Qur'an&Sunnah

İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)

Section V10/P318–V10/P321

5530 قوله يونس هو بن يزيد الإيلي قوله أنه رأى في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ورق يوما واحدا وإن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق فلبسوها فطرح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه فطرح الناس خواتيمهم هكذا روى الحديث الزهري عن أنس واتفق الشيخان على تخريجه من طريقه ونسب فيه إلى الغلط لأن المعروف أن الخاتم الذي طرحه النبي صلى الله عليه وسلم بسبب اتخاذ الناس مثله إنما هو خاتم الذهب كما صرح به في حديث بن عمر قال النووي تبعا لعياض قال جميع أهل الحديث هذا وهم من بن شهاب لأن المطروح ما كان الا خاتم الذهب ومنهم من تأوله كما سيأتي قلت وحاصل الأجوبة ثلاثة أحدها قاله الإسماعيلي فإنه قال بعد أن ساقه أن كان هذا الخبر محفوظا فينبغي أن يكون تأويله أنه أتخذ خاتما من ورق على لون من الألوان وكره أن يتخذ غيره مثله فلما اتخذوه رمى به حتى رموا به ثم اتخذ بعد ذلك ما اتخذه ونقش عليه ما نقش ليختم به ثانيها أشار إليه الإسماعيلي أيضا أنه اتخذه زينة فلما تبعه الناس فيه رمى به فلما أحتاج إلى الختم اتخذه ليختم به وبهذا جزم المحب الطبري بعد أن حكى قول المهلب وذكر أنه متكلف قال والظاهر من حالهم أنهم اتخذوها للزينة فطرح خاتمه ليطرحوا ثم لبسه بعد ذلك للحاجة إلى الختم به واستمر ذلك وسيأتي جواب البيهقي عن ذلك في باب اتخاذ الخاتم ثالثها قال بن بطال خالف بن شهاب رواية قتادة وثابت وعبد العزيز بن صهيب في كون الخاتم الفضة استقر في يد النبي صلى الله عليه وسلم يختم به الخلفاء بعده فوجب الحكم للجماعة وأن وهم الزهري فيه لكن قال المهلب قد يمكن أن يتأول لابن شهاب ما ينفي عنه الوهم وان كان الوهم أظهر وذلك أنه يحتمل أن يكون لما عزم على اطراح خاتم الذهب اصطنع خاتم الفضة بدليل أنه كان لا يستغنى عن الختم على الكتب إلى الملوك وغيرهم من أمراء السرايا والعمال فلما لبس خاتم الفضة أراد الناس أن يصطنعوا مثله فطرح عند ذلك خاتم الذهب فطرح الناس خواتيم الذهب قلت ولا يخفى وهي هذا الجواب والذي قاله الإسماعيلي أقرب مع أنه يخدش فيه أنه يستلزم اتخاذ خاتم الورق مرتين وقد نقل عياض نحوا من قول بن بطال قائلا قال بعضهم يمكن الجمع بأنه لما عزم على تحريم خاتم الذهب اتخذ خاتم فضة فلما لبسه أراه الناس في ذلك اليوم ليعلموا إباحته ثم طرح خاتم الذهب وأعلمهم تحريمه فطرح الناس خواتيمهم من الذهب فيكون قوله فطرح خاتمه وطرحوا خواتيمهم أي التي من الذهب وحاصله أنه جعل الموصوف في قوله فطرح خاتمه فطرحوا خواتيمهم خاتم الذهب وأن لم يجر له ذكر قال عياض وهذا يسوغ أن لو جاءت الرواية مجملة ثم أشار إلى أن رواية بن شهاب لا تحتمل هذا التأويل فأما النووي فارتضى هذا التأويل وقال هذا هو التأويل الصحيح وليس في الحديث ما يمنعه قال وأما قوله فصنع الناس الخواتيم من الورق فلبسوها ثم قال فطرح خاتمه فطرحوا خواتيمهم فيحتمل أنهم لما علموا أنه صلى الله عليه وسلم يريد أن يصطنع لنفسه خاتم فضة اصطنعوا لأنفسهم خواتيم الفضة وبقيت معهم خواتيم الذهب كما بقي معه خاتمه إلى أن استبدل خاتم الفضة وطرح خاتم الذهب فاستبدلوا وطرحوا أه وأيده الكرماني بأنه ليس في الحديث أن الخاتم المطروح كان من ورق بل هو مطلق فيحمل على خاتم الذهب أو على ما نقش عليه نقش خاتمه قال ومهما أمكن الجمع لا يجوز توهيم الراوي قلت ويحتمل وجها رابعها ليس فيه تغيير ولا زيادة اتخاذ وهو أنه أتخذ خاتم الذهب للزينة فلما تتابع الناس فيه وافق وقوع تحريمه فطرحه ولذلك قال لا ألبسه أبدا وطرح الناس خواتيمهم تبعا له وصرح بالنهي عن لبس خاتم الذهب كما تقدم في الباب قبله ثم أحتاج إلى الخاتم لأجل الختم به فاتخذه من فضة ونقش فيه اسمه الكريم فتبعه الناس أيضا في ذلك فرمى به حتى رمى الناس تلك الخواتيم المنقوشة على اسمه لئلا تفوت مصلحة نقش اسمه بوقوع الاشتراك فلما عدمت خواتيمهم برميها رجع إلى خاتمه الخاص به فصار يختم به ويشير إلى ذلك قوله في رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس كما سيأتي قريبا في باب الخاتم في الخنصر إنا اتخذنا خاتما ونقشنا فيه نقشا فلا ينقش عليه أحد فلعل بعض من لم يبلغه النهي أو بعض من بلغه ممن لم يرسخ في قلبه الإيمان من منافق ونحوه اتخذوا ونقشوا فوقع ما وقع ويكون طرحه له غضبا ممن تشبه به في ذلك النقش وقد أشار إلى ذلك الكرماني مختصرا جدا والله أعلم وقول الزهري في روايته إنه رآه في يده يوما لا ينافي ذلك ولا يعارضه قوله في الباب الذي بعده في رواية حميد سئل أنس هل اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتما قال أخر ليلة صلاة العشاء إلى أن قال فكأني أنظر إلى وبيص خاتمه فإنه يحمل على أنه رآه كذلك في تلك الليلة واستمر في يده بقية يومها ثم طرحه في آخر ذلك اليوم والله أعلم وأما ما أخرجه النسائي من طريق المغيرة بن زياد عن نافع عن بن عمر أتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتما من ذهب فلبسه ثلاثة أيام فيجمع بينه وبين حديث أنس بأحد أمرين إن قلنا أن قول الزهري في حديث أنس خاتم من ورق سهو وأن الصواب خاتم من ذهب فقوله يوما واحدا ظرف لرؤية أنس لا لمدة اللبس وقول بن عمر ثلاثة أيام ظرف لمدة اللبس وان قلنا أن لا وهم فيها وجمعنا بما تقدم فمدة لبس خاتم الذهب ثلاثة أيام كما في حديث بن عمر هذا ومدة لبس خاتم الورق الأول كانت يوما واحدا كما في حديث أنس ثم لما رمى الناس الخواتيم التي نقشوها على نقشه ثم عاد فلبس خاتم الفضة واستمر إلى أن مات قوله تابعه إبراهيم بن سعد وزياد وشعيب عن الزهري أما متابعة إبراهيم بن سعد وهو الزهري المدني فوصلها مسلم وأحمد وأبو داود من طريقه بمثل رواية يونس بن يزيد لا مخالفة إلا في بعض لفظ وأما متابعة زياد وهو بن سعد بن عبد الرحمن الخرساني نزيل مكة ثم اليمن فوصلها مسلم أيضا وأشار إليها أبو داود أيضا ولفظه عنه كذلك لكن قال اضطربوا واصطنعوا وأما متابعة شعيب فوصلها الإسماعيلي كذلك وأشار إليها أبو داود أيضا قوله وقال بن مسافر عن الزهري أرى خاتما من ورق هذا التعليق لم أره في أصل من رواية أبي ذر وهو ثابت للباقين إلا النسفي وقد أشار إليه أبو داود أيضا وصله الإسماعيلي من طريق سعيد بن عفير عن الليث عن بن مسافر وهو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن بن شهاب عن أنس كذلك وليس فيه لفظ أرى فكأنها من البخاري قال الإسماعيلي رواه أيضا عن بن شهاب كذلك موسى بن عقبة وبن أبي عتيق ثم ساقه من طريق سليمان بن بلال عنهما قال مثل حديث إبراهيم بن سعد وفي حديثي الباب مبادرة الصحابة إلى الاقتداء بأفعاله صلى الله عليه وسلم فمهما أقر عليه استمروا عليه ومهما أنكره امتنعوا منه وفي حديث بن عمر أنه صلى الله عليه وسلم لا يورث وإلا لدفع خاتمه للورثة كذا قال النووي وفيه نظر لجواز أن يكون الخاتم اتخذ من مال المصالح فانتقل للإمام لينتفع به فيما صنع له وفيه حفظ الخاتم الذي يختم به تحت يد أمين إذا نزعه الكبير من إصبعه وفيه أن يسير المال إذا ضاع لا يهمل طلبه ولا سيما إذا كان من أثر أهل الخير وفيه بحث سيأتي وفيه أن العبث اليسير بالشيء حال التفكر لا عيب فيه

Section V10/P321–V10/P322

1 ( قوله باب فص الخات ) م قال الجوهري الفص بفتح الفاء والعامة تكسرها وأثبتها غيره لغة وزاد بعضهم الضم وعليه جرى بن مالك في المثلث ثم ذكر حديث حميد سئل أنس هل اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتما قال أخر ليلة صلاة العشاء الحديث وقد تقدم شرحه في المواقيت من كتاب الصلاة وقوله 5531 وبيص بموحدة وآخره مهملة هو البريق وزنا ومعنى وسيأتي من رواية عبد العزيز بن صهيب بلفظ بريقه ومن رواية قتادة عن أنس بلفظ بياضه ووقع في رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس في آخره ورفع أنس يده اليسرى أخرجه مسلم والنسائي وله في آخرى وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى قوله في الطريق الثانية 5532 كان خاتمه من فضة في رواية أبي داود من طريق زهير بن معاوية عن حميد من فضة كله فهذا نص في أنه كله من فضة وأما ما أخرجه أبو داود والنسائي من طريق إياس بن الحارث بن معيقيب عن جده قال كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من حديد ملويا عليه فضة فربما كان في يدي قال وكان معيقيب على خاتم النبي صلى الله عليه وسلم يعني كان أمينا عليه فيحمل على التعدد وقد أخرج له بن سعد شاهدا مرسلا عن مكحول أن خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من حديد ملويا عليه فضة غير أن قصه باد وآخر مرسلا عن إبراهيم النخعي مثله دون ما في آخره وثالثا من رواية سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص أن خالد بن سعيد يعني بن العاص أتى وفي يده خاتم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا اطرحه فطرحه فإذا خاتم من حديد ملوي عليه فضة قال فما نقشه قال محمد رسول الله قال فأخذه فلبسه ومن وجه آخر عن سعيد بن عمرو المذكور أن ذلك جرى لعمرو بن سعيد أخي خالد بن سعيد وسأذكر لفظه في باب هل يجعل نقش الخاتم ثلاثة أسطر قوله وكان فصه منه لا يعارضه ما أخرجه مسلم وأصحاب السنن من طريق بن وهب عن يونس عن بن شهاب عن أنس كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من ورق وكان فصه حبشيا لأنه إما أن يحمل على التعدد وحينئذ فمعنى قوله حبشي أي كان حجرا من بلاد الحبشة أو على لون الحبشة أو كان جزعا أو عقيقا لأن ذلك قد يؤتى به من بلاد الحبشة ويحتمل أن يكون هو الذي فصه منه ونسب إلى الحبشة لصفة فيه إما الصياغة وإما النقش قوله وقال يحيى بن أيوب ألخ أراد بهذا التعليق بيان سماع حميد له من أنس وقد تقدم في المواقيت معلقا أيضا وذكرت من وصله ولله الحمد وقد اعترضه الإسماعيلي فقال ليس هذا الحديث من الباب الذي ترجمه في شيء وأجيب بأنه أشار إلى أنه لا يسمى خاتما إلا إذا كان له فص فإن كان بلا فص فهو حلقة قلت لكن في الطريق الثانية في الباب أن فص الخاتم كان منه فلعله أراد الرد على من زعم أنه لا يقال له خاتم إلا إذا كان له فص من غيره ويؤيده أن في رواية خالد بن قيس عن قتادة عن أنس عند مسلم فصاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما حلقة من فضة والذي يظهر لي أنه أشار إلى أن الإجمال في الرواية الأولى محمول على التبيين في الرواية الثانية 1 ( قوله باب خاتم الحديد )

Section V10/P322–V10/P324

قد ذكرت ما ورد فيه في الباب الذي قبله وكأنه لم يثبت عنده شيء من ذلك على شرطه وفيه دلالة على جواز لبس ما كان على صفته وأما ما أخرجه أصحاب السنن وصححه بن حبان من رواية عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من شبه فقال ما لي أجد منك ريح الأصنام فطرحه ثم جاء وعليه خاتم من حديد فقال مالي أرى عليك حلية أهل النار فطرحه فقال يا رسول الله من أي شيء اتخذه قال اتخذه من ورق ولا تتمه مثقالا وفي سنده أبو طيبة بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة اسمه عبد الله بن مسلم المروزي قال أبو حاتم الرازي يكتب حديثه ولا يحتج به وقال بن حبان في الثقات يخطئ ويخالف فإن كان محفوظا حمل المنع على ما كان حديدا صرفا وقد قال التيفاشي في كتاب الأحجار خاتم الفولاذ مطردة للشيطان إذا لوي عليه فضة فهذا يؤيد المغايرة في الحكم ثم ذكر حديث سهل بن سعد في قصة الواهبة وقوله 5533 فيه أذهب فالتمس ولو خاتما من حديد استدل به على جواز لبس خاتم الحديد ولا حجة فيه لأنه لا يلزم من جواز الاتخاذ جواز اللبس فيحتمل أنه أراد وجوده لتنتفع المرأة بقيمته وقوله ولو خاتما محذوف الجواب لدلالة السياق عليه فإنه لما أمره بالتماس مهما وجد كأنه خشي أن يتوهم خروج خاتم الحديد لحقارته فأكد دخوله بالجملة المشعرة بدخول ما بعدها فيما قبلها وقوله في الجواب فقال لا والله ولا خاتما من حديد انتصب على تقدير لم أجد وقد صرح به في الطريق الأخرى 1 ( قوله باب نقش الخاتم ) ذكر فيه حديثين أحدهما عن أنس 5534 قوله حدثنا عبد الأعلى هو بن حماد وسعيد هو بن أبي عروبة قوله أراد أن يكتب إلى رهط أو أناس هو شك من الراوي قوله من الأعاجم في رواية شعبة عن قتادة كما يأتي بعد باب إلى الروم قوله فقيل له في مرسل طاوس عند بن سعد أن قريشا هم الذين قالوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قوله نقشه محمد رسول الله زاد بن سعد من مرسل بن سيرين بسم الله محمد رسول الله ولم يتابع على هذه الزيادة وقد أورده من مرسل طاوس والحسن البصري وإبراهيم النخعي وسالم بن أبي الجعد وغيرهم ليس فيه الزيادة وكذا وقع في الباب من حديث بن عمر وأما ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل أنه أخرج لهم خاتما فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبسه فيه تمثال أسد قال معمر فغسله بعض أصحابنا فشربه ففيه مع إرساله ضعف لأن بن عقيل مختلف في الاحتجاج به إذا انفرد فكيف إذا خالف وعلى تقدير ثبوته فلعله لبسه مرة قبل النهي قوله في إصبع النبي صلى الله عليه وسلم أو في كفه شك من الراوي ووقع في رواية شعبة في يده وسيأتي من وجه آخر عن أنس في الباب الذي بعده في خنصره الحديث الثاني حديث بن عمر وقد تقدم شرحه في باب خاتم الفضة 1 ( قوله باب الخاتم في الخنصر ) أي دون غيرها من الأصابع وكأنه أشار إلى ما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي من طريق أبي بردة بن أبي موسى عن علي قال نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ألبس خاتمي في هذه وفي هذه يعني السبابة والوسطى وسيأتي بيان أي الخنصرين اليمني أو اليسرى كان يلبس الخاتم فيه بعد باب 5536 قوله فلا ينقش عليه أحد في رواية الكشميهني وحده ينقشن بالنون المؤكدة وإنما نهى أن ينقش أحد على نقشه لأن فيه اسمه وصفته وإنما صنع فيه ذلك ليختم به فيكون علامة تختص به وتتميز عن غيره فلو جاز أن ينقش أحد نظير نقشه لفات المقصود 1 ( قوله باب اتخاذ الخاتم )

Section V10/P324–V10/P325

سقط لفظ باب من رواية أبي ذر قال الخطابي لم يكن لباس الخاتم من عادة العرب فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الملوك أتخذ الخاتم واتخذه من ذهب ثم رجع عنه لمافيه من الزينة ولما يخشى من الفتنة وجعل فصه مما يلي باطن كفه ليكون أبعد من التزين قال شيخنا في شرح الترمذي دعواه أن العرب لا تعرف الخاتم عجيبة فإنه عربي وكانت العرب تستعمله انتهى ويحتاج إلى ثبوت لبسه عن العرب وإلا فكونه عربيا واستعمالهم له في ختم الكتب لا يرد على عبارة الخطابي وقد قال الطحاوي بعد أن أخرج الحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي ريحانة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الخاتم إلا لذي سلطان ذهب قوم إلى كراهة لبس الخاتم إلا لذي سلطان وخالفهم آخرون فأباحوه ومن حجتهم حديث أنس المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ألقى خاتمه ألقى الناس خواتيمهم فأنه يدل على أنه كان يلبس الخاتم في العهد النبوي من ليس ذا سلطان فإن قيل هو منسوخ قلنا الذي نسخ منه لبس خاتم الذهب قلت أو لبس خاتم المنقوش عليه نقش خاتم النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم تقريره ثم أورد عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يلبسون الخواتم ممن ليس له سلطان انتهى ولم يجب عن حديث أبي ريحانة والذي يظهر أن لبسه لغير ذي سلطان خلاف الأولى لأنه ضرب من التزين واللائق بالرجال خلافه وتكون الأدلة الدالة على الجواز هي الصارفة للنهي عن التحريم ويؤيده أن في بعض طرقه نهي عن الزينة والخاتم الحديث ويمكن أن يكون المراد بالسلطان من له سلطنة على شيء ما يحتاج إلى الختم عليه لا السلطان الأكبر خاصة والمراد بالخاتم ما يختم به فيكون لبسه عبثا وأما من لبس الخاتم الذي لا يختم به وكان من الفضة للزينة فلا يدخل في النهي وعلى ذلك يحمل حال من لبسه ويؤيده ما ورد من صفة نقش خواتم بعض من كان يلبس الخواتم مما يدل على أنها لم تكن بصفة ما يختم به وقد سئل مالك عن حديث أبي ريحانة فضعفه وقال سأل صدقة بن يسار سعيد بن المسيب فقال ألبس الخاتم وأخبر الناس أني قد أفتيتك والله أعلم تكملة جزم أبو الفتح اليعمري أن اتخاذ الخاتم كان في السنة السابعة وجزم غيره بأنه كان في السادسة ويجمع بأنه كان في أواخر السادسة وأوائل السابعة لأنه إنما اتخذه عند ارادته مكاتبة الملوك كما تقدم وكان إرساله إلى الملوك في مدة الهدنة وكان في ذي القعدة سنة ست ورجع إلى المدينة في ذي الحجة ووجه الرسل في المحرم من السابعة وكان اتخاذه الخاتم قبل إرساله الرسل إلى الملوك والله أعلم قوله باب من جعل فص الخاتم في بطن كفه سقط لفظ باب من رواية أبي ذر قال بن بطال قيل لمالك يجعل الفص في باطن الكف قال لا قال بن بطال ليس في كون فص الخاتم في بطن الكف ولا ظهرها أمر ولا نهي وقال غيره السر في ذلك أن جعله في بطن الكف أبعد من أن يظن أنه فعله للتزين به وقد أخرج أبو داود من حديث بن عباس جعله في ظاهر الكف كما سأذكره قريبا

Section V10/P325–V10/P327

5538 قوله حدثنا جويرية هو بن أسماء وعبد الله هو بن عمر قوله اصطنع خاتما من ذهب وجعل كذا للأكثر وللمستملي والسرخسي ويجعل وقد تقدم شرح الحديث في باب خاتم الفضة قوله قال جويرية ولا أحسبه إلا قال في يده اليمنى هو موصول بالإسناد المذكور قال أبو ذر في روايته لم يقع في البخاري موضع الخاتم من أي اليدين إلا في هذا وقال الداودي لم يجزم به جويرية وتواطؤ الروايات على خلافه يدل على أنه لم يحفظه وعمل الناس على لبس الخاتم في اليسار يدل على أنه المحفوظ قلت وكلامه متعقب فإن الظن فيه من موسى شيخ البخاري وقد أخرجه بن سعد عن مسلم بن إبراهيم وأخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن عبد الله بن محمد بن أسماء كلاهما عن جويرية وجزما بأنه لبسه في يده اليمني وهكذا أخرج مسلم من طريق عقبة بن خالد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر في قصة اتخاذ الخاتم من ذهب وفيه وجعله في يده اليمني وأخرجه الترمذي وبن سعد من طريق موسى بن عقبة عن نافع بلفظ صنع النبي صلى الله عليه وسلم خاتما من ذهب فتختم به في يمينه ثم جلس على المنبر فقال أني كنت اتخذت هذا الخاتم في يميني ثم نبذه الحديث وهذا صريح من لفظه صلى الله عليه وسلم رافع للبس وموسى بن عقبة أحد الثقات الأثبات وأما ما أخرجه بن عدي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبو داود من طريق عبد العزيز بن أبي رواد كلاهما عن نافع عن بن عمر كان النبي صلى الله عليه وسلم يتختم في يساره فقد قال أبو داود بعده ورواه بن إسحاق وأسامة بن زيد عن نافع في يمينه انتهى ورواية بن إسحاق قد أخرجها أبو الشيخ في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم من طريقه وكذا رواية أسامة وأخرجها محمد بن سعد أيضا فظهر أن رواية اليسار في حديث نافع شاذة ومن رواها أيضا أقل عددا وألين حفظا ممن روى اليمين وقد أخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن عبد الله بن دينار عن بن عمر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه وأخرج أبو الشيخ في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم من رواية خالد بن أبي بكر عن سالم عن بن عمر نحوه فرجحت رواية اليمين في حديث بن عمر أيضا وقد ورد التختم في اليمين أيضا في أحاديث أخرى منها عند مسلم من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس خاتما من فضة في يمينه فصه حبشي وأخرج أبو داود أيضا من طريق بن إسحاق قال رأيت على الصلت بن عبد الله خاتما في خنصره اليمين فسألته فقال رأيت بن عباس يلبس خاتمه هكذا وجعل فصه على ظهرها ولا إخال بن عباس إلا ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم وأورده الترمذي من هذا الوجه مختصرا رأيت بن عباس يتختم في يمينه ولا إخاله إلا قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه وللطبراني من وجه آخر عن بن عباس كان النبي صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه وفي سنده لين وأخرج الترمذي أيضا من طريق حماد بن سلمة رأيت بن أبي رافع يتختم في يمينه وقال كان النبي صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه ثم نقل عن البخاري أنه أصح شيء روي في هذا الباب وأخرج أبو داود والنسائي والترمذي في الشمائل وصححه بن حبان من طريق إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبيه عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يمينه وفي الباب عن جابر في الشمائل بسند لين وعائشة عند البزار بسند لين وعند أبي الشيخ بسند حسن وعن أبي أمامة عند الطبراني بسند ضعيف وعن أبي هريرة عند الدارقطني في غرائب مالك بسند ساقط وورد التختم في اليسار من حديث بن عمر كما تقدم ومن حديث أنس أيضا أخرجه مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم في هذه وأشار إلى الخنصر اليسرى وأخرجه أبو الشيخ والبيهقي في الشعب من طريق قتادة عن أنس ولأبي الشيخ من حديث أبي سعيد بلفظ كان يلبس خاتمه في يساره وفي سنده لين وأخرجه بن سعد أيضا وأخرج البيهقي في الأدب من طريق أبي جعفر الباقر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعلي والحسن والحسين يتختمون في اليسار وأخرجه الترمذي موقوفا على الحسن والحسين حسب وأما دعوى الداودي أن العمل على التختم في اليسار فكأنه توهمه من استحباب مالك للتختم وهو يرجح عمل أهل المدينة فظن أنه عمل أهل المدينة وفيه نظر فإنه جاء عن أبي بكر وعمر وجمع جم من الصحابة والتابعين بعدهم من أهل المدينة وغيرهم التختم في اليمني وقال البيهقي في الأدب يجمع بين هذه الأحاديث بأن الذي لبسه في يمينه هو خاتم الذهب كما صرح به في حديث بن عمر والذي لبسه في يساره هو خاتم الفضة وأما رواية الزهري عن أنس التي فيها التصريح بأنه كان فضة ولبسه في يمينه فكأنها خطأ فقد تقدم أن الزهري وقع له وهم في الخاتم الذي طرحه النبي صلى الله عليه وسلم وأنه وقع في روايته أنه الذي كان من فضة وأن الذي في رواية غيره أنه الذي كان من ذهب فعلى هذا فالذي كان لبسه في يمينه هو الذهب أه ملخصا وجمع غيره بأنه لبس الخاتم أولا في يمينه ثم حوله إلى يساره واستدل له بما أخرجه أبو الشيخ وبن عدي من رواية عبد الله بن عطاء عن نافع عن بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم تختم في يمينه ثم أنه حوله في يساره فلو صح هذا لكان قاطعا للنزاع ولكن سنده ضعيف وأخرج بن سعد من طريق جعفر بن محمد عن أبيه قال طرح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه الذهب ثم تختم خاتما من ورق فجعله في يساره وهذا مرسل أو معضل وقد جمع البغوي في شرح السنة بذلك وأنه تختم أولا في يمينه ثم تختم في يساره وكان ذلك آخر الأمرين وقال بن أبي حاتم سألت أبا زرعة عن اختلاف الأحاديث في ذلك فقال لا يثبت هذا ولا هذا ولكن في يمينه أكثر وقد تقدم قول البخاري أن حديث عبد الله بن جعفر أصح شيء ورد فيه وصرح فيه بالتختم في اليمين وفي المسألة عند الشافعية اختلاف والأصح اليمين قلت ويظهر لي أن ذلك يختلف باختلاف القصد فإن كان اللبس للتزين به فاليمين أفضل وإن كان للتختم به فاليسار أولى لأنه كالمودع فيها ويحصل تناوله منها باليمين وكذا وضعه فيها ويترجح التختم في في اليمين مطلقا لأن اليسار آلة الاستنجاء فيصان الخاتم إذا كان في اليمين عن أن تصيبه النجاسة ويترجح التختم في اليسار بما أشرت إليه من التناول وجنحت طائفة إلى استواء الأمرين وجمعوا بذلك بين مختلف الأحاديث وإلى ذلك أشار أبو داود حيث ترجم باب التختم في اليمين واليسار ثم أورد الأحاديث مع اختلافها في ذلك بغير ترجيح ونقل النووي وغيره الإجماع على الجواز ثم قال ولا كراهة فيه يعني عند الشافعية وإنما الاختلاف في الأفضل وقال البغوي كان آخر الأمرين التختم في اليسار وتعقبه الطبري بأن ظاهره النسخ وليس ذلك مراده بل الأخبار بالواقع اتفاقا والذي يظهر أن الحكمة فيه ما تقدم والله أعلم

Section V10/P327

1 ( قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا ينقش ) بضم أوله على نقش خاتمه ذكر فيه حديث أنس من رواية عبد العزيز بن صهيب عنه في اتخاذ الخاتم من فضة وفيه فلا ينقش أحد على نقشه وقوله 5539 فيه أنا اتخذنا بصيغة الجمع وهي للتعظيم هنا والمراد أني اتخذت وأخرج الترمذي من طريق معمر عن ثابت عن أنس نحوه وقال فيه ثم قال لا تنقشوا عليه وأخرج الدارقطني في الأفراد من طريق سلمة بن وهرام عن عكرمة عن يعلى بن أمية قال أنا صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم خاتما لم يشركني فيه أحد نقش فيه محمد رسول الله فيستفاد منه اسم الذي صاغ خاتم النبي صلى الله عليه وسلم ونقشه وأما نهيه صلى الله عليه وسلم عن أن ينقش أحد على نقشه أي مثل نقشه فقد تقدمت الإشارة إلى الحكمة فيه في باب خاتم الفضة وقد أخرج بن أبي شيبة في المصنف عن بن عمر أنه نقش على خاتمه عبد الله بن عمر وكذا أخرج عن سالم عن عبد الله بن عمر أنه نقش اسمه على خاتمه وكذا القاسم بن محمد قال بن بطال وكان مالك يقول من شأن الخلفاء والقضاة نقش أسمائهم في خواتمهم وأخرج بن أبي شيبة عن حذيفة وأبي عبيدة أنه كان نقش خاتم كل واحد منهما الحمد لله وعن علي الله الملك وعن إبراهيم النخعي بالله وعن مسروق بسم الله وعن أبي جعفر الباقر العزة لله وعن الحسن والحسين لا بأس بنقش ذكر الله على الخاتم قال النووي وهو قول الجمهور ونقل عن بن سيرين وبعض أهل العلم كراهته انتهى وقد أخرج بن أبي شيبة بسند صحيح عن بن سيرين أنه لم يكن يرى بأسا أن يكتب الرجل في خاتمه حسبي الله ونحوها فهذا يدل على أن الكراهة عنه لم تثبت ويمكن الجمع بأن الكراهة حيث يخاف عليه حمله للجنب والحائض والاستنجاء بالكف التي هو فيها والجواز حيث حصل الأمن من ذلك فلا تكون الكراهة لذلك بل من جهة ما يعرض لذلك والله أعلم 1 ( قوله باب هل يجعل نقش الخاتم ثلاثة أسطر ) قال بن بطال ليس كون نقش الخاتم ثلاثة أسطر أو سطرين أفضل من كونه سطرا واحدا كذا قال قلت قد يظهر أثر الخلاف من أنه إذا كان سطرا واحدا يكون الفص مستطيلا لضرورة كثرة الأحرف فإذا تعددت الأسطر أمكن كونه مربعا أو مستديرا وكل منهما أولى من المستطيل

Section V10/P327–V10/P329

5540 قوله حدثني أبي هو عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس قوله عن ثمامة هو بن عبد الله بن أنس عم عبد الله بن المثنى الراوي والسند كله بصريون من آل أنس قوله عن أنس في رواية الإسماعيلي من طريق علي بن المديني عن محمد بن عبد الله الأنصاري حدثني أبي حدثنا ثمامة حدثني أنس قوله أن أبا بكر رضي الله عنه لما استخلف كتب له لم يذكر المكتوب وقد تقدمت الإشارة إليه في كتاب الزكاة وأنه كتب له مقادير الزكاة قوله وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر محمد سطر ورسول سطر والله سطر هذا ظاهره أنه لم يكن فيه زيادة على ذلك لكن أخرج أبو الشيخ في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم من رواية عرعرة بن البرند بكسر الموحدة والراء بعدها نون ساكنة ثم دال عن عزرة بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها راء بن ثابت عن ثمامة عن أنس قال كان فص خاتم النبي صلى الله عليه وسلم حبشيا مكتوبا عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله وعرعرة ضعفه بن المديني وزيادته هذه شاذة وظاهره أيضا أنه كان على هذا الترتيب لكن لم تكن كتابته على السياق العادي فإن ضرورة الاحتياج إلى أن يختم به يقتضي أن تكون الأحرف المنقوشة مقلوبة ليخرج الختم مستويا وأما قول بعض الشيوخ أن كتابته كانت من أسفل إلى فوق يعني أن الجلالة في أعلى الأسطر الثلاثة ومحمد في أسفلها فلم أر التصريح بذلك في شيء من الأحاديث بل رواية الإسماعيلي يخالف ظاهرها ذلك فإنه قال فيها محمد سطر والسطر الثاني رسول والسطر الثالث الله ولك أن تقرأ محمد بالتنوين ورسول بالتنوين وعدمه والله بالرفع وبالجر قوله وزادني أحمد حدثنا الأنصاري إلى آخره هذه الزيادة موصولة وأحمد المذكور جزم المزي في الأطراف أنه أحمد بن حنبل لكن لم أر هذا الحديث في مسند أحمد من هذا الوجه أصلا قوله وفي يد عمر بعد أبي بكر فلما كان عثمان جلس على بئر أريس وقع في رواية بن سعد عن الأنصاري ثم كان في يد عثمان ست سنين فلما كان في ألست الباقية كنا معه على بئر أريس قوله فجعل يعبث به في رواية بن سعد فجعل يحوله في يده قوله فسقط في رواية بن سعد فوقع في البئر قوله فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان فنزح البئر فلم نجده أي في الذهاب والرجوع والنزول إلى البئر والطلوع منها ووقع في رواية بن سعد فطلبناه مع عثمان ثلاثة أيام فلم نقدر عليه قال بعض العلماء كان في خاتمه صلى الله عليه وسلم من السر شيء مما كان في خاتم سليمان عليه السلام لأن سليمان لما فقد خاتمه ذهب ملكه وعثمان لما فقد خاتم النبي صلى الله عليه وسلم انتقض عليه الأمر وخرج عليه الخارجون وكان ذلك مبدأ الفتنة التي أفضت إلى قتله واتصلت إلى آخر الزمان قال بن بطال يؤخذ من الحديث أن يسير المال إذا ضاع يجب البحث في طلبه والاجتهاد في تفتيشه وقد فعل صلى الله عليه وسلم ذلك لما ضاع عقد عائشة وحبس الجيش على طلبه حتى وجد كذا قال وفيه نظر فاما عقد عائشة فقد ظهر أثر ذلك بالفائدة العظيمة التي نشأت عنه وهي رخصة التيمم فكيف يقاس عليه غيره وأما فعل عثمان فلا ينهض الاحتجاج به أصلا لما ذكر لأن الذي يظهر أنه إنما بالغ في التفتيش عليه لكونه أثر النبي صلى الله عليه وسلم قد لبسه واستعمله وختم به ومثل ذلك يساوي في العادة قدرا عظيما من المال وإلا لو كان غير خاتم النبي صلى الله عليه وسلم لاكتفى بطلبه بدون ذلك وبالضرورة يعلم أن قدر المؤنة التي حصلت في الأيام الثلاثة تزيد على قيمة الخاتم لكن اقتضت صفته عظيم قدره فلا يقاس عليه كل ما ضاع من يسير المال قال وفيه أن من فعل الصالحين العبث بخواتيمهم وما يكون بأيديهم وليس ذلك بعائب لهم قلت وإنما كان كذلك لأن ذلك من مثلهم إنما ينشأ عن فكر وفكرتهم إنما هي في الخير قال الكرماني معنى قوله يعبث به يحركه أو يخرجه من إصبعه ثم يدخله فيها وذلك صورة العبث وإنما يفعل الشخص ذلك عند تفكره في الأمور قال بن بطال وفيه أن من طلب شيئا ولم ينجح فيه بعد ثلاثة أيام أن له أن يتركه ولا يكون بعد الثلاث مضيعا وأن الثلاث حد يقع بها العذر في تعذر المطلوبات وفيه استعمال آثار الصالحين ولباس ملابسهم على جهة التبرك والتيمن بها

Section V10/P329–V10/P330

1 ( قوله باب الخاتم للنساء ) قال بن بطال الخاتم للنساء من جملة الحلي الذي أبيح لهن قوله وكان على عائشة خواتيم الذهب وصله بن سعد من طريق عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب قال سألت القاسم بن محمد فقال لقد رأيت والله عائشة تلبس المعصفر وتلبس خواتيم الذهب 5541 قوله طاوس عن بن عباس شهدت العيد مع النبي صلى الله عليه وسلم فصلى قبل الخطبة سقط لفظ فصلى من رواية المستملي والسرخسي وهي مرادة ثابتة في أصل الحديث فإنه طرف من حديث تقدم في صلاة العيد من طريق عبد الرزاق عن بن جريج بسنده هنا قوله وزاد بن وهب عن بن جريج يعني بهذا السند إلى بن عباس وقد تقدم بالزيادة موصولا في تفسير سورة الممتحنة من رواية هارون بن معروف عن بن وهب قوله فأتى النساء فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم الفتخ بفتح الفاء ومثناة فوق بعدها خاء معجمة جمع فتخة وهي الخواتيم التي تلبسها النساء في أصابع الرجلين قاله بن السكيت وغيره وقيل الخواتيم التي لا فصوص لها وقيل الخواتم الكبار كما تقدم ذلك من تفسير عبد الرزاق في كتاب العيدين مع بسط ذلك 1 ( قوله باب القلائد والسخاب للنساء ) السخاب بكسر المهملة وتخفيف الخاء المعجمة وبعد الألف موحدة قوله يعني قلادة من طيب وسك بضم المهملة وتشديد الكاف وفي رواية الكشميهني ومسك بكسر الميم وسكون المهملة وكاف خفيفة والسخاب جمع سخب بضمتين وقد تقدم بيان ما فسره به غيره في باب ما ذكر في الأسواق من كتاب البيوع ثم أورد فيه حديث بن عباس من رواية سعيد بن جبير عنه قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم وفيه فجعلت المرأة تلقي سخابها وخرصها بضم الخاء المعجمة وسكون الراء ثم صاد مهملة هي الحلقة الصغيرة من ذهب أو فضة وقد تقدم تفسيره في باب الخطبة بعد العيد من كتاب العيدين 1 ( قوله باب استعارة القلائد ) ذكر فيه حديث عائشة في قصة قلادة أسماء وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الطهارة وفيه بيان القلادة المذكورة مم كانت وقوله 5543 زاد بن نمير عن هشام يعني بسنده المذكور أنها استعارت من أسماء أي بنت أبي بكر القلادة المذكورة وقد وصله المؤلف رحمه الله في كتاب الطهارة من طريقه 1 ( قوله باب القرط للنساء )

Section V10/P330–V10/P331

بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة ما يحلى به الإذن ذهبا كان أو فضة صرفا أو مع لؤلؤ وغيره ويعلق غالبا على شحمتها قوله وقال بن عباس أمرهن النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة فرأيتهن يهوين إلى آذانهن وحلوقهن هذا طرف من حديث وصله المؤلف رحمه الله في العيدين وفي الاعتصام وغيرهما من طريق عبد الرحمن بن عابس عن بن عباس فإما في الاعتصام فقال في رواية فجعل النساء يشرن إلى آذانهن وحلوقهن وقال في العيدين فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه في ثوب بلال أخرجه قبيل كتاب الجمعة من هذا الوجه بلفظ فجعلت المرأة تهوى بيدها إلى حلقها تلقى في ثوب بلال ومعنى الأهواء الإيماء باليد إلى الشيء ليؤخذ وقد ظهر أنه في الآذان إشارة إلى الحلق وأما في الحلوق فالذي يظهر أن المراد القلائد فإنها توضع في العنق وأن كان محلها إذا تدلت الصدر واستدل به على جواز ثقب أذن المرأة لتجعل فيها القرط وغيره مما يجوز لهن التزين به وفيه نظر لأنه لم يتعين وضع القرط في ثقبة الإذن بل يجوز أن يشبك في الرأس بسلسلة لطيفة حتى تحاذى الأذن وتنزل عنها سلمنا لكن إنما يؤخذ من ترك إنكاره عليهن ويجوز أن تكون آذانهن ثقبت قبل مجيء الشرع فيغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء ونحوه قول أم زرع أناس من حلي أذني ولا حجة فيه لما ذكرنا وقال بن القيم كره الجمهور ثقب أذن الصبي ورخص بعضهم في الأنثى قلت وجاء الجواز في الأنثى عن أحمد للزينة والكراهة للصبي قال الغزالي في الأحياء يحرم ثقب أذن المرأة ويحرم الاستئجار عليه إلا أن ثبت فيه شيء من جهة الشرع قلت جاء عن بن عباس فيما أخرجه الطبراني في الأوسط سبعة في الصبي من السنة فذكر السابع منها وثقب اذنه وهو يستدرك على قول بعض الشارحين لا مستند لاصحابنا في قولهم إنه سنة 5544 قوله أخبرني عدي هو بن ثابت وقد تقدم قبل بابين من طريق شعبة أيضا بهذا الإسناد بلفظ خرصها بدل قرطها 1 ( قوله باب السخاب للصبيان ) تقدم بيان السخاب وحديث أبي هريرة المذكور في الباب تقدم شرحه في باب ما ذكر في الأسواق من كتاب البيوع مستوفى وقوله 5545 فيه أين لكع في رواية المستملي والسرخسي أي لكع بصيغة النداء 1 ( قوله باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال ) أي ذم الفريقين ويدل على ذلك اللعن المذكور في الخبر

Section V10/P331–V10/P332

5546 قوله حدثنا محمد بن جعفر كذا لأبي ذر ولغيره حدثنا غندر وهو هو قوله لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين قال الطبري المعنى لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس قلت وكذا في الكلام والمشي فأما هيئة اللباس فتختلف باختلاف عادة كل بلد فرب قوم لا يفترق زى نسائهم من رجالهم في اللبس لكن يمتاز النساء بالاحتجاب والاستتار وأما ذم التشبه بالكلام والمشي فمختص بمن تعمد ذلك وأما من كان ذلك من أصل خلقته فإنما يؤمر بتكلف تركه والادمان على ذلك بالتدريج فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم ولا سيما أن بدا منه ما يدل على الرضا به وأخذ هذا واضح من لفظ المتشبهين وإما إطلاق من أطلق كالنووي وأن المخنث الخلقي لا يتجه عليه اللوم فمحمول على ما إذا لم يقدر على ترك التثني والتكسر في المشي والكلام بعد تعاطيه المعالجة لترك ذلك وإلا متى كان ترك ذلك ممكنا ولو بالتدريج فتركه بغير عذر لحقه اللوم واستدل لذلك الطبري بكونه صلى الله عليه وسلم لم يمنع المخنث من الدخول على النساء حتى سمع منه التدقيق في وصف المرأة كما في ثالث أحاديث الباب الذي يليه فمنعه حينئذ فدل على أن لا ذم على ما كان من أصل الخلقة وقال بن التين المراد باللعن في هذا الحديث من تشبه من الرجال بالنساء في الزي ومن تشبه من النساء بالرجال كذلك فأما من انتهى في التشبه بالنساء من الرجال إلى أن يؤتى في دبره وبالرجال من النساء إلى أن تتعاطى السحق بغيرها من النساء فإن لهذين الصنفين من الذم والعقوبة أشد ممن لم يصل إلى ذلك قال وإنما أمر بإخراج من تعاطى ذلك من البيوت كما في الباب الذي يليه لئلا يفضى الأمر بالتشبه إلى تعاطي ذلك الأمر المنكر وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة نفع الله به ما ملخصه ظاهر اللفظ الزجر عن التشبه في كل شيء لكن عرف من الأدلة الأخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات والحركات ونحوها لا التشبه في أمور الخير وقال أيضا اللعن الصادر من النبي صلى الله عليه وسلم على ضربين أحدهما يراد به الزجر عن الشيء الذي وقع اللعن بسببه وهو مخوف فإن اللعن من علامات الكبائر والآخر يقع في حال الحرج وذلك غير مخوف بل هو رحمة في حق من لعنه بشرط أن لا يكون الذي لعنه مستحقا لذلك كما ثبت من حديث بن عباس عند مسلم قال والحكمة في لعن من تشبه إخراجه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء وقد أشار إلى ذلك في لعن الواصلات بقوله المغيرات خلق الله قوله تابعه عمرو قال أخبرنا شعبة يعني بالسند المذكور وقد وصله أبو نعيم في المستخرج من طريق يوسف القاضي قال حدثنا عمرو بن مرزوق به واستدل به على أنه يحرم على الرجل لبس الثوب المكلل باللؤلؤ وهو واضح لورود علامات التحريم وهو لعن من فعل ذلك وأما قول الشافعي ولا أكره للرجل لبس اللؤلؤ إلا لأنه من زى النساء فليس مخالفا لذلك لأن مراده أنه لم يرد في النهي عنه بخصوصه شيء 1 ( قوله باب إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت ) كذا للأكثر وللنسفي باب إخراجهم وكذا عند الإسماعيلي وأبي نعيم

Section V10/P332–V10/P333

5547 قوله حدثنا هشام هو الدستوائي عن يحيى هو بن أبي كثير وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة وهشام جميعا عن قتادة عن عكرمة وكان أبا داود حمل رواية هشام على رواية شعبة فإن رواية شعبة عن قتادة هي باللفظ المذكور في الباب الذي قبله ورواية هشام عن يحيى هي بهذا اللفظ الذي في هذا الباب وقد أخرجه المصنف وأبو داود في السنن كلاهما عن مسلم بن إبراهيم وأخرجه أحمد عن إسماعيل بن علية ويحيى القطان ويزيد بن هارون كلهم عن هشام عن يحيى بن أبي كثير قوله المخنثين من الرجال تأتي الإشارة إلى ضبطه عقب هذا قوله والمترجلات من النساء زاد أبو داود من طريق يزيد بن أبي زياد عن عكرمة فقلت له ما المترجلات من النساء قال المتشبهات بالرجال قوله فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلانا وأخرج عمر فلانة كذا في رواية أبي ذر فلانة بالتأنيث وكذا وقع في شرح بن بطال وللباقين فلانا بالتذكير وكذا عند أحمد وقد أخرج الطبراني وتمام الرازي في فوائده من حديث واثلة مثل حديث بن عباس هذا بتمامه وقال فيه وأخرج النبي صلى الله عليه وسلم أنجشة وأخرج عمر فلانا وأنجشة هو العبد الأسود الذي كان يحدو بالنساء وسيأتي خبره في ذلك في كتاب الأدب وقد تقدم ذكر أسامي من كان في العهد النبوي من المخنثين ولم أقف في شيء من الروايات على تسمية الذي أخرجه عمر إلى أن ظفرت بكتاب لأبي الحسن المدائني سماه كتاب المغربين بمعجمة وراء مفتوحة ثقيلة فوجدت فيه عدة قصص لمن غربهم عمر عن المدينة وسأذكر ذلك في كتاب أواخر الحدود إن شاء الله تعالى 5548 قوله حدثنا زهير هو بن معاوية الجعفي قوله وفي البيت مخنث تقدم ضبطه وتسميته في أواخر كتاب النكاح وشرح الحديث مستوفى وبيان ما وقع هنا من كلام البخاري من شرح قوله تقبل بأربع وتدبر بثمان وقوله في آخر الحديث لا يدخلن بضم أوله وتشديد النون هؤلاء عليكن كذا للأكثر وهو الوجه وفي رواية المستملي والسرخسي عليكم بصيغة جمع المذكر ويوجه بأنه جمع مع النساء المخاطبات بذلك من يلوذ بهن من صبي ووصيف فجاء التغليب وقد تفتح التحتانية أوله مخففا ومثقلا وفي هذه الأحاديث مشروعية إخراج كل من يحصل به التأذي للناس عن مكانه إلى أن يرجع عن ذلك أو يتوب 1 ( قوله باب قص الشارب )

Section V10/P333–V10/P334

هذه الترجمة وما بعدها إلى آخر كتاب اللباس لها تعلق باللباس من جهة الاشتراك في الزينة فذكر أولا التراجم المتعلقة بالشعور وما شاكلها وثانيا المتعلقة بالتطيب وثالثا المتعلقة بتحسين الصورة ورابعا المتعلقة بالتصاوير لأنها قد تكون في الثياب وختم بما يتعلق بالارتداف وتعلقه به خفي وتعلقه بكتاب الأدب الذي يليه ظاهر والله أعلم وأصل القص تتبع الأثر وقيده بن سيده في المحكم بالليل والقص أيضا إيراد الخبر تاما على من لم يحضره ويطلق أيضا على قطع شيء من شيء بآلة مخصوصة والمراد به هنا قطع الشعر النابت على الشفة العليا من غير استئصال وكذا قص الظفر أخذ أعلاه من غير استئصال قوله وكان بن عمر كذا لأبي ذر والنسفي وهو المعتمد ووقع للباقين وكان عمر قلت وهو خطأ فإن المعروف عن عمر أنه كان يوفر شاربه قوله يحفي شاربه بالحاء المهملة والفاء ثلاثيا ورباعيا من الإحفاء أو الحفو والمراد الازالة قوله حتى يرى بياض الجلد وصله أبو بكر الأثرم من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه قال رأيت بن عمر يحفي شاربه حتى لا يترك منه شيئا وأخرج الطبري من طريق عبد الله بن أبي عثمان رأيت بن عمر يأخذ من شاربه أعلاه وأسفله وهذا يرد تأويل من تأول في أثر بن عمر أن المراد به إزالة ما على طرف الشفة فقط قوله ويأخذ هذين يعني بين الشارب واللحية كذا وقع في التفسير في الأصل وقد ذكره رزين في جامعه من طريق نافع عن بن عمر جازما بالتفسير المذكور وأخرج البيهقي نحوه وقوله بين كذا للجميع إلا أن عياضا ذكر أن محمد بن أبي صفرة رواه بلفظ من التي للتبعيض والأول هو المعتمد

Section V10/P334–V10/P335

5549 قوله حدثنا المكي بن إبراهيم عن حنظلة عن نافع قال أصحابنا عن المكي عن بن عمر كذا للجميع والمعنى أن شيخه مكي بن إبراهيم حدثه به عن حنظلة وهو بن أبي سفيان الجمحي عن نافع عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا لم يذكر بن عمر في السند وحدث به غير البخاري عن مكي موصولا بذكر بن عمر فيه وهو المراد بقول البخاري قال أصحابنا هذا هو المعتمد وبهذا جزم شيخنا بن الملقن رحمه الله لكن قال ظهر لي أنه موقوف على نافع في هذه الطريق وتلقى ذلك من الحميدي فإنه جزم بذلك في الجمع وهو محتمل وأما الكرماني فزعم أن الرواية الثانية منقطعة لم يذكر فيها بين مكي وبن عمر أحدا فقال المعنى أن البخاري قال روى أصحابنا الحديث منقطعا فقالوا حدثنا مكي عن بن عمر فطرحوا ذكر الراوي الذي بينهما كذا قال وهو وأن كان ظاهر ما أورد البخاري لكن تبين من كلام الأئمة أنه موصول بين مكي وبن عمر وقال الزركشي هذا الموضع مما يجب أن يعتني به الناظر وهو ماذا الذي أراد بقوله قال أصحابنا عن المكي عن بن عمر فيحتمل أنه رواه مرة عن شيخه مكي عن نافع مرسلا ومرة عن أصحابه عن مكي مرفوعا عن بن عمر ويحتمل أن بعضهم نسب الراوي عن بن عمر إلى أنه المكي اه وهذا الثاني هو الذي جزم به الكرماني وهو مردود ثم قال الزركشي ويشهد للأول أن البخاري ربما روى عن المكي بالواسطة كما تقدم في البيوع ووقع له في كتابه نظائر لذلك منها ما سيأتي قريبا في باب الجعد حيث قال حدثنا مالك بن إسماعيل فذكر حديثا ثم قال في آخره قال بعض أصحابي عن مالك بن إسماعيل فذكر زيادة في المتن ونظيره في الاستئذان في باب قوله قوموا إلى سيدكم قلت وهو قوله حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة فذكر حديثا وقال في آخره أفهمني بعض أصحابي عن أبي الوليد فذكر كلمة في المتن وقريب منه ما سبق في المناقب في ذكر أسامة بن زيد حيث قال حدثنا سليمان بن عبد الرحمن فذكر حديثا وقال في آخره حدثني بعض أصحابنا عن سليمان فذكر زيادة في المتن أيضا قلت والفرق بين هذه المواضع وبين حديث الباب أن الاختلاف في الباب وقع في الوصل والارسال والاختلاف في غيره وقع بالزيادة في المتن لكن اشترك الجميع في مطلق الاختلاف والله أعلم وقد أورد البخاري الحديث المذكور في الباب الذي يليه من طريق إسحاق بن سليمان عن حنظلة موصولا مرفوعا لكنه نزل فيه درجة وطريق مكي وقعت لنا في مسند بن عمر لأبي أمية الطرسوسي قال حدثنا مكي بن إبراهيم فذكره موصولا مرفوعا وزاد فيه بعد قوله قص الشارب والظفر وحلق العانة وكذا أخرجه البيهقي في الشعب من وجه آخر عن مكي قلت وهذا الحديث أغفله المزي في الأطراف فلم يذكره في ترجمة حنظلة عن نافع عن بن عمر لا من طريق مكي ولا من طريق إسحاق بن سليمان ثم بعد أن كتب هذا ذكر لي محدث حلب الشيخ برهان الدين الحلبي أن شيخنا البلقيني قال له القائل قال أصحابنا هو البخاري والمراد بالمكي حنظلة بن أبي سفيان الجمحي فإنه مكي قال والسندان متصلان وموضع الاختلاف بيان أن مكي بن إبراهيم لما حدث به البخاري سمى حنظلة وأما أصحاب البخاري فلما رووه له عن حنظلة لم يسموه بل قالوا عن المكي قال فالسند الأول مكي عن حنظلة عن نافع عن بن عمر والثاني أصحابنا عن المكي عن نافع عن بن عمر ثم قال وفي فهم ذلك صعوبة وكأنه كان يتبجح بذلك ولقد صدق فيما ذكر من الصعوبة ومقتضاه أن يكون عند البخاري جماعة لقوا حنظلة وليس كذلك فإن الذي سمع من حنظلة هذا الحديث لا يحدث البخاري عنه إلا بواسطة وهو إسحاق بن سليمان الرازي وكانت وفاته قبل طلب البخاري الحديث قال بن سعد مات سنة تسع وتسعين ومائة وقال بن نافع وبن حبان مات سنة مائتين وقد أفصح أبو مسعود في الأطراف بالمراد فقال في ترجمة حنظلة عن نافع عن بن عمر حديث من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظافر وقص الشارب خ في اللباس عن أحمد بن أبي رجاء عن إسحاق بن سليمان عن حنظلة عن نافع عن بن عمر وعن مكي بن إبراهيم عن حنظلة عن نافع قال وقال أصحابنا عن مكي عن حنظلة عن نافع عن بن عمر فصرح بأن مراد البخاري بقوله عن المكي المكي بن إبراهيم وأن مراده بقوله عن بن عمر بالسند المذكور وهو عن حنظلة عن نافع عنه والحاصل أنه كما قدمته أن مكي بن إبراهيم لما حدث به البخاري أرسله ولما حدث به غير البخاري وصله فحكى البخاري ذلك ثم ساقه موصولا من طريق إسحاق بن سليمان

Section V10/P335–V10/P348

5550 قوله حدثنا علي هو بن المديني وبذلك جزم المزي قوله الزهري حدثنا هو من تقديم الراوي على الصيغة وهو سائغ وقد رواه الحميدي عن سفيان قال سمعت الزهري أخرجه أبو عوانة وأبو نعيم في مستخرجيهما من طريقه ورواه أحمد عن سفيان عن الزهري بالعنعنة وكذا أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغير واحد وأبو داود عن مسدد كلهم عن سفيان قوله عن أبي هريرة رواية هي كناية عن قول الراوي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نحوها وقد وقع في رواية مسدد يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أحمد في روايته أن سفيان كان تارة يكنى وتارة يصرح وقد تقرر في علوم الحديث أن قول الراوي رواية أو يرويه أو يبلغ به ونحو ذلك محمول على الرفع وسيأتي في الباب الذي يليه من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري بلفظ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقع في رواية محمد بن أبي حفصة عن الزهري زيادة أبي سلمة مع سعيد بن المسيب في السند أخرجه أبو الشيخ قوله الفطرة خمس أو خمس من الفطرة كذا وقع هنا ولمسلم وأبي داود بالشك وهو من سفيان ووقع في رواية أحمد خمس من الفطرة ولم يشك وكذا في رواية معمر عن الزهري عند الترمذي والنسائي ووقع في رواية إبراهيم بن سعد بالعكس كما في الباب الذي يليه بلفظ الفطرة خمس وكذا في رواية يونس بن يزيد عن الزهري عند مسلم والنسائي وهي محمولة على الأولى قال بن دقيق العيد دلالة من على التبعيض فيه أظهر من دلالة هذه الرواية على الحصر وقد ثبت في أحاديث أخرى زيادة على ذلك فدل على أن الحصر فيها غير مراد واختلف في النكتة في الإتيان بهذه الصيغة فقيل برفع الدلالة وأن مفهوم العدد ليس بحجة وقيل بل كان أعلم أولا بالخمس ثم أعلم بالزيادة وقيل بل الاختلاف في ذلك بحسب المقام فذكر في كل موضع اللائق بالمخاطبين وقيل أريد بالحصر المبالغة لتأكيد أمر الخمس المذكورة كما حمل عليه قوله الدين النصيحة والحج عرفة ونحو ذلك ويدل على التأكيد ما أخرجه الترمذي والنسائي من حديث زيد بن أرقم مرفوعا من لم يؤخذ شاربه فليس منا وسنده قوي وأخرج أحمد من طريق يزيد بن عمرو المعافري نحوه وزاد فيه حلق العانة وتقليم الأظافر وسيأتي في الكلام على الختان دليل من قال بوجوبه وذكر بن العربي أن خصال الفطرة تبلغ ثلاثين خصلة فإذا أراد خصوص ما ورد بلفظ الفطرة فليس كذلك وإن أراد أعم من ذلك فلا تنحصر في الثلاثين بل تزيد كثيرا وأقل ما ورد في خصال الفطرة حديث بن عمر المذكور قبل فإنه لم يذكر فيه إلا ثلاثا وسيأتي في الباب الذي يليه أنه ورد بلفظ الفطرة وبلفظ من الفطرة وأخرج الإسماعيلي في رواية له بلفظ ثلاث من الفطرة وأخرجه في رواية أخرى بلفظ من الفطرة فذكر الثلاث وزاد الختان ولمسلم من حديث عائشة عشر من الفطرة فذكر الخمسة التي في حديث أبي هريرة إلا الختان وزاد إعفاء اللحية والسواك والمضمضة والاستنشاق وغسل البراجم والاستنجاء أخرجه من رواية مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب عن عبد الله بن الزبير عنها لكن قال في آخره إن الراوي نسي العاشرة إلا أن تكون المضمضة وقد أخرجه أبو عوانة في مستخرجه بلفظ عشرة من السنة وذكر الاستنثار بدل الاستنشاق وأخرج النسائي من طريق سليمان التيمي قال سمعت طلق بن حبيب يذكر عشرة من الفطرة فذكر مثله إلا أنه قال وشككت في المضمضة وأخرجه أيضا من طريق أبي بشر عن طلق قال من السنة عشر فذكر مثله إلا أنه ذكر الختان بدل غسل البراجم ورجح النسائي الرواية المقطوعة على الموصولة المرفوعة والذي يظهر لي أنها ليست بعلة فادحة فإن راويها مصعب بن شيبة وثقة بن معين والعجلي وغيرهما ولينه أحمد وأبو حاتم وغيرهما فحديثه حسن وله شواهد في حديث أبي هريرة وغيره فالحكم بصحته من هذه الحيثية سائغ وقول سليمان التيمي سمعت طلق بن حبيب يذكر عشرا من الفطرة يحتمل أن يريد أنه سمعه يذكرها من قبل نفسه على ظاهر ما فهمه النسائي ويحتمل أن يريد أنه سمعه يذكرها وسندها فحذف سليمان السند وقد أخرج أحمد وأبو داود وبن ماجة من حديث عمار بن ياسر مرفوعا نحو حديث عائشة قال من الفطرة المضمضة والاستنشاق والسواك وغسل البراجم والانتضاح وذكر الخمس التي في حديث أبي هريرة ساقه بن ماجة وأما أبو داود فأحال به على حديث عائشة ثم قال وروى نحوه عن بن عباس وقال خمس في الرأس وذكر منها الفرق ولم يذكر إعفاء اللحية قلت كأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره والطبري من طريقه بسند صحيح عن طاوس عن بن عباس في قوله تعالى وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال ابتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد قلت فذكر مثل حديث عائشة كما في الرواية التي قدمتها عن أبي عوانة سواء ولم يشك في المضمضة وذكر أيضا الفرق بدل إعفاء اللحية وأخرجه بن أبي حاتم من وجه آخر عن بن عباس فذكر غسل الجمعة بدل الاستنجاء فصار مجموع الخصال التي وردت في هذه الأحاديث خمس عشرة خصلة اقتصر أبو شامة في كتاب السواك وما أشبه ذلك منها على اثني عشر وزاد النووي واحدة في شرح مسلم وقد رأيت قبل الخوض في شرح الخمس الواردة في الحديث المتفق عليه أن أشير إلى شرح العشر الزائدة عليها فأما الوضوء والاستنشاق والاستنثار والاستنجاء والسواك وغسل الجمعة فتقدم شرحها في كتاب الطهارة وأما إعفاء اللحية فيأتي في الباب الذي يليه وأما الفرق فيأتي بعد أبواب وأما غسل البراجم فهو بالموحدة والجيم جمع برجمة بضمتين وهي عقد الأصابع التي في ظهر الكف قال الخطابي هي المواضع التي تتسخ ويجتمع فيها الوسخ ولا سيما ممن لا يكون طري البدن وقال الغزالي كانت العرب لا تغسل اليد عقب الطعام فيجتمع في تلك الغضون وسخ فأمر بغسلها قال النووي وهي سنة مستقلة ليست مختصة بالوضوء يعني أنها يحتاج إلى غسلها في الوضوء والغسل والتنظيف وقد ألحق بها إزالة ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن وقعر الصماخ فإن في بقائه إضرارا بالسمع وقد أخرج بن عدي من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتعاهد البراجم عند الوضوء لأن الوسخ إليها سريع وللترمذي الحكيم من حديث عبد الله بن بشر رفعه قصوا أظفاركم وادفنوا قلاماتكم ونقوا براجمكم وفي سنده راو مجهول ولأحمد من حديث بن عباس أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال ولم لا يبطئ عني وأنتم لا تستنون أي لا تستاكون ولا تقصون شواربكم ولا تنقون رواجبكم والرواجب جمع راجبة بجيم وموحدة قال أبو عبيد البراجم والرواجب مفاصل الأصابع كلها وقال بن سيده البرجمة المفصل الباطن عند بعضهم والرواجب بواطن مفاصل أصول الأصابع وقيل قصب الأصابع وقيل هي ظهور السلاميات وقيل ما بين البراجم من السلاميات وقال بن الأعرابي الراجبة البقعة الملساء التي بين البراجم والبراجم المسبحات من مفاصل الأصابع وفي كل إصبع ثلاث برجمات إلا الإبهام فلها برجمتان وقال الجوهري الرواجب مفاصل الأصابع اللاتي تلي الأنامل ثم البراجم ثم الأشاجع اللاتي على الكف وقال أيضا الرواجب رؤوس السلاميات من ظهر الكف إذا قبض القابض كفه نشزت وارتفعت والأشاجع أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف واحدها أشجع وقيل هي عروق ظاهر الكف وأما الانتضاح فقال أبو عبيد الهروي هو أن يأخذ قليلا من الماء فينضح به مذاكيره بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس وقال الخطابي انتضاح الماء الاستنجاء به وأصله من النضح وهو الماء القليل فعلى هذا هو والاستنجاء خصلة واحدة وعلى الأول فهو غيره ويشهد له ما أخرجه أصحاب السنن من رواية الحكم بن سفيان الثقفي أو سفيان بن الحكم عن أبيه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثم أخذ حفنة من ماء فانتضح بها وأخرج البيهقي من طريق سعيد بن جبير أن رجلا أتى بن عباس فقال إني أجد بللا إذا قمت أصلي فقال له بن عباس انضح بماء فإذا وجدت من ذلك شيئا فقل هو منه وأما الخصال الواردة في المعنى لكن لم يرد التصريح فيها بلفظ الفطرة فكثيرة منها ما أخرجه الترمذي من حديث أبي أيوب رفعه أربع من سنن المرسلين الحياء والتعطر والسواك والنكاح واختلف في ضبط الحياء فقيل بفتح المهملة والتحتانية الخفيفة وقد ثبت في الصحيحين أن الحياء من الإيمان وقيل هي بكسر المهملة وتشديد النون فعلى الأول خصلة معنوية تتعلق بتحسين الخلق وعلى الثاني هي خصلة حسية تتعلق بتحسين البدن وأخرج البزار والبغوي في معجم الصحابة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول من طريق فليح بن عبد الله الخطمي عن أبيه عن جده رفعه خمس من سنن المرسلين فذكر الأربعة المذكورة الا النكاح وزاد الحلم والحجامة والحلم بكسر المهملة وسكون اللام وهو مما يقوي الضبط الأول في حديث أبي أيوب وإذا تتبع ذلك من الأحاديث كثر العدد كما أشرت إليه والله أعلم ويتعلق بهذه الخصال مصالح دينية ودنيوية تدرك بالتتبع منها تحسين الهيئة وتنظيف البدن جملة وتفصيلا والاحتياط للطهارتين والإحسان إلى المخالط والمقارن بكف ما يتأذى به من رائحة كريهة ومخالفة شعار الكفار من المجوس واليهود والنصارى وعباد الأوثان وامتثال أمر الشارع والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى وصوركم فأحسن صوركم لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك وكأنه قيل قد حسنت صوركم فلا تشوهوها بما يقبحها أو حافظوا على ما يستمر به حسنها وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة وعلى التآلف المطلوب لأن الإنسان إذا بدا في الهيئة الجميلة كان أدعى لانبساط النفس إليه فيقبل قوله ويحمد رأيه والعكس بالعكس وأما شرح الفطرة فقال الخطابي ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد بالفطرة هنا السنة وكذا قاله غيره قالوا والمعنى أنها من سنن الأنبياء وقالت طائفة المعنى بالفطرة الدين وبه جزم أبو نعيم في المستخرج وقال النووي في شرح المهذب جزم الماوردي والشيخ أبو إسحاق بأن المراد بالفطرة في هذا الحديث الدين واستشكل بن الصلاح ما ذكره الخطابي وقال معنى الفطرة بعيد من معنى السنة لكن لعل المراد أنه على حذف مضاف أي سنة الفطرة وتعقبه النووي بأن الذي نقله الخطابي هو الصواب فإن في صحيح البخاري عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من السنة قص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظفار قال وأصح ما فسر الحديث بما جاء في رواية أخرى لا سيما في البخاري اه وقد تبعه شيخنا بن الملقن على هذا ولم أر الذي قاله في شيء من نسخ البخاري بل الذي فيه من حديث بن عمر بلفظ الفطرة وكذا من حديث أبي هريرة نعم وقع التعبير بالسنة موضع الفطرة في حديث عائشة عند أبي عوانة في رواية وفي أخرى بلفظ الفطرة كما في رواية مسلم والنسائي وغيرهما وقال الراغب أصل الفطر بفتح الفاء الشق طولا ويطلق على الوهي وعلى الاختراع وعلى الايجاد والفطرة الايجاد على غير مثال وقال أبو شامة أصل الفطرة الخلقة المبتدأة ومنه فاطر السماوات والأرض أي المبتدئ خلقهن وقوله صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة أي على ما ابتدأ الله خلقه عليه وفيه إشارة إلى قوله تعالى فطرة الله التي فطر الناس عليها والمعنى أن كل أحد لو ترك من وقت ولادته وما يؤديه إليه نظره لأداه إلى الدين الحق وهو التوحيد ويؤيده قوله تعالى قبلها فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله واليه يشير في بقية الحديث حيث عقبة بقوله فأبواه يهودانه وينصرانه والمراد بالفطرة في حديث الباب أن هذه الأشياء إذا فعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها وحثهم عليها واستحبها لهم ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها صورة اه وقد رد القاضي البيضاوي الفطرة في حديث الباب إلى مجموع ما ورد في معناها وهو الاختراع والجبلة والدين والسنة فقال هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء واتفقت عليها الشرائع وكأنها أمر جبلي فطروا عليها انتهى وسوغ الابتداء بالنكرة في قوله خمس من الفطرة أن قوله خمس صفة موصوف محذوف والتقدير خصال خمس ثم فسرها أو على الإضافة أي خمس خصال ويجوز أن تكون الجملة خبر مبتدأ محذوف والتقدير الذي شرع لكم خمس من الفطرة والتعبير في بعض روايات الحديث بالسنة بدل الفطرة يراد بها الطريقة لا التي تقابل الواجب وقد جزم بذلك الشيخ أبو حامد والماوردي وغيرهما وقالوا هو كالحديث الآخر عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين وأغرب القاضي أبو بكر بن العربي فقال عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين فكيف من جملة المسلمين كذا قال في شرح الموطأ وتعقبه أبو شامة بأن الأشياء التي مقصودها مطلوب لتحسين الخلق وهي النظافة لا تحتاج إلى ورود أمر إيجاب للشارع فيها اكتفاء بدواعي الأنفس فمجرد الندب إليها كاف ونقل بن دقيق العيد عن بعض العلماء أنه قال دل الخبر على أن الفطرة بمعنى الدين والأصل فيما أضيف إلى الشيء أنه منه أن يكون من أركانه لا من زوائده حتى يقوم دليل على خلافه وقد ورد الأمر باتباع إبراهيم عليه السلام وثبت أن هذه الخصال أمر بها إبراهيم عليه السلام وكل شيء أمر الله باتباعه فهو على الوجوب لمن أمر به وتعقب بأن وجوب الأتباع لا يقتضي وجوب كل متبوع فيه بل يتم الأتباع بالامتثال فإن كان واجبا على المتبوع كان واجبا على التابع أو ندبا فندب فيتوقف ثبوت وجوب هذه الخصال على الأمة على ثبوت كونها كانت واجبة على الخليل عليه السلام قوله الختان بكسر المعجمة وتخفيف المثناة مصدر ختن أي قطع وللختن بفتح ثم سكون قطع بعض مخصوص من عضو مخصوص ووقع في رواية يونس عند مسلم الاختتان والختان اسم لفعل الخاتن ولموضع الختان أيضا كما في حديث عائشة إذا التقي الختانان والأول المراد هنا قال الماوردي ختان الذكر قطع الجلدة التي تغطي الحشفة والمستحب أن تستوعب من أصلها عند أول الحشفة وأقل ما يجزئ أن لا يبقى منها ما يتغشى به شيء من الحشفة وقال إمام الحرمين المستحق في الرجال قطع القلفة وهي الجلدة التي تغطي الحشفة حتى لا يبقى من الجلدة شيء متدل وقال بن الصباغ حتى تنكشف جميع الحشفة وقال بن كج فيما نقله الرافعي يتأدى الواجب بقطع شيء مما فوق الحشفة وأن قل بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها قال النووي وهو شاذ والأول هو المعتمد قال الإمام والمستحق من ختان المرأة ما ينطلق عليه الاسم قال الماوردي ختانها قطع جلدة تكون في أعلى فرجها فوق مدخل الذكر كالنواة أو كعرف الديك والواجب قطع الجلدة المستعلية منه دون استئصاله وقد أخرج أبو داود من حديث أم عطية أن امرأة كانت تختن بالمدينة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم لا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وقال أنه ليس بالقوي قلت وله شاهدان من حديث أنس ومن حديث أم أيمن عند أبي الشيخ في كتاب العقيقة وآخر عن الضحاك بن قيس عند البيهقي قال النووي ويسمى ختان الرجل اعذارا بذال معجمة وختان المرأة خفضا بخاء وضاد معجمتين وقال أبو شامة كلام أهل اللغة يقتضي تسمية الكل اعذارا والخفض يختص بالأنثى قال أبو عبيدة عذرت الجارية والغلام وأعذرتهما ختنتهما وأختنتهما وزنا ومعنى قال الجوهري والأكثر خفضت الجارية قال وتزعم العرب أن الغلام إذا ولد في القمر فسخت قلفته أي اتسعت فصار كالمختون وقد استحب العلماء من الشافعية فيمن ولد مختونا أن يمر بالموسى على موضع الختان من غير قطع قال أبو شامة وغالب من يولد كذلك لا يكون ختانه تاما بل يظهر طرف الحشفة فإن كان كذلك وجب تكميله وأفاد الشيخ أبو عبد الله بن الحاج في المدخل أنه اختلف في النساء هل يخفضن عموما أو يفرق بين نساء المشرق فيخفضن ونساء المغرب فلا يخفضن لعدم الفضلة المشروع قطعها منهن بخلاف نساء المشرق قال فمن قال أن من ولد مختونا استحب امرار الموسى على الموضع امتثالا للأمر قال في حق المرأة كذلك ومن لا فلا وقد ذهب إلى وجوب الختان دون باقي الخصال الخمس المذكورة في الباب الشافعي وجمهور أصحابه وقال به من القدماء عطاء حتى قال لو أسلم الكبير لم يتم إسلامه حتى يختن وعن أحمد وبعض المالكية يجب وعن أبي حنيفة واجب وليس بفرض وعنه سنة يأثم بتركه وفي وجه للشافعية لا يجب في حق النساء وهو الذي أورده صاحب المغني عن أحمد وذهب أكثر العلماء وبعض الشافعية إلى أنه ليس بواجب ومن حجتهم حديث شداد بن أوس رفعه الختان سنة للرجال مكرمة للنساء وهذا لا حجة فيه لما تقرر أن لفظ السنة إذا ورد في الحديث لا يراد به التي تقابل الواجب لكن لما وقعت التفرقة بين الرجال والنساء في ذلك دل على أن المراد افتراق الحكم وتعقب بأنه لم ينحصر في الوجوب فقد يكون في حق الذكور آكد منه في حق النساء أو يكون في حق الرجال للندب وفي حق النساء للإباحة على أن الحديث لا يثبت لأنه من رواية حجاج بن أرطاة ولا يحتج به أخرجه أحمد والبيهقي لكن له شاهد أخرجه الطبراني في مسند الشاميين من طريق سعيد بن بشر عن قتادة عن جابر بن زيد عن بن عباس وسعيد مختلف فيه وأخرجه أبو الشيخ والبيهقي من وجه آخر عن بن عباس وأخرجه البيهقي أيضا من حديث أبي أيوب واحتجوا أيضا بأن الخصال المنتظمة مع الختان ليست واجبة إلا عند بعض من شذ فلا يكون الختان واجبا وأجيب بأنه لا مانع أن يراد بالفطرة وبالسنة في الحديث القدر المشترك الذي يجمع الوجوب والندب وهو الطلب المؤكد فلا يدل ذلك على عدم الوجوب ولا ثبوته فيطلب الدليل من غيره وأيضا فلا مانع من جمع المختلفي الحكم بلفظ أمر واحد كما في قوله تعالى كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده فإيتاء الحق واجب والأكل مباح هكذا تمسك به جماعة وتعقبه الفاكهاني في شرح العمدة فقال الفرق بين الآية والحديث أن الحديث تضمن لفظة واحدة استعملت في الجميع فتعين أن يحمل على أحد الأمرين الوجوب أو الندب بخلاف الآية فإن صيغة الأمر تكررت فيها والظاهر الوجوب فصرف في أحد الأمرين بدليل وبقي الآخر على الأصل وهذا التعقب إنما يتم على طريقة من يمنع استعمال اللفظ الواحد في معنيين وأما من يجيزه كالشافعية فلا يرد عليهم واستدل من أوجب الاختتان بأدلة الأول أن القلفة تحبس النجاسة فتمنع صحة الصلاة كمن أمسك نجاسة بفمه وتعقب بأن الفم في حكم الظاهر بدليل أن وضع المأكول فيه لا يفطر به الصائم بخلاف داخل القلفة فإنه في حكم الباطن وقد صرح أبو الطيب الطبري بأن هذا القدر عندنا مغتفر الثاني ما أخرجه أبو داود من حديث كليب جد عثيم بن كثير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ألق عنك شعر الكفر واختتن مع ما تقرر أن خطابه للواحد يشمل غيره حتى يقوم دليل الخصوصية وتعقب بأن سند الحديث ضعيف وقد قال بن المنذر لا يثبت فيه شيء الثالث جواز كشف العورة من المختون وسيأتي أنه إنما يشرع لمن بلغ أو شارف البلوغ وجواز نظر الخاتن إليها وكلاهما حرام فلو لم يجب لما أبيح ذلك وأقدم من نقل عنه الاحتجاج بهذا أبو العباس بن سريج نقله عنه الخطابي وغيره وذكر النووي أنه رآه في كتاب الودائع المنسوب لابن سريج قال ولا أظنه يثبت عنه قال أبو شامة وقد عبر عنه جماعة من المصنفين بعده بعبارات مختلفة كالشيخ أبي حامد والقاضي الحسين وأبي الفرج السرخسي والشيخ في المهذب وتعقبه عياض بأن كشف العورة مباح لمصلحة الجسم والنظر إليها يباح للمداواة وليس ذلك واجبا إجماعا وإذا جاز في المصلحة الدنيوية كان في المصلحة الدينية أولى وقد استشعر القاضي حسين هذا فقال فإن قيل قد يترك الواجب لغير الواجب كترك الانصات للخطبة بالتشاغل بركعتي التحية وكترك القيام في الصلاة لسجود التلاوة وكشف العورة للمداواة مثلا وأجاب عن الأولين ولم يجب عن الثالث وأجاب النووي بأن كشف العورة لا يجوز لكل مداواة فلا يتم المراد وقوى أبو شامة الإيراد بأنهم جوزوا الغاسل الميت أن يحلق عانة الميت ولا يتأتى ذلك للغاسل الا بالنظر واللمس وهما حرامان وقد أجيزا لأمر مستحب الرابع احتج أبو حامد وأتباعه كالماوردي بأنه قطع عضو لا يستخلف من الجسد تعبدا فيكون واجبا كقطع اليد في السرقة وتعقب بأن قطع اليد إنما أبيح في مقابلة جرم عظيم فلم يتم القياس الخامس قال الماوردي في الختان إدخال ألم عظيم على النفس وهو لا يشرع إلا في إحدى ثلاث خصال لمصلحة أو عقوبة أو وجوب وقد انتفى الاولان فثبت الثالث وتعقبه أبو شامة بأن في الختان عدة مصالح كمزيد الطهارة والنظافة فإن القلفة من المستقذرات عند الحرب وقد كثر ذم الأقلف في أشعارهم وكان للختان عندهم قدر وله وليمة خاصة به وأقر الإسلام ذلك السادس قال الخطابي محتجا بأن الختان واجب بأنه من شعار الدين وبه يعرف المسلم من الكافر حتى لو وجد مختون بين جماعة قتلى غير مختونين صلى عليه ودفن في مقابر المسلمين وتعقبه أبو شامة بأن شعار الدين ليست كلها واجبة وما ادعاه في المقتول مردود لأن اليهود وكثيرا من النصارى يختنون فليقيد ما ذكر بالقرينة قلت قد بطل دليله السابع قال البيهقي أحسن الحجج أن يحتج بحديث أبي هريرة الذي في الصحيحين مرفوعا أختتن إبراهيم وهو بن ثمانين سنة بالقدوم وقد قال الله تعالى ثم أوحينا إليك أن أتبع ملة إبراهيم وصح عن بن عباس أن الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم فأتمهن هي خصال الفطرة ومنهن الختان والابتلاء غالبا إنما يقع بما يكون واجبا وتعقب بأنه لا يلزم ما ذكر إلا إن كان إبراهيم عليه السلام فعله على سبيل الوجوب فإنه من الجائز أن يكون فعله على سبيل الندب فيحصل امتثال الأمر باتباعه على وفق ما فعل وقد قال الله تعالى في حق نبيه محمد واتبعوه لعلكم تهتدون وقد تقرر في الأصول أن أفعاله بمجردها لا تدل على الوجوب وأيضا فباقي الكلمات العشر ليست واجبة وقال الماوردي إن إبراهيم عليه السلام لا يفعل ذلك في مثل سنه إلا عن أمر من الله اه وما قاله بحثا قد جاء منقولا فأخرج أبو الشيخ في العقيقة من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه أن إبراهيم عليه السلام أمر أن يختتن وهو حينئذ بن ثمانين سنة فعجل واختتن بالقدوم فاشتد عليه الوجع فدعا ربه فأوحى الله إليه إنك عجلت قبل أن نأمرك بآلته قال يا رب كرهت أن أؤخر أمرك قال الماوردي القدوم جاء مخففا ومشددا وهو الفأس الذي اختتن به وذهب غيره إلى أن المراد به مكان يسمى القدوم وقال أبو عبيد الهروي في الغريبين يقال هو كان مقيله وقيل اسم قرية بالشام وقال أبو شامة هو موضع بالقرب من القرية التي فيها قبره وقيل بقرب حلب وجزم غير واحد أن الآلة بالتخفيف وصرح بن السكيت بأنه لا يشدد واثبت بعضهم الوجهين في كل منهما وقد تقدم بعض هذا في شرح الحديث المذكور في ذكر إبراهيم عليه السلام من أحاديث الأنبياء ووقع عند أبي الشيخ من طريق أخرى أن إبراهيم لما اختتن كان بن مائة وعشرين سنة وأنه عاش بعد ذلك إلى أن أكمل مائتي سنة والأول أشهر وهو أنه اختتن وهو بن ثمانين وعاش بعدها أربعين والغرض أن الاستدلال بذلك متوقف كما تقدم على أنه كان في حق إبراهيم عليه السلام واجبا فإن ثبت ذلك استقام الاستدلال به وإلا فالنظر باق واختلف في الوقت الذي يشرع فيه الختان قال الماوردي له وقتان وقت وجوب ووقت استحباب فوقت الوجوب البلوغ ووقت الاستحباب قبله والاختيار في اليوم السابع من بعد الولادة وقيل من يوم الولادة فإن أخر ففي الأربعين يوما فإن أخر ففي السنة السابعة فإن بلغ وكان نضوا نحيفا يعلم من حاله أنه إذا اختتن تلف سقط الوجوب ويستحب أن لا يؤخر عن وقت الاستحباب إلا لعذر وذكر القاضي حسين أنه لا يجوز أن يختتن الصبي حتى يصير بن عشر سنين لأنه حينئذ يوم ضربه على ترك الصلاة وألم الختان فوق ألم الضرب فيكون أولى بالتأخير وزيفه النووي في شرح المهذب وقال إمام الحرمين لا يجب قبل البلوغ لأن الصبي ليس من أهل العبادة المتعلقة بالبدن فكيف مع الألم قال ولا يرد وجوب العدة على الصبية لأنه لا يتعلق به تعب بل هو مضي زمان محض وقال أبو الفرج السرخسي في ختان الصبي وهو صغير مصلحة من جهة أن الجلد بعد التمييز يغلظ ويخشن فمن ثم جوز الأئمة الختان قبل ذلك ونقل بن المنذر عن الحسن ومالك كراهة الختان يوم السابع لأنه فعل اليهود وقال مالك يحسن إذا أثغر أي ألقى ثغره وهو مقدم أسنانه وذلك يكون في السبع سنين وما حولها وعن الليث يستحب ما بين سبع سنين إلى عشر سنين وعن أحمد لم أسمع فيه شيئا وأخرج الطبراني في الأوسط عن بن عباس قال سبع من السنة في الصبي يسمى في السابع ويختن الحديث وقد قدمت ذكره في كتاب العقيقة وأنه ضعيف وأخرج أبو الشيخ من طريق الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد عن بن المنكدر أو غيره عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ختن حسنا وحسينا لسبعة أيام قال الوليد فسألت مالكا عنه فقال لا أدري ولكن الختان طهرة فكلما قدمها كان أحب إلي وأخرج البيهقي حديث جابر وأخرج أيضا من طريق موسى بن علي عن أبيه أن إبراهيم عليه السلام ختن إسحاق وهو بن سبعة أيام وقد ذكرت في أبواب الوليمة من كتاب النكاح مشروعية الدعوة في الختان وما أخرجه أحمد من طريق الحسن عن عثمان بن أبي العاص أنه دعي إلى ختان فقال ما كنا نأتي الختان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ندعى له وأخرجه أبو الشيخ من رواية فبين أنه كان ختان جارية وقد نقل الشيخ أبو عبد الله بن الحاج في المدخل أن السنة إظهار ختان الذكر وإخفاء ختان الأنثى والله أعلم قوله والاستحداد بالحاء المهملة استفعال من الحديد والمراد به استعمال الموسى في حلق الشعر من مكان مخصوص من الجسد قيل وفي التعبير بهذه اللفظة مشروعية الكناية عما يستحى منه إذا حصل الإفهام بها وأغنى عن التصريح والذي يظهر أن ذلك من تصرف الرواة وقد وقع في رواية النسائي في حديث أبي هريرة هذا التعبير بحلق العانة وكذا في حديث عائشة وأنس المشار إليهما من قبل عند مسلم قال النووي المراد بالعانة الشعر الذي فوق ذكر الرجل وحواليه وكذا الشعر الذي حوالي فرج المرأة ونقل عن أبي العباس بن سريج أنه الشعر النابت حول حلقة الدبر فتحصل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وحولهما قال وذكر الحلق لكونه هو الأغلب وإلا فيجوز الازالة بالنورة والنتف وغيرهما وقال أبو شامة العانة الشعر النابت على الركب بفتح الراء والكاف وهو ما انحدر من البطن فكان تحت الثنية وفوق الفرج وقيل لكل فخذ ركب وقيل ظاهر الفرج وقيل الفرج بنفسه سواء كان من رجل أو امرأة قال ويستحب إماطة الشعر عن القبل والدبر بل هو من الدبر أولى خوفا من أن يعلق شيء من الغائط فلا يزيله المستنجي إلا بالماء ولا يتمكن من إزالته بالاستجمار قال ويقوم التنور مكان الحلق وكذلك النتف والقص وقد سئل أحمد عن أخذ العانة بالمقراض فقال أرجو أن يجزئ قيل فالنتف قال وهل يقوى على هذا أحد وقال بن دقيق العيد قال أهل اللغة العانة الشعر النابت على الفرج وقيل هو منبت الشعر قال وهو المراد في الخبر وقال أبو بكر بن العربي شعر العانة أولى الشعور بالازالة لأنه يكشف ويتلبد فيه الوسخ بخلاف شعر الإبط قال وأما حلق ما حول الدبر فلا يشرع وكذا قال الفاكهي في شرح العمدة أنه لا يجوز كذا قال ولم يذكر للمنع مستندا والذي استند إليه أبو شامة قوي بل ربما تصور الوجوب في حق من تعين ذلك في حقه كمن لم يجد من الماء إلا القليل وأمكنه أن لو حلق الشعر أن لا يعلق به شيء من الغائط يحتاج معه إلى غسله وليس معه ماء زائد على قدر الاستنجاء وقال بن دقيق العيد كأن الذي ذهب إلى استحباب حلق ما حول الدبر ذكره بطريق القياس قال والأولى في إزالة الشعر هنا الحلق اتباعا ويجوز النتف بخلاف الإبط فإنه بالعكس لأنه تحتبس تحته الأبخرة بخلاف العانة والشعر من الإبط بالنتف يضعف وبالحلق يقوى فجاء الحكم في كل من الموضعين بالمناسب وقال النووي وغيره السنة في إزالة شعر العانة الحلق بالموسى في حق الرجل والمرأة معا وقد ثبت الحديث الصحيح عن جابر في النهي عن طروق النساء ليلا حتى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة وقد تقدم شرحه في النكاح لكن يتأدى أصل السنة بالإزالة بكل مزيل وقال النووي أيضا والأولى في حق الرجل الحلق وفي حق المرأة النتف واستشكل بأن فيه ضررا على المرأة بالألم وعلى الزوج باسترخاء المحل فإن النتف يرخي المحل باتفاق الأطباء ومن ثم قال بن دقيق العيد أن بعضهم مال إلى ترجيح الحلق في حق المرأة لأن النتف يرخي المحل لكن قال بن العربي أن كانت شابة فالنتف في حقها أولى لأنه يربو مكان النتف وأن كانت كهلة فالأولى في حقها الحلق لأن النتف يرخي المحل ولو قيل الأولى في حقها التنور مطلقا لما كان بعيدا وحكى النووي في وجوب الإزالة عليها إذا طلب ذلك منها وجهين أصحهما الوجوب ويفترق الحكم في نتف الإبط وحلق العانة أيضا بأن نتف الإبط وحلقه يجوز أن يتعاطاه الأجنبي بخلاف حلق العانة فيحرم إلا في حق من يباح له المس والنظر كالزوج والزوجة وأما التنور فسئل عنه أحمد فأجازه وذكر أنه يفعله وفيه حديث عن أم سلمة أخرجه بن ماجة والبيهقي ورجاله ثقات ولكنه أعله بالإرسال وأنكر أحمد صحته ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا طلى ولى عانته بيده ومقابله حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتنور وكان إذا كثر شعره حلقة ولكن سنده ضعيف جدا قوله ونتف الإبط في رواية الكشميهني الآباط بصيغة الجمع والإبط بكسر الهمزة والموحدة وسكونها وهو المشهور وصوبه الجواليقي وهو يذكر ويؤنث وتأبط الشيء وضعه تحت إبطه والمستحب البداءة فيه باليمنى ويتأدى أصل السنة بالحلق ولا سيما من يؤلمه النتف وقد أخرج بن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن يونس بن عبد الأعلى قال دخلت على الشافعي ورجل يحلق إبطه فقال أني علمت أن السنة النتف ولكن لا أقوى على الوجع قال الغزالي هو في الابتداء موجع ولكن يسهل على من اعتاده قال والحلق كاف لأن المقصود النظافة وتعقب بأن الحكمة في نتفه أنه محل للرائحة الكريهة وإنما ينشأ ذلك من الوسخ الذي يجتمع بالعرق فيه فيتلبد ويهيج فشرع فيه النتف الذي يضعفه فتخف الرائحة به بخلاف الحلق فإنه يقوي الشعر ويهيجه فتكثر الرائحة لذلك وقال بن دقيق العيد من نظر إلى اللفظ وقف مع النتف ومن نظر إلى المعنى أجازه بكل مزيل لكن بين أن النتف مقصود من جهة المعنى فذكر نحو ما تقدم قال وهو معنى ظاهر لا يهمل فإن مورد النص إذا احتمل معنى مناسبا يحتمل أن يكون مقصودا في الحكم لا يترك والذي يقوم مقام النتف في ذلك التنور لكنه يرق الجلد فقد يتأذى صاحبه به ولا سيما إن كان جلده رقيقا وتستحب البداءة في إزالته باليد اليمني ويزيل ما في اليمني بأصابع اليسرى وكذا اليسرى إن أمكن وإلا فباليمنى قوله وتقليم الأظفار وهو تفعيل من القلم وهو القطع ووقع في حديث بن عمر قص الأظفار كما في حديث الباب ووقع في حديثه في الباب الذي يليه بلفظ تقليم وفي حديث عائشة وأنس قص الأظفار والتقليم أعم والأظفار جمع ظفر بضم الظاء والفاء وبسكونها وحكى أبو زيد كسر أوله وأنكره بن سيده وقد قيل إنها قراءة الحسن وعن أبي السماك أنه قرئ بكسر أوله وثانيه والمراد إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الإصبع من الظفر لأن الوسخ يجتمع فيه فيستقذر وقد ينتهي إلى حد يمنع من وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارة وقد حكى أصحاب الشافعي فيه وجهين فقطع المتولي بأن الوضوء حينئذ لا يصح وقطع الغزالي في الأحياء بأنه يعفى عن مثل ذلك واحتج بأن غالب الأعراب لا يتعاهدون ذلك ومع ذلك لم يرد في شيء من الآثار أمرهم بإعادة الصلاة وهو ظاهر لكن قد يعلق بالظفر إذا طال النجو لمن استنجى بالماء ولم يمعن غسله فيكون إذا صلى حاملا للنجاسة وقد أخرج البيهقي في الشعب من طريق قيس بن أبي حازم قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة فأوهم فيها فسئل فقال مالي لا أوهم ورفغ أحدكم بين ظفره وأنملته رجاله ثقات مع إرساله وقد وصله الطبراني من وجه آخر والرفغ بضم الراء وبفتحها وسكون الفاء بعدها غين معجمة يجمع على أرفاغ وهي مغابن الجسد كالإبط وما بين الأنثيين والفخذين وكل موضع يجتمع فيه الوسخ فهو من تسمية الشيء باسم ما جاوره والتقدير وسخ رفغ أحدكم والمعنى أنكم لا تقلمون أظفاركم ثم تحكون بها أرفاغكم فيتعلق بها ما في الارفاغ من الأوساخ المجتمعة قال أبو عبيد أنكر عليهم طول الأظفار وترك قصها قلت وفيه إشارة إلى الندب إلى تنظيف المغابن كلها ويستحب الاستقصاء في إزالتها إلى حد لا يدخل منه ضرر على الأصبع واستحب أحمد للمسافر أن يبقى شيئا لحاجته إلى الاستعانة لذلك غالبا ولم يثبت في ترتيب الأصابع عند القص شيء من الأحاديث لكن جزم النووي في شرح مسلم بأنه يستحب البداءة بمسبحة اليمني ثم بالوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ثم الإبهام وفي اليسرى بالبداءة بخنصرها ثم بالبنصر إلى الإبهام ويبدأ في الرجلين بخنصر اليمنى إلى الإبهام وفي اليسرى بإبهامها إلى الخنصر ولم يذكر للاستحباب مستندا وقال في شرح المهذب بعد أن نقل عن الغزالي وأن المازري أشتد إنكاره عليه فيه لا بأس بما قاله الغزالي إلا في تأخير إبهام اليد اليمنى فالأولى أن تقدم اليمني بكمالها على اليسرى قال وأما الحديث الذي ذكره الغزالي فلا أصل له اه وقال بن دقيق العيد يحتاج من ادعى استحباب تقديم اليد في القص على الرجل إلى دليل فإن الإطلاق يأبى ذلك قلت يمكن أن يؤخذ بالقياس على الوضوء والجامع التنظيف وتوجيه البداءة باليمنى لحديث عائشة الذي مر في الطهارة كان يعجبه التيمن في طهوره وترجله وفي شأنه كله والبداءة بالمسبحة منها لكونها أشرف الأصابع لأنها آلة التشهد وأما اتباعها بالوسطى فلأن غالب من يقلم أظفاره يقلمها من قبل ظهر الكف فتكون الوسطى جهة يمينه فيستمر إلى أن يختم بالخنصر ثم يكمل اليد بقص الإبهام وأما في اليسرى فإذا بدأ بالخنصر لزم أن يستمر على جهة اليمين إلى الإبهام قال شيخنا في شرح الترمذي وكان ينبغي أن لو أخر إبهام اليمني ليختم بها ويكون قد استمر على الانتقال إلى جهة اليمني ولعل الأول لحظ فصل كل يد عن الأخرى وهذا التوجيه في اليدين يعكر على ما نقله في الرجلين إلا أن يقال غالب من يقلم أظفار رجليه يقلمها من جهة باطن القدمين فيستمر التوجيه وقد قال صاحب الأقليد قضية الأخذ في ذلك بالتيامن أن يبدأ بخنصر اليمنى إلى أن ينتهي إلى خنصر اليسرى في اليدين والرجلين معا وكأنه لحظ أن القص يقع من باطن الكفين أيضا وذكر الدمياطي أنه تلقى عن بعض المشايخ أن من قص أظفاره مخالفا لم يصبه رمد وأنه جرب ذلك مدة طويلة وقد نص أحمد على استحباب قصها مخالفا وبين ذلك أبو عبد الله بن بطة من أصحابهم فقال يبدأ بخنصره اليمنى ثم الوسطى ثم الإبهام ثم البنصر ثم السبابة ويبدأ بإبهام اليسرى على العكس من اليمني وقد أنكر بن دقيق العيد الهيئة التي ذكرها الغزالي ومن تبعه وقال كل ذلك لا أصل له وإحداث استحباب لا دليل عليه وهو قبيح عندي بالعالم ولو تخيل متخيل أن البداءة بمسبحة اليمني من أجل شرفها فبقية الهيئة لا يتخيل فيه ذلك نعم البداءة بيمنى اليدين ويمنى الرجلين له أصل وهو كان يعجبه التيامن اه ولم يثبت أيضا في استحباب قص الظفر يوم الخميس حديث وقد أخرجه جعفر المستغفري بسند مجهول ورويناه في مسلسلات التيمي من طريقه وأقرب ما وقفت عليه في ذلك ما أخرجه البيهقي من مرسل أبي جعفر الباقر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب أن يأخذ من أظفاره وشاربه يوم الجمعة وله شاهد موصول عن أبي هريرة لكن سنده ضعيف أخرجه البيهقي أيضا في الشعب وسئل أحمد عنه فقال يسن في يوم الجمعة قبل الزوال وعنه يوم الخميس وعنه يتخير وهذا هو المعتمد أنه يستحب كيف ما أحتاج إليه وأما ما أخرج مسلم من حديث أنس وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا يترك أكثر من أربعين يوما كذا وقت فيه على البناء للمجهول وأخرجه أصحاب السنن بلفظ وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشار العقيلي إلى أن جعفر بن سليمان الضبعي تفرد به وفي حفظه شيء وصرح بن عبد البر بذلك فقال لم يروه غيره وليس بحجة وتعقب بأن أبا داود والترمذي أخرجاه من رواية صدقة بن موسى عن ثابت وصدقة بن موسى وأن كان فيه مقال لكن تبين أن جعفرا لم ينفرد به وقد أخرج بن ماجة نحوه من طريق علي بن زيد بن جدعان عن أنس وفي علي أيضا ضعف وأخرجه بن عدي من وجه ثالث من جهة عبد الله بن عمر أن شيخ مصري عن ثابت عن أنس لكن أتى فيه بألفاظ مستغربة قال أن يحلق الرجل عانته كل أربعين يوما وأن ينتف أبطه كلما طلع ولا يدع شاربيه يطولان وأن يقلم أظفاره من الجمعة إلى الجمعة وعبد الله والراوي عنه مجهولان قال القرطبي في المفهم ذكر الأربعين تحديد لأكثر المدة ولا يمنع تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة والضابط في ذلك الاحتياج وكذا قال النووي المختار أن ذلك كله يضبط بالحاجة وقال في شرح المهذب ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف الأحوال والاشخاص والضابط الحاجة في هذا وفي جميع الخصال المذكورة قلت لكن لا يمنع من التفقد يوم الجمعة فإن المبالغة في التنظف فيه مشروع والله أعلم وفي سؤالات مهنا عن أحمد قلت له يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أم يلقيه قال يدفنه قلت بلغك فيه شيء قال كان بن عمر يدفنه وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفن الشعر والأظفار وقال لا يتلعب به سحرة بني آدم قلت وهذا الحديث أخرجه البيهقي من حديث وائل بن حجر نحوه وقد استحب أصحابنا دفنها لكونها أجزاء من الآدمي والله أعلم فرع لو استحق قص أظفاره فقص بعضا وترك بعضا أبدى فيه بن دقيق العيد احتمالا من منع لبس إحدى النعلين وترك الأخرى كما تقدم في بابه قريبا قوله وقص الشارب تقدم القول في القص أول الباب وأما الشارب فهو الشعر النابت على الشفة العليا واختلف في جانبيه وهما السبالان فقيل هما من الشارب ويشرع قصهما معه وقيل هما من جملة شعر اللحية وأما القص فهو الذي في أكثر الأحاديث كما هنا وفي حديث عائشة وحديث أنس كذلك كلاهما عند مسلم وكذا حديث حنظلة عن بن عمر في أول الباب وورد الخبر بلفظ الحلق وهي رواية النسائي عن محمد بن عبد الله بن يزيد عن سفيان بن عيينة بسند هذا الباب ورواه جمهور أصحاب بن عيينة بلفظ القص وكذا سائر الروايات عن شيخه الزهري ووقع عند النسائي من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة بلفظ تقصير الشارب نعم وقع الأمر بما يشعر بأن رواية الحلق محفوظه كحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عند مسلم بلفظ جزوا الشوارب وحديث بن عمر المذكور في الباب الذي يليه بلفظ أحفوا الشوارب وفي الباب الذي يليه بلفظ انهكوا الشوارب فكل هذه الألفاظ تدل على أن المطلوب المبالغة في الإزالة لأن الجز وهو بالجيم والزاي الثقيلة قص الشعر والصوف إلى أن يبلغ الجلد والاحفاء بالمهملة والفاء الاستقصاء ومنه حتى أحفوه بالمسألة قال أبو عبيد الهروي معناه ألزقوا الجز بالبشرة وقال الخطابي هو بمعنى الاستقصاء والنهك بالنون والكاف المبالغة في الازالة ومنه ما تقدم في الكلام على الختان قوله صلى الله عليه وسلم للخافضة اشمي ولا تنهكي أي لا تبالغي في ختان المرأة وجرى على ذلك أهل اللغة وقال بن بطال النهك التأثير في الشيء وهو غير الاستئصال قال النووي المختار في قص الشارب أنه يقصه حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفه من أصله وأما رواية احفوا فمعناها أزيلوا ما طال على الشفتين قال بن دقيق العيد ما أدري هل نقله عن المذهب أو قاله اختيارا منه لمذهب مالك قلت صرح في شرح المهذب بان هذا مذهبنا وقال الطحاوي لم أر عن الشافعي في ذلك شيئا منصوصا وأصحابه الذين رأيناهم كالمزني والربيع كانوا يحفون وما أظنهم أخذوا ذلك إلا عنه وكان أبو حنيفة وأصحابه يقولون الاحفاء أفضل من التقصير وقال بن القاسم عن مالك إحفاء الشارب عندي مثلة والمراد بالحديث المبالغة في أخذ الشارب حتى يبدو حرف الشفتين وقال أشهب سألت مالكا عمن يحفي شاربه فقال أرى أن يوجع ضربا وقال لمن يحلق شاربه هذه بدعة ظهرت في الناس اه وأغرب بن العربي فنقل عن الشافعي أنه يستحب حلق الشارب وليس ذلك معروفا عند أصحابه قال الطحاوي الحلق هو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد اه وقال الأثرم كان أحمد يحفي شاربه إحفاء شديدا ونص على أنه أولى من القص وقال القرطبي وقص الشارب أن يأخذ ما طال على الشفة بحيث لا يؤذي الآكل ولا يجتمع فيه الوسخ قال والجز والاحفاء هو القص المذكور وليس بالاستئصال عند مالك قال وذهب الكوفيون إلى أنه الاستئصال وبعض العلماء إلى التخيير في ذلك قلت هو الطبري فإنه حكى قول مالك وقول الكوفيين ونقل عن أهل اللغة أن الاحفاء الاستئصال ثم قال دلت السنة على الأمرين ولا تعارض فإن القص يدل على أخذ البعض والاحفاء يدل على أخذ الكل وكلاهما ثابت فيتخير فيما شاء وقال بن عبد البر الاحفاء محتمل لأخذ الكل والقص مفسر للمراد والمفسر مقدم على المجمل اه ويرجح قول الطبري ثبوت الأمرين معا في الأحاديث المرفوعة فأما الاقتصار على القص ففي حديث المغيرة بن شعبة ضفت النبي صلى الله عليه وسلم وكان شاربي وفي فقصه على سواك أخرجه أبو داود واختلف في المراد بقوله على سواك فالراجح أنه وضع سواكا عند الشفة تحت الشعر وأخذ الشعر بالمقص وقيل المعنى قصه على أثر سواك أي بعد ما تسوك ويؤيد الأول ما أخرجه البيهقي في هذا الحديث قال فيه فوضع السواك تحت الشارب وقص عليه وأخرج البزار من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر رجلا وشاربه طويل فقال ائتوني بمقص وسواك فجعل السواك على طرفه ثم أخذ ما جاوزه وأخرج الترمذي من حديث بن عباس وحسنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يقص شاربه وأخرج البيهقي والطبراني من طريق شرحبيل بن مسلم الخولاني قال رأيت خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصون شواربهم أبو أمامة الباهلي والمقدام بن معدي كرب الكندي وعتبة بن عوف السلمي والحجاج بن عامر الثمالي وعبد الله بن بسر وأما الاحفاء ففي رواية ميمون بن مهران عن عبد الله بن عمر قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم المجوس فقال إنهم يوفون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم قال فكان بن عمر يستقرض سبلته فيجزها كما يجز الشاة أو البعير أخرجه الطبري والبيهقي وأخرجا من طريق عبد الله بن أبي رافع قال رأيت أبا سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وبن عمر ورافع بن خديج وأبا أسيد الأنصاري وسلمة بن الأكوع وأبا رافع ينهكون شواربهم كالحلق لفظ الطبري وفي رواية البيهقي يقصون شواربهم مع طرف الشفة وأخرج الطبري من طرق عن عروة وسالم والقاسم وأبي سلمة أنهم كانوا يحلقون شواربهم وقد تقدم في أول الباب أثر بن عمر أنه كان يحفي شاربه حتى ينظر إلى بياض الجلد لكن كل ذلك محتمل لأن يراد استئصال جميع الشعر النابت على الشفة العليا ومحتمل لأن يراد استئصال ما يلاقي حمرة الشفة من أعلاها ولا يستوعب بقيتها نظرا إلى المعنى في مشروعية ذلك وهو مخالفة المجوس والأمن من التشويش على الآكل وبقاء زهومه المأكول فيه وكل ذلك يحصل بما ذكرنا وهو الذي يجمع مفترق الأخبار الواردة في ذلك وبذلك جزم الداودي في شرح أثر بن عمر المذكور وهو مقتضى تصرف البخاري لأنه أورد أثر بن عمر وأورد بعده حديثه وحديث أبي هريرة في قص الشارب فكأنه أشار إلى أن ذلك هو المراد من الحديث وعن الشعبي أنه كان يقص شاربه حتى يظهر حرف الشفة العلياء وما قاربه من أعلاه ويأخذ ما يزيد مما فوق ذلك وينزع ما قارب الشفة من جانبي الفم ولا يزيد على ذلك وهذا أعدل ما وقفت عليه من الآثار وقد أبدى بن العربي لتخفيف شعر الشارب معنى لطيفا فقال إن الماء النازل من الأنف يتلبد به الشعر لما فيه من اللزوجة ويعسر تنقيته عند غسله وهو بإزاء حاسة شريفة وهي الشم فشرع تخفيفه ليتم الجمال والمنفعة به قلت وذلك يحصل بتخفيفه ولا يستلزم احفافه وأن كان أبلغ وقد رجح الطحاوي الحلق على القص بتفضيله صلى الله عليه وسلم الحلق على التقصير في النسك ووهى بن التين الحلق بقوله صلى الله عليه وسلم ليس منا من حلق وكلاهما احتجاج بالخبر في غير ما ورد فيه ولا سيما الثاني ويؤخذ مما أشار إليه بن العربي مشروعية تنظيف داخل الأنف وأخذ شعره إذا طال والله أعلم وقد روى مالك عن زيد بن أسلم أن عمر كان إذا غضب فتل شاربه فدل على أنه كان يوفره وحكى بن دقيق العيد عن بعض الحنفية أنه قال لا بأس بابقاء الشوارب في الحرب إرهابا للعدو وزيفه فصل في فوائد تتعلق بهذا الحديث الأولى قال النووي يستحب أن يبدأ في قص الشارب باليمين الثانية يتخير بين أن يقص ذلك بنفسه أو يولي ذلك غيره لحصول المقصود من غير هتك مروءة بخلاف الإبط ولا ارتكاب حرمة بخلاف العانة قلت محل ذلك حيث لا ضرورة وأما من لا يحسن الحلق فقد يباح له إن لم تكن له زوجة تحسن الحلق أن يستعين بغيره بقدر الحاجة لكن محل هذا إذا لم يجد ما يتنور به فإنه يغني عن الحلق ويحصل به المقصود وكذا من لا يقوى على النتف ولا يتمكن من الحلق إذا استعان بغيره في الحلق لم تهتك المروءة من أجل الضرورة كما تقدم عن الشافعي وهذا لمن لم يقو على التنور من أجل أن النورة تؤذي الجلد الرقيق كجلد الإبط وقد يقال مثل ذلك في حلق العانة من جهة المغابن التي بين الفخذ والانثيين وأما الأخذ من الشارب فينبغي فيه التفصيل بين من يحسن أخذه بنفسه بحيث لا يتشوه وبين من لا يحسن فيستعين بغيره ويلتحق به من لا يجد مرآة ينظر وجهه فيها عند أخذه الثالثة قال النووي يتأدى أصل السنة بأخذ الشارب بالمقص وبغيره وتوقف بن دقيق العيد لا أعلم أحدا قال بوجوب قص الشارب من حيث هو هو واحترز بذلك من وجوبه بعارض حيث يتعين كما تقدمت الإشارة إليه من كلام بن العربي وكأنه لم يقف على كلام بن حزم في ذلك فإنه قد صرح بالوجوب في ذلك وفي إعفاء اللحية

Section V10/P348

1 ( قوله باب تقليم الأظفار ) تقدم بيان ذلك في الذي قبله وقد ذكر فيه ثلاثة أحاديث الثالث منها لا تعلق له بالظفر وإنما هو مختص بالشارب واللحية فيمكن أن يكون مراده في هذه الترجمة والتي قبلها تقليم الأظفار وما ذكر معها وقص الشارب وما ذكر معه ويحتمل أن يكون أشار إلى أن حديث بن عمر في الأول وحديثه في الثالث واحد منهم من طوله ومنهم من اختصره الحديث الأول 5551 قوله حدثنا أحمد بن أبي رجاء هو أحمد بن عبد الله بن أيوب الهروي وإسحاق بن سليمان هو الرازي وحنظلة هو بن سفيان الجمحي قوله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا للجميع وزعم أبو مسعود في الأطراف أن البخاري ذكره من هذا الوجه موقوفا ثم تعقبه بأن أبا سعيد الأشج رواه عن إسحاق بن سليمان مرفوعا وتعقب الحميدي كلام أبي مسعود فأجاد قوله من الفطرة كذا للجميع وقد تقدم نقل النووي أنه وقع فيه بلفظ من السنة قوله وقص الشارب في رواية الإسماعيلي وأخذ الشارب وفي أخرى له وقص الشوارب قال وقال مرة الشارب قال الجياني وقع في كلامهم أنه لعظم الشوارب وهو من الواحد الذي فرق وسمي كل جزء منه باسمه فقالوا لكل جانب منه شاربا ثم جمع شوارب وحكى بن سيده عن بعضهم من قال الشاربان أخطأ وإنما الشاربان ما طال من ناحية السبلة قال وبعضهم يسمي السبلة كلها شاربا ويؤيده أثر عمر الذي أخرجه مالك أنه كان إذا غضب فتل شاربه والذي يمكن فتله من شعر الشارب السبال وقد سماه شاربا الحديث الثاني حديث أبي هريرة وقد تقدم شرحه مستوفى الحديث الثالث

Section V10/P348–V10/P350

5553 قوله عمر بن محمد بن زيد أي بن عبد الله بن عمر قوله خالفوا المشركين في حديث أبي هريرة عند مسلم خالفوا المجوس وهو المراد في حديث بن عمر فإنهم كانوا يقصون لحاهم ومنهم من كان يحلقها قوله أحفوا الشوارب بهمزة قطع من الاحفاء للأكثر وحكى بن دريد حفى شاربه حفوا إذا استأصل أخذ شعره فعلى هذا فهي همزة وصل قوله ووفروا اللحى أما قوله وفروا فهو بتشديد الفاء من التوفير وهو الإبقاء أي اتركوها وافرة وفي رواية عبيد الله بن عمر عن نافع في الباب الذي يليه اعفوا وسيأتي تحريره وفي حديث أبي هريرة عند مسلم أرجئوا وضبطت بالجيم والهمزة أي أخروها وبالخاء المعجمة بلا همز أي أطيلوها وله في رواية أخرى أوفوا أي اتركوها وافية قال النووي وكل هذه الروايات بمعنى واحد واللحى بكسر اللام وحكى ضمها وبالقصر والمد جمع لحية بالكسر فقط وهي اسم لما نبت على الخدين والذقن قوله وكان بن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه هو موصول بالسند المذكور إلى نافع وقد أخرجه مالك في الموطأ عن نافع بلفظ كان بن عمر إذا حلق رأسه في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه وفي حديث الباب مقدار المأخوذ وقوله فضل بفتح الفاء والضاد المعجمة ويجوز كسر الضاد كعلم والأشهر الفتح قاله بن التين وقال الكرماني لعل بن عمر أراد الجمع بين الحلق والتقصير في النسك فحلق رأسه كله وقصر من لحيته ليدخل في عموم قوله تعالى محلقين رءوسكم ومقصرين وخص ذلك من عموم قوله وفروا اللحى فحمله على حالة غير حالة النسك قلت الذي يظهر أن بن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك بل كان يحمل الأمر بالاعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بافراط طول شعر اللحية أو عرضه فقد قال الطبري ذهب قوم إلى ظاهر الحديث فكرهوا تناول شيء من اللحية من طولها ومن عرضها وقال قوم إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد ثم ساق بسنده إلى بن عمر أنه فعل ذلك وإلى عمر أنه فعل ذلك برجل ومن طريق أبي هريرة أنه فعله وأخرج أبو داود من حديث جابر بسند حسن قال كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة وقوله نعفي بضم أوله وتشديد الفاء أي نتركه وافرا وهذا يؤيد ما نقل عن بن عمر فإن السبال بكسر المهملة وتخفيف الموحدة جمع سبلة بفتحتين وهي ما طال من شعر اللحية فأشار جابر إلى أنهم يقصرون منها في النسك ثم حكى الطبري اختلافا فيما يؤخذ من اللحية هل له حد أم لا فأسند عن جماعة الاقتصار على أخذ الذي يزيد منها على قدر الكف وعن الحسن البصري أنه يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش وعن عطاء نحوه قال وحمل هؤلاء النهي على منع ما كانت الأعاجم تفعله من قصها وتخفيفها قال وكره آخرون التعرض لها إلا في حج أو عمرة وأسنده عن جماعة واختار قول عطاء وقال إن الرجل لو ترك لحيته لا يتعرض لها حتى أفحش طولها وعرضها لعرض نفسه لمن يسخر به واستدل بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها وهذا أخرجه الترمذي ونقل عن البخاري أنه قال في رواية عمر بن هارون لا أعلم له حديثا منكرا الا هذا اه وقد ضعف عمر بن هارون مطلقا جماعة وقال عياض يكره حلق اللحية وقصها وتحذيفها وأما الأخذ من طولها وعرضها إذا عظمت فحسن بل تكره الشهرة في تعظيمها كما يكره في تقصيرها كذا قال وتعقبه النووي بأنه خلاف ظاهر الخبر في الأمر بتوفيرها قال والمختار تركها على حالها وأن لا يتعرض لها بتقصير ولا غيره وكأن مراده بذلك في غير النسك لأن الشافعي نص على استحبابه فيه وذكر النووي عن الغزالي وهو في ذلك تابع لأبي طالب المكي في القوت قال يكره في اللحية عشر خصال خضبها بالسواد لغير الجهاد وبغير السواد أيهاما للصلاح لا لقصد الأتباع وتبييضها استعجالا للشيخوخة لقصد التعاظم على الأقران ونتفها إبقاء للمرودة وكذا تحذيفها ونتف الشيب ورجح النووي تحريمه لثبوت الزجر عنه كما سيأتي قريبا وتصفيفها طاقة طاقة تصنعا ومخيلة وكذا ترجيلها والتعرض لها طولا وعرضا على ما فيه من اختلاف وتركها شعثة إيهاما للزهد والنظر إليها إعجابا وزاد النووي وعقدها لحديث رويفع رفعه من عقد لحيته فإن محمدا منه بريء الحديث أخرجه أبو داود قال الخطابي قيل المراد عقدها في الحرب وهو من زى الأعاجم وقيل المراد معالجة الشعر لينعقد وذلك من فعل أهل التأنيث تنبيه أنكر بن التين ظاهر ما نقل عن بن عمر فقال ليس المراد أنه كان يقتصر على قدر القبضة من لحيته بل كان يمسك عليها فيزيل ما شذ منها فيمسك من أسفل ذقنه بأصابعه الأربعة ملتصقة فيأخذ ما سفل عن ذلك ليتساوى طول لحيته قال أبو شامة وقد حدث قوم يحلقون لحاهم وهو أشد مما نقل عن المجوس أنهم كانوا يقصونها وقال النووي يستثنى من الأمر باعفاء اللحى ما لو نبتت للمرأة لحية فإنه يستحب لها حلقها وكذا لو نبت لها شارب أو عنفقة وسيأتي البحث فيه في باب المتنمصات

Section V10/P350–V10/P351

1 ( قوله باب اعفاء اللحى ) كذا استعمله من الرباعي وهو بمعنى الترك ثم قال عفوا كثروا وكثرت أموالهم وأراد تفسير قوله تعالى في الأعراف حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فقد تقدم هناك بيان من فسر قوله عفوا يكثروا فأما أن يكون أشار بذلك إلى أصل المادة أو إلى أن لفظ الحديث وهو اعفوا اللحى جاء بالمعنيين فعلى الأول يكون بهمزة قطع وعلى الثاني بهمزة وصل وقد حكى ذلك جماعة من الشراح منهم بن التين قال وبهمزة قطع أكثر وقال بن دقيق العيد تفسير الاعفاء بالتكثير من إقامة السبب مقام المسبب لأن حقيقة الاعفاء الترك وترك التعرض للحية يستلزم تكثيرها وأغرب بن السيد فقال حمل بعضهم 5554 قوله أعفوا اللحى على الأخذ منها بإصلاح ما شذ منها طولا وعرضا واستشهد بقول زهير على آثار من ذهب العفاء وذهب الأكثر إلى أنه بمعنى وفروا أو كثروا وهو الصواب قال بن دقيق العيد لا أعلم أحدا فهم من الأمر في قوله أعفوا اللحى تجويز معالجتها بما يغزرها كما يفعله بعض الناس قال وكأن الصارف عن ذلك قرينة السياق في قوله في بقية الخبر وأحفوا الشوارب انتهى ويمكن أن يؤخذ من بقية طرق ألفاظ الحديث الدالة على مجرد الترك والله أعلم تنبيه في قوله أعفوا وأحفوا ثلاثة أنواع من البديع الجناس والمطابقة والموازنة 1 ( قوله باب ما يذكر في الشيب ) أي هل يخضب أو يترك 5555 قوله عن بن سيرين هو محمد بينه مسلم في روايته عن حجاج بن الشاعر عن معلى شيخ البخاري فيه قوله سألت أنسا أخضب النبي صلى الله عليه وسلم يعرف منه أنه المبهم في الرواية التي بعدها حيث قال ثابت سئل أنس وكذا قوله في هذه الرواية لم يبلغ من الشيب إلا قليلا يفسره 5556 قوله في الثانية لم يبلغ ما يخضب وذلك أن العادة أن القليل من الشعر الأبيض إذا بدا في اللحية لم يبادر إلى خضبه حتى يكثر ومرجع القلة والكثرة في ذلك إلى العرف وزاد أحمد من طريق هشام بن حسان عن محمد بن سيرين في هذا الحديث ولكن أبا بكر وعمر بعده خضبا بالحناء والكتم قال وجاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة يوم فتح مكة يحمله حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ولحيته ورأسه كالثغامة بياضا وستأتي الإشارة إليه في باب الخضاب ولمسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس نحو حديث بن سيرين وزاد ولم يخضب ولكن خضب أبو بكر وعمر قوله في الثانية لو شئت أن أعد شمطاته في لحيته المراد بالشمطات الشعرات اللاتي ظهر فيهن البياض فكأن الشعرة البيضاء مع ما يجاورها من شعرة سوداء ثوب أشمط والأشمط الذي يخالطه بياض وسواد وجواب لو في قوله لو شئت محذوف والتقدير لعددتها وذلك مما يدل على قلتها وقد تقدم في باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم من المناقب بيان الجمع بين مختلف الأحاديث في ذلك قوله حدثنا مالك بن إسماعيل هو بن غسان النهدي وإسرائيل هو بن يونس بن أبي إسحاق وعثمان بن عبد الله بن موهب هو التيمي مولى آل طلحة وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر سبق في الحج وغيره

Section V10/P351–V10/P352

5557 قوله أرسلني أهلي إلى أم سلمة يعني زوج النبي صلى الله عليه وسلم ولم أقف على تسمية أهله ولكنهم من آل طلحة لأنهم مواليه ويحتمل أن يريد بأهله امرأته قوله بقدح من ماء وقبض إسرائيل ثلاث أصابع من قصة فيها وفي رواية الكشميهني فيه شعر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم اختلف في ضبطه قصة هو بقاف مضمومة ثم صاد مهملة أو بفاء مكسورة ثم ضاد معجمة فأما قوله وقبض إسرائيل ثلاث أصابع فإن فيه إشارة إلى صغر القدح وزعم الكرماني أنه عبارة عن عدد إرسال عثمان إلى أم سلمة وهو بعيد وأما قوله فيها فضمير لمعنى القدح لأن القدح إذا كان فيه مائع يسمى كأسا والكأس مؤنثة أو الضمير للقصة كما سيأتي توجيهه وأما رواية الكشميهني بالتذكير فواضحة وقوله من فضة ان كان بالفاء والمعجمة فهو بيان لجنس القدح قال الكرماني ويحمل على أنه كان مموها بفضة لا أنه كان كله فضة قلت وهذا ينبني على أن أم سلمة كانت لا تجيز استعمال آنية الفضة في غير الأكل والشرب ومن أين له ذلك وقد أجاز جماعة من العلماء استعمال الإناء الصغير من الفضة في غير الأكل والشرب وإن كان بالقاف والمهملة فهو من صفة الشعر على ما في التركيب من قلق العبارة ولهذا قال الكرماني عليك بتوجيهه ويظهر أن من سببية أي أرسلوني بقدح من ماء بسبب قصة فيها شعر وهذا كله بناء على أن هذه اللفظة محفوظة بالقاف والصاد المهملة وقد ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين بلفظ دال على أنه بالفاء والمعجمة ولفظه أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر الخ ولم يذكر قول إسرائيل فكأنه سقط على رواة البخاري قوله فجاءت بجلجل وبه ينتظم الكلام ويعرف منه أن قوله من فضة بالفاء والمعجمة وأنه صفة الجلجل لا صفة القدح الذي أحضره عثمان بن موهب قال بن دحية وقع لأكثر الرواة بالقاف والمهملة والصحيح عند المحققين بالفاء والمعجمة وقد بينه وكيع في مصنفه بعد ما رواه عن إسرائيل فقال كان جلجلا من فضة صيغ صوانا لشعرات كانت عند أم سلمة من شعر النبي صلى الله عليه وسلم قوله وكان الناس إذا أصاب الإنسان أي منهم عين أي أصيب بعين أو شيء أي من أي مرض كان وهو موصول من قول عثمان المذكور قوله بعث إليها مخضبه بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الضاد المعجمة بعدها موحدة هو من جملة الآنية وقد تقدم بيانه في كتاب الطهارة والمراد أنه كان من اشتكى أرسل إناء إلى أم سلمة فتجعل فيه تلك الشعرات وتغسلها فيه وتعيده فيشربه صاحب الإناء أو يغتسل به استشفاء بها فتحصل له بركتها قوله فاطلعت في الجلجل كذا للأكثر بجيمين مضمومتين بينهما لام وآخره أخرى هو شبة الجرس وقد تنزع منه الحصاة التي تتحرك فيوضع فيه ما يحتاج إلى صيانته والقائل فاطلعت هو عثمان وقيل أن في بعض الروايات الجحل بفتح الجيم وسكون المهملة وفسر بالسقاء الضخم وما أظنه الا تصحيفا لأنه إذا كان صوانا للشعرات كما جزم به وكيع أحد رواة الخبر كان المناسب لهن الظرف الصغير لا الإناء الضخم ولم يفسر صاحب المشارق ولا النهاية الجلجل كأنهما تركاه لشهرته لكن حكى عياض أن في رواية بن السكن المخضب بدل الجلجل فالله أعلم قوله فرأيت شعرات حمرا في الرواية التي تليها مخضوبا ويأتي البحث فيه

Section V10/P352–V10/P353

5558 قوله سلام هو بالتشديد اتفاقا وجزم أبو نصر الكلاباذي بأنه بن مسكين وخالفه الجمهور فقالوا هو بن أبي مطيع وبذلك جزم أبو علي بن السكن وأبو علي الجياني ووقع التصريح به في هذا الحديث عند بن ماجة من رواية يونس بن محمد عن سلام بن أبي مطيع وقد أخرجه بن أبي خيثمة عن موسى شيخ البخاري فيه فقال حدثنا سلام بن أبي مطيع قوله مخضوبا زاد يونس بالحناء والكتم وكذا لابن أبي خيثمة وكذا لأحمد عن عفان وعبد الرحمن بن مهدي كلاهما عن سلام وله من طريق أبي معاوية وهو شيبان بن عبد الرحمن شعرا أحمر مخضوبا بالحناء والكتم وللإسماعيلي من طريق أبي إسحاق عن عثمان المذكور كان مع أم سلمة من شعر لحية النبي صلى الله عليه وسلم فيه أثر الحناء والكتم والحناء معروف والكتم بفتح الكاف والمثناة سيأتي تفسيره بعد هذا قال الإسماعيلي ليس فيه بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي خضب بل يحتمل أن يكون أحمر بعده لما خالطه من طيب فيه صفرة فغلبت به الصفرة قال فإن كان كذلك وإلا فحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخضب أصح كذا قال والذي ابداه احتمالا قد تقدم معناه موصولا إلى أنس في باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه جزم بأنه إنما أحمر من الطيب قلت وكثير من الشعور التي تفصل عن الجسد إذا طال العهد يئول سوادها إلى الحمرة وما جنح إليه من الترجيح خلاف ما جمع به الطبري وحاصله أن من جزم أنه خضب كما في ظاهر حديث أم سلمة وكما في حديث بن عمر الماضي قريبا أنه صلى الله عليه وسلم خضب بالصفرة حكى ما شاهده وكان ذلك في بعض الاحيان ومن نفى ذلك كأنس فهو محمول على الأكثر الأغلب من حاله وقد أخرج مسلم وأحمد والترمذي والنسائي من حديث جابر بن سمرة قال ما كان في رأس النبي صلى الله عليه وسلم ولحيته من الشيب إلا شعرات كان إذا دهن واراهن الدهن فيحتمل أن يكون الذين اثبتوا الخضاب شاهدوا الشعر الأبيض ثم لما واراه الدهن ظنوا أنه خضبه والله أعلم قوله وقال أبو نعيم كذا لأبي ذر وصرح غيره بوصله فقال قال لنا أبو نعيم قوله نصير بنون مصغر بن أبي الأشعث ويقال الأشعث اسمه وليس لنصير في البخاري سوى هذا الموضع 1 ( قوله باب الخضاب ) أي تغيير لون شيب الرأس واللحية

Section V10/P353–V10/P356

5559 قوله عن أبي سلمة وسليمان بن يسار كذا جمع بينهما وتابعه الأوزاعي عن الزهري أخرجه النسائي ورواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزهري عن أبي سلمة وحده وقد مضت رواية صالح في أحاديث الأنبياء ورواية الآخرين عند النسائي عن أبي هريرة في رواية إسحاق بن راهويه عن سفيان بسنده أنهما سمعا أبا هريرة أخرجه النسائي قوله إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم هكذا أطلق ولأحمد بسند حسن عن أبي أمامة قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم فقال يا معشر الأنصار حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب وأخرج الطبراني في الأوسط نحوه من حديث أنس وفي الكبير من حديث عتبة بن عبد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتغيير الشعر مخالفة للأعاجم وقد تمسك به من أجاز الخضاب بالسواد وقد تقدمت في باب ذكر بني إسرائيل من أحاديث الأنبياء مسألة استثناء الخضب بالسواد لحديثي جابر وبن عباس وأن من العلماء من رخص فيه في الجهاد ومنهم من رخص فيه مطلقا وأن الأولى كراهته وجنح النووي إلى أنه كراهة تحريم وقد رخص فيه طائفة من السلف منهم سعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر والحسن والحسين وجرير وغير واحد واختاره بن أبي عاصم في كتاب الخضاب له وأجاب عن حديث بن عباس رفعه يكون قوم يخضبون بالسواد لا يجدون ريح الجنة بأنه لا دلالة فيه على كراهة الخضاب بالسواد بل فيه الأخبار عن قوم هذه صفتهم وعن حديث جابر جنبوه السواد بأنه في حق من صار شيب رأسه مستبشعا ولا يطرد ذلك في حق كل أحد انتهى وما قاله خلاف ما يتبادر من سياق الحديثين نعم يشهد له ما أخرجه هو عن بن شهاب قال كنا نخضب بالسواد إذ كان الوجه جديدا فلما نغض الوجه والأسنان تركناه وقد أخرج الطبراني وبن أبي عاصم من حديث أبي الدرداء رفعه من خضب بالسواد سود الله وجهه يوم القيامة وسنده لين ومنهم من فرق في ذلك بين الرجل والمرأة فأجازه لها دون الرجل واختاره الحليمي وأما خضب اليدين والرجلين فلا يجوز للرجال إلا في التداوي وقوله فخالفوهم في رواية مسلم فخالفوا عليهم واصبغوا وللنسائي من حديث بن عمر رفعه غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ورجاله ثقات لكن اختلف على هشام بن عروة فيه كما بينه النسائي وقال إنه غير محفوظ وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث عائشة وزاد والنصارى ولأصحاب السنن وصححه الترمذي من حديث أبي ذر رفعه إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم وهذا يحتمل أن يكون على التعاقب ويحتمل الجمع وقد أخرج مسلم من حديث أنس قال اختضب أبو بكر بالحناء والكتم واختضب عمر بالحناء بحتا وقوله بحتا بموحدة مفتوحة ومهملة ساكنة بعدها مثناة أي صرفا وهذا يشعر بأن أبا بكر كان يجمع بينهما دائما والكتم نبات باليمن يخرج الصبغ أسود يميل إلى الحمرة وصبغ الحناء أحمر فالصبغ بهما معا يخرج بين السواد والحمرة واستنبط بن أبي عاصم من قوله صلى الله عليه وسلم جنبوه السواد أن الخضاب بالسواد كان من عادتهم وذكر بن الكلبي أن أول من اختضب بالسواد من العرب عبد المطلب وأما مطلقا ففرعون وقد اختلف في الخضب وتركه فخضب أبو بكر وعمر وغيرهما كما تقدم وترك الخضاب علي وأبي بن كعب وسلمة بن الأكوع وأنس وجماعة وجمع الطبري بأن من صبغ منهم كان اللائق به كمن يستشنع شيبه ومن ترك كان اللائق به كمن لا يستشنع شيبه وعلى ذلك حمل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر الذي أخرجه مسلم في قصة أبي قحافة حيث قال صلى الله عليه وسلم لما رأى رأسه كأنها الثغامة بياضا غيروا هذا وجنبوه السواد ومثله حديث أنس الذي تقدمت الإشارة إليه أول باب ما يذكر في الشيب وزاد الطبري وبن أبي عاصم من وجه آخر عن جابر فذهبوا به فحمروه والثغامة بضم المثلثة وتخفيف المعجمة نبات شديد البياض زهره وثمره قال فمن كان في مثل حال أبي قحافة استحب له الخضاب لأنه لا يحصل به الغرور لأحد ومن كان بخلافه فلا يستحب في حقه ولكن الخضاب مطلقا أولى لأنه فيه إمتثال الأمر في مخالفة أهل الكتاب وفيه صيانة للشعر عن تعلق الغبار وغيره به إلا إن كان من عادة أهل البلد ترك الصبغ وأن الذي ينفرد بدونهم بذلك يصير في مقام الشهرة فالترك في حقه أولى ونقل الطبري بعد أن أورد حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه بلفظ من شاب شيبة فهي له نور إلى أن ينتفها أو يخضبها وحديث بن مسعود إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره خصالا فذكر منها تغيير الشيب إذ بعضهم ذهب إلى أن هذه الكراهة تستحب بحديث الباب ثم ذكر الجمع وقال دعوى النسخ لا دليل عليها قلت وجنح إلى النسخ الطحاوي وتمسك بالحديث الآتي قريبا أنه كان صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه ثم صار يخالفهم ويحث على مخالفتهم كما سيأتي تقريره في باب الفرق إن شاء الله تعالى وحديث عمرو بن شعيب المشار إليه أخرجه الترمذي وحسنه ولم أر في شيء من طرقه الاستثناء المذكور فالله أعلم قال بن العربي وإنما نهى عن النتف دون الخضب لأن فيه تغيير الخلقة من أصلها بخلاف الخضب فإنه لا يغير الخلقة على الناظر إليه والله أعلم وقد نقل عن أحمد أنه يجب وعنه يجب ولو مرة وعنه لا أحب لأحد ترك الخضب ويتشبه بأهل الكتاب وفي السواد عنه كالشافعية روايتان المشهورة يكره وقيل يحرم ويتأكد المنع لمن دلس به

Questions