İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî)
وأما ميقات الزمان فهو محدود أيضا في أنواع الحج الثلاث وهو شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة باتفاق وقال مالك الثلاث الأشهر كلها محل للحج وقال الشافعي الشهران وتسع من ذي الحجة وقال أبو حنيفة عشر فقط ودليل قول مالك عموم قوله سبحانه وتعالى الحج أشهر معلومات فوجب أن يطلق على جميع أيام ذي الحجة أصله انطلاقه على جميع أيام شوال وذي القعدة ودليل الفريق الثاني انقضاء الإحرام قبل تمام الشهر الثالث بانقضاء أفعاله الواجبة وفائدة الخلاف تأخر طواف الإفاضة إلى آخر الشهر وإن أحرم بالحج قبل أشهر الحج كرهه مالك ولكن صح إحرامه عنده وقال غيره لا يصح إحرامه وقال الشافعي ينعقد إحرامه إحرام عمرة فمن شبهه بوقت الصلاة قال لا يقع قبل الوقت ومن اعتمد عموم قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله قال متى أحرم انعقد إحرامه لأنه مأمور بالإتمام وربما شبهوا الحج في هذا المعنى بالعمرة وشبهوا ميقات الزمان بميقات العمرة فأما مذهب الشافعي فهو مبني على أن من التزم عبادة في وقت نظيرتها انقلبت إلى النظير مثل أن يصوم نذرا في أيام رمضان وهذا الأصل فيه اختلاف في المذهب وأما العمرة فإن العلماء اتفقوا على جوازها في كل أوقات السنة لأنها كانت في الجاهلية لا تصنع في أيام الحج وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة وقال أبو حنيفة تجوز في كل السنة إلا يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق فإنها تكره واختلفوا في تكريرها في السنة الواحدة مرارا فكان مالك يستحب عمرة في كل سنة ويكره وقوع عمرتين عنده وثلاثا في السنة الواحدة وقال الشافعي وأبو حنيفة لا كراهية في ذلك فهذا هو القول في شروط الإحرام الزمانية والمكانية ويبنغي بعد ذلك أن نصير إلى القول في الإحرام وقبل ذلك ينبغي أن نقول في تروكه ثم نقول بعد ذلك في الأفعال الخاصة بالمحرم إلى حين إحلاله وهي أفعال الحج كلها وتروكه ثم نقول في أحكام الإخلال بالتروك والأفعال ولنبدأ بالتروك القول في التروك وهو ما يمنع الإحرام من الأمور المباحة للحلال والأصل في هذا الباب ما ثبت من حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم من الثياب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس فاتفق العلماء على بعض الأحكام الواردة في هذا الحديث واختلفوا في بعضها فمما اتفقوا عليه أنه لا يلبس المحرم قميصا ولا شيئا مما ذكر في هذا الحديث ولا ما كان في معناه من مخيط الثياب وأن هذا مخصوص بالرجال أعني تحريم لبس المخيط وأنه لا بأس للمرأة بلبس القميص والدرع والسراويل والخفاف والخمر واختلفوا فيمن لم يجد غير السراويل هل له لباسها فقال مالك وأبو حنيفة لا يجوز له لباس السراويل وإن لبسها افتدى وقال الشافعي والثوري وأحمد وأبو ثور وداود لا شيء عليه إذا لم يجد إزارا وعمدة مذهب مالك ظاهر لحديث ابن عمر المتقدم قال ولو كان في ذلك رخصة لاستثناها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استثنى في لبس الخفين وعمدة الطائفة الثانية حديث عمرو بن دينار عن جابر وابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول السراويل لمن لم يجد الإزار والخف لمن لم يجد النعلين وجمهور العلماء على إجازة لباس الخفين مقطوعين لمن لم يجد النعلين وقال أحمد جائز لمن لم يجد النعلين أن يلبس الخفين غير مقطوعين أخذا بمطلق حديث ابن عباس وقال عطاء في قطعهما فساد والله لا يحب الفساد واختلفوا فيمن لبسهما مقطوعين مع وجود النعلين فقال مالك عليه الفدية وبه قال أبو ثور وقال أبو حنيفة لا فدية عليه والقولان عن الشافعي وسنذكر هذا في الأحكام
وأجمع العلماء على أن المحرم لا يلبس الثوب المصبوغ بالورس والزعفران لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر لا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس واختلفوا في المعصفر فقال مالك ليس به بأس فإنه ليس بطيب وقال أبو حنيفة والثوري هو طيب وفيه الفدية وحجة أبي حنيفة ما خرجه مالك عن علي أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن لبس القسي وعن لبس المعصفر وأجمعوا على أن إحرام المرأة في وجهها وأن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها وأن لها أن تسدل ثوبها على وجهها من فوق رأسها سدلا خفيفا تستر به عن نظر الرجال إليها كنحو ما روي عن عائشة أنها قالت كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن محرمون فإذا مر بنا ركب سدلنا على وجوهنا الثوب من قبل رؤوسنا وإذا جاوز الركب رفعناه ولم يأت تغطية وجوههن إلا ما رواه مالك عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر الصديق واختلفوا في تخمير المحرم وجهه بعد إجماعهم على أنه لا يخمر رأسه فروى مالك عن ابن عمر أن ما فوق الذقن من الرأس لا يخمره المحرم وإليه ذهب مالك وروي عنه أنه إن فعل ذلك ولم ينزعه من مكانه افتدى وقال الشافعي والثوري وأحمد وأبو داود وأبو ثور يخمر المحرم وجهه إلى الحاجبين وروي من الصحابة عن عثمان وزيد بن ثابت وجابر وابن عباس وسعد بن أبي وقاص واختلفوا في لبس القفازين للمرأة فقال مالك إن لبست المرأة القفازين افتدت ورخص فيه الثوري وهو مروي عن عائشة والحجة لمالك ما خرجه أبو داود عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن النقاب والقفازين وبعض الرواة يرويه موقوفا عن ابن عمر وصححه بعض رواة الحديث أعني رفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام فهذا هو مشهور اختلافهم واتفاقهم في اللباس وأصل الخلاف في هذا كله اختلافهم في قياس بعض المسكوت عنه على المنطوق به واحتمال اللفظ المنطوق به وثبوته أو لا ثبوته وأما الشيء الثاني من المتروكات فهو الطيب وذلك أن العلماء أجمعوا على أن الطيب كله يحرم على المحرم بالحج والعمرة في حال إحرامه واختلفوا في جوازه للمحرم عند الإحرام قبل أن يحرم لما يبقى من أثره عليه بعد الإحرام فكرهه قوم وأجازه آخرون وممن كرهه مالك ورواه عن عمر بن الخطاب وهو قول عثمان وابن عمر وجماعة من التابعين وممن أجازه أبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد وداود والحجة لمالك رحمه الله من جهة الأثر حديث صفوان بن يعلى ثبت في الصحيحين وفيه أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بجبة مضمخة بطيب فقال يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بطيب فأنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أفاق قال أين السائل عن العمرة آنفا فالتمس الرجل فأتي به فقال عليه الصلاة والسلام أما الطيب الذي بك فاغسله عنك ثلاث مرات وأما الجبة فانزعها ثم اصنع ما شئت في عمرتك كما تصنع في حجتك اختصرت الحديث وفقهه هو الذي ذكرت وعمدة الفريق الثاني ما رواه مالك عن عائشة أنها قالت كنت أطيب رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت واعتل الفريق الأول بما روي عن عائشة أنها قالت وقد بلغها إنكار ابن عمر تطيب المحرم قبل إحرامه يرحم الله أبا عبد الرحمن طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف على نسائه ثم أصبح محرما قالوا وإذا طاف على نسائه اغتسل فإنما يبقى عليه أثر ريح الطيب لا جرمه نفسه قالوا ولما كان الإجماع قد انعقد على أن كل ما لا يجوز للمحرم ابتداؤه وهو محرم مثل لبس الثياب وقتل الصيد لا يجوز له استصحابه وهو محرم فوجب أن يكون الطيب كذلك فسبب الخلاف تعارض الآثار في هذا الحكم
وأما المتروك الثالث فهو مجامعة النساء وذلك أنه أجمع المسلمون على أن وطء النساء على الحاج حرام من حين يحرم لقوله تعالى فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وأما الممنوع الرابع فهو إلقاء التفث وإزالة الشعر وقتل القمل ولكن اتفقوا على أنه يجوز له غسل رأسه من الجنابة واختلفوا في كراهية غسله من غير الجنابة فقال الجمهور لا بأس بغسله رأسه وقال مالك بكراهية ذلك وعمدته أن عبد الله بن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من الاحتلام وعمدة الجمهور ما رواه مالك عن عبد الله بن جبير أن ابن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء فقال عبد الله يغسل المحرم رأسه وقال المسور بن مخرمة لا يغسل المحرم رأسه قال فأرسلني عبد الله بن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري قال فوجدته يغتسل بين القرنين وهو مستتر بثوب فسلمت عليه فقال من هذا فقلت عبد الله بن جبير أرسلني إليك عبد الله بن عباس أسألك كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم فوضع أبو أيوب يده على الثوب فتطأطأ حتى بدا لي رأسه ثم قال لإنسان يصب عليه اصبب فصب على رأسه ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل وكان عمر يغسل رأسه وهو محرم ويقول ما يزيده الماء إلا شعثا رواه مالك في الموطأ وحمل مالك حديث أبي أيوب على غسل الجنابة والحجة له إجماعهم على أن المحرم ممنوع من قتل القمل ونتف الشعر وإلقاء التفث وهو الوسخ والغاسل رأسه هو إما أن يفعل هذه كلها أو بعضها واتفقوا على منع غسله رأسه بالخطمي وقال مالك وأبو حنيفة إن فعل ذلك افتدى وقال أبو ثور وغيره لا شيء عليه واختلفوا في الحمام فكان مالك يكره ذلك ويرى أن على من دخله الفدية وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري وداود لا بأس بذلك وروي عن ابن عباس دخول الحمام وهو محرم من طريقين والأحسن أن يكره دخوله لأن المحرم منهي عن إلقاء التفث وأما المحظور الخامس فهو الاصطياد وذلك أيضا مجمع عليه لقوله سبحانه وتعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما وقوله تعالى لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم وأجمعوا على أنه لا يجوز له صيده ولا أكل ما صاد هو منه واختلفوا إذا صاده حلال هل يجوز للمحرم أكله على ثلاثة أقوال قول إنه يجوز له أكله على الإطلاق وبه قال أبو حنيفة وهو قول عمر بن الخطاب والزبير وقال قوم هو محرم عليه على كل حال وهو قول ابن عباس وعلي وابن عمر وبه قال الثوري وقال مالك ما لم يصد من أجل المحرم أو من أجل قوم محرمين فهو حلال وما صيد من أجل المحرم فهو حرام على المحرم وسبب اختلافهم تعارض الآثار في ذلك فأحدها ما خرجه مالك من حديث أبي قتادة أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كانوا ببعض طرق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم فرأى حمارا وحشيا فاستوى على فرسه فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا عليه فسألهم رمحه فأبوا عليه فأخذه ثم شد على الحمار فقتله فأكل منه بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بعضهم فلما أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن ذلك فقال إنما هي طعمة أطعمكموها الله وجاء أيضا في معناه حديث طلحة بن عبيد الله ذكره النسائي أن عبد الرحمن التميمي قال كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن محرمون فأهدي له ظبي وهو راقد فأكل بعضنا فاستيقظ طلحة فوافق على أكله وقال أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والحديث الثاني حديث ابن عباس خرجه أيضا مالك أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه وقال إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم
وللاختلاف سبب آخر وهو هل يتعلق النهي عن الأكل بشرط القتل أو يتعلق بكل واحد منهما النهي عن الانفراد فمن أخذ بحديث أبي قتادة قال إن النهي إنما يتعلق بالأكل مع القتل ومن أخذ بحديث ابن عباس قال النهي يتعلق بكل واحد منهما على انفراده فمن ذهب في هذه الأحاديث مذهب الترجيح قال إما بحديث أبي قتادة وإما بحديث ابن عباس ومن جمع بين الأحاديث قال بالقول الثالث قالوا والجمع أولى وأكدوا ذلك بما روي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال صيد البر حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم واختلفوا في المضطر هل يأكل الميتة أو يصيد في الحرم فقال مالك وأبو حنيفة والثوري وزفر وجماعة إذا اضطر أكل الميتة ولحم الخنزير دون الصيد وقال أبو يوسف يصيد ويأكل وعليه الجزاء والأول أحسن للذريعة وقول أبي يوسف أقيس لأن تلك محرمة لعينها والصيد محرم لغرض من الأغراض وما حرم لعلة أخف مما حرم لعينه وما هو محرم لعينه أغلظ فهذه الخمسة اتفق المسلمون على أنها من محظورات الإحرام واختلفوا في نكاح المحرم فقال مالك والشافعي والليث والأوزاعي لا ينكح المحرم ولا ينكح فإن نكح فالنكاح باطل وهو قول عمر وعلي بن أبي طالب وابن عمر وزيد بن ثابت وقال أبو حنيفة والثوري لا بأس بأن ينكح المحرم أو أن ينكح والسبب في اختلافهم اختلاف الآثار في ذلك فأحدها ما رواه مالك من حديث عثمان بن عفان أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب والحديث المعارض لهذا حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم خرجه أهل الصحاح إلا أنه عارضته آثار كثيرة عن ميمونة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال رويت عنها من طرق شتى عن أبي رافع وعن سليمان بن يسار وهو مولاها وعن زيد بن الأصم ويمكن الجمع بين الحديثين بأن يحمل الواحد على الكراهية والثاني على الجواز فهذه هي مشهورات ما يحرم على المحرم وأما متى يحل فسنذكره عند ذكرنا أفعال الحج وذلك أن المعتمر يحل إذا طاف وسعى وحلق واختلفوا في الحاج على ما سيأتي بعد وإذ قد قلنا في تروك المحرم فلنقل في أفعاله القول في أنواع هذا النسك والمحرمون إما محرم بعمرة مفردة أو محرم بحج مفرد أو جامع بين الحج والعمرة وهذان ضربان إما متمتع وإما قارن فينبغي أولا أن نجرد أصناف هذه المناسك الثلاث ثم نقول ما يفعل المحرم في كلها وما يخص واحدا واحدا منها إن كان هنالك ما يخص وكذلك نفعل فيما بعد الإحرام من أفعال الحج إن شاء الله تعالى القول في شرح أنواع هذه المناسك فنقول إن الإفراد هو ما يتعرى عن صفات التمتع والقران فلذلك يجب أن نبدأ أولا بصفة التمتع ثم نردف ذلك بصفة القران القول في التمتع فنقول إن العلماء اتفقوا على أن هذا النوع من النسك الذي هو المعني بقوله سبحانه فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي هو أن يهل الرجل بالعمرة في أشهر الحج من الميقات وذلك إذا كان مسكنه خارجا عن الحرم ثم يأتي حتى يصل البيت فيطوف لعمرته ويسعى ويحلق في تلك الأشهر بعينها ثم يحل بمكة ثم ينشىء الحج في ذلك العام بعينه وفي تلك الأشهر بعينها من غير أن ينصرف إلى بلده إلا ما روي عن الحسن أنه كان يقول هو متمتع وإن عاد إلى بلده ولم يحج أي عليه هدي المتمتع المنصوص عليه في قوله تعالى فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي لأنه كان يقول عمرة في أشهر الحج متعة وقال طاووس من اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى الحج وحج من عامه أنه متمتع واتفق العلماء على أن من لم يكن من حاضري المسجد الحرام فهو متمتع
واختلفوا في المكي هل يقع منه التمتع أم لا يقع والذين قالوا إنه يقع منه اتفقوا على أنه ليس عليه دم لقوله تعالى ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واختلفوا فيمن هو حاضر المسجد الحرام ممن ليس هو فقال مالك حاضر والمسجد الحرام هم أهل مكة وذي طوى وما كان مثل ذلك من مكة وقال أبو حنيفة هم أهل المواقيت فمن دونهم إلى مكة وقال الشافعي بمصر من كان بينه وبين مكة ليلتان وهو أكمل المواقيت وقال أهل الظاهر من كان ساكن الحرم وقال الثوري هم أهل مكة فقط وأبو حنيفة يقول إن حاضري المسجد الحرام لا يقع منهم التمتع وكره ذلك مالك وسبب الاختلاف اختلاف ما يدل عليه إسم حاضري المسجد الحرام بالأقل والأكثر ولذلك لا يشك أن أهل مكة هم من حاضري المسجد الحرام كما لا يشك أن من خارج المواقيت ليس منهم فهذا هو نوع التمتع المشهور ومعنى التمتع أنه تمتع بتحلله بين النسكين وسقوط السفر عنه مرة ثانية إلى النسك الثاني الذي هو الحج وهنا نوعان من التمتع اختلف العلماء فيهما أحدهما فسخ الحج في عمرة وهو تحويل النية من الإحرام بالحج إلى العمرة فجمهور العلماء يكرهون ذلك في الصدر الأول وفقهاء الأمصار وذهب ابن عباس إلى جواز ذلك وبه قال أحمد وداود وكلهم متفقون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه عام حج بفسخ الحج في العمرة وهو قوله عليه الصلاة والسلام لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة وأمره لمن لم يسق الهدي من أصحابه أن يفسخ إهلاله في العمرة وبهذا تمسك أهل الظاهر والجمهور رأوا ذلك من باب الخصوص لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتجوا بما روي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الحارث بن بلال بن الحارث المدني عن أبيه قال قلت يا رسول الله أفسخ لنا خاصة أم لمن بعدنا قال لنا خاصة وهذا لم يصح عند أهل الظاهر صحة يعارض بها العمل المتقدم وروي عن عمر أنه قال متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج وروي عن عثمان أنه قال متعة الحج كانت لنا وليست لكم وقال أبو ذر ما كان لأحد بعدنا أن يحرم بالحج ثم يفسخه في عمرة هذه كله مع ظاهر قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله والظاهرية على أن الأصل اتباع فعل الصحابة حتى يدل دليل من كتاب الله أو سنة ثابتة على أنه خاص فسبب الاختلاف هل فعل الصحابة محمول على العموم أو على الخصوص وأما النوع الثاني من التمتع فهو ما كان يذهب إليه ابن الزبير من أن التمتع الذي ذكره الله تعالى هو تمتع المحصر بمرض أو عدو وذلك إذا خرج الرجل حاجا فحبسه عدو أو أمر تعذر به عليه الحج حتى تذهب أيام الحج فيأتي البيت فيطوف ويسعى بين الصفا والمروة ويحل ثم يتمتع بحله إلى العام المقبل ثم يحج ويهدي وعلى هذا القول ليس يكون التمتع المشهور إجماعا وشذ طاووس أيضا فقال إن المكي إذا تمتع من بلد غير مكة كان عليه الهدي واختلف العلماء فيمن أنشأ عمرة في غير أشهر الحج ثم عملها في أشهر الحج ثم حج من عامه ذلك فقال مالك عمرته في الشهر الذي حل فيه فإن كان حل في أشهر الحج فهو متمتع وإن كان حل في غير أشهر الحج فليس بمتمتع وبقريب منه قال أبو حنيفة والشافعي والثوري إلا أن الثوري اشترط أن يوقع طوافه كله في شوال وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة إن طاف ثلاثة أشواط في رمضان وأربعة في شوال كان متمتعا وإن كان عكس ذلك لم يكن متمتعا أعني أن يكون طاف أربعة أشواط في رمضان وثلاثة في شوال وقال أبو ثور إذا دخل في العمرة في غير أشهر الحج فسواء طاف لها في غير أشهر الحج أو في أشهر الحج لا يكون متمتعا
وسبب الاختلاف هل يكون متمتعا بإيقاع إحرام العمرة في أشهر الحج فقط أم يإيقاع الطواف معه ثم إن كان بإيقاع الطواف معه فهل بإيقاعه كله أم أكثره فأبو ثور يقول لا يكون متمتعا إلا بإيقاع الإحرام في أشهر الحج لأن بالإحرام تنعقد العمرة والشافعي يقول الطواف هو أعظم أركانها فوجب أن يكون به متمتعا فالجمهور على أن من أوقع بعضها في أشهر الحج كمن أوقعها كلها وشروط التمتع عند مالك ستة أحدها أن يجمع بين الحج والعمرة في شهر واحد والثاني أن يكون ذلك في عام واحد والثالث أن يفعل شيئا من العمرة في أشهر الحج والرابع أن يقدم العمرة على الحج والخامس أن ينشىء الحج بعد الفراغ من العمرة وإحلاله منها والسادس أن يكون وطنه غير مكة فهذه هي صورة التمتع والاختلاف المشهور فيه والاتفاق القول في القارن وأما القران فهو أن يهل بالنسكين معا أو يهل بالعمرة في أشهر الحج ثم يردف ذلك بالحج قبل أن يهل من العمرة واختلف أصحاب مالك في الوقت الذي يكون ذلك له فيه فقيل ذلك له ما لم يشرع في الطواف ولو شوطا واحدا وقيل ما لم يطف ويركع ويكره بعد الطواف وقبل الركوع فإن فعل لزمه وقيل له ذلك ما بقي عليه شيء من عمل العمرة من طواف أو سعي ما خلا أنهم اتفقوا على أنه إذا أهل بالحج ولم يبق عليه من أفعال العمرة إلا الحلاق فإنه ليس بقارن والقارن الذي يلزمه هدي المتمتع هو عند الجمهور من غير حاضري المسجد الحرام إلا ابن الماجشون من أصحاب مالك فإن القارن من أهل مكة عنده عليه الهدي وأما الإفراد فهو ما تعرى من هذه الصفات وهو ألا يكون متمتعا ولا قارنا بل أن يهل بالحج فقط وقد اختلف العلماء أي أفضل هل الإفراد أو القران أو التمتع والسبب في اختلافهم اختلافهم فيما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وذلك أنه روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان مفردا وروي أنه تمتع وروي عنه أنه كان قارنا فاختار مالك الإفراد واعتمد في ذلك على ما روي عن عائشة أنها قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج ورواه عن عائشة من طرق كثيرة قال أبو عمر بن عبد البر وروي الإفراد عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جابر بن عبد الله من طرق شتى متواترة صحاح وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وجابر والذين رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعا احتجوا بما رواه الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر قال تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى وساق الهدي معه من ذي الحليفة وهو مذهب عبد الله بن عمر وابن عباس وابن الزبير واختلف عن عائشة في التمتع والإفراد
واعتمد من رأى أنه عليه الصلاة والسلام كان قارنا أحاديث كثيرة منها حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو بوادي العقيق أتاني الليلة آت من ربي فقال أهل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة خرجه البخاري وحديث مروان بن الحكم قال شهدت عثمان وعليا وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما فلما رأى ذلك علي أهل بهما لبيك بعمرة وحجة وقال ما كنت لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد خرجه البخاري وحديث أنس خرجه البخاري أيضا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لبيك عمرة وحجة وحديث مالك بن شهاب عن عروة عن عائشة قالت خرجنا مع رسول الله عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا واحتجوا فقالوا ومعلوم أنه كان معه صلى الله عليه وسلم هدي ويبعد أن يأمر بالقران من معه هدي ويكون معه هدي ولا يكون قارنا وحديث مالك أيضا عن نافع عن ابن عمر عن حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إني قلدت هديي ولبدت رأسي فلا أحل حتى أنحر هديي وقال أحمد لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قارنا والتمتع أحب إلي واحتج في اختياره بقوله عليه الصلاة والسلام لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة واحتج من طريق المعنى من رأى أن الإفراد الأفضل أن التمتع والقران رخصة ولذلك وجب فيهما الدم وإذ قلنا في وجوب هذا النسك وعلى من يجب وما شروط وجوبه ومتى يجب وفي أي وقت يجب ومن أي مكان يجب وقلنا بعد ذلك فيما يجتنبه المحرم بما هو محرم ثم قلنا أيضا في أنواع هذا النسك يجب أن نقول في أول أفعال الحاج أو المعتمر وهو الإحرام القول في الإحرام واتفق جمهور العلماء على أن الغسل للإهلال سنة وأنه من أفعال المحرم حتى قال ابن نوار إن هذا الغسل للإهلال عند مالك أوكد من غسل الجمعة وقال أهل الظاهر هو واجب وقال أبو حنيفة والثوري يجزىء منه الوضوء وحجة أهل الظاهر مرسل مالك من حديث أسماء بنت عميس أنها ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مرها فتغتسل ثم لتهل والأمر عندهم على الوجوب وعمدة الجمهور أن الأصل هو براءة الذمة حتى يثبت الوجوب بأمر لا مدفع فيه وكان عبد الله بن عمر يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم ولدخوله مكة ولوقوفه عشية يوم عرفة ومالك يرى هذه الاغتسالات الثلاث من أفعال المحرم واتفقوا على أن الإحرام لا يكون إلا بنية واختلفوا هل تجزىء النية فيه من غير التلبية فقال مالك والشافعي تجزىء النية من غير التلبية وقال أبو حنيفة التلبية في الحج كالتكبيرة في الإحرام بالصلاة إلا أنه يجزىء عنده كل لفظ يقوم مقام التلبية كما يجزىء عنده في افتتاح الصلاة كل لفظ يقوم مقام التكبير وهو كل ما يدل على التعظيم واتفق العلماء على أن لفظ تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وهي من رواية مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أصح سندا واختلفوا في هل هي واجبة بهذا اللفظ أم لا فقال أهل الظاهر هي واجبة بهذا اللفظ ولا خلاف عند الجمهور في استحباب هذا اللفظ وإنما اختلفوا في الزيادة عليه أو في تبديله وأوجب أهل الظاهر رفع الصوت بالتلبية وهو مستحب عند الجمهور لما رواه مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية وبالإهلال وأجمع أهل العلم على أن تلبية المرأة فيما حكاه أبو عمر هو أن تسمع نفسها بالقول
وقال مالك لا يرفع المحرم صوته في مساجد الجماعة بل يكفيه أن يسمع من يليه إلا في المسجد الحرام ومسجد منى فإنه يرفع صوته فيهما واستجب الجمهور رفع الصوت عند التقاء الرفاق وعند الإطلال على شرف من الأرض وقال أبو حازم كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبلغون الروحاء حتى تبح حلوقهم وكان مالك لا يرى التلبية من أركان الحج ويرى على تاركها دما وكان غيره يراها من أركانه وحجة من رآها واجبة أن أفعاله صلى الله عليه وسلم إذا أتت بيانا لواجب أنها محمولة على الوجوب حتى يدل الدليل على غير ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام خذوا عني مناسككم وبهذا يحتج من أوجب لفظه فيها فقط ومن لم ير وجوب لفظه فاعتمد في ذلك على ما روي من حديث جابر قال أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر التلبية التي في حديث ابن عمر وقال في حديثه والناس يزيدون على ذلك لبيك ذا المعارج ونحوه من الكلام والنبي يسمع ولا يقول شيئا وما روي عن ابن عمر أنه كان يزيد في التلبية وعن عمر بن الخطاب وعن أنس وغيره واستحب العلماء أن يكون ابتداء المحرم بالتلبية بأثر صلاة يصليها فكان مالك يستحب ذلك بأثر نافلة لما روى من مرسله عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مسجد ذي الحليفة ركعتين فإذا استوت به راحلته أهل واختلفت الآثار في الموضع الذي أحرم منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجته من أقطار ذي الحليفة فقال قوم من مسجد ذي الحليفة بعد أن صلى فيه وقال آخرون إنما أحرم حين أطل على البيداء وقال قوم إنما أهل حين استوت به راحلته وسئل ابن عباس عن اختلافهم في ذلك فقال كل حدث لا عن أول إهلاله عليه الصلاة والسلام بل عن أول إهلال سمعه وذلك أن الناس يأتون متسابقين فعلى هذا لا يكون في هذا اختلاف ويكون الإهلال إثر الصلاة وأجمع فقهاء الأمصار على أن المكي لا يلزمه الإهلال حتى إذا خرج إلى منى ليتصل له عمل الحج وعمدتهم ما رواه مالك عن ابن جريج أنه قال لعبد الله بن عمر رأيتك تفعل هنا أربعا لم أر أحدا يفعلها فذكر منها ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهل أنت إلى يوم التروية فأجابه ابن عمر أما الإهلال فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته يريد حتى يتصل له عمل الحج وروى مالك أن عمر بن الخطاب كان يأمر أهل مكة أن يهلوا إذ رأوا الهلال ولا خلاف عندهم أن المكي لا يهل إلا من جوف مكة إذا كان حاجا وأما إذا كان معتمرا فإنهم أجمعوا على أنه يلزمه أن يخرج إلى الحل ثم يحرم منه ليجمع بين الحل والحرم كما يجمع الحاج أعني لأنه يخرج إلى عرفة وهو حل وبالجملة فاتفقوا على أنها سنة المعتمر واختلفوا إن لم يفعل فقال قوم يجزيه وعليه دم وبه قال أبو حنيفة وابن القاسم وقال آخرون لا يجزيه وهو قول الثوري وأشهب ( وأما متى يقطع المحرم التلبية ) فإنهم اختلفوا في ذلك فروى مالك أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يقطع التلبية إذا زاغت الشمس من يوم عرفة وقال مالك وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا وقال ابن شهاب كانت الأئمة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يقطعون التلبية عند زوال الشمس من يوم عرفة قال أبو عمر بن عبد البر واختلف في ذلك عن عثمان وعائشة
وقال جمهور فقهاء الأمصار وأهل الحديث وأبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد وإسحق وأبو ثور وداود وابن أبي ليلى وأبو عبيد والطبري والحسن بن حيي إن المحرم لا يقطع التلبية حتى يرمي جمرة العقبة لما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة إلا أنهم اختلفوا متى يقطعها فقال قوم إذا رماها بأسرها لما روي عن ابن عباس أن الفضل بن عباس كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لبى حتى رمى جمرة العقبة وقطع التلبية في آخر حصاة وقال قوم بل يقطعها في أول جمرة يلقيها روي ذلك عن ابن مسعود وروي في وقت قطع التلبية أقاويل غير هذه إلا أن هذين القولين هما المشهوران واختلفوا في وقت قطع التلبية بالعمرة فقال مالك يقطع التلبية إذا انتهى إلى الحرم وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي إذا افتتح الطواف وسلف مالك في ذلك ابن عمر وعروة وعمدة الشافعي أن التلبية معناها إجابة إلى الطواف بالبيت فلا تنقطع حتى يشرع في العمل وسبب الخلاف معارضة القياس لفعل بعض الصحابة وجمهور العلماء كما قلنا متفقون على إدخال المحرم الحج على العمرة ويختلفون في إدخال العمرة على الحج وقال أبو ثور لا يدخل حج على عمرة ولا عمرة على حج كما لا تدخل صلاة على صلاة فهذه هي أفعال المحرم بما هو محرم وهو أول أفعال الحج وأما الفعل الذي بعد هذا فهو الطواف عند دخول مكة فلنقل في الطواف القول في الطواف بالبيت والكلام في الطواف في صفته وشروطه وحكمه في الوجوب أو الندب وفي أعداده القول في الصفة والجمهور مجمعون على أن صفة كل طواف واجبا كان أو غير واجب أن يبتدىء من الحجر الأسود فإن استطاع أن يقبله قبله أو يلمسه بيده ويقبلها إن أمكنه ثم يجعل البيت على يساره ويمضي على يمينه فيطوف سبعة أشواط يرمل في الثلاثة الأشواط الأول ثم يمشي في الأربعة وذلك في طواف القدوم على مكة وذلك للحاج والمعتمر دون المتمتع وأنه لا رمل على النساء ويستلم الركن اليماني وهو الذي على قطر الركن الأسود لثبوت هذه الصفة من فعله صلى الله عليه وسلم واختلفوا في حكم الرمل في الثلاثة الأشواط الأول للقادم هل هو سنة أو فضيلة فقال ابن عباس هو سنة وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وإسحق وأحمد وأبو ثور واختلف قول مالك في ذلك وأصحابه والفرق بين القولين أن من جعله سنة أوجب في تركه الدم ومن لم يجعله سنة لم يوجب في تركه شيئا واحتج من لم ير الرمل سنة بحديث أبي الطفيل عن ابن عباس قال قلت لابن عباس زعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين طاف بالبيت رمل وأن ذلك سنة فقال صدقوا وكذبوا قال قلت ما صدقوا وما كذبوا قال صدقوا رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين طاف بالبيت وكذبوا ليس بسنة إن قريشا زمن الحديبية قالوا إن به وبأصحابه هزلا وقعدوا على قعيقعان ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأصحابه ارملوا أروهم أن بكم قوة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمل من الحجر الأسود إلى اليماني فإذا توارى عنهم مشى وحجة الجمهور حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل في الثلاثة الأشواط في حجة الوداع ومشى أربعا وهو حديث ثابت من رواية مالك وغيره قالوا وقد اختلف على أبي الطفيل عن ابن عباس فروي عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود وذلك بخلاف الرواية الأولى وعلى أصول الظاهرية يجب الرمل لقوله خذوا عني مناسككم وهو قولهم أو قول بعضهم الآن فيما أظن
وأجمعوا على أنه لا رمل على من أحرم بالحج من مكة من غير أهلها وهم المتمتعون لأنهم قد رملوا في حين دخولهم حين طافوا للقدوم واختلفوا في أهل مكة هل عليهم إذا حجوا رمل أم لا فقال الشافعي كان طواف قبل عرفة مما يوصل بينه وبين السعي فإنه يرمل فيه وكان مالك يستحب ذلك وكان ابن عمر لا يرى عليهم رملا إذا طافوا بالبيت على ما روى عنه مالك وسبب الخلاف هل الرمل كان لعلة أو لغير علة وهل هو مختص بالمسافر أم لا وذلك أنه كان عليه الصلاة والسلام حين رمل واردا على مكة واتفقوا على أن من سنة الطواف استلام الركنين الأسود واليماني للرجال دون النساء واختلفوا هل تستلم الأركان كلها أم لا فذهب الجمهور إلى أنه إنما يستلم الركنان فقط لحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يستلم إلا الركنين فقطواحتج من رأى استلام جميعها بما روي عن جابر قال كنا نرى إذا طفنا أن نستلم الأركان كلها وكان بعض السلف لا يحب أن يستلم الركنين إلا في الوتر من الأشواط وكذلك أجمعوا على أن تقبيل الحجر الأسود خاصة من سنن الطواف إن قدر وإن لم يقدر على الدخول إليه قبل يده وذلك لحديث عمر بن الخطاب الذي رواه مالك أنه قال وهو يطوف بالبيت حين بلغ الحجر الأسود إنما أنت حجر ولولا أني رأيت رسول الله قبلك ما قبلتك ثم قبله وأجمعوا على أن من سنة الطواف ركعتين بعد انقضاء الطواف وجمهورهم على أنه يأتي بها الطائف عند انقضاء كل اسبوع إن طاف أكثر من أسبوع واحد وأجاز بعض السلف ألا يفرق بين الأسابيع وألا يفصل بينها بركوع ثم يركع لكل أسبوع ركعتين وهو مروي عن عائشة أنها كانت لا تفرق بين ثلاثة الأسابيع ثم تركع ست ركعات وحجة الجمهور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين وقال خذوا عني مناسككم وحجة من أجاز الجمع أنه قال المقصود إنما هو ركعتان لكل أسبوع والطواف ليس له وقت معلوم ولا الركعتان المسنونتان بعده فجاز الجمع بين أكثر من ركعتين لأكثر من أسبوعين وإنما استحب من يرى أن يفرق بين ثلاثة أسابيع لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف إلى الركعتين بعد وتر من طوافه ومن طاف أسابيع غير وتر ثم عاد إليها لم ينصرف عن وتر من طوافه القول في شروطه وأما شروطه فإن منها حد موضعه وجمهور العلماء على أن الحجر من البيت وأن من طاف بالبيت لزمه إدخال الحجر فيه وأنه شرط في صحة طواف الإفاضة وقال أبو حنيفة وأصحابه هو سنة وحجة الجمهور ما رواه مالك عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لولا حدثان قومك بالكفر لهدمت الكعبة ولصيرتها على قواعد إبراهيم فإنهم تركوا منها سبعة أذرع من الحجر ضاقت بهم النفقة والخشب وهو قول ابن عباس وكان يحتج بقوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق ثم يقول طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجر وحجة أبي حنيفة ظاهر الآية وأما وقت جوازه فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال أحدها إجازة الطواف بعد الصبح والعصر ومنعه وقت الطلوع والغروب وهو مذهب عمر بن الخطاب وأبي سعيد الخدري وبه قال مالك وأصحابه وجماعة والقول الثاني كراهيته بعد الصبح والعصر ومنعه عند الطلوع والغروب وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد وجماعة والقول الثالث إباحة ذلك في هذه الأوقات كلها وبه قال الشافعي وجماعة وأصول أدلتهم راجعة إلى منع الصلاة في هذه الأوقات أو إباحتها أما وقت الطلوع والغروب فالآثار متفقة على منع الصلاة فيها والطواف هل هو ملحق بالصلاة في ذلك الخلاف
ومما احتجت به الشافعية حديث جبير بن مطعم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال يا بني عبد مناف أو يا بني عبد المطلب إن وليتم من هذا الأمر شيئا فلا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت أن يصلي فيه أي ساعة شاء من ليل أو نهار رواه الشافعي وغيره عن ابن عيينة بسنده إلى جبير بن مطعم واختلفوا في جواز الطواف بغير طهارة مع إجماعهم على أن من سنته الطهارة فقال مالك والشافعي لا يجزىء طواف بغير طهارة لا عمدا ولا سهوا وقال أبو حنيفة يجزىء ويستحب له الإعادة وعليه دم وقال أبو ثور إذا طاف على غير وضوء أجزأه طوافه إن كان لا يعلم ولا يجزئه إن كان يعلم و الشافعي يشترط طهارة ثوب الطائف كاشتراط ذلك للمصلي وعمدة من شرط الطهارة في الطواف قوله صلى الله عليه وسلم للحائض وهي أسماء بنت عميس اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت وهو حديث صحيح وقد يحتجون أيضا بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه النطق فلا ينطق إلا بخير وعمدة من أجاز الطواف بغير طهارة إجماع العلماء على جواز السعي بين الصفا والمروة من غير طهارة وأنه ليس كل عبادة يشترط فيها الطهر من الحيض من شرطها الطهر من الحدث أصله الصوم القول في أعداده وأحكامه وأما أعداده فإن العلماء أجمعوا على أن الطواف ثلاثة أنواع طواف القدوم على مكة وطواف الإفاضة بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر وطواف الوداع وأجمعوا على أن الواجب منها الذي يفوت الحج بفواته هو طواف الإفاضة وأنه المعني بقوله تعالى ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق وأنه لا يجزىء عنه دم وجمهورهم على أنه لا يجزىء طواف القدوم على مكة عن طواف الإفاضة إذا نسي طواف الإفاضة لكونه قبل يوم النحر وقالت طائفة من أصحاب مالك إن طواف القدوم يجزىء عن طواف الإفاضة كأنهم رأوا أن الواجب إنما هو طواف واحد وجمهور العلماء على أن طواف الوداع يجزىء عن طواف الإفاضة إن لم يكن طاف طواف الإفاضة لأنه طواف بالبيت معمول في وقت طواف الوجوب الذي هو طواف الإفاضة بخلاف طواف القدوم الذي هو قبل وقت طواف الإفاضة وأجمعوا فيما حكاه أبو عمر بن عبد البر أن طواف القدوم والوداع من سنة الحاج إلا لخائف فوات الحج فإنه يجزىء عنه طواف الإفاضة واستحب جماعة من العلماء لمن عرض له هذا أن يرمل في الأشواط الثلاثة من طواف الإفاضة على سنة طواف القدوم من الرمل وأجمعوا على أن المكي ليس عليه إلا طواف الإفاضة كما أجمعوا على أنه ليس على المعتمر إلا طواف القدوم وأجمعوا أن من تمتع بالعمرة إلى الحج أن عليه طوافين طوافا للعمرة لحله منها وطوافا للحج يوم النحر على ما في حديث عائشة المشهور وأما المفرد للحج فليس عليه إلا طواف واحد كما قلنا يوم النحر واختلفوا في القارن فقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور يجزىء القارن طواف واحد وسعي واحد وهو مذهب عبد الله بن عمر وجابر وعمدتهم حديث عائشة المتقدم وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وابن أبي ليلى على القارن طوافان وسعيان ورووا هذا عن علي وابن مسعود لأنهما نسكان من شرط كل واحد منهما إذا انفرد طوافه وسعيه فوجب أن يكون الأمر كذلك إذا اجتمعا فهذا هو القول في وجوب هذا الفعل وصفته وشروطه وعدده ووقته وصفته والذي يتلو هذا الفعل من أفعال الحج أعني طواف القدوم هو السعي بين الصفا والمروة وهو الفعل الثالث للإحرام فلنقل فيه القول في السعي بين الصفا والمروة والقول في السعي وحكمه وفي صفته وفي شروطه وفي ترتيبه القول في حكمه أما حكمه فقال مالك والشافعي هو اجب وإن لم يسع كان عليه حج قابل وبه قال أحمد وإسحاق وقال الكوفيون هو سنة وإذا رجع إلى بلاده ولم يسع كان عليه دم
وقال بعضهم هو تطوع ولا شي ء على تاركه فعمدة من أوجبه ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسعى ويقول اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي روى هذا الحديث الشافعي عن عبد الله بن المؤمل وأيضا فإن الأصل أن أفعاله عليه الصلاة والسلام في هذه العبادة محمولة على الوجوب إلا ما أخرجه الدليل من سماع أو إجماع أو قياس عند أصحاب القياس وعمدة من لم يوجبه قوله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما قالوا إن معناه أن لا يطوف وهي قراءة ابن مسعود وكما قال سبحانه يبين الله لكم أن تضلوا معناه أي لئلا تضلوا وضعفوا حديث ابن المؤمل وقالت عائشة الآية على ظاهرها وإنما نزلت في الأنصار تحرجوا أن يسعوا بين الصفا والمروة على ما كانوا يسعون عليه في الجاهلية لأنه كان موضع ذبائح المشركين وقد قيل إنهم كانوا لا يسعون بين الصفا والمروة تعظيما لبعض الأصنام فسألوا عن ذلك فنزلت هذه الآية مبيحة لهم وإنما صار الجمهور إلى أنها من أفعال الحج لأنها صفة فعله صلى الله عليه وسلم تواترت بذلك الآثار أعني وصل السعي بالطواف القول في صفته وأما صفته فإن جمهور العلماء على أن من سنة السعي بين الصفا والمروة أن ينحدر الراقي على الصفا بعد الفراغ من الدعاء فيمشي على جبلته حتى يبلغ بطن المسيل فيرمل فيه حتى يقطعه إلى ما يلي المروة فإذا قطع ذلك وجاوزه مشى على سجيته حتى يأتي المروة فيرقى عليها حتى يبدو له البيت ثم يقول عليها نحوا مما قاله من الدعاء والتكبير على الصفا وإن وقف أسفل المروة أجزأه عند جميعهم ثم ينزل عن المروة فيمشي على سجيته حتى ينتهي إلى بطن المسيل فإذا انتهى إليه رمل حتى يقطعه إلى الجانب الذي يلي الصفا يفعل ذلك سبع مرات يبدأ في كل ذلك بالصفا ويختم بالمروة فإن بدأ بالمروة قبل الصفا ألغي ذلك الشوط لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم نبدأ بما بدأ الله به نبدأ بالصفا يريد قوله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله وقال عطاء إن جهل فبدأ بالمروة أجزأ عنه وأجمعوا على أنه ليس في وقت السعي قول محدود فإنه موضع دعاء وثبت من حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا وقف على الصفا يكبر ثلاثا ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير يصنع ذلك ثلاث مرات ويدعو ويصنع على المروة مثل ذلك القول في شروطه وأما شروطه فإنهم اتفقوا على أن من شرطه الطهارة من الحيض كالطواف سواء لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة افعلي كل ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تسعي بين الصفا والمروة انفرد بهذه الزيادة يحيى عن مالك دون من روى عنه هذا الحديث ولا خلاف بينهم أن الطهارة ليست من شروطه إلا الحسن فإنه شبهه بالطواف القول في ترتيبه وأما ترتيبه فإن جمهور العلماء اتفقوا على أن السعي إنما يكون بعد الطواف وأن من سعى قبل أن يطوف بالبيت يرجع فيطوف وإن خرج عن مكة فإن جهل ذلك حتى أصاب النساء في العمرة أو في الحج كان عليه حج قابل والهدي أو عمرة أخرى وقال الثوري إن فعل ذلك فلا شيء عليه وقال أبو حنيفة إذا خرج من مكة فليس عليه أن يعود وعليه دم فهذا هو القول في حكم السعي وصفته وشروطه المشهورة وترتيبه الخروج إلى عرفة وأما الفعل الذي يلي هذا الفعل للحاج فهو الخروج يوم التروية إلى منى والمبيت بها ليلة عرفة واتفقوا على أن الإمام يصلي بالناس بمنى يوم التروية الظهر والعصر والمغرب والعشاء بها مقصورة إلا أنهم أجمعوا على أن هذا الفعل ليس شرطا في صحة الحج لمن ضاق عليه الوقت ثم إذا كان يوم عرفة مشى الإمام مع الناس من منى إلى عرفة ووقفوا بها الوقوف بعرفة
والقول في هذا الفعل ينحصر في معرفة حكمه وفي صفته وفي شروطه أما حكم الوقوف بعرفة فإنهم أجمعوا على أنه ركن من أركان الحج وأن من فاته فعليه حج قابل والهدي في قول أكثرهم لقوله عليه الصلاة والسلام الحج عرفة وأما صفته فهو أن يصل الإمام إلى عرفة يوم عرفة قبل الزوال فإذا زالت الشمس خطب الناس ثم جمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر ثم وقف حتى تغيب الشمس وإنما اتفقوا على هذا لأن هذه الصفة هي مجمع عليها من فعله صلى الله عليه وسلم ولا خلاف بينهم أن إقامة الحج هي للسلطان الأعظم أو لمن يقيمه السلطان الأعظم لذلك وأنه يصلى وراءه برا كان السلطان أو فاجرا أو مبتدعا وأن السنة في ذلك أن يأتي المسجد بعرفة يوم عرفة مع الناس فإذا زالت الشمس خطب الناس كما قلنا وجمع بين الظهر والعصر واختلفوا في وقت أذان المؤذن بعرفة للظهر والعصر فقال مالك يخطب الإمام حتى يمضي صدر من خطبته أو بعضها ثم يؤذن المؤذن وهو يخطب وقال الشافعي يؤذن إذا أخذ الإمام في الخطبة الثانية وقال أبو حنيفة إذا صعد الإمام المنبر أمر المؤذن بالإذان فأذن كالحال في الجمعة فإذا فرغ المؤذن قام الإمام يخطب ثم ينزل ويقيم المؤذن الصلاة وبه قال أبو ثور تشبيها بالجمعة وقد حكى ابن نافع عن مالك أنه قال الأذان بعرفة بعد جلوس الإمام للخطبة وفي حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له وأتى بطن الوادي فخطب الناس ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا ثم راح إلى الموقف واختلفوا هل يجمع بين هاتين الصلاتين بأذانين وإقامتين أو بأذان واحد وإقامتين فقال مالك يجمع بينهما بأذانين وإقامتين وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأبو ثور وجماعة يجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين وروي عن مالك مثل قولهم وروي عن أحمد أنه جمع بينهما بإقامتين والحجة للشافعي حديث جابر الطويل في صفة حجه عليه الصلاة والسلام وفيه أنه صلى الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين كما قلنا وقول مالك مروي عن ابن مسعود وحجته أن الأصل هو أن تفرد كل صلاة بأذان وإقامة ولا خلاف بين العلماء أن الإمام لو لم يخطب يوم عرفة قبل الظهر أن صلاته جائزة بخلاف الجمعة وكذلك أجمعوا أن القراءة في هذه الصلاة سرا وأنها مقصورة إذا كان الإمام مسافرا واختلفوا إذا كان الإمام مكيا هل يقصر بمنى الصلاة يوم التروية وبعرفة يوم عرفة وبالمزدلفة ليلة النحر إن كان من أحد هذه المواضع فقال مالك والأوزاعي وجماعة سنة هذه المواضع التقصير سواء أكان من أهلها أو لم يكن وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وداود لا يجوز أن يقصر من كان من أهل تلك المواضع وحجة مالك أنه لم يرو أن أحدا أتم الصلاة معه صلى الله عليه وسلم أعني بعد سلامه منها وحجة الفريق الثاني البقاء على الأصل المعروف أن القصر لا يجوز إلا للمسافر حتى يدل الدليل على التخصيص واختلف العلماء فى وجوب الجمعة بعرفة ومنى فقال مالك لا تجب الجمعة بعرفة ولا بمنى إلا أيام الحج لا لأهل مكة ولا لغيرهم إلا أن يكون الإمام من أهل عرفة وقال الشافعي مثل ذلك إلا أنه يشترط في وجوب الجمعة أن يكون هنالك من أهل عرفة أربعون رجلا على مذهبه في اشتراط هذا العدد في الجمعة وقال أبو حنيفة إذا كان أمير الحج ممن لا يقصر الصلاة بمنى ولا بعرفة صلى بهم فيها الجمعة إذا صادفها وقال أحمد إذا كان والي مكة يجمع بهم وبه قال أبو ثور
وأما شروطه فهو الوقوف بعرفة بعد الصلاة وذلك أنه لم يختلف العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما صلى الظهر والعصر بعرفة ارتفع فوقف بجبالها داعيا إلى الله تعالى ووقف معه كل من حضر إلى غروب الشمس وأنه لما استيقن غروبها وبان له ذلك دفع منها إلى المزدلفة ولا خلاف بينهم أن هذا هو سنة الوقوف بعرفة وأجمعوا على أن من وقف بعرفة قبل الزوال وأفاض منها قبل الزوال أنه لا يعتد بوقوفه ذلك وأنه إن لم يرجع فيقف بعد الزوال أو يقف من ليلته تلك قبل طلوع الفجر فقد فاته الحج وروي عن عبد الله بن معمر الديلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الحج عرفات فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك وهو حديث انفرد به هذا الرجل من الصحابة إلا أنه مجمع عليه واختلفوا فيمن وقف بعرفة بعد الزوال ثم دفع منها قبل غروب الشمس فقال مالك عليه حج قابل إلا أن يرجع قبل الفجر وإن دفع منها قبل الإمام وبعد الغيبوبة أجزأه وبالجملة فشرط صحة الوقوف عنده هو أن يقف ليلا وقال جمهور العلماء من وقف بعرفة بعد الزوال فحجه تام وإن دفع قبل الغروب إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم عليه وعمدة الجمهور حديث عروة بن مضرس وهو حديث مجمع على صحته قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بجمع فقلت له هل لي من حج فقال من صلى هذه الصلاة معنا ووقف هذا الموقف حتى نفيض أو أفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه وأجمعوا على أن المراد بقوله في هذا الحديث نهارا أنه بعد الزوال ومن اشترط الليل احتج بوقوفه بعرفة صلى الله عليه وسلم حين غربت الشمس لكن للجمهور أن يقولوا إن وقوفه بعرفة إلى المغيب قد نبأ حديث عروة بن مضرس أنه على جهة الأفضل إذ كان مخيرا بين ذلك وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق أنه قال عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة والمزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر ومنى كلها منحر وفجاج مكة منحر ومبيت واختلف العلماء فيمن وقف من عرفة بعرنة فقيل حجه تام وعليه دم وبه قال مالك وقال الشافعي لا حج له وعمدة من أبطل الحج النهي الوارد عن ذلك في الحديث وعمدة من لم يبطله أن الأصل أن الوقوف بكل عرفة جائز إلا ما قام عليه الدليل قالوا ولم يأت هذا الحديث من وجه تلزم به الحجة والخروج عن الأصل فهذا هو القول في السنن التي في يوم عرفة وأما الفعل الذي يلي الوقوف بعرفة من أفعال الحج فهو النهوض إلى المزدلفة بعد غيبة الشمس وما يفعل بها فلنقل فيه القول في أفعال المزدلفة والقول الجملي أيضا في هذا الموضع ينحصر في معرفة حكمه وفي صفته وفي وقته فأما كون هذا الفعل من أركان الحج فالأصل فيه قوله سبحانه فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وأجمعوا على أن من بات بالمزدلفة ليلة النحر وجمع فيها بين المغرب والعشاء مع الإمام ووقف بعد صلاة الصبح إلى الأسفار بعد الوقوف بعرفة أن حجه تام وأن ذلك الصفة التي فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلفوا هل الوقوف بها بعد صلاة الصبح والمبيت بها من سنن الحج أو من فروضه فقال الأوزاعي وجماعة من التابعين هو من فروض الحج ومن فاته كان عليه حج قابل والهدي وفقهاء الأمصار يرون أنه ليس من فروض الحج وأن من فاته الوقوف بالمزدلفة والمبيت به فعليه دم
وقال الشافعي إن دفع منها إلى بعد نصف الليل الأول ولم يصل بها فعليه دم وعمدة الجمهور ما صح عنه أنه صلى الله عليه وسلم قدم ضعفة أهله ليلا فلم يشاهدوا معه صلاة الصبح بها وعمدة الفريق الأول قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عروة بن المضرس وهو حديث متفق على صحته من أدرك معنا هذه الصلاة يعني صلاة الصبح بجمع وكان قد أتى قبل ذلك عرفات ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثهوقوله تعالى فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم ومن حجة الفريق الأول أن المسلمين قد أجمعوا على ترك الأخذ بجميع ما في هذا الحديث وذلك أن أكثرهم على أن من وقف بالمزدلفة ليلا ودفع منها إلى قبل الصبح أن حجه تام وكذلك من بات فيها ونام عن الصلاة وكذلك أجمعوا على أنه لو وقف بالمزدلفة ولم يذكر الله أن حجه تام وفي ذلك أيضا ما يضعف احتجاجهم بظاهر الآية والمزدلفة وجمع هما اسمان لهذا الموضوع وسنة الحج فيها كما قلنا أن يبيت الناس بها ويجمعون بين المغرب والعشاء في أول وقت العشاء ويغلسوا بالصبح فيها القول في رمي الجمار وأما الفعل الذي بعدها فهو رمي الجمار وذلك أن المسلمين اتفقوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بالمشعر الحرام وهي المزدلفة بعدما صلى الفجر ثم دفع منها قبل طلوع الشمس إلى منى وأنه في هذا اليوم وهو يوم النحر رمى جمرة العقبة من بعد طلوع الشمس وأجمع المسلمون أن من رماها في هذا اليوم في ذلك الوقت أعني بعد طلوع الشمس إلى زوالها فقد رماها في وقتها وأجمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرم يوم النحر من الجمرات غيرها واختلفوا فيمن رمى جمرة العقبة قبل طلوع الفجر فقال مالك لم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لأحد أن يرمي قبل طلوع الفجر ولا يجوز ذلك فإن رماها قبل الفجر أعادها وبه قال أبو حنيفة وسفيان وأحمد وقال الشافعي لا بأس به وإن كان المستحب هو بعد طلوع الشمس فحجة من منع ذلك فعله صلى الله عليه وسلم مع قوله خذوا عني مناسككم وما روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم ضعفة أهله وقال لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس وعمدة من جوز رميها قبل الفجر حديث أم سلمة خرجه أبو داود وغيره وهو أن عائشة قالت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة يوم النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ومضت فأفاضت وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها وحديث أسماء أنها رمت الجمرة بليل وقالت إنا كنا نصنعه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمع العلماء أن الوقت المستحب لرمي جمرة العقبة هو من لدن طلوع الشمس إلى وقت الزوال وأنه إن رماها قبل غروب الشمس من يوم النحر أجزأ عنه ولا شيء عليه إلا مالكا فإنه قال استحب له أن يريق دما واختلفوا فيمن لم يرمها حتى غابت الشمس فرماها من الليل أو من الغد فقال مالك عليه دم وقال أبو حنيفة إن رمى من الليل فلا شيء عليه وإن أخرها إلى الغد فعليه دم وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي لا شيء عليه إن أخرها إلى الليل أو إلى الغد وحجتهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لرعاة الإبل في مثل ذلك أعني أن يرموا ليلا وفي حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له السائل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم رميت بعد ما أمسيت قال له لا حرج وعمدة مالك أن ذلك الوقت المتفق عليه الذي رمى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو السنة ومن خالف سنة من سنن الحج فعليه دم على ما روي عن ابن عباس وأخذ به الجمهور
وقال مالك ومعنى الرخصة للرعاة إنما ذلك إذا مضى يوم النحر ورموا جمرة العقبة ثم كان اليوم الثالث وهو أول أيام النفر فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرموا في ذلك اليوم له ولليوم الذي بعده فإن نفروا فقد فرغوا وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الأخير ونفروا ومعنى الرخصة للرعاة عند جماعة العلماء هو جمع يومين في يوم واحد إلا أن مالكا إنما يجمع عنده ما وجب مثل أن يجمع في الثالث فيرمي عن الثاني والثالث لأنه لا يقضى عنده إلا ما وجب ورخص كثير من العلماء في جمع يومين في يوم سواء تقدم ذلك اليوم الذي أضيف إلى غيره أو تأخر ولم يشبهوه بالقضاء وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى في حجته الجمرة يوم النحر ثم نحر بدنه ثم حلق رأسه ثم طاف طواف الإفاضة وأجمع العلماء على أن هذا سنة الحج واختلفوا فيمن قدم من هذه ما أخره النبي عليه الصلاة والسلام أو بالعكس فقال مالك من حلق قبل أن يرمي جمرة العقبة فعليه الفدية وقال الشافعي وأحمد وداود وأبو ثور لا شيء عليه وعمدتهم ما رواه مالك من حديث عبد الله بن عمر أنه قال وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس بمنى والناس يسألونه فجاء رجل فقال يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر فقال عليه الصلاة والسلام انحر ولا حرج ثم جاءه آخر فقال يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي فقال عليه الصلاة والسلام ارم ولا حرج قال فما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال افعل ولا حرج وروى هذا من طريق ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وعمدة مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم على من حلق قبل محله من ضرورة بالفدية فكيف من غير ضرورة مع أن الحديث لم يذكر فيه حلق الرأس قبل رمي الجمار وعند مالك أن من حلق قبل أن يذبح فلا شيء عليه وكذلك من ذبح قبل أن يرمي وقال أبو حنيفة إن حلق قبل أن ينحر أو يرمي فعليه دم وإن كان قارنا فعليه دمان وقال زفر عليه ثلاثة دماء دم القران ودمان للحلق قبل النحر وقبل الرمي وأجمعوا على أن من نحر قبل أن يرمي فلا شيء عليه لأنه منصوص عليه إلا ما روي عن ابن عباس أنه كان يقول من قدم من حجه شيئا أو أخر فليهرق دما وأنه من قدم الإفاضة قبل الرمي والحلق أنه يلزمه إعادة الطواف وقال الشافعي ومن تابعه لا إعادة عليه وقال الأوزاعي إذا طاف للإفاضة قبل أن يرمي جمرة العقبة ثم واقع أهله أراق دما واتفقوا على أن جملة ما يرميه الحاج سبعون حصاة منها في يوم النحر جمرة العقبة بسبع وأن رمي هذه الجمرة من حيث تيسر من العقبة من أسفلها أو من أعلاها أو من وسطها كل ذلك واسع والموضع المختار منها بطن الوادي لما جاء في حديث ابن مسعود أنه استبطن الوادي ثم قال من ههنا والذي لا إله غيره رأيت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يرمي
وأجمعوا على أنه يعيد الرمي إذا لم تقع الحصاة في العقبة وأنه يرمي في كل يوم من أيام التشريق ثلاث جمار بواحد وعشرين حصاة كل جمرة منها بسبع وأنه يجوز أن يرمي منها يومين وينفر في الثالث لقوله تعالى فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه وقدرها عندهم أن يكون في مثل حصى الخذف لما روي من حديث جابر وابن عباس وغيرهم أن النبي عليه الصلاة والسلام رمى الجمار بمثل حصى الخذف والسنة عندهم في رمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق أن يرمي الجمرة الأولى فيقف عندها ويدعو وكذلك الثانية ويطيل المقام ثم يرمي الثالثة ولا يقف لما روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعل ذلك في رميه والتكبير عندهم عند رمي كل جمرة حسن لأنه يروى عنه عليه الصلاة والسلام وأجمعوا على أن من سنة رمي الجمار الثلاث في أيام التشريق أن يكون ذلك بعد الزوال واختلفوا إذا رماها قبل الزوال في أيام التشريق فقال جمهور العلماء من رماها قبل الزوال أعاد رميها بعد الزوال وروي عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال رمي الجمار من طلوع الشمس إلى غروبها وأجمعوا على أن من لم يرم الجمار أيام التشريق حتى تغيب الشمس من آخرها أنه لا يرميها بعد واختلفوا في الواجب من الكفارة فقال مالك إن من ترك رمي الجمار كلها أو بعضها أو واحدة منها فعليه دم وقال أبو حنيفة إن ترك كلها كان عليه دم وإن ترك جمرة واحدة فصاعدا كان عليه لكل جمرة إطعام مسكين نصف صاع حنطة إلى أن يبلغ دما بترك الجميع إلا جمرة العقبة فمن تركها فعليه دم وقال الشافعي عليه في الحصاة مد من طعام وفي حصاتين مدان وفي ثلاث دم وقال الثوري مثله إلا أنه قال في الرابعة الدم ورخصت طائفة من التابعين في الحصاة الواحدة ولم يروا فيها شيئا والحجة لهم حديث سعد بن أبي وقاص قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته فبعضنا يقول رميت بسبع وبعضنا يقول رميت بست فلم يعب بعضنا على بعض وقال أهل الظاهر لا شيء في ذلك والجمهور على أن جمرة العقبة ليست من أركان الحج وقال عبد الملك من أصحاب مالك هي من أركان الحج فهذه هي جملة أفعال الحج من حين الإحرام إلى أن يحل والتحلل تحللان تحلل أكبر وهو طواف الإفاضة وتحلل أصغر وهو رمي جمرة العقبة وسنذكر ما في هذا من الاختلاف القول في الجنس الثالث وهو الذي يتضمن القول في الأحكام وقد نفى القول في حكم الاختلافات التي تقع في الحج وأعظمها في حكم من شرع في الحج فمنعه بمرض أو بعدو أو فاته وقت الفعل الذي هو شرط في صحة الحج أو أفسد حجه بإتيانه بعض المحظورات المفسدة للحج أو للأفعال التي هي تروك أو أفعال فلنبتدىء من هذه بما هو نص في الشريعة وهو حكم المحصر وحكم قاتل الصيد وحكم الحالق رأسه قبل محل الحلق وإلقائه التفث قبل أن يحل وقد يدخل في هذا الباب حكم المتمتع وحكم القارن على القول بأن وجوب الهدي في هذه هو لمكان الرخصة القول في الإحصار وأما الإحصار فالأصل فيه قوله سبحانه فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي إلى قوله فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فنقول اختلف العلماء في هذه الآية اختلافا كثيرا وهو السبب في اختلافهم في حكم المحصر بمرض أو بعدو فأول اختلافهم في هذه الآية هل المحصر ههنا هو المحصر بالعدو أو المحصر بالمرض فقال قوم المحصر ههنا هو المحصر بالعدو وقال آخرون بل المحصر بالمرض فأما من قال إن المحصر ههنا هو المحصر بالعدو فاحتجوا بقوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه قالوا فلو كان المحصر بمرض لما كان لذكر المرض بعد ذلك فائدة واحتجوا أيضا بقوله سبحانه فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج وهذه حجة ظاهرة
ومن قال إن الآية إنما وردت في المحصر بالمرض فإنه زعم أن المحصر هو من أحصر ولا يقال أحصر في العدو وإنما يقال حصره العدو وأحصره المرض قالوا وإنما ذكر المرض بعد ذلك لأن المرض صنفان صنف محصر وصنف غير محصر وقالوا معنى قوله فإذا أمنتم معناه من المرض وأما الفريق الأول فقالوا عكس هذا وهو أن أفعل أبدا وفعل في الشيء الواحد إنما يأتي لمعنيين أما فعل فإذا أوقع بغيره فعلا من الأفعال وأما أفعل فإذا عرضه لوقوع ذلك الفعل به يقال قتله إذا فعل به فعل القتل وأقتله إذا عرضه للقتل وإذا كان هذا هكذا فأحصر أحق بالعدو وحصر أحق بالمرض لأن العدو إنما عرض للإحصار والمرض فهو فاعل الإحصار وقالوا لا يطلق الأمن إلا في ارتفاع الخوف من العدو وإن قيل في المرض فباستعارة ولا يصار إلى الاستعارة إلا لأمر يوجب الخروج عن الحقيقة وكذلك ذكر حكم المريض بعد الحصر الظاهر منه أن المحصر غير المريض وهذا هو مذهب الشافعي والمذهب الثاني مذهب مالك وأبي حنيفة وقال قوم بل المحصر ههنا الممنوع من الحج بأي نوع امتنع إما بمرض أو بعدو أو بخطأ في العدد أو بغير ذلك وجمهور العلماء على أن المحصر عن الحج ضربان إما محصر بمرض وإما محصر بعدو فأما المحصر بالعدو فاتفق الجمهور على أنه يحل من عمرته أو حجه حيث أحصر وقال الثوري و الحسن بن صالح لا يتحلل إلا في يوم النحر والذين قالوا يتحلل حيث أحصر اختلفوا في إيجاب الهدي عليه وفي موضع نحره إذا قيل بوجوبه وفي إعادة ما حصر عنه من حج أو عمرة فذهب مالك إلى أنه لا يجب عليه هدي وأنه إن كان معه هدي نحره حيث حل وذهب الشافعي إلى إيجاب الهدي عليه وبه قال أشهب واشترط أبو حنيفة ذبحه في الحرم وقال الشافعي حيثما حل وأما الإعادة فإن مالكا يرى أن لا إعادة عليه وقال قوم عليه الإعادة وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن كان أحرم بالحج عليه حجة وعمرة وإن كان قارنا فعليه حج وعمرتان وإن كان معتمرا قضى عمرته وليس عليه عند أبي حنيفة ومحمد بن الحسن تقصير واختار أبو يوسف تقصيره وعمدة مالك في أن لا إعادة عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل هو وأصحابه بالحديبية فنحروا الهدي وحلقوا رؤوسهم وحلوا من كل شيء قبل أن يطوف بالبيت وقبل أن يصل إليه الهدي ثم لم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدا من الصحابة ولا ممن كان معه أن يقضي شيئا ولا أن يعود لشيء وعمدة من أوجب عليه الإعادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر في العام المقبل من عام الحديبية قضاء لتلك العمرة ولذلك قيل لها عمرة القضاء وإجماعهم أيضا على أن المحصر بمرض أو ما أشبهه عليه القضاء فسبب الخلاف هو هل قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لم يقض وهل يثبت القضاء بالقياس أم لا وذلك أن جمهور العلماء على أن القضاء يجب بأمر ثان غير أمر الأداء وأما من أوجب عليه الهدي فبناء على أن الآية وردت في المحصر بالعدو أو على أنها عامة لأن الهدي فيها نص وقد احتج هؤلاء بنحر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الهدي عام الحديبية حين أحصروا وأجاب الفريق الآخر أن ذلك الهدي لم يكن هدي تحلل وإنما كان هديا سبق ابتداء وحجة هؤلاء أن الأصل هو أن لا هدي عليه إلا أن يقوم الدليل
وأما اختلافهم في مكان الهدي عند من أوجبه فالأصل فيه اختلافهم في موضع نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم هديه عام الحديبية فقال ابن إسحاق نحره في الحرم وقال غيره إنما نحره في الحل واحتج بقوله تعالى هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله وإنما ذهب أبو حنيفة إلى أن من أحصر عن الحج أن عليه حجا وعمرة لأن المحصر قد فسخ الحج في عمرة ولم يتم واحدا منهما فهذا هو حكم المحصر بعدو عند الفقهاء وأما المحصر بمرض فإن مذهب الشافعي وأهل الحجاز أنه لا يحله إلا الطواف بالبيت والسعي ما بين الصفا والمروة وأنه بالجملة يتحلل بعمرة لأنه إذا فاته الحج بطول مرضه انقلب عمرة وهو مذهب ابن عمر وعائشة وابن عباس وخالف في ذلك أهل العراق فقالوا يحل مكانه وحكمه حكم المحصر بعدو أعني أن يرسل هديه ويقدر يوم نحره ويحل في اليوم الثالث وبه قال ابن مسعود واحتجوا بحديث الحجاج بن عمرو الأنصاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى وبإجماعهم على أن المحصر بعدو ليس من شرط إحلاله الطواف بالبيت والجمهور على أن المحصر بمرض عليه الهدي وقال أبو ثور وداود لا هدي عليه اعتمادا على ظاهر هذا المحصر وعلى أن الآية الواردة في المحصر هو حصر العدو وأجمعوا على إيجاب القضاء عليه وكل من فاته الحج بخطأ من العدد في الأيام أو بخفاء الهلال عليه أو غير ذلك من الأعذار فحكمه حكم المحصر بمرض عند مالك وقال أبو حنيفة من فاته الحج بعذر غير المرض يحل بعمرة ولا هدي عليه وعليه إعادة الحج والمكي المحصر بمرض عند مالك كغير المكي يحل بعمرة وعليه الهدي وإعادة الحج وقال الزهري لا بد أن يقف بعمرة وإن نعش نعشا وأصل مذهب مالك أن المحصر بمرض إن بقي على إحرامه إلى العام المقبل حتي يحج حجة القضاء فلا هدي عليه فإن تحلل بعمرة فعليه هدي المحصر لأنه حلق رأسه قبل أن ينحر في حجة القضاء وكل من تأول قوله سبحانه فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج أنه خطاب للمحصر وجب عليه أن يعتقد على ظاهر الآية أن عليه هديين هديا لحلقه عند التحلل قبل نحره في حجة القضاء وهديا لتمتعه بالعمرة إلى الحج وإن حل في أشهر الحج من العمرة وجب عليه هدي ثالث وهو هدي التمتع الذي هو أحد أنواع نسك الحج وأما مالك رحمه الله فكان يتأول لمكان هذا أن المحصر إنما عليه هدي واحد وكان يقول إن الهدي الذي في قوله سبحانه فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي هو بعينه الهدي الذي في قوله فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي وفيه بعد في التأويل والأظهر أن قوله سبحانه فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج أنه في غير المحصر بل هو في التمتع الحقيقي فكأنه قال فإذا لم تكونوا خائفين لكن تمتعتم بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ويدل على هذا التأويل قوله سبحانه ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام والمحصر يستوي فيها حاضر المسجد الحرام وغيره بإجماع وقد قلنا في أحكام المحصر الذي نص الله عليه فلنقل في أحكام القاتل للصيد القول في أحكام جزاء الصيد
فنقول إن المسلمين أجمعوا على أن قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما هي آية محكمة واختلفوا في تفاصيل أحكامها وفيما يقاس على مفهومها مما لا يقاس عليه فمنها أنهم اختلفوا هل الواجب في قتل الصيد قيمته أو مثله فذهب الجمهور إلى أن الواجب المثل وذهب أبو حنيفة إلى أنه مخير بين القيمة أعني قيمة الصيد وبين أن يشتري بها المثل ومنها أنهم اختلفوا في استئناف الحكم على قاتل الصيد فيما حكم فيه السلف من الصحابة مثل حكمهم أن من قتل نعامة فعليه بدنة تشبيها بها ومن قتل غزالا فعليه شاة ومن قتل بقرة وحشية فعليه إنسية فقال مالك يستأنف في كل ما وقع من ذلك الحكم به وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي إن اجتزأ بحكم الصحابة مما حكموا فيه جاز ومنها هل الآية على التخيير أو على الترتيب فقال مالك هي على التخيير وبه قال أبو حنيفة يريد أن الحكمين يخيران الذي عليه الجزاء وقال زفر هي على الترتيب واختلفوا هل يقوم الصيد أو المثل إذا اختار الإطعام إن وجب على القول بالوجوب فيشتري بقيمته طعاما فقال مالك يقوم الصيد وقال الشافعي يقوم المثل ولم يختلفوا في تقدير الصيام بالطعام بالجملة وإن كانوا اختلفوا في التفصيل فقال مالك يصوم لكل مد يوما وهو الذي يطعم عندهم كل مسكين وبه قال الشافعي وأهل الحجاز وقال أهل الكوفة يصوم لكل مدين يوما وهو القدر الذي يطعم كل مسكين عندهم واختلفوا في قتل الصيد خطأ هل فيه جزاء أم لا فالجمهور على أن فيه الجزاء وقال أهل الظاهر لا جزاء عليه واختلفوا في الجماعة يشتركون في قتل الصيد فقال مالك إذا قتل جماعة محرمون صيدا فعلى كل واحد منهم جزاء كامل وبه قال الثوري وجماعة وقال الشافعي عليهم جزاء واحد وفرق أبو حنيفة بين المحرمين يقتلون الصيد وبين المحلين يقتلونه في الحرم فقال على كل واحد من المحرمين جزاء وعلى المحلين جزاء واحد واختلفوا هل يكون أحد الحكمين قاتل الصيد فذهب مالك إلى أنه لا يجوز وقال الشافعي يجوز واختلف أصحاب أبي حنيفة على القولين جميعا واختلفوا في موضع الإطعام فقال مالك في الموضع الذي أصاب فيه الصيد إن كان ثم طعام وإلا ففي أقرب المواضع إلى ذلك الموضع وقال أبو حنيفة حيثما أطعم وقال الشافعي لا يطعم إلا مساكين مكة وأجمع العلماء على أن المحرم إذا قتل الصيد أن عليه الجزاء للنص في ذلك واختلفوا في الحلال يقتل الصيد في الحرم فقال جمهور فقهاء الأمصار عليه الجزاء وقال داود وأصحابه لا جزاء عليه ولم يختلف المسلمون في تحريم قتل الصيد في الحرم وإنما اختلفوا في الكفارة وذلك لقوله سبحانه أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض وجمهور فقهاء الأمصار على أن المحرم إذا قتل الصيد وأكله أنه ليس عليه كفارة واحدة وروي عن عطاء وطائفة أن فيه كفارتين فهذه هي مشهورات المسائل المتعلقة بهذه الآية ( وأما الأسباب التي دعتهم إلى هذا الاختلاف ) فنحن نشير إلى طرق منها فنقول أما من اشترط في وجوب الجزاء أن يكون القتل عمدا فحجته أن اشتراط ذلك نص في الآية وأيضا فإن العمد هو الموجب للعقاب والكفارات عقابا ما وأما من أوجب الجزاء مع النسيان فلا حجة له إلا أن يشبه الجزاء عند إتلاف الصيد بإتلاف الأموال فإن الأموال عند الجمهور تضمن خطا ونسيانا