع فلا يبقى للفهم معتمد سوى القرينة وتلك القرينة غير معينة فلا يهتدي إليها ومن هؤلاء من قال أقل الجمع يبقى لأنه مستيقن واحتج القائلون بكونه مجملا بأن السارق إذا خرج منه سارق ما دون النصاب والسارق من غير الحرز ومن يستحق النفقة وغير ذلك فبم يفهم المراد منه على سبيل الحصر وقد خرج الوضع من أيدينا ولا قرينة تفصل وتحصر فيبقى مجملا والصحيح أنه يبقى حجه إلا إذا استثنى منه مجهولا كما لو قال اقتلوا المشركين إلا رجلا أما إذا استخرج منه معلوم فإنه يبقى دليلا في الباقي ولأجله تمسك الصحابة بالعمومات وما من عموم إلا وقد تطرق إليه التخصيص وهذا لأن لفظ السارق يتناول كل سارق بالوضع لولا دليل مخصوص والدليل المخصوص صرف دلالته عن البعض ولا مسقط لدلالته في الباقي نعم لا يدل اللفظ على إخراج ما خرج فافتقر إلى دليل مخرج وقصوره عنه لا يدل على قصوره عن تناول الباقي فمن قال أعتق رقبة ثم قال لا تعتق معيبة ولا كافرة لم يخرج به كلامه الأول عن كونه مفهوما والرجوع في هذا إلى عادة اللسان وأهل اللغة وعادات الصحابة إذ لم يطرحوا جميع عمومات الكتاب والسنة لتطرق التخصيص إليها وعلى الجملة كلام الواقفية في العموم المخصص أظهر لا محالة فإن قيل قد سلمتم أنه صار مجازا فيفتقر العمل به إلى دليل إذا المجاز لا يعمل به إلا بدليل قلنا هو حقيقة في وضعه والدليل المخصص هو الذي جعله مجازا أما سقوط دلالة المجاز فلا وجه له لا سيما المجاز المعروف فإنا نتمسك به بغير دليل زائد كقوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط المائدة 6 النساء فإنه وإن كان مجازا فهو معروف وكذلك التفهيم بالعمومات المخصصة معروف في اللسان ولا يمكن اطراحه الباب الثاني في تمييز ما يمكن دعوى العموم فيه عما لا يمكن وفيه مسائل مسألة ( بيان العموم )
إنما يمكن دعوى العموم فيما ذكره الشارع على سبيل الابتداء أما ما ذكره في جواب السائل فإنه ينظر فإن أتى بلفظ مستقل لو ابتدأ به كان عاما كما سئل عن بئر بضاعة فقال خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه وكما سئل عن ماء البحر فقال هو الطهور ماؤه الحل ميتته وأما إذا لم يكن مستقلا نظر فإن لم يكن لفظ السائل عاما فلا يثبت العموم للجواب كما لو قال السائل توضأت بماء البحر فقال يجزيك أو قال وطئت في نهار رمضان فقال أعتق رقبة فهذا لا عموم له لأنه خطاب مع شخص واحد وإنما يثبت الحكم في حق غيره بدليل مستأنف من قياس إذا ورد التعبد بالقياس أو تعلق بقوله عليه السلام حكمي على الواحد حكمي على الجماعة وذلك بشرط أن يكون حال غيره مثل حاله في كل وصف مؤثر في الحكم حتى لا يفترقا إلا في الشخص والأحوال التي لا مدخل لها في التفرقة من الطول واللون وأمثاله والذكورة والأنوثة كالطول واللون في بعض الأحكام كالعتق ولذلك قلنا حكمه في العبد بالسراية حكم في الأمة وفي باب ولاية النكاح ليس كذلك إذ عرف من الشرع ترك الالتفات إلى الذكورة والأنوثة في العتق والرق ولم يعرف ذلك في النكاح ولذلك نقول روي في الصحيح أن أبا بكر رضي الله عنه أم بالناس في مرض النبي صلى الله عليه وسلم فخرج عليه السلام وهو في أثناء الصلاة فهم بأن يتخلف فأشار عليه بالمنع ووقف بجانبه واقتدى أبو بكر بالنبي عليه السلام واستمر الناس على الاقتداء بأبي بكر رضي الله عنه وصلى الناس بصلاة أبي بكر وصلى أبو بكر بصلاة النبي عليه السلام وفيه اقتداء الإمام بغيره واقتداء الناس بالمقتدى بغيره وليس يظهر لنا أن غير رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى النبي عليه السلام فإن التقدم عليه مع حضوره مستبعد فيما يرجع إلى الإمام وللنبوة فيها تأثير وهذا فعل خاص لا عموم له ودعوى الإلحاق تحكم مع ظهور الفرق ولا عموم يتعلق به بل قوله لعبد الرحمن بن عوف البس الحرير ولأبي بردة بن نيار في الأضحية بجذعة من الضان تجزيكوإذنه للعرنيين بشرب أبوال الإبل وقوله لعمر مره فليراجعها إلا عموم لشيء منه فيفتقر تعميمه إلى دليل متسأنف من قياس أو غيره أما ما نقل من اقتداء الناس بأبي بكر مع اقتدائه بالنبي عليه السلام فيحتمل أن مقتدي الكل كان بالنبي عليه السلام وكان أبو بكر سفيرا برفع الصوت بالتكبيرات أما إذا كان لفظ السائل عاما نزل منزلة عموم لفظ الشارع كما لو سأله سائل عمن أفطر في نهار رمضان فقال أعتق رقبة كان كما لو قال من أفطر في نهار رمضان أعتق رقبة لأنه يجيب عن السؤال فلا يكون الجواب إلا مطابقا للسؤال أو أعم منه فأما أخص منه فلا أما لو قال السائل أفطر زيد في نهار رمضان فقال عليه عتق رقبة أو قال طلق ابن عمر زوجته فقال مره فليراجعها فهذا لا عموم له فلعله عرف من حاله ما يوجب العتق والمراجعة عليه خاصة ولا نعرف ما تلك الحال ومن الذي يساويه فيها ولا يدري أنه أفطر عمدا أو سهوا أو بأكل أو جماع فإن قيل ترك الاستفصال مع تعارض الأحوال يدل على عموم الحكم وهذا من كلام الشافعي قلنا من أين تحقق ذلك ولعله عليه السلام عرف خصوص الحال فأجاب بناء على معرفته ولم يستفصل فهذا تقرير عموم بالوهم المجرد مسألة ( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص )
سبب ورود العام على سبب خاص لا يسقط دعوى العموم كقوله صلى الله عليه وسلم حيث مر بشاة ميمونة أيما إهاب دبغ فقد طهر وقال قوم يسقط عمومه وهو خطأ نعم يصير احتمال التخصيص أقرب ويقنع فيه بدليل أخف وأضعف وقد يعرف بقرينة اختصاصه بالواقعة كما إذا قيل كلم فلانا في واقعة فقال والله لا أكلمه أبدا فإنه يفهم بالقرينة أنه يريد ترك الكلام في تلك الواقعة لا على الإطلاق والدليل على بقاء العموم أن الحجة في لفظ الشارع لا في السؤال والسبب ولذلك يجوز أن يكون الجواب معد ولا عن سنن السؤال حتى لو قال السائل أيحل شرب الماء وأكل الطعام والاصطياد فيقول الأكل واجب والشرب مندوب والصيد حرام فيجب اتباع هذه الأحكام وإن كان فيه خطر ووجوب والسؤال وقع عن الإباحة فقط وكيف ينكر هذا وأكثر أصول الشرع خرجت على أسباب كقوله تعالى لبئس المائدة 38 نزل في سرقة المجن أو رداء صفوان ونزلت آية الظهار في سلمة بن صخر وآية اللعان في هلال بن أمية وكل ذلك على العموم وشبه المخالفين ثلاث الأولى أنه لو لم يكن للسبب تأثير والنظر إلى اللفظ خاصة فينبغي أن يجوز إخراج السبب بحكم التخصيص عن عموم المسميات كما لو لم يرد على سبب قلنا لا خلاف في أن كلامه بيان للواقعة لكن الكلام في أنه بيان له خاصة أوله ولغيره واللفظ يعمه ويعم غيره وتناوله له مقطوع به وتناوله لغيره ظاهر فلا يجوز أن يسأل عن شيء فيجيب عن غيره نعم يجوز أن يجيب عنه وعن غيره ويجوز أيضا أن يجيب عن غيره بما ينبه على محل السؤال كما قال لعمر أرأيت لو تمضمضت وقد سأله عن القبلة وقال للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته الشبهة الثانية إنه لو لم يكن للسبب مدخل لما نقله الراوي إذ لا فائدة فيه قلنا فائدته معرفة أسباب التنزيل والسير والقصص واتساع علم الشريعة وأيضا امتناع إخراج السبب بحكم التخصيص بالاجتهاد ولذلك غلط أبو حنيفة رحمه الله في إخراج الأمة المستفرشة من قوله الولد للفراش والخبر إنما ورد في وليدة زمعة إذ قال عبد بن زمعة هو أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فقال عليه السلام الولد للفراش وللعاهر الحجر فأثبت للأمة فراشا وأبو حنيفة لم يبلغه السبب فأخرج الأمة من العموم الشبهة الثالثة إنه لولا أن المراد بيان السبب لما أخر البيان إلى وقوع الواقعة فإن الغرض إذا كان تمهيد قاعدة عامة فلم أخرها إلى وقوع واقعة قلنا ولم قلتم لا فائدة في تأخيره والله تعالى أعلم بفائدته ولم طلبتم لأفعال الله فائدة بل لله تعالى أن ينشىء التكليف في أي وقت شاء ولا يسأل عما يفعل ثم نقول لعله علم أن تأخيره إلى الواقعة لطف ومصلحة للعباد داعية إلى الانقياد ولا يحصل ذلك بالتقديم والتأخير ثم نقول يلزم لهذه العلة اختصاص الرجم بما عز والظهار واللعان وقطع السرقة بالأشخاص الذين ورد فيهم لأن الله تعالى آخر البيان إلى وقوع وقائعهم وذلك خلاف الإجماع مسألة ( العموم للالفاظ دون المعاني ) المقتضى لا عموم له وإنما العموم للألفاظ لا للمعاني فتضمنها من ضرورة الألفاظ بيانه أن قوله لا صيام لمن لم يبيت الصيام ظاهره ينفي صورة الصوم حسا لكن وجب رده إلى الحكم وهو نفي الأجزاء أو الكمال وقد قيل إنه متردد بينهما فهو مجمل وقيل إنه عام لنفي الأجزاء والكمال وهو غلط نعم لو قال لا حكم لصوم بغير تبييت لكن الحكم لفظا عاما في الأجزاء والكمال أما إذا قال لا صيام فالحكم غير منطوق به وإنما أثبت ذلك من طريق الضرورة وكذلك قوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان معناه حكم الخطأ والنسيان ولا عموم له ولو قال لا حكم للخطأ لأمكن حمله على نفي الإثم والغرم وغير ذلك لا على العموم في الإجزاء والكمال لأن الأجزاء الصحة إذا انتفيا كان انتفاء الكمال ضرورة وإنما العموم ما يشتمل على معنيين يمكن انتفاء كل واحد منهما دون الآخر
مسألة ( العام في الفعل المتعدي ) الفعل المتعدي إلى مفعول اختلفوا في أنه بالإضافة إلى مفعولاته هل يجري مجرى العموم فقال أصحاب أبي حنيفة لا عموم له حتى لو قال والله لا آكل ونوى طعاما بعينه أو قال إن أكلت فأنت طالق ونوى طعاما بعينه لم يقبل وكذلك إذا نوى بالضرب آلة بعينها واستدل أصحاب أبي حنيفة بأن هذا من قبيل المقتضى فلا عموم له لأن الأكل يستدعي مأكولا بالضرورة لا أن اللفظ تعرض له فما ليس منطوقا لا عموم له فالمكان للخروج والطعام للأكل والآلة للضرب كالوقت للفعل والحال للفاعل ولو قال أنت طالق ثم قال أردت به إن دخلت الدار أو أردت به يوم الجمعة لم يقبل وكذلك قالوا لو نوى بقوله أنت طالق عددا لم يجزه وجوز أصحاب الشافعي ذلك والانصاف أن هذا ليس من قبيل المقتضى ولا هو من قبيل الوقت والحال فإن اللفظ المعتدي إلى المفعول يدل على المفعول بصيغته ووضعه فأما الحال والوقت فمن ضرورة وجود الأشياء لكن لا تعلق بها بالألفاظ والمقتضى هو ضرورة صدق الكلام كقوله لا صيام أو ضرورة وجود المذكور كقوله أعتق عني فإنه يدل على حصول الملك قبله لا من حيث اللفظ لكن من حيث كون الملك شرطا لتصور العتق شرعا أما الأكل فيدل على المأكول والضرب على الآلة والخروج على المكان وتتشابه نسبته إلى الجميع فهو بالعموم أشبه فإن قيل لا خلاف في أنه لو أمر بالأكل والضرب والخروج كان ممتثلا بكل طعام وبكل آلة وكل مكان ولو علق العتق حصل بالجميع فهذا يدل على العموم قلنا ليس ذلك لأجل العموم ولكن لأجل أن ما علق عليه وجد والآلة والمكان والمأكول غير متعرض له أصلا حتى لو تصور هذه الأفعال دون الطعام والآلة والمكان والمأكول يحصل الامتثال وهو كالوقت والحال فإنه إن أكل وهو داخل في الدار أو خارج وراكب أو راجل حنث وكان ممتثلا لا لعموم اللفظ لكن لحصول الملفوظ في الأحوال كلها وإنما تظهر فائدة العموم في إرادة بعض هذه الأمور وإلأظهر عندنا جواز نية البعض وأنه جار مجرى العموم ومفارق للمقتضى كما ذكرنا مسألة ( العموم في الأفعال ) لا يمكن دعوى العموم في الفعل لأن الفعل لا يقع إلا على وجه معين فلا يجوز أن يحمل على كل وجه يمكن أن يقع عليه لأن سائر الوجوه متساوية بالنسبة إلى محتملاته والعموم ما يتساوى بالنسبة إلى دلالة اللفظ عليه بل الفعل كاللفظ المجمل المتردد بين معان متساوية في صلاح اللفظ ومثاله ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بعد غيبوبة الشفق فقال قائل الشفق شفقان الحمرة والبياض وأنا أحمله على وقوع صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدهما جميعا وكذلك صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة فليس لقائل أن يستدل به على جواز الفرض في البيت مصيرا إلى أن الصلاة تعم النفل والفرض لأنه إنما يعم لفظ الصلاة لا فعل الصلاة أما الفعل فإما أن يكون فرضا فلا يكون نفلا أو يكون نفلا فلا يكون فرضا مسألة ( هل الفعل النبي صلى الله عليه وسلم عموم ) فعل النبي عليه السلام كما لا عموم له بالإضافة إلى أحوال الفعل فلا عموم له بالإضافة إلى غيره بل يكون خاصا في حقه إلا أن يقول أريد بالفعل بيان حكم الشرع في حقكم كما قال صلوا كما رأيتموني أصلي بل نزيد ونقول قوله تعالى يا أيها النبي اتق الله الأحزاب 1 وقوله لئن أشركت ليحبطن عملك الزمر 65 مختص به بحكم اللفظ وإنما يشاركه غيره بدليل لا بموجب هذا اللفظ كقوله يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك المائدة 67 وقوله تعالى فاصدع بما تؤمر الحجر 94
وقال قوم ما ثبت في حقه فهو ثابت في حق غيره إلا ما دل الدليل على أنه خاص به وهذا فاسد لأن الأحكام إذ قسمت إلى خاص وعام فالأصل اتباع موجب الخطاب فما ثبت بمثل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا و يا أيها الناس و يا عبادي و أيها المؤمنون فيتناول النبي إلا ما استثنى بدليل وما ثبت للنبي كقوله يا أيها النبي فيختص به إلا ما دل الدليل على الالحاق وقوله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء الطلاق 1 عام لأن ذكر النبي جرى في صدر الكلام تشريفا وإلا فقوله طلقتم عام في صيغته وكذلك قوله النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة افعل ولابن عمر راجعها خاص إنما يشمل الحكم غيره بدليل آخر مثل قوله حكمي على الواحد حكمي على الجماعة أو ما جرى مجراه مسألة ( هل النهي يقتضي العموم ) قول الصحابي نهى النبي عليه السلام عن كذا كبيع الغرر ونكاح الشغار وغيره لا عموم له لأن الحجة في المحكي لا في قول الحاكي ولفظه وما رواه الصحابي من حكى النهي يحتمل أن يكون فعلا لا عموم له نهى عنه النبي عليه السلام ويحتمل أن يكون لفظا خاصا ويحتمل أن يكون لفظا عاما فإذا تعارض الاحتمالات لم يكن إثبات العموم بالتوهم فإذا قال الصحابي نهى عن بيع الرطب بالتمر فيحتمل أن يكون قد رأى شخصا باع رطبا بتمر فنهاه فقال الراوي ما قال ويحتمل أن يكون قد سمع الرسول عليه السلام ينهي عنه ويقول أنهاكم عن بيع الرطب بالتمر ويحتمل أن يكون قد سئل عن واقعة معينة فنهى عنها فالتمسك بعموم هذا تمسك بتوهم العموم لا بلفظ عرف عمومه بالقطع وهذا على مذهب من يرى هذا حجة في أصل النهي وقد قال قوم لا بد أن يحكي الصحابي قول الرسول ولفظه وإلا فربما سمع ما يعتقده نهيا باجتهاده ولا يكون نهيا فإن قوله لا تفعل فيه خلاف أنه للنهي أم لا وكذلك في ألفاظ أخر وكذلك إذا قال نسخ فلا يحتج به ما لم يقل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول نسخت آية كذا لأنه ربما يرى ما ليس بنسخ نسخا وهذا قد ذكرناه في باب الأخبار وهو أصل السنة في القطب الثاني مسألة ( هل قول الصحابي يقتضي العموم ) قول الصحابي قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة للجار وبالشاهد واليمين كقوله نهى في أنه لا عموم له لأن حكاية والحجة في المحكي ولعله حكم في عين أو بخطاب خاص مع شخص فكيف يتمسك بعمومه فيقال مثلا يقضي بالشاهد واليمين في البضع أو في الدم لأن الراوي أطلق مع أن للراوي أن يطلق هذا إذا رآه قد قضى في مال أو في بضع بل لو قال الصحابي سمعته يقول قضيت بالشفعة للجار فهذا يحتمل الحكاية عن قضاء الجار معروف ويكون الألف واللام للتعريف وقوله قضيت حكاية فعل ماض فأما لو قال قضيت بأن الشفعة للجار فهذا أظهر في الدلالة على التعريف للحكم دون الحكاية ولو قال الراوي قضى النبي عليه السلام بأن الشفعة للجار اختلفوا فيه فمنهم من جعله عاما ومنهم من قال يجوز أن يكون قد قضى في واقعة بأن الشفعة للجار فدعوى العموم فيه حكم بالتوهم مسألة ( لا عموم لواقعة الحال )
لا يمكن دعوى العموم في واقعة لشخص معين قضى فيها النبي عليه السلام بحكم وذكر علة حكمه أيضا إذا أمكن اختصاص العلة بصاحب الواقعة مثاله حكمه في أعرابي محرم وقصت به ناقته لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا فإنه يحتمل أن يقال إما لأنه وقصت به ناقته محرما لا بمجرد إحرامه أو لأنه علم من نيته أنه كان مخلصا في عبادته وأنه مات مسلما وغيره لا يعلم موته على الإسلام فضلا عن الإخلاص وكذلك قال عليه السلام في قتلي أحد زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يحشرون وأوداجهم تشخب دما يجوز أن يكون لقتلى أحد خاصة لعلو درجتهم أو لعلمه أنهم أخلصوا الله فهم شهداء حقا ولو صرح بأن ذلك خاصيتهم قبل ذلك فاللفظ خاص والتعميم وهم والشافعي رحمه الله تعالى عمم هذا الحكم نظرا إلى العلة وأن ذلك كان بسبب الجهاد والإحرام وأن العلة حشرهم على هذه الصفات وعلة حشرهم الجهاد أو الإحرام وقد وقعت الشركة في العلة وهذا أسبق إلى الفهم لكن خلافه وهو الذي اختاره القاضي ممكن والاحتمال متعارض والحكم بأحد الاحتمالين لأنه أسبق إلى الفهم فيه نظر فإن الحكم بالعموم إنما أخذ من العادة ومن وضع اللسان ولم يثبت ههنا في مثل هذه الصورة لا وضع ولا عادة فلا يكون في معنى العموم مسألة ( هل للمفهوم عموم ) من يقول بالمفهوم قد يظن للمفهوم عموما ويتمسك به وفيه نظر لأن العموم لفظ تتشابه دلالالته بالإضافة إلى المسميات والمتمسك بالمفهوم والفحوى ليس متمسكا بلفظ بل بسكوت فإذا قال عليه السلام في سائمة الغنم زكاة فنفي الزكاة في المعلوفة ليس بلفظ حتى يعم اللفظ أو يخص وقوله تعالى فلا تقل لهما أف الإسراء 23 دل على تحريم الضرب لا بلفظه المنطوق به حتى يتمسك بعمومه وقد ذكرنا أن العموم للألفاظ لا للمعاني ولا للأفعال مسألة ( لا يقتضي العطف العموم ) ظن قوم أن من مقتضيات العموم الاقتران بالعام والعطف عليه وهو غلط إذ المختلفات قد تجمع العرب بينهما فيجوز أن يعطف الواجب على الندب والعام على الخاص فقوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن البقرة 228 عام وقوله بعد وبعولتهن أحق بردهن البقرة 228 في ذلك خاص وقوله تعالى كلوا من ثمره الأنعام 141 إباحة وقوله بعده وآتوا حقه يوم حصاده الأنعام 141 إيجاب وقوله تعالى فكاتبوهم النور 33 استحباب وقوله 42 وآتوهم من مال الله الذي آتاكم النور 33 إيجاب مسألة ( هل في المشترك عموم )
الاسم المشترك بين مسميين لا يمكن دعوى العموم فيه عندنا خلافا للقاضي والشافعي لأن المشترك لم يوضع للجمع مثاله القرء للطهر والحيض والجارية للسفينة والأمة والمشتري للكوكب السعد وقابل البيع والعرب ما وضعت هذه الألفاظ وضعا يستعمل في مسمياتها إلا على سبيل البدل أما على سبيل الجمع فلا نعم نسبة المشترك إلى مسمياته متشابهة ونسبة العموم إلى آحاد المسميات متشابهة لكن تشابه نسبة كل واحد من آحاد العموم على الجمع ونسبة كل واحد من آحاد المشترك على البدل وتشاب نسبة المفهوم في السكوت عن الجمع لا في الدلالة وتشابه نسبة الفعل في إمكان وقوعه على كل وجه إذ الصلاة المعينة إذا تلقيت من فعل النبي عليه السلام أمكن أن تكون فرضا ونفلا وأداء وقضاء وظهرا وعصرا والإمكان شامل بالإضافة إلى علمنا أما الواقع في نفسه وفي علم الله تعالى واحد متعين لا يحتمل غيره فهذه أنواع التشابه والوهم سابق إلى التسوية بين المتشابهات وأنواع هذا التشابه متشابهة من وجه فربما يسبق إلى بعض الأوهام أن العموم كان دليلا لتشابه نسبة اللفظ إلى المسميات والتشابه ههنا موجود فيثبت حكم العموم وهو غفلة عن تفصيل هذا التشابه وإن تشابه نسبة العموم إلى مسمياته في دلالته على الجمع بخلاف هذه الأنواع احتج القاضي بأنه لو ذكر اللفظ مرتين وأراد في كل مرة معنى آخر جاز فأي بعد في أن يقتصر على مرة واحدة ويريد به كلا المعنيين مع صلاح اللفظ للكل بخلاف ما إذا قصد بلفظ المؤمنين الدلالة على المؤمنين والمشركين جميعا فإن لفظ المؤمنين لا يصلح للمشركين بخلاف اللفظ المشترك فنقول إن قصد باللفظ الدلالة على المعنيين جميعا بالمرة الواحدة فهذا ممكن لكن يكون قد خالف الوضع كما في لفظ المؤمنين فإن العرب وضعت اسم العين للذهب والعضو الباصر على سبيل البدل لا على سبيل الجمع فإن قيل اللفظ الذي هو حقيقة في شيء مجاز في غيره هل يطلق لإرادة معنييه جميعا مثل النكاح للوطء والعقد واللمس للجس وللوطء حتى يحمل قوله ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء النساء 22 على وطء الأب وعقده جميعا وقوله تعالى أو لامستم النساء النساء 43 على الوطء والمس جميعا قلنا هذا عندنا كاللفظ المشترك وإن كان التعميم فيه أقرب قليلا وقد نقل عن الشافعي رحمه الله أنه قال أحمل آية اللمس على المس والوطء جميعا وإنما قلنا إن هذا أقرب لأن المس مقدمة الوطء والنكاح أيضا يراد للوطء فهو مقدمته ولأجله استعير للعقد اسم النكاح الذي وضعه للوطء واستعير للوطء اسم اللمس فلتعلق أحدهما بالآخر ربما لا يبعد أن يقصدا جميعا باللفظ المذكور مرة واحدة لكن الأظهر عندنا أن ذلك أيضا على خلاف عادة العرب فإن قيل فقد قال الله تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي الأحزاب 56 والصلاة من الله مغفرة ومن الملائكة استغفار وهما معنيان مختلفان والاسم مشترك وقد ذكر مرة واحدة وأريد به المعنيان جميعا وكذلك قوله تعالى بآيات الحج 18 وسجود الناس غير سجود الشجر والدواب بل هو في الشجر مجاز قلنا هذا يعضد ما ذكره الشافعي رحمه الله ويفتح هذا الباب في معنيين يتعلق أحدهما بالآخرة فإن طلب المغفرة يتعلق بالمغفرة لكن الأظهر عندنا أن هذا إنما أطلق على المعنيين بإزاء معنى واحد مشترك بين المعنيين وهو العناية بأمر الشيء لشرفه وحرمته والعناية من الله مغفرة ومن الملائكة إستغفار ودعاء ومن الأمة دعاء وصلوات وكذلك العذر عن السجود مسألة ( هل العبد مخاطب بالتكاليف الشرعية ) ما ورد من الخطاب مضافا إلى الناس والمؤمنين يدخل تحته العبد كقوله تعالى ولله على الناس حج البيت آل عمران 97 وأمثاله وقال قوم لا يدخل تحته لأنه مملوك للآدمي بتمليك الله تعالى فلا يتناوله إلا خطاب خاص به وهذا هوس لأنه لم يخرج عن معظم التكاليف وخروجه عن بعضها كخروج المريض والحائض والمسافر وذلك لا يوجب رفع العموم فلا يجوز إخراجه إلا بدليل خاص مسألة ( هل الخطاب الشرعي يعم الكافر )
يدخل الكافر تحت خطاب الناس وكل لفظ عام لأنا بينا أن خطابه بفروع العبادات ممكن وإنما خرج عن بعضها بدليل خاص ومن الناس من أنكر ذلك وهو باطل لما قررناه في أحكام التكاليف مسألة ( هل تدخل النساء في عموم الخطاب ) يدخل النساء تحت الحكم المضاف إلى الناس فأما المؤمنون والمسلمون وصيغ جمع الذكر اختلفوا فيه فقال قوم تدخل النساء تحته لأن الذكور والإناث إذا اجتمعوا غلبت العرب التذكير واختار القاضي أنها لا تدخل وهو الأظهر لأن الله تعالى ذكر المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات فجمع الذكور متميز نعم إذا اجتمعوا في الحكم وأراد الأخبار تجوز العرب الاقتصار على لفظ التذكير أما ما ينشأ على سبيل الابتداء ويخصه بلفظ المؤمنين فإلحاق المؤمنات إنما يكون بدليل آخر من قياس أو كونه في معنى المنصوص أو ما جرى مجراه مسألة ( هل تدخل الأمة عند خطاب الله للنبي صلى الله عليه وسلم ) كما لا تدخل الأمة تحت خطاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله يا أيها النبي لا يدخل النبي تحت الخطاب الخاص بالأمة أما الخطاب بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا و يا أيها الناس فيدخل النبي تحته لعموم هذه الألفاظ وقال قوم لا يدخل لأنه قد خص بالخطاب في أحكام فلا يلزمه إلا الخطاب الذي يخصه وهو فاسد لأنه قد خص المسافر والعبد والحائض والمريض بأحكام ولا يمنع ذلك دخولهم تحت العموم حيث يعم الخطاب كذلك ههنا مسألة ( هل للمشافهة عموم ) المخاطبة شفاها لا يمكن دعوى العموم فيها بالإضافة إلى جميع الحاضرين فإذا قال لجميع نسائه الحاضرات طلقتكن ولجميع عبيده أعتقتكم فإنما يكون مخاطبا من جملتهم من أقبل عليه بوجهه وقصد خطابه وذلك يعرف بصورته وشمائله والتفاته ونظره فقد يحضره جماعة من الغلمان من البالغين والصبيان فيقول اركبوا معي ويريد به أهل الركوب منهم دون من ليس أهلا له فلا يتناول خطابه إلا من قصده ولا يعرف قصده إلا بلفظه أو شمائله الظاهرة فلا يمكن دعوى العموم فيها فنقول على هذا كل حكم يدل بصيغة المخابة كقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا و أيها المؤمنون و يا أيها الناس فهو خطاب مع الموجودين في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإثباته في حق من يحدث بعده بدليل زائد دال على أن كل حكم ثبت في زمانه فهو دائم إلى يوم القيامة على كل مكلف ولولاه لم يقتض مجرد اللفظ ذلك ولما ثبت ذلك أفاد مثل هذه الألفاظ فائدة العموم لاقتران الدليل الآخر بها لا بمجرد الخطاب فإن قيل فإذا كان الخطاب خاصا مع شخص مشافهة أو مع جمع فهل يدل على العموم مثل قوله تعالى وما أرسلناك إلا كافة للناس سبأ 28 وقوله عليه السلام بعثت إلى الناس كافة وبعثت إلى الأحمر والأسود وقوله حكمي على لواحد حكمي على الجماعة وقوله تعالى واتقون يا أولي الألباب البقرة 197 و يا أولي الأبصار و يا أيها الناس وأمثاله قلنا لا بل عرف الصحابة عموم الحكم الثابت في عصره للأعصار كلها بقرائن كثيرة وعرفنا ذلك من الصحابة ضرورة ومجرد هذه الألفاظ ليست قاطعة فإنه وإن كان مبعوثا إلى الكافة فلا يلزم تساويهم في الأحكام فهو مبعوث إلى الحر والعبد والحائض والطاهر والمريض والصحيح ليعرفهم أحكامهم المختلفة وكذلك قوله تعالى لأنذركم به ومن بلغ الأنعام 19 أي ينذر كل قوم بل كل شخص بحكمه فيكون شرعه عاما وقوله حكمي على الواحد حكمي على الجماعة لا يتناول إلا عصره فإن الجماعة عبارة عن الموجودين فلا يتناول من بعده فإن قيل فهل يدل على عموم الحكم أنه كان إذا أراد التخصيص خصص وقال تجزىء عنك ولا تجزىء عن أحد بعدك وحلل الحرير لعبد الرحمن بن عوف خاصة قلنا لا لأنه ذكره حيث قدم عموما أو حيث توهم أنهم يلحقون غيره به للتعبد بالقياس وكذلك قوله تعالى خالصة لك من دون المؤمنين الأحزاب 50 لا يدل على أن الخطاب معه خطاب مع الأمة لمثل ما ذكرناه
مسألة ( التفريق بين العام والمجمل ) من الصيغ ما يظن عموما وهي إلى الإجمال أقرب مثل من يتمسك في إيجاب الوتر بقوله وافعلوا الخير الحج 77 مصيرا إلى أن ظاهر الأمر الوجوب والخير اسم عام وإخراج ما قام الدليل على نفي وجوبه لا يمنع التمسك به وكمن يستدل على منع قتل المسلم بالذمي بقوله تعالى الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا النساء 141 وأن ذلك يفيد منع السلطنة إلا ما دل عليه الدليل من الدية والضمان والشركة وطلب الثمن وغيره أو يستدل بقوله لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ( الحشر 20 ) وأن إيجاب القصاص تسوية وهذا كله مجمل ولفظ الخير ولفظ السبيل ولفظ الاستواء إلى الإجمال أقرب وينضم إليه أن المستثنى من هذه العمومات ليس داخلا تحت الحصر وليس مضبوطا بضابط واحد ولا بضوابط محصورة وإن لم ينحصر المستثنى كان المستثني مجهولا وليس من هذا القبيل قوله فيما سقت السماء العشر وقد قال قوم لا يتمسك بعمومه لأن المقصود ذكر الفصل بين العشر ونصف العشر وهذا فاسد لأن صيغة ما صيغة شرط وضع للعموم بخلاف لفظ السبيل والخير والاستواء نعم تردد الشافعي في قوله تعالى وأحل الله البيع البقرة 275 في أنه عام أو مجمل من حيث أن الألف واللام احتمل أن يكون فيه للتعريف ومعناه وأحل الله البيع الذي عرف الشرع بشرطه مسألة ( هل المخاطب يندرج تحت العموم ) المخاطب يندرج تحت الخطاب العام وقال قوم لا يندرج تحت خطابه بدليل قوله تعالى وهو بكل شيء عليم البقرة 29 ولا يدخل هو تحته وبدليل قول القائل لغلامه من دخل الدار فأعطه درهما فإنه لا يحسن أن يعطي السيد وهذا فاسد لأن الخطاب عام والقرينة هي التي أخرجت المخاطب مما ذكروه ويعارضه قوله وهو بكل شيء عليم البقرة 29 وهو عالم بذاته ويتناوله اللفظ ومجرد كونه مخاطبا ليس قرينة قاضية بالخروج عن العموم في كل خطاب بل القرائن فيه تتعارض والأصل اتباع العموم في اللفظ مسألة ( فائدة العموم للاسم المفرد ) اسم الفرد وإن لم يكن على صيغة الجمع يفيد فائدة العموم في ثلاثة مواضع أحدها أن يدخل عليه الألف واللام كقوله لا تبيعوا البر بالبر والثاني النفي في النكرة لأن النكرة في النفي تعم كقولك ما رأيت رجلا لأن النفي لا خصوص له بل هو مطلق فإذا أضيف إلى منكر لم يتخصص بخلاف قوله رأيت رجلا فإنه إثبات والإثبات يتخصص في الوجود فإذا أخبر عنه لم يتصور عمومه وإذا أضيف إلى مفرد اختص به الثالث أن يضاف إليه أمر أو مصدر والفعل بعد غير واقع بل منتظر كقوله أعتق رقبة وقوله تعالى فتحرير رقبة المجادلة 3 فإنه ما من رقبة إلا وهو ممتثل باعتاقها والاسم متناول للكل فنزل منزلة العموم بخلاف قوله أعتقت رقبة فإنه إخبار عن ماض قد تم وجوده ولا يدخل في الوجود إلا فعل خاص مسألة ( أقل عدد الجمع )
صرف العموم إلى غير الاستغراق جائز وهو معتاد أما رده إلى ما دون أقل الجمع فغير جائز ولا بد من بيان أقل الجمع وقد اختلفوا فيه فقال عمر وزيد بن ثابت إنه اثنان وبه قالمالك وجماعة وقال ابن عباس والشافعي وأبو حنيفة ثلاثة حتى قال ابن عباس لعثمان حين رد الأم من الثلث إلى السدس بأخوين ليس الأخوان أخوة في لغة قومك فقال حجبها قومك يا غلام وقال ابن مسعود إذا اقتدى بالإمام ثلاثة اصطفوا خلفه وإذا اقتدى اثنان وقف كل واحد عن جانب وهذا يشعر من مذهبه بأنه يرى أقل الجمع ثلاثة وليس من حقيقة هذا الخلاف منع جمع الاثنين بلفظ يعمهما فإن ذلك جائز ومعتاد لكن الخلاف في أن لفظ الناس والرجال والفقراء وأمثاله يطلق على ثلاثة فما زاد حقيقة وهل يطلق على الاثنين حقيقة أم لا واختار القاضي أن أقل الجمع اثنان واستدل بإجماع أهل اللغة على جواز إطلاق اسم الجمع على اثنين في قولهم فعلتم وفعلنا وتفعلون وقد ورد به القرآن قال الله تعالى في قصة موسى وهارون إنا معكم مستمعون الشعراء 15 وقال فررتم ( يوسف 83 ) وهما يوسف وأخوه وقال فقد صغت قلوبكما التحريم 4 ولهما قلبان وقال وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث الأنبياء 78 إلى قوله وكنا لحكمهم شاهدين الأنبياء 78 وهما اثنان وقال وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما الحجرات 9 وهما طائفتان وقال وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ص 21 وهما ملكان فإن قيل عن كل واحد من هذا جواب فقوله إنا معكم مستمعون الشعراء 15 يعني هارون وموسى وفرعون وقومه وهم جماعة وقوله قلوبكما التحريم 4 لضرورة استثقال الجمع بين اثنتين مع أن القلوب على وزن الواحد في بعض الألفاظ وقوله عسى الله أن يأتيني بهم جميعا يوسف 83 أراد به يوسف وأخاه والأخ الأكبر الذي تخلف عن الأخوة وقوله تعالى وكنا لحكمهم شاهدين الأنبياء 78 أي حكمهما مع الجمع المحكوم عليهم وقوله وإن طائفتان الحجرات 9 كل طائفة جمع قلنا هذه تعسفات وتكلفات إنما يحوج إليها ضرورة نقل من أهل اللغة في استحالة إطلاق اسم الجمع على الإثنين وإذا لم يكن نقل صريح فيحمل خلافهم على الحقيقة كما ورد فإن قيل ههنا أدلة أربعة الأول أن الإثنين لو كانا جمعا لكان قولنا فعلا اسم جمع فليجز إطلاقه على الثلاثة فصاعدا كقوله فعلوا فإنه لما كان اسم جمع جاز على الثلاثة فما فوقها قلنا فعلوا اسم جمع مشترك بين سائر أعداد الجمع وفعلا اسم جمع خاص لأن الجمع لا يستدعي إلا الانضمام وذلك يحصل في الاثنين وهو كالعشرة فإنه اسم جمع لكن جمع خاص فلا يصلح لغيره وكيف ينكر كون الاثنين جمعا ويقول الرجلان نحن فعلنا فإن قيل قد يقول الواحد ذلك كقوله إنا أنزلناه في ليلة القدر القدر 1 قلنا ذلك مجاز بالاتفاق وهذا ليس بمجاز الثاني قولهم أجمع أهل اللغة على أن الأسماء ثلاثة أضرب توحيد وتثنية وجمع وهو رجل ورجلان ورجال فلتكن هذه الثلاثة متباينة قلنا ما قالوا الرجلان ليس اسم جمع لكن وضعوا البعض أعداد الجمع اسما خاصا كالعشرة وجعلوا اسم الرجال مشتركا الثالث قولهم فرق في اللسان بين الرجال والرجلين وما ذكرتموه رفع للفرق قلنا الفرق أن الرجلين اسم جمع خاص وهو للإثنين والرجال اسم جمع مشترك لكل جمع من الإثنين والثلاثة فما زاد
الرابع قولهم لو صح هذا لجاز أن يقال رأيت اثنين رجال كما يقال رأيت ثلاثة رجال قلنا هذا ممتنع لأن العرب لم تستعمله على هذا الوجه ولا يمكن تعدي عرفهم وعلى الجملة فمن يرد لفظ الجمع إلى الاثنين ربما يفتقر إلى دليل أظهر ممن يرده إلى الثلاثة وإذا رده إلى الواحد فقد غير اللفظ النص بقرينة فإن قيل فقد يقول لامرأته أتخرجين وتكلمين الرجال وربما يريد رجلا واحدا قلنا ذلك استعمال لفظ الجمع بدلا عن لفظ الواحد لتعلق غرض الزوج لجنس الرجال لا أنه عنى بلفظ الرجال رجلا واحدا أما إذا أراد رجلين أو ثلاثة فقد ترك اللفظ على حقيقته الباب الثالث في الأدلة التي يخص بها العموم لا نعرف خلافا بين القائلين بالعموم في جواز تخصيصه بالدليل إما بدليل العقل أو السمع أو غيرهما وكيف ينكر ذلك مع الاتفاق على تخصيص قوله تعالى خالق كل شيء الأنعام 102 فلله القصص 57 و تدمر كل شيء الأحقاف 25 و وأوتيت من كل شيء النمل 23 وقوله فاقتلوا المشركين التوبة 5 والسارق والسارقة المائدة 38 الزانية والزاني النور 2 وورثه أبواه النساء 11 و يشرك النساء 11 وفيما سقت السماء العشر فإن جميع عمومات الشرع مخصصة بشروط في الأصل والمحل والسبب وقلما يوجد عام لا يخصص مثل قوله تعالى وهو بكل شيء عليم البقرة 29 فإنه باق على العموم والأدلة التي يخص بها العموم أنواع عشرة الأول دليل الحس وبه خصص قوله تعالى وأوتيت من كل شيء النمل 23 فإن ما كان في يد سليمان لم يكن في يدها وهو شيء وقوله تعالى تدمر كل شيء بأمر ربها الأحقاف 25 خرج منه السماء والأرض وأمور كثيرة بالحس الثاني دليل العقل وبه خصص قوله تعالى خالق كل شيء الأنعام 102 إذ خرج عنه ذاته وصفاته إذ القديم يستحيل تعلق القدرة به وكذلك قوله تعالى ولله على الناس حج البيت آل عمران 97 خرج منه الصبي والمجنون لأن العقل قد دل على استحالة تكليف من لا يفهم فإن قيل كيف يكون العقل مخصصا وهو سابق على أدلة السمع والمخصص ينبغي أن يكون متأخرا ولأن التخصيص إخراج ما يمكن دخوله تحت اللفظ وخلاف المعقول لا يمكن أن يتناوله اللفظ قلنا قال قائلون لا يسمى دليل العقل مخصصا لهذا الحال وهو نزاع في عبارة فإن تسمية الأدلة مخصصة تجوز فقد بينا أن تخصيص العام محال لكن الدليل يعرف إرادة المتكلم وأنه أراد باللفظ الموضوع للعموم معنى خاصا ودليل العقل يجوز أن يبين لنا أن الله تعالى ما أراد بقوله خالق كل شيء الأنعام 102 نفسه وذاته فإنه وإن تقدم دليل العقل فهو موجود أيضا عند نزول اللفظ وإنما يسمى مخصصا بعد نزول الآية لا قبله وأما قولهم لا يجوز دخوله تحت اللفظ فليس كذلك بل يدخل تحت اللفظ من حيث اللسان ولكن يكون قائله كاذبا ولما وجب الصدق في كلام الله تعالى تبين أنه يمتنع دخوله تحت الإرادة مع شمول اللفظ له من حيث الوضع الثالث دليل الإجماع ويخصص به العام لأن الإجماع قاطع لا يمكن الخطأ فيه والعام يتطرق إليه الاحتمال ولا تقضي الأمة في بعض مسميات العموم بخلاف موجب العموم إلا عن قاطع بلغهم في نسخ اللفظ الذي كان قد أريد به العموم أو في عدم دخوله تحت الإرادة عند ذكر العموم والإجماع أقوى من النص الخاص لأن النص الخاص محتمل نسخه والإجماع لا ينسخ فإنه إنما ينعقد بعد انقطاع الوحي الرابع النص الخاص يخصص اللفظ العام فقوله فيما سقت السماء العشر يعم ما دون النصاب وقد خصصه قوله عليه السلام لا زكاة فيما دون خمسة أوسق وقوله تعالى والسارق والسارقة المائدة 38 يعم كل مال وخرج ما دون النصاب بقوله لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا وقوله فتحرير رقبة المجادلة 3 يعم الكافرة فلو ورد مرة أخرى
فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 في الظهار بعينة لتبين لنا أن المراد بالرقبة المطلبة العامة هي المؤمنة على الخصوص وقد ذهب قوم إلى أن الخاص والعام يتعارضان ويتدافعان فيجوز أن يكون الخاص سابقا وقد ورد العام بعده لأرادة العموم فنسخ الخاص ويجوز أن يكون العام سابقا وقد أريد به العموم ثم نسخ باللفظ الخاص بعده فعموم الرقبة مثلا يقتضي أجزاء الكافرة مهما أريد به العموم والتقييد بالمؤمنة يقتضي منع أجزاء الكافرة فهما متعارضان وإذا أمكن النسخ والبيان جميعا فلم يتحكم بحمله على البيان دون النسخ ولم يقطع بالحكم على العام بالخاص ولعل العام هو المتأخر الذي أريد به العموم وينسخ به الخاص وهذا هو الذي اختاره القاضي والأصح عندنا تقديم الخاص وإن كان ما ذكره القاضي ممكنا ولكن تقدير النسخ محتاج إلى الحكم بدخول الكافرة تحت اللفظ ثم خروجه عنه فهو إثبات وضع ورفع بالتوهم وإرادة الخاص باللفظ العام غالب معتاد بل هو الأكثر والنسخ كالنادر فلا سبيل إلى تقديره بالتوهم ويكاد يشهد لما ذكرناه من سير الصحابة والتابعين كثير فإنهم كانوا يسارعون إلى الحكم بالخاص على العام وما اشتغلوا بطلب التاريخ والتقدم والتأخر الخامس المفهوم بالفحوى كتحريم ضرب الأب حيث فهم من النهي عن التأفيف فهو قاطع كالنص وإن لم يكن مستندا إلى لفظ ولسنا نريد اللفظ بعينه بل لدلالته فكل دليل سمعي قاطع فهو كالنص والمفهوم عند القائلين به أيضا كالمنطوق حتى إذا ورد عام في إيجاب الزكاة في الغنم ثم قال الشارع في سائمة الغنم زكاة أخرجت المعلوفة من مفهوم هذا اللفظ عن عموم اسم الغنم والنعم السادس فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو دليل على ما سيأتي بشرطه عند ذكر دلالة الأفعال وإنما يكون دليلا إذا عرف من قوله أنه قصد به بيان الأحكام كقوله عليه السلام صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم فإن لم يتبين أنه أراد به البيان فإذا ناقض فعله لحكمه الذي حكم به فلا يرفع أصل الحكم بفعله المخالف لكن قد يدل على التخصيص ونذكر له ثلاثة أمثلة المثال الأول إنه نهى عن الوصال ثم واصل فقيل له نهيت عن الوصال ونراك تواصل فقال إني لست كأحدكم إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني فبين أنه ليس يريد بفعله بيان الحكم ثم تحريم الوصال إن كان بقوله لا تواصلوا أو نهيتكم عن الوصال فلا يدخل فيه الرسول عليه السلام لأنه مخاطب غيره والمخاطب إنما يدخل تحت خطاب نفسه إذا أثبت الحكم بلفظ عام كقوله حرم الوصال على كل عبد أو على كل مكلف أو على كل إنسان أو كل مؤمن أو ما يجري مجراه وإن كان بلفظ عام فيكون فعله تخصيصا المثال الثاني أنه نهى عن استقبال القبلة في قضاء الحاجة ثم رآه ابن عمر مستقبلا بيت المقدس على سطح فيحتمل أنه تخصيص لأنه كان وراء سترة والنهي كان مطلقا وأريد به ما إذا لم يكن ساتر ويحتمل أنه كان مستثنى ومخصوصا فهو دليل على خروجه عن العموم إن كان اللفظ المحرم عاما له ولا يصلح هذا لأن ينسخ به تحريم الاستقبال لأنه فعل يكون في خلوة وخفية فلا يصلح لأن يراد به البيان فإن ما أريد به البيان يلزمه إظهاره عند أهل التواتر أن تعبد فيه الخلق بالعلم وإن لم يتعبدوا إلا بالظن والعمل فلا بد من إظهاره لعدل أو لعدلين المثال الثالث أنه نهى عن كشف العورة ثم كشف فخذه بحضرة أبي بكر وعمر ثم دخل عثمان رضي الله عنهم فستره فعجبوا منه فقال ألا أستحي ممن تستحي منه ملائكة السماء فهذا لا يرفع النهي لاحتمال أنه لم يكن داخلا فيه أو لعله كشفه لعارض وعذر فإنه حكاية حال أو أريد بالفخذ ما يقرب منه وليس داخلا في حده أو إباحته خاصة له أو نسخ تحريم كشف العورة وإذا تعارضت الاحتمالات فلا يرتفع التحريم في حق غيره بالوهم
السابع تقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من أمته على خلاف موجب العموم وسكوته عليه السلام عليه يحتمل نسخ أصل الحكم أو تخصيص ذلك الشخص بالنسخ في حقه خاصة له أو تخصيص وصف وحال ووقت ذلك الشخص ملابس له فيشاركه في الخصوص من شاركه في ذلك المعنى فإن كان قد ثبت ذلك الحكم في كل وقت وفي كل حال تعين تقرير لكونه نسخا إما على الجملة وإما في حقه خاصة والمستيقن حقه خاصة لكن لو كان من خاصيته لوجب على النبي عليه السلام أن يبين اختصاصه بعد أن عرف أمته أن حكمه في الواحد كحكمه في الجماعة فيدل من هذا الوجه على النسخ المطلق ولما أقر عليه السلام أصحابه على ترك زكاة الخيل مع كثرتها في أيديهم دل على سقوط زكاة الخيل إذ ترك الفرض منكر يجب إنكاره فإن قيل فلعلهم أخرجوا ولم ينقل إلينا أو لعله لم يكن في خيلهم سائمة قلنا العادة تحيل اندراس إخراجهم الزكاة طول أعمارهم والسوم قريب من الأمكان ويجب شرح ما يقرب وقوعه فلو وجب لذكره فهذه سبع مخصصات ووراءها ثلاثة تظن مخصصات وليست منها فننظمها في سلك المخصصات الثامن عادة المخاطبين فإذا قال لجماعة من أمته حرمت عليكم الطعام والشراب مثلا وكانت عادتهم تناولهم جنسا من الطعام فلا يقتصر بالنهي على معتادهم بل يدخل فيه لحم السمك والطير وما لا يعتاد في أرضهم لأن الحجة في لفظه وهو عام وألفاظه غير مبنية على عادة الناس في معاملاتهم حتى يدخل فيه شرب البول وأكل التراب وابتلاع الحصاة والنواة وهذا بخلاف لفظ الدابة فإنها تحمل على ذوات الأربع خاصة لعرف أهل اللسان في تخصيص اللفظ وأكل النواة والحصاة يسمى أكلا في العادة وإن كان لا يعتاد فعله ففرق بين أن لا يعتاد الفعل وبين أن يعتاد إطلاق الاسم على الشيء وعلى الجملة فعادة الناس تؤثر في تعريف مرادهم من ألفاظهم حتى أن الجالس على المائدة يطلب الماء يفهم منه العذب البارد لكن لا تؤثر في تغيير خطاب الشارع إياهم التاسع مذهب الصحابي إذا كان بخلاف العموم فيجعل مخصصا عند من يرى قول الصحابي حجة يجب تقليده وقد أفسدناه وكذلك تخصيص الراوي يرفع العموم عند من يرى أن مذهب الراوي إذا خالف روايته يقدم مذهبه على روايته وهذا أيضا مما أفسدناه بل الحجة في الحديث ومخالفته وتأويله وتخصيصه يجوز أن تكون عن اجتهاد ونظر لا نرتضيه فلا نترك الحجة بما ليس بحجة بل لو كان اللفظ محتملا وأخذ الراوي بأحد محتملاته واحتمل أن يكون ذلك عن توقيف فلا تجب متابعته ما لم يقل إني عرفته من التوقيف بدليل أنه لو رواه روايان وأخذ كل واحد باحتمال آخر فلا يمكننا أن نتبعهما أصلا العاشر خروج العام على سبب خاص جعل دليلا على تخصصه عند قوم وهو غير مرضي عندنا كما سبق تقريره واختتام هذا الكتاب بذكر مسألتين في تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وبالقياس مسألة ( تخصيص العموم بخبر الواحد ) خبر الواحد إذا ورد مخصصا لعموم القرآن اتفقوا على جواز التعبد به لتقديم أحدهما على الآخر لكن اختلفوا في وقوعه على أربعة مذاهب فقال بتقديم العموم قوم وبتقديم الخبر قوم وبتقابلهما والتوقف إلى ظهور دليل آخر قوم وقال قوم إن كان العموم مما دخله التخصيص بدليل قاطع فقد ضعف وصار مجازا فالخبر أولى منه وإلا فالعموم أولى وإليه ذهب عيسى بن أبان احتج القائلون بترجيح العموم بمسلكين الأول أن عموم الكتاب مقطوع به وخبر الواحد مظنون فكيف يقدم عليه الاعتراض من أوجه الأول أن دخول أصل محل الخصوص في العموم وكونه مراد به مظنون ظنا ضعيفا يستند إلى صيغة العموم وقد أنكره الواقفية وزعموا أنه مجمل فكيف ينفع كون أصل الكتاب مقطوعاته فيما لا يقطع بكونه مرادا بلفظه
الثاني أنه لو كان مقطوعا به للزم تكذيب الراوي قطعا ولا شك في إمكان صدقه فإن قيل فلو نقل النسخ فصدقه أيضا ممكن ولا يقبل قلنا لا جرم لا يعلل رده بكون الآية مقطوعا بها لأن دوام حكمها إنما يقطع به بشرط أن الإيراد ناسخ فلا يبقى القطع مع وروده لكن الإجماع منع من نسخ القرآن بخبر الواحد ولا مانع من التخصيص الثالث أن براءة الذمة قبل ورود السمع مقطوع بها ثم ترفع بخبر الواحد لأنه مقطوع بها بشرط أن لا يرد سمع وماء البحر مقطوع بطهارته إذا جعل في كوز لكن بشرط أن لا يرد سمع بأن يخبر عدل بوقوع النجاسة فيه وكذلك العموم ظاهر في الاستغراق بشرط أن لا يرد خاص الرابع أن وجوب العمل بخبر الواحد مقطوع به بالإجماع وإنما الاحتمال في صدق الراوي ولا تكليف علينا في اعتقاد صدقه فإن سفك الدم وتحليل البضع واجب بقول عدلين قطعا مع أنا لا نقطع بصدقهما فوجوب العمل بالخبر مقطوع به وكون العموم مستغرقا غير مقطوع به فإن قيل إنما يجب العمل بخبر لا يقابل عموم القرآن قلنا يقابله أنه إنما يجب العمل بعموم لا يخصصه حديث نص ينقله عدل ولا فصل بين الكلامين المسلك الثاني قولهم إن الحديث إما أن يكون نسخا أو بيانا والنسخ لا يثبت بخبر الواحد إتفاقا وإن كان بيانا فعال إذا البيان ما يقترن بالمبين وما يعرفه الشارع أهل التواتر حتى تقوم الحجة به قلنا هو بيان ولا يجب اقتران البيان بل يجوز تأخيره عندنا وما يدريهم أنه وقع متراخيا فلعله كان مقترنا والراوي لم يرو اقترانه كيف ويجوز أن يقول بعد ورود آية السرقة لا قطع إلا في ربع دينار من الحرز وأما قولهم ينبغي أن يلقيه إلى عدد التواتر فتحكم بل إذا لم يكلفهم العلم بل العمل جاز تكليفهم بقول عدل واحد ثم ما يدر بهم فلعله ألقاه إلى عدد التواتر فماتوا قبل النقل أو نسوا أو هم في الأحياء لكنا ما لقينا منهم إلا واحدا حجة القائلين بتقديم الخبر أن الصحابة ذهبت إليه إذ روى أبو هريرة أن المرأة لا تنكح على عمتها وخالتها فخصصوا به قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم النساء 24 وخصصوا عموم آية المواريث برواية أبي هريرة أنه لا يرث القاتل والعبد ولا أهل ملتين ورفعوا عموم آية الوصية بقوله لا وصية لوارث ورفعوا عموم قوله تعالى حتى تنكح زوجا غيره البقرة 23 برواية من روى حتى تذوق عسيلتها إلى نظائر لذلك كثيرة لا تحصى الاعتراض إن هذا ليس قاطعا بأنهم رفعوا العموم بمجرد قول الراوي بل ربما قامت الحجة عندهم على صحة قوله بأمور وقرائن وأدلة سوى مجرد قوله كما نقل أن أهل قباء تحولوا عن القبلة بخبر واحد وهو نسخ لكنهم لعلهم عرفوا صدقه برفع صوته في جوار النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه وأن ذلك لا يمكن الكذب فيه حجة القائلين بالتوقف وهو اختيار القاضي أن العموم وحده دليل مقطوع الأصل مظنون الشمول والخبر وحده مظنون الأصل مقطوع به في اللفظ والمعنى وهما متقابلان ولا دليل على الترجيح فيتعارضان والرجوع إلى دليل آخر والمختار أن خبر العدل أولى لأن سكون النفس إلى عدل واحد في الرواية لما هو نص كسكونها إلى عدلين في الشهادة أما اقتضاء آية المواريث الحكم في حق القاتل والكافر ضعيف وكلام من يدعي إجمال العموم قوي واقع وكلام من ينكر خبر الواحد ولا يجعله حجة في غاية الضعف ولذلك ترك توريث فاطمة رضي الله عنها بقول أبي بكر نحن معاشر الأنبياء لا نورث الحديث فنحن نعلم أن تقدير كذب أبي بكر وكذب كل عدل أبعد في النفس من تقدير كون آية المواريث مسوقة لتقدير المواريث لا للقصد إلى بيان حكم النبي عليه الصلاة والسلام والقاتل والعبد والكافر وهذه النوادر مسألة ( تعارض القياس مع العموم )
قياس نص خاص إذا قابل عموم نص آخر فالذاهبون إلى أن العموم حجة لو انفرد والقياس حجة لو انفرد اختلفوا فيه على خمسة مذاهب فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأبو الحسن الأشعري إلى تقديم القياس على العموم ذهب الجبائي وابنه وطائفة من المتكلمين والفقهاء إلى تقديم العموم وذهب القاضي وجماعة إلى التوقف لحصول التعارض وقال قوم يقدم على العموم جلى القياس دون خفيه وقال عيسى بن أبان يقدم القياس على عموم دخله التخصيص دون ما لم يدخله حجاج من قدم العموم ثلاث الأولى أن القياس فرع والعموم أصل فكيف يقدم فرع على أصل الاعتراض من وجوه الأول أن القياس فرع نص آخر لا فرع النص المخصوص به والنص تارة يخصص بنص آخر وتارة بمعقول نص آخر ولا معنى للقياس إلا معقول النص وهو الذي يفهم المراد من النص والله هو الواضع لإضافة الحكم إلى معنى النص إلا أنه مظنون نص كما أن العموم وتناوله للمسمى الخاص مظنون نص آخر فهما ظنان في نصين مختلفين وإذا خصصنا بقياس الأرز على البر عموم قوله وأحل الله البيع وحرم الربا البقرة 275 ) لم نخصص الأصل بفرعه فإن الأرز فرع حديث البر لا فرع آية إحلال البيع الثاني أنه يلزم أن لا يخصص القرآن بخبر الواحد لأنه فرع فإنه يثبت بأصل من كتاب وسنة فيكون فرعا له فقد سلم التخصيص بخبر الواحد من لا يسلم التخصيص بالقياس فهذا لازم لهم فإن قيل خبر الواحد ثبت بالإجماع لا بالظاهر والنص قلنا وكون القياس حجة ثبت أيضا بالإجماع ثم لا مستند للإجماع سوى النص فهو فرع الإجماع والإجماع فرع النص الحجة الثانية أنه إنما يطلب القياس حكم ما ليس منطوقا به فما هو منطوق به كيف يثبت بالقياس الاعتراض أنه ليس منطوقا به كالنطق بالعين الواحدة لأن زيدا في قوله فاقتلوا المشركين التوبة 5 ليس كقوله اقتلوا زيدا والأرز في قوله وأحل الله البيع وحرم الربا البقرة 275 ليس كقوله يحل بيع الأرز بالأرز متفاضلا ومتماثلا فإذا كان كونه مرادا بآية إحلال البيع مشكوكا فيه كان كونه منطوقا به مشكوكا فيه لأن العام إذا أريد به الخاص كان ذلك نطقا بذلك القدر ولم يكن نطقا بما ليس بمراد والدليل عليه جواز تخصيصه بدليل العقل القاطع ودليل العقل لا يجوز أن يقابل النطق الصريح من الشارع لأن الأدلة لا تتعارض فإن قيل ما أخرجه العقل عرف أنه لم يدخل تحت العموم قلنا تحت لفظه أو تحت الارادة فإن قلتم تحت اللفظ فإن الله تعالى شيء وهو داخل تحت اللفظ من قوله تعالى خالق كل شيء الأنعام 102 وإن قلتم لا يدخل تحت الإرادة فكذلك دليل القياس يعرفنا ذلك ولا فرق الحجة الثالثة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لمعاذ بم تحكم فقال بكتاب الله قال فإن لم تجد قال بسنة رسول الله قال فإن لم تجد قال أجتهد رأيي فجعل الاجتهاد مؤخرا فكيف يقدم على الكتاب قلنا كونه مذكورا في الكتاب مبني على كونه مرادا بالعموم وهو مشكوك فيه فكونه في الكتاب مشكوك فيه ولذلك جاز لمعاذ ترك العموم بالخبر المتواتر وخبر الواحد ونص الكتاب لا يترك بالسنة إلا أن تكون السنة بيانا لمعنى الكتاب والكتاب يبين الكتاب والسنة تبين السنة تارة بلفظ وتارة بمعقول لفظ ثم نقول حكم العقل الأصلي في براءة الذمة يترك بخبر الواحد وبقياس خبر الواحد لأنه ليس يحكم به العقل مع ورود الخبر فيصير مشكوكا فيه معه فكذلك العموم حجاج القائلين بتقديم القياس اثنتان الأولى أن العموم يحتمل المجاز والخصوص والاستعمال في غير ما وضع له والقياس لا يحتمل شيئا من ذلك ولأنه يخصص العموم بالنص الخاص مع إمكان كونه مجازا ومؤولا فالقياس أولى
الاعتراض أن احتمال الغلط في القياس ليس بأقل من احتمال ما ذكر في العموم من احتمال الخصوص والمجاز بل ذلك موجود في أصل القياس وزيادة ضعف ما يختص به من احتمال الخصوص والمجاز إذ القياس ربما يكون منتزعا من خبر واحد فيتطرق الاحتمال إلى أصله وربما استنبطه من ليس أهلا للاجتهاد فظن أنه من أهله ولا حكم لاجتهاد غير الأهل والعموم لا يستند إلى اجتهاد وربما يستدل على إثبات العلة بما يظنه دليلا وليس بدليل وربما لا يستوفي جميع أوصاف الأصل فيشذ عنه وصف داخل في الاعتبار وربما يغلط في إلحاق الفرع به لفرق دقيق بينهما لم يتنبه له فمظنة الاحتمال والغلط في القياس أكثر الحجة الثانية قولهم تخصيص العموم بالقياس جمع بين القياس وبين الكتاب فهو أولى من تعطيل أحدهما أو تعطيلهما وهذا فاسد لأن القدر الذي وقع فيه التقابل ليس فيه جمع بل هو رفع للعموم وتجريد للعمل بالقياس حجة الواقفية قالوا إذا بطل كلام المرجحين كما سبق وكل واحد من القياس والعموم دليل لو انفرد وقد تقابلا ولا ترجيح فهل يبقى إلا التوقف لأن الترجيح إما أن يدرك بعقل أو نقل والعقل إما نظري أو ضروري والنقل إما تواتر أو آحاد ولم يتحقق شيء من ذلك فيجب طلب دليل آخر فإن قيل هذا يخالف الإجماع لأن الأمة مجمعة على تقديم أحدهما وإن اختلفوا في التعيين ولم يذهب أحد قبل القاضي إلى التوقف أجاب القاضي بأنهم لم يصرحوا ببطلان التوقف قطعا ولم يجمعوا عليه لكن كل واحد رأى ترجيحا والإجماع لا يثبت بمثل ذلك كيف ومن لا يقطع ببطلان مذهب مخالفه في ترجيح القياس كيف يقطع بخطئه إن توقف حجة من فرق بين جلى القياس وخفيه وهي أن جلي القياس قوي وهو أقوى من العموم والخفي ضعيف ثم حكي عنهم أنهم فسروا الجلي بقياس العلة والخفي بقياس الشبه وعن بعضهم أن الجلي مثل قوله عليه السلام لا يقض القاضي وهو غضبان وتعليل ذلك بما يدهش العقل عن تمام الفكر حتى يجري في الجائع والحاقن خفي والمختار أن ما ذكروه غير بعيد فإن العموم يفيد ظنا والقياس يفيد ظنا وقد يكون أحدهما أقوى في نفس المجتهد فيلزمه اتباع الأقوى والعموم تارة يضعف بأن لا يظهر منه قصد التعميم ويظهر ذلك بأن يكثر المخرج منه ويتطرق إليه تخصيصات كثيرة كقوله تعالى وأحل الله البيع البقرة 275 فإن دلالة قوله عليه السلام لا تبيعوا البر بالبر على تحريم الأرز والتمر أظهر من دلالة هذا العموم على تحليله وقد دل الكتاب على تحريم الخمر وخصص به قوله تعالى مبعوثون الأنعام 145 وإذا ظهر منه التعليل بالإسكار فلو لو يرد خبر في تحريم كل مسكر لكان إلحاق النبيذ بالخمر بقياس الإسكار أغلب على الظن من بقائه تحت عموم قوله يقصون الأنعام 145 وهذا ظاهر في هذه الآية وآية احلال البيع لكثرة ما أخرج منهما ولضعف قصد العموم فيهما ولذلك جوزه عيسى بن أبان في أمثاله دون ما بقي على العموم ولكن لا يبعد ذلك عندنا أيضا فيما بقي عاما لأنا لا نشك في أن العمومات بالإضافة إلى بعض المسميات تختلف في القوة لاختلافها في ظهور إرادة قصد ذلك المسمى بها فإن تقابلا وجب تقديم أقوى العمومين وكذلك أقوى القياسين إذا تقابلا قدمنا أجلاهما وأقواهما فكذلك العموم والقياس إذا تقابلا فلا يبعد أن يكون قياس قوي أغلب على الظن من عموم ضعيف أو عموم قوي أغلب على الظن من قياس ضعيف فنقدم الأقوى وإن تعادلا فيجب التوقف كما قاله القاضي إذ ليس كون هذا عموما أو كون ذلك قياسا مما يوجب ترجيحا لعينهما بل لقوة دلالتهما فمذهب القاضي صحيح بهذا الشرط فإن قيل فهذا الخلاف الذي في تخصيص بقياس مستنبط من الكتاب إذا خصص به عموم الكتاب فهل يجري في قياس مستنبط من الأخبار قلنا نسبة قياس الكتاب إلى عموم الكتاب كنسبة قياس الخبر المتواتر إلى عموم الخبر المتواتر وكنسبة قياس خبر الواحد إلى عموم خبر الواحد والخلاف جار في الكل وكذا قياس الخبر المتواتر بالنسبة إلى عموم الكتاب وقياس نص الكتاب بالإضافة إلى عموم الخبر المتواتر أما قياس خبر الواحد إذا عارض عموم القرآن فلا يخفي ترجيح الكتاب عند من لا يقدم خبر الواحد على عموم القرآن أما من يقدم الخبر فيجوز أن يتوقف في قياس الخبر فإنه ازداد ضعفا وبعدا وما في معنى الأصل والمعلوم بالنظر الجلي قريب من الأصل فلا يبعد أن يكون أقوى في النفس في بعض الأحوال من ظن العموم فالنظر فيه إلى المجتهد فإن قيل الخلاف في هذه المسألة من جنس الخلاف في القطعيات أو في المجتهدات قلنا يدل سياق كلام القاضي على أن القول في تقديم خبر الواحد على عموم الكتاب وفي تقديم القياس على العموم مما يجب القطع بخطأ المخالف فيه لأنه من مسائل الأصول وعندي أن إلحاق هذا بالمجتهدات أولى فإن الأدلة من سائر الجوانب فيه متقاربة غير بالغة مبلغ القطع
الباب الرابع في تعارض العمومين ووقت جواز الحكم بالعموم وفيه فصول الفصل الأول في التعارض اعلم أن المهم الأول معرفة محل التعارض فنقول كل ما دل العقل فيه على أحد الجانبين فليس للتعارض فيه مجال إذ الأدلة العقلية يستحيل نسخها وتكاذبها فإن ورد دليل سمي على خلاف العقل فأما لا يكون متواترا فيعلم أنه غير صحيح وإما أن يكون متواترا فيكون مؤولا ولا يكون متعارضا وأما نص متواتر لا يحتمل الخطأ والتأويل وهو على خلاف دليل العقل فذلك محال لأن دليل العقل لا يقبل النسخ والبصلان مثال ذلك المؤول في العقليات قوله تعالى خالق كل شيء الأنعام 102 إذ خرج بدليل العقل ذات القديم وصفاته وقوله وهو بكل شيء عليم البقرة 29 دل العقل على عمومه ولا يعارضه قوله تعالى قل أتنبئون الله بما لا يعلم يونس 18 إذ معناه ما لا يعلم له أصلا أي يعلم أنه لا أصل له ولا يعارضه قوله تعالى حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم محمد 31 إذا معناه أنه يعلم المجاهدة كائنة وحاصلة وفي الأزل لا يوصف علمه بتعلقه بحصول المجاهدة قبل حصولها وكذلك قوله تعالى وتخلقون إفكا العنكبوت 17 لا يعارض قوله خالق كل شيء لأن المعنى به الكذب دون الايجاد وكذلك قوله تعالى وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير المائدة 110 لأن معناه تقدر والخلق هو التقدير وكذلك قوله أحسن الخالقين المؤمنون 14 أي المقدرين وهكذا أبدا تأويل ما خالف دليل العقل أو خالف دليلا شرعا دل العقل على عمومه أما الشرعيات فإذا تعارض فيها دليلان فأما أن يستحيل الجمع أو يمكن فإن امتنع الجمع لكونهما متناقضين كقوله مثلا من بدل دينه فاقتلوه من بدل دينه فلا تقتلوه لا يصح نكاح بغير ولي يصح نكاح بغير ولي فمثل هذا لا بد أن يكون أحدهما ناسخا والآخر منسوخا فإن أشكل التاريخ فيطلب الحكم من دليل آخر ويقدر تدافع النصين فإن عجزنا عن دليل آخر فنتخير العمل بأيهما شئنا لأن الممكنات أربعة العمل بهما وهو متناقض أو اطراحهما وهو إخلاء الواقعة عن الحكم وهو متناقض أو استعمال واحد بغير مرجح وهو تحكم فلا يبقى إلا التخير الذي يجوز ورود التعبدية ابتداء فإن الله تعالى لو كلفنا واحدا بعينه لنصب عليه دليلا ولجعل لنا إليه سبيلا إذ لا يجوز تكليف بالمحال وفي التخيير بين الدليلين المتعارضين مزيد غور سنذكره في كتاب الاجتهاد عند تخير المجتهد وتحيره أما إذا أمكن الجمع بوجه ما فهو على مراتب المرتبة الأولى عام وخاص كقوله عليه السلام فيما سقت السماء العشر مع قوله لا صدقة فيما دون خمسة أوسق فقد ذكرنا من مذهب القاضي أن التعارض واقع لإمكان كون أحدهما نسخا بتقدير إرادة العموم بالعام والمختار أن يجعل بيانا ولا يقدر النسخ إلا لضرورة فإن فيه تقدير دخول ما دون النصاب تحت وجوب العشر ثم خروجه منه وذلك لا سبيل إلى إثباته بالتوهم من غير ضرورة