İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî)
والسبب في اختلافهم اختلاف الآثار ومعارضة القياس للأثر وذلك أن أبا داود خرج عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم لرجل وفرسه ثلاثة أسهم سهمان للفرس وسهم لراكبه وخرج أيضا عن مجمع بن حارثة الأنصاري مثل قول أبي حنيفة وأما القياس المعارض لظاهر حديث ابن عمر فهو أن يكون سهم الفرس أكبر من سهم الإنسان هذا الذي اعتمده أبو حنيفة في ترجيح الحديث الموافق لهذا القياس على الحديث المخالف له وهذا القياس ليس بشيء لأن سهم الفرس إنما استحقه الإنسان الذي هو الفارس بالفرس وغير بعيد أن يكون تأثير الفارس بالفرس في الحرب ثلاثة أضعاف تأثير الراجل بل لعله واجب مع أن حديث ابن عمر أثبت وأما ما يجوز للمجاهد أن يأخذ من الغنيمة قبل القسم فإن المسلمين اتفقوا على تحريم الغلول لما ثبت في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قوله عليه الصلاة والسلام أد الخائط والمخيط فإن الغلول عار وشنار على أهله يوم القيامة إلى غير ذلك من الآثار الواردة في هذا الباب واختلفوا في إباحة الطعام للغزاة ما داموا في أرض الغزو فأباح ذلك الجمهور ومنع من ذلك قوم وهو مذهب ابن شهاب والسبب في اختلافهم معارضة الآثار التي جاءت في تحريم الغلول للآثار الواردة في إباحة أكل الطعام من حديث ابن عمر وابن المغفل وحديث ابن أبي أوفى فمن خصص أحاديث تحريم الغلول بهذه أجاز أكل الطعام للغزاة ومن رجح أحاديث تحريم الغلول على هذا لم يجز ذلك وحديث ابن مغفل هو قال أصبت جراب شحم يوم خيبر فقلت لا أعطي منه شيئا فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم خرجه البخاري ومسلم وحديث ابن أبي أوفى قال كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا ندفعه خرجه أيضا البخاري واختلفوا في عقوبة الغال فقال قوم يحرق رحله وقال بعضهم ليس له عقاب إلا التعزير وسبب اختلافهم اختلافهم في تصحيح حديث صالح بن محمد بن زائدة عن سالم عن ابن عمر أنه قال قال عليه الصلاة والسلام من غل فأحرقوا متاعه الفصل الثالث في حكم الأنفال وأما تنفيل الإمام من الغنيمة لمن شاء أعني أن يزيده على نصيبه فإن العلماء اتفقوا على جواز ذلك واختلفوا من أي شيء يكون النفل وفي مقداره وهل يجوز الوعد به قبل الحرب وهل يجب السلب للقاتل أم ليس يجب إلا أن ينفله له الإمام فهذه أربع مسائل هي قواعد هذا الفصل أما المسألة الأولى فإن قوما قالوا النفل يكون من الخمس الواجب لبيت مال المسلمين وبه قال مالك وقال قوم بل النفل إنما يكون من خمس الخمس وهو حظ الإمام فقط وهو الذي اختاره الشافعي وقال قوم بل النفل من جملة الغنيمة وبه قال أحمد وأبو عبيدة ومن هؤلاء من أجاز تنفيل جميع الغنيمة والسبب في اختلافهم هو هل بين الآيتين الواردتين في المغانم تعارض أم هما على التخيير أعني قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء الآية وقوله تعالى يسألونك عن الأنفال الآية فمن رأى أن قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ناسخا لقوله تعالى يسألونك عن الأنفال قال لا نفل إلا من الخمس أو من خمس الخمس ومن رأى أن الآيتين لا معارضة بينهما وأنها على التخيير أعني أن للإمام أن ينفل من رأس الغنيمة من شاء وله إلا ينفل بأن يعطي جميع أرباع الغنيمة للغانمين قال بجواز النفل من رأس الغنيمة
ولاختلافهم أيضا سبب آخر وهو اختلاف الآثار في هذا الباب وفي ذلك أثران أحدهما ما روى مالك عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قبل نجد فغنموا إبلا كثيرة فكان سهمانهم اثني عشر بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا وهذا يدل على أن النفل كان بعد القسمة من الخمس والثاني حديث حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل الربع من السرايا بعد الخمس في البداءة وينفلهم الثلث بعد الخمس في الرجعة يعني في بداءة غزوه عليه الصلاة والسلام وفي انصرافه وأما المسألة الثانية وهي ما مقدار ما للإمام أن ينفل من ذلك عند الذين أجازوا النفل من رأس الغنيمة فإن قوما قالوا لا يجوز أن ينفل أكثر من الثلث أو الربع على حديث حبيب بن مسلمة وقال قوم إن نفل الإمام السرية جميع ما غنمت جاز مصيرا إلى أن آية الأنفال غير منسوخة بل محكمة وأنها على عمومها غير مخصصة ومن رأى أنها مخصصة بهذا الأثر قال لا يجوز أن ينفل أكثر من الربع أو الثلث وأما المسألة الثالثة وهي هل يجوز الوعد بالتنفيل قبل الحرب أم ليس يجوز ذلك فإنهم اختلفوا فيه فكره ذلك مالك وأجازه جماعة وسبب اختلافهم معارضة مفهوم مقصد الغزو لظاهر الأثر وذلك أن الغزو إنما يقصد به وجه الله العظيم ولتكون كلمة الله هي العليا فإذا وعد الإمام بالنفل قبل الحرب خيف أن يسفك دماءهم الغزاة في حق غير الله وأما الأثر الذي يقتضي ظاهره جواز الوعد بالنفل فهو حديث حبيب بن مسلمة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ينفل في الغزو السرايا الخارجة من العسكر الربع وفي القفول الثلث ومعلوم أن المقصود من هذا إنما هو التنشيط على الحرب وأما المسألة الرابعة وهي هل يجب سلب المقتول للقاتل أو ليس يجب إلا إن نفله له الإمام فإنهم اختلفوا في ذلك فقال مالك لا يستحق القاتل سلب المقتول إلا أن ينفله له الإمام على جهة الاجتهاد وذلك بعد الحرب وبه قال أبو حنيفة والثوري وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق وجماعة من السلف واجب للقاتل قال ذلك الإمام أو لم يقله ومن هؤلاء من جعل السلب له على كل حال ولم يشترط في ذلك شرطا ومنهم من قال لا يكون له السلب إلا إذا قتله مقبلا غير مدبر وبه قال الشافعي ومنهم من قال إنما يكون السلب للقاتل إذا كان القتل قبل معمعة الحرب أو بعدها وبه قال الأوزاعي وأما إن قتله في حين المعمعة فليس له سلب وبه قال الأوزاعي وقال قوم إن استكثر الإمام السلب جاز أن يخمسه وسبب اختلافهم هو احتمال قوله عليه الصلاة والسلام يوم حنين بعد ما برد القتال من قتل قتيلا فله سلبه أن يكون ذلك منه عليه الصلاة والسلام على جهة النفل أو على جهة الاستحقاق للقاتل و مالك رحمه الله قوي عنده أنه على جهة النفل من قبل أنه لم يثبت عنده أنه قال ذلك عليه الصلاة والسلام ولا قضى به إلا أيام حنين ولمعارضة آية الغنيمة له إن حمل ذلك على الاستحقاق أعني قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء الآية فإنه لما نص في الآية على أن الخمس لله علم أن أربعة الأخماس واجبة للغانمين كما أنه لما نص على الثلث للأم في المواريث علم أن الثلثين للأب قال أبو عمر وهذا القول محفوظ عنه صلى الله عليه وسلم في حنين وفي بدر وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال كنا لا نخمس السلب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
وخرج أبو داود عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل وخرج ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك أن البراء بن مالك حمل على مرزبان يوم الدارة فطعنه طعنة على قربوس سرجه فقتله فبلغ سلبه ثلاثين ألفا فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال لأبي طلحة إنا كنا لا نخمس السلب وإن سلب البراء قد بلغ مالا كثيرا ولا أراني إلا خمسته قال قال ابن سيرين فحدثني أنس بن مالك أنه أول سلب خمس في الإسلام وبهذا تمسك من فرق بين السلب القليل والكثير واختلفوا في السلب الواجب ما هو فقال قوم له جميع ما وجد على المقتول واستثنى قوم من ذلك الذهب والفضة الفصل الرابع في حكم ما وجد من أموال المسلمين عند الكفار وأما أموال المسلمين التي تسترد من أيدي الكفار فإنهم اختلفوا في ذلك على أربعة أقوال مشهورة أحدها أن ما استرد المسلمون من أيدي الكفار من أموال المسلمين فهو لأربابها من المسلمين وليس للغزاة المستردين لذلك منها شيء وممن قال بهذا القول الشافعي وأصحابه وأبو ثور والقول الثاني أن ما استرد المسلمون من ذلك هو غنيمة الجيش ليس لصاحبه منه شيء وهذا القول قاله الزهري وعمرو بن دينار وهو مروي عن علي بن أبي طالب والقول الثالث أن ما وجد من أموال المسلمين قبل القسم فصاحبه أحق به بلا ثمن وما وجد من ذلك بعد القسم فصاحبه أحق به بالقيمة وهؤلاء انقسموا قسمين فبعضهم رأى هذا الرأي في كل ما استرده المسلمون من أيدي الكفار بأي وجه صار ذلك إلى أيدي الكفار وفي أي موضع صار وممن قال بهذا القول مالك والثوري وجماعة وهو مروي عن عمر بن الخطاب وبعضهم فرق بين ما صار من ذلك إلى أيدي الكفار غلبة وحازوه حتى أوصلوه إلى دار المشركين وبين ما أخذ منهم قبل أن يحوزوه ويبلغوا به دار الشرك فقالوا ما حازوه فحكمه إن ألفاه صاحبه قبل القسم فهو له وإن ألفاه بعد القسم فهو أحق به بالثمن قالوا وأما ما لم يحزه العدو بأن يبلغوا دارهم به فصاحبه أحق به قبل القسم وبعده وهذا هو القول الرابع واختلافهم راجع إلى اختلافهم في هل يملك الكفار على المسلمين أموالهم إذا غلبوهم عليها أم ليس يملكونها وسبب اختلافهم في هذه المسألة تعارض الآثار في هذا الباب والقياس وذلك أن حديث عمران بن حصين يدل على أن المشركين ليس يملكون على المسلمين شيئا وهو قال أغار المشركون على سرح المدينة وأخذوا العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وامرأة من المسلمين فلما كانت ذات ليلة قامت المرأة وقد ناموا فجعلت لا تضع يدها على بعير إلا أرغى حتى أتت ناقة ذلولا فركبتها ثم توجهت قبل المدينة ونذرت لئن نجاها الله لتنحرنها فلما قدمت المدينة عرفت الناقة فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته المرأة بنذرها فقال بئس ما جزيتها لا نذر فيما لا يملك ابن آدم ولا نذر في معصية وكذلك يدل ظاهر حديث ابن عمر على مثل هذا وهو أنه أغار له فرس فأخذها العدو فظهر عليه المسلمون فردت عليه في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما حديثان ثابتان وأما الأثر الذي يدل على ملك الكفار على المسلمين فقوله عليه الصلاة والسلام وهل ترك لنا عقيل من منزل يعني أنه باع دوره التي كانت له بمكة بعد هجرته منها عليه الصلاة والسلام إلى المدينة وأما القياس فإن من شبه الأموال بالرقاب قال الكفار كما لا يملكون رقابهم فكذلك لا يملكون أموالهم كحال الباغي مع العادل أعني أنه لا يملك عليهم الأمرين جميعا ومن قال من ليس يملك فهو ضامن للشيء إن فاتت عينه وقد أجمعوا على أن الكفار غير ضامنين لأموال المسلمين فلزم عن ذلك أن الكفار ليسوا بغير مالكين للأموال فهم مالكون إذ لو كانوا غير مالكين لضمنوا
وأما من فرق بين الحكم قبل الغنم وبعده وبين ما أخذه المشركون بغلبة أو بغير غلبة بأن صار إليهم من تلقائه مثل العبد الآبق والفرس العائد فليس له حظ من النظر وذلك أنه ليس يجد وسطا بين أن يقول إما أن يملك المشرك على المسلم شيئا أو لا يملكه إلا أن يثبت في ذلك دليل سمعي لكن أصحاب هذا المذهب إنما صاروا إليه لحديث الحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس أن رجلا وجد بعيرا له كان المشركون قد أصابوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أصبته قبل أن يقسم فهو لك وإن أصبته بعد القسم أخذته بالقيمة لكن الحسن بن عمارة مجتمع على ضعفه وترك الاحتجاج به عند أهل الحديث والذي عول عليه مالك فيما أحسب من ذلك هو قضاء عمر بذلك ولكن ليس يجعل له أخذه بالثمن بعد القسم على ظاهر حديثه واستثناء أبي حنيفة أم الولد والمدبر من سائر الأموال لا معنى له وذلك أنه يرى أن الكفار يملكون على المسلمين سائر الأموال ما عدا هذين وكذلك قول مالك في أم الولد إنه إذا أصابها مولاها بعد القسم أن على الإمام أن يفديها فإن لم يفعل أجبر سيدها على فدائها فإن لم يكن له مال أعطيت له واتبعه الذي أخرجت في نصيبه بقيمتها دينا متى أيسر هو قول أيضا ليس له حظ من النظر لأنه إن لم يملكها الكفار فقد يجب أن يأخذها بغير ثمن وإن ملكوها فلا سبيل له عليها وأيضا فإنه لا فرق بينها وبين سائر الأموال إلا أن يثبت في ذلك سماع ومن هذا الأصل أعني من اختلافهم هل يملك المشرك مال المسلم أو لا يملك واختلف الفقهاء في الكافر يسلم وبيده مال مسلم هل يصح له أم لا فقال مالك وأبو حنيفة يصح له وقال الشافعي على أصله لا يصح له واختلف مالك وأبو حنيفة إذا دخل مسلم إلى الكفار على جهة التلصص وأخذ مما في أيديهم مال مسلم فقال أبو حنيفة هو أولى به وإن أراده صاحبه أخذه بالثمن وقال مالك هو لصاحبه فلم يجر على أصله ومن هذا الباب اختلافهم في الحربي يسلم ويهاجر ويترك في دار الحرب ولده وزوجه وماله هل يكون لما ترك حرمة مال المسلم وزوجه وذريته فلا يجوز تملكهم للمسلمين إن غلبوا على ذلك أم ليس لما ترك حرمة فمنهم من قال لكل ما ترك حرمة الإسلام ومنهم من قال ليس له حرمة ومنهم من فرق بين المال والزوجة والولد فقال ليس للمال حرمة وللولد والزوجة حرمة وهذا جار على غير قياس وهو قول مالك والأصل أن المبيح للمال هو الكفر وأن العاصم له هو الإسلام كما قال عليه الصلاة والسلام فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم فمن زعم أن ههنا مبيحا للمال غير الكفر من تملك عدو أو غيره فعليه الدليل وليس ههنا دليل تعارض به هذه القاعدة والله أعلم الفصل الخامس في حكم ما افتتح المسلمون من الأرض عنوة واختلفوا فيما افتتح المسلمون من الأرض عنوة فقال مالك لا تقسم الأرض وتكون وقفا يصرف خراجها في مصالح المسلمين من أرزاق المقاتلة وبناء القناطر والمساجد وغير ذلك من سبل الخير إلا أن يرى الإمام في وقت من الأوقات أن المصلحة تقتضي القسمة فإن له أن يقسم الأرض وقال الشافعي الأرضون المفتتحة تقسم كما تقسم الغنائم يعني خمسة أقسام وقال أبو حنيفة الإمام مخير بين أن يقسمها على المسلمين أو يضرب على أهلها الكفارة فيها الخراج ويقرها بأيديهم
وسبب اختلافهم ما يظن من التعارض بين آية سورة الأنفال وآية سورة الحشر وذلك أن آية الأنفال تقتضي بظاهرها أن كل ما غنم يخمس وهو قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم وقوله تعالى في آية الحشر والذين جاؤوا من بعدهم عطفا على ذكر الذين أوجب لهم الفيء يمكن أن يفهم منه أن جميع الناس الحاضرين والآتين شركاء في الفيء كما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى والذين جاؤوا من بعدهم ما أرى هذه الآية إلا قد عمت الخلق حتى الراعي بكداء أو كلاما هذا معناه ولذلك لم تقسم الأرض التي افتتحت في أيامه عنوة من أرض العراق ومصر فمن رأى أن الآيتين متواردتان على معنى واحد وأن آية الحشر مخصصة لآية الأنفال استثنى من ذلك الأرض ومن رأى أن الآيتين ليستا متواردتين على معنى واحد بل رأى أن آية الأنفال في الغنيمة وآية الحشر في الفيء على ما هو الظاهر من ذلك قال تخمس الأرض ولا بد ولا سيما أنه قد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قسم خيبر بين الغزاة قالوا فالواجب أن تقسم الأرض لعموم الكتاب وفعله عليه الصلاة والسلام الذي يجري مجرى البيان للمجمل فضلا عن العام وأما أبو حنيفة فإنما ذهب إلى التخيير بين القسمة وبين أن يقر الكفار فيها على خراج يؤدونه لأنه زعم أنه قد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر بالشطر ثم أرسل ابن رواحة فقاسمهم قالوا فظهر من هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن قسم جميعها ولكنه قسم طائفة من الأرض وترك طائفة لم يقسمها قالوا فبان بهذا أن الإمام بالخيار بين القسمة والإقرار بأيديهم وهو الذي فعل عمر رضي الله عنه وإن أسلموا بعد الغلبة عليهم كان مخيرا بين المن عليهم أو قسمتها على ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة أعني من المن وهذا إنما يصح على رأي من رأى أنه افتتحها عنوة فإن الناس اختلفوا في ذلك وإن كان الأصح أنه افتتحها عنوة لأنه الذي خرجه مسلم وينبغي أن تعلم أن قول من قال إن آية الفيء وآية الغنيمة محمولتان على الخيار وأن آية الفيء ناسخة لآية الغنيمة أو مخصصة لها أنه قول ضعيف جدا إلا أن يكون اسم الفيء والغنيمة يدلان على معنى واحد فإن كان ذلك فالآيتان متعارضتان لأن آية الأنفال توجب التخميس وآية الحشر توجب القسمة دون التخميس فوجب أن تكون إحداهما ناسخة للأخرى أو يكون الإمام مخيرا بين التخميس وترك التخميس وذلك في جميع الأموال المغنومة وذكر بعض أهل العلم أنه مذهب لبعض الناس وأظنه حكاه عن المذهب ويجب على مذهب من يريد أن يستنبط من الجمع بينهما ترك قسمة الأرض وقسمة ما عدا الأرض أن تكون كل واحدة من الآيتين مخصصة بعض ما في الأخرى أو ناسخة له حتى تكون آية الأنفال خصصت من عموم آية الحشر ما عدا الأرضين فأوجبت فيها الخمس وآية الحشر خصصت من آية الأنفال الأرض فلم توجب فيها خمسا وهذه الدعوى لا تصح إلا بدليل مع أن الظاهر من آية الحشر أنها تضمنت القول في نوع من الأموال مخالف الحكم للنوع الذي تضمنته آية الأنفال وذلك أن قوله تعالى فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب هو تنبيه على العلة التي من أجلها لم يوجب حق للجيش خاصة دون الناس والقسمة بخلاف ذلك إذ كانت تؤخذ بالإيجاف الفصل السادس في قسمة الفيء وأما الفيء عند الجمهور فهو كل ما صار للمسلمين من الكفار من قبل الرعب والخوف من غير أن يوجف عليه بخيل أو رجل واختلف الناس في الجهة التي يصرف إليها فقال قوم إن الفيء لجميع المسلمين الفقير والغني وإن الإمام يعطي منه للمقاتلة وللحكام وللولاة وينفق منه في النوائب التي تنوب المسلمين كبناء القناطر وإصلاح المساجد وغير ذلك ولا خمس في شيء منه وبه قال الجمهور وهو الثابت عن أبي بكر وعمر
وقال الشافعي بل فيه الخمس والخمس مقسوم على الأصناف الذين ذكروا في آية الغنائم وهم الأصناف الذين ذكروا في الخمس بعينه من الغنيمة وإن الباقي هو مصروف إلى اجتهاد الإمام ينفق منه على نفسه وعلى عياله ومن رأى وأحسب أن قوما قالوا إن الفيء غير مخمس ولكن يقسم على الأصناف الخمسة الذين يقسم عليهم الخمس وهو أحد أقوال الشافعي فيما أحسب وسبب اختلاف من رأى أنه يقسم جميعه على الأصناف الخمسة أو هو مصروف إلى اجتهاد الإمام هو سبب اختلافهم في قسمة الخمس من الغنيمة وقد تقدم ذلك أعني أن من جعل ذكر الأصناف في الآية تنبيها على المستحقين له قال هو لهذه الأصناف المذكورين ومن فوقهم ومن جعل ذكر الأصناف تعديدا للذين يستوجبون من هذا المال قال لا يتعدى به هؤلاء الأصناف أعني أنه جعله من باب الخصوص لا من باب التنبيه وأما تخميس الفيء فلم يقل به أحد قبل الشافعي وإنما حمله على هذا القول أنه رأى الفيء قد قسم في الآية على عدد الأصناف الذين قسم عليهم الخمس فاعتقد لذلك أن فيه الخمس لأنه ظن أن هذه القسمة مختصة بالخمس وليس ذلك بظاهر بل الظاهر أن هذه القسمة تخص جميع الفيء لا جزءا منه وهو الذي ذهب إليه فيما أحسب قوم وخرج مسلم عن عمر قال كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خالصة فكان ينفق منها على أهله نفقة سنة وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله وهذه يدل على مذهب مالك الفصل السابع في الجزية والكلام المحيط بأصول هذا الفصل ينحصر في ست مسائل المسألة الأولى ممن يجوز أخذ الجزية الثانية على أي الأصناف منهم تجب الجزية الثالثة كم تجب الرابعة متى تجب ومتى تسقط الخامسة كم أصناف الجزية السادسة فيماذا يصرف مال الجزية المسألة الأولى فأما من يجوز أخذ الجزية منه فإن العلماء مجمعون على أنه يجوز أخذها من أهل الكتاب العجم ومن المجوس كما تقدم واختلفوا في أخذها ممن لا كتاب له وفيمن هو من أهل الكتاب من العرب بعد اتفاقهم فيما حكى بعضهم أنها لا تؤخذ من قرشي كتابي وقد تقدمت هذه المسألة وأما المسألة الثانية وهي أي الأصناف من الناس تجب عليهم فإنهم اتفقوا على أنها إنما تجب بثلاثة أوصاف الذكورية والبلوغ والحرية وأنها لا تجب على النساء ولا على الصبيان إذا كانت إنما هي عوض من القتل والقتل إنما هو متوجه بالأمر نحو الرجال البالغين إذ قد نهي عن قتل النساء والصبيان وكذلك أجمعوا أنها لا تجب على العبيد واختلفوا في أصناف من هؤلاء منها في المجنون وفي المقعد ومنها في الشيخ ومنها في أهل الصوامع ومنها في الفقير هل يتبع بها دينا متى أيسر أم لا وكل هذه مسائل اجتهادية ليس فيها توقيت شرعي وسبب اختلافهم مبني على هل يقتلون أم لا أعني هؤلاء الأصناف وأما المسألة الثالثة وهي كم الواجب فإنهم اختلفوا في ذلك فرأى مالك أن القدر الواجب في ذلك هو ما فرضه عمر رضي الله عنه وذلك على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعون درهما ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام لا يزاد على ذلك ولا ينقص منه وقال الشافعي أقله محدود وهو دينار وأكثره غير محدود وذلك بحسب ما يصالحون عليه وقال قوم لا توقيت في ذلك وذلك مصروف إلى اجتهاد الإمام وبه قال الثوري وقال أبو حنيفة وأصحابه الجزية اثنا عشر درهما وأربعة وعشرون درهما وثمانية وأربعون لا ينقص الفقير من اثني عشر درهما ولا يزاد الغني على ثمانية وأربعين درهما والوسط أربعة وعشرون درهما وقال أحمد دينار أو عدله معافر لا يزاد عليه ولا ينقص منه
وسبب اختلافهم اختلاف الآثار في هذا الباب وذلك أنه روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر وهي ثياب باليمن وثبت عن عمر أنه ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهما مع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام وروي عنه أيضا أنه بعث عثمان بن حنيف فوضع الجزية على أهل السواد ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين واثني عشر فمن حمل هذه الأحاديث كلها على التخيير وتمسك في ذلك بعموم ما ينطلق عليه اسم جزية إذ ليس في توقيت ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم متفق على صحته وإنما ورد الكتاب في ذلك عاما قال لا حد في ذلك وهو الأظهر والله أعلم ومن جمع بين حديث معاذ والثابت عن عمر قال أقله محدود ولا حد لأكثره ومن رجح أحد حديثي عمر قال إما بأربعين درهما وأربعة دنانير وإما بثمانية وأربعين درهما وأربعة وعشرين واثني عشر على ما تقدم ومن رجح حديث معاذ لأنه مرفوع قال دينار فقط أو عدله معافر لا يزاد على ذلك ولا ينقص منه وأما المسألة الرابعة وهي متى تجب الجزية فإنهم اتفقوا على أنها لا تجب إلا بعد الحول وأنه تسقط عنه إذا أسلم قبل انقضاء الحول واختلفوا إذا أسلم بعد ما يحول عليه الحول هل تؤخذ منه جزية للحول الماضي بأسره أو لما مضى منه فقال قوم إذا أسلم فلا جزية عليه بعد انقضاء الحول كان بعد إسلامه أو قبل انقضائه وبهذا القول قال الجمهور وقالت طائفة إن أسلم بعد الحول وجبت عليه الجزية وإن أسلم قبل حلول الحول لم تجب عليه وإنهم اتفقوا على أنه لا تجب عليه قبل انقضاء الحول لأن الحول شرط في وجوبها فإذا وجد الرافع لها وهو الإسلام قبل تقرر الوجوب أعني قبل وجود شرط الوجوب لم تجب وإنما اختلفوا بعد انقضاء الحول لأنها قد وجبت فمن رأى أن الإسلام يهدم هذا الواجب في الكفر كما يهدم كثيرا من الواجبات قال تسقط عنه وإن كان إسلامه بعد الحول ومن رأى أنه لا يهدم الإسلام هذا الواجب كما لا يهدم كثيرا من الحقوق المرتبة مثل الديون وغير ذلك قال لا تسقط بعد انقضاء الحول فسبب اختلافهم هو هل الإسلام يهدم الجزية الواجبة أو لا يهدمها وأما المسألة الخامسة وهي كم أصناف الجزية فإن الجزية عندهم ثلاثة أصناف جزية عنوية وهي هذه التي تكلمنا فيها أعني التي تفرض على الحربيين بعد غلبتهم وجزية صلحية وهي التي يتبرعون بها ليكف عنهم وهذه ليس فيها توقيت لا في الواجب ولا فيمن يجب عليه ولا متى يجب عليه وإنما ذلك كله راجع إلى الاتفاق الواقع في ذلك بين المسلمين وأهل الصلح إلا أن يقول قائل إنه إن كان قبول الجزية الصلحية واجبا على المسلمين فقد يجب أن يكون ههنا قدر ما إذا أعطاه من أنفسهم الكفار وجب على المسلمين قبول ذلك منهم فيكون أقلها محدودا وأكثرها غير محدود وأما الجزية الثالثة فهي العشرية وذلك أن جمهور العلماء على أنه ليس على أهل الذمة عشر ولا زكاة أصلا في أموالهم إلا ما روي عن طائفة منهم أنهم ضاعفوا الصدقة على نصارى بني تغلب أعني أنهم أوجبوا إعطاء ضعف ما على المسلمين من الصدقة في شيء شيء من الأشياء التي تلزم فيها المسلمين الصدقة وممن قال بهذا القول الشافعي وأبو حنيفة وأحمد والثوري وهو فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بهم وليس يحفظ عن مالك في ذلك نص فيما حكوا وقد تقدم ذلك في كتاب الزكاة
واختلفوا هل يجب العشر عليهم في الأموال التي يتجرون بها إلى بلاد المسلمين بنفس التجارة أو الإذن إن كانوا حربيين أم لا تجب إلا بالشرط فرأى مالك وكثير من العلماء أن تجار أهل الذمة الذين لزمتهم بالإقرار في بلدهم الجزية يجب أن يؤخذ منهم مما يجلبونه من بلد إلى بلد العشر إلا ما يسوقون إلى المدينة خاصة فيؤخذ منه فيه نصف العشر ووافقه أبو حنيفة في وجوبه بالإذن في التجارة أو بالتجارة نفسها وخالفه في القدر فقال الواجب عليهم نصف العشر ومالك لم يشترط عليهم في العشر الواجب عنده نصابا ولا حولا وأما أبو حنيفة فاشترط في وجوب نصف العشر عليهم الحول والنصاب وهو نصاب المسلمين نفسه المذكور في كتاب الزكاة وقال الشافعي ليس يجب عليهم عشر أصلا ولا نصف عشر في نفس التجارة ولا في ذلك شيء محدود إلا ما اصطلح عليه أو اشترط فعلى هذا تكون الجزية العشرية من نوع الجزية الصلحية وعلى مذهب مالك وأبي حنيفة تكون جنسا ثالثا من الجزية غير الصلحية والتي على الرقاب وسبب اختلافهم أنه لم يأت في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة يرجع إليها وإنما ثبت أن عمر بن الخطاب فعل ذلك بهم فمن رأى أن فعل عمر هذا إنما فعله بأمر كان عنده في ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب أن يكون ذلك سنتهم ومن رأى أن فعله هذا كان على وجه الشرط إذ لو كان على غير ذلك لذكره قال ليس ذلك بسنة لازمة لهم إلا بالشرط وحكى أبو عبيد في كتاب الأموال عن رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام لا أذكر اسمه الآن أنه قيل له لم كنتم تأخذون العشر من مشركي العرب فقال لأنهم كانوا يأخذون منا العشر إذا دخلنا إليهم قال الشافعي وأقل ما يجب أن يشارطوا عليه هو ما فرضه عمر رضي الله عنه وإن شورطوا على أكثر فحسن قال وحكم الحربي إذا دخل بأمان حكم الذمي وأما المسألة السادسة وهي فيماذا تصرف الجزية فإنهم اتفقوا على أنها مشتركة لمصالح المسلمين من غير تحديد كالحال في الفيء عند من رأى أنه مصروف إلى اجتهاد الإمام حتى لقد رأى كثير من الناس أن اسم الفيء إنما ينطلق على الجزية في آية الفيء وإذا كان الأمر هكذا فالأموال الإسلامية ثلاثة أصناف صدقة وفي وغنيمة وهذا القدر كاف في تحصيل قواعد هذا الكتاب والله الموفق للصواب كتاب الأيمان وهذا الكتاب ينقسم أولا إلى جملتين الجملة الأولى في معرفة ضروب الإيمان وأحكامها والجملة الثانية في معرفة الأشياء الرافعة للإيمان اللازمة وأحكامها ( الجملة الأولى ) وهذه الجملة فيها ثلاثة فصول الفصل الأول في معرفة الأيمان المباحة وتمييزها من غير المباحة الثاني في معرفة الأيمان اللغوية والمنعقدة الثالث في معرفة الأيمان التي ترفعها الكفارة والتي لا ترفعها الفصل الأول في معرفة الأيمان المباحة وتمييزها من غيرها واتفق الجمهور على أن الأشياء منها ما يجوز في الشرع أن يقسم به ومنها ما لا يجوز أن يقسم به واختلفوا أي الأشياء التي هي بهذه الصفة فقال قوم إن الحلف المباح في الشرع هو الحلف بالله وأن الحالف بغير الله عاص وقال قوم بل يجوز الحلف بكل معظم بالشرع والذين قالوا إن الأيمان المباحة هي الأيمان بالله اتفقوا على إباحة الأيمان التي بأسمائه واختلفوا في الأيمان التي بصفاته وأفعاله وسبب اختلافهم في الحلف بغير الله من الأشياء المعظمة بالشرع معارضة ظاهر الكتاب في ذلك للأثر وذلك أن الله قد أقسم في الكتاب بأشياء كثيرة مثل قوله والسماء والطارق وقوله والنجم إذا هوى إلى غير ذلك من الأقسام الواردة في القرآن وثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام قال إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت فمن جمع بين الأثر والكتاب بأن قال إن الأشياء الواردة في الكتاب المقسوم بها فيها محذوف وهو الله تبارك وتعالى وأن التقدير ورب النجم
ورب السماء قال الأيمان المباحة هي الحلف بالله فقط ومن جمع بينهما بأن المقصود بالحديث إنما هو أن لا يعظم من لم يعظم الشرع بدليل قوله فيه إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم وأن هذا من باب الخاص أريد به العام أجاز الحلف بكل معظم في الشرع فإذا سبب اختلافهم هو اختلافهم في بناء الآي والحديث وأما من منع الحلف بصفات الله وبأفعاله فضعيف وسبب اختلافهم هو هل يقتصر بالحديث على ما جاء من تعليق الحكم فيه والاسم فقط أو يعدى إلى الصفات والأفعال لكن تعليق الحكم في الحديث بالاسم فقط جمود كثير وهو أشبه بمذهب أهل الظاهر وإن كان مرويا في المذهب حكاه اللخمي عن محمد بن المواز وشذت فرقة فمنعت اليمين بالله عز وجل والحديث نص في مخالفة هذا المذهب الفصل الثاني في معرفة الأيمان اللغوية والمنعقدة واتفقوا أيضا على أن الأيمان منها لغو ومنها منعقدة لقوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان واختلفوا فيما هي اللغو فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها اليمين على الشيء يظن الرجل أنه على يقين منه فيخرج الشيء على خلاف ما حلف عليه وقال الشافعي لغو اليمين ما لم تنعقد عليه النية مثل ما جرت به العادة من قول الرجل في أثناء المخاطبة لا والله لا بالله مما يجري على الألسنة بالعادة من غير أن يعتقد لزومه وهذا القول رواه مالك في الموطأ عن عائشة والقول الأول مروي عن الحسن ابن أبي الحسن وقتادة ومجاهد وإبراهيم النخعي وفيه قول ثالث وهو أن يحلف الرجل وهو غضبان وبه قال إسماعيل القاضي من أصحاب مالك وفيه قول رابع وهو الحلف على المعصية وروي عن ابن عباس وفيه قول خامس وهو أن يحلف الرجل على أن لا يأكل شيئا مباحا له بالشرع والسبب في اختلافهم في ذلك هو الاشتراك الذي في اسم اللغو وذلك أن اللغو قد يكون الكلام الباطل مثل قوله تعالى والغوا فيه لعلكم تغلبون وقد يكون الكلام الذي لا تنعقد عليه نية المتكلم به ويدل على أن اللغو في الآية هو هذا أن هذه اليمين هي ضد اليمين المنعقدة وهي المؤكدة فوجب أن يكون الحكم المضاد للشيء المضاد والذين قالوا إن اللغو هو الحلف في إغلاق أو الحلف على ما يوجب الشرع فيه شيئا بحسب ما يعتقد في ذلك قوم فإنما ذهبوا إلى أن اللغو ههنا يدل على معنى عرفي في الشرع وهي الأيمان التي بين الشرع في مواضع أخرى سقوط حكمها مثل ما روي أنه لا طلاق في إغلاق وما أشبه ذلك لكن الأظهر هما القولان الأولان أعني قول مالك والشافعي الفصل الثالث في معرفة الأيمان التي ترفعها الكفارة والتي لا ترفعها وهذا الفصل أربع مسائل المسألة الأولى اختلفوا في الأيمان بالله المنعقدة هل يرفع جميعها الكفارة سواء أكان حلفا على شيء ماض أنه كان فلم يكن وهي التي تعرف باليمين الغموس وذلك إذا تعمد الكذب أو على شيء مستقبل أنه يكون من قبل الحالف أو من قبل من هو بسببه فلم يكن فقال الجمهور ليس في اليمين الغموس كفارة وإنما الكفارة في الأيمان التي تكون في المستقبل إذا خالف اليمين الحالف وممن قال بهذا القول مالك وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وقال الشافعي وجماعة يجب فيها الكفارة أي تسقط الكفارة الإثم فيها كما تسقطه في غير الغموس
وسبب اختلافهم معارضة عموم الكتاب للأثر وذلك أن قوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين الآية توجب أن يكون في اليمين الغموس كفارة لكونها من الأيمان المنعقدة وقوله عليه الصلاة والسلام من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار يوجب أن اليمين الغموس ليس فيها كفارة ولكن للشافعي أن يستثني من الأيمان الغموس ما لا يقتطع بها حق الغير وهو الذي ورد فيه النص أو يقول إن الأيمان التي يقتطع بها حق الغير قد جمعت الظلم والحنث فوجب ألا تكون الكفارة تهدم الأمرين جميعا أو ليس يمكن فيها أن تهدم الحنث دون الظلم لأن رفع الحنث بالكفارة إنما هو من باب التوبة وليس تتبعض التوبة في الذنب الواحد بعينه فإن تاب ورد المظلمة وكفر سقط عنه جميع الإثم المسألة الثانية واختلف العلماء فيمن قال أنا كافر بالله أو مشرك بالله أو يهودي أو نصراني إن فعلت كذا ثم يفعل ذلك هل عليه كفارة أم لا فقال مالك والشافعي ليس عليه كفارة ولا هذه يمين وقال أبو حنيفة هي يمين وعليه فيها الكفارة إذا خالف اليمين وهو قول أحمد بن حنبل أيضا وسبب اختلافهم هو اختلافهم في هل يجوز اليمين بكل ما له حرمة أم ليس يجوز إلا بالله فقط ثم إن وقعت فهل تنعقد أم لا فمن رأى أن الأيمان المنعقدة أعني التي هي بصيغ القسم إنما هي الأيمان الواقعة بالله عز وجل وبأسمائه قال لا كفارة فيها إذ ليست بيمين ون رأى أن الأيمان تنعقد بكل ما عظم الشرع حرمته قال فيها الكفارة لأن الحلف بالتعظيم كالحلف بترك التعظيم وذلك أنه كما يجب التعظيم يجب أن لا يترك التعظيم فكما أن من حلف بوجوب حق الله عليه لزمه كذلك من حلف بترك وجوبه لزمه المسألة الثالثة واتفق الجمهور في الأيمان التي ليست إقساما بشيء وإنما تخرج مخرج الإلزام الواقع بشرط من الشروط مثل أن يقول القائل فإن فعلت كذا فعلي مشي إلى بيت الله أو إن فعلت كذا وكذا فغلامي حر أو امرأتي طالق أنها تلزم في القرب وفيما إذا التزمه الإنسان لزمه بالشرع مثل الطلاق والعتق واختلفوا هل فيها كفارة أم لا فذهب مالك إلى أن لا كفارة فيها وأنه إن لم يفعل ما حلف عليه أثم ولا بد وذهب الشافعي وأحمد وأبو عبيد وغيرهم إلى أن هذا الجنس من الأيمان فيها الكفارة إلا الطلاق والعتق وقال أبو ثور يكفر من حلف بالعتق وقول الشافعي مروي عن عائشة وسبب اختلافهم هل هي يمين أو نذر فمن قال إنها يمين أوجب فيها الكفارة لدخولها تحت عموم قوله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين الآية ومن قال إنها من جنس النذر أي من جنس الأشياء التي نص الشرع على أنه إذا التزمها الإنسان لزمته قال لا كفارة فيها لكن يعسر هذا على المالكية لتسميتهم إياها أيمانا لكن لعلهم إنما سموها أيمانا على طريق التجوز والتوسع والحق أنه ليس يجب أن تسمى بحسب الدلالة اللغوية أيمانا فإن الأيمان في لغة العرب لها صيغ مخصوصة
وإنما يقع اليمين بالأشياء التي تعظم وليست صيغة الشرط هي صيغة اليمين فأما هل تسمى أيمانا بالعرف الشرعي وهل حكمها حكم الأيمان ففيه نظر وذلك أنه قد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قال كفارة النذر كفارة يمين وقال تعالى لم تحرم ما أحل الله لك إلى قوله قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم فظاهر هذا أنه قد سمى بالشرع القول الذي مخرجه مخرج الشرط أو مخرج الإلزام دون شرط ولا يمين فيجب أن تحمل على ذلك جميع الأقاويل التي تجري هذا المجرى إلا ما خصصه الإجماع من ذلك مثل الطلاق فظاهر الحديث يعطي أن النذر ليس بيمين وأن حكمه حكم اليمين وذهب داود وأهل الظاهر إلى أنه ليس يلزم من مثل هذه الأقاويل أعني الخارجة مخرج الشرط إلا ما ألزمه الإجماع من ذلك وذلك أنها ليست بنذور فيلزم فيها النذر ولا بأيمان فترفعها الكفارة فلم يوجبوا على من قال إن فعلت كذا كذا فعلي المشي إلى بيت الله مشيا ولا كفارة بخلاف ما لو قال علي المشي إلى بيت الله لأن هذا نذر باتفاق وقد قال عليه الصلاة والسلام من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه لا يعصه فسبب هذا الخلاف في هذه الأقاويل التي تخرج مخرج الشرط هو هل هي أيمان أو نذور أو ليست أيمانا ولا نذورا فتأمل هذا فإنه بين إن شاء الله تعالى المسألة الرابعة اختلفوا في قول القائل أقسم أو أشهد أن كان كذا وكذا هل هو يمين أم لا على ثلاثة أقوال فقيل إنه ليس بيمين وهو أحد قولي الشافعي وقيل إنها أيمان ضد القول الأول وبه قال أبو حنيفة وقيل إن أراد الله بها فهو يمين وإن لم يرد الله بها فليست بيمين وهو مذهب مالك وسبب اختلافهم هو هل المراعى اعتبار صيغة اللفظ أو اعتبار مفهومه بالعادة أو اعتبار النية فمن اعتبر صيغة اللفظ قال ليست بيمين إذ لم يكن هنالك نطق بمقسوم به ومن اعتبر صيغة اللفظ بالعادة قال هي يمين وفي اللفظ محذوف ولا بد وهو الله تعالى ومن لم يعتبر هذين الأمرين واعتبر النية إذ كان اللفظ صالحا للأمرين فرق في ذلك كما تقدم الجملة الثانية وهذه الجملة تنقسم أولا قسمين القسم الأول النظر في الاستثناء القسم الثاني النظر في الكفارات القسم الأول وفي هذا القسم فصلان الفصل الأول في شروط الاستثناء المؤثر في اليمين الفصل الثاني في تعريف الأيمان التي يؤثر فيها الاستثناء من التي لا يؤثر الفصل الأول في شروط الاستثناء المؤثر في اليمين وأجمعوا على أن الاستثناء بالجملة له تأثير في حل الأيمان واختلفوا في شروط الاستثناء الذي يجب له هذا الحكم بعد أن أجمعوا على أنه إذا اجتمع في الاستثناء ثلاثة شروط أن يكون متناسقا مع اليمين وملفوظا به ومقصودا من أول اليمين أنه لا ينعقد معه اليمين واختلفوا في هذه الثلاثة مواضع أعني إذا فرق الاستثناء من اليمين أو نواه ولم ينطق به أو حدثت له نية الاستثناء بعد اليمين وإن أتى به متناسقا مع اليمين فأما المسألة الأولى وهي اشتراط اتصاله بالقسم فإن قوما اشترطوا ذلك فيه وهو مذهب مالك وقال الشافعي لا بأس بينهما بالسكتة الخفيفة كسكتة الرجل للتذكر أو للتنفس أو لانقطاع الصوت وقال قوم من التابعين يجوز للحالف الاستثناء ما لم يقم من مجلسه وكان ابن عباس يرى أنه له الاستثناء أبدا على ما ذكر منه متى ما ذكر وإنما اتفق الجميع على أن استثناء مشيئة الله في الأمر المحلوف على فعله إن كان فعلا أو على تركه إن كان تركا رافع لليمين لأن الاستثناء هو رفع للزوم اليمين
قال أبو بكر بن المنذر ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث وإنما اختلفوا هل يؤثر في اليمين إذا لم توصل بها أو لا يؤثر لاختلافهم هل الاستثناء حال للانعقاد أم هو مانع له فإذا قلنا إنه مانع للانعقاد لا حال له اشترط أن يكون متصلا باليمين وإذا قلنا إنه حال لم يلزم فيه ذلك والذين اتفقوا على أنه حال اختلفوا هي هو حال بالقرب أو بالبعد على ما حكينا وقد احتج من رأى أنه حال بالقرب بما رواه سعد عن سماك بن حرب عن عكرمة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لأغزون قريشا قالها ثلاثة مرات ثم سكت ثم قال إن شاء الله فدل هذا أن الاستثناء حال لليمين لا مانع لها من الانعقاد قالوا ومن الدليل على أنه حال بالقرب أنه لو كان حالا بالبعد على ما رواه ابن عباس لكان الاستثناء يغني عن الكفارة والذي قالوه بين وأما اشتراط النطق باللسان فإنه اختلف فيه فقيل لا بد فيه من اشتراط اللفظ أي لفظ كان من ألفاظ الاستثناء وسواء أكان بألفاظ الاستثناء أو بتخصيص العموم أو بتقييد المطلق هذا هو المشهور وقيل إنما ينفع الاستثناء بالنية بغير لفظ في حرف إلا فقط أي بما يدل عليه لفظ إلا وليس ينفع ذلك فيما سواه من الحروف وهذه التفرقة ضعيفة والسبب في هذا الاختلاف هو هل تلزم العقود اللازمة بالنية فقط دون اللفظ أو باللفظ والنية معا مثل الطلاق والعتق واليمين وغير ذلك وأما المسألة الثانية وهي هل تنفع النية الحادثة في الاستثناء بعد انقضاء اليمين فقيل أيضا في المذهب إنها تنفع إذا حدثت متصلة باليمين وقيل بل إذا حدثت قبل أن يتم النطق باليمين وقيل بل استثناء على ضربين استثناء من عدد واستثناء من عموم بتخصيص أو من مطلق بتقييد فالاستثناء من العدد لا ينفع فيه إلا حدوث النية قبل النطق باليمين والاستثناء من العموم ينفع فيه حدوث النية بعد اليمين إذا وصل الاستثناء نطقا باليمين وسبب اختلافهم هل الاستثناء مانع للعقد أو حال له فإن قلنا إنه مانع فلا بد من اشتراط حدوث النية في أول اليمين وإن قلنا إنه حال لم يلزم ذلك وقد أنكر عبد الوهاب أن يشترط حدوث النية في أول اليمين للاتفاق وزعم على أن الاستثناء حال لليمين كالكفارة سواء الفصل الثاني من القسم الأول في تعريف الأيمان التي يؤثر فيها الاستثناء وغيرها وقد اختلفوا في الأيمان التي يؤثر فيها استثناء مشيئة الله من التي لا يؤثر فيها فقال مالك وأصحابه لا تؤثر المشيئة إلا في الأيمان التي تكفر وهي اليمين بالله عندهم أو النذر المطلق على ما سيأتي وأما الطلاق والعتاق فلا يخلو أن يعلق الاستثناء في ذلك بمجرد الطلاق أو العتق فقط مثل أن يقول هي طالق إن شاء الله أو عتيق إن شاء الله وهذه ليست عندهم يمينا وإما أن يعلق الطلاق بشرط من الشروط مثل أن يقول إن كان كذا فهي طالق إن شاء الله أو إن كان كذا فهو عتيق إن شاء الله فأما القسم الأول فلا خلاف في المذهب أن المشيئة غير مؤثرة فيه وأما القسم الثاني وهو اليمين بالطلاق ففي المذهب فيه قولان أصحهما إذا صرف الاستثناء إلى الشرط الذي علق به الطلاق صح وإن صرفه إلى نفس الطلاق لم يصح قال أبو حنيفة والشافعي الاستثناء يؤثر في ذلك كله سواء قرنه بالقول الذي مخرجه الشرط أو بالقول الذي مخرجه مخرج الخبر
وسبب الخلاف ما قلناه من أن الاستثناء هل هو حال أو مانع فإذا قلنا مانع وقرن بلفظ مجرد الطلاق فلا تأثير له فيه إذ قد وقع الطلاق أعني إذا قال الرجل لزوجته هي طالق إن شاء الله لأن المانع إنما يقوم لما لم يقع وهو المستقبل وإن قلنا إنه حال للعقود وجب أن يكون له تأثير في الطلاق وإن كان وقد وقع فتأمل هذا فإنه بين ولا معنى لقول المالكية إن الاستثناء في هذا مستحيل لأن الطلاق قد وقع إلا أن يعتقدوا أن الاستثناء هو مانع لا حال فتأمل هذا فإنه ظاهر إن شاء الله القسم الثاني من الجملة الثانية وهذا القسم فيه فصول ثلاثة الفصل الأول في موجب الحنث وشروطه وأحكامه الفصل الثاني في رافع الحنث وهي الكفارات الفصل الثالث متى ترفع وكم ترفع الفصل الأول في موجب الحنث وشروطه وأحكامه واتفقوا على أن موجب الحنث هو المخالفة لما انعقدت عليه اليمين وذلك إما فعل ما خلف على ألا يفعله وإما ترك ما حلف على فعله إذا علم أنه قد تراخى عن فعل ما حلف على فعله إلى وقت ليس يمكنه فيه فعله وذلك في اليمين بالترك المطلق مثل أن يحلف ليأكلن هذا الرغيف فيأكله غيره أو إلى وقت هو غير الوقت الذي اشترط في وجود الفعل عنده وذلك في الفعل المشترط فعله في زمان محدود مثل أن يقول والله لأفعلن اليوم كذا وكذا فإنه إذا انقضى النهار ولم يفعل حنث ضرورة واختلفوا من ذلك في أربعة مواضع أحدها إذا أتى بالمخالف ناسيا أو مكرها والثاني هل يتعلق موجب اليمين بأقل ما ينطلق عليه الاسم أو بجميعه والموضع الثالث هل يتعلق اليمين بالمعنى المساوي لصيغة اللفظ أو بمفهومه المخصص للصيغة والمعمم لها والموضع الرابع هل اليمين على نية الحالف أو المستحلف فأما المسألة الأولى فإن مالكا يرى الساهي والمكره بمنزلة العامد والشافعي يرى أن لا حنث على الساهي ولا على المكره وسبب اختلافهم معارضة عموم قوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ولم يفرق بين عامد وناس لعموم قوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فإن هذين العمومين يمكن أن يخصص كل واحد منهما بصاحبه وأما الموضع الثاني فمثل أن يحلف أن لا يفعل شيئا ففعل بعضه أو أنه يفعل شيئا فلم يفعل بعضه فعند مالك إذا حلف ليأكلن هذا الرغيف فأكل بعضه لا يبرأ إلا بأكله كله وإذا قال لا آكل هذا الرغيف أنه يحنث إن أكل بعضه وعند الشافعي وأبي حنيفة أنه لا يحنث في الوجهين جميعا حملا على الأخذ بأكثر ما يدل عليه الاسم وأما تفريق مالك بين الفعل والترك فلم يجر في ذلك على أصل واحد لأنه أخذ في الترك بأقل ما يدل عليه الاسم وأخذ في الفعل بجميع ما يدل عليه الاسم وكأنه ذهب إلى الاحتياط وأما المسألة الثالثة فمثل أن يحلف على شيء بعينه يفهم منه القصد إلى معنى أعم من ذلك الشيء الذي لفظ به أو أخص أو يحلف على شيء وينوي به معنى أعم أو أخص أو يكون للشيء الذي حلف عليه اسمان أحدهما لغوي والآخر عرفي وأحدهما أخص من الآخر وأما إذا حلف على شيء بعينه فإنه لا يحنث عند الشافعي وأبي حنيفة إلا بالمخالفة الواقعة في ذلك الشيء بعينه الذي وقع عليه الحلف وإن كان المفهوم منه معنى أعم أو أخص من قبل الدلالة العرفية وكذلك أيضا فيم أحسب لا يعتبرون النية المخالفة للفظ وإنما يعتبرون مجرد الألفاظ فقط وأما مالك فإن المشهور من مذهبه أن المعتبر أولا عنده في الأيمان التي لا يقضى على حالفها هو النية فإن عدمت فقرينة الحال فإن عدمت فعرف اللفظ فإن عدم فدلالة اللغة وقيل لا يراعى إلا النية أو ظاهر اللفظ اللغوي فقط وقيل يراعى النية وبساط الحال ولا يراعى العرف
وأما الأيمان التي يقضى بها على صاحبها فإنه إن جاء الحالف مستفتيا كان حكمه حكم اليمين التي لا يقضى بها على صاحبها من مراعاة هذه الأشياء فيها على هذا الترتيب وإن كان مما يقضى بها عليه لم يراع فيها إلا اللفظ إلا أن يشهد لما يدعي من النية المخالفة لظاهر اللفظ قرينة الحال أو العرف وأما المسألة الرابعة فإنهم اتفقوا على أن اليمين على نية المستحلف في الدعاوى واختلفوا في غير ذلك مثل الأيمان على المواعيد فقال قوم على نية الحالف وقال قوم على نية المستحلف وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اليمين على نية المستحلف وقال عليه الصلاة والسلام يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك خرج هذين الحديثين مسلم ومن قال اليمين على نية الحالف فإنما اعتبر المعنى القائم بالنفس من اليمين لا ظاهر اللفظ وفي هذا الباب فروع كثيرة لكن هذه المسائل الأربع هي أصول هذا الباب إذ يكاد أن يكون جميع الاختلاف الواقع في هذا الباب راجعا إلى الاختلاف في هذه وذلك في الأكثر مثل اختلافهم فيمن حلف أن لا يأكل رؤوسا فأكل رؤوس حيتان هل يحنث أم لا فمن راعى العرف قال لا يحنث ومن راعى دلالة اللغة قال يحنث ومثل اختلافهم فيمن حلف أن لا يأكل لحما فأكل شحما فمن اعتبر دلالة اللفظ الحقيقي قال لا يحنث ومن رأى أن اسم الشيء قد ينطلق على ما يتولد منه قال يحنث بالجملة فاختلافهم في المسائل الفروعية التي في هذا الباب هي راجعة إلى اختلافهم في هذه المسائل التي ذكرنا وراجعة إلى اختلافهم في دلالات الألفاظ التي يحلف بها وذلك أن منها ما هي مجملة ومنها ما هي ظاهرة ومنها ما هي نصوص الفصل الثاني في رافع الحنث واتفقوا على أن الكفارة في الأيمان هي الأربعة الأنواع التي ذكر الله في كتابه في قوله تعالى فكفارته الآية وجمهورهم على أن الحالف إذا حنث مخير بين الثلاثة منها أعني الإطعام أو الكسوة أو العتق وأنه لا يجوز له الصيام إلا إذا عجز عن هذه الثلاثة لقوله تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام إلا ما روي عن ابن عمر أنه كان إذا غلظ اليمين أعتق أو كسا وإذا لم يغلظها أطعم واختلفوا من ذلك في سبع مسائل مشهورة المسألة الأولى في مقدار الإطعام لكل واحد من العشرة مساكين الثانية في جنس الكسوة إذا اختار الكسوة وعددها الثالثة في اشتراط التتابع في صيام الثلاثة الأيام أو لا اشتراطه الرابعة في اشتراط العدد في المساكين الخامسة في اشتراط الإسلام فيهم والحرية السادسة في اشتراط السلامة في الرقبة المعتقة من العيوب السابعة في اشتراط الإيمان فيها المسألة الأولى أما مقدار الإطعام فقال مالك والشافعي وأهل المدينة يعطى لكل مسكين مد من حنطة بمد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن مالكا قال المد خاص بأهل المدينة فقط لضيق معايشهم وأما سائر المدن فيعطون الوسط من نفقتهم وقال ابن القاسم يجري المد في كل مدينة مثل قول الشافعي وقال أبو حنيفة يعطيهم نصف صاع من حنطة أو صاعا من شعير أو تمر قال فإن غداهم وعشاهم أجزأه والسبب في اختلافهم في ذلك اختلافهم في تأويل قوله تعالى من أوسط ما تطعمون أهليكم هل المراد بذلك أكلة واحدة أو قوت اليوم وهو غداء وعشاء فمن قال أكلة واحدة قال المد وسط في الشبع ومن قال غداء وعشاء قال نصف صاع ولاختلافهم أيضا سبب آخر وهو تردد هذه الكفارة بين كفارة الفطر متعمدا في رمضان وبين كفارة الأذى فمن شبهها بكفارة الفطر قال مد واحد ومن شبهها بكفارة الأذى قال نصف صاع واختلفوا هل يكون مع الخبز في ذلك إدام أم لا وإن كان فما هو الوسط فيه فقيل يجزي الخبز قفارا وقال ابن حبيب لا يجزي وقيل الوسط من الإدام الزيت وقيل اللبن والسمن والتمر
واختلف أصحاب مالك من الأهل الذين أضاف إليهم الوسط من الطعام في قوله تعالى من أوسط ما تطعمون أهليكم فقيل أهل المكفر وعلى هذا إنما يخرج الوسط من الشيء الذي منه يعيش إن قطنية فقطنية وإن حنطة فحنطة وقيل بل هم أهل البلد الذي هو فيهم وعلى هذا فالمعتبر في اللازم له هو الوسط من عيش أهل البلد لا من عيشه أعني الغالب وعلى هذين القولين يحمل قدر الوسط من الإطعام أعني الوسط من قدر ما يطعم أهله أو الوسط من قدر ما يطعم أهل البلد أهليهم إلا في المدينة خاصة وأما المسألة الثانية وهي المجزىء من الكسوة فإن مالكا رأى أن الواجب في ذلك هو أن يكسي ما يجزي فيه الصلاة فإن كسا الرجل كسا ثوبا وإن كسا النساء كسا ثوبين درعا وخمارا وقال الشافعي وأبو حنيفة يجزىء في ذلك أقل ما ينطلق عليه الاسم إزار أو قميص أو سراويل أو عمامة وقال أبو يوسف لا تجزي العمامة ولا السراويل وسبب اختلافهم هل الواجب الأخذ بأقل دلالة الاسم اللغوي أو المعنى الشرعي وأما المسألة الثالثة وهي اختلافهم في اشتراط تتابع الأيام الثلاثة في الصيام فإن مالكا والشافعي لم يشترطا في ذلك وجوب التتابع وإن كانا استحباه واشترط ذلك أبو حنيفة وسبب اختلافهم في ذلك شيئان أحدهما هل يجوز العمل بالقراءة التي ليست في المصحف وذلك أن في قراءة عبد الله بن مسعود فصيام ثلاثة أيام متتابعات والسبب الثاني اختلافهم هل يحمل الأمر بمطلق الصوم على التتابع أم ليس يحمل إذا كان الأصل في الصيام الواجب بالشرع إنما هو التتابع وأما المسألة الرابعة وهي اشتراط العدد في المساكين فإن مالكا والشافعي قالا لا يجزيه ألا أن يطعم عشرة مساكين وقال أبو حنيفة إن أطعم مسكينا واحدا عشرة أيام أجزأه والسبب في اختلافهم هل الكفارة حق واجب للعدد المذكور أو حق واجب على المكفر فقدر بالعدد المذكور فإن قلنا إنه حق واجب للعدد كالوصية فلا بد من اشتراط العدد وإن قلنا حق واجب على المكفر لكنه قدر بالعدد أجزأ من ذلك إطعام مسكين واحد على عدد المذكورين والمسألة محتملة وأما المسألة الخامسة وهي اشتراط الإسلام والحرية في المساكين فإن مالكا والشافعي اشترطاهما ولم يشترط الفصل الثالث متى ترفع الكفارة الحنث وكم ترفع وأما متى ترفع الكفارة الحنث وتمحوه فإنهم اختلفوا في ذلك فقال الشافعي إذا كفر بعد الحنث أو قبله فقد ارتفع الإثم وقال أبو حنيفة لا يرتفع الحنث إلا بالتكفير الذي يكون بعد الحنث لا قبله وروي عن مالك في ذلك القولان جميعا وسبب اختلافهم شيئان أحدهما اختلاف الرواية في قوله عليه الصلاة والسلام من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه فإن قوما رووه هكذا وقوم رووه فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير وظاهر هذه الرواية أن الكفارة تجوز قبل الحنث وظاهر الثانية أنها بعد الحنث والسبب الثاني اختلافهم في هل يجزي تقديم الحق الواجب قبل وقت وجوبه لأنه من الظاهر أن الكفارة إنما تجب بعد الحنث كالزكاة بعد الحول ولقائل أن يقول إن الكفارة إنما تجب بإرادة الحنث والعزم عليه كالحال في كفارة الظهار فلا يدخله الخلاف من هذه الجهة وكان سبب الخلاف من طريق المعنى هو هل الكفارة رافعة للحنث إذا وقع أو مانعة له فمن قال مانعة أجاز تقديمها على الحنث ومن قال رافعة لم يجزها إلا بعد وقوعه وأما تعدد الكفارات بتعدد الأيمان فإنهم اتفقوا فيما علمت أن من حلف على أمور شتى بيمين واحدة أن كفارته كفارة يمين واحدة وكذلك فيما أحسب لا خلاف بينهم أنه إذا حلف بأيمان شتى على شيء واحد أن الكفارات الواجبة في ذلك بعدد الأيمان كالحالف إذا حلف بأيمان شتى على أشياء شتى
اختلفوا إذا حلف على شيء واحد بعينه مرارا كثيرة فقال قوم في ذلك كفارة يمين واحدة وقال قوم في كل يمين كفارة إلا أن يريد التأكيد وهو قول مالك وقال قوم فيها كفارة واحدة إلا أن يريد التغليظ وسبب اختلافهم هل الموجب للتعدد هو تعدد الأيمان بالجنس أو بالعدد فمن قال اختلافها بالعدد قال لكل يمين كفارة إذا كرر ومن قال اختلافها بالجنس قال في هذه المسألة يمين واحدة واختلفوا إذا حلف في يمين واحدة بأكثر من صفتين من صفات الله تعالى هل تعدد الكفارات بتعدد الصفات التي تضمنت اليمين أم في ذلك كفارة واحدة فقال مالك الكفارة في هذه اليمين متعددة بتعدد الصفات فمن حلف بالسميع العليم الحكيم كان عليه ثلاث كفارات عنده وقال قوم إن أراد الكلام الأول وجاء بذلك على أنه قول واحد فكفارة واحدة إذا كانت يمينا واحدة والسبب في اختلافهم هل مراعاة الواحدة أو الكثرة في اليمين هو راجع إلى صيغة القول أو إلى تعدد الأشياء التي يشتمل عليها القول الذي مخرجه مخرج يمين فمن اعتبر الصيغة قال كفارة واحدة ومن اعتبر عدد ما تضمنته صيغة القول من الأشياء التي يمكن أن يقسم بكل واحد منها على انفراده قال الكفارة متعددة بتعددها وهذا القدر كاف في قواعد هذا الكتاب وسبب الاختلاف في ذلك والله المعين برحمته كتاب النذور وهذا الكتاب فيه ثلاثة فصول الفصل الأول في أصناف النذور الفصل الثاني فيما يلزم من النذور وما لا يلزم وجملة أحكامها الفصل الثالث في معرفة الشيء الذي يلزم عنها وأحكامها الفصل الأول في أصناف النذور والنذور تنقسم أولا قسمين قسم من جهة اللفظ وقسم من جهة الأشياء التي تنذر فأما من جهة اللفظ فإنه ضربان مطلق وهو المخرج مخرج الخبر ومقيد وهو المخرج مخرج الشرط والمطلق على ضربين مصرح فيه بالشيء المنذور به وغير مصرح فالأول مثل قول القائل لله علي نذر أن أحج والثاني مثل قوله لله علي نذر دون أن يصرح بمخرج النذر والأول ربما صرح فيه بلفظ النذور وربما لم يصرح فيه به مثل أن يقول لله علي أن أحج وأما المقيد المخرج مخرج الشرط فكقول القائل إن كان كذا فعلي لله نذر كذا وأن أفعل كذا وهذا ربما علقه بفعل من أفعال الله تعالى مثل أن يقول إن شفى الله مريضي فعلي نذر كذا وكذا وربما علقه بفعل نفسه مثل أن يقول إن فعلت كذا فعلي نذر كذا وهذا هو الذي يسميه الفقهاء أيمانا وقد تقدم من قولنا أنها ليست بأيمان فهذه هي أصناف النذور من جهة الصيغ وأما أصنافه من جهة الأشياء التي من جنس المعاني المنذور بها فإنها تنقسم إلى أربعة أقسام نذر بأشياء من من جنس القرب ونذر بأشياء من جنس المعاصي ونذر بأشياء من جنس المكروهات ونذر بأشياء من جنس المباحات وهذه الأربعة تنقسم قسمين نذر بتركها ونذر بفعلها الفصل الثاني فيما يلزم من النذور وما لا يلزم وأما ما يلزم من هذه النذور وما لا يلزم فإنهم اتفقوا على لزوم النذر المطلق في القرب إلا ما حكي عن بعض أصحاب الشافعي أن النذر المطلق لا يجوز وإنما اتفقوا على لزوم النذر المطلق إذا كان على وجه الرضا لا على وجه اللجاج وصرح فيه بلفظ النظر لا إذا لم يصرح وسواء كان النذر مصرحا فيه بالشيء المنذور أو كان غير مصرح وكذلك أجمعوا على لزوم النذر الذي مخرجه مخرج الشرط إذا كان نذرا بقربة وإنما صاروا لوجوب النذر لعموم قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ولأن الله تعالى قد مدح به فقال يوفون بالنذر وأخبر بوقوع العقاب بنقضه فقال ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله الآية إلى قوله وبما كانوا يكذبون
والسبب في اختلافهم في التصريح بلفظ النذر في النذر المطلق هو اختلافهم في هل يجب النذر بالنية واللفظ معا أو بالنية فقط فمن قال بهما معا إذا قال لله علي كذا وكذا ولم يقل نذرا لم يلزمه شيء لأنه إخبار بوجوب شيء لم يوجبه الله عليه إلا أن يصرح بجهة الوجوب ومن قال ليس من شرطه اللفظ قال ينعقد النذر وإن لم يصرح بلفظه وهو مذهب مالك أعني أنه إذا لم يصرح بلفظ النذر أنه يلزم وإن كان من مذهبه أن النذر لا يلزم إلا بالنية واللفظ لكن رأى أن حذف لفظ النذر من القول غير معتبر إذ كان المقصود بالأقاويل التي مخرجها مخرج النذر النذر وإن لم يصرح فيها بلفظ النذر وهذا مذهب الجمهور والأول مذهب سعيد بن المسيب ويشبه أن يكون من لم ير لزوم النذر المطلق إنما فعل ذلك من قبل أنه حمل الأمر بالوفاء على الندب وكذلك من اشترط فيه الرضا فإنما اشترطه لأن القربة إنما تكون على جهة الرضا لا على جهة اللجاج وهو مذهب الشافعي وأما مالك فالنذر عنده لازم على أي جهة وقع فهذا ما اختلفوا في لزومه من جهة اللفظ وأما ما اختلفوا في لزومه من جهة الأشياء المنذور بها فإن فيه من المسائل الأصول اثنتين المسألة الأولى اختلفوا فيمن نذر معصية فقال مالك والشافعي وجمهور العلماء ليس يلزمه في ذلك شيء وقال أبو حنيفة وسفيان والكوفيون بل هو لازم واللازم عندهم فيه هو كفارة يمين لا فعل المعصية وسبب اختلافهم تعارض ظواهر الآثار في هذا الباب وذلك أنه روي في هذا الباب حديثان حديث عائشة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه فظاهر هذا أنه لا يلزم النذر بالعصيان والحديث الثاني حديث عمران بن حصين وحديث أبي هريرة الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين وهذا نص في معنى اللزوم فمن جمع بينهما في هذا قال الحديث الأول تضمن الإعلام بأن المعصية لا تلزم وهذا الثاني تضمن لزوم الكفارة فمن رجح ظاهر حديث عائشة إذ لم يصح عنده حديث عمران وأبي هريرة قال ليس يلزم في المعصية شيء ومن ذهب مذهب الجمع بين الحديثين أوجب في ذلك كفارة يمين قال أبو عمر بن عبد البر ضعف أهل الحديث حديث عمران وأبي هريرة قالوا لأن حديث أبي هريرة يدور على سليمان بن أرقم وهو متروك الحديث وحديث عمران بن الحصين يدور على زهير بن محمد عن أبيه وأبوه مجهول لم يرو عنه غير ابنه وزهير أيضا عنده مناكير ولكنه خرجه مسلم من طريق عقبة بن عامر وقد جرت عادة المالكية أن يحتجوا لمالك في هذه المسألة بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقال ما بال هذا قالوا نذر أن لا يتكلم ولا يستظل ولا يجلس ويصوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مروه فليتكلم وليجلس وليتم صيامه قالوا فأمره أن يتم ما كان طاعة لله ويترك ما كان معصية وليس بالظاهر أن ترك الكلام معصية وقد أخبر الله أنه نذر مريم وكذلك يشبه أن يكون القيام في الشمس ليس بمعصية إلا ما يتعلق بذلك من جهة إتعاب النفس فإن قيل فيه معصية فبالقياس لا بالنص فالأصل فيه أنه من المباحات المسألة الثانية واختلفوا فيمن حرم على نفسه شيئا من المباحات فقال مالك لا يلزم ما عدا الزوجة وقال أهل الظاهر ليس في ذلك شيء وقال أبو حنيفة في ذلك كفارة يمين
وسبب اختلافهم معارضة مفهوم النظر لظاهر قوله تعالى يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك وذلك أن النذر ليس هو اعتقاد خلاف الحكم الشرعي أعني من تحريم محلل أو تحليل محرم وذلك أن التصرف في هذا إنما هو للشارع فوجب أن يكون لمكان هذا المفهوم أن من حرم على نفسه شيئا أباحه الله له بالشرع أنه لا يلزمه كما لا يلزم إن نذر تحليل شيء حرمه الشرع وظاهر قوله تعالى قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم أثر العتب عل التحريم يوجب أن تكون الكفارة تحل هذا العقد وإذا كان ذلك كذلك فهو غير لازم والفرقة الأولى تأولت التحريم المذكور في الآية أنه كان العقد بيمين وقد اختلف في الشيء الذي نزلت فيه هذه الآية وفي كتاب مسلم أن ذلك كان في شربة عسل وفيه عن ابن عباس أنه قال إذا حرم الرجل عليه امرأته فهو يمين يكفرها وقال لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة الفصل الثالث في معرفة الشيء الذي يلزم عنها وأحكامها وأما اختلافهم في ماذا يلزم في نذر نذر من النذور وأحكام ذلك فإن فيه اختلافا كثيرا لكن نشير نحن من ذلك إلى مشهورات المسائل في ذلك وهي التي تتعلق بأكثر ذلك بالنطق الشرعي على عادتنا في هذا الكتاب وفي ذلك مسائل خمس المسألة الأولى اختلفوا في الواجب في النذر المطلق الذي ليس يعين فيه الناذر شيئا سوى أن يقول لله علي نذر فقال كثير من العلماء في ذلك كفارة يمين لا غير وقال قوم بل فيه كفارة الظهار وقال قوم أقل ما ينطلق عليه الاسم من القرب صيام يوم أو صلاة ركعتين وإنما صار الجمهور لوجوب كفارة اليمين فيه للثابت من حديث عقبة بن عامر أنه عليه الصلاة والسلام قال كفارة النذر كفارة يمين خرجه مسلم وأما من قال صيام يوم أو صلاة ركعتين فإنما ذهب مذهب من يرى أن المجزىء أقل ما ينطلق عليه الاسم وصلاة ركعتين أو صيام يوم أقل ما ينطلق عليه اسم النذر وأما من قال فيه كفارة الظهار فخارج عن القياس والسماع المسألة الثانية اتفقوا على لزوم النذر بالمشي إلى بيت الله أعني إذا نذر المشي راجلا واختلفوا إذا عجز في بعض الطريق فقال قوم لا شيء عليه وقال قوم عليه واختلفوا في ماذا على ثلاثة أقوال فذهب أهل المدينة إلى أن عليه أن يمشي مرة أخرى من حيث عجز وإن شاء ركب وأجزأه وعليه دم وهذا مروي عن علي وقال أهل مكة عليه هدي دون إعادة مشي وقال مالك عليه الأمران جميعا يعني أنه يرجع فيمشي من حيث وجب وعليه هدي والهدي عنده بدنة أو بقرة أو شاة إن لم يجد بقرة أو بدنة وسبب اختلافهم منازعة الأصول لهذه المسألة ومخالفة الأثر لها وذلك أن من شبه العاجز إذا مشى مرة ثانية بالمتمتع والقارن من أجل أن القارن فعل ما كان عليه في سفرين في سفر واحد وهذا فعل ما كان عليه في سفر واحد في سفرين قال يجب عليه هدي القارن أو المتمتع ومن شبهه بسائر الأفعال التي تنوب عنها في الحج إراقة الدم قال فيه دم ومن أخذ بالآثار الواردة في هذا الباب قال إذا عجز فلا شيء عليه قال أبو عمر والسنن الواردة الثابتة في هذا الباب دليل على طرح المشقة وهو كما قال وأحدها حديث عقبة بن عامر الجهني قال نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله عز وجل فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت لها النبي صلى الله عليه وسلم فقال لتمش ولتركب خرجه مسلم وحديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يهادي بين ابنتيه فسأل عنه فقالوا نذر أن يمشي فقال عليه الصلاة والسلام إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه وأمره أن يركب وهذا أيضا ثابت
المسألة الثالثة اختلفوا بعد اتفاقهم على لزوم المشي في حج أو عمرة فيمن نذر أن يمشي إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى بيت المقدس يريد بذلك الصلاة فيهما فقال مالك والشافعي يلزمه المشي وقال أبو حنيفة لا يلزمه شيء وحيث صلى أجزأه وكذلك عنده إن نذر الصلاة في المسجد الحرام وإنما وجب عنده المشي إلى المسجد الحرام لمكان الحج والعمرة وقال أبو يوسف صاحبه من نذر أن يصلي في بيت المقدس أو في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام لزمه وإن صلى في البيت الحرام أجزأه عن ذلك وأكثر الناس على أن النذر لما سوى هذه المساجد الثلاثة لا يلزم لقوله عليه الصلاة والسلام لا تسرج المطي إلا لثلاث فذكر المسجد الحرام ومسجده وبيت المقدس وذهب بعض الناس إلى أن النذر إلى المساجد التي يرجى فيها فضل زائد واجب واحتج في ذلك بفتوى ابن عباس لولد المرأة التي نذرت أن تمشي إلى مسجد قباء فماتت أن يمشي عنها وسبب اختلافهم في النذر إلى ما عدا المسجد الحرام اختلافهم في المعنى الذي إليه تسرج المطي إلى هذه الثلاث مساجد هل ذلك لموضع صلاة الفرض فيما عدا البيت الحرام أو لموضع صلاة النفل فمن قال لموضع صلاة الفرض وكان الفرض عنده لا ينذر إذ كان واجبا بالشرع قال النذر بالمشي إلى هذين المسجدين غير لازم ومن كان عنده أن النذر قد يكون في الواجب أو أنه أيضا قد يقصد هذان المسجدان لموضع صلاة النفل لقوله عليه الصلاة والسلام صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام واسم الصلاة يشمل الفرض والنقل قال هو واجب لكن أبو حنيفة حمل هذا الحديث على الفرض مصيرا إلى الجمع بينه وبين قوله عليه الصلاة والسلام صلاة أحدكم في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة وإلا وقع التضاد بين هذين الحديثين وهذه المسألة هي أن تكون من الباب الثاني أحق من أن تكون من هذا الباب المسألة الرابعة واختلفوا في الواجب على من نذر أن ينحر ابنه في مقام إبراهيم فقال مالك ينحر جزورا فداء له وقال أبو حنيفة ينحر شاة وهو أيضا مروي عن ابن عباس وقال بعضهم بل ينحر مائة من الإبل وقال بعضهم يهدي ديته وروي ذلك عن علي وقال بعضهم بل يحج له وبه قال الليث وقال أبو يوسف والشافعي لا شيء عليه لأنه نذر معصية ولا نذر في معصية وسبب اختلافهم قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أعني هل ما تقرب به إبراهيم هو لازم للمسلمين أم ليس بلازم فمن رأى أن ذلك شرع خص به إبراهيم قال لا يلزم النذر ومن رأى أنه لازم لنا قال النذر لازم والخلاف في هل يلزمنا شرع من قبلنا مشهور لكن يتطرق إلى هذا خلاف آخر وهو أن الظاهر من هذا الفعل أنه كان خاصا بإبراهيم ولم يكن شرعا لأهل زمانه وعلى هذا فليس ينبغي أن يختلف هل هو شرع لنا أم ليس بشرع والذين قالوا إنه شرع إنما اختلفوا في الواجب في ذلك من قبل اختلافهم أيضا في هل يحمل الواجب في ذلك على الواجب على إبراهيم أم يحمل على غير ذلك من القرب الإسلامية وذلك إما صدقة بديته وإما حج به وإما هدي بدنة وأما الذين قالوا مائة من الإبل فذهبوا إلى حديث عبد المطلب المسألة الخامسة واتفقوا على أن من نذر أن يجعل ماله كله في سبيل الله أو في سبيل من سبل البر أنه يلزمه وأنه ليس ترفعه الكفارة وذلك إذا كان نذرا على جهة الخبر لا على جهة الشرط وهو الذي يسمونه يمينا واختلفوا فيمن نذر ذلك على جهة الشرط مثل أن يقول مالي للمساكين إن فعلت كذا ففعله فقال قوم ذلك لازم كالنذر على جهة الخبر ولا كفارة فيه وهو مذهب مالك في النذور التي صيغها هذه الصيغة أعني أنه لا كفارة فيه وقال قوم الواجب في ذلك كفارة يمين فقط
وهو مذهب الشافعي في النذور التي مخرجها مخرج الشرط لأنه ألحقها بحكم الأيمان وأما مالك فألحقها بحكم النذور على ما تقدم من قولنا في كتاب الأيمان والذين اعتقدوا وجوب إخراج ماله في الموضع الذي اعتقدوه اختلفوا في الواجب عليه فقال مالك يخرج ثلث ماله فقط وقال قوم بل يجب عليه إخراج جميع ماله وبه قال إبراهيم النخعي وزفر وقال أبو حنيفة يخرج جميع الأموال التي تجب الزكاة فيها وقال بعضهم إن أخرج مثل زكاة ماله أجزأه وفي المسألة قول خامس وهو إن كان المال كثيرا أخرج خمسه وإن كان وسطا أخرج سبعه وإن كان يسيرا أخرج عشره وحد هؤلاء الكثير بألفين والوسط بألف والقليل بخمسمائة وذلك مروي عن قتادة والسبب في اختلافهم في هذه المسألة أعني من قال المال كله أو ثلثه معارضة الأصل في هذا الباب للأثر وذلك أن ما جاء في حديث أبي لبابة بن عبد المنذر حين تاب الله عليه وأراد أن يتصدق يجميع ماله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجزيك من ذلك الثلثهو نص في مذهب مالك وأما الأصل فيوجب أن اللازم له إنما هو جميع ماله حملا على سائر النذر أعني أنه يجب الوفاء به على الوجه الذي قصده لكن الواجب هو استثناء هذه المسألة من هذه القاعدة إذ قد استثناها النص إلا أن مالكا لم يلزم في هذه المسألة أصله وذلك أنه قال إن حلف أو نذر شيئا معينا لزمه وإن كان كل ماله وكذلك يلزم عنده إن عين جزءا من ماله وهو أكثر من الثلث وهذا مخالف لنص ما رواه في حديث أبي لبابة وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي جاء بمثل بيضة من ذهب فقال أصبت هذا من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاءه عن يمينه ثم عن يساره ثم من خلفه فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذفه بها فلو أصابه بها لأوجعه وقال عليه الصلاة والسلام يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يتكفف الناس خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وهذا نص في أنه لا يلزم المال المعين إذا تصدق به وكان جميع ماله ولعل مالكا لم تصح عنده هذه الآثار وأما سائر الأقاويل التي قيلت في هذه المسألة فضعاف وبخاصة من حد في ذلك غير الثلث وهذا القدر كاف في أصول هذا الكتاب والله الموفق للصواب كتاب الضحايا وهذا كتاب في أصوله أربعة أبواب الباب الأول في حكم الضحايا ومن المخاطب بها الباب الثاني في أنواع الضحايا وصفاتها وأسنانها وعددها الباب الثالث في أحكام الذبح الباب الرابع في أحكام لحوم الضحايا الباب الأول في حكم الضحايا ومن المخاطب بها اختلف العلماء في الأضحية هل هي واجبة أم هي سنة فذهب مالك والشافعي إلى أنها من السنن المؤكدة ورخص مالك للحاج في تركها بمنى ولم يفرق الشافعي في ذلك بين الحاج وغيره وقال أبو حنيفة الضحية واجبة على المقيمين في الأمصار الموسرين ولا تجب على المسافرين وخالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد فقالا إنها ليست بواجبة وروي عن مالك مثل قول أبي حنيفة وسبب اختلافهم شيئان أحدهما هل فعله عليه الصلاة والسلام في ذلك محمول على الوجوب أو على الندب وذلك أنه لم يترك صلى الله عليه وسلم الضحية قط فيما روي عنه حتى في السفر على ما جاء في حديث ثوبان قال ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أضحيته ثم قال يا ثوبان أصلح لحم هذه الضحية قال فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة