Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)
صحيح مسلم شرح النووي المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخنا الامام العالم الزاهد الورع محي الدين يحيى بن شرف بن مرى بن حسن بن حسين بن حزام النووي رحمه الله تعالى آمين الحمد لله البر الجواد الذي جلت نعمه عن الاحصاء والاعداد خالق اللطف والارشاد الهادى إلى سبيل الرشاد الموفق بكرمه لطرق السداد المان بالاعتناء بسنة حبيبه وخليله عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى من لطف به من العباد المخصص هذه الامة زادها الله شرفا بعلم الاسناد الذي لم يشركها فيه أحد من الأمم على تكرر العصور والآباد الذي نصب لحفظ هذه السنة المكرمة الشريفة المطهرة خواص من الحفاظ النقاد وجعلهم ذابين عنها في جميع الازمان والبلاد باذلين وسعهم في تبيين الصحة من طرقها والفساد خوفا من الانتقاص منها والازدياد وحفظا لها على الأمة زادها الله شرفا إلى يوم التناد مستفرغين جهدهم في التفقه في معانيها واستخراج الاحكام واللطائف منها مستمرين على ذلك في جماعات وآحاد مبالغين في بيانها وايضاح وجوهها بالجد والاجتهاد ولا يزال على القيام بذلك بحمد الله ولطفه جماعات في الاعصار كلها إلى انقضاء الدنيا واقبال المعاد وان قلو وخملت بلدان منهم وقربوا من النفاد أحمده أبلغ حمد على نعمه خصوصا على نعمة الاسلام وأن جعلنا من أمة خير الأولين والآخرين وأكرم السابقين واللاحقين محمد عبده ورسوله وحبيبه وخليله خاتم النبيين صاحب الشفاعة العظمى ولواء الحمد والمقام المحمود سيد المرسلين المخصوص بالمعجزة الباهرة المستمرة على تكرر السنين التي تحدى بها أفصح القرون وأفحم بها المنازعين وظهر بها خزي من لم ينقد لها من المعاندين المحفوظة من أن يتطرق اليها تغيير الملحدين أعنى بها القرآن العزيز كلام ربنا الذي نزل به الروح الأمين على قلبه ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين والمصطفى بمعجزات أخر زائدات على الألف والمئين وبجوامع الكلم وسماحة شريعته ووضع اصر المتقدمين المكرم بتفضيل أمته زادها الله شرفا على الأمم السابقين وبكون أصحابه رضي الله عنهم خير القرون الكائنين وبأنهم كلهم مقطوع بعدالتهم عند من يعتد به من علماء المسلمين ويجعل اجماع أمته حجة مقطوعا بها كالكتاب المبين وأقوال أصحابه المنتشرة من غير مخالفة لذلك عند العلماء المحققين المخصوص بتوفر دواعي أمته زادها الله شرفا على حفظ شريعته وتدوينها ونقلها عن الحفاظ المسندين وأخذها عن الحذاق المتقين والاجتهاد في تبيينها للمسترشدين والدؤوب في تعليمها احتسابا لرضا رب العالمين والمبالغة في الذب عن منهاجه بواضح الأدلة وقمع الملحدين والمبتدعين صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين وآل كل وصحابتهم والتابعين وسائر عباد الله الصالحين ووفقنا للاقتداء به دائمين في أقواله وأفعاله وسائر أحواله مخلصين مستمرين في ذلك دائبين وأشهد أن لا اله الاالله وحده لا شريك له اقرارا بوحدانيته واعترافا بما يجب على الخلق كافة من الاذعان لربوبيته واشهد ان محمد عبده ورسوله المصطفى من بريته والمخصوص بشمول رسالته وتفضيل امته صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله واصحابه وعترته اما بعد فإن الاشتغال بالعلم من افضل القرب واجل الطاعات واهم انواع الخير وآكد العبادات واولى ما انفقت فيه نفائس الأوقات وشمر في ادراكه والتمكن فيه اصحاب الانفاس الزكيات وبادر إلى الاهتمام به المسارعون إلى الخيرات وسابق إلى التحلى به مستبقو المكرمات وقد تظاهرت على ما ذكرته جمل من الآيات الكريمات والاحاديث الصحيحة المشهورات واقاويل السلف رضى الله عنهم النيرات ولاضرورة لذكرها هنا لكونها من الواضحات الجليات ومن اهم انواع العلوم تحقيق معرفة الاحاديث النبويات اعني معرفة متونها صحيحها وحسنها وضعيفها متصلها ومرسلها ومنقطعها ومعضلعا ومقلوبها ومشهورها وغريبها وعزيزها متوارتها وآحادها وافرادها معروفها وشاذها ومنكرها ومعللها وموضوعها ومدرجها وناسخها ومنسوخها وخاصها وعامها ومجملها ومبينها ومختلفها وغير ذلك من انواعها المعروفات ومعرفة علم الاسانيد اعني معرفة حال رجالها وصفاتهم المعتبرة وضبط اسمائهم وانسابهم ومواليدهم ووفياتهم وغير ذلك من الصفات ومعرفة التدليس والمدلسين وطرق الاعتبار والمتابعات ومعرفة حكم اختلاف الرواة في الأسانيد والمتون والوصل والارسال والوقف والرفع والقطع والانقطاع وزيادات الثقات ومعرفة الصحابة والتابعين واتباعهم واتباع اتباعهم ومن بعدهم رضى الله عنهم وعن سائر المؤمنين والمؤمنات وغير ما ذكرته من علومها المشهورات ودليل ما ذكرته أن شرعنا مبني على الكتاب العزيز والسنن المرويات وعلى السنن مدار اكثر الأحكام الفقهيات فإن اكثر الآيات الفروعيات مجملات وبيانها في السنن المحكمات وقد اتفق العلماء على ان من شرط المجتهد من القاضي والمفتي ان يكون عالما بالأحاديث الحكميات فتيت بما ذكرناه ان الانشغال بالحديث من اجل العلوم الراجحات وافضل انواع الخير وآكد القربات وكيف لا يكون كذلك وهو مشتمل مع ماذكرناه على بيان حال افضل المخلوقات عليه من الله الكريم افضل الصلوات والسلام والتبريكات ولقد كان أكثر اشتغال العلماء بالحديث في الاعصار الخاليات حتى لقد كان يجتمع في مجلس الحديث من الطالبين الوف متكاثرات فتناقص ذلك وضعفت الهمم فلم يبق الا آثار من آثارهم قليلات والله المستعان على هذه المصيبة وغيرها من البليات وقد جاء في فضل احياء السنن المماتات احاديث كثيرة معروفات مشهورات فينبغي الاعتناء بعلم الحديث والتحريض عليه لما ذكرنا من الدلالات ولكونه ايضا من النصيحة لله تعالى وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم وللائمة والمسلمين والمسلمات وذلك هو الدين كما صح عن سيد البريات صلوات الله وسلامة عليه وعلى آله وصحبه وذريته وازواجه الطاهرات ولقد احسن القائل من جمع ادوات الحديث استنار قلبه واستخرج كنوزه الخفيات وذلك لكثرة فوائده البارزات والكامنات وهو جدير بذلك فانه كلام افصح الخلق ومن اعطي جوامع الكلمات صلى الله عليه وسلم صلوات متضاعفات واصح مصنف فى الحديث بل فى العلم مطلقا الصحيحان للإمامين القدوتين ابى عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وابى الحسين مسلم بن الحجاج القشيرى رضى الله عنهما فلم يوجد لهما نظير فى المؤلفات فينبغي ان يعتنى بشرحهما وتشاع فوائدهما ويتلطف فى استخراج دقائق المعلوم من متونهما واسانيدهما لما ذكرنا من الحجج الظاهرات وانواع الادلة المتظاهرات فأما صحيح البخارى رحمه الله فقد جمعت فى شرحه جملا مستكثرات مشتملة على نفائس من انواع العلوم بعبارات وجيزات وانا مشمر فى شرحه راج من الله الكريم فى اتمامه المعونات واما صحيح مسلم رحمه الله فقد استخرت الله تعالى الكريم الرؤف الرحيم فى جمع كتاب شرحه متوسط بين المختصرات والمبسوطات لا من المختصرات المخلات ولا من المطولات المملات ولولا ضعف الهمم وقلة الراغبين وخوف عدم انتشار الكتاب لقلة الطالبين للمطولات لبسطه فبلغت به ما يزيد على مائة من المجلدات من غير تكرار ولا زيادات عاطلات بل ذلك لكثرة فوائده وعظم عوائده الخفيات والبارزات وهو جدير بذلك فإنه كلام أفصح المخلوقات صلى الله عليه وسلم صلوات دائمات لكنى اقتصر على التوسط واحرص على ترك الاطالات وأوثر الاختصار فى كثير من الحالات فأذكر فيه ان شاء الله جملا من علومه الزاهرات من احكام الاصول والفروع والآداب والاشارات الزهديات وبيان نفائس من اصول القواعد الشرعيات وايضاح معانى الالفاظ اللغوية واسماء الرجال وضبط المشكلات وبيان اسماء ذوى الكنى واسماء آباء الابناء والمبهمات والتنبيه على لطيفة من حال بعض الرواة وغيرهم من المذكورين فى بعض الاوقات واستخراج لطائف من خفيات علم الحديث من المتون والاسنانيد المستفادات وضبط جمل من الاسماء المؤتلفات والمختلفات والجمع بين الاحاديث التى تختلف ظاهرا ويظن البعض من لا يحقق صناعتى الحديث والفقه واصوله كونها متعارضات وانبه على ما يحضرني فى الحال فى الحديث من المسائل العمليات واشير إلى الادلة فى كل ذلك اشارات الا فى مواطن الحاجة إلى البسط للضرورات واحرص فى جميع ذلك على الايجاز وايضاح العبارات وحيث انقل شيئا من اسماء الرجال واللغة وضبط المشكل والاحكام والمعانى وغيرها من المنقولات فإن كان مشهورا لا اضيفه إلى قائليه لكثرتهم الا نادرا لبعض المقاصد الصالحات وان كان غريبا اضفته إلى قائليه الا ان اذهل عنه بعض المواطن لطول الكلام أو كونه مما تقدم بيانه من الابواب الماضيات واذا تكرر الحديث أو الاسم أو اللفظة من اللغة ونحوها بسطت المقصود منه فى اول مواضعه واذا مررت على الموضع الآخر ذكرت انه تقدم شرحه وبيانه فى الباب الفلانى من الابواب السابقات وقد اقتصر على بيان تقدمه من غير اضافة أو اعيد الكلام فيه لبعد الموضع الاول أو ارتباط كلام أو نحوه أو غير ذلك من المصالح المطلوبات واقدم فى اول الكتاب جملا من المقدمات مما يعظم النفع به ان شاء الله تعالى ويحتاج إليه طالبو التحقيقات وأرتب ذلك فى فصول متتابعات ليكون اسهل فى مطالعته وابعد من السآمات وانا مستمد المعونة والصيانة واللطف والرعاية من الله الكريم رب الارضين والسموات مبتهلا إليه سبحانه وتعالى ان يوفقنى ووالدى ومشايخى وسائر اقاربى واحبابى ومن احسن الينا بحسن النيات وان ييسر لنا الطاعات وان يهدينا لها دائما فى ازدياد حتى الممات وان يجود علينا برضاه ومحبته ودوام طاعته والجمع بيننا فى دار كرامته وغير ذلك من انواع المسرات وان ينفعنا اجمعين ومن يقرأ فى هذا الكتاب به وان يجزل لنا المثوبات وان لا ينزع منا ما وهبه لنا ومن به علينا من الخيرات وان لا يجعل شيئا من ذلك فتنة لنا وان يعيذنا من كل شيء من المخالفات انه مجيب الدعوات جزيل العطيات اعتصمت بالله توكلت على الله ما شاء الله لا قوة الا بالله لا حول ولا قوة الا بالله وحسبى الله ونعم الوكيل وله الحمد والفضل والمنة والنعمة وبه التوفيق واللطف والهداية والعصمة
1 ( فصل في بيان اسناد الكتاب وحال رواته منا إلى الامام مسلم رضي الله عنه مختصرا )
أما اسنادي فيه فأخبرنا بجميع صحيح الامام مسلم بن الحجاج رحمه الله الشيخ الأمين العدل الرضى أبو إسحاق إبراهيم بن أبي حفص عمر بن مضر الواسطى رحمه الله بجامع دمشق حماها الله وصانها وسائر بلاد الاسلام وأهله قال أخبرنا الامام ذو الكنى أبو القاسم أبو بكر أبوالفتح منصور بن عبد المنعم الفراوي قال أخبرنا الامام فقيه الحرمين أبو جدى أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي قال أخبرنا أبو الحسين عبد الغافر الفارسي قال أنا أحمد محمد بن عيسى الجلودي قال أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه انا الامام أبو الحسين مسلم بن الحجاج رحمه الله وهذا الاسناد الذي حصل لنا ولاهل زماننا ممن يشاركنا فيه في نهاية من العلو بحمد الله تعالى فبيننا وبين مسلم ستة وكذلك اتفقت لنا بهذا العدد رواية الكتب الأربعة التي هي تمام الكتب الخمسة التي هي أصول الاسلام أعنى صحيحي البخارى ومسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وكذلك رقع لنا بهذا العدد مسندا الامامين أبوي عبد الله أحمد بن حنبل ومحمد بن يزيد أعنى بن ماجه ووقع لنا أعلى من هذه الكتب وان كانت عالية موطأ الامام أبي عبد الله مالك بن أنس فبيننا وبينه رحمه الله سبعة وهو شيخ شيوخ المذكورين كلهم فتعلو روايتنا لاحاديثه برجل ولله الحمد والمنة وحصل في روايتنا لمسلم لطيفة وهو أنه اسناد مسلسل بالنيسابوريين وبالمعمرين فان رواته كلهم معمرون وكلهم نيسابوريون من شيخنا أبي إسحاق إلى مسلم وشيخنا وان كان واسطيا فقد أقام بنيسابور مدة طويلة والله اعلم اما بيان حال رواته فيطول الكلام في تقصي أخبارهم واستقصاء أحوالهم لكن نقتصر على ضبط أسمائهم وأحرف تتعلق بحال بعضهم أما شيخنا أبو إسحاق فكان من أهل الصلاح والمنسوبين إلى الخير والفلاح معروفا بكثرة الصدقات وانفاق المال في وجوه المكرمات ذا عفاف وعبادة ووقار وسكينة وصيانة بلا استكبار توفي رحمه الله بالاسكندرية اليوم السابع من رجب سنة أربع وستين وستمائة وأما شيخ شيخنا فهو الامام ذو الكنى أبو القاسم أبو بكر أبو الفتح منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي العباس الصاعدي الفراوي ثم النيسابوري منسوب إلى فراوة بليدة من ثغر خراسان وهو بفتح الفاء وضمها فاما الفتح فهو المشهور المستعمل بين أهل الحديث وغيرهم وكذا حكى الشيخ الامام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله أنه سمع شيخه منصورا هذا رضي الله عنه يقول انه الفراوي بفتح الفاء وذكره أبو سعيد السمعاني في كتابه الانساب بضم الفاء وكذا ذكر الضم ايضا غير السمعانى وكان منصور هذا جليلا شيخا مكثرا ثقة صحيح السماع روى عن أبيه وجده وجد أبيه أبى عبد الله محمد بن الفضل وروى عن غيرهم مولده فى شهر رمضان سنة اثنين وعشرين وخمسمائة وتوفى بشازياخ نيسابور فى شعبان سنة ثمان وستمائة واما أبو عبد الله الفاروى فهو محمد بن الفضل جد ابى منصور النيسابورى وقد تقدم تمام نسبه فى نسب بن بن ابنه منصور كان أبو عبد الله هذا الفراوى رضى الله عنه اماما بارعا فى الفقه والاصول وغيرهما كثير الروايات بالاسانيد الصحيحة العاليات رحلت إليه الطلبة من الاقطار وانتشرت الروايات عنه فيما قرب وبعد من الامصار حتى قالوا فيه للفراوى ألف راوى وكان يقال له فقيه الحرم لاشاعته ونشره العلم بمكة زادها الله فضلا وشرفا ذكره الامام الحافظ أبو القاسم الدمشقى المعروف بابن عساكر رضى الله عنهما فأطنب فى الثناء عليه بما هو أهله ثم روى عن ابى الحسين عبد الغافر أنه ذكره فقال هو فقيه الحرم البارع فى الفقه والاصول الحافظ للقواعد نشأ بين الصوفية فى حجورهم ووصل إليه بركات أنفاسهم وسمع التصانيف والاصول من الامام زين الاسلام ودرس عليه الاصول والتفسير ثم اختلف إلى مجلس امام الحرمين ولازم درسه ماعاش وتفقه عليه وعلق عنه الاصول وصار من جملة المذكورين من أصحابه وخرج حاجا إلى مكة وعقد المجلس ببغداد وسائر البلاد وأظهر العلم بالحرمين وكان منه بهما أثر وذكر ونشر للعلم وعاد إلى نيسابور وما تعدى قط حد العلماء ولا سيرة الصالحين من التواضع والتبذل فى الملابس والتعايش وتستر بكتابة الشروط لاتصاله بالزمرة الشحامية مصاهرة ليصون بها عرضه وعلمه عن توقع الارفاق ويتبلغ بما يكتسبه منها فى اسباب المعيشة من فنون الارزاق وقعد للتدريس فى المدرسة الناصحة وافادة الطلبة فيها وقد سمع المسانيد والصحاح وأكثر عن مشايخ عصره وله مجالس الوعظ والتذكير المشحونة بالفوائد والمبالغة فى النصح وحكايات المشايخ وذكر احوالهم قال الحافظ أبو القاسم والى الامام محمد الفراوى كانت رحلتى الثانية لأنه المقصود بالرحلة فى تلك الناحية لما اجتمع فيه من علو الاسناد ووفور العلم وصحة الإعتقاد وحسن الخلق ولين الجانب والاقبال بكليته على الطالب فأقمت فى صحبته سنة كاملة وغنمت من مسموعاته فوائد حسنة طائلة وكان مكرما لموردى عليه عارفا بحق قصدى إليه ومرض مرضة فى مدة مقامى عنده ونهاه الطبيب عن التمكين من القراءة عليه فيها وعرفه ان ذلك ربما كان سببا لزيادة تألمه فقال لا أستجيز أن أمنعهم من القراءة وربما أكون قد حسبت فى الدنيا لأجلهم وكنت أقرأ عليه فى حال مرضه وهو ملقى على فراشه ثم عوفى من تلك المرضة وفارقته متوجها إلى هراة فقال لى حين ودعته بعد أن اظهر الجزع لفراقى وربما لا نلتقى بعد هذا فكان كما قال فجاءنا نعيه إلى هراة وكانت وافته فى العشر الأواخر من شوال سنة ثلاثين وخمسمائة ودفن فى تربة أبى بكر بن خزيمة رضى الله عنهما وذكر الحافظ أيضا جملا اخرى من مناقبه حذفتها اختصارا وذكر أبو سعيد السمعانى أنه سأل أبا عبد الله الفراوى هذا عن مولده فقال مولدى تقديرا سنة احدى وأربعين وأربعمائة قال غيره وتوفى يوم الخميس الحادى أو الثانى والعشرين من شوال سنة ثلاثين وخمسمائة قال الحافظ الشيخ أبو عمرو رحمة الله له فى علم المذهب كتاب انتخبت منه فوائد استغربتها وسمع صحيح مسلم من عبد الغافر فى السنة التى توفى فيها عبد الغافر سنة ثمان وأربعين وأربعمائة بقراءة أبى سعيد البحيرى رحمه الله ورضى عنه واما شيخ الفراوى فهو أبو الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد بن محمد بن سعيد الفارسى الفسوى ثم النيسابورى التاجر وكان سماعه صحيح مسلم من الجلودى سنة خمس وستين وثلاثمائة ذكره ولد ولده أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسى الاديب الامام المحدث بن المحدث بن المحدث صاحب التصانيف كذيل تاريخ نيسابور وكتاب مجمع الغرائب والمفهم لشرح غريب صحيح مسلم وغيرها فقال كان شيخا ثقة صالحا صائنا محظوظا من الدين والدنيا محدودا فى الرواية على قلة سماعه مشهورا مقصودا من الآفاق سمع منه الائمة والصدور وقرأ الحافظ الحسن السمرقندى عليه صحيح مسلم نيفا وثلاثين مرة وقرأه عليه أبو سعيد البحيرى نيفا وعشرين مرة وممن قرأه عليه من مشاهير الائمة زين الاسلام أبو القاسم يعنى القشيرى والواحدى وغيرهما استكمل خمسا وتسعين سنة وألحق أحفاد الاحفاد بالاجداد وتوفى يوم الثلاثاء ودفن يوم الاربعاء السادس من شوال سنة ثمان وأربعين وأربعمائة وقال غيره ولد ثلاث وخمسين وثلاثمائة وسمع منه أئمة الدنيا من الغرباء والطارئين والبلديين وبارك الله سبحانه وتعالى فى سماعه وروايته مع قلة سماعه وكان المشهور برواية صحيح مسلم وغريب الخطابى فى عصره وسمع الخطابى وغيره من أهل عصره رحمه الله ورضى عنه وأما شيخ الفارسى فهو أبو أحمد محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الرحمن بن عمرويه بن منصور الزاهد النيسابورى الجلودى بضم الجيم بلا خلاف قال الأمام أبو سعيد السمعانى هو منسوب الجلود المعروفة جمع جلد قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عندى أنه منسوب إلى سكة الجلوديين بنيسابور الدارسة وهذا الذى قاله الشيخ أبو عمرو يمكن حمل كلام السمعانى عليه وانما قلت ان الجلودى هذا بضم الجيم بلا خلاف لان بن السكيت وصاحبه بن قتيبة قالا فى كتابيهما المشهورين أن الجلودى بفتح الجيم منسوب إلى جلود اسم قرية بافريقية وقال غيرهما انها بالشام واراد أن من نسب إلى هذه القرية فهو بفتح الجيم لكونها مفتوحة وأما أبو أحمد الجلودى فليس منسوبا إلى هذه القرية فليس فيما قالاه مخالفة لما ذكرناه والله أعلم قال الحاكم أبو عبد الله كان أبو أحمد هذا الجلودى شيخا صالحا زاهدا من كبار عباد الصوفية صحب أكابر المشايخ من أهل الحقائق وكان ينسخ الكتب ويأكل من كسب يده سمع أبا بكر بن خزيمة ومن كان قبله وكان ينتحل مذهب سفيان الثورى ويعرفه توفى رحمه الله يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من ذى الحجة سنة ثمان وستين وثلاثمائة وهو بن ثمانين سنة قال الحاكم وختم لوفاته سماع صحيح مسلم وكل من حدث به بعده عن إبراهيم بن محمد بن سفيان وغيره فليس بثقة والله أعلم وأما الشيخ الجلودى فهو السيد الجليل أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابورى الفقيه الزاهد المجتهد العابد قال الحاكم أبو عبد الله بن البيع سمعت محمد بن يزيد العدل يقول كان إبراهيم بن محمد بن سفيان مجاب الدعوة قال الحاكم وسمعت أبا عمرو بن نجيد يقول انه كان من الصالحين قال الحاكم كان إبراهيم بن سفيان من العباد المجتهدين ومن الملازمين لمسلم بن الحجاج وكان من أصحاب أيوب بن الحسن الزاهد صاحب الرأى يعنى الفقيه الحنفى سمع إبراهيم بن سفيان بالحجاز ونيسابور والرى والعراق قال إبراهيم فرغ لنا مسلم من قراءة الكتاب فى شهر رمضان سنة سبع وخمسين ومائتين قال الحاكم مات إبراهيم فى رجب سنة ثمان وثلاثمائة رحمه الله ورضى عنه وأما شيخ إبراهيم بن محمد بن سفيان فهو الامام مسلم صاحب الكتاب وهو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيرى نسبا النيسابورى وطنا عربى صليبة وهو أحد أعلام أئمة هذا الشأن وكبار المبرزين فيه وأهل الحفظ والاتقان والرحالين فى طلبه إلى أئمة الاقطار والبلدان والمعترف له بالتقدم فيه بلا خلاف عند أهل الحذق والعرفان والمرجوع إلى كتابه والمعتمد عليه فى كل الازمان سمع بخرسان يحيى بن يحيى واسحاق بن راهويه وغيرها وبالرى محمد بن مهران الجمال بالجيم وأبا غسان وغيرهما وبالعراق أحمد بن حنبل وعبد الله بن مسلمة القعنبى وغيرهما وبالحجاز سعيد بن منصور وأبا مصعب وغيرهما وبمصر عمرو بن سواد وحرملة بن يحيى وغيرهما وخلائق كثيرين روى عنه جماعات من كبار أئمة عصره وحفاظه وفيهم جماعات فى درجته فمنهم أبو حاتم الرازى وموسى بن هارون وأحمد بن سلمة وأبو عيسى الترمذى وأبو بكر بن خزيمة ويحيى بن صاعد وأبو عوانة الاسفراينى وآخرون لا يحصون وصنف مسلم رحمه الله فى علم الحديث كتبا كثيرة منها هذا الكتاب الصحيح الذى من الله الكريم وله الحمد والنعمة والفضل والمنة به على المسلمين وأبقى لمسلم به ذكرا جميلا وثناء حسنا إلى يوم الدين ومنها كتاب المسند الكبير على أسماء الرجال وكتاب الجامع الكبير على الأبواب وكتاب العلل وكتاب أوهام المحدثين وكتاب التميز وكتاب من ليس له الا راو واحد وكتاب طبقات التابعين وكتاب المخضرمين وغير ذلك قال الحاكم أبو عبد الله حدثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم قال سمعت أحمد بن سلمة يقول رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج فى معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما وفى رواية فى معرفة الحديث قلت ومن حقق نظره فى صحيح مسلم رحمه الله واطلع على ما أورده فى أسانيده وترتيبه وحسن سياقته وبديع طريقته من نفائس التحقيق وجواهر التدقيق وأنواع الورع والاحتياط والتحرى فى الرواية وتلخيص الطرق واختصارها وضبط متفرقها وانتشارها وكثرة اطلاعه واتساع روايته وغير ذلك مما فيه من المحاسن والاعجوبات واللطائف الظاهرات والخفيات علم أنه امام لا يلحقه من بعد عصره وقل من يساويه بل يدانيه من أهل وقته ودهره وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وأنا أقتصر من أخباره رضى الله عنه على هذا القدر فان أحواله رحمه الله ومناقبه لا تستقصى لبعدها عن أن تحصى وقد دللت بما ذكرت من الاشارة إلى حالته على ما أهملت من جميل طريقته والله الكريم أسأله أن يجزل فى مثوبته وأن يجمع بيننا وبينه مع احبائنا فى دار كرامته بفضله وجوده ولطفه ورحمته وقد قدمت أن أوثر الاختصار وأحاذر التطويل الممل والاكثار توفى مسلم رحمه الله بنيسابور سنة احدى وستين ومائتين قال الحاكم أبو عبد الله بن البيع فى كتاب المزكين لرواة الاخبار سمعت أبا عبد الله بن الاخرم الحافظ رحمه الله يقول توفى مسلم بن الحجاج رحمه الله عشية الاحد ودفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب سنة احدى وستين ومائتين وهو بن خمس وخمسين سنة رحمه الله ورضى عنه
1 ( فصل ) صحيح مسلم رحمه الله فى نهاية من الشهرة وهو متواتر عنه من حيث الجملة فالعلم القطعى حاصل بأنه تصنيف أبى الحسين مسلم بن الحجاج وأما من حيث الرواية المتصلة بالاسناد المتصل بمسلم فقد انحصرت طريقه عنده فى هذه البلدان والازمان فى رواية أبى إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم ويروى فى بلاد المغرب مع ذلك عن أبى محمد أحمد بن على القلانسى عن مسلم ورواه عن بن سفيان جماعة منهم الجلودى وعن الجلودى جماعة منهم الفارسى وعنه جماعة منهم الفراوى وعنه خلائق منهم منصور وعنه خلائق منهم شيخنا أبو إسحاق قال الشيخ الامام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله وأما القلانسى فوقعت روايته عند أهل الغرب ولا رواية له عند غيرهم دخلت روايته إليه من جهة أبى عبد الله محمد بن يحيى بن الحذاء التميمى القرطبى وغيره سمعوها بمصر من أبى العلاء عبد الوهاب بن عيسى بن عبد الرحمن بن ماهان البغدادى قال حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن يحيى الاشقر الفقيه على مذهب الشافعى قال حدثنا أبو محمد القلانسى قال حدثنا مسلم الا ثلاثة أجزاء من آخر الكتاب أولها حديث الافك الطويل فان أبا العلاء بن ماهان كان يروى ذلك عن أبى أحمد الجلودى عن أبى سفيان عن مسلم رضى الله عنه 1 ( فصل ) قال الشيخ الامام الحافظ أبو عمرو وعثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح رحمه الله اختلف النسخ فى رواية الجلودى عن إبراهيم بن سفيان هل هي بحدثنا إبراهيم أو أخبرنا والتردد واقع فى أنه سمع لفظ إبراهيم أو قرأه عليه فالأحوط أن يقال أخبرنا إبراهيم حدثنا إبراهيم فليلفظ القارىء بهما على البدل قال وجائز لنا الاقتصار على أخبرنا فانه كذلك فيما نقلته من ثبت الفراوى من خط صاحبه عبد الرزاق الطبسى وفيما انتخبته بنيسابور من الكتاب من أصل فيه سماع شيخنا المؤيد وهو كذلك بخط الحافظ أبى القاسم الدمشقى العساكرى عن الفراوى وفى غير ذلك وأيضا فحكم المتردد فى ذلك المصير إلى أخبرنا لأن كل تحديث من حديث الحقيقة اخبار وليس كل اخبار تحديثا 1 ( فصل ) قال الشيخ الامام أبو عمرو بن الصلاح رضى الله عنه اعلم أن إبراهيم بن سفيان فى الكتاب فائتا لم يسمعه من مسلم يقال فيه أخبرنا إبراهيم عن مسلم ولا يقال فيه أخبرنا مسلم ولا حدثنا مسلم وروايته لذلك عن مسلم اما بطريقة الاجازة واما بطريقة الوجادة وقد غفل أكثر الرواة عن تبين ذلك وتحقيقه فى فهاريسهم وتسميعاتهم واجازاتهم وغيرها بل يقولون فى جميع الكتاب أخبرنا إبراهيم قال أخبرنا مسلم وهذا الفوات فى ثلاثة مواضع محققة فى أصول معتمدة فأولها فى كتاب الحج فى باب الحلق والتقصير حديث بن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رحم الله المحلقين برواية بن نمير فشاهدت عنده فى أصل الحافظ أبى القاسم الدمشقى بخطه ما صورته أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم قال حدثنا بن نمير حدثنا أبى حدثنا عبيد الله بن عمر الحديث وكذلك فى أصل بخط الحافظ أبى عامر العبدرى الا أنه قال حدثنا أبو إسحاق وشاهدت عنده فى أصل قديم مأخوذ عن أبى أحمد الجلودى ما صورته من ها هنا قرأت على أبى أحمد حدثكم إبراهيم عن مسلم وكذا كان فى كتابه إلى العلامة وقال الشيخ رحمه الله وهذه العلامة هي بعد ثمان ورقات أو نحوها عند أول حديث بن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا وعندها فى الاصل المأخوذ عن الجلودى ما صورته إلى هنا قرأت عليه يعنى على الجلودى عن مسلم ومن هنا قال حدثنا مسلم وفى أصل الحافظ أبى القاسم عندها بخطه من هنا يقول حدثنا مسلم والى هنا شك الفائت الثانى لابراهيم أوله فى أول الوصايا قول مسلم حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب ومحمد بن المثنى واللفظ لمحمد بن المثنى فى حديث بن عمر ما حق أمرىء مسلم له شيء يريد أن يوصى فيه إلى قوله فى آخر حديث رواه في قصة حويصة ومحيصة في القسامة حدثني إسحاق بن منصور أخبرنا بشر بن عمرو قال سمعت مالك بن أنس الحديث وهو مقدار عشر ورقات ففي الأصل المأخوذ عن الجلودي والأصل الذي بخط الحافظ أبي عامر العبدري ذكر انتهاء هذا الفوات عند أول هذا الحديث وعود قول إبراهيم حدثنا مسلم وفي أصل الحافظ أبي القاسم الدمشقي شبه التردد في أن هذا الحديث داخل في الفوات أو غير داخل فيه والاعتماد على الاول الفائت الثالث أوله قول مسلم في أحاديث الامارة والخلافة حدثنى زهير بن حرب حدثنا شبابة حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انما الامام جثة ويمتد إلى قوله في كتاب الصيد والذبائح حدثنا محمد بن مهران الرازي حدثنا أبو عبد الله حماد بن خالد الخياط حديث أبي ثعلبة الخشنى اذا رميت سهمك فمن أول هذا الحديث عاد قول إبراهيم حدثنا مسلم وهذا الفوات أكثرها وهو نحو ثماني عشرة ورقة وفي أوله بخط الحافظ الكبير أبي حازم العبدري النيسابوري وكان يروى الكتاب عن محمد بن يزيد العدل عن إبراهيم ما صورته من هنا يقول إبراهيم قال مسلم وهو في الاصل المأخوذ عن الجلودي وأصل أبي عامر العبدري وأصل أبي القاسم الدمشقي بكلمة عن وهكذا في الفائت الذي سبق في الأصل المأخوذ عن الجلودي وأصل أبي عامر العبدري وأصل أبي القاسم وذلك يحتمل كونه روى ذلك عن مسلم بالوجادة ويحتمل الاجازة ولكن في بعض النسخ التصريح في بعض ذلك أو كله يكون ذلك عن مسلم بالاجازة والله اعلم هذا آخر كلام الشيخ رحمه الله
1 ( فصل ) قال الشيخ الامام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله اعلم أن الرواية بالاسانيد المتصلة ليس المقصود منها في عصرنا وكثير من الاعصار قبله اثبات ما يروى اذ لا يخلو اسناد منها عن شيخ لا يدري ما يرويه ولا يضبط ما في كتابه ضبطا يصلح لان يعتمد عليه في ثبوته وانما المقصود بها ابقاء سلسلة الاسناد التي خصت بها هذه الامة زادها الله كرامه واذا كان كذلك فسبيل من أراد الاحتجاج بحديث من صحيح مسلم وأشباهه أن ينقله من أصل مقابل على يدي ثقتين بأصول صحيحة متعددة مروية بروايات متنوعة ليحصل له بذلك مع اشتهار هذه الكتب وبعدها عن أن تقصد بالتبديل والتحريف الثقة بصحة ما اتفقت عليه تلك الأصول فقد تكثر تلك الأصول المقابل بها كثرة تتنزل منزلة التواتر أو منزلة الاستفاضة هذا كلام الشيخ وهذا الذي قاله محمول على الاستحباب والاستظهار والا فلا يشترط تعداد الأصول والروايات فان الأصل الصحيح المعتمد يكفي وتكفي المقابلة به والله اعلم 1 ( فصل ) اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الامة بالقبول وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة وقد صح أن مسلما كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث وهذا الذي ذكرناه من ترجيح كتاب البخاري هو المذهب المختار الذي قاله الجماهير وأهل الاتقان والحذق والغوص على أسرار الحديث وقال أبو علي الحسين بن علي النيسابوري الحافظ شيخ الحاكم أبي عبد الله بن البيع كتاب مسلم أصح ووافقه بعض شيوخ المغرب والصحيح الاول وقد قرر الامام الحافظ الفقيه النظار أبو بكر الاسماعيلي رحمه الله في كتابه المدخل ترجيح كتاب البخاري وروينا عن الامام أبي عبد الرحمن النسائي رحمه الله أنه قال ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب البخاري قلت ومن أخصر ما ترجح به اتفاق العلماء على ان البخاري أجل من مسلم وأعلم بصناعة الحديث منه وقد انتخب علمه ولخص ما ارتضاه في هذا الكتاب وبقي في تهذيبه وانتقائه ست عشرة سنة وجمعه من ألوف مؤلفة من الاحاديث الصحيحة وقد ذكرت دلائل هذا كله في أول شرح صحيح البخاري ومما ترجح به كتاب البخاري ان مسلما رحمه الله كان مذهبه بل نقل الاجماع في أول صحيحه أن الاسناد المعنعن له حكم الموصول بسمعت بمجرد كون المعنعن والمعنعن عنه كانا في عصر واحد وان لم يثبت اجتماعهما والبخاري لا يحمله على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما وهذا المذهب يرجح كتاب البخاري وان كنا لا نحكم على مسلم بعمله في صحيحه بهذا المذهب لكونه يجمع طرقا كثيرة يتعذر معها وجود هذا الحكم الذي جوزه والله أعلم وقد انفرد مسلم بفائدة حسنة وهي كونه أسهل متناولا من حيث أنه جعل لكل حديث موضعا واحدا يليق به جمع فيه طرقه التي ارتضاها واختار ذكرها وأورد فيه أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة فيسهل على الطالب النظر في وجوهه واستثمارها ويحصل له الثقة بجميع ما أورده مسلم من طرقه بخلاف البخاري فانه يذكر تلك الوجوه المختلفة في أبواب متفرقة متباعدة وكثير منها يذكره في غير بابه الذي يسبق إلى الفهم انه اولى به وذلك لدقيقة يفهمها البخاري منه فيصعب على الطالب جمع طرقه وحصول الثقة بجميع ما ذكره البخاري من طرق هذا الحديث وقد رأيت جماعة من الحفاظ المتأخرين غلطوا في مثل هذا فنفوا رواية البخاري أحاديث هي موجودة في صحيحه في غير مظانها السابقة إلى الفهم والله اعلم ومما جاء في فضل صحيح مسلم ما بلغنا عن مكي بن عبدان أحد حفاظ نيسابور أنه قال سمعت مسلم بن الحجاج رضي الله عنه يقول لو أن أهل الحديث يكتبون مائتي سنة الحديث فمدارهم على هذا المسند يعني صحيحه قال وسمعت مسلما يقول عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي فكل ما أشار أن له علة تركته وكل ما قال أنه صحيح وليس له علة خرجته وذكر غيره ما رواه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي باسناده عن مسلم رحمه الله قال صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة
1 ( فصل ) قال الشيخ الامام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله شرط مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه أن يكون الحديث متصل الاسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالما من الشذوذ والعلة قال وهذا حد الصحيح فكل حديث اجتمعت فيه هذه الشروط فهو صحيح بلا خلاف بين أهل الحديث وما اختلفوا في صحته من الأحاديث فقد يكون سبب اختلافهم انتفاء شرط من هذه الشروط وبينهم خلاف في اشتراطه كما اذا كان بعض الرواة مستورا أو كان الحديث مرسلا وقد يكون سبب اختلافهم أنه هل اجتمعت فيه هذه الشروط أم انتفى بعضها وهذا هو الأغلب في ذلك كما اذا كان الحديث في رواته من اختلف في كونه من شرط الصحيح فاذا كان الحديث رواته كلهم ثقات غير أن فيهم أبا الزبير المكي مثلا أو سهيل بن أبي صالح أو العلاء بن عبد الرحمن أو حماد بن سلمة قالوا فيه هذا حديث صحيح على شرط مسلم وليس بصحيح على شرط البخاري لكون هؤلاء عند مسلم ممن اجتمعت فيهم الشروط المعتبرة ولم يثبت عند البخاري ذلك فيهم وكذا حال البخاري فيما خرجه من حديث عكرمة مولى بن عباس واسحاق بن محمد الفروي وعمرو بن مرزوق وغيرهم ممن احتج بهم البخاري ولم يحتج بهم مسلم قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ النيسابوري في كتابه المدخل إلى معرفة المستدرك عدد من خرج لهم البخاري في الجامع الصحيح ولم يخرج لهم مسلم أربعمائة وأربعة وثلاثون شيخا وعدد من احتج بهم مسلم في المسند الصحيح ولم يحتج بهم البخاري في الجامع الصحيح ستمائة وخمسة وعشرون شيخا والله أعلم وأما قول مسلم رحمه الله في صحيحه في باب صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس كل شيء صحيح عندي وضعته ها هنا يعنى في كتابه هذا الصحيح وانما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه فمشكل فقد وضع فيه أحاديث كثيرة مختلفا في صحتها لكونها من حديث من ذكرناه ومن لم نذكره ممن اختلفوا في صحة حديثه قال الشيخ وجوابه من وجهين أحدهما أن مراده أنه لم يضع فيه الا ما وجد عنده فيه شروط الصحيح المجمع عليه وان لم يظهر اجتماعها في بعض الاحاديث عند بعضهم والثاني أنه أراد أنه لم يضع فيه ما اختلفت الثقات فيه في نفس الحديث متنا أو اسنادا ولم يرد ما كان اختلافهم انما هو في توثيق بعض رواته وهذا هو الظاهر من كلامه فانه ذكر ذلك لما سئل عن حديث أبي هريرة فاذا قرأ فأنصتوا هل هو صحيح فقال هو عندي صحيح فقيل لم لم تضعه ها هنا فأجاب بالكلام المذكور ومع هذا فقد اشتمل كتابه على أحاديث اختلفوا في اسنادها أو متنها لصحتها عنده وفي ذلك ذهول منه عن هذا الشرط أو سبب آخر وقد استدركت وعللت هذا آخر كلام الشيخ رحمه الله 1 ( فصل )
قال الشيخ الامام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله ما وقع في صحيحي البخاري ومسلم مما صورته صورة المنقطع ليس ملتحقا بالمنقطع في خروجه من حيز الصحيح إلى حيز الضعيف ويسمى هذا النوع تعليقا سماه به الامام أبو الحسن الدار قطني ويذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين وكذا غيره من المغاربة وهو في كتاب البخاري كثير جدا وفي كتاب مسلم قليل جدا قال فاذا كان التعليق منهما بلفظ فيه جزم بأن من بينهما وبينه الانقطاع قد قال ذلك أو رواه واتصل الاسناد منه على الشرط مثل أن يقولا روى الزهري عن فلان ويسوقا اسناده الصحيح فحال الكتابين يوجب أن ذلك من الصحيح عندهما وكذلك ما روياه عمن ذكراه بلفظ مبهم لم يعرف به وأورداه أصلا محتجين به وذلك مثل حدثني بعض أصحابنا ونحو ذلك قال وذكر الحافظ أبو على الغساني الجياني أن الانقطاع وقع فيما رواه مسلم في كتابه في أربعة عشر موضعا أولها في التيمم قوله في حديث أبي الجهم وروى الليث بن سعد ثم قوله في كتاب الصلاة فى باب الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم حدثنا صاحب لنا عن إسماعيل بن زكريا عن الاعمش وهذا فى رواية أبى العلاء بن ماهان وسلمت رواة أبى أحمد الجلودى من هذا فقال فيه مسلم حدثنا محمد بن بكار قال حدثنا إسماعيل بن زكريا ثم فى باب السكوت بين التكبير والقراءة قوله وحدثت عن يحيى بن حسان ويونس المؤدب ثم قوله فى كتاب الجنائز فى حديث عائشة رضى الله عنها فى خروج النبى صلى الله عليه وسلم إلى البقيع ليلا وحدثنى من سمع حجاجا الاعور واللفظ له قال حدثنا بن جريج وقوله فى باب الحوائج فى حديث عائشة رضى الله عنها حدثنى غير واحد من أصحابنا قالوا حدثنا إسماعيل بن أبى أويس وقوله في هذا الباب وروى الليث بن سعد قال حدثني جعفر بن ربيعة وذكر حديث كعب بن مالك في تقاضي بن أبي حدرد وقوله في باب احتكار الطعام في حديث معمر بن عبد الله العدوي حدثني بعض أصحابنا عن عمرو بن عون وقوله في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وحدثت عن أبي اسامة وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري قال حدثنا أبو اسامة وذكر أبو علي أنه رواه أبو أحمد الجلودي عن محمد بن المسيب الارغيابي ( 1 ) عن إبراهيم بن سعيد قال الشيخ وريناه من غير طريق أحمد عن محمد بن المسيب ورواه غير بن المسيب عن إبراهيم الجوهري وسنورد ذلك في موضعه ان شاء الله تعالى وقوله في آخر الفضائل في حديث بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أرأيتكم ليلتكم هذه ) رواية مسلم اياه موصولا عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه ثم قال حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي قال أخبرنا أبو اليمان قال أخبرنا شعيب ورواه الليث عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر كلاهما عن الزهري باسناد معمر كمثل حديثه وقول مسلم في آخر كتاب القدر في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ( لتركبن سنن من قبلكم ) حدثني عدة من أصحابنا عن سعيد بن أبي مريم وهذا قد وصله إبراهيم بن محمد بن سفيان عن محمد بن يحيى عن بن أبي أبي مريم قال الشيخ وانما أورده مسلم على وجه المتابعة والاستشهاد وقوله فيما سبق في الاستشهاد والمتابعة في حديث البراء بن عازب في الصلاة الوسطى بعد أن رواه موصولا ورواه الاشجعي عن سفيان الثوري إلى آخره وقوله أيضا في الرجم في المتابعة لما رواه موصولا من حديث أبي هريرة في الذي اعترف على نفسه بالزنى ورواه الليث أيضا عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن بن شهاب بهذا الاسناد وقوله في كتاب الامارة في المتابعة لما رواه متصلا من حديث عوف بن مالك ( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ) ورواه معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد قال الشيخ وذكر أبو علي فيما رواه عندنا من كتابه في الرابع عشر حديث بن عمر ( أرأيتكم ليلتكم هذه ) المذكور في الفضائل وقد ذكره مرة أخرى فيسقط هذا من العدد ويسقط الحديث الثاني لكون الجلودي رواه عن مسلم موصولا وروايته هي المعتمدة المشهورة فهي اذا اثنا عشر لا أربعة عشر قال الشيخ وأخذ هذا عن أبي على أبو عبد الله المازري صاحب المعلم فأطلق أن هذا في الكتاب أحاديث مقطوعة في أربعة عشر موضعا وهذا يوهم خللا في ذلك وليس ذلك كذلك وليس شيء من هذا والحمد لله مخرجا لما وجد فيه من حيز الصحيح بل هي موصولة من جهات صحيحة لا سيما ما كان منها مذكورا على وجه المتابعة في نفس الكتاب وصلها فاكتفى بكون ذلك معروفا عند أهل الحديث كما انه روى عن جماعة من الضعفاء اعتمادا على كون ما رواه عنهم معروفا من رواية الثقات على ما سنرويه عنه فيما بعد ان شاء الله تعالى قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله وهكذا الأمر في تعليقات البخاري بألفاظ جازمة مثبتة على الصفة التي ذكرناها كمثل ما قال فيه قال فلان أو روى فلان أو ذكر فلان أو نحو ذلك ولم يصب أبو محمد بن حزم الظاهري حيث جعل مثل ذلك انقطاعا قادحا في الصحة واستروح إلى ذلك في تقرير مذهبه الفاسد في اباحة الملاهي وزعمه انه لم يصح في تحريمها حديث مجيبا عن حديث أبي عامر أو أبى مالك الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرير والخمر والمعازف ) إلى آخر الحديث فزعم أنه وان أخرجه البخاري فهو غير صحيح لان البخاري قال فيه قال هشام بن عمار وساقه باسناده فهو منقطع فيما بين البخاري وهشام وهذا خطأ من بن حزم من وجوه أحدها أنه لا انقطاع في هذا أصلا من جهة أن البخارى لقى هشاما وسمع منه وقد قررنا فى كتابنا علوم الحديث أنه اذا تحقق اللقاء والسماع مع السلامة من التدليس حمل ما يرويه عنه على السماع بأى لفظ كان كما يحمل قول الصحابى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على سماعه منه اذا لم يظهر خلافه وكذا غير قال من الالفاظ الثانى أن هذا الحديث بعينه معروف الاتصال بصريح لفظه من غير جهة البخارى الثالث أنه إن كان ذلك انقطاعا فمثل ذلك فى الكتابين غير ملحق بالانقطاع القادح لما عرف من عادتهما وشرطهما وذكرهما ذلك فى كتاب موضوع لذكر الصحيح خاصة فلن يستجيرا فيه الجزم المذكور من غير ثبت وثبوت بخلاف الانقطاع أو الارسال الصادر من غيرهما هذا كله فى المعلق بلفظ الجزم أما اذا لم يكن ذلك منهما بلفظ جازم مثبت له عمن ذاكره عنه على الصفة التى تقدم ذكرها مثل أن يقولا روى عن فلان أو ذكر عن فلان أو في الباب عن فلان ونحو ذلك فليس ذلك في حكم التعليق الذي ذكرناه ولكن يستأنس بإيرادهما له وأما قول مسلم في خطبة كتابه وقد ذكر عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ننزل الناس منازلهم ) فهذا بالنظر إلى أن لفظه ليس جازما لا يقتضي حكمه بصحته وبالنظر إلى أنه احتج به وأورده ايراد الاصول لا ايراد الشواهد يقتضى حكمه بصحته ومع ذلك فقد حكم الحاكم أبو عبد الله الحافظ في كتابه كتاب معرفة علوم الحديث بصحته وأخرجه أبو داود في سننه باسناده منفردا به وذكر أن الراوي له عن عائشة ميمون بن أبي شبيب ولم يدركها قال الشيخ وفيما قاله أبو داود نظر فانه كوفى متقدم قد أدرك المغيرة بن شعبة ومات المغيرة قبل عائشة وعند مسلم التعاصر مع امكان التلاقي كاف في ثبوت الادراك فلو ورد عن ميمون أنه قال لم ألق عائشة استقام لابي داود الجزم بعدم ادراكه وهيهات ذلك هذا آخر كلام الشيخ قلت وحديث عائشة هذا قد رواه البزار في مسنده وقال هذا الحديث لا يعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم الا من هذا الوجه وقد روى عن عائشة من غير هذا الوجه موقوفا والله أعلم
1 ( فصل ) قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله جميع ما حكم مسلم رحمه الله بصحته فى هذا الكتاب فهو مقطوع بصحته والعلم النظرى حاصل بصحته فى نفس الأمر وهكذا ما حكم البخارى بصحته فى كتابه وذلك لان الأمة تلقت ذلك بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه فى الاجماع قال الشيخ والذى نختاره أن تلقى الأمة للخبر المنحط عن درجة التواتر بالقبول يوجب العلم النظرى بصدقه خلافا لبعض محققى الاصوليين حيث نفى ذلك بناء على أنه لا يفيد فى حق كل منهم الا الظن وانما قبله لانه يجب عليه العمل بالظن والظن قد يخطىء قال الشيخ وهذا مندفع لان ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطىء والامة في اجماعها معصومة من الخطأ وقد قال امام الحرمين لو حلف انسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ألزمته الطلاق ولا حنثته لاجماع علماء المسلمين على صحتها قال الشيخ ولقائل أن يقول انه لا يحنث ولو لم يجمع المسلمون على صحتها للشك في الحنث فانه لو حلف بذلك في حديث ليست هذه صفته لم يحنث وان كان راويه فاسقا فعدم الحنث حاصل قبل الاجماع فلا يضاف إلى الاجماع قال الشيخ والجواب أن المضاف إلى الاجماع هو القطع بعدم الحنث ظاهرا وباطنا وأما عند الشك فعدم الحنث محكوم به ظاهرا مع احتمال وجوده باطنا فعلى هذا يحمل كلام امام الحرمين فهو اللائق بتحقيقه فاذا علم هذا فما أخذ على البخاري ومسلم وقدح فيه معتمد من الحفاظ فهو مستنثى مما ذكرناه لعدم الاجماع على تلقيه بالقبول وما ذلك الا في مواضع قليلة سننبة على ما وقع في هذا الكتاب منها ان شاء الله تعالى وهذا آخر ما ذكره الشيخ أبو عمرو رحمه الله هنا وقال في جزء له ما اتفق البخاري ومسلم على اخراجه فهو مقطوع بصدق مخبره ثابت يقينا لتلقى الأمة ذلك بالقبول وذلك يفيد العلم النظري وهو في افادة العلم كالمتواتر الا أن المتواتر يفيد العلم الضروري وتلقى الامة بالقبول يفيد العلم النظري وقد اتفقت الأمة على أن ما اتفق البخاري ومسلم على صحته فهو حق وصدق قال الشيخ في علوم الحديث وقد كنت أميل إلى أن ما اتفقنا عليه فهو مظنون وأحسبه مذهبا قويا وقد بان لي الآن أنه ليس كذلك وان الصواب أنه يفيد العلم وهذا الذي ذكره الشيخ في هذه المواضع خلاف ما قاله المحققون والاكثرون فانهم قالوا أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة انما تفيد الظن فإنها آحاد والآحاد انما تفيد الظن على ما تقرر ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك وتلقى الأمة بالقبول انما أفادنا وجوب العمل بما فيهما وهذا متفق عليه فان أخبار الآحاد التي في غيرهما يجب العمل بها اذا صحت أسانيدها ولا تفيد الا الظن فكذا الصحيحان وانما يفترق الصحيحان وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحا لا يحتاج إلى النظر فيه بل يجب العمل به مطلقا وما كان في غيرهم لا يعمل به حتى ينظر وتوجد فيه شروط الصحيح ولا يلزم من اجماع الأمة على العمل بما فيهما اجماعهم على أنه مقطوع بأنه كلام النبي صلى الله عليه وسلم وقد اشتد انكار بن برهان الامام على من قال بما قاله الشيخ وبالغ في تغليطه وأما ما قاله الشيخ رحمه الله في تأويل كلام امام الحرمين في عدم الحنث فهو بناء على ما اختاره الشيخ وأما على مذهب الاكثرين فيحتمل أنه أراد أنه لا يحنث ظاهرا ولا يستحب له التزام الحنث حتى تستحب له الرجعة كما لو حلف بمثل ذلك في غير الصحيحين فانا لا نحنثه لكن تستحب له الرجعة احتياطا لاحتمال الحنث وهو ظاهر وأما الصحيحان فاحتمال الحنث فيهما في غاية من الضعف فلا تستحب له المراجعة لضعف احتمال موجبها والله أعلم 1 ( فصل )
قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله روينا عن أبي قريش الحافظ قال كنت عند أبي زرعة الرازي فجاء مسلم بن الحجاج فسلم عليه وجلس ساعة وتذاكرا فلما قام قلت له هذا جمع أربعة آلاف حديث في الصحيح قال أبو زرعة فلمن ترك الباقي قال الشيخ أراد أن كتابه هذا أربعة آلاف حديث أصول دون المكررات وكذا كتاب البخاري ذكر أنه أربعة آلاف حديث باسقاط المكرر وبالمكرر سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا ثم ان مسلما رحمه الله رتب كتابه على أبواب فهو مبوب في الحقيقة ولكنه لم يذكر تراجم الابواب فيه لئلا يزداد بها حجم الكتاب أو لغير ذلك قلت وقد ترجم جماعة أبوابه بتراجم بعضها جيد وبعضها ليس بجيد إما لقصور في عبارة الترجمة واما لركاكة لفظها واما لغير ذلك وانا ان شاء الله أحرص على التعبير عنها بعبارات تلييق بها في مواطنها والله أعلم 1 ( فصل )
سلك مسلم رحمه الله في صحيحه طرقا بالغة في الاحتياط والاتقان والورع والمعرفة وذلك مصرح بكمال ورعة وتمام معرفته وغزارة علومه وشدة تحقيقه بحفظه وتقعدده في هذا الشأن وتمكنه من أنواع معارفه وتبريزه في صناعته وعلو محله في التمييز بين دقائق علومه لا يهتدي اليها الا أفراد في الاعصار فرحمه الله ورضى عنه وأنا أذكره أحرفا من أمثلة ذلك تنبيها بها على ماسواها اذ لا يعرف حقيقة حاله الا من أحسن النظر في كتابه مع كمال أهليته ومعرفته بأنواع العلوم التي يفتقر اليها صاحب هذه الصناعة كالفقه والأصولين والعربية وأسماء الرجال ودقائق علم الاسانيد والتاريخ ومعاشرة أهل هذه الصنعة ومباحثتهم ومع حسن الفكر ونباهة الذهن ومداومة الاشتغال به وغير ذلك من الادوات التي يفتقر اليها فمن تحري مسلم رحمه الله اعتناؤه بالتمييز بين حدثنا وأخبرنا وتقييده ذلك على مشايخه وفي روايته وكان من مذهبه رحمه الله الفرق بينهما وأن حدثنا لا يجوز اطلاقه الا لما سمعه من لفظ الشيخ خاصة وأخبرنا لما قرئ على الشيخ وهذا الفرق هو مذهب الشافعي وأصحابه وجمهور أهل العلم بالمشرق قال محمد بن الحسن الجوهري المصري وهو مذهب أكثر أصحاب الحديث الذين لا يحصيهم أحد وروى هذا المذهب أيضا عن بن جريج والاوزاعي وبن وهب والنسائي وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث وذهب جماعات إلى أنه يجوز أن تقول فيما قرئ على الشيخ حدثنا وأخبرنا وهو مذهب الزهري ومالك وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وآخرين من المتقدمين وهو مذهب البخارى وجماعة من المحدثين وهو مذهب معظم الحجازيين والكوفيين وذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز اطلاق حدثنا ولا أخبرنا فى القراءة وهو مذهب بن المبارك ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل والمشهور عن النسائى والله أعلم ومن ذلك اعتناؤه بضبط اختلاف لفظ الرواة كقوله حدثنا فلان وفلان واللفظ لفلان قال أو قالا حدثنا فلان وكما اذا كان بينهما اختلاف فى حرف من متن الحديث أو صفة الراوى أونسبه أونحو ذلك فانه يبينه وربما كان بعضه لا يتغير به معنى وربما كان فى بعضه اختلاف فى المعنى ولكن كان خفيا لا يتفطن له الا ماهر فى العلوم التى ذكرتها فى أول الفصل مع اطلاع على دقائق الفقه ومذاهب الفقهاء وسترى فى هذا الشرح من فوائد ذلك ما تقر به عينيك ان شاء الله تعالى وينبغى أن ندقق النظر فى فهم غرض مسلم من ذلك ومن ذلك تحريه فى رواية صحيفة همام بن منبه عن أبى هريرة كقوله حدثنا محمد بن رافع قال حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام قال هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أحاديث منها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اذا توضأ أحدكم فليستنشق ) الحديث وذلك لان الصحائف والاجزاء والكتب المشتملة على أحاديث باسناد واحد اذا اقتصر عند سماعها على ذكر الاسناد فى أولها ولم يجدد عند كل حديث منها وأوراد انسان ممن سمع كذلك أن يفرد حديثنا منها غير الاول بالاسناد المذكور فى أولها فهل يجوز له ذلك قال وكيع بن الجراح ويحيى بن معين وأبو بكر الاسماعيلى الشافعى الامام فى الحديث والفقه والأصول يجوز ذلك وهذا مذهب الاكثرين من العلماء لأن الجميع معطوف على الاول فالاسناد المذكور أولا في حكم المعاد في كل حديث وقال الاستاذ أبو إسحاق الاسفراينى الفقيه الشافعي الامام في علم الاصولين والفقه وغير ذلك لا يجوز ذلك فعلى هذا من سمع هكذا فطريقه أن يبين ذلك كما فعله مسلم فمسلم رحمه الله سلك هذا الطريق ورعا واحتياطا وتحريا واتقانا رضى الله عنه ومن ذلك تحريه في مثل قوله حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا سليمان يعنى بن بلال عن يحيى وهو بن سعيد فلم يستجز رضى الله عنه أن يقول سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد لكون لم يقع في روايته منسوبا فلو قاله منسوبا لكان مخبرا عن شيخه أنه أخبره بنسبه ولم يخبره وسأذكره هذا بعد هذا في فصل مختص به ان شاء الله تعالى ومن ذلك احتياطه في تلخيص الطرق وتحول الاسانيد مع ايجاز العبارة وكمال حسنها ومن ذلك حسن ترتيبه وترصيفه الأحاديث على نسق يقتضيه تحقيقه وكمال معرفته بمواقع الخطاب ودقائق العلم وأصول القواعد وخفيات علم الاسانيد ومراتب الرواة وغير ذلك
1 ( فصل ) ذكر مسلم رحمه الله في أول مقدمة صحيحه أنه يقسم الأحاديث ثلاثة أقسام الاول ما رواه الحفاظ المتقنون والثاني ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والاتقان والثالث ما رواه الضعفاء والمتركون وأنه اذا فرع من القسم الاول أتبعه الثاني وأما الثالث فلا يعرج عليه فاختلف العلماء في مراده بهذا التقسيم فقال الامامان الحافظان أبو عبد الله الحاكم وصاحبه أبو بكر البيهقي رحمهما الله أن المنية اخترمت مسلما رحمه الله قبل اخراج القسم الثاني وانه إنما ذكر القسم الاول قال القاضي عياض رحمه الله وهذا مما قبله الشيوخ والناس من الحاكم أبي عبد الله وتابعوه عليه قال القاضي وليس الأمر على ذلك لمن حقق نظره ولم يتقيد بالتقليد فانك اذا نظرت تقسيم مسلم في كتابة الحديث على ثلاث طبقات من الناس كما قال فذكر أن القسم الاول حديث الحفاظ وأنه اذا انقضى هذا أتبعه بأحاديث من لم يوصف بالحذق والاتقان مع كونهم من أهل الستر والصدق وتعاطى العلم ثم أشار إلى ترك حديث من أجمع العلماء أو اتفق الاكثر منهم على تهمته ونفى من اتهمه بعضهم وصححه بعضهم فلم يذكره هنا ووجدته ذكر في أبواب كتابه حديث الطبقتين الاوليين وأتى بأسانيد الثانية منهما على طريق الاتباع للاولى والاستشهاد أو حيث لم يجد في الباب الأول شيئا وذكر أقواما تكلم قوم فيهم وزكاهم آخرون وخرج حديثهم ممن ضعف أو اتهم ببدعة وكذلك فعل البخارى فعندى أنه أتى بطبقاته الثلاث في كتابه على ما ذكر ورتب في كتابه وبينه في تقسيمه وطرح الرابعة كما نص عليه فالحاكم تأول أنه إنما أراد أن يفرد لكل طبقة كتابا ويأتى بأحاديها خاصة مفردة وليس ذلك مراده بل انما أراد بما ظهر من تأليفه وبان من غرضه أن يجمع ذلك في الأبواب ويأتى بأحاديث الطبقتين فيبدأ بالاولى ثم يأتى بالثانية على طريق الاستشهاد والاتباع حتى استوفى جميع الاقسام الثلاثة ويحتمل أن يكون أراد بالطبقات الثلاث الحفاظ ثم الذين يلونهم والثالثة هي التي طرحها وكذلك علل الحديث التي ذكر ووعد أنه يأتي بها قد جاء بها في مواضعها من الأبواب من اختلافهم في الاسانيد كالارسال والاسناد والزيادة والنقص وذكر تصاحيف المصحفين وهذا يدل على استيفائه غرضه في تأليفه وادخاله في كتابه كلما وعد به قال القاضي رحمه الله وقد فاوضت في تأويلي هذا ورأيى فيه من يفهم هذا الباب فما رأيت منصفا الا صوبه وبان له ما ذكرت وهو ظاهر لمن تأمل الكتاب وطالع مجموع الأبواب ولا يعترض على هذا بما قاله بن سفيان صاحب مسلم أن مسلما أخرج ثلاثة كتب من المسندات أحدها هذا الذي قرأه على الناس والثاني يدخل فيه عكرمة وبن إسحاق صاحب المغازي وأمثالها والثالث يدخل فيه من الضعفاء فانك اذا تأملت ما ذكر بن سفيان لم يطابق الغرض الذي أشار إليه الحاكم مما ذكر مسلم في صدر كتابه فتأمله تجده كذلك ان شاء الله تعالى هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله وهذا الذي اختاره ظاهر جدا والله اعلم 1 ( فصل )
ألزم الامام الحافظ أبوالحسن على بن عمر الدارقطني رحمه الله وغيره البخارى ومسلما رضي الله عنهما اخراج احاديث تركا اخراجها مع أن أسانيدها أسانيد قد أخرجا لرواتها في صحيحهما بها وذكر الدارقطنى وغيره أن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورويت أحاديثهم من وجوه صحاح لامطعن في ناقليها ولم يخرجا من أحاديثهم شيئا فيلزمهما اخراجها على مذهبيهما وذكر البيهقى أنهما اتفقا على أحاديث من صحيفة همام بن منبه وأن كل واحد منهما انفرد عن الآخر بأحاديث منها مع أن الاسناد واحد وصنف الدارقطنى وأبو ذر الهروى في هذا النوع الذي ألزموهما وهذا الالزام ليس بلازم في الحقيقة فانهما لم يلتزما استيعاب الصحيح بل صح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوعباه وانما قصدا جمع جمل من الصحيح كما يقصد المصنف في الفقه جمع جملة من مسائله لا أنه يحصر جميع مسائله لكنهما اذا كان الحديث الذي تركاه أو تركه أحدهما مع صحة اسناده في الظاهر أصلا في بابه ولم يخرجا له نظيرا ولا ما يقوم مقامه فالظاهر من حالها أنهما اطلعا فيه على علة ان كانا روياه ويحتمل أنهما تركاه نسيانا أو ايثارا لترك الاطالة أو رأيا أن غيره مما ذكراه يسد مسده أولغير ذلك والله أعلم 1( فصل )
عاب عائبون مسلما بروايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء والمتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية الذين ليسوا من شرط الصحيح ولا عيب عليه في ذلك بل جوابه من أوجه ذكرها الشيخ الامام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله أحدها أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده ولا يقال الجرح مقدم على التعديل لان ذلك فيما اذا كان الجرح ثابتا مفسر السبب والا فلا يقبل الجرح اذا لم يكن كذا وقد قال الامام الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي وغيره ما احتج البخارى ومسلم وأبو داود به من جماعة علم الطعن فيهم من غيرهم محمول على أنه لم يثبت الطعن المؤثر مفسر السبب الثاني أن يكون ذلك واقعا في المتابعات والشواهد لافي الأصول وذلك بأن يذكر الحديث أولا باسناد نظيف رجاله ثقات ويجعله أصلا ثم يتبعه باسناد آخر أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة أو لزيادة فيه تنبه على فائدة فيما قدمه وقد اعتذر الحاكم أبو عبد الله بالمتابعة والاستشهاد في اخراجه عن جماعة ليسوا من شرط الصحيح منهم مطر الوراق وبقية بن الوليد ومحمد بن إسحاق بن يسار وعبد الله بن عمر العمرى والنعمان بن راشد وأخرج مسلم عنهم في الشواهد في أشباه لهم كثيرين الثالث أن يكون ضعف الضعيف الذى احتج به طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حدث عليه فهو غير قادح فيما رواه من قبل في زمن استقامته كما في أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن أخي عبد الله بن وهب فذكر الحاكم أبو عبد الله أنه اختلط بعد الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من مصر فهو في ذلك كسعيد بن أبي عروبة وعبدالرازق وغيرهما ممن اختلط آخرا ولم يمنع ذلك من صحة الاحتجاج في الصحيحين بما أخذ عنهم قبل ذلك الرابع أن يعلو بالشخص الضعيف اسناده وهو عنده من رواية الثقات نازل فيقتصر على العالى ولا يطول باضافة النازل إليه مكتفيا بمعرفه أهل الشأن في ذلك وهذا العذر قد رويناه عنه تنصيصا وهو خلاف حاله فيما رواه عن الثقات أولا ثم أتبعه بمن دونهم متابعة وكأن ذلك وقع منه على حسب حضور باعث النشاط وغيبته روينا عن سعيد بن عمرو البرذعى أنه حضر أبا زرعة الرازي وذكر صحيح مسلم وانكار أبي زرعة عليه روايته فيه عن اسباط بن نصر وقطن بن نسير وأحمد بن عيسى المصرى وأنه قال أيضا يطرق لاهل البدع علينا فيجدون السبيل بأن يقولوا اذا احتج عليهم بحديث ليس هذا في الصحيح قال سعيد بن عمرو فلما رجعت إلى نيسابور ذكرت لمسلم انكار أبي زرعة فقال لي مسلم انما قلت صحيح وانما أدخلت من حديث اسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم الا أنه ربما وقع إلى عنهم بارتفاع ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول فأقتصر على ذلك وأصل الحديث معروف من رواة الثقات قال سعيد وقدم مسلم بعد ذلك الرى فبلغنى أنه خرج إلى أبى عبد الله محمد بن مسلم بن وارة فجفاه وعاتبه على هذا الكتاب وقال له نحوا مما قاله لى أبو زرعة ان هذا يطرق لاهل البدع فاعتذر مسلم وقال انما أخرجت هذا الكتاب وقلت هو صحاح ولم أقل ان ما لم أخرجه من الحديث فى هذا الكتاب فهو ضعيف وانما أخرجت هذا الحديث من الصحيح ليكون مجموعا عندى وعند من يكتبه عنى ولا يرتاب فى صحته فقبل عذره وحمده قال الشيخ وقد قدمنا عن مسلم أنه عرضت كتابى هذا على أبى زرعة الرازى فكل ما أشار أن له علة تركته وكل ما قال انه صحيح وليس له علة فهو هذا الذى أخرجته قال الشيخ فهذا مقام وعر وقد مهدته بواضح من القول لم أره مجتمعا فى مؤلف ولله الحمد قال وفيما ذكرته دليل على أن حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه فى صحيحه بأنه من شرط الصحيح عند مسلم فقد غفل وأخطأ بل يتوقف ذلك على النظر فى أنه كيف روى عنه على ما بيناه من انقسام ذلك والله أعلم
1 ( فصل فى بيان جملة من الكتب المخرجة على صحيح مسلم ) فقد صنف جماعات من الحفاظ على صحيح مسلم كتبا وكان هؤلاء تأخروا عن مسلم وأدركوا الاسانيد العالية وفيهم من أدرك بعض شيوخ مسلم فخرجوا أحايث مسلم فى مصنفاتهم المذكورة بأسانيدهم تلك قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله فهذه الكتب المخرجة تلتحق بصحيح مسلم فى أن لها سمة الصحيح وان لم تلتحق به فى خصائصه كلها ويستفاد من مخرجاتهم ثلاث فوائد علو الاسناد وزيادة قوة الحديث بكثرة طرقه وزيادة ألفاظ صحيحة مفيدة ثم انهم لم يلتزموا موافقته فى اللفظ لكونهم يروونها بأسانيد أخر فيقع فى بعضها تفاوت فمن هذه الكتب المخرجة على صحيح مسلم كتاب العبد الصالح أبى جعفر أحمد بن أحمد بن حمدان النيسابورى الزاهد العابد ومنها المسند الصحيح لابى بكر محمد بن محمد بن رجا النيسابورى الحافظ وهو متقدم يشارك مسلما فى أكثر شيوخه ومنها مختصر المسند الصحيح المؤلف على كتاب مسلم للحافظ أبى عوانة يعقوب بن إسحاق الاسفراينى روى فيه عن يونس بن عبد الاعلى وغيره من شيوخ مسلم ومنها كتاب أبى حامد الشازكى الفقيه الشافعى الهروى يروى عن أبى يعلى الموصلى ومنها المسند الصحيح لأبى بكر محمد بن عبد الله الجوزقى النيسابورى الشافعى ومنها المسند المستخرج على كتاب مسلم للحافظ المصنف أبى نعيم أحمد بن عبد الله الاصبهانى ومنها المخرج على صحيح مسلم للامام أبى الوليد حسان بن محمد القرشى الفقيه الشافعى وغير ذلك والله أعلم 1 ( فصل ) قد استدرك جماعة على البخارى ومسلم أحاديث أخلا بشرطهما فيها ونزلت عن درجة ما التزماه وقد سبقت الاشارة إلى هذا وقد ألف الامام الحافظ أبو الحسن على بن عمر الدارقطنى فى بيان ذلك كتابه المسمى بالاستدراكات والتتبع وذلك فى مائتى حديث مما فى الكتابين ولابى مسعود الدمشقى أيضا عليهما استدراك ولابى على الغسانى الجيانى فى كتابه تقييد المهمل فى جزء العلل منه استدراك أكثره على الرواة عنهما وفيه ما يلزمهما وقد أجيب عن كل ذلك أو أكثره وستراه فى مواضعه ان شاء الله تعالى والله أعلم 1 ( فصل في معرفة الحديث الصحيح وبيان الحسن والضعيف وأنواعها )
قال العلماء الحديث ثلاثة أقسام صحيح وحسن وضعيف ولكل قسم أنواع فأما الصحيح فهو ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة فهذا متفق على أنه صحيح فان اختل بعض هذه الشروط ففيه خلاف وتفصيل نذكره ان شاء الله تعالى وقال الامام أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابى الفقيه الشافعى المتفنن الحديث عند أهله ثلاثة أقسام صحيح وحسن وسقيم فالصحيح ما اتصل سنده وعدلت نقلته والحسن ما عرف مخرجه واشتهر رجاله وعليه مدار أكثر الحديث وهو الذي يقبله أكثر العلماء وتستعمله عامة الفقهاء والسقيم على ثلاث طبقات شرها الموضوع ثم المقلوب ثم المجهول قال الحاكم أبو عبد الله النيسابورى في كتابه المدخل إلى كتاب الاكليل الصحيح من الحديث عشرة أقسام خمسة متفق عليها وخمسة مختلف فيها فالاول من المتفق عليه اختيار البخارى ومسلم وهو الدرجة الاولى من الصحيح وهو أن لا يذكر الا ما رواه صحابى مشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم له راويان ثقتان فأكثر ثم يرويه عنه تابعى مشهور بالرواية عن الصحابة له أيضا روايان ثقتان فأكثر ثم يرويه عنه من تباع الاتباع الحافظ المتقن المشهور على ذلك الشرط ثم كذلك قال الحاكم والاحاديث المروية بهذه الشريطة لا يبلغ عددها عشرة آلاف حديث القسم الثاني مثل الاول الا أن رواية من الصحابة ليس له الا راو واحد القسم الثالث مثل الاول الا أن رواية من التابعين ليس له إلا راو واحد القسم الرابع الأحاديث الافراد الغرائب التي رواها الثقات العدول القسم الخامس أحاديث جماعة من الائمة عن آبائهم عن أجدادهم ولم تتواتر الرواية عن آبائهم عن أجدادهم بها الا عنهم كصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده واياس بن معاوية عن أبيه عن جده وأجدادهم صحابيون وأحفادهم ثقات قال الحاكم فهذه الاقسام الخمسة مخرجة في كتب الائمة فيحتج بها وان لم يخرج منها في الصحيحين حديث يعنى غير القسم الاول قال والخمسة المختلفة فيها المرسل وأحاديث المدلسين اذا لم يذكروا سماعهم وما أسنده ثقة وأرسله جماعة من الثقاة وروايات الثقاة غير الحفاظ العارفين وروايات المبتدعة اذا كانوا صادقين فهذا آخر كلام الحاكم وسنتكلم عليه بعد حكاية قول الجياني ان شاء الله تعالى وقال أبو على الغسانى الجيانى الناقلون سبع طبقات ثلاث مقبولة وثلاث متروكة والسابعة مختلف فيها فالأولى أئمة الحديث وحفاظه وهم الحجة على من خالفهم ويقبل انفرادهم الثانية دونهم فى الحفظ والضبط لحقهم فى بعض روايتهم وهم وغلط والغالب على حديثهم الصحة ويصحح ماوهموا فيه من رواية الأولى وهم لاحقون بهم الثالثة جنحت إلى مذاهب من الاهواء غير غالية ولا داعية وصح حديثها وثبت صدقها وقل وهمها فهذه الطبقات احتمل أهل الحديث الرواية عنهم وعلى هذه الطبقات يدور نقل الحديث وثلاث طبقات أسقطهم أهل المعرفة الأولى من وسم بالكذب ووضع الحديث الثانية من غلب عليه الغلط والوهم والثالثة طائفة غلت فى البدعة ودعت اليها وحرفت الروايات وزادت فيها ليحتجوا بها والسابعة قوم مجهولون انفردوا بروايات لم يتابعوا عليها فقبلهم قوم ووقفهم آخرون هذا كلام الغسانى فأما قوله ان أهل البدع والاهواء الذين لا يدعون اليها ولا يغلون فيها يقبلون بلا خلاف فليس كما قال بل فيهم خلاف وكذلك فى الدعاة خلاف مشهور سنذكرهما قريبا ان شاء الله تعالى حيث ذكره الامام مسلم رحمه الله وأما قوله فى المجهولين خلاف فهو كما قال وقد أخل الحاكم بهذا النوع من المختلف فيه ثم المجهول أقسام مجهول العدالة ظاهرا وباطنا ومجهولا باطنا مع وجودها ظاهرا وهو المستور ومجهول العين فأما الاول فالجمهور على أنه لا يحتج به وأما الآخران فاحتج بهما كثيرون من المحققين وأما قول الحاكم ان من لم يرو عنه الا راو واحد فليس هو من شرط البخارى ومسلم فمردود غلطه الائمة فيه باخراجهما حديث المسيب بن حزن والد سعيد بن المسيب فى وفاة أبى طالب لم يرو عنه غير ابنه سعيد وباخراج البخارى حديث عمرو بن تغلب ( انى لأعطى الرجل والذى أدع أحب إلى ) لم يرو عنه غير الحسن وحديث قيس بن أبى حازم عن مرداس الاسلمى ( يذهب الصالحون ) لم يرو عنه غير قيس وباخراج مسلم حديث رافع بن عمرو الغفارى لم يرو عنه غير عبد الله بن الصامت وحديث ربيعة بن كعب الاسلمى لم يرو عنه غير أبى سلمة ونظائر فى الصحيحين لهذا كثيرة والله أعلم وأما الاقسام المختلف فيها فسأعقد فى كل واحد منها فصلا ان شاء الله تعالى ليكون أسهل فى الوقوف عليه هذا ما يتعلق بالصحيح وأما الحسن فقد تقدم قول الخطابى رحمه الله انه ما عرف مخرجه واشتهر رجاله وقال أبو عيسى الترمذى الحسن ما ليس فى اسناده من يتهم وليس بشاذ وروى من غير وجه وضبط الشيخ الامام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله الحسن فقال هو قسمان أحدهما الذى لا يخلو اسناده من مستور لم تتحقق أهليته وليس كثير الخطأ فيما يرويه ولا ظهر منه تعمد الكذب ولا سبب آخر مفسق ويكون متن الحديث قد عرف بأن روى مثله أو نحوه من وجه آخر القسم الثانى أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والامانة ولم يبلغ درجة رجال الصحيح لقصوره عنهم فى الحفظ والاتقان الا أنه مرتفع عن حال من يعد تفرده منكرا قال وعلى القسم الاول ينزل كلام الترمذى وعلى الثاني كلام الخطابى فاقتصر كل واحد منهما على قسم رآه خفيا ولا بد في القسمين من سلامتهما من الشذوذ والعلة ثم الحسن وان كان دون الصحيح فهو كالصحيح في جواز الاحتجاج به والله أعلم وأما الضعيف فهو مالم يوجد فيه شروط الصحة ولا شروط الحسن وأنواعه كثيرة منها الموضوع والمقلوب والشاذ والمنكر والمعلل والمضطرب وغير ذلك ولهذه الانواع حدود وأحكام وتفريعات معروفة عند أهل هذه الصنعة وقد أتقنها مع ما يحتاج إليه طالب الحديث من الأدوات والمقدمات ويستعين به في جميع الحالات الامام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح في كتابه علوم الحديث وقد اختصرته وسهلت طريق معرفته لمن أراد تحقيق هذا الفن والدخول في زمرة أهله ففيه من القواعد والمهمات ما يلتحق به من حققه وتكاملت معرفته له بالحفاظ المتقنين ولا يسبقونه الا بكثرة الاطلاع على طرق الحديث فان شاركهم فيها لحقهم والله أعلم
1 ( فصل في ألفاظ يتداولها أهل الحديث ) المرفوع ما أضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة لا يقع مطلقه على غيره سواء كان متصلا أو منقطعا وأما الموقوف فما أضيف إلى الصحابي قولا له أو فعلا أو نحوه متصلا كان أو منقطعا ويستعمل في غيره مقيدا فيقال حديث كذا وفقه فلان على عطاء مثلا وأما المقطوع فهو الموقوف على التابعى قولا له أو فعلا متصلا كان أو منقطعا وأما المنقطع فهو ما لم يتصل اسناده على أى وجه كان انقطاعه فان كان الساقط رجلين فأكثر سمى أيضا معضلا بفتح الضاد المعجمة وأما المرسل فهو عند الفقهاء وأصحاب الأصول والخطيب الحافظ أبى بكر البغدادى وجماعة من المحدثين ما انقطع اسناده على أى وجه كان انقطاعه فهو عندهم بمعنى المنقطع وقال جماعات من المحدثين أو أكثرهم لا يسمى مرسلا الا ما أخبر فيه التابعى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مذهب الشافعى والمحدثين أو جمهورهم وجماعة من الفقهاء أنه لا يحتج بالمرسل ومذهب مالك وأبى حنيفة وأحمد وأكثر الفقهاء أنه يحتج به ومذهب الشافعى أنه اذا انضم إلى المرسل ما يعضده احتج به وذلك بأن يروى أيضا مسندا أو مرسلا من جهة أخرى أو يعمل به بعض الصحابة أو أكثر العلماء وأما مرسل الصحابى وهو روايته ما لم يدركه أو يحضره كقول عائشة رضى الله عنها أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصالحة فمذهب الشافعى والجماهير أنه يحتج به وقال الاستاذ الامام أبو إسحاق الاسفراينى الشافعى لا يحتج به الا أن يقول انه لا يروى الا عن صحابى والصواب الاول 1 ( فصل اذا قال الصحابى كنا نقول أونفعل أو يقولون أو يفعلون كذا أو كنا لا نرى أو لايرون بأسا بكذا ) اختلفوا فيه فقال الامام أبو بكر الاسماعيلى لايكون مرفوعا بل هو موقوف وسنذكر حكم الموقوف فى فصل بعد هذا ان شاء الله تعالى وقال الجمهور من المحدثين وأصحاب الفقه والأصول ان لم يضفه إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس بمرفوع بل هو موقوف وان أضافه فقال كنا نفعل فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم أو فى زمنه أو وهو فينا أو بين أظهرنا أونحو ذلك فهو مرفوع وهذا هو المذهب الصحيح الظاهر فانه اذا فعل فى زمنه صلى الله عليه وسلم فالظاهر اطلاعه عليه وتقريره اياه صلى الله عليه وسلم وذلك مرفوع وقال آخرون ان كان ذلك الفعل مما لا يخفى غالبا كان مرفوعا والا كان موقوفا وبهذا قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازى الشافعى والله أعلم وأما اذا قال الصحابى أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو من السنة كذا فكله مرفوع على المذهب الصحيح الذى قاله الجماهير من أصحاب الفنون وقيل موقوف وأما اذا قال التابعى من السنة كذا فالصحيح أنه موقوف وقال بعض أصحابنا الشافعيين انه مرفوع مرسل وأما اذا قيل عند ذكر الصحابى يرافعه أو ينهيه أو يبلغ به أو رواية فكله مرفوع متصل بلا خلاف أما اذا قال التابعى كانوا يفعلون فلا يدل على فعل جميع الأمة بل على بعض الأمة فلا حجة فيه الا أن يصرح بنقله عن أهل الاجماع فيكون نقلا للاجماع وفى ثبوته بخبر واحد خلاف 1 ( فصل اذا قال الصحابى قولا أو فعل فعلا فقد قدمنا أنه يسمى موقوفا وهل يحتج به فيه تفصيل واختلاف )
قال أصحابنا إن ينتشر فليس هو اجماعا وهل هو حجة فيه قولان للشافعى رحمه الله وهما مشهوران أصحهما الجديد أنه ليس بحجة والثانى وهو القديم أنه جحة فان قلنا هو حجة قدم على القياس ولزم التابعى وغيره العمل به ولم تجز مخالفته وهل يخص به العموم فيه وجهان واذا قلنا ليس بحجة فالقياس مقدم عليه ويجوز للتابعى مخالفته فأما اذا اختلف الصحابة رضى الله عنهم على قولين فان قلنا بالجديد لم يجز تقليد واحد من الفريقين بل يطلب الدليل وان قلنا بالقديم فهما دليلان تعارضا فيرجح أحدهما على الآخر بكثرة العدد فان استوى العدد قدم بالائمة فيقدم ما عليه امام منهم على مالا امام عليه فان كان الذى على أحدهما أكثر عددا ومع الاقل امام فهما سواء فان استويا فى العدد والائمة الا أن فى أحد الشيخين أبى بكر وعمر رضى الله عنهما وفى الآخر غيرهما ففيه وجهان لاصحابنا أحدهما أنهما سواء والثانى يقدم ما فيه أحد الشيخين هذا كله اذا انتشر أما اذا لم ينتشر فان خولف فحكمه ما ذكرناه وان لم يخالف ففيه خمسة أوجه لاصحابنا العراقيين الأربعة الأولى منها وهى مشهورة فى كتبهم فى الأصول وفى أوائل كتب الفروع أحدهما أنه حجة واجماع وهذا الوجه هو الصحيح عندهم والثانى أنه حجة وليس باجماع والثالث ان كان فتوى فقيه فهو حجة وان كان حكم امام أو حاكم فليس بحجة وهو قول أبى على بن أبى هريرة والرابع ضده ان كان فتيا لم يكن حجة وان كان حاكما أواماما كان اجماعا والخامس أنه ليس باجماع ولا حجة وهذا الوجه هو المختار عند الغزالى فى المستصفى اما اذا قال التابعى قولا لم ينتشر فليس بحجة بلا خلاف وان انتشر وخولف فليس بحجة بلا خلاف وان انتشر ولم يخالف فظاهر كلام جماهير أصحابنا أن حكمه حكم قول الصحابى المنتشر من غير مخالفة وحكى بعض لأصحابنا فيه وجهين أصحهما هذا والثانى ليس بحجة قال صاحب الشامل من أصحابنا الصحيح أنه يكون اجماعا وهذا هو الأفقه ولا فرق فى هذا بين الصحابى والتابعى وقد ذكرت هذا الفصل بدلائله وايضاحه ونسبة هذه الاختلافات إلى قائلها من شرح المهذب على وجه حسن مختصر وحذفت ذلك هنا اختصارا والله أعلم 1 ( فصل فى الاسناد المعنعن ) وهو فلان عن فلان قال بعض العلماء هو مرسل والصحيح الذى عليه العمل وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول انه متصل بشرط أن يكون المعنعن غير مدلس وبشرط امكان لقاء من أضيفت العنعنة اليهم بعضهم بعضا وفى اشتراط ثبوت اللقاء وطول الصحبة ومعرفته بالرواية عنه خلاف منهم من لم يشترط شيئا من ذلك وهو مذهب مسلم ادعى الاجماع عليه وسيأتى الكلام عليه حيث أذكره فى أواخر مقدمة الكتاب ان شاء الله تعالى ومنهم من شرط ثبوت اللقاء وحده وهو مذهب على بن المدينى والبخارى وأبى بكر الصيرفى الشافعى والمحققين وهو الصحيح ومنهم من شرط طول الصحبة وهو قول أبى المظفر السمعانى الفقيه الشافعى ومنهم من شرط ان يكون معروفا بالرواية عنه وبه قال أبو عمرو المقرئ وأما اذا قال حدثنا الزهري أن بن المسيب قال كذا أو حدث بكذا أو فعل أو ذكر أو روى أو نحو ذلك فقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وجماعة لا يلتحق ذلك بعن بل يكون منقطعا حتى يبين السماع وقال الجماهير هو كعن محمول على السماع بالشرط المقدم وهذا هو الصحيح وفى هذا الفصل فوائد كثيرة ينتفع بها ان شاء الله تعالى فى معرفة هذا الكتاب وسترى ما يترتب عليه من الفوائد ان شاء الله تعالى حيث تمر بمواضيعها من الكتاب ويستدل بذلك على غزارة علم مسلم رضى الله عنه وشدة تحريه واتقانه وانه ممن لا يساوى فى هذا بل لايدانى رضى الله عنه 1 ( فصل زيادات الثقة مقبولة مطلقا عند الجماهير )
من أهل الحديث والفقه والأصول وقيل لا تقبل وقيل تقبل ان زادها غير من رواه ناقصا ولا تقبل ان زادها هو وأما اذا روى العدل الضابط المتقن حديثا انفرد به فمقبول بلا خلاف نقل الخطيب البغدادى اتفاق العلماء عليه وأما اذا رواه بعض الثقات الضابطين متصلا وبعضهم مرسلا أو بعضهم موقوفا وبعضهم مرفوعا أو وصله هو أو رفعه فى وقت وأرسله أو وقفه فى وقت فالصحيح الذى قاله المحققون من الحديث وقاله الفقهاء وأصحاب الأصول وصححه الخطيب البغدادى أن الحكم لمن وصله أو رفعه سواء كان المخالف له مثله أو أكثر وأحفظ لأنه زيادة ثقة وهى مقبولة وقيل الحكم لمن أرسله أو وقفه قال الخطيب وهو أكثر قول المحدثين وقيل الحكم للاكثر وقيل للاحفظ 1 ( فصل التدليس قسمان ) أحدهما أن يروى عمن عاصره ما لم يسمع منه موهما سماعه قائلا فلان أو عن فلان أو نحوه وربما لم يسقط شيخه وأسقط غيره لكونه ضعيفا أو صغيرا تحسينا لصورة الحديث وهذا القسم مكروه جدا ذمه أكثر العلماء وكان شعبة من أشدهم ذما له وظاهر كلامه أنه حرام وتحريمه ظاهر فانه يوهم الاحتجاج بما لا يجوز الاحتجاج به ويتسبب أيضا إلى اسقاط العمل بروايات نفسه مع ما فيه من الغرور ثم ان مفسدته دائمة وبعض هذا يكفى فى التحريم فكيف باجتماع هذه الأمور ثم قال فريق من العلماء من عرف منه هذا التدليس صار مجروحا لا يقبل له رواية فى شيء أبدا وان بين السماع والصحيح ما قاله الجماهير من الطوائف أن ما رواه بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع فهو مرسل وما بينه فيه كسمعت وحدثنا وأخبرنا وشبهها فهو صحيح مقبول يحتج به وفى الصحيحين وغيرهما من كتب الأصول من هذا الضرب كثير لا يحصى كقتادة والاعمش والسفيانين وهشيم وغيرهم ودليل هذا أن التدليس ليس كذبا واذا لم يكن كذبا وقد قال الجماهير أنه ليس محرما والراوى عدل ضابط وقد بين سماعه وجب الحكم بصحته والله أعلم ثم هذا الحكم فى المدلس جاز فيمن دلس مرة واحدة ولا يشترط تكرره منه واعلم أن ما كان فى الصحيحين عند المدلسين بعن ونحوها فمحمول على ثبوت السماع من جهة أخرى وقد جاء كثير منه فى الصحيح بالطريقتين جميعا فيذكر رواية المدلس بعن ثم يذكرها بالسماع ويقصد به هذا المعنى الذى ذكرته وسترى من ذلك ان شاء الله تعالى جملا مما ننبه عليه فى مواضعه ان شاء الله تعالى وربما مررنا بشيء منه على قلة من غير تنبيه عليه اكتفاء بالتنبيه على مثله قريبا منه والله أعلم وأما القسم الثانى من التدليس فانه يسمى شيخه أو غيره أو ينسبه أو يصفه أو يكنيه بما لا يعرف به كراهة أن يعرف ويحمله على ذلك كونه ضعيفا أو صغيرا أو يستنكف أن يروى عنه لمعنى آخر أو يكون مكثرا من الرواية عنه فيريد أن يغيره كراهة تكرير الرواية عنه على صورة واحدة أو لغير ذلك من الاسباب وكراهة هذا القسم أخف وسببها توحد طريقة معرفته والله أعلم 1 ( فصل فى معرفة الاعتبار والمتابعة والشاهد والافراد والشاذ والمنكر )
فإذا روى حماد مثلا حديثا عن أيوب عن بن سيرين عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى ص ينظر هل رواة ثقة غير حماد عن أيوب أو عن بن سيرين غير أيوب أو عن أبى هريرة غير بن سيرين أو عن النبى صلى الله عليه وسلم غير أبى هريرة فأى ذلك وجد علم أن له أصلا يرجع إليه فهذا النظر والتفتيش يسمى اعتبارا وأما المتابعة فأن يرويه عن أيوب غير حماد أو عن بن سيرين غير أيوب أو عن أبى هريرة غير بن سيرين أو عن النبى صلى الله عليه وسلم غير أبى هريرة فكل واحد من هذه الاقسام يسمى متابعة وأعلاها الأولى وهى متابعة حماد فى الرواية عن أيوب ثم ما بعدها على الترتيب وأما الشاهد فأن يروى حديث آخر بمعناه وتسمى المتابعة شاهدا ولا يسمى الشاهد متابعة واذا قالوا فى نحو هذا تفرد به أبو هريرة أو بن سيرين أو أيوب أو حماد كان مشعرا بانتفاء وجوه المتابعات كلها واعلم أنه يدخل فى المتابعات والاستشهاد رواية بعض الضعفاء ولا يصلح لذلك كل ضعيف وانما يفعلون هذا لكون التابع لا اعتماد عليه وانما الاعتماد على من قبله واذا انتفت المتابعات وتمحض فردا فله أربعة أحوال حال يكون مخالفا لرواية من هو أحفظ منه فهذا ضعيف ويسمى شاذا ومنكرا وحال يكون مخالفا ويكون هذا الراوى حافظا ضابطا متقنا فيكون صحيحا وحال يكون قاصرا عن هذا ولكنه قريب من درجته فيكون حديثه حسنا وحال يكون بعيدا عن حاله فيكون شاذا ومنكرا مردودا فتحصل أن الفرد قسمان مقبول ومردود والمقبول ضربان فرد لايخالف وراويه كامل الاهلية وفرد هو قريب منه والمردود أيضا ضربان فرد مخالف للاحفظ وفرد ليس فى رواية من الحفظ والاتقان ما يجبر تفرده والله أعلم 1 ( فصل فى حكم المختلط ) اذا خلط الثقة لاختلال ضبطه بحرف أو هرم أو لذهاب بصره أو نحو ذلك قبل حديث من أخذ عنه قبل الاختلاط ولا يقبل حديث من أخذ بعد الاختلاط أوشككنا فى وقت أخذه فمن المخلطين عطاء بن السائب وأبواسحاق السبيعى وسعيد الجريرى وسعيد بن أبى عروبة وعبد الرحمن بن عبد الله المسعودى وربيعة أستاذ مالك وصالح مولى التؤمة وحصين بن عبد الوهاب الكوفى وسفيان بن عيينة قال يحيى القطان أشهد أنه اختلط سنة سبع وتسعين وتوفى سنة تسع وتسعين وعبد الرزاق بن همام عمى فى آخر عمره فكان يتلقن وعارم اختلط آخرا واعلم أن ما كان من هذا القبيل محتجا به فى الصحيحين فهو مما علم أنه أخذ قبل الاختلاط 1 ( فصل فى أحرف مختصرة فى بيان الناسخ والمنسوخ وحكم الحديثين المختلفين ظاهرا )