Qur'an&Sunnah

Gazâlî — el-Müstasfâ (usûlü'l-fıkh)

Sección V01/P207–V01/P208

الشبهة الثانية التمسك بقوله عليه السلام إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا ففوض الأمر إلى استطاعتنا ومشيئتنا وجزم في النهي طلب الانتهاء قلنا هذا اعتراف بأنه من جهة اللغة والوضع ليس للندب واستدلال بالشرع ولا يثبت مثل ذلك بخبر الواحد لو صحت دلالته كيف ولا دلالة له إذ لم يقل فافعلوا ما شئتم بل قال ما استطعتم كما قال فاتقوا الله ما استطعتم وكل إيجاب مشروط بالاستطاعة وأما قوله فانتهوا كيف دل على وجوب الانتهاء وقوله فانتهوا صيغة أمر وهو محتمل للندب شبه الصائرين إلى أنه للوجوب وجميع ما ذكرناه في إبطال مذهب الندب جار هاهنا وزيادة وهو أن الندب داخل تحت الأمر حقيقة كما قدمناه ولو حمل على الوجوب لكان مجازا في الندب وكيف يكون مجازا فيه مع وجود حقيقته إذ حقيقة الأمر ما يكون ممتثله مطيعا والممتثل مطيع بفعل الندب ولذلك إذا قيل أمرنا بكذا حسن أن يستفهم فيقال أمر إيجاب أو أمر استحباب وندب ولو قال رأيت أسدا لم يحسن أن يقال أردت سبعا أو شجاعا لأنه موضوع للسبع ويصرف إلى الشجاع بقرينة وشبههم سبع الأولى قولهم إن المأمور في اللغة والشرع جميعا يفهم وجوب المأمور به حتى لا يسبعد الذم والعقاب عند المخالفة ولا الوصف بالعصيان وهم اسم ذم ولذلك فهمت الأمة وجوب الصلاة والعبادات ووجوب السجود لآدم بقوله إسجدوا وبه يفهم العبد والولد وجوب أمر السيد والوالد قلنا هذا كله نفس الدعوى وحكاية المذهب وليس شيء من ذلك مسلما وكل ذلك علم بالقرائن فقد تكون للآمر عادة مع المأمور وعهد وتقترن به أحوال وأسباب بها يفهم الشاهد الوجوب واسم العصيان لا يسلم إطلاقه على وجه الذم إلا بعد قرينة الوجوب لكن قد يطلق لا على وجه الذم كما يقال أشرت عليك فعصيتني وخالفتني الشبهة الثانية أن الإيجاب من المهمات في المحاورات فإن لم يكن قولهم إفعل عبارة عنه فلا يبقى له اسم ومحال إهمال العرب ذلك قلنا هذا يقابله أن الندب أمر مهم فليكن إفعل عبارة عنه فإن زعموا أن دلالته قولهم ندبت وأرشدت ورغبت فدلالة الوجوب قولهم أوجبت وحتمت وفرضت وألزمت فإن زعموا أنه صيغة إخبار أو صيغة إرشاد فأين صيغة الإنشاء عورضوا بمثله في الندب ثم يبطل عليهم بالبيع والإجارة والنكاح إذ ليس لها إلا صيغة الأخبار كقولهم بعت وزوجت وقد جعله الشرع إنشاء إذ ليس لإنشائه لفظ الشبهة الثالثة أن قوله إفهل إما أن يفيد المنع أو التخيير أو الدعاء فإذا بطل التخيير والمنع تعين الدعاء والإيجاب قلنا بل يبقى قسم رابع وهو أن لا يفيد واحدا من الأقسام إلا بقرينة كالألفاظ المشتركة فإن قيل أليس قوله لا تفعل أفاد التحريم فقوله إفعل ينبغي أن يفيد الإيجاب قلنا هذا قد نقل عن الشافعي والمختار أن قوله لا تفعل متردد بين التنزيه والتحريم كقوله إفعل ولو صح ذلك في النهي لما جاز قياس الأمر عليه فإن اللغة تثبت نقلا لا قياسا فهذه شبههم اللغوية والعقلية

Sección V01/P208

أما الشبهة الشرعية فهي أقرب فإنه لو دل دليل الشرع على أن الأمر للوجوب لحملناه على الوجوب لكن لا دليل عليه وإنما الشبهة الأولى قولهم نسلم أن اللغة والعقل لا يدل على تخصيص الأمر بالوجوب لكن يدل عليه من جهة الكتاب قوله تعال الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا النساء 59 ثم قال فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم النور وهذا لا حجة فيه لأن الخلاف في قوله النساء قائم أنه للندب أو الوجوب وقوله عليه ما حمل وعليكم ما حملتم النور 54 أي كل واحد عليه ما حمل من التبليغ والقبول وهذا إن كان معناه التهديد والنسبة إلى الأعراض عن الرسول عليه السلام فهو دليل على أنه أراد به الطاعة في أصل الإيمان وهو على الوجوب بالاتفاق وغاية هذا اللفظ عموم فنخصه بالأوامر التي هي على الوجوب وكل ما يتمسك به من الآيات من هذا الجنس فهي صيغ أمر يقع النزاع في أنه للندب أم لا فإن اقترن بذكر وعيد فيكون قرينة دالة على وجوب ذلك الأمر خاصة فإن كان أمرا عاما يحمل على الأمر بأصل الدين وما عرف بالدليل أنه على الوجوب وبه يعرف الجواب عن قوله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه الحشر 7 وقوله تعالى وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون المرسلات 48 وقوله تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم النساء 65 فكل ذلك أمر بتصديقه ونهى عن الشك في قوله وأمر بالانقياد في الإتيان بما أوجبه الشبهة الثانية تمسكهم بقوله فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم النور 63 قلنا تدعون أنه نص في كل أمر أو عام ولا سبيل إلى دعوى النص وإن ادعيتم العموم فقد لا نقول بالعموم ونتوقف في صيغته كما نتوقف في صيغة الأمر أو نخصصه بالأمر بالدخول في دينه بدليل أن ندبه أيضا أمره ومن خالف عن أمره في قوله تعالى فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا النور 33 وقوله واستشهدوا شهيدين البقرة 282 وأمثاله لا يتعرض للعقاب ثم نقول هذا نهي عن المخالفة وأمر بالموافقة أي يؤتى به على وجهه إن كان واجبا فواجبا وإن كان ندبا فندبا والكلام في صيغة الإيجاب لا في الموافقة والمخالفة ثم لا تدل الآية إلا على وجوب أمر الرسول عليه السلام فأين الدليل على وجوب أمر الله تعالى

Sección V01/P208–V01/P209

الشبهة الثالثة تمسكهم من جهة السنة بأخبار آحاد لو كانت صريحة صحيحة لم يثبت بها مثل هذا الأصل وليس شيء منها صريحا فمنها قوله عليه السلام لبريرة وقد عتقت تحت عبد وكرهته لو راجعتيه فقالت بأمرك يا رسول الله فقال لا إنما أنا شافع فقالت لا حاجة لي فيه فقد علمت أنه لو كان أمرا لوجب وكذلك عقلت الأمة قلنا هذا وضع على بريرة وتوهم فليس في قولها إلا استفهام أنه أمر شرعي من جهة الله تعالى حتى تطيع طلبا للثواب أو شفاعة لسبب الزوج حتى تؤثر غرض نفسها عليه فإن قيل شفاعة الرسول عليه السلام أيضا مندوب إلى إجابتها وفيها ثواب قلنا وكيف قالت لا حاجة لي فيه والمسلم يحتاج إلى الثواب فلا يقول ذلك لكنها اعتقدت أن الثواب في طاعته في الأمر الصادر عن الله تعالى وفيما هو لله لا فيما يتعلق بالاغراض الدنيوية أو علمت أن ذلك في الدرجة دون ما ندبت إليه فاستفهمت أو أفهمت بالقرينة أنها شكت في الوجوب فعبرت بالأمر عن الوجوب فأفهمت ومنها قوله عليه السلام لولا أني أخاف أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة فدل على أنه للوجوب وإلا فهو مندوب قلنا لما كان حثهم على السواك ندبا قبل ذلك أفهم أنه أراد بالأمر ما هو شاق أو كان قد أوحي إليه أنك لو أمرتهم بقولك استاكوا لأوجبنا ذلك عليهم فعلمنا أن ذلك يجب بإيجاب الله تعالى عند إطلاقه صيغة الأمر ومنها قوله عليه السلام لأبي سعيد الخدري لما دعاه وهو في الصلاة فلم يجبه أما سمعت الله تعالى يقول استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم الأنفال 24 فكان هذا التوبيخ على مخالفة أمره قلنا لم يصدر منه أمر بل مجرد نداء وكان قد عرفهم بالقرائن تفهيما ضروريا وجوب التعظيم له وأن ترك جواب النداء تهاون وتحقير بأمره بدليل أنه كان في الصلاة وإتمام الصلاة واجب ومجرد النداء لا يدل على ترك واجب بل يجب تركه بما هو أوجب منه كما يجب ترك الصلاة لانقاذ الغرقى ومجرد النداء لا يدل عليه ومنها قول الأقرع بن حابس أحجنا هذا لعامنا هذا أم للأبد فقال عليه السلام للأبد ولو قلت نعم لوجب فدل على أن جميع أوامره للإيجاب قلنا قد كان عرف وجوب الحج بقوله تعالى ولله على الناس حج البيت آل عمران 97 وبأمور أخر صريحة لكن شك في أن الأمر للتكرار أو للمرة الواحدة فإنه متردد بينهما ولو عين الرسول عليه السلام أحدهما لتعين وصار متعينا في حقنا ببيانه فمعنى قوله لو قلت نعم لوجب أي لو عينت لتعين

Sección V01/P209–V01/P210

الشبهة الرابعة من جهة الاجماع زعموا أن الأمة لم تزل في جميع الأعصار ترجع في إيجاب العبادات وتحريم المحظورات إلى الأوامر والنواهي كقوله وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة البقرة 43 وقاتلوا المشركين كافة التوبة 36 وقوله ذلك الإسراء 32 لا تأكلوا الربا آل عمران 130 ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم النساء 2 ولا تقتلوا أنفسكم النساء 29 ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم النساء 22 وأمثاله والجواب أن هذا وضع وتقول على الأمة ونسبه لهم إلى الخطأ ويجب تنزيههم عنه نعم يجوز أن يصدر ذلك من طائفة ظنوا أن ظاهر الأمر للوجوب وإنما فهم المحصلون وهم الأقلون ذلك من القرائن والأدلة بدليل أنهم قطعوا بوجوب الصلاة وتحريم الزنا والأمر محتمل للندب وإن لم يكن موضوعا له والنهي يحتمل التنزيه وكيف قطعوا مع الاحتمال لولا أدلة قاطعة وما قولهم إلا كقول من يقول الأمر للندب بالاجماع لأنهم حكموا بالندب في الكتابة والاستشهاد وأمثاله لصيغة الأمر والأوامر التي حملتها الأمة على الندب أكثر فإن النوافل والسنن والآداب أكثر من الفرائض إذا ما من فريضة إلا ويتعلق بها وبإتمامها وبآدابها سنن كثيرة أو نقول هي للإباحة بدليل حكمهم بالإباحة في قوله فاصطادوا المائدة 2 وقوله فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض الجمعة 10 وإن كان ذلك للقرائن فكذلك الوجوب فإن قيل وما تلك القرائن قلنا أما في الصلاة فمثل قوله تعالى إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا النساء 103 وما ورد من التهديدات في ترك الصلاة وما ورد من تكليف الصلاة في حال شدة الخوف والمرض إلى غير ذلك وأما الزكاة فقد اقترن بقوله تعالى وآتوا الزكاة البقرة 43 وقوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله التوبة 34 إلى قوله فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم التوبة 35 وأما الصوم فقوله كتب عليكم الصيام البقرة 183 وقوله أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى لذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون البقرة 184 وإيجاب تداركه على الحائض وكذلك الزنا والقتل ورد فيهما تهديدات ودلالات تواردت على طول مدة النبوة لا تحصى فلذلك قطعوا به لا بمجرد الأمر الذي منتهاه أن يكون ظاهرا فيتطرق إليه الاحتمال مسألة ( هل بعد انتهاء الخطر فيه إباحة ) فإن قال قائل قوله افعل بعد الحظر ما موجبه وهل لتقدم الحظر تأثير قلنا قال قوم لا تأثير لتقدم الحظر أصلا وقال قوم هي قرينة تصرفها إلى الإباحة والمختار أنه ينتظر فإن كان الحظر السابق عارضا لعلة وعلقت صيغة افعل بزواله كقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا المائدة 2 فعرف الاستعمال يدل على أنه لرفع الذم فقط حتى يرجع حكمه إلى ما قبله وإن احتمل أن يكون رفع هذا الحظر بندب وإباحة لكن الأغلب ما ذكرناه كقوله فانتشروا الجمعة 10 وكقوله عليه السلام كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فادخروا أما إذا لم يكن الحظر عارضا لعلة ولا صيغة افعل علق بزوالها فيبقى موجب الصيغة على أصل التردد بين الندب والإباحة ونزيح هاهنا احتمال الإباحة ويكون هذا قرينة تزيح هذا الاحتمال وإن لم تعينه إذ لا يمكن دعوى عرف الاستعمال في هذه الصيغة حتى يغلب العرف الوضع أما إذا لم ترد صيغة افعل لكن قال وإذا حللتم المائدة 2 فأنتم مأمورون بالاصطياد فهذا يحتمل الوجوب والندب ولا يحتمل الإباحة لأنه عرف في هذه الصورة وقوله أمرتكم بكذا يضاهي قوله افعل في جميع المواضع إلا في هذه الصورة وما يقرب منها النظر الثالث في موجب الأمر ومقتضاه في موجب الأمر ومقتضاه بالإضافة إلى الفور والتراخي والتكرار وغيره ولا يتعلق هذا النظر بصيغة مخصوصة بل يجري في قوله افعل كان للندب أو للوجوب وفي قوله أمرتكم وأنتم مأمورون وفي كل دليل يدل على الأمر بالشيء إشارة كانت أو لفظا أو قرينة أخرى لكنا نتكلم في مقتضى قوله افعل ليقاس عليه غيره ونرسم فيه مسائل مسألة ( أحكام الأمر )

Sección V01/P210–V01/P211

قوله صم كما أنه في نفسه يتردد بين الوجوب والندب فهو بالإضافة إلى الزمان يتردد بين الفور والتراخي وبالإضافة إلى المقدار يتردد بين المرة الواحدة واستغراق العمر وقد قال قوم هو للمرة ويحتمل التكرار وقال قوم هو للتكرار والمختار أن المرة الواحدة معلومة وحصول براءة الذمة بمجردها مختلف فيه واللفظ بوضعه ليس فيه دلالة على نفي الزيادة ولا على إثباتها وقياس مذهب الواقفية التوقف فيه لتردد اللفظ كتردده بين الوجوب والندب لكني أقول ليس هذا ترددا في نفس اللفظ على نحو تردد المشترك بل اللفظ خال عن التعرض لكمية المأمور به لكن يحتمل الإتمام ببيان الكمية كما أنه يحتمل أن نتممه بسبع مرات أو خمس وليس في نفس اللفظ تعرض للعدد ولا هو موضوع لآحاد الأعداد وضع اللفظ المشترك وكما أن قوله أقتل إذا لم يقل أقتل زيدا أو عمرا فهو دون زيادة كلام ناقص فإتمامه بلفظ دال على تلك الزيادة لا بمعنى البيان فإن قيل بين مسألتنا وبين القتل فرق فإن قوله اقتل كلام ناقص لا يمكن امتثاله وقوله صم كلام تام مفهوم يمكن امتثاله قلنا يحتمل أن يقال يصير ممتثلا بقتل أي شخص كان بمجرد قوله أقتل كما يصير ممتثلا بصوم أي يوم كان إذا قال صم يوما بلا فرق ويكون قوله أقتل كقوله أقتل شخصا لأن الشخص القتيل من ضرورة القتل وإن لم يذكر كما أن اليوم من ضرورة الصوم وإن لم يصرح به فيتحصل من هذا أنه تبرأ ذمته بالمرة الواحدة لأن وجوبها معلوم والزيادة لا دليل على وجوبها إذ لم يتعرض اللفظ لها فصار كما قبل قوله صم وكنا لا نشك في نفي الوجوب بل نقطع بانتفائه وقوله صم دال على القطع في يوم واحد فبقي الزائد على ما كان هذا هو الظاهر من مطلق اللفظ المجرد عن الكمية ويعتضد هذا باليمين فإنه لو قال والله لأصومن لبر بيوم واحد ولو قال لله علي صوم لتفصى عن عهدة النذر بيوم واحد لأن الزائد لم يتعرض له فإن قيل فلو فسر التكرار بصوم العمر فقد فسره بمحتمل أو كان ذلك الحاق زيادة كما لو قال أردت بقولي اقتل أي أقتل زيدا وبقولي صم أي صم يوم السبت خاصة فإن هذا تفسير بما لا يحتمله اللفظ بل ليس تفسيرا إنما ذكر زيادة لم يذكرها ولم يوضع اللفظ المذكور لها لا بالإشتراك ولا بالتجوز ولا بالتنصيص

Sección V01/P211–V01/P212

قلنا هذا فيه نظر والأظهر عندنا أنه إن فسره بعدد مخصوص كتسعة أو عشرة فهو إتمام بزيادة وليس بتفسير إذ اللفظ لا يصلح للدلالة على تكرر وعدد وإن أراد إستغراق العمر فقد أراد كلية الصوم في حقه وكأن كلية الصوم شيء فرد أذله حد واحد وحقيقة واحدة فهو واحد بالنوع كما أن اليوم الواحد واحد بالعدد واللفظ يحتمله ويكون ذلك بيانا للمراد لا استئناف زيادة ولهذا لو قال أنت طالق ولم يخطر بباله عدد كانت الطلقة الواحدة ضرورة لفظه فيقتصر عليها ولو نوى الثلاثة بعد لأنه كلية الطلاق فهو كالواحد بالجنس أو النوع ولو نوى طلقتين فالأغوص ما قاله أبو حنيفة وهو أنه لا يحتمله ووجه مذهب الشافعي قد تكلفناه في كتاب المبادىء والغايات فإن قيل الزيادة التي هي كالمتممة لا تبعد إرادتها في اللفظ فلو قال طلقت زوجتي وله أربع نسوة وقال أردت زينب بنيتي وقع الطلاق من وقت اللفظ ولولا احتماله لوقع من وقت التعيين قلنا الفرق أغوص لأن قوله زوجتي مشترك بين الأربع يصلح لكل واحدة فهو كإدارة إحدى المسميات بالمشترك أما الطلاق فموضوع لمعنى لا يتعرض للعدد والصوم موضوع لمعنى لا يتعرض للسبعة والعشرة وليست الأعداد موجودات فيكون اسم الصوم مشتركا بينهما اشتراك اسم الزوجة بين النسوة الزوجات شبه المخالفين ثلاث الشبهة الأولى قولهم قوله فاقتلوا المشركين التوبة 5 يعم قتل كل مشرك فقوله صم وصل ينبغي أن يعم كل زمان لأن إضافته إلى جميع الأزمان واحد كإضافة لفظ المشترك إلى جميع الأشخاص قلنا إن سلمنا صيغة العموم فليس هذا نظيرا له بل نظيره أن يقال صم الأيام وصل في الأوقات أما مجرد قوله صم فلا يتعرض للزمان لا بعموم ولا بخصوص لكن الزمان من ضرورته كالمكان ولا يجب عموم الأماكن بالفعل وإن كان نسبة الفعل إلى كل مكان على وتيرة واحدة وكذلك الزمان الشبة الثانية قولهم إن قوله صم كقوله لا تصم وموجب النهي ترك الصوم أبدا فليكن موجب الأمر فعل الصوم أبدا وتحقيقه أن الأمر بالشيء نهي عن ضده فقوله قم وقوله لا تقعد واحد وقوله تحرك وقوله لا تسكن واحد ولو قال لا تسكن لزمت الحركة دائما فقوله تحرك تضمن قوله لا تسكن قلنا أما قولكم أن الأمر بالشيء نهي عن ضده فقد أبطلناه في القطب الأول وإن سلمنا فعموم النهي الذي هو ضمن بحسب الأمر المتضمن لأنه تابع له فلو قال تحرك مرة واحدة كان السكون المنهي عنه مقصورا على المرة وقوله تحرك كقوله تحرك مرة واحدة كما سبق تقريره وأما قياسهم الأمر على النهي فباطل من خمسة أوجه الأول أن القياس باطل في اللغات لأنها تثبت توقيفا الثاني أنا لا نسلم في النهي لزوم الانتهاء مطلقا بمجرد اللفظ بل لو قيل للصائم لا تصم يجوز أن تقول نهاني عن صوم هذا اليوم أو عن الصوم أبدا فيستفسر بل التصريح أن يقول لا تصم أبدا ولا تصم يوما واحدا فإذا اقتصر على قوله لا تصم فانتهى يوما واحدا جاز أن يقال قضى حق النهي ولا يغنيهم عن هذا الاسترواح إلى المناهي الشرعية والعرفية وحملها على الدوام فإن هذا القائل يقول عرفت ذلك بأدلة أفادت علما ضروريا بأن الشرع يريد عدم الزنا والسرقة وسائر الفواحش مطلقا وفي كل حال لا بمجرد صيغة النهي وهذا كما أنا نوجب الأيمان دائما لا بمجرد قوله آمنوا لكن الأدلة دلت على أن دوام الأيمان مقصود الثالث أنا نفرق ولعله الأصح فنقول إن الأمر يدل على أن المأمور ينبغي أن يوجد مطلقا والنهي يدل على أنه ينبغي أن لا يوجد مطلقا والنفي المطلق يعم والوجود المطلق لا يعم فكل ما وجد مرة فقد وجد مطلقا وما انتفى مرة فما انتفى مطلقا ولذلك إذا قال في اليمين لأفعلن بر بمرة ولو قال لا أفعل حنث بمرة ومن قال لأصومن صدق وعده بمرة ومن قال لا أصوم كان كاذبا مهما صام مرة

Sección V01/P212–V01/P214

الرابع أنه لو حمل الأمر على التكرار لتعطلت الأشغال كلها وحمل النهي على التكرار لا يفضي إليه إذ يمكن الانتهاء في حال واحدة عن أشياء كثيرة مع الإشتغال بشغل ليس ضد المنهي عنه وهذا فاسد لأنه تفسير للغة بما يرجع إلى المشقة والتعذر ولو قال افعل دائما لم يتغير موجب اللفظ بتعذره وإن كان التعذر هو المانع فليقتصر على ما يطاق ويشق دون ما يتيسر الخامس أن النهي يقتضي قبح المنهي عنه ويجب الكف عن القبيح كله والأمر يقتضي الحسن ولا يجب الإتيان بالحسن كله وهذا أيضا فاسد فإن الأمر والنهي لا يدلان على الحسن والقبح فإن الأمر بالقبيح تسميه العرب أمرا فتقول أمر بالقبيح وما كان ينبغي أن يأمر به وأما الأمر الشرعي فقد ثبت أنه لا يدل على الحسن ولا النهي على القبح فإنه لا معنى للحسن والقبح بالإضافة إلى ذوات الأشياء بل الحسن ما أمر به والقبيح ما نهى عنه فيكون الحسن والقبح تابعا للأمر والنهي لا علة ولا متبوعا الشبهة الثالثة أن أوامر الشرع في الصوم والصلاة والزكاة حملت على التكرار فتدل على أنه موضوع له قلنا وقد حمل في الحج على الاتحاد فليدل على أنه موضوع له فإن كان ذلك بدليل فكذلك هذا بدليل وقرائن بل بصرائح سوى مجرد الأمر وقد أجاب قوم عن هذا بأن القرينة فيه إضافتها إلى أسباب وشروط وكل ما أضيف إلى شر وتكرر الشرط تكرر الوجوب وسنبين ذلك في المسألة الثانية مسألة ( تكرار الأمر المضاف لشرط ) اختلف الصائرون إلى أن الأمر ليس للتكرار في الأمر المضاف إلى شرط فقال قوم لا أثر للإضافة وقال قوم يتكرر بتكرر الشرط والمختار أنه لا أثر للشرط لأن قوله اضربه أمر ليس يقتضي التكرار فقوله اضربه إن كان قائما أو إذا كان قائما لا يقتضيه أيضا بل لا يريد إلا اختصاص الضرب الذي يقتضيه الإطلاق بحالة للقيام وهو كقوله لوكيله طلق زوجتي إن دخلت الدار لا يقتضي التكرار بتكرر الدخول بل لو قال إن دخلت الدار فأنت طالق لم يتكرر بتكرر الدخول إلا أن يقول كلما دخلت الدار وكذلك قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه البقرة 185 وإذا زالت الشمس فصل قوله لزوجاته فمن شهد منكن الشهر فهي طالق ومن زالت عليها الشمس فهي طالق ولهم شبهتان الأولى أن الحكم يتكرر بتكرر العلة والشرط كالعلة فإن علل الشرع علامات قلنا العلة إن كانت عقلية فهي موجبة لذاتها ولا يعقل وجود ذاتها دون المعلول وإن كانت شرعية فلسنا نسلم تكرر الحكم بمجرد إضافة الحكم إلى العلة ما لم تقترن به قرينة أخرى وهو التعبد بالقياس ومعنى التعبد بالقياس الأمر باتباع العلة وكأن الشرع يقول الحكم يثبت بها فاتبعوها الشبهة الثانية إن أوامر الشرع إنما تتكرر بتكرر الأسباب كقوله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا المائدة 6 و إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا المائدة 6 قلنا ليس ذلك بموجب اللغة ومجرد الإضافة بل بدليل شرعي في كل شرط فقد قال تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا آل عمران 97 ولا يتكرر الوجوب بتكرر الاستطاعة فإن أحالوا ذلك على الدليل أحلنا ما يتكرر أيضا على الدليل كيف ومن قام إلى الصلاة غير محدث فلا يتكرر عليه ومن كان جنبا فليس عليه أن يتطهر إذا لم يرد الصلاة فلم يتكرر مطلقا لكن اتبع فيه موجب الدليل مسألة ( هل الأمر على الفور أم لا )

Sección V01/P214–V01/P215

مطلق الأمر يقتضي الفور عند قوم ولا يقتضيه عند قوم وتوقف فيه من الواقفية قوم ثم منهم من قال التوقف في المؤخر هل هو ممتثل أم لا أما المبادر فممتثل قطعا ومنهم من غلا وقال يتوقف في المبادر أيضا والمختار أنه لا يقتضي إلا الامتثال ويستوي فيه البدار والتأخير وندل على بطلان الوقف أولا فنقول للمتوقف المبادر ممتثل أم لا فإن توقفت فقد خالفت إجماع الأمة قبلك فإنهم متفقون على أن المسارع إلى الامتثال مبالغ في الطاعة مستوجب جميل الثناء والمأمور إذا قيل له قم فقام يعلم نفسه ممتثلا ولا يعد به مخطئا باتفاق أهل اللغة قبل ورود الشرع وقد أثنى الله تعالى على المسارعين فقال عز من قائل وسارعوا إلى مغفرة من ربكم آل عمران 133 وقال أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون المؤمنون وإذا بطل هذا التوقف فنقول لا معنى للتوقف في المؤخر لأن قوله اغسل هذا الثوب مثلا لا يقتضي إلا طلب الغسل والزمان من ضرورة الغسل كالمكان وكالشخص في القتل والضرب والسوط والسيف في الضرب ثم لا يقتضي الأمر بالضرب مضروبا مخصوصا ولا سوطا ولا مكانا للأمر فكذلك الزمان لأن اللافظ ساكت عن التعرض للزمان والمكان فهما سيان ويعتضد هذا بطريق ضرب المثال لا بطريق القياس بصدق الوعد إذا قال أغسل وأقتل فإنه صادق بادر أو أخر ولو حلف لأدخلن الدار لم يلزمه البدار وتحقيقه أن مدعي الفور متحكم وهو محتاج إلى أن ينقل عن أهل اللغة أن قولهم افعل للبدار ولا سبيل إلى نقل ذلك لا تواترا ولا آحادا ولهم شبهتان الأولى أن الأمر للوجوب وفي تجويز التأخير ما ينافي الوجوب إما بالتوسع وإما بالتخيير في فعل لا بعينه من جملة الأفعال الواقعة في الأوقات والتوسع والتخيير كلاهما يناقض الوجوب قلنا قد بينا في القطب الأول أن الواجب المخير والموسع جائز ويدل عليه أنه لو صرح وقال اغسل الثوب أي وقت شئت فقد أوجبته عليك لم يتناقض ثم لا نسلم أن الأمر للوجوب ولو كان للوجوب أما بنفسه أو بقرينة فالتوسع لا ينافيه كما سبق الشبهة الثانية أن الأمر يقتضي وجوب الفعل واعتقاد الوجوب والعزم على الامتثال ثم وجوب الإعتقاد والعزم على الفور فليكن كذلك الفعل قلنا القياس باطل في اللغات ثم هو منقوض بقوله افعل أي وقت شئت فإن الإعتقاد والعزم فيه على الفور دون الفعل ثم نقول وجوب الفور في العزم والاعتقاد معلوم بقرينة وأدلة دلت على التصديق للشارع والعزم على الانقياد له ولم يحصل ذلك بمجرد الصيغة مسألة ( قضاء العبادات ) مذهب بعض الفقهاء أن وجوب القضاء لا يفتقر إلى أمر مجدد ومذهب المحصلين أن الأمر بعبادة في وقت لا يقتضي القضاء لأن تخصيص العبادة بوقت الزوال أو شهر رمضان كتخصيص الحج بعرفات وتخصيص الزكاة بالمساكين وتخصيص الضرب والقتل بشخص وتخصيص الصلاة بالقبلة فلا فرق بين الزمان والمكان والشخص فإن جميع ذلك تقييد للمأمور بصفة والعاري عن تلك الصفة لا يتناوله اللفظ بل يبقى على ما كان قبل الأمر فإن قيل الوقت للعبادة كالأجل للدين فكما لا يسقط الدين بانقضاء الأجل لا تسقط الصلاة الواجبة في الذمة بانقضاء المدة قلنا مثال الأجل الحول في الزكاة لا جرم لا تسقط الزكاة بانقضائه لأن الأجل مهلة لتأخير المطالبة حتى ينجز بعد المدة وأما الوقت فقد صار وصفا للواجب كالمكان والشخص ومن أوجب عليه شيء بصفة فإذا أتى به لا على تلك الصفة لم يكن ممتثلا نعم يجب القضاء في الشرع إما بنص كقوله من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها أو بقياس فإنا نقيس الصوم إذا نسيه على الصلاة إذا نسيها ونراه في معناها ولا نقيس عليه الجمعة ولا الأضحية فإنهما لا يقضيان في غير وقتهما وفي رمي الجمار تردد أنه بأي الأصلين أشبه ولا نقيس صلاة الحائض على صومها في القضاء لفرق النص ولا نقيس صلاة الكافر وزكاته على صلاة المرتد وإن تساويا في أصل الأمر والوجوب عندها مسألة ( في موضوع القضاء أيضا )

Sección V01/P215–V01/P216

ذهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر يقتضي وقوع الأجزاء بالمأمور به إذا امتثل وقال بعض المتكلمين لا يدل على الأجزاء لا بمعنى أنه لا يدل على كونه طاعة وقربة وسبب ثواب وامتثالا لكن بمعنى أنه لا يمنع الامتثال من وجوب القضاء ولا يلزم حصول الأجزاء بالأداء بدليل أن من أفسد حجه فهو مأمور بالإتمام ولا يجزئه بل يلزمه القضاء ومن ظن أنه متطهر فهو مأمور بالصلاة وممتثل إذا صلى ومطيع ومتقرب ويلزمه القضاء فلا يمكن إنكار كونه مأمورا ولا إنكار كونه ممتثلا حتى يسقط العقاب ولا إنكار كونه مأمورا بالقضاء فهذه أمور مقطوع بها والصواب عندنا أن نفصل ونقول إذا ثبت أن القضاء يجب بأمر متجدد وأنه مثل الواجب الأول فالأمر بالشىء لا يمنع إيجاب مثله بعد الامتثال وهذا لا شك فيه ولكن ذلك المثل إنما يسمى قضاء إذا كان فيه تدارك لفائت من أصل العبادة أو وصفها وإن لم يكن فوات وخلل استحال تسميته قضاء فنقول الأمر يدل على أجزاء المأمور إذا أدى بكمال وصفه وشرطه من غير خلل وإن تطرق إليه خلل كما في الحج الفاسد والصلاة على غير الطهارة فلا يدل الأمر على أجزائه بمعنى منع إيجاب القضاء فإن قيل فالذي ظن أنه متطهر مأمور بالصلاة على تلك الحالة أو مأمور بالطهارة فإن كان مأمور بالطهارة مع تنجز الصلاة فينبغي أن يكون عاصيا وإن كان مأمورا بالصلاة على حالته فقد امتثل من غير خلل فبم عقل إيجاب القضاء وكذلك المأمور بإتمام الحج الفاسد أتم كما أمر قلنا هذا مأمور بالصلاة مع الخلل بضرورة نسيانه فقد أتى بصلاة مختلة فاقدة شرطها لضرورة حاله فعقل الأمر لتدارك الخلل أما إذا لم يكن الخلل لا عن قصد ولا عن نسيان فلا تدارك فيه فلا يعقل إيجاب قضائه وهو المعني بأجزائه وكذلك مفسد الحج مأمور بحج خال عن فساد وقد فوت على نفسه ذلك فيقضيه مسألة ( دليل الأمر ) الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرا بالشيء ما لم يدل عليه دليل مثاله قوله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام خذ من أموالهم صدقة تطهرهم التوبة 103 لا يدل على وجوب الأداء بمجرده على الأمة وربما ظن ظان أنه يدل على الوجوب وليس الأمر كذلك لكن دل الشرع على أن أمر النبي عليه الصلاة والسلام واجب الطاعة وأنهم لو كانوا مأذونين في المنع لكان ذلك تحقيرا للنبي عليه السلام وتنفيرا للأمة عنه وذلك يغض من قدره ويشوش مقصود الشرع وإلا فلا يستحيل أن يقال للزوج الشافعي إذا قال لزوجته أنت بائن علي نية الطلاق راجعها وطالبها بالوطء ويقال للحنفية التي ترى أنها بائنة يجب عليك المنع ويقال للولي الذي يرى أن لطفله على طل غيره شيئا أطلبه ويقال للمدعي عليه إذا عرف أنه لا شيء على طفله لا تعطه ومانعه ويقول السيد لأحد العبدين أوجبت عليك أن تأمر العبد الآخر ويقول للآخر أوجبت عليك العصيان له وبهذا تعرف أن قوله عليه السلام مروهم بالصلاة لسبع ليس خطابا من الشرع مع الصبي ولا إيجابا عليه مع أن الأمر واجب على الولي فإن قيل فلو قال للنبي أوجبت عليك أن توجب على الأمة وقال للأمة أوجبت عليكم خلافه قلنا ذلك يدل على أن الواجب على النبي أن يقول أوجبت لا على حقيقة الإيجاب فإن أراد حقيقة الإيجاب فهو متناقض بخلاف قوله 9 خذ من أموالهم صدقة التوبة 103 فإن ذلك لا يناقضه أمرهم بالمنع فإن قيل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب والتسلم لا يتم إلا بالتسليم قلنا لا يجب التسلم بل يجب الطلب فقط ثم إن وجب التسلم فذلك يتم بالتسليم المحرم وإنما يناقض التسلم أنتفاء التسليم في نفسه لانتفاء علته وحكمه وبالجملة كما أن من أمر زيدا بضرب عمرو فلا يطلب من عمرو شيئا فكذلك إذا أمره يأمر عمرا فلا يطلب من عمرو شيئا مسألة ( خطاب الجماعة بالأمر )

Sección V01/P216–V01/P217

ظاهر الخطاب مع جماعة بالأمر يقتضي وجوبه على كل واحد إلا أن يدل دليل على سقوط الفرض عن الجميع بفعل واحد أو يرد الخطاب بلفظ لا يعم الجميع كقوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر آل عمران 104 كقوله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين التوبة 122 فإن هذا لا يدل على الوجوب في حق كل واحد على التعيين فإن قيل فما حقيقة فرض الكفاية أهو فرض على الجميع ثم يسقط الفرض بفعل البعض أو هو فرض على واحد لا بعينه أي واحد كان كالواجب المخير في خصال الكفارة أو هو واجب على من حضر وتعين أعني حضر الجنازة أو المنكر أما من لم يتعين فهو ندب في حقه قلنا الصحيح من هذه الأقسام الأول وهو عموم الفرضية فإن سقوط الفرض دون الأداء يمكن إما بالنسخ أو بسبب آخر ويدل عليه أنهم لو فعلوا بأجمعهم نال كل واحد منهم ثواب الفرض وإن امتنعوا عم الحرج الجميع ولو خلا بعضهم عن الوجوب لا نفك عن الإثم أما الإيجاب على واحد لا بعينه فمحال لأن المكلف ينبغي أن يعلم أنه مكلف وإذا أبهم الوجوب تعذر الامتثال كما حققناه في بيان الواجب المخير مسألة ( متى يعلم الأمر والامتثال ) ذهبت المعتزلة إلى أن المأمور لا يعلم كونه مأمورا قبل التمكن من الامتثال وذهب القاضي وجماهير أهل الحق إلى أنه يعلم ذلك وفي تفهيم حقيقة المسألة غموض وسبيل كشف الغطاء عنه أن نقول إنما يعلم المأمور كونه مأمورا مهما كان مأمورا لأن العلم يتبع المعلوم وإنما يكون مأمورا إذا توجه الأمر عليه ولا خلاف أنه يتصور أن يقول السيد لعبده صم غدا وأن هذا أمر محقق ناجز في الحال وإن كان مشروطا ببقاء العبد إلى غد ولكن اتفقت المعتزلة على أن الأمر المقيد بالشرط أمر حاصل ناجز في الحال لكن يشترط أن يكون تحقق الشرط مجهولا عند الآمر والمأمور أما إذا كان معلوما فلا فإنه لو قال صم إن صعدت إلى السماء أو إن عشت ألف سنة فليس هذا بأمر أي هذه الصيغة ليست عبارة عن حقيقة المعنى الذي يقوم بالنفس ويسمى أمرا أي هذه الصيغة ليست عبارة عن حقيقة المعنى الذي يقوم بالنفس ويسمى أمرا ولو قال صم إن كان العالم مخلوقا أو كان الله موجودا فهذا أمر ولكن ليس بمقيد بشرط وليس هذا من الشرط في شيء فإن الشرط هو الذي يمكن أن يوجد ولا يوجد فلما كان العلم بوجود الشرط أو عدمه منافيا وجود الأمر المقيد بالشرط زعموا أن الله عالم بعواقب الأمر فالشرط في أمره محال ونحن نسلم أن جهل المأمور شرط أما جهل الآمر فليس بشرط حتى لو علم السيد بقول نبي صادق أن عبده يموت قبل رمضان فيتصور أن يأمره بصوم رمضان مهما جهل العبد ذلك وربما كان له فيه لطف يدعوه إلى الطاعات ويزجره عن المعاصي وربما كان لطفا لغير المأمور بحث أو زجر وربما كان امتحانا له ليشتغل بالاستعداد فيثاب على العزم على الامتثال ويعاقب على العزم على الترك والمعتزلة أحالوا ذلك وقالوا إذا شهد العبد هلال رمضان توجه عليه الأمر بحكم قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه البقرة 185 لكن ذلك بناء على ظن البقاء ودوام القدرة فإن الحياة والقدرة شرط في التكليف فإذا مات في منتصف الشهر تبينا أنه كان مأمورا بالنصف الأول وأنه لم يكن مأمورا بالنصف الثاني ويدلك على بطلان مذهبهم مسالك المسلك الأول أن الأمة مجمعة قبل ظهور المعتزلة أن الصبي كما يبلغ يجب عليه أن يعلم ويعتقد كونه مأمورا بشرائع الإسلام منهيا عن الزنا والسرقة والقتل في الحال وإن لم يحضره وقت صلاة ولا زكاة ولا حضر من يمكن قتله والزنا به ولا حضر مال تمكن سرقته ولكن يعلم نفسه مأمورا منهيا بشرط التمكن لأنه جاهل بعواقب أمره وعلمه بأن الله تعالى عالم بها لا يدفع عنه وجوب هذا الإعتقاد

Sección V01/P217–V01/P218

المسلك الثاني أن الأمة مجمعة على أن من عزم على ترك ما ليس منهيا عنه فليس بمتقرب إلى الله تعالى ومن عزم على ترك المنهيات والإتيان بالمأمورات كان متقربا إلى الله تعالى وإن احتمل أن لا يكون مأمورا أو منهيا لعلم الله بأنه لا يساعده التمكن فينبغي أن نشك في كونه متقربا ونتوقف ونقول إن مت بعد هذا العزم وقبل التمكن فلا ثواب لك لأنه لا تقرب منك وإن عشت وتمكنت تبينا عند ذلك كونك متقربا وهذا خلاف الإجماع المسلك الثالث إجماع الأمة على أن صلاة الفرض لا تصح إلا بنية الفرضية ولا يعقل تثبيت نية الفرضية إلا بعد معرفة الفرضية والعبد ينوي في أول وقت الصلاة فرض الظهر وربما يموت في أثناء وقت الصلاة فيتبين عند المعتزلة أنه لم يكن فرضا فليكن شاكا في الفرضية وعند ذلك تمتنع النية فإن النية قصد لا يتوجه إلا إلى معلوم فإن قيل إن نوى فرضية أربع ركعات فلو مات بعد ركعتين يعلم أنه لم تكن إلا ربع فريضة وهو مجوز للموت فكيف ينوي فرض ما هو شاك فيه قلنا ليس شاكا فيه بل هو قاطع بأن الأربع فرض بشرط البقاء فالأمر بالشرط أمر في الحال وليس بمعلق والفرض بالشرط فرض أي أنه مأمور أمر إيجاب من عزم عليه يثاب ثواب من عزم على واجب وإذا قال السيد لعبده صم غدا فهو أمر في الحال يصوم في الغد لا أنه أمر في الغد وإذا قال له أوجبت عليك بشرط بقائك وقدرتك فهو موجب في الحال لكن إيجابا بشرط فهكذا ينبغي أن تفهم حقيقة هذه المسألة وكذلك إذا قال لوكيله بع داري غدا فهو موكل وآمر في الحال والوكيل مأمور ووكيل في الحال حتى يعقل أن يعزل قبل مجيء الغد فإذا قال الوكيل وكلني ثم عزلني وأمرني ثم منعني كان صادقا فلو مات قبل مجيء الغد لا يتبين أنه كان كاذبا وقد حققنا هذا في مسألة نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال وفي نسخ الذبح عن إبراهيم عليه السلام ولهذا فرق الفقهاء بين أن يقول إذا جاء رأس الشهر فأنت وكيلي وبين أن يقول وكلتك ببيع داري لكن تبيعها عند رأس الشهر فإن الأول تعليق ومن منع تعليق الوكالة ربما جوز تنجيز الوكالة مع تأخير التنفيذ إلى رأس الشهر المسلك الرابع إجماع الأمة على لزوم الشروع في صوم رمضان أعني أول يوم مثلا ولو كان الموت في أثناء النهار يبين عدم الأمر فالموت مجوز فيصير الأمر مشكوكا فيه ولا يلزمه الشروع بالشك فإن قيل لأنه إن بقي كان واجبا والظاهر بقاؤه والحاصل في الحال يستصحب والاستصحاب أصل تبنى عليه الأمور كما أن من أقبل عليه سبع يهرب وإن كان يحتمل موت السبع قبل الانتهاء إليه لكن الأصل بقاؤه فيستصحبه ولأنه لو فتح هذا الباب لم يتصور امتثال الأوامر المضيقة أوقاتها كالصوم فإنه إنما يعلم تمام التمكن بعد انقضاء اليوم ويكون قد فات قلنا هذا يلزمكم في الصوم ومذهبكم هو الذي يفضي إلى هذا المحال وما يفضي إلى المحال فهو محال وأما الهرب من السبع فحزم وأخذ بأسوأ الأحوال ويكفي فيه الاحتمال البعيد فإن من شك في سبع على الطريق أو سارق فيحسن منه الحزم والاحتراز أما الوجوب فلا يثبت بالشك والاحتمال وينبغي أن يقال من أعرض عن الصوم ومات قبل الغروب لم يكن عاصيا لأنه أخذ بالاحتمال الآخر وهو احتمال الموت فليكن معذورا به فإن زعموا أن ظن البقاء بالاستصحاب أورث ظن الوجوب وظن الوجوب اقتضى تحقق الوجوب من الشرع جزما قطعا فهذا تعسف وتناقض

Sección V01/P218–V01/P219

المسلك الخامس أن الإجماع منعقد على أن من حبس المصلي في أول الوقت وقيده ومنعه من الصلاة متعد عاص بسبب منعه من الصلاة الواجبة فإن كان التكليف يندفع به فقد أحسن إليه إذ منع التكليف عنه فلم عصي وهذا فيه نظر لأنه عصي لأن التصرف في الغير بضبطه ومنعه حرام وإن منعه غير مباح أيضا ولأن منعه صار سببا لوجوب القضاء في ذمته وهو على خطر من فواته أو يحرم لأنه أخرجه عن أن يكلفه وفي التكليف مصلحة وقد فوتها عليه بدليل أنه لو قيده قبل وقت الصلاة أو قبل وقت الصلاة أو قبل البلوغ إلى أن بلغ ودخل وقت الصلاة عصى ولم يكن على الصبي أمر ناجز لا بشرط ولا بغير شرط شبه المعتزلة الأولى قولهم إثبات الأمر بشرط يؤدي إلى أن يكون وجود الشيء مشروطا بما يوجد بعده والشرط ينبغي أن يقارن أو يتقدم أما تأخير الشرط عن المشروط فمحال قلنا ليس هذا شرطا لوجود ذات الأمر وقيامه بذات الآمر بل الأمر وقيامه بذات الآمر بل الأمر موجود قائم بذات الآمر وجد الشرط أو لم يوجد وإنما هو شرط لكون الأمر لازما واجب التنفيذ وليس ذلك من شرط كونه موجودا بسبيل ولهذا قلنا الأمر أمر للمعدوم بتقدير الوجود وإن لم يبلغه بشرط بلوغه فليس البلوغ شرطا لقيام نفس الأمر بذات الآمر بل للزوم تنفيذه فإن قال قائل اختلاف قول الشافعي في أن من جامع في نهار رمضان ثم مات أو جن قبل الغروب هل يلزمه الكفارة هل يلتفت إلى هذا الأصل قلنا أما من ذهب إلى أنا نتبين عند زوال الحياة انتفاء الأمر من أصله فلا يمكنه إيجاب الكفارة وأما من ذهب إلى أنا لا نتبين عدم الأمر فيحتمل منه التردد إذ يحتمل أن يقول قد أفسد بالجماع الصوم الذي كان واجبا عليه وقطع الصوم الواجب بحكم الوقت وإفساده يوجب الكفارة يحتمل أن يقال وجبت الكفارة بإفساد صوم لا يتعرض للفساد والانقطاع قبل الغروب وهذا متعرض له فيكون هذا مانعا من الإلحاق بالصوم الذي يتعين الجماع لإفساده فإن قال قائل فلو علمت المرأة بالعادة أنها تحيض في أثناء النهار أو بقول نبي صادق حيضا أو جنونا أو موتا فهل يلزمها الصوم حتى تصوم بعض اليوم قلنا على مذهب المعتزلة لا ينبغي أن يلزم لأن بعض اليوم غير مأمور به وهي غير مأمورة بالكل أما عندنا فالأظهر وجوبه لأن المرخص في الإفطار لم يوجد والأمر قائم في الحال والميسور لا يسقط بالمعسور فإن قال قائل لو قال إن صليت أو شرعت في الصلاة أو الصوم فزوجتي طالق ثم شرع ثم أفسد أو مات أو جن قبل الإتمام فقد اختلفوا في وقوع الطلاق فهل يلتفت هذا إلى هذا الأصل قلنا نعم قياس مذهب المعتزلة أن لا يحنث لأن بعض الصوم ليس بصوم والفاسد ليس بصوم وقد تبين ذلك بالآخرة وعلى مذهبنا ينبغي أن يحنث وهذه صلاة في الحال وتمامها مقيد بالشرط حتى لو قال والله لأعتكفن صائما أوان اعتكفت صائما فزوجتي طالق ثلاثا فاعتكف ساعة صائما ثم جن أو مات لم تجب الكفارة في تركته ولم ترثه زوجته ولا تخلو هذه المسائل عن الالتفات إلى هذا الأصل ولو قال إن أمرت عبدي فزوجتي طالق ثم قال صم غدا طلقت زوجته فإن مات قبل الغد فلا يتبين انتفاء الطلاق ولو قال إن وكلت وكيلا فزوجتي طالق وإن عزلت وكيلا فعبدي حر ثم وكل من يبيع داره غدا ثم عزل قبل الغد طلقت زوجته وعتق عبده

Sección V01/P219–V01/P221

الشبهة الثانية وهي الأقوى قولهم إن الأمر طلب فلا يقوم بذات من يعلم امتناع وجود المأمور فكيف يقوم بذات السيد طلب الخياطة إن صعد العبد إلى السماء وهو يعلم أنه لا يصعد نعم يمكن أن يقول خط إن صعدت إلى السماء لكنه صيغة أمر ولا يقوم الطلب بذاته كما لو قال له اصعد إلى السماء لم يكن أمرا لعجزه وعلم الآمر بامتناعه إلا على مذهب من يجوز تكليف ما لا يطاق وأنتم قد ملتم إلى منع تكليف المحال وبه يفارق الآمر الجاهل فإن من لا يعرف عجز عبده عن القيام يتصور أن يقول قم ويقوم بذاته الطلب أما إذا علم عجزه فلا يقوم بذاته طلب الممتنع وهذا التحقيق وهو أن الجهل إذا كان شرطا لقيام هذا الأمر بذاته فالمؤثر في صفة ذاته جهله لا جهل المأمور فهما علم الآمر عدم الشرط فكيف يكون طالبا وإذا لم يكن طالبا فكيف يكون آمرا والآمر هو الطلب هذا واقع والجواب أن هذا لا يصح من المعتزلة مع إنكارهم كلام النفس أما عندنا فليس المراد بالطلب الذي هو معنى الأمر إرادة وتشوقا لأن المعاصي عندنا مرادة وهي غير مأمور بها والطاعات مأمور بها وقد لا تكون مرادة فإن ما أراد الله واقع والتشوق على الله محال وإنما معناه اقتضاء فعله لمصلحة العبد ولكنه يكون توطئة للنفس على عزم الامتثال أو الترك لما يخالفه لطفا به في الاستعداد والانحراف عن الفساد وهذا لطف متصور من الله تعالى ويتصور أيضا من السيد أن يستصلح عبده بأوامر ينجزها عليه مع عزمه على نسخ الأمر قبل الامتثال امتحانا للعبد واستصلاحا له وكل أمر مقيد بشرط أن لا ينسخ وكل وكالة مقيدة بشرط أن لا يعزل الوكيل وقوله وكلتك ببيع العبد غدا مع العلم بأنه سيعتق العبد قبل الغد وكالة في الحال يقصد بها استمالة الوكيل مثلا وامتحانه في إظهار الاستبشار بأمره أو الكراهية فكل ذلك معقول لهذه الفائدة وليس تحت الأمر إلا أنه اقتضاء من هذا الجنس والله أعلم القول في صيغة النهي اعلم أن ما ذكرناه من مسائل الأوامر تتضح به أحكام النواهي إذ لكل مسألة وزان من النهي على العكس فلا حاجة إلى التكرار ولكنا نتعرض لمسائل لا بد من افرادها بالكلام مسألة ( هل النهي يقتضي الفساد ) اختلفوا في أن النهي عن البيع والنكاح والتصرفات المفيدة للأحكام هل يقتضي فسادها فذهب الجماهير إلى أنه يقتضي فسادها وذهب قوم إلى أنه إن كان نهيا عنه لعينه دل على الفساد وإن كان لغيره فلا والمختار أنه لا يقتضي الفساد وبيانه أنا نعني بالفساد تخلف الأحكام عنها وخروجها عن كونها أسبابا مفيدة للأحكام ولو صرح الشارع وقال حرمت عليك إستيلاد جارية الابن ونهيتك عنه لعينه لكن إن فعلت ملكت الجارية ونهيتك عن الطلاق في الحيض لعينه لكن إن فعلت بانت زوجتك ونهيتك عن إزالة النجاسة عن الثوب بالماء المغصوب لكن إن فعلت طهر الثوب ونهيتك عن ذبح شاة الغير بسكين الغير من غير إذن لكن إن فعلت حلت الذبيحة فشيء من هذا ليس يمتنع ولا يتناقض بخلاف قوله حرمت عليك الطلاق وأمرتك به أو أبحثه لك وحرمت عليك الاستيلاد لجارية الابن وأوجبته عليك فإن ذلك متناقض لا يعقل لأن التحريم يضاد الإيجاب ولا يضاده كون المحرم منصوبا علامة على حصول الملك والحل وسائر الأحكام إذ يتناقض أن يقول حرمت الزنا وأبحته ولا يتناقض أن يقول حرمت الزنا وجعلت الفعل الحرام في عينه سببا لحصول الملك في العوضين فإن شرط التحريم التعرض لعقاب الآخرة فقط دون تخلف الثمرات والأحكام عنه فإذا ثبت هذا فقوله لا تبع ولا تطلق ولا تنكح لو دل على تخلف الأحكام وهو المراد بالفساد فلا يخلو إما أن يدل من حيث اللغة أو من حيث الشرع ومحال أن يدل من حيث اللغة لأن العرب قد تنهى عن الطاعات وعن الأسباب المشروعة وتعتقد ذلك نهيا حقيقيا دالا على أن المنهي ينبغي أن لا يوجد أما الأحكام فإنها شرعية لا يناسبها اللفظ من حيث وضع اللسان إذ يعقل أن يقول العربي هذا العقد الذي يفيد الملك والأحكام إياك أن تفعله وتقدم عليه ولو صرح به الشارع أيضا لكان منتظما مفهوما أما من حيث الشرع فلو قام دليل على أن النهي للإفساد ونقل ذلك عن النبي عليه السلام صريحا لكان ذلك من جهة الشرع تصرفا في اللغة بالتغيير أو كان النهي من جهته منصوبا علامة على الفساد ويجب قبول ذلك ولكن الشأن في إثبات هذه الحجة ونقلها وشبههم الشرعية أربع الشبهة الأولى قولهم إن المنهي عنه قبيح ومعصية فكيف يكون مشروعا قلنا إن أردتم بالمشروع كونه مأمورا به أو مباحا أو مندوبا فذلك محال ولسنا نقول به وإن عنيتم به كونه منصوبا علامة للملك أو الحال أو حكم من الأحكام ففيه وقع النزاع فلم ادعيتم استحالته ولم يستحل أن يحرم الاستيلاد وينصب سببا لملك الجارية ويحرم الطلاق وينصب سببا للفراق بل لا يستحيل أن ينهي عن الصلاة في الدار المغصوبة وتنصب سببا لبراءة الذمة وسقوط الفرض

Sección V01/P221–V01/P222

الشبهة الثانية قولهم إن النهي لا يرد من الشارع في البيع والنكاح إلا لبيان خروجه عن كونه مملكا أو مشروعا قلنا في هذا وقع النزاع الدليل عليه وكم من بيع ونكاح ونهي عنه وبقي سببا للإفادة فما هذا التحكم الشبهة الثالثة قوله عليه السلام كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ومن أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد قلنا معنى قوله رد أي غير مقبول طاعة وقربة ولا شك في أن المجرم لا يقع طاعة أما أن لا يكون سببا للحكم فلا فإن الاستيلاد والطلاق وذبح شاة الغير ليس عليه أمرنا ثم ليس برد بهذا المعنى الشبهة الرابعة قولهم أجمع سلف الأمة على الاستدلال بالمناهي على الفساد ففهموا فساد الربا من قوله وذروا ما بقي من الربا البقرة 221 واحتج ابن عمر رضي الله عنه في فساد نكاح المشركات بقوله ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن البقرة 223 وفي نكاح المحارم بالنهي قلنا هذا يصح من بعض الأمة أما من جميع الأمة فلا يصح ولا حجة في قول البعض نعم يتمسك به في التحريم والمنع أما في الإفساد فلا مسألة ( الفرق بين الفساد والبطلان ) الذين اتفقوا على أن النهي عن التصرفات لا يدل على فسادها اختلفوا في أنه هل يدل على صحتها فنقل أبو زيد عن محمد بن الحسن وأبي حنيفة أنه يدل على الصحة وأنه يستدل بالنهي عن صوم يوم النحر على انعقاده فإنه لو استحال انقعاد لما نهي عنه فإن المحال لا ينهي عنه كما لا يؤمر فلا يقال للأعمى لا تبصر كما لا يقال له أبصر فزعموا أن النهي عن الزنا يدل على انعقاده وهذا فاسد لأنا بينا أن الأمر بمجرده لا يدل على الأجزاء والصحة فكيف يدل عليه النهي بل الأمر والنهي يدل على اقتضاء الفعل واقتضاء الترك فقط أو على الوجوب والتحريم فقط أما حصول الأجزاء والفائدة أو نفيهما فيحتاج إلى دليل آخر واللفظ من حيث اللغة غير موضوع لهذه القضايا بالشرعية وأما من حيث الشرع فلو قال الشارع إذا نهيتكم عن أمر أردت به صحته لتلقيناه منه ولكنه لم يثبت ذلك صريحا لا بالتواتر ولا بنقل الآحاد وليس من ضرورة المأمور أن يكون صحيحا مجزئا فكيف يكون من ضرورة المنهي ذلك فإذا لم يثبت ذلك شرعا ولغة وضرورة بمقتضى اللفظ فالمصير إليه تحكم بل الاستدلال به على فساده أقرب من الاستدلال به على صحته فإن قيل المحال لا ينهي عنه لأن الأمر كما يقتضي مأمورا يمكن امتثاله فالنهي يقتضي منهيا يمكن ارتكابه فصوم يوم النحر إذا نهى عنه ينبغي أن يصح ارتكابه ويكون صوما فاسم الصوم للصوم الشرعي لا للإمساك فإنه صوم لغة لا شرعا والأسامي الشرعية تحمل على موضوع الشرع هذا هو الأصل ولا يلزم عليه قوله دعي الصلاة أيام أقرائك وقوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء النساء 22 لأنه حمل النكاح والصلاة بالمعنى اللغوي على خلاف الوضعي بدليل دل عليه ولا يلزم عليه قوله عليه السلام لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بشهود لأن ذلك نفي وليس نهيا قلنا الأصل أن الاسم لموضوعه اللغوي إلا ما صرفه عنه عرف الاستعمال في الشرع وقد ألفينا عرف الشرع في الأوامر أنه يستعمل الصوم والنكاح والبيع لمعانيها الشرعية أما في المنهيات فلم يثبت هذا العرف المغير للوضع بدليل قوله دعي الصلاة أيام أقرائك ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء وأمثال هذه المناهي مما لا ينعقد أصلا ولم يثبت فيه عرف استعمال الشرع فيرجع إلى أصل الوضع ونقول إذا تعارض فيه عرف الشرع والوضع فمن صام يوم النحر فقد ارتكب النهي وإن لم ينعقد صومه ويكون هذا أولى لأن مذهبهم يفضي إلى صرف النهي عن ذلك المنهي عنه إلى غيره

Sección V01/P222–V01/P223

فإنه لو كان منهيا في عينه استحال أن يكون عبادة منعقدة ومطلق النهي عن الشيء يدل على النهي عن عينه إلا أن يدل دليل فلا معنى لترك الظاهر من غير ضرورة فإن قيل فإذا اخترتم أن النهي لا يدل على الصحة ولا على الفساد في أسباب المعاملات فما قولكم في النهي عن العبادات قد بينا أن النهي يضاد كون المنهي عنه قربة وطاعة لأن الطاعة عبارة عما يوافق الأمر والأمر والنهي متضادان فعلى هذا صوم يوم النحر لا يكون منعقدا إن أريد بانعقاده كونه طاعة وقربة وامتثالا لأن النهي يضاده وإذا لم يكن قربة لم يلزم بالنذر إذ لا يلزم بالنذر ما ليس بقربة نعم لو أمكن صرف النهي عن عين الصوم إلى ترك إجابة دعوة الله تعالى فذلك لا يمنع انعقاده ولكن ذلك أيضا فاسد كما سبق في القطب الأول وإن قيل فقد حمل بعض المناهي في الشرع على الفساد دون البعض فما الفصل قلنا النهي لا يدل على الفساد وإنما يعرف فساد العقد والعبادة بفوات شرطه وركنه ويعرف فوات الشرط إما بالإجماع كالطهارة في الصلاة وستر العورة واستقبال القبلة وإما بنص وإما بصيغة النفي كقوله لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بشهود فذلك ظاهر في النفي عند عدم الشرط وأما القياس على منصوص فكل نهي يتضمن ارتكابه الإخلال بالشرط فيدل على الفساد من حيث الإخلال بالشرط لا من حيث النهي وشرط المبيع أن يكون مالا متقوما مقدورا على تسليمه معينا أما كونه مرئيا ففي اشتراطه خلاف وشرط الثمن أن يكون مالا معلوم القدر والجنس وليس من شرط النكاح الصداق فلذلك لم يفسد بكون النكاح على خمر أو خنزير أو مغصوب وإن كان منهيا عنه ولا فرق بين الطلاق السني والبدعي في شرط النفوذ وإن اختلفا في التحريم فإن قيل فلو قال قائل كل نهي رجع إلى عين الشيء فهو دليل الفساد دون ما يرجع إلى غيره فهل يصح قلنا لا لأنه لا فرق بين الطلاق في حال الحيض والصلاة في الدار المغصوبة لأنه إن أمكن أن يقال ليس منهيا عن الطلاق لعينه ولا عن الصلاة لعينها بل لوقوعه في حال الحيض ولوقوعها في الدار المغصوبة أمكن تقدير مثله في الصلاة في حال الحيض فلا اعتماد إلا على فوات الشرط ويعرف الشرط بدليل يدل عليه وعلى ارتباط الصحة به ولا يعرف بمجرد النهي فإنه لا يدل عليه وضعا وشرعا كما سبق في المسألة التي قبلها وهذا القدر كاف في صيغة الأمر والنهي فإن ما يتعلق منه بحقيقة الوجوب والتحريم ويضادهما ويوافقهما فقد ميزناه عما يتعلق بمقتضى الصيغة وقررناه في القطب الأول عند البحث عن حقيقة الحكم فإن ذلك نظر عقلي وهذا نظر لغوي من حيث دلالة الألفاظ فلذلك ميزناه على خلاف عادة الأصوليين القسم الرابع من النظر في الصيغة القول في العام والخاص ويشتمل على مقدمة وخمسة أبواب المقدمة القول في حد العام والخاص ومعناهما أعلم أن العموم والخصوص من عوارض الألفاظ لا من عوارض المعاني والأفعال

Sección V01/P223–V01/P224

والعام عبارة عن اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدا مثل الرجال والمشركين ومن دخل الدار فأعطه درهما ونظائره كما سيأتي تفصيل صيغ العموم واحترزنا بقولنا من جهة واحدة عن قولهم ضرب زيد عمرا وعن قولهم ضرب زيدا عمرو فإنه يدل على شيئين ولكن بلفظين لا بلفظ واحد ومن جهتين لا من جهة واحدة وأعلم أن اللفظ إما خاص في ذاته مطلقا كقولك زيد وهذا الرجل وإما عام مطلقا كالمذكور والمعلوم إذ لا يخرج منه موجود ولا معدوم وإما عام بالإضافة كلفظ المؤمنين فإنه عام بالإضافة إلى آحاد المؤمنين خاص بالإضافة إلى جملتهم إذ يتناولهم دون المشركين فكأنه يسمى عاما من حيث شموله لما شمله خاصا من حيث اقتصاره على ما شمله وقصوره عما لم يشمله ومن هذا الوجه يمكن أن يقال ليس في الألفاظ عام مطلق لأن لفظ المعلوم لا يتناول المجهول والمذكور لا يتناول المسكوت عنه فإن قيل فلم قلتم إن العموم من عوارض الألفاظ لا من عوارض المعاني والأفعال والعطاء فعل وقد يعطي عمرا وزيدا وتقول عممهما بالعطاء والوجود معنى وهو يعم الجواهر والأعراض قلنا عطاء زيد متميز عن عطاء عمرو من حيث أنه فعل فليس في الوجود فعل واحد هو عطاء وتكون نسبته إلى زيد وعمرو واحدة وكذلك وجود السواد يفارق وجود البياض وليس الوجود معنى واحدا حاصلا مشركا بينهما وإن كانت حقيقته واحدة في العقل وعمو الناس وقدرهم وإن كانت مشتركة في كونها علما وقدرة لا يوصف بأنه عموم فقولنا الرجل له وجود في الأعيان وفي الأذهان وفي اللسان أما وجوده في الأعيان فلا عموم فيه إذ ليس في الوجود رجل مطلق بل إما زيد وإما عمرو وليس يشملهما شيء واحد هو الرجولية وأما وجوده في اللسان فلفظ الرجل قد وضع للدلالة ونسبته في الدلالة إلى زيد وعمرو واحدة يسمى عاما باعتبار نسبة الدلالة إلى المدلولات الكثيرة وأما ما في الأذهان من معنى الرجل فيسمى كليا من حيث أن العقل يأخذ من مشاهدة زيد حقيقة الإنسان وحقيقة الرجل فإذا رأى عمرا لم يأخذ منه صورة أخرى وكان ما أخذه من قبل نسبته إلى عمرو والذي حدث الآن كنسبته إلى زيد الذي عهده أولا فهذا معنى كليته فإن سمي عاما بهذا فلا بأس فإن قيل فهل يجوز أن يقال هذا عام مخصوص وهذا عام قد خصص قلنا لا لأن المذاهب ثلاثة مذهب أرباب الخصوص ومذهب أرباب العموم ومذهب الواقفية أما أرباب الخصوص فإنهم يقولون لفظ المشركين مثلا موضوع لأقل الجمع وهو للخصوص فكيف يقولون إنه عموم قد خصص وأما أرباب العموم فيقولون هو الاستغراق فإن أريد به البعض فقد تجوز به عن حقيقته ووضعه فلم يتصرف في الوضع ولم يغير حتى يقال إنه خصص العام أو هو عام مخصوص وأما الواقفية فإنهم يقولون إن اللفظ مشترك وإنما ينزل على خصوص أو عموم بقرينة وإرادة معينة كلفظ العين فإن أريد به الخصوص فهو موضوع له لا أنه عام قد خصص وإن أريد به العموم فهو موضوع له لا أنه خاص قد عمم فإذا هذا اللفظ مؤول على كل مذهب فيكون معناه أنه كان يصلح أن يقصد به العموم فقصد به الخصوص وهذا على مذهب الوقف وعلى مذهب الاستغراق أن وضعه للعموم واستعمل في غير وضعه مجازا فهو عام بالوضع خاص بالإرادة والتجوز وإلا فالعام والخاص بالوضع لا ينقلب عن وضعه بإرادة المتكلم فإن قيل فما معنى قولهم خصص فلأن عموم الآية والخبران كان العام لا يقبل التخصيص قلنا تخصيص العام محال كما سبق وتأويل هذا اللفظ أن يعرف أنه أريد باللفظ العام بالوضع أو الصالح لإرادة العموم الخصوص فيقال على سبيل التوسع لمن عرف ذلك أنه خصص العموم أي عرف أنه أريد به الخصوص ثم من لم يعرف ذلك لكن اعتقده أو ظنه أو أخبر عنه بلسانه أو نصب الدليل عليه يسمى مخصصا وإنما هو معرف ومخبر عن إرادة المتكلم ومستدل عليه بالقرائن لا أنه مخصص بنفسه هذه هي المقدمة

Sección V01/P224–V01/P225

أما الأبواب فهي خمسة الباب الأول في أن العموم هل له صيغة أم لا واختلاف المذاهب فيه الباب الثاني في تمييز ما يمكن دعوى العموم فيه عما لا يمكن الباب الثالث في تفصيل الأدلة المخصصة الباب الرابع في تعارض العمومين الباب الخامس في الاستثناء والشرط الباب الأول في أن العموم هل له صيغة في اللغة أم لا ولنشرح أولا صيغ العموم عند القائلين بها ثم اختلاف المذاهب ثم أدلة أرباب الخصوص ثم أدلة أرباب العموم ثم أدلة أرباب الوقف ثم المختار فيه عندنا ثم حكم العام عند القائلين به إذا دخله التخصيص فهذه سبعة فصول في صيغ العموم وأعلم أنها عند القائلين بها خمسة أنواع الأول ألفاظ الجموع أما المعرفة كالرجال والمشركين وأما المنكرة كقولهم رجال ومشركون كما قال تعالى ما لنا لا نرى رجالا ص 62 والمعرفة للعموم إذا لم يقصد بها تعريف المعهود كقولهم أقبل الرجل والرجال أي المعهودون المنتظرون الثاني من وما إذا ورد للشرط والجزاء كقوله عليه السلام من أحيا أرضا ميتة فهي له وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه وفي معناه متى وأين للمكان والزمان كقوله متى جئتني أكرمتك وأينما كنت أتيتك الثالث ألفاظ النفي كقولك ما جاءني أحد وما في الدار ديار الرابع الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام لا للتعريف كقوله تعالى إن الإنسان لفي خسر العصر 2 وقوله والسارق والسارقة المائدة 38 أما النكرة كقولك مشرك وسارق فلا يتناول إلا واحدا الخامس الألفاظ المؤكدة كقولهم كل وجميع وأجمعون وأكتعون تفصيل المذاهب أعلم أن الناس اختلفوا في هذه الأنواع الخمسة على ثلاثة مذاهب فقال قوم يلقبون بأرباب الخصوص إنه موضوع لأقل الجمع وهو إما اثنان وإما ثلاثة على ما سيأتي الخلاف فيه وقال أرباب العموم هو للاستغراق بالوضع إلا أن يتجوز به عن وضعه وقالت الواقفية لم يوضع لا لخصوص ولا لعموم بل أقل الجمع داخل فيه لضرورة صدق اللفظ بحكم الوضع وهو بالإضافة إلى الاستغراق للجميع أو الاقتصار على الأقل أو تناول صنف أو عدد بين الأقل والاستغراق مشترك يصلح لكل واحد من الأقسام كاشتراك لفظ الفرقة والنفر بين الثلاثة والخمسة والستة إذ يصلح لكل واحد منهم فليس مخصوصا في الوضع بعدد وإن كنا نعلم أن أقل الجمع لا بد منه ليجوز إطلاقه ثم أرباب العموم اختلفوا في التفصيل في ثلاث مسائل الأولى الفرق بين المعرف والمنكر فقال الجمهور لا فرق بين قولنا اضربوا الرجال وبين قولنا اضربوا رجالا واقتلوا المشركين وأقتلوا مشركين وإليه ذهب الجبائي وقال قوم يدل المنكر على جمع غير معين ولا مقدر ولا يدل على الاستغراق وهو الأظهر الثاني اختلفوا في الجمع المعرف بالألف واللام كالسارقين والمشركين والفقراء والمساكين والعاملين فقال قوم هو للاستغراق وقال قوم هو لأقل الجمع ولا يحمل على الاستغراق إلا بدليل والأول أقوى وأليق بمذاهب أرباب العموم الثالثة الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام كقولهم الدينار خير من الدرهم فمنهم من قال هو لتعريف الواحد فقط وذلك في تعريف المعهود وقال قوم هو للاستغراق وقال قوم يصلح للواحد والجنس ولبعض الجنس فهو مشترك ومذهب الواقفية أن جميع هذه الألفاظ مشتركة ولم يبق منها شيء للاستغراق حتى كل وكلما وأي والذي ومن وما واختلفوا في مسألة واحدة فقال قوم إنما التوقف في العموم الواردة في الأخبار والوعد والوعيد أما الأمر والنهي فلا فإنا متعبدون بفهمه ولو كان مشتركا لكان مجملا غير مفهوم وهذا فاسد لا يليق بمذهب الواقفية لأن دليلهم لا يفرق بين جنس وجنس إذ العرب تريد بصيغ الجمع البعض في كل جنس كما تريد الكل ويستوي في ذلك قولهم فعلوا وافعلوا وقولهم قتل المشركون واقتلوا المشركين ولأن من الأخبار ما تعبد بفهمه كقوله تعالى وهو بكل شيء عليم البقرة 29 الأنعام وقوله وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها الأنعام 101

Sección V01/P225–V01/P227

( تنبيه ) لا ينبغي أن يقول الواقفية الوقف في ألفاظ العموم جائز وفيما مخرجه مخرج العموم واجب فقد أطلق ذلك الشيخ أبو الحسن الأشعري وجماعة لأن المتوقف لا يسلم أنه لفظ العموم كما لا يسلم أنه لفظ الخصوص إلا أن يعني به أنه لفظ العموم عند معتقدي العموم بل ينبغي أن يقول التوقف في صيغ الجموع وأدوات الشرط واجب القول في أدلة أرباب العموم ونقضها وهي خمسة الدليل الأول أن أهل اللغة بل أهل جميع اللغات كما عقلوا الأعداد والأنواع والأشخاص والأجناس ووضعوا لكل واحدا اسما لحاجتهم إليه عقلوا أيضا معنى العموم واستغراق الجنس واحتاجوا إليه فكيف لم يضعوا له صيغة ولفظا الاعتراض من أربعة أوجه الأول أن هذا قياس واستدلال في اللغات واللغة تثبت توقيفا ونقلا لا قياسا واستدلالا بل هي كسنن الرسول عليه السلام وليس لقائل أن يقول الشارع كما عرف الأشياء الستة وجريان الربا فيها ومست إليه حاجة الخلق ونص عليها فينبغي أن يكون قد نص على سائر الربويات وهذا فاسد الثاني أنه وإن سلم أن ذلك واجب في الحكمة فمن يسلم عصمة واضعي اللغة حتى لا يخالفوا الحكمة في وضعها وهم في حكم من يترك ما لا تقتضي الحكمة تركه الثالث إن هذا منقوض فإن العرب عقلت الماضي والمستقبل والحال ثم لم تضع للحال لفظا مخصوصا حتى لزم استعمال المستقبل أو اسم الفاعل فيها فتقول رأيته يضرب أو ضاربا ثم كما عقلت الألوان عقلت الروائح ثم لم تضع للروائح أسامي حتى لزم تعريفها بالإضافة فيقال ريح المسك وريح العود ولا يقال لون الدم ولون الزعفران بل أصفر أو أحمر الرابع أنا لا نسلم أنهم لم يضعوا للعموم لفظا كما لا نسلم أنهم لم يضعوا للعين الباصرة لفظا وإن كان العين مشتركا بين أشياء لم يخرج عن كونه موضوعا له وإن لم يكن وقفا عليه بل صالحا له ولغيره وكذلك صيغ الجموع مشتركة بين العموم والخصوص الدليل الثاني أنه يحسن أن تقول اقتلوا المشركين إلا زيدا ومن دخل الدار فأكرمه إلا الفاسق ومن عصاني عاقبته إلا المعتذر ومعنى الاستثناء إخراج ما لولاه لوجب دخوله تحت اللفظ إذ لا يجوز أن تقول اكرم الناس إلا الثور الاعتراض أن للاستثناء فائدتين إحداهما ما ذكرتموه وهو إخراج ما يجب دخوله تحت اللفظ كقوله علي عشرة إلا ثلاثة والثاني ما يصلح أن يدخل تحته ويتوهم أن يكون مرادا به وهذا صالح لأن يدخل تحت اللفظ والاستثناء لقطع صلاحيته لا لقطع وجوبه بخلاف الثور إن لفظ الناس لا يصلح لإرادته الدليل الثالث أن تأكيد الشيء ينبغي أن يكون موافقا لمعناه ومطابقا له وتأكيدا لخصوص غير تأكيد العموم إذ يقال اضرب زيدا نفسه واضرب الرجال أجمعين أكتعين ولا يقال اضرب زيدا كلهم الاعتراض أن الخصم يسلم أن لفظ الجمع يتناول قوما وهو أقل الجمع فما زاد ويجوز أن يقال اضرب القوم كلهم لأن للقوم كلية وجزئية أما زيد والواحد المعين ليس له بعض فليس فيه كل وكما أن الفظ العموم لا يتعين مبلغ المراد منه بعد مجاوزة أقل الجمع فكذلك لفظ المشركين والمؤمنين والكلام في أنه لاستغراق الجنس أو لأقل الجمع أو لعدد بين الدرجتين وكيفما كان فلفظ الكلية لائق به فإن قيل فإذا قال أكرم الناس أكتعين أجمعين كلهم وكافتهم ينبغي أن يدل هذا على الاستغراق ثم يكون الدال هو المؤكد دون التأكيد فإن التأكيد تابع وإنما يؤكد بالاستغراق ما يدل على استغراق الجماعة الذين أرادهم بلفظ الناس قلنا لا يشعر بالاستغراق كما لو قال أكرم الفرقة والطائفة كلهم وكافتهم وجملتهم لم يتغير به مفهوم لفظ الفرقة ولم يتعين للأكثر بل نقول لو كان لفظ الناس يدل على الاستغراق لم يحسن أن يقول كافتهم وجملتهم فإنما تذكر هذه الزيادة لمزيد فائدة فهو مشعر بنقيض غرضهم

Sección V01/P227

الدليل الرابع أن صيغ العموم باطل أن تكون لأقل الجمع خاصة كما سيأتي وباطل أن تكون مشتركا إذ يبقى مجهولا ولا يفهم إلا بقرينة وتلك القرينة لفظ أو معنى فإن كان لفظا فالنزاع في ذلك اللفظ قائم فإن الخلاف في أنه هل وضع العرب صيغة تدل على الاستغراق أم لا وإن كان معنى فالمعنى تابع للفظ فكيف تزيد دلالته على اللفظ الاعتراض إن قصد الاستغراق يعلم بعلم ضروري يحصل عن قرائن أحوال ورموز وإشارات وحركات من المتكلم وتغيرات في وجهه وأمور معلومة من عادته ومقاصده وقرائن مختلفة لا يمكن حصرها في جنس ولا ضبطها بوصف بل هي كالقرائن التي يعلم بها خجل الخجل ووجل الوجل وجبن الجبان وكما يعلم قصد المتكلم إذا قال السلام عليكم أنه يريد التحية أو الاستهزاء واللهو ومن جملة القرائن فعل المتكلم فإنه إذا قال على المائدة هات الماء فهم أنه يريد الماء العذب البارد دون الحار الملح وقد تكون دليل العقل كعموم قوله تعالى وهو بكل شيء عليم البقرة 29 الأنعام وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها وخصوص قوله تعالى الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل الزمر 26 إذ لا يدخل فيه ذاته وصفاته ومن جملته تكرير الألفاظ المؤكدة كقوله اضرب الجناة وأكرم المؤمنين كافتهم صغيرهم وكبيرهم شيخهم وشابهم ذكرهم وأنثاهم كيف كانوا وعلى أي وجه وصورة كانوا ولا تغادر منهم أحدا بسبب من الأسباب ووجه من الوجوه ولا يزال يؤكد حتى يحصل علم ضروري بمراده أما قولهم ما ليس بلفظ فهو تابع للفظ فهو فاسد فمن سلم أن حركة المتكلم وأخلاقه وعادته وأفعاله وتغير لونه وتقطيب وجهه وجبينه وحركة رأسه وتقليب عينيه تابع للفظه بل هذه أدلة مستقلة يفيد اقتران جملة علوما ضرورية فإن قيل فبم عرفت الأمة عموم ألفاظ الكتاب والسنة إن لم يفهموه من اللفظ وبم عرف الرسول من جبريل وجبريل من الله تعالى حتى عمموا الأحكام قلنا أما الصحابة رضوان الله عليهم فقد عرفوه بقرائن أحوال النبي عليه السلام وتكريراته وعادته المتكررة وعلم التابعون بقرائن أحوال الصحابة وإشاراتهم ورموزهم وتكريراتهم المختلفة وأما جبريل عليه السلام فإن سمع من الله بغير واسطة فالله تعالى يخلق له العلم الضروري بما يريده بالخطاب بكلامه المخالف لأجناس كلام الخلق وإن رآه جبريل في اللوح المحفوظ فبأن يراه مكتوبا بلغة ملكية ودلالة قطعية لا احتمال فيها

Sección V01/P227–V01/P229

الدليل الخامس وهو عمدتهم إجماع الصحابة فإنهم وأهل اللغة بأجمعهم أجروا ألفاظ الكتاب والسنة على العموم إلا ما دل الدليل على تخصيصه وإنهم كانوا يطلبون دليل الخصوص لا دليل العموم فعملوا بقول الله تعالى يوصيكم الله في أولادكم النساء 11 واستدلوا به على إرث فاطمة رضي الله عنها حتى نقل أبو بكر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحن معاشر الأنبياء لا نورث وقوله الزانية والزاني النور 2 والسارق والسارقة ( المائدة 38 ) ومن قتل مظلوما الإسراء 33 وذروا ما بقي من الربا البقرة 278 ولا تقتلوا أنفسكم النساء 29 لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم المائدة 95 ? < ولا وصية لوارثولا تنكح المرأة على عمتها وخالتها ومن ألقى سلاحه فهو آمن ولا يرث القاتل ولا يقتل والد بولده إلى غير ذلك مما لا يحصى ويدل عليه أنه لما نزل قوله تعالى > ? لا يستوي القاعدون من المؤمنين النساء الآية قال ابن أم مكتوم ما قال وكان ضريرا فنزل قوله تعالى والأرض النساء 95 فشمل الضرير وغيره عموم لفظ المؤمنين ولما نزل قوله تعالى إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون الأنبياء 98 قال بعض اليهود أنا أخصم لكم محمدا فجاءه وقال قد عبدت الملائكة وعبد المسيح فيجب أن يكونوا من حطب جهنم فأنزل الله عز وجل إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون الأنبياء 101 تنبيها على التخصيص ولم ينكر النبي عليه السلام والصحابة رضي الله عنهم تعلقه بالعموم وما قالوا له لم استدللت بلفظ مشترك مجمل ولما نزل قوله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم الأنعام 82 قالت الصحابة فأينا لم يظلم فبين أنه إنما أراد ظلم النفاق والكفر واحتج عمر رضي الله عنه على أبي بكر الصديق رضي الله عنه بقوله عليه السلام أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فدفعه أبو بكر بقوله إلا بحقها ولم ينكر عليه التعلق بالعموم وهذا وأمثاله لا تنحصر حكايته الاعتراض من وجهين أحدهما أن هذا إن صح من بعض الأمة فلا يصح من جميعهم فلا يبعد من بعض الأمة اعتقاد العموم فإنه الأسبق إلى أكثر الأفهام ولا يسلم صحة ذلك على كافة الصحابة الثاني إنه لو نقل ما ذكروه عن جملة الصحابة فلم ينقل عنهم قولهم على التواتر إنا حكمنا في هذه المسائل بمجرد العموم لأجل اللفظ من غير التفات إلى قرينة فلعل بعضهم قضى باللفظ مع القرينة المسوية بين المراد باللفظ وبين بقية المسميات لعلمه بأنه لا مدخل في التأثير للفارق بين محل القطع ومحل الشك والخلاف راجع إلى أن العموم متمسك به بشرط انتفاء قرينة مخصصة أو بشرط اقتران قرينة مسوية بين المسميات ولم يصرح الصحابة بحقيقة هذه المسألة ومجرى الخلاف فيها وأنه متمسك به بشرط انتفاء المخصص لا بشرط وجود القرينة المسوية شبه أرباب الخصوص ذهب قوم إلى أن لفظ الفقراء والمساكين والمشركين ينزل على أقل الجمع واستدلوا بأنه القدر المستيقن دخوله تحت اللفظ والباقي مشكوك فيه ولا سبيل إلى إثبات حكم بالشك وهذا استدلال فاسد لأن كون هذا القدر مستيقنا لا يدل على كونه مجازا في الزيادة والخلاف في أنه لو أريد به الزيادة لكان حقيقة أو مجازا فإن الثلاثة مستيقنة من لفظ العشرة ولا يوجب كونه مجازا في الباقي وكون ارتفاع الحرج معلوما من صيغة الأمر لا يوجب كونه مجازا في الوجوب والندب وكون الواحد مستيقنا من لفظ الناس لا يوجب كونه مجازا في الباقي وكون الندب مستقينا من الأمر لا يوجب كونه مجازا في الوجوب وكون الفعلة الواحدة مستيقنة في الأمر لا يوجب كونه مجازا في التكرار وكون البدار معلوما في الأمر لا يوجب كونه مجازا في التراخي ثم نقول هذا متناقض لأن قولهم إن الثلاثة هو المفهوم فقط يناقض قولهم الباقي مشكوك لأنه إن كان هو المفهوم فقط فالباقي غير داخل قطعا