İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)
6498 قوله حدثنا أبو عاصم عن بن جريج كذا وقع هنا بعلو درجة وتقدم له في الإجارة والجهاد والمغازي من طريق بن جريج بنزول لكن سياقه فيها أتم مما هنا قوله عن عطاء هو بن أبي رباح عن صفوان بن يعلى وفي رواية بن علية في الاجارة أخبرني عطاء وفي رواية محمد بن أبي بكر في المغازي سمعت عطاء أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية وكذا لمسلم من طريق أبي أسامة عن بن جريج قوله عن أبيه في رواية بن علية عن يعلى بن أمية وفي رواية حجاج بن محمد عند أبي نعيم في المستخرج أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية أنه سمع يعلى وأخرجه مسلم من طريق شعبة عن قتادة عن عطاء عن بن يعلى عن أبيه ومن طريق همام عن عطاء كذلك وهي عند البخاري في الحج مختصرة مضمومة إلى حديث الذي سأل عن العمرة ومن طريق هشام الدستوائي عن قتادة وفيها مخالفة لرواية شعبة من وجهين أحدهما أنه أدخل بين قتادة وعطاء بديل بن ميسرة والآخر أنه أرسله ولفظه عن صفوان بن يعلى أن أجيرا ليعلى بن أمية عض رجل ذراعه وقد اعترض الدارقطني على مسلم في تخريجه هذه الطريق وتخريجه طريق محمد بن سيرين عن عمران وهو لم يسمع منه وأجاب النووي بما حاصله ان المتابعات يغتفر فيها ما لا يغتفر في الأصول وهو كما قال ومنية التي نسب إليها يعلى هنا هي أمه وقيل جدته والأول المعتمد وأبوه كما تقدم في الروايات أمية بن أبي عبيد بن همام بن الحارث التميمي الحنظلي أسلم يوم الفتح وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم ما بعدها كحنين والطائف وتبوك ومنية أمه بضم الميم وسكون النون بعدها تحتانية هي بنت جابر عمة عتبة بن غزوان وقيل أخته وذكر عياض أن بعض رواة مسلم صحفها وقال منبه بفتح النون وتشديد الموحدة وهو تصحيف وأغرب بن وضاح فقال منبه بسكون النون أمه وبفتحها ثم موحدة أبوه ولم يوافقه أحد على ذلك قوله خرجت في غزوة في رواية الكشميهني في غزاة وثبت في رواية سفيان أنها غزوة تبوك ومثله في رواية بن علية بلفظ جيش العسرة وبه جزم غير واحد من الشراح وتعقبه بعض من لقيناه بأن في باب من أحرم جاهلا وعليه قميص من كتاب الحج في البخاري من حديث يعلى كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل عليه جبة بها أثر صفرة فذكر الحديث وفيه فقال اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك وعض رجل يد رجل فأنتزع ثنيته فأبطله النبي صلى الله عليه وسلم فهذا يقتضي أن يكون ذلك في سفر كان فيه الإحرام بالعمرة قلت وليس ذلك صريحا في هذا الحديث بل هو محمول على أن الراوي سمع الحديثين فأوردهما معا عاطفا لأحدهما على الآخر بالواو التي لا تقتضي الترتيب وعجيب ممن يتكلم عن الحديث فيرد ما فيه صريحا بالأمر المحتمل وما سبب ذلك إلا إيثار الراحة بترك تتبع طرق الحديث فانها طريق توصل إلى الوقوف على المراد غالبا قوله فعض رجل فانتزع ثنيته كذا وقع عنده هنا بهذا الاختصار المجحف وقد بينه الإسماعيلي من طريق يحيى القطان عن بن جريج ولفظه قاتل رجل آخر فعض يده فانتزع يده فانتدرت ثنيته وقد بينت اختلاف طرقه في الذي قبله وقد أخذ بظاهر هذه القصة الجمهور فقالوا لا يلزم المعضوض قصاص ولا دية لأنه في حكم الصائل واحتجوا أيضا بالإجماع بأن من شهر على آخر سلاحا ليقتله فدفع عن نفسه فقتل الشاهر أنه لا شيء عليه فكذا لا يضمن سنه بدفعه إياه عنها قالوا ولو جرحه المعضوض في موضع آخر لم يلزمه شيء وشرط الاهدار أن يتألم المعضوض وأن لا يمكنه تخليص يده بغير ذلك من ضرب في شدقيه أو فك لحيته ليرسلها ومهما أمكن التخليص بدون ذلك فعدل عنه إلى الأثقل لم يهدر وعند الشافعية وجه أنه يهدر على الإطلاق ووجه أنه لو دفعه بغير ذلك ضمن وعن مالك روايتان أشهرهما يجب الضمان وأجابوا عن هذا الحديث باحتمال أن يكون سبب الإنذار شدة العض لا النزع فيكون سقوط ثنية العاض بفعله لا بفعل المعضوض إذ لو كان من فعل صاحب اليد لأمكنه أن يخلص يده من غير قلع ولا يجوز الدفع بالأثقل مع إمكان الأخف وقال بعض المالكية العاض قصد العضو نفسه والذي استحق في اتلاف ذلك العضو غير مافعل به فوجب أن يكون كل منهما ضامنا ما جناه على الآخر كمن قلع عين رجل فقطع الآخر يده وتعقب بأنه قياس في مقابل النص فهو فاسد وقال بعضهم لعل أسنانه كانت تتحرك فسقطت عقب النزع وسياق هذا الحديث يدفع هذا الاحتمال وتمسك بعضهم بأنها واقعة عين ولا عموم لها وتعقب بأن البخاري أخرج في الإجارة عقب حديث يعلى هذا من طريق أبي بكر الصديق رضى الله عنه أنه وقع عنده مثل ما وقع عند النبي صلى الله عليه وسلم وقضى فيه بمثله وما تقدم من التقييد ليس في الحديث وإنما أخذ من القواعد الكلية وكذا إلحاق عضو آخر غير الفم به فان النص إنما ورد في صورة مخصوصة نبه على ذلك بن دقيق العيد وقد قال يحيى بن عمر لو بلغ مالكا هذا الحديث لما خالفه وكذا قال بن بطال لم يقع هذا الحديث لمالك والا لما خالفه وقال الداودي لم يروه مالك لأنه من رواية أهل العراق وقال أبو عبد الملك كأنه لم يصح الحديث عنده لأنه أتى من قبل المشرق قلت وهو مسلم في حديث عمران وأما طريق يعلى بن أمية فرواها أهل الحجاز وحملها عنهم أهل العراق واعتذر بعض المالكية بفساد الزمان ونقل القرطبي عن بعض أصحابهم إسقاط الضمان قال وضمنه الشافعي وهو مشهور مذهب مالك وتعقب بأن المعروف عن الشافعي أنه لاضمان وكأنه انعكس على القرطبي تنبيه لم يتكلم النووي على ما وقع في رواية بن سيرين عن عمران فان مقتضاها إجراء القصاص في العضة وسيأتي البحث فيه مع القصاص في اللطمة بعد بابين وقد يقال إن العض هنا انما أذن فيه للتوصل إلى القصاص في قلع السن لكن الجواب السديد في هذا أنه استفهمه استفهام إنكار لا تقرير شرع هذا الذي يظهر لي والله أعلم وفي هذه القصة من الفوائد التحذير من الغضب وأن من وقع له ينبغي له أن يكظمه ما استطاع لأنه أدى إلى سقوط ثنية الغضبان لأن يعلى غضب من اجيره فضربه فدفع الأجير عن نفسه فعضه يعلى فنزع يده فسقطت ثنية العاض ولولا الاسترسال مع الغضب لسلم من ذلك وفيه استئجار الحر للخدمة وكفاية مؤنة العمل في الغزو لا ليقاتل عنه كما تقدم تقريره في الجهاد وفيه رفع الجناية إلى الحاكم من أجل الفصل وأن المرء لا يقتص لنفسه وأن المتعدي بالجناية يسقط ما ثبت له قبلها من جناية إذا ترتبت الثانية على الأولى وفيه جواز تشبيه فعل الآدمي بفعل البهيمة إذا وقع في مقام التنفير عن مثل ذلك الفعل وقد حكى الكرماني أنه رأى من صحف قوله كما يقضم الفجل بالجيم بدل الحاء المهملة وحمله على البقل المعروف وهو تصحيف قبيح وفيه دفع الصائل وأنه إذا لم يمكن الخلاص منه إلا بجناية على نفسه أو على بعض أعضائه ففعل به ذلك كان هدرا وللعلماء في ذلك اختلاف وتفصيل معروف وفيه أن من وقع له أمر يأنفه أو يحتشم من نسبته إليه إذا حكاه كنى عن نفسه بأن يقول فعل رجل أو انسان أو نحو ذلك كذا وكذا كما وقع ليعلى في هذه القصة وكما وقع لعائشة حيث قالت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه فقال لها عروة هل هي إلا أنت فتبسمت
1 ( قوله باب السن بالسن ) قال بن بطال اجمعوا على قلع السن بالسن في العمد واختلفوا في سائر عظام الجسد فقال مالك فيها القود إلا ما كان مجوفا أو كان كالمأمومة والمنقلة والهاشمة ففيها الدية واحتج بالآية ووجه الدلالة منها أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد على لسان نبينا بغير إنكار وقد دل قوله السن بالسن على إجراء القصاص في العظم لأن السن عظم إلا ما أجمعوا على أن لا قصاص فيه إما لخوف ذهاب النفس وإما لعدم الاقتدار على المماثلة فيه وقال الشافعي والليث والحنفية لا قصاص في العظم غير السن لأن دون العظم حائلا من جلد ولحم وعصب يتعذر معه المماثلة فلو أمكنت لحكمنا بالقصاص ولكنه لا يصل إلى العظم حتى ينال ما دونه مما لا يعرف قدره وقال الطحاوي اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس فليلتحق بها سائر العظام وتعقب بأنه قياس مع وجود النص فان في حديث الباب أنها كسرت الثنية فأمرت بالقصاص مع أن الكسر لا تطرد فيه المماثلة
6499 قوله حدثنا الأنصاري هو محمد بن عبد الله وسماه البخاري في روايته عنه هذا الحديث في تفسير سورة البقرة قوله عن حميد عن أنس في رواية التفسير حدثنا حميد أن أنسا حدثه قوله أن ابنة النضر تقدم في التفسير بهذا السند عن أنس أن الربيع بضم أوله والتشديد عمته وفي تفسير المائدة من رواية الفزاري عن حميد عن أنس كسرت الربيع عمة أنس ولأبي داود من طريق معتمر عن حميد عن أنس كسرت الربيع أخت أنس بن النضر قوله لطمت جارية فكسرت ثنيتها وفي رواية الفزاري جارية من الأنصار وفي رواية معتمر امرأة بدل جارية وهو يوضح أن المراد بالجارية المرأة الشابة لا الأمة الرقيقة قوله فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم زاد في الصلح ومثله لابن ماجة والنسائي من وجه آخر عن أنس فطلبوا إليهم العفو فأبوا فعرضوا عليهم الارش فأبوا أي طلب أهل الربيع إلى أهل التي كسرت ثنيتها أن يعفوا عن الكسر المذكور مجانا أو على مال فامتنعوا زاد في الصلح فأبوا الا القصاص وفي رواية الفزاري فطلب القوم القصاص فاتوا النبي صلى الله عليه وسلم قوله فأمر بالقصاص زاد في الصلح فقال أنس بن النضر إلى آخر ما حكيته قريبا في باب القصاص بين الرجال والنساء وقوله فيه فرضي القوم وعفوا وقع في رواية الفزاري فرضي القوم فقبلوا الارش وفي رواية معتمر فرضوا بأرش أخذوه وفي رواية مروان بن معاوية عن حميد عند الإسماعيلي فرضي أهل المرأة بأرش أخذوه فعفوا فعرف أن قوله فعفوا أي على الدية زاد معتمر فعجب النبي صلى الله عليه وسلم وقال إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره أي لأبر قسمه ووقع في رواية خالد الطحان عن حميد عن أنس في هذا الحديث عند بن أبي عاصم كم من رجل لو أقسم على الله لأبره ووجه تعجبه أن أنس بن النضر أقسم على نفي فعل غيره مع إصرار ذلك الغير على إيقاع ذلك الفعل فكان قضية ذلك في العادة أن يحنث في يمينه فألهم الله الغير العفو فبر قسم أنس وأشار بقوله ان من عباد الله إلى أن هذا الاتفاق انما وقع إكراما من الله لأنس ليبر يمينه وأنه من جملة عباد الله الذين يجيب دعاءهم ويعطيهم أربهم واختلف في ضبط قوله صلى الله عليه وسلم كتاب الله القصاص فالمشهور أنهما مرفوعان على أنهما مبتدأ وخبر وقيل منصوبان على أنه مما وضع فيه المصدر موضع الفعل أي كتب الله القصاص أو على الإغراء والقصاص بدل منه فينصب أو ينصب بفعل محذوف ويجوز رفعه بأن يكون خبر مبتدأ محذوف واختلف أيضا في المعنى فقيل المراد حكم كتاب الله القصاص فهو على تقدير حذف مضاف وقيل المراد بالكتاب الحكم أي حكم الله القصاص وقيل أشار إلى قوله والجروح قصاص فعاقبوا وقيل إلى قوله فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به وقيل إلى قوله والسن بالسن في قوله وكتبنا عليهم فيها بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يرفعه وقد استشكل إنكار أنس بن النضر كسر سن الربيع مع سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالقصاص ثم قال أتكسر سن الربيع ثم أقسم أنها لا تكسر وأجيب بأنه أشار بذلك إلى التأكيد على النبي صلى الله عليه وسلم في طلب الشفاعة إليهم أن يعفوا عنها وقيل كان حلفه قبل أن يعلم أن القصاص حتم فظن أنه على التخيير بينه وبين الدية أو العفو وقيل لم يرد الإنكار المحض والرد بل قاله توقعا ورجاء من فضل الله أن يلهم الخصوم الرضا حتى يعفوا أو يقبلوا الأرش وبهذا جزم الطيبي فقال لم يقله ردا للحكم بل نفي وقوعه لما كان له عند الله من اللطف به في أموره والثقة بفضله أن لا يخيبه فيما حلف به ولا يخيب ظنه فيما أراده بأن يلهمهم العفو وقد وقع الأمر على ما أراد وفيه جواز الحلف فيما يظن وقوعه والثناء على من وقع له ذلك عند أمن الفتنة بذلك عليه واستحباب العفو عن القصاص والشفاعة في العفو وأن الخيرة في القصاص أو الدية للمستحق على المستحق عليه واثبات القصاص بين النساء في الجراحات وفي الأسنان وفيه الصلح على الدية وجريان القصاص في كسر السن ومحله فيما إذا أمكن التماثل بأن يكون المكسور مضبوطا فيبرد من سن الجاني ما يقابله بالمبرد مثلا قال أبو داود في السنن قلت لأحمد كيف فقال يبرد ومنهم من حمل الكسر في هذا الحديث على القلع وهو بعيد من هذا السياق
1 ( قوله باب دية الأصابع ) أي هل مستوية أو مختلفة
6500 قوله عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذه وهذه سواء يعني الخنصر والابهام في رواية النسائي من طريق يزيد بن زريع عن شعبة الإبهام والخنصر وحذف لفظة يعني وزاد في رواية عنه عشر عشر ولعلي بن الجعد عن شعبة عن الإسماعيلي وأشار إلى الخنصر والابهام وللإسماعيلي من طريق عاصم بن علي عن شعبة ديتهما سواء ولأبي داود من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة الأصابع والأسنان سواء الثنية والضرس سواء ولأبي داود والترمذي من طريق يزيد النحوي عن عكرمة بلفظ الأسنان والأصابع سواء وفي لفظ أصابع اليدين والرجلين سواء وأخرج بن أبي عاصم من رواية يحيى القطان عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال بعثه مروان إلى بن عباس يسأله عن الأصابع فقال قضى النبي صلى الله عليه وسلم في اليد خمسين وكل إصبع عشر وكذا في كتاب عمرو بن حزم عند مالك في الأصابع عشر عشر وسأذكر سنده ولابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه الأصابع سواء كلهن فيه عشر عشر من الإبل وفرقه أبو داود حديثين وسنده جيد قوله سمعت النبي صلى الله عليه وسلم نحوه نزل المصنف في هذا السند درجة من أجل وقوع التصريح فيه بالسماع وأما قوله نحوه فقد أخرجه بن ماجة والإسماعيلي من رواية بن أبي عدي المذكورة بلفظ الأصابع سواء وأخرجاه من رواية بن أبي عدي أيضا لكن مقرونا به غندر والقطان بلفظ الرواية الأولى ولكن بتقديم الإبهام على الخنصر قال الترمذي العمل على هذا عند أهل العلم وبه يقول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق قلت وبه قال جميع فقهاء الأمصار وكان فيه خلاف قديم فأخرج بن أبي شيبة من رواية سعيد بن المسيب عن عمر في الإبهام خمسة عشر وفي السبابة والوسطى عشر عشر وفي البنصر تسع وفي الخنصر ست ومثله عن مجاهد وفي جامع الثوري عن عمر نحوه وزاد قال سعيد بن المسيب حتى وجد عمر في كتاب الديات لعمرو بن حزم في كل إصبع عشر فرجع إليه قلت وكتاب عمرو بن حزم أخرجه مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم في العقول أن في العشر مائة من الإبل وفيه وفي اليد خمسون وفي الرجل خمسون وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل ووصله أبو داود في المراسيل والنسائي من وجه آخر عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده مطولا وصححه بن حبان وأعله أبو داود والنسائي وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه في الإبهام والتي تليها نصف دية اليد وفي كل واحدة عشر وأخرج بن أبي شيبة عن مجاهد نحو أثر عمر إلا أنه قال في البنصر ثمان وفي الخنصر سبع ومن طريق الشعبي كنت عند شريح فجاءه رجل فسأله فقال في كل إصبع عشر فقال سبحان الله هذه وهذه سواء الإبهام والخنصر قال ويحك إن السنة منعت القياس اتبع ولا تبتدع وأخرجه بن المنذر وسنده صحيح وأخرج مالك في الموطأ أن مروان بعث أبا غطفان المزني إلى بن عباس ماذا في الضرس فقال خمس من الإبل قال فردني إليه أتجعل مقدم الفم مثل الأضراس فقال لو لم تعتبر ذلك إلا في الأصابع عقلها سواء وهذا يقتضي ان لا خلاف عند بن عباس ومروان في الأصابع والا لكان في القياس المذكور نظر قال الخطابي هذا أصل في كل جناية لا تضبط كميتها فإذا فاق ضبطها من جهة المعنى اعتبرت من حيث الاسم فتتساوى ديتها وان اختلف حالها ومنفعتها ومبلغ فعلها فان للابهام من القوة ما ليس للخنصر ومع ذلك فديتهما سواء ومثله في الجنين غرة سواء كان ذكرا أو أنثى وكذا القول في الواضح ديتها سواء ولو اختلفت في المساحة وكذلك الأسنان نفع بعضها أقوى من بعض وديتها سواء نظرا للاسم فقط وما أخرجه مالك في الموطأ عن ربيعة سألت سعيد بن المسيب كم في إصبع المرأة قال عشر قلت ففي إصبعين قال عشرون قلت ففي ثلاث قال ثلاثون قلت ففي أربع قال عشرون قلت حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها قال يا بن أخي هي السنة فانما قال ذلك لأن دية المرأة نصف دية الرجل لكنها عنده تساويه فيما كان قدر ثلث الدية فما دونه فإذا زاد على ذلك رجعت إلى حكم النصف
1 ( قوله باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب )
كذا للأكثر وفي رواية يعاقبون بصيغة الجمع وفي أخرى بحذف النون وهي لغة ضعيفة وقوله أو يقتص منهم كلهم أي إذا قتل أو جرح جماعة شخصا واحدا هل يجب القصاص على الجميع أو يتعين واحدا ليقتص منه ويؤخذ من الباقين الدية فالمراد بالمعاقبة هنا المكافأة وكأن المصنف أشار إلى قول بن سيرين فيمن قتله اثنان يقتل أحدهما ويؤخذ من الآخر الدية فان كانوا أكثر وزعت عليهم بقية الدية كما لو قتله عشرة فقتل واحد أخذ من التسعة تسع الدية وعن الشعبي يقتل الولي من شاء منهما أو منهم ان كانوا أكثر من واحد ويعفو عمن بقي وعن بعض السلف يسقط القود ويتعين الدية حكي عن ربيعة وأهل الظاهر وقال بن بطال جاء عن معاوية وبن الزبير والزهري مثل قول بن سيرين وحجة الجمهور أن النفس لا تتبعض فلا يكون زهوقها بفعل بعض دون بعض وكان كل منهم قاتلا ومثله لو اشتركوا في رفع حجر على رجل فقتله كان كل واحد منهم رفع بخلاف ما لو اشتركوا في أكل رغيف فان الرغيف يتبعض حسا ومعنى قوله وقال مطرف عن الشعبي في رجلين شهدا على رجل الخ وصله الشافعي عن سفيان بن عيينة عن مطرف بن طريف عن الشعبي ان رجلين أتيا عليا فشهدا على رجل أنه سرق فقطع يده ثم أتياه بآخر فقالا هذا الذي سرق وأخطأنا على الأول فلم يجز شهادتهما على الآخر وأغرمهما دية الأول وقال لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعتكما ولم أقف على الشاهدين ولا على اسم المشهود عليهما وعرف بقوله ولم يجز شهادتيهما على الآخر المراد بقوله في رواية البخاري فأبطل شهادتهما ففيه تعقب على من حمل الابطال على شهادتهما معا الأولى لإقرارهما فيها بالخطأ والثانية لكونهما صارا متهمين ووجه التعقب أن اللفظ وان كان محتملا لكن الرواية الأخرى عينت أحد الاحتمالين قوله وقال لي بن بشار هو محمد المعروف ببندار ويحيى هو القطان وعبيد الله هو بن عمر العمري قوله أن غلاما قتل غيلة بكسر الغين المعجمة أي سرا فقال عمر لو اشترك فيها في رواية الكشميهني فيه وهو أوجه والتأنيث على إرادة النفس وهذا الأثر موصول إلى عمر بأصح إسناد وقد أخرجه بن أبي شيبة عن عبد الله بن نمير عن يحيى القطان من وجه آخر عن نافع ولفظه أن عمر قتل سبعة من أهل صنعاء برجل الخ وأخرجه الموطأ بسند آخر قال عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر قتل خمسة أو ستة برجل قتلوه غيلة وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا ورواية نافع أوصل وأوضح وقوله تمالأ بهمزة مفتوحة بعد اللام ومعناه توافق والأثر مع ذلك مختصر من الذي بعده قوله وقال مغيرة بن حكيم عن أبيه الخ هو مختصر من الأثر الذي وصله بن وهب ومن طريقه قاسم بن أصبغ والطحاوي والبيهقي قال بن وهب حدثني جرير بن حازم أن المغيرة بن حكيم الصنعاني حدثه عن أبيه أن امرأة بصنعاء غاب عنها زوجها وترك في حجرها ابنا له من غيرها غلاما يقال له أصيل فأتخذت المرأة بعد زوجها خليلا فقالت له ان هذا الغلام يفضحنا فاقتله فأبى فامتنعت منه فطاوعها فاجتمع على قتل الغلام الرجل ورجل آخر والمرأة وخادمها فقتلوه ثم قطعوه أعضاء وجعلوه في عيبة بفتح المهملة وسكون التحتانية ثم موحدة مفتوحة هي وعاء من ادم فطرحوه في ركية بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد التحتانية هي البئر التي لم تطو في ناحية القرية ليس فيها ماء فذكر القصة وفيه فأخذ خليلها فاعترف ثم اعترف الباقون فكتب يعلى وهو يومئذ أمير بشأنهم إلى عمر فكتب إليه عمر بقتلهم جميعا وقال والله لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله لقتلتهم أجمعين وأخرجه أبو الشيخ في كتاب الترهيب من وجه آخر عن جرير بن حازم وفيه فكتب يعلى بن أمية عامل عمر على اليمن إلى عمر فكتب إليه نحوه وفي أثر بن عمر هذا تعقب على بن عبد البر في قوله لم يقل فيه انه قتل غيلة الا مالك وروينا نحو هذه القصة من وجه آخر عند الدارقطني وفي فوائد أبي الحسن بن زنجويه بسند جيد إلى أبي المهاجر عبد الله بن عميرة من بني قيس بن ثعلبة قال كان رجل يسابق الناس كل سنة بأيام فلما قدم وجد مع وليدته سبعة رجال يشربون فأخذوه فقتلوه فذكر القصة في اعترافهم وكتاب الأمير إلى عمر وفي جوابه أن اضرب أعناقهم واقتلها معهم فلو أن أهل صنعاء اشتركوا في دمه لقتلتهم وهذه القصة غير الأولى وسنده جيد فقد تكرر ذلك من عمر ولم أقف على اسم واحد ممن ذكر فيها الا على اسم الغلام في رواية بن وهب وحكيم والد المغيرة صنعاني لا أعرف حاله ولا اسم والده وقد ذكره بن حبان في ثقات التابعين قوله وأقاد أبو بكر وبن الزبير وعلي وسويد بن مقرن من لطمة وأقاد عمر من ضربة بالدرة وأقاد على من ثلاثة أسواط واقتص شريح من سوط وخموش أما أثر أبي بكر وهو الصديق فوصله بن أبي شيبة من طريق يحيى بن الحصين سمعت طارق بن شهاب يقول لطم أبو بكر يوما رجلا لطمه فقيل ما رأينا كاليوم قط هنعة ولطمة فقال أبو بكر ان هذا أتاني ليستحملني فحملته فإذا هو يتبعهم فحلفت أن لا أحمله ثلاث مرات ثم قال له اقتص فعفا الرجل وأما أثر بن الزبير فوصله بن أبي شيبة ومسدد جميعا عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار أن بن الزبير أقاد من لطمة وأما أثر علي الأول فأخرجه بن أبي شيبة من طريق ناجية أبي الحسن عن أبيه أن عليا أتى في رجل لطم رجلا فقال للملطوم اقتص وأما أثر سويد بن مقرن فوصله بن أبي شيبة من طريق الشعبي عنه وأما أثر عمر فأخرجه في الموطأ عن عاصم بن عبيد الله عن عمر منقطعا ووصله عبد الرزاق عن مالك عن عاصم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال كنت مع عمر بطريق مكة فبال تحت شجرة فناداه رجل فضربه بالدرة فقال عجلت علي فأعطاه المخفقة وقال اقتص فأبى فقال لتفعلن قال فاني أغفرها وأما أثر علي الثاني فأخرجه بن أبي شيبة وسعيد بن منصور من طريق فضيل بن عمرو عن عبد الله بن معقل بكسر القاف قال كنت عند علي فجاءه رجل فساره فقال يا قنبر اخرج فاجلد هذا فجاء المجلود فقال إنه زاد علي ثلاثة أسواط فقال صدق قال خذ السوط فاجلده ثلاثة أسواط ثم قال يا قنبر إذا جلدت فلا تتعد الحدود وأما أثر شريح فوصله بن سعد وسعيد بن منصور من طريق إبراهيم النخعي قال جاء رجل إلى شريح فقال أقدني من جلوازك فسأله فقال ازدحموا عليك فضربته سوطا فأقاده منه ومن طريق بن سيرين قال اختصم إليه يعني شريحا عبد جرح حرا فقال ان شاء اقتص منه وأخرج بن أبي شيبة من طريق أبي إسحاق عن شريح أنه أقاد من لطمة ومن وجه آخر عن أبي إسحاق عن شريح أنه أقاد من لطمة وخموش والخموش بضم المعجمة الخدوش وزنه ومعناه والخماشة ما ليس له أرش معلوم من الجراحة والجلواز بكسر الجيم وسكون اللام وآخره زاى هو الشرطي سمي بذلك لأن من شأنه حمل الجلاز بكسر الجيم وباللام الخفيفة وهو السير الذي يشد في السوط وعادة الشرطي أن يربطه في وسطه قال بن بطال جاء عن عثمان وخالد بن الوليد نحو قول أبي بكر وهو قول الشعبي وطائفة من أهل الحديث وقال الليث وبن القاسم يقاد من الضرب بالسوط وغيره إلا اللطمة في العين ففيها العقوبة خشية على العين والمشهور عن مالك وهو قول الأكثر لا قود في اللطمة إلا أن جرحت ففيها حكومة والسبب فيه تعذر المماثلة لافتراق لطمتى القوى والضعيف فيجب التعزير بما يليق باللاطم وقال بن القيم بالغ بعض المتأخرين فنقل الإجماع على عدم القود في اللطمة والضربة وانما يجب التعزير وذهل في ذلك فان القول بجريان القود في ذلك ثابت عن الخلفاء الراشدين فهو أولى بأن يكون إجماعا وهو مقتضى إطلاق الكتاب والسنة ثم ذكر المصنف حديث عائشة في اللدود وقد مضى القول فيه في باب القصاص بين الرجال والنساء وأنه ليس بظاهر في القصاص لكن
6501 قوله في آخره الا العباس فإنه لم يشهدكم فقد تمسك به من قال إنه فعله قصاصا لا تأديبا قال بن بطال هو حجة لمن قال يقاد من اللطمة والسوط يعني ومناسبة ذكر ذلك في ترجمة القصاص من الجماعة للواحد ليست ظاهرة وأجاب بن المنير بأن ذلك مستفاد من إجراء القصاص في الأمور الحقيرة ولا يعدل فيها عن القصاص إلى التأديب فكذا ينبغي أن يجري القصاص على المشتركين في الجناية سواء قلوا أم كثروا فان نصيب كل منهم عظيم معدود من الكبائر فكيف لا يجرى فيه القصاص والعلم عند الله تعالى 1 ( قوله باب القسامة )
بفتح القاف وتخفيف المهملة هي مصدر أقسم قسما وقسامة وهي الأيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم أو على المدعي عليهم الدم وخص القسم على الدم بلفظ القسامة وقال إمام الحرمين القسامة عند أهل اللغة اسم للقوم الذين يقسمون وعند الفقهاء اسم للايمان وقال في المحكم القسامة الجماعة يقسمون على الشيء أو يشهدون به ويمين القسامة منسوب إليهم ثم أطلقت على الأيمان نفسها قوله وقال الأشعث بن قيس قال النبي صلى الله عليه وسلم شاهداك أو يمينه هو طرف من حديث تقدم موصولا تاما في كتاب الشهادات ثم في كتاب الأيمان والنذور مع شرحه وأشار المصنف بذكره هنا إلى ترجيح رواية سعيد بن عبيد في حديث الباب أن الذي يبدأ في يمين القسامة المدعى عليهم كما سيأتي البحث فيه قوله وقال بن أبي مليكة لم يقد بضم أوله والقاف من أفاد إذا اقتص وقد وصله حماد بن سلمة في مصنفه ومن طريقه بن المنذر قال حماد عن بن أبي مليكة سألني عمر بن عبد العزيز عن القسامة فأخبرته أن عبد الله بن الزبير أقاد بها وأن معاوية يعنى بن أبي سفيان لم يقد بها وهذا سند صحيح وقد توقف بن بطال في ثبوته فقال قد صح عن معاوية أنه أقاد بها ذكر ذلك عنه أبو الزناد في احتجاجه على أهل العراق قلت هو في صحيفة عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه ومن طريقه أخرجه البيهقي قال حدثني خارجة بن زيد بن ثابت قال قتل رجل من الأنصار رجلا من بني العجلان ولم يكن على ذلك بينة ولا لطخ فأجمع رأى الناس على أن يحلف ولاة المقتول ثم يسلم إليهم فيقتلوه فركبت إلى معاوية في ذلك فكتب إلى سعيد بن العاص إن كان ما ذكره حقا فافعل ما ذكروه فدفعت الكتاب إلى سعيد فأحلفنا خمسين يمينا ثم أسلمه إلينا قلت ويمكن الجمع بان معاوية لم يقد بها لما وقعت له وكان الحكم في ذلك ولما وقعت لغيره وكل الأمر في ذلك إليه ونسب إليه أنه أقاد بها لكونه أذن في ذلك وقد تمسك مالك بقول خارجة المذكور فأطلق أن القود بها إجماع ويحتمل أن يكون معاوية كان يرى القود بها ثم رجع عن ذلك أو بالعكس وقد أخرج الكرابيسي في أدب القضاء بسند صحيح عن الزهري عن سعيد بن المسيب قصة أخرى قضى فيها معاوية بالقسامة لكن لم يصرح فيها بالقتل وقصة أخرى لمروان قضى فيها بالقتل وقضى عبد الملك بن مروان بمثل قضاء أبيه قوله وكتب عمر بن عبد العزيز الخ وصله سعيد بن منصور حدثنا هشام حدثنا حميد الطويل قال كتب عدي بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز في قتيل وجد في سوق البصرة فكتب إليه عمر رحمه الله ان من القضايا ما لا يقضي فيه إلى يوم القيامة وان هذه القضية لمنهن وأخرج بن المنذر من وجه آخر عن حميد قال وجد قتيل بين قشير وعائش فكتب فيه عدي بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز فذكر نحوه وهذا أثر صحيح وعدي بن أرطاة بفتح الهمزة وسكون الراء بعدها مهملة وهو فزاري من أهل دمشق قوله في الأثر المعلق وكان أمره بالتشديد على البصرة قلت كانت ولاية عمر بن عبد العزيز لعدي على إمرة البصرة سنة تسع وتسعين وذكر خليفة أنه قتل سنة ثنتين ومائة وقوله من بيوت السمانين بتشديد الميم أي الذين يبيعون السمن وقد اختلف على عمر بن عبد العزيز في القود بالقسامة كما اختلف على معاوية فذكر بن بطال أن في مصنف حماد بن سلمة عن بن أبي مليكة أن عمربن عبد العزيز أقاد بالقسامة في إمرته على المدينة قلت ويجمع بأنه كان يرى بذلك لما كان أميرا على المدينة ثم رجع لما ولي الخلافة ولعل سبب ذلك ما سيأتي في آخر الباب من قصة أبي قلابة حيث احتج على عدم القود بها فكأنه وافقه على ذلك وأخرج بن المنذر من طريق الزهري قال قال لي عمر بن عبد العزيز إني أريد أن أدع القسامة يأتي رجل من أرض كذا وآخر من أرض كذا فيحلفون على ما لا يرون فقلت انك ان تتركها يوشك ان الرجل يقتل عند بابك فيبطل دمه وان للناس في القسامة لحياة وسبق عمر بن عبد العزيز إلى إنكار القسامة سالم بن عبد الله بن عمر فاخرج بن المنذر عنه أنه كان يقول يا لقوم يحلفون على أمر لم يروه ولم يحضروه ولو كان لي أمر لعاقبتهم ولجعلتهم نكالا ولم أقبل لهم شهادة وهذا يقدح في نقل إجماع أهل المدينة على القود بالقسامة فان سالما من أجل فقهاء المدينة وأخرج بن المنذر أيضا عن بن عباس أن القسامة لا يقاد بها وأخرج بن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي قال القود بالقسامة جور ومن طريق الحكم بن عتيبة أنه كان لا يرى القسامة شيئا ومحصل الاختلاف في القسامة هل يعمل بها أو لا وعلى الأول فهل توجب للقود أو الدية وهل يبدأ بالمدعين أو المدعى عليهم واختلفوا أيضا في شرطها
6502 قوله سعيد بن عبيد هو الطائي الكوفي يكنى أبا هذيل روى عنه الثوري وغيره من الأكابر وأبو نعيم الراوي عنه هنا هو آخر من روى عنه وثقة أحمد وبن معين وآخرون وقال الآجري عن أبي داود كان شعبة يتمنى لقاءه وفي طبقته سعيد بن عبيد الهنائي بضم الهاء وتخفيف النون وهمز ومد بصري صدوق أخرج له الترمذي والنسائي قوله عن بشير بالموحدة والمعجمة مصغر بن يسار بتحتانية ثم مهملة خفيفة لا أعرف اسم جده وفي رواية مسلم من طريق بن نمير عن سعيد بن عبيد حدثنا بشير بن يسار الأنصاري قلت وهو من موالي بني حارثة من الأنصار قال بن إسحاق كان شيخا كبيرا فقيها أدرك عامة الصحابة ووثقه يحيى بن معين والنسائي وكناه محمد بن إسحاق في روايته أبا كيسان قوله زعم أن رجلا من الأنصار يقال له سهل بن أبي حثمة بفتح المهملة وسكون المثلثة ولم يقع في رواية بن نمير زعم بل عنده عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري أنه أخبره وكذا لأبي نعيم في المستخرج من وجه آخر عن أبي نعيم شيخ البخاري واسم أبي حثمة عامر بن ساعدة بن عامر ويقال اسم أبيه عبد الله فاشتهر هو بالنسبة إلى جده وهو من بني حارثة بطن من الأوس قوله ان نفرا من قومه سمى يحيى بن سعيد الأنصاري في روايته عن بشير بن يسار منهم اثنين فتقدم في الجزية من طريق بشر بن المفضل عن يحيى بهذا السند انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود بن زيد وفي الأدب من رواية حماد بن زيد عن يحيى عن بشير عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج أنهما حدثا أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود انطلقا وعند مسلم من رواية الليث عن يحيى عن بشير عن سهل قال يحيى وحسبت انه قال ورافع بن خديج أنهما قالا خرج عبد الله بن سهل بن زيد ومحيصة بن مسعود بن زيد ونحوه عنده من رواية هشيم عن يحيى لكن لم يذكر رافعا ولفظه عن بشير بن يسار ان رجلا من الأنصار من بني حارثة يقال له عبد الله بن سهل بن زيد انطلق هو وبن عم له يقال له محيصة بن مسعود بن زيد وأسنده في آخره عن سهل بن أبي حثمة به وثبت ذكر رافع بن خديج في هذا الحديث غير مسمى عند أبي داود من طريق أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره هو ورجل من كبراء قومه وعند بن أبي عاصم من طريق إسماعيل بن عياش عن يحيى عن بشير عن سهل ورافع وسويد بن النعمان أن القسامة كانت فيهم في بني حارثة فذكر بشير عنهم أن عبد الله بن سهل خرج فذكر الحديث ومحيصة بضم الميم وفتح المهملة وتشديد التحتانية مكسورة بعدها صاد مهملة وكذا ضبط أخيه حويصة وحكي التخفيف في الاسمين معا ورجحه طائفة قوله انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها في رواية يحيى بن سعيد انطلقا إلى خيبر فتفرقا وتحمل رواية الباب على انه كان معهما تابع لهما وقد وقع في رواية محمد بن إسحاق عن بشير بن يسار عن بن أبي عاصم خرج عبد الله بن سهل في أصحاب له يمتارون تمرا زاد سليمان بن بلال عند مسلم في روايته عن يحيى بن سعيد في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي يومئذ صلح وأهلها يهود وقد تقدم بيان ذلك في المغازي والمراد ان ذلك وقع بعد فتحها فانها لما فتحت أقر النبي صلى الله عليه وسلم أهلها فيها على أن يعملوا في المزارع بالشطر مما يخرج منها كما تقدم بيانه وفي رواية أبي ليلى بن عبد الله خرج إلى خيبر قوله فوجدوا أحدهم قتيلا في رواية بشر بن المفضل فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلا أي يضطرب فيتمرغ في دمه فدفنه وفي رواية الليث فإذا محيصة يجد عبد الله بن سهل قتيلا فدفنه وفي رواية سليمان بن بلال فوجد عبد الله بن سهل مقتولا في سربه فدفنه صاحبه وفي رواية أبي ليلى فأخبر محيصة أن عبد الله قتل وطرح في فقير بفاء مفتوحة ثم قاف مكسورة أي حفيرة قوله فقالوا للذين وجد فيهم قد قتلتم صاحبنا قالوا ما قتلنا ولا علمنا قاتلا في رواية أبي ليلى فأتى محيصة يهود فقال أنتم والله قتلتموه قالوا والله ما قتلناه قوله فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية حماد بن زيد فجاء عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتكلموا في أمر صاحبهم وفي رواية سليمان بن بلال فأتى أخو المقتول عبد الرحمن ومحيصة وحويصة فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم شأن عبد الله حيث قتل وفي رواية الليث ثم أقبل محيصة إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو وحويصة وعبد الرحمن بن سهل زاد أبو ليلى في روايته وهو أي حويصة أكبر منه أي من محيصة قوله فقال الكبر الكبر بضم الكاف وسكون الموحدة وبالنصب فيهما على الإغراء زاد في رواية يحيى بن سعيد فبدأ عبد الرحمن يتكلم وكان أصغر القوم زاد حماد بن زيد عن يحيى عند مسلم في أمر أخيه وفي رواية بشير وهو أحدث القوم وفي رواية الليث فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال كبر الكبر الأولى أمر والأخرى كالأول ومثله في رواية حماد بن زيد وزاد أو قال يبدأ الأكبر وفي رواية بشر بن المفضل كبر كبر بتكرار الأمر وكذا في رواية أبي ليلى وزاد يريد السن وفي رواية الليث فسكت وتكلم صاحباه وفي رواية بشر وتكلما قوله تأتون بالبينة على من قتله قالوا ما لنا بينة كذا في رواية سعيد بن عبيد ولم يقع في رواية يحيى بن سعيد الأنصاري ولا في رواية أبي قلابة الأتية في الحديث الذي بعده للبينة ذكر وإنما قال يحيى في رواية أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم هذه رواية بشر بن المفضل عنه وفي رواية حماد عنه أتستحقون قاتلكم أو صاحبكم بأيمان خمسين منكم وفي رواية عند مسلم يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته وفي رواية سليمان بن بلال تحلفون خمسين يمينا وتستحقون وفي رواية بن عيينة عن يحيى عند أبي داود تبرئكم يهود بخمسين يمينا تحلفون فبدأ بالمدعى عليهم لكن قال أبو داود إنه وهم كذا جزم بذلك وقد قال الشافعي كان بن عيينة لا يثبت أقدم النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار في الأيمان أو اليهود فيقال له ان في الحديث أنه قدم الأنصار فيقول هو ذاك وربما حدث به كذلك ولم يشك وفي رواية أبي ليلى فقال لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم فقالوا لا وفي رواية أبي قلابة فأرسل إلى اليهود فدعاهم فقال أنتم قتلتم هذا فقالوا لا فقال أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه ونفل بفتح النون وسكون الفاء يأتي شرحه وزاد يحيى بن سعيد كيف نحلف ولم نشهد ولم نر وفي رواية حماد عنه أمر لم نره وفي رواية سليمان ما شهدنا ولا حضرنا قوله قال فيحلفون قالوا لا نرضى بأيمان اليهود وفي رواية أبي ليلى فقالوا ليسوا بمسلمين وفي رواية يحيى بن سعيد فتبرئكم يهود بخمسين يمينا أي يخلصونكم من الأيمان بأن يحلفوهم فإذا حلفوا انتهت الخصومة فلم يجب عليهم شيء وخلصتم أنتم من الأيمان قالوا كيف نأخذ بأيمان قوم كفار وفي رواية الليث نقبل بدل نأخذ وفي رواية أبي قلابة ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم يحلفون كذا في رواية سعيد بن عبيد لم يذكر عرض الأيمان على المدعين كما لم يقع في رواية يحيى بن سعيد طلب البينة أولا وطريق الجمع أن يقال حفظ أحدهم ما لم يحفظ الآخر فيحمل على أنه طلب البينة أولا فلم تكن لهم بينة فعرض عليهم الأيمان فأمتنعوا فعرض عليهم تحليف المدعى عليهم فأبوا وأما قول بعضهم ان ذكر البينة وهم لأنه صلى الله عليه وسلم قد علم أن خيبر حينئذ لم يكن بها أحد من المسلمين فدعوى نفي العلم مردودة فإنه وان سلم انه لم يسكن مع اليهود فيها أحد من المسلمين لكن في نفس القصة أن جماعة من المسلمين خرجوا يمتارون تمرا فيجوز أن تكون طائفة أخرى خرجوا لمثل ذلك وان لم يكن في نفس الأمر كذلك وقد وجدنا لطلب البينة في هذه القصة شاهدا من وجه آخر أخرجه النسائي من طريق عبد الله بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان بن محيصة الأصغر أصبح قتيلا على أبواب خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقم شاهدين على من قتله ادفعه إليك برمته قال يا رسول الله اني أصيب شاهدين وانما أصبح قتيلا على أبوابهم قال فتحلف خمسين قسامة قال فكيف أحلف على ما لا أعلم قال تستحلف خمسين منهم قال كيف وهم يهود وهذا السند صحيح حسن وهو نص في الحمل الذي ذكرته فتعين المصير إليه وقد أخرج أبو داود أيضا من طريق عباية بن رفاعة عن جده رافع بن خديج قال أصبح رجل من الأنصار بخيبر مقتولا فانطلق أولياؤه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم قال لم يكن ثم أحد من المسلمين وانما هم اليهود وقد يجترئون على أعظم من هذا قوله فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطل بضم أوله وفتح الطاء وتشديد اللام أي يهدر قوله فوداه مائة في رواية الكشميهني بمائة ووقع في رواية أبي ليلى فوداه من عنده وفي رواية يحيى بن سعيد فعقله النبي صلى الله عليه وسلم من عنده أي أعطى ديته وفي رواية حماد بن زيد من قبله بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهته وفي رواية الليث عنه فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عقله قوله من إبل الصدقة زعم بعضهم أنه غلط من سعيد بن عبيد لتصريح يحيى بن سعيد بقوله من عنده وجمع بعضهم بين الروايتين باحتمال أن يكون اشتراها من إبل الصدقة بمال دفعه من عنده أو المراد بقوله من عنده أي بيت المال المرصد للمصالح وأطلق عليه صدقة باعتبار الانتفاع به مجانا لما في ذلك من قطع المنازعة وإصلاح ذات البين وقد حمله بعضهم على ظاهره فحكى القاضي عياض عن بعض العلماء جواز صرف الزكاة في المصالح العامة واستدل بهذا الحديث وغيره قلت وتقدم شيء من ذلك في كتاب الزكاة في الكلام على حديث أبي لاس قال حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل من إبل الصدقة في الحج وعلى هذا فالمراد بالعندية كونها تحت أمره وحكمه وللاحتراز من جعل ديته على اليهود أو غيرهم قال القرطبي في المفهم فعل صلى الله عليه وسلم ذلك على مقتضى كرمه وحسن سياسته وجلبا للمصلحة ودرءا للمفسدة على سبيل التأليف ولا سيما عند تعذر الوصول إلى إستيفاء الحق ورواية من قال من عنده أصح من رواية من قال من إبل الصدقة وقد قيل إنها غلط والأولى أن لا يغلط الراوي ما أمكن فيحتمل أوجها منها فذكر ما تقدم وزاد أن يكون تسلف ذلك من إبل الصدقة ليدفعه من مال الفيء أو أن أولياء القتيل كانوا مستحقين للصدقة فأعطاهم أو أعطاهم ذلك من سهم المؤلفة استئلافا لهم واستجلابا لليهود انتهى وزاد أبو ليلى في روايته قال سهل فركضتني ناقة وفي رواية حماد بن زيد عن يحيى أدركته ناقة من تلك الإبل فدخلت مربدا لهم فركضتني برجلها وفي رواية شيبان بن بلال لقد ركضتني ناقة من تلك الفرائض بالمربد وفي رواية محمد بن إسحاق فوالله ما أنسى ناقة بكرة منها حمراء ضربتني وأنا أحوزها وفي حديث الباب من الفوائد مشروعية القسامة قال القاضي عياض هذا الحديث أصل من أصول الشرع وقاعدة من قواعد الأحكام وركن من أركان مصالح العباد وبه أخذ كافة الأئمة والسلف من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين وان اختلفوا في صورة الاخذ به وروي التوقف عن الأخذ به عن طائفة فلم يروا القسامة ولا أثبتوا بها في الشرع حكما وهذا مذهب الحكم بن عتيبة وأبي قلابة وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وقتادة ومسلم بن خالد وإبراهيم بن علية واليه ينحو البخاري وروي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه قلت وهذا ينافي ما صدر به كلامه أن كافة الأئمة أخذوا بها وقد تقدم النقل عمن لم يقل بمشروعيتها في أول الباب وفيهم من لم يذكره القاضي قال واختلف قول مالك في مشروعية القسامة في قتل الخطأ واختلف القائلون بها في العمد هل يجب بها القود أو الدية فمذهب معظم الحجازيين إيجاب القود إذا كملت شروطها وهو قول الزهري وربيعة وأبي الزناد ومالك والليث والأوزاعي والشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود وروى ذلك عن بعض الصحابة كابن الزبير واختلف عن عمر بن عبد العزيز وقال أبو الزناد قتلنا بالقسامة والصحابة متوافرون إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان قلت انما نقل ذلك أبو الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه وإلا فأبو الزناد لا يثبت أنه رأى عشرين من الصحابة فضلا عن ألف ثم قال القاضي وحجتهم حديث الباب يعني من رواية يحيى بن سعيد التي أشرت إليها قال فان مجيئه من طرق صحاح لا يدفع وفيه تبرئة المدعين ثم ردها حين أبوا على المدعى عليهم واحتجوا بحديث أبي هريرة البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه إلا القسامة ويقول مالك أجمعت الأئمة في القديم والحديث على أن المدعين يبدءون في القسامة ولأن جنبة المدعي إذا قويت بشهادة أو شبهة صارت اليمين له وههنا الشبهة قوية وقالوا هذه سنة بحيالها وأصل قائم برأسه لحياة الناس وردع المعتدين وخالفت الدعاوي في الأموال فهي على ما ورد فيها وكل أصل يتبع ويستعمل ولا تطرح سنة لسنة وأجابوا عن رواية سعيد بن عبيد يعني المذكورة في حديث هذا الباب بقول أهل الحديث إنه وهم من رواية أسقط من السياق تبرئة المدعين باليمين لكونه لم يذكر فيه رد اليمين واشتملت رواية يحيى بن سعيد على زيادة من ثقة حافظ فوجب قبولها وهي تقضي على من لم يعرفها قلت وسيأتي مزيد بيان لذلك قال القرطبي الأصل في الدعاوي أن اليمين على المدعي عليه وحكم القسامة أصل بنفسه لتعذر إقامة البينة على القتل فيها غالبا فان القاصد للقتل يقصد الخلوة ويترصد الغفلة وتأيدت بذلك الرواية الصحيحة المتفق عليها وبقي ما عدا القسامة على الأصل ثم ليس ذلك خروجا عن الأصل بالكلية بل لأن المدعي عليه انما كان القول قوله لقوة جانبه بشهادة الأصل له بالبراءة مما أدعى عليه وهو موجود في القسامة في جانب المدعي لقوة جانبه باللوث الذي يقوي دعواه قال عياض وذهب من قال بالدية إلى تقديم المدعي عليهم في اليمين إلا الشافعي وأحمد فقالا بقول الجمهور يبدأ بأيمان المدعين وردها إن أبوا على المدعى عليهم وقال بعكسه أهل الكوفة وكثير من أهل البصرة وبعض أهل المدينة والأوزاعي فقال يستحلف من أهل القرية خمسون رجلا خمسين يمينا ما قتلناه ولا علمنا من قتله فان حلفوا برءوا وإن نقصت قسامتهم عن عدد أو نكلوا حلف المدعون على رجل واحد واستحقوا فان نقصت قسامتهم قاده دية وقال عثمان البتي من فقهاء البصرة ثم يبدأ بالمدعى عليهم بالأيمان فان حلفوا فلا شيء عليهم وقال الكوفيون إذا حلفوا وجبت عليهم الدية وجاء ذلك عن عمر قال واتفقوا كلهم على أنها لا تجب بمجرد دعوى الأولياء حتى يقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها واختلفوا في تصوير الشبهة على سبعة أوجه فذكرها وملخصها الأول أن يقول المريض دمي عند فلان أو ما أشبه ذلك ولو لم يكن به أثر أو جرح فان ذلك يوجب القسامة عند مالك والليث لم يقل به غيرهما واشترط بعض المالكية الأثر أو الجرح واحتج لمالك بقصة بقرة بني إسرائيل قال ووجه الدلالة منها أن الرجل حي فأخبر بقاتله وتعقب بخفاء الدلالة منها وقد بالغ بن حزم في رد ذلك واحتجوا بأن القاتل يتطلب حالة غفلة الناس فتنعذر البينة فلو لم يعمل بقول المضروب لأدى ذلك إلى إهدار دمه لأنها حالة يتحرى فيها اجتناب الكذب ويتزود فيها من البر والتقوى وهذا إنما يأتي في حال المحتضر الثانية أن يشهد من لا يكمل النصاب بشهادته كالواحد أو جماعة غير عدول قال بها المذكوران ووافقهما الشافعي ومن تبعه الثالثة أن يشهد عدلان بالضرب ثم يعيش بعده أياما ثم يموت منه من غير تخلل إفاقه فقال المذكوران تجب فيه القسامة وقال الشافعي بل يجب القصاص بتلك الشهادة الرابعة أن يوجد مقتول وعنده أو بالقرب منه من بيده آلة القتل وعليه أثر الدم مثلا ولا يوجد غيره فتشرع فيه القسامة عند مالك والشافعي ويلتحق به أن تفترق جماعة عن قتيل الخامسة أن يقتتل طائفتان فيوجد بينهما قتيل ففيه القسامة عند الجمهور وفي رواية عن مالك تختص القسامة بالطائفة التي ليس هو منها إلا إن كان من غيرهما فعلى الطائفتين السادسة المقتول في الزحمة وقد تقدم بيان الاختلاف فيه في باب مفرد السابعة أن يوجد قتيل في محلة أو قبيلة فهذا يوجب القسامة عند الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وأتباعهم ولا يوجب القسامة عندهم سوى هذه الصورة وشرطها عندهم إلا الحنفية أن يوجد بالقتيل أثر وقال داود لا تجري القسامة إلا في العمد على أهل مدينة أو قرية كبيرة وهم أعداء للمقتول وذهب الجمهور إلى أنه لا قسامة فيه بل هو هدر لأنه قد يقتل ويلقى في المحلة ليتهموا وبه قال الشافعي وهو رواية عن أحمد إلا أن يكون في مثل القصة التي في حديث الباب فيتجه فيها القسامة لوجود العداوة ولم تر الحنفية ومن وافقهم لوثا يوجب القسامة إلا هذه الصورة وحجة الجمهور القياس على هذه الواقعة والجامع أن يقترن بالدعوى شيء يدل على صدق المدعي فيقسم معه ويستحق وقال بن قدامة ذهب الحنفية إلى أن القتيل إذا وجد في محل فادعى وليه على خمسين نفسا من موضع قتله فحلفوا خمسين يمينا ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا فان لم يجد خمسين كرر الأيمان على من وجد وتجب الدية على بقية أهل الخطة ومن لم يحلف من المدعى عليهم حبس حتى يحلف أو يقر واستدلوا بأثر عمر أنه أحلف خمسين نفسا خمسين يمينا وقضى بالدية عليهم وتعقب باحتمال أن يكونوا أقروا بالخطأ وأنكروا العمد وبأن الحنفية لا يعملون بخبر الواحد إذا خالف الأصول ولو كان مرفوعا فكيف احتجوا بما خالف الأصول بخبر واحد موقوف وأوجبوا اليمين على غير المدعى عليه واستدل به على القود في القسامة لقوله فتستحقون قاتلكم وفي الرواية الأخرى دم صاحبكم قال بن دقيق العيد الاستدلال بالرواية التي فيها فيدفع برمته أقوى من الاستدلال بقوله دم صاحبكم لان قوله يدفع برمته لفظ مستعمل في دفع القاتل للاولياء للقتل ولو أن الواجب الدية لبعد استعمال هذا اللفظ وهو في استعماله في تسليم القاتل أظهر والاستدلال بقوله دم صاحبكم أظهر من الاستدلال بقوله قاتلكم أو صاحبكم لأن هذا اللفظ لا بد فيه من إضمار فيحتمل أن يضمر دية صاحبكم احتمالا ظاهرا وأما بعد التصريح بالدية فيحتاج إلى تأويل اللفظ بإضمار بدل دم صاحبكم والاضمار على خلاف الأصل ولو احتيج إلى إضمار لكان حمله على ما يقتضي إراقة الدم أقرب وأما من قال يحتمل أن يكون قوله دم صاحبكم هو القتيل لا القاتل فيرده قوله دم صاحبكم أو قاتلكم وتعقب بأن القصة واحدة أختلفت ألفاظ الرواة فيها على ما تقدم بيانه فلا يستقيم الاستدلال بلفظ منها لعدم تحقق أنه اللفظ الصادر من النبي صلى الله عليه وسلم واستدل من قال بالقود أيضا بما أخرجه مسلم والنسائي من طريق الزهري عن سليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القسامة كانت في الجاهلية وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ما كانت عليه من الجاهلية وقضى بها بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على يهود خيبر وهذا يتوقف على ثبوت أنهم كانوا في الجاهلية يقتلون في القسامة وعند أبي داود من طريق عبد الرحمن بن بجيد بموحدة وجيم مصغر قال ان سهلا يعني بن أبي حثمة وهم في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى يهود إنه قد وجد بين أظهركم قتيل فدوه فكتبوا يحلفون ما قتلناه ولا علمنا قاتلا قال فوداه من عنده وهذا رده الشافعي بأنه مرسل ويعارض ذلك ما أخرجه بن مندة في الصحابة من طريق مكحول حدثني عمرو بن أبي خزاعة أنه قتل فيهم قتيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل القسامة على خزاعة بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا فحلف كل منهم عن نفسه وغرم الدية وعمرو مختلف في صحبته وأخرج بن أبي شيبة بسند جيد إلى إبراهيم النخعي قال كانت القسامة في الجاهلية إذا وجد القتيل بين ظهري قوم أقسم منهم خمسون خمسين يمينا ما قتلنا ولا علمنا فان عجزت الأيمان ردت عليهم ثم عقلوا وتمسك من قال لا يجب فيها إلا الدية بما أخرجه الثوري في جامعه وبن أبي شيبة وسعيد بن منصور بسند صحيح إلى الشعبي قال وجد قتيل بين حيين من العرب فقال عمر قيسوا ما بينهما فأيهما وجدتموه إليه أقرب فأحلفوهم خمسين يمينا وأغرموهم الدية وأخرجه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن منصور عن الشعبي أن عمر كتب في قتيل وجد بين خيران ووادعة أن يقاس ما بين القريتين فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليه منهم خمسون رجلا حتى يوافوه مكة فأدخلهم الحجر فاحلفهم ثم قضى عليهم الدية فقال حقنت أيمانكم دماءكم ولا يطل دم رجل مسلم قال الشافعي إنما أخذه الشعبي عن الحارث الأعور والحارث غير مقبول انتهى وله شاهد مرفوع من حديث أبي سعيد عند أحمد أن قتيلا وجد بين حيين فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقاس إلى أيهما أقرب فألقى ديته على الأقرب ولكن سنده ضعيف وقال عبد الرزاق في مصنفه قلت لعبيد الله بن عمر العمري أعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاد بالقسامة قال لا قلت فأبو بكر قال لاقلت فعمر قال لا قلت فلم تجترئون عليها فسكت وأخرج البيهقي من طريق القاسم بن عبد الرحمن أن عمر قال القسامة توجب العقل ولا تسقط الدم واستدل به الحنفية على جواز سماع الدعوى في القتل على غير معين لان الأنصار ادعوا على اليهود أنهم قتلوا صاحبهم وسمع النبي صلى الله عليه وسلم دعواهم ورد بأن الذي ذكره الأنصار أولا ليس على صورة الدعوى بين الخصمين لأن من شرطها إذا لم يحضر المدعى عليه أن يتعذر حضوره سلمنا ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين لهم أن الدعوى إنما تكون على واحد لقوله تقسمون على رجل منهم فيدفع إليكم برمته واستدل بقوله على رجل منهم على أن القسامة إنما تكون على رجل واحد وهو قول أحمد ومشهور قول مالك وقال الجمهور يشترط أن تكون على معين سواء كان واحدا أو أكثر واختلفوا هل يختص القتل بواحد أو يقتل الكل وقد تقدم البحث فيه وقال أشهب لهم أن يحلفوا على جماعة ويختاروا واحدا للقتل ويسجن الباقون عاما ويضربون مائة مائة وهو قول لم يسبق إليه وفيه أن الحلف في القسامة لا يكون الا مع الجزم بالقاتل والطريق إلى ذلك المشاهدة وأخبار من يوثق به مع القرينة الدالة على ذلك وفيه أن من توجهت عليه اليمين فنكل عنها لا يقضى عليه حتى يرد اليمين على الآخر وهو المشهور عند الجمهور وعند أحمد والحنفية يقضى عليه دون رد اليمين وفيه ان أيمان القسامة خمسون يمينا واختلف في عدد الحالفين فقال الشافعي لا يجب الحق حتى يحلف الورثة خمسين يمينا سواء قلوا أم كثروا فلو كان بعدد الأيمان حلف كل واحد منهم يمينا وإن كانوا أقل أو نكل بعضهم ردت الأيمان على الباقين فان لم يكن إلا واحد حلف خمسين يمينا واستحق حتى لو كان من يرث بالفرض والتعصيب أو بالنسب والولاء حلف واستحق وقال مالك إن كان ولي الدم واحدا ضم إليه آخر من العصبة ولا يستعان بغيرهم وإن كان الأولياء أكثر حلف منهم خمسون وقال الليث لم أسمع أحدا يقول أنها تنزل عن ثلاثة أنفس وقال الزهري عن سعيد بن المسيب أول من نقص القسامة عن خمسين معاوية قال الزهري وقضى به عبد الملك ثم رده عمر بن عبد العزيز إلى الأمر الأول واستدل به على تقديم الاسن في الأمر المهم إذا كانت فيه أهلية ذلك لا ما إذا كان عريا عن ذلك وعلى ذلك يحمل الأمر بتقديم الأكبر في حديث الباب إما لأن ولي الدم لم يكن متأهلا فأقام الحاكم قريبه مقامه في الدعوى وإما لغير ذلك وفيه التأنيس والتسلية لأولياء المقتول لا أنه حكم على الغائبين لأنه لم يتقدم صورة دعوى على غائب وإنما وقع الإخبار بما وقع فذكر لهم قصة الحكم على التقديرين ومن ثم كتب إلى اليهود بعد أن دار بينهم الكلام المذكور ويؤخذ منه أن مجرد الدعوى لا توجب إحضار المدعى عليه لأن في احضاره مشغلة عن إشغاله وتضييعا لماله من غير موجب ثابت لذلك أما لو ظهر ما يقوي الدعوى من شبهة ظاهرة فهل يسوغ استحضار الخصم أولا محل نظر والراجح أن ذلك يختلف بالقرب والبعد وشدة الضرر وخفته وفيه الاكتفاء بالمكاتبة وبخبر الواحد مع إمكان المشافهة وفيه أن اليمين قبل توجيهها من الحاكم لا أثر لها لقول اليهود في جوابهم والله ما قتلنا وفي قولهم لا نرضى بأيمان اليهود استبعاد لصدقهم لما عرفوه من إقدامهم على الكذب وجراءتهم على الأيمان الفاجرة واستدل به على أن الدعوى في القسامة لا بد فيها من عداوة أو لوث واختلف في سماع هذه الدعوى ولو لم توجب القسامة فعن أحمد روايتان وبسماعها قال الشافعي لعموم حديث اليمين على المدعى عليه بعد قوله لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم ولأنها دعوى في حق آدمي فتسمع ويستحلف وقد يقر فيثبت الحق في قتله ولا يقبل رجوعه عنه فلو نكل ردت على المدعي واستحق القود في العمد والدية في الخطأ وعن الحنفية لا ترد اليمين وهي رواية عن أحمد واستدل به على أن المدعين والمدعى عليهم إذا نكلوا عن اليمين وجبت الدية في بيت المال وقد تقدم ما فيه قريبا واستدل به على أن من يحلف في القسامة لا يشترط أن يكون رجلا ولا بالغا لإطلاق قوله خمسين منكم وبه قال ربيعة والثوري والليث والأوزاعي وأحمد وقال مالك لا مدخل للنساء في القسامة لأن المطلوب في القسامة القتل ولا يسمع من النساء وقال الشافعي لا يحلف في القسامة إلا الوارث البالغ لأنها يمين في دعوى حكمية فكانت كسائر الأيمان ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة واختلف في القسامة هل هي معقولة المعنى فيقاس عليها أو لا والتحقيق أنها معقولة المعنى لكنه خفي ومع ذلك فلا يقاس عليها لأنها لا نظير لها في الأحكام وإذا قلنا أن المبدأ فيها يمين المدعي فقد خرجت عن سنن القياس وشرط القياس أن لا يكون معدولا به عن سنن القياس كشهادة خزيمة تنبيه نبه بن المنير في الحاشية على النكتة في كون البخاري لم يورد في هذا الباب الطريق الدالة على تحليف المدعي وهي مما خالفت فيه القسامة بقية الحقوق فقال مذهب البخاري تضعيف القسامة فلهذا صدر الباب بالأحاديث الدالة على أن اليمين في جانب المدعى عليه وأورد طريق سعيد بن عبيد وهو جار على القواعد وإلزام المدعي البينة ليس من خصوصية القسامة في شيء ثم ذكر حديث القسامة الدال على خروجها عن القواعد بطريق العرض في كتاب الموادعة والجزية فرارا من أن يذكرها هنا فيغلط المستدل بها على اعتقاد البخاري قال وهذا الإخفاء مع صحة القصد ليس من قبيل كتمان العلم قلت الذي يظهر لي أن البخاري لا يضعف القسامة من حيث هي بل يوافق الشافعي في أنه لا قود فيها ويخالفه في أن الذي يحلف فيها هو المدعي بل يرى أن الروايات اختلفت في ذلك في قصة الأنصار ويهود خيبر فيرد المختلف إلى المتفق عليه من أن اليمين على المدعى عليه فمن ثم أورد رواية سعيد بن عبيد في باب القسامة وطريق يحيى بن سعيد في باب آخر وليس في شيء من ذلك تضعيف أصل القسامة والله أعلم وادعى بعضهم أن قوله تحلفون وتستحقون استفهام إنكار واستعظام للجمع بين الأمرين وتعقب بأنهم لم يبدءوا بطلب اليمين حتى يصح الإنكار عليهم وانما هو استفهام تقرير وتشريع
6503 قوله أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم الأسدي بفتح السين المهملة المعروف بابن علية واسم جده مقسم وهو الثقة المشهور وهو منسوب إلى بني أسد بن خزيمة لأن أصله من مواليهم والحجاج بن أبي عثمان هو المعروف بالصواف واسم أبي عثمان ميسرة وقيل سالم وكنية الحجاج أبو الصلت ويقال غير ذلك وهو بصري أيضا وهو مولى بني كندة وأبو رجاء اسمه سليمان وهو مولى أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي ووقع هنا من آل أبي قلابة وفيه تجوز فإنه منهم باعتبار الولاء لا بالأصالة وقد أخرجه أحمد فقال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا حجاج عن أبي رجاء مولى أبي قلابة وكذا عند مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح وكذا عند الإسماعيلي من رواية أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة كلهم عن إسماعيل قوله أن عمر بن عبد العزيز يعني الخليفة المشهور أبرز سريره أي أظهره وكان ذلك في زمن خلافته وهو بالشام والمراد بالسرير ما جرت عادة الخلفاء الاختصاص بالجلوس عليه والمراد أنه أخرجه إلى ظاهر الدار لا إلى الشارع ولذلك قال أذن للناس ووقع عند مسلم من طريق عبد الله بن عون عن أبي رجاء عن أبي قلابة كنت خلف عمر بن عبد العزيز قوله ما تقولون في القسامة زاد أحمد بن حرب عن إسماعيل بن علية عند أبي نعيم في المستخرج فأضب الناس أي سكتوا مطرقين يقال أضبوا إذا سكتوا وأضبوا إذا تكلموا وأصل أضب أضمر ما في قلبه ويقال أضب على الشيء لزمه والاسم الضب كالحيوان المشهور ويحتمل أن يكون المراد أنهم علموا رأي عمر بن عبد العزيز في إنكار القسامة فلما سألهم سكتوا مضمرين مخالفته ثم تكلم بعضهم بما عنده في ذلك كما وقع في هذه الرواية قالوا نقول القسامة القود بها حق وقد أقادت بها الخلفاء وأرادوا بذلك ما تقدم نقله عن معاوية وعن عبد الله بن الزبير وكذا جاء عن عبد الملك بن مروان لكن عبد الملك أقاد بها ثم ندم كما ذكره أبو قلابة بعد ذلك في رواية حماد بن زيد عن أيوب وحجاج الصواف عن أبي رجاء أن عمر بن عبد العزيز استشار الناس في القسامة فقال قوم هي حق قضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضى بها الخلفاء أخرجه أبو عوانة في صحيحه وأصله عند الشيخين من طريقه قوله قال لي ما تقول في رواية أحمد بن حرب فقال لي يا أبا قلابة ما تقول قوله ونصبني للناس أي أبرزني لمناظرتهم أو لكونه كان خلف السرير فأمره أن يظهر وفي رواية أبي عوانة وأبو قلابة خلف السرير قاعدا فالتفت إليه فقال ما تقول يا أبا قلابة قوله عندك رؤوس الاجناد بفتح الهمزة وسكون الجيم بعدها نون جمع جند وهي في الأصل الأنصار والأعوان ثم اشتهر في المقاتلة وكان عمر قسم الشام بعد موت أبي عبيدة ومعاذ على أربعة أمراء مع كل أمير جند فكان كل من فلسطين ودمشق وحمص وقنسرين يسمى جندا باسم الجند الذي نزلوها وقيل كان الرابع الأردن وانما أفردت قنسرين بعد ذلك وقد تقدم شيء من هذا في الطب في شرح حديث الطاعون لما خرج عمر إلى الشام فلقيه أمراء الأجناد ولابن ماجة وصححه بن خزيمة من طريق أبي صالح الأشعري عن أبي عبد الله الأشعري في غسل الاعقاب قال أبو صالح فقلت لأبي عبد الله من حدثك قال أمراء الاجناد خالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص قوله وأشراف العرب في رواية أحمد بن حرب وأشراف الناس قوله أرأيت لو أن خمسين الخ وقع في رواية حماد شهد عندك أربعة من أهل حمص على رجل من أهل دمشق وزاد بعد قوله أكنت تقطعه قال لا قال يا أمير المؤمنين هذا أعظم من ذلك قوله فوالله ما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا قط في رواية حماد لا والله لا أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل أحدا من أهل الصلاة وهو موافق لحديث بن مسعود الماضي مرفوعا في أول الديات لا يحل دم امرئ مسلم قوله إلا في إحدى في رواية أحمد بن حرب إلا بإحدى قوله بجريرة نفسه أي بجنايتها قوله فقال القوم أو ليس قد حدث أنس عند مسلم من طريق بن عون فقال عنبسة قد حدثنا أنس بكذا وفي رواية حماد المذكورة فقال عنبسة بن سعيد فأين حديث أنس بن مالك في العكليين كذا في هذه الرواية وتقدم في الطهارة وغيرها بلفظ العرنيين وأوضحت أن بعضهم كان من عكل وبعضهم كان من عرينة وثبت كذلك في كثير من الطرق وعنبسة المذكور بفتح المهملة وسكون النون وفتح الموحدة بعدها سين مهملة هو الأموي أخو عمرو بن سعيد المعروف بالأشدق واسم جده العاص بن سعيد بن العاص بن أمية وكان عنبسة من خيار أهل بيته وكان عبد الملك بن مروان بعد أن قتل أخاه عمرو بن سعيد يكرمه وله رواية وأخبار مع الحجاج بن يوسف ووثقه بن معين وغيره قوله أنا أحدثكم حديث أنس حدثني أنس في رواية أحمد بن حرب فإياي حديث أنس قوله فبايعوا في رواية أحمد بن حرب فبايعوه قوله أجسامهم في رواية أحمد بن حرب أجسادهم قوله من البانها وأبوالها في رواية أحمد بن حرب من رسلها وهو بكسر الراء وسكون المهملة اللبن وبفتحتين المال من الإبل والغنم وقيل بل الإبل خاصة إذا أرسلت إلى الماء تسمى رسلا قوله ثم نبذهم بنون وموحدة مفتوحتين ثم ذال معجمة أي طرحهم قوله قلت وأي شيء أشد مما صنع هؤلاء ارتدوا عن الإسلام وقتلوا وسرقوا في رواية حماد قال أبو قلابة فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله قوله فقال عنبسة هو المذكور قبل قوله ان سمعت كاليوم قط إن بالتخفيف وكسر الهمزة بمعنى ما النافية وحذف مفعول سمعت والتقدير ما سمعت قبل اليوم مثل ما سمعت منك اليوم وفي رواية حماد فقال عنبسة يا قوم ما رأيت كاليوم قط ووقع في رواية بن عون قال أبو قلابة فلما فرغت قال عنبسة سبحان الله قوله أترد على حديثي يا عنبسة في رواية بن عون فقلت أتتهمني يا عنبسة وكذا في رواية حماد كأن أبا قلابة فهم من كلام عنبسة إنكار ما حدث به قوله لا ولكن جئت بالحديث على وجهه في رواية بن عون قال لا هكذا حدثنا أنس وهذا دال على أن عنبسة كان سمع حديث العكليين من أنس وفيه إشعار بأنه كان غير ضابط له على ما حدث به أنس فكان يظن أن فيه دلالة على جواز القتل في المعصية ولو لم يقع الكفر فلما ساق أبو قلابة الحديث تذكر أنه هو الذي حدثهم به أنس فاعترف لأبي قلابة بضبطه ثم أثنى عليه قوله والله لا يزال هذا الجند بخير ما كان هذا الشيخ بين أظهرهم المراد بالجند أهل الشام ووقع في رواية بن عون يا أهل الشام لا تزالون بخير ما دام فيكم هذا أو مثل هذا وفي رواية حماد والله لا يزال هذا الجند بخير ما أبقاك الله بين أظهرهم قوله وقد كان في هذا سنة إلى قوله دخل عليه نفر من الأنصار كذا أورد أبو قلابة هذه القصة مرسلة ويغلب على الظن أنها قصة عبد الله بن سهل ومحيصة فان كان كذلك فلعل عبد الله بن سهل ورفقته تحدثوا عند النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتوجهوا إلى خيبر ثم توجهوا فقتل عبد الله بن سهل كما تقدم وهو المراد بقوله هنا فخرج رجل منهم بين أيديهم فقتل قوله فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله صلى الله عليه وسلم لما جاءوه كان داخل بيته أو المسجد فكلموه فخرج إليهم فأجابهم قوله فقال بمن تظنون أو ترون بضم أوله وهما بمعنى قوله قالوا نرى أن اليهود قتله كذا للأكثر بلفظ الفعل الماضي بالافراد وفي رواية المستملي قتلته بصيغة المسند إلى الجمع المستفاد من لفظ اليهود لأن المراد قتلوه وقد قدمت بيان ما اختلف فيه من ألفاظ هذه القصة في شرح الحديث الذي قبله قوله قلت وقد كانت هذيل أي القبيلة المشهورة وهم ينتسبون إلى هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر وهذا من قول أبي قلابة وهي قصة موصولة بالسند المذكور إلى أبي قلابة لكنها مرسلة لأن أبا قلابة لم يدرك عمر قوله خلعوا خليعا في رواية الكشميهني حليفا بحاء مهملة وفاء بدل العين والخليع فعيل بمعنى مفعول يقال تخالع القوم إذا نقضوا الحلف فإذا فعلوا ذلك لم يطالبوا بجنايته فكأنهم خلعوا اليمين التي كانوا لبسوها معه ومنه سمي الأمير إذا عزل خليعا ومخلوعا وقال أبو موسى في المعين خلعه قومه أي حكموا بأنه مفسد فتبرءوا منه ولم يكن ذلك في الجاهلية يختص بالحليف بل كانوا ربما خلعوا الواحد من القبيلة ولو كان من صميمها إذا صدرت منه جناية تقتضي ذلك وهذا مما أبطله الإسلام من حكم الجاهلية ومن ثم قيده في الخبر بقوله في الجاهلية ولم أقف على اسم الخليع المذكور ولا على اسم أحد ممن ذكر في القصة قوله فطرق أهل بيت بضم الطاء المهملة أي هجم عليهم ليلا في خفية ليسرق منهم وحاصل القصة أن القاتل ادعى أن المقتول لص وأن قومه خلعوه فأنكروا هم ذلك وحلفوا كاذبين فأهلكهم الله بحنث القسامة وخلص المظلوم وحده قوله ما خلعوا في رواية أحمد بن حرب ما خلعوه قوله حتى إذا كانوا بنخلة بلفظ واحدة النخيل وهو موضع على ليلة من مكة قوله فانهجم عليهم الغار أي سقط عليهم بغتة قوله وأفلت بضم أوله وسكون الفاء أي تخلص والقرينان هما أخو المقتول والذي أكمل الخمسين قوله واتبعهما حجر أي بتشديد التاء وقع عليهما بعد أن خرجا من الغار قوله وقد كان عبد الملك بن مروان هو مقول أبي قلابة بالسند أيضا وهي موصولة لأن أبا قلابة أدركها قوله أقاد رجلا لم أقف على اسمه قوله ثم ندم بعد بضم الدال قوله ما صنع كأنه ضمن ندم معنى كره ووقع في رواية أحمد بن حرب على الذي صنع قوله فأمر بالخمسين أي الذين حلفوا ووقع في رواية أحمد بن حرب الذين أقسموا قوله وسيرهم إلى الشام أي نفاهم وفي رواية أحمد بن حرب من الشام وهذه أولى لأن إقامة عبد الملك كانت بالشام ويحتمل أن يكون ذلك وقع لما كان عبد الملك بالعراق عند محاربته مصعب بن الزبير ويكونوا من أهل العراق فنفاهم إلى الشام قال المهلب فيما حكاه بن بطال الذي اعترض به أبو قلابة من قصة العرنيين لا يفيد مراده من ترك القسامة لجواز قيام البينة والدلائل التي لا تدفع على تحقيق الجناية في حق العرنيين فليس قصتهم من طريق القسامة في شيء لأنها إنما تكون في الاختفاء بالقتل حيث لا بينة ولا دليل وأما العرنيون فانهم كشفوا وجوههم لقطع السبيل والخروج على المسلمين فكان أمرهم غير أمر من ادعى القتل حيث لا بينة هناك قال وما ذكره هنا من انهدام الغار عليهم يعارضه ما تقدم من السنة قال وليس رأي أبي قلابة حجة ولا ترد به السنن وكذا محو عبد الملك أسماء الذين أقسموا من الديوان قلت والذي يظهر لي أن مراد أبي قلابة بقصة العرنيين خلاف ما فهمه عنه المهلب أن قصتهم كان يمكن فيها القسامة فلم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم وانما أراد الاستدلال بها لما ادعاه من الحصر الذي ذكره في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل أحدا إلا في إحدى ثلاث فعورض بقصة العرنيين وحاول المعترض اثبات قسم رابع فرد عليه أبو قلابة بما حاصله أنهم إنما استوجبوا القتل بقتلهم الراعي وبارتدادهم عن الدين وهذا بين لا خفاء فيه وانما استدل على ترك القود بالقسامة بقصة القتيل عند اليهود فليس فيها للقود بالقسامة ذكر بل ولا في أصل القصة التي هي عمدة الباب تصريح بالقود كما سأبينه ثم رأيت في آخر الحاشية لابن المنير نحو ما أجيب به وحاصله توهم المهلب أن أبا قلابة عارض حديث القسامة بحديث العرنيين فأنكر عليه فوهم وإنما اعترض أبو قلابة على القسامة بالحديث الدال على حصر القتل في ثلاثة أشياء فان الذي عارضه ظن أن في قصة العرنيين حجة في جواز قتل من لم يذكر في الحديث المذكور كأن يتمسك الحجاج في قتل من لم يثبت عليه واحدة من الثلاثة وكأن عنبسة تلقف ذلك عنه فإنه كان صديقه فبين أبو قلابة أنه ثبت عليهم قتل الراعي بغير حق والارتداد عن الإسلام وهو جواب ظاهر فلم يورد أبو قلابة قصة العرنيين مستدلا بها على ترك القسامة بل رد على من تمسك بها للقود بالقسامة وأما قصة الغار فأشار بها إلى أن العادة جرت بهلاك من حلف في القسامة من غير علم كما وقع في حديث بن عباس في قصة القتيل الذي وقعت القسامة بسببه قبل البعثة وقد مضى في كتاب المبعث وفيه فما حال الحول ومن الثمانية والأربعين الذين حلفوا عين تطرف وجاء عن بن عباس حديث آخر في ذلك أخرجه الطبراني من طريق أبي بكر بن أبي الجهم عن عبيد الله بن عبد الله عنه قال كانت القسامة في الجاهلية حجازا بين الناس فكان من حلف على إثم أرى عقوبة من الله ينكل بها عن الجراءة على الحرام فكانوا يتورعون عن أيمان الصبر ويهابونها فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كان المسلمون لها أهيب ثم أنه ليس في سياق قصة الهذليين تصريح بما صنع عمر هل أقاد بالقسامة أو حكم بالدية فقول المهلب ما تقدم من السنة إن كان أشار به إلى صنيع عمر فليس بواضح وأما قوله إن رأى أبي قلابة ومحو عبد الملك من الديوان لا ترد به السنن فمقبول لكن ما هي السنة التي وردت بذلك نعم لم يظهر لي وجه استدلال أبي قلابة بأن القتل لا يشرع إلا في الثلاثة لرد القود بالقسامة مع أن القود قتل نفس بنفس وهو أحد الثلاثة وانما وقع النزاع في الطريق إلى ثبوت ذلك
1 ( قوله باب من اطلع في بيت قوم ففقئوا عينيه فلا دية له ) كذا جزم بنفي الدية وليس في الخبر الذي ساقه تصريح بذلك لكنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه على عادته 6504 قوله أن رجلا اطلع أي نظر من علو وهذا الرجل لم أعرف اسمه صريحا لكن نقل بن بشكوال عن أبي الحسن بن الغيث أنه الحكم بن أبي العاص بن أمية والد مروان ولم يذكر مستندا لذلك ووجدت في كتاب مكة للفاكهي من طريق أبي سفيان عن الزهري وعطاء الخرساني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا عليه وهو يلعن الحكم بن أبي العاص وهو يقول اطلع علي وأنا مع زوجتي فلانة فكلح في وجهي وهذا ليس صريحا في المقصود هنا ووقع في سنن أبي داود من طريق هذيل بن شرحبيل قال جاء سعد فوقف على باب النبي صلى الله عليه وسلم فقام يستأذن على الباب فقال هكذا عنك فانما الاستئذان من أجل البصر وهذا أقرب إلى أن يفسر به المبهم الذي في ثاني أحاديث الباب ولم ينسب سعد هذا في رواية أبي داود ووقع في رواية الطبراني أنه سعد بن عبادة والله أعلم قوله من حجر في بعض حجر تقدم ضبط اللفظين في كتاب الاستئذان قوله بمشقص أو مشاقص هو شك من الراوي وتقدم بيانه وأنه النصل العريض وقوله في الخبر الذي بعده مدرى قد يخالفه فيحمل على تعدد القصة ويحتمل أن رأس المدرى كان محددا فأشبه النصل وتقدم ضبط المدرى في باب الامتشاط من كتاب اللباس وأن مما قيل في تفسيره حديدة كالخلال لها رأس محدد وقيل لها سنان من حديد قوله وجعل يختله بفتح أوله وسكون الخاء المعجمة بعدها مثناة مكسورة ثم لام من الختل بفتح أوله وسكون ثانيه وهو الإصابة على غفلة قوله ليطعنه بضم العين المهملة بناء على المشهور أن الطعن بالفعل بضم العين وبالقول بفتحها وقد قيل هما سواء زاد أبو الربيع الزهراني عن حماد عند مسلم فذهب أو لحقه فأخطأ وفي رواية عاصم بن علي عن حماد عند أبي نعيم فما أدري أذهب أو كيف صنع الحديث الثاني 6505 قوله حدثنا ليث هو بن سعد قوله أن رجلا اطلع في حجر في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية الكشميهني من في الموضعين قوله أنك رواية الكشميهني أن خفيفة قوله في عينيك كذا للمستملي والسرخسي وللباقين في عينك بالإفراد وهذا مما يقوي تعدد القصة لأنه في حديث أنس جزم بأنه اطلع وأراد أن يطعنه وفي حديث سهل علق طعنه على نظره قوله انما جعل الإذن من قبل بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهة قوله البصر في رواية الكشميهني النظر وقد تقدم في الاستئذان من وجه آخر عن الزهري بلفظ آخر الحديث الثالث
6506 قوله حدثنا علي هو بن المديني وسفيان هو بن عيينة قوله قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أخرجه عن بن أبي عمر عن سفيان قوله لو أن امرأ تقدم ضبطه قبل ستة أبواب قوله لم يكن عليك جناح عند مسلم من هذا الوجه ما كان عليك من جناح والمراد بالجناح هنا الحرج وقد أخرجه بن أبي عاصم من وجه آخر عن بن عيينة بلفظ ما كان عليك من حرج ومن طريق بن عجلان عن أبيه عن الزهري عن أبي هريرة ما كان عليك من ذلك من شيء ووقع عند مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ من اطلع في بيت قوم بغير اذنهم فقد حل لهم أن يفقؤا عينه أخرجه من رواية أبي صالح عنه وفيه رد على من حمل الجناح هنا على الإثم ورتب على ذلك وجوب الدية إذ لا يلزم من رفع الإثم رفعها لأن وجوب الدية من خطاب الوضع ووجه الدلالة أن اثبات الحل يمنع ثبوت القصاص والدية وورد من وجه آخر عن أبي هريرة أصرح من هذا عند أحمد وبن أبي عاصم والنسائي وصححه بن حبان والبيهقي كلهم من رواية بشير بن نهيك عنه بلفظ من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقؤا عينه فلا دية ولا قصاص وفي رواية من هذا الوجه فهو هدر وفي هذه الأحاديث من الفوائد إبقاء شعر الرأس وتربيته واتخاذ آلة يزيل بها عنه الهوام ويحك بها لدفع الوسخ أو القمل وفيه مشروعية الاستئذان على من يكون في بيت مغلق الباب ومنع التطلع عليه من خلل الباب وفيه مشروعية الامتشاط وقد تقدم كثير من هذا كله في باب الاستئذان وان الاستئذان لا يختص بغير المحارم بل يشرع على من كان منكشفا ولو كان أما أو أختا واستدل به على جواز رمي من يتجسس ولو لم يندفع بالشيء الخفيف جاز بالثقيل وأنه إن أصيبت نفسه أو بعضه فهو هدر وذهب المالكية إلى القصاص وأنه لا يجوز قصد العين ولا غيرها وأعتلوا بأن المعصية لا تدفع بالمعصية وأجاب الجمهور بأن المأذون فيه إذا ثبت الإذن لا يسمى معصية وان كان الفعل لو تجرد عن هذا السبب يعد معصية وقد اتفقوا على جواز دفع الصائل ولو أتى على نفس المدفوع وهو بغير السبب المذكور معصية فهذا ملحق به مع ثبوت النص فيه وأجابوا عن الحديث بأنه ورد على سبيل التغليظ والارهاب ووافق الجمهور منهم بن نافع وقال يحيى بن عمر منهم لعل مالكا لم يبلغه الخبر وقال القرطبي في المفهم ما كان عليه الصلاة والسلام بالذي يهم أن يفعل ما لا يجوز أو يؤدي إلى ما لا يجوز والحمل على رفع الإثم لا يتم مع وجود النص برفع الحرج وليس مع النص قياس واعتل بعض المالكية أيضا بالإجماع على أن من قصد النظر إلى عورة الآخر ظاهر أن ذلك لا يبيح فقء عينه ولا سقوط ضمانها عمن فقأها فكذا إذا كان المنظور في بيته وتجسس الناظر إلى ذلك ونازع القرطبي في ثبوت هذا الإجماع وقال ان الخبر يتناول كل مطلع قال وإذا تناول المطلع في البيت مع المظنة فتناوله المحقق أولى قلت وفيه نظر لأن التطلع إلى ما في داخل البيت لم ينحصر في النظر إلى شيء معين كعورة الرجل مثلا بل يشمل استكشاف الحريم وما يقصد صاحب البيت ستره من الأمور التي لا يجب اطلاع كل أحد عليها ومن ثم ثبت النهي عن التجسيس والوعيد عليه حسما لمواد ذلك فلو ثبت الإجماع المدعى لم يستلزم رد هذا الحكم الخاص ومن المعلوم أن العاقل يشتد عليه أن الأجنبي يرى وجه زوجته وابنته ونحو ذلك وكذا في حال ملاعبته أهله أشد مما رأى الأجنبي ذكره منكشفا والذي ألزمه القرطبي صحيح في حق من يروم النظر فيدفعه المنظور إليه وفي وجه للشافعية لا يشرع في هذه الصورة وهل يشترط الإنذار قبل الرمي وجهان قيل يشترط كدفع الصائل وأصحهما لا لقوله في الحديث يختله بذلك وفي حكم المتطلع من خلل الباب الناظر من كوة من الدار وكذا من وقف في الشارع فنظر إلى حريم غيره أو إلى شيء في دار غيره وقيل المنع مختص بمن كان في ملك المنظور إليه وهل يلحق الاستماع بالنظر وجهان الأصح لا لأن النظر إلى العورة أشد من استماع ذكرها وشرط القياس المساواة أو أولوية المقيس وهنا بالعكس واستدل به على اعتبار قدر ما يرمى به بحصى الخذف المقدم بيانها في كتاب الحج لقوله في حديث الباب فخذفته فلو رماه بحجر يقتل أو سهم تعلق به القصاص وفي وجه لا ضمان مطلقا ولو لم يندفع إلا بذلك جاز ويستثنى من ذلك من له في تلك الدار زوج أو محرم أو متاع فأراد الاطلاع عليه فيمتنع رميه للشبهة وقيل لا فرق وقيل يجوز إن لم يكن في الدار غير حريمه فان كان فيها غيرهم أنذر فان انتهى وإلا جاز ولو لم يكن في الدار إلا رجل واحد هو مالكها أو ساكنها لم يجز الرمي قبل الإنذار إلا إن كان مكشوف العورة وقيل يجوز مطلقا لأن من الأحوال ما يكره الاطلاع عليه كما تقدم ولو قصر صاحب الدار بان ترك الباب مفتوحا وكان الناظر مجتازا فنظر غير قاصد لم يجز فان تعمد النظر فوجهان أصحهما لا ويلتحق بهذا من نظر من سطح بيته ففيه الخلاف وقد توسع أصحاب الفروع في نظائر ذلك قال بن دقيق العيد وبعض تصرفاتهم مأخوذة من إطلاق الخبر الوارد في ذلك وبعضها من مقتضى فهم المقصود وبعضها بالقياس على ذلك والله أعلم
1 ( قوله باب العاقلة ) بكسر القاف جمع عاقل وهو دافع الدية وسميت الدية عقلا تسمية بالمصدر لأن الإبل كانت تعقل بفناء ولي القتيل ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية ولو لم تكن إبلا وعاقلة الرجل قراباته من قبل الأب وهم عصبته وهم الذين كانوا يعقلون الإبل على باب ولي المقتول وتحمل العاقلة الدية ثابت بالسنة وأجمع أهل العلم على ذلك وهو مخالف لظاهر قوله ولا تزر وازرة وزر أخرى لكنه خص من عمومها ذلك لما فيه من المصلحة لأن القاتل لو أخذ بالدية لأوشك أن تأتي على جميع ماله لأن تتابع الخطأ منه لا يؤمن ولو ترك بغير تغريم لأهدر دم المقتول قلت ويحتمل أن يكون السر فيه أنه لو أفرد بالتغريم حتى يفتقر لآل الأمر إلى الأهدار بعد الافتقار فجعل على عاقلته لأن احتمال فقر الواحد أكثر من احتمال فقر الجماعة ولأنه إذا تكرر ذلك منه كان تحذيره من العود إلى مثل ذلك من جماعة أدعى إلى القبول من تحذيره نفسه والعلم عند الله تعالى وعاقلة الرجل عشيرته فيبدأ بفخذه الأدنى فان عجزوا ضم إليهم الأقرب إليهم وهي على الرجال الأحرار البالغين أولي اليسار منهم قوله قال مطرف كذا لأبي ذر وللباقين 6507 حدثنا مطرف ويؤيده أنه سيأتي بعد ستة أبواب بهذا السند بعينه ولفظه حدثنا مطرف وكذا هو في رواية الحميدي عن بن عيينة ومطرف هو بن طريف بطاء مهملة ثم فاء في اسمه واسم أبيه وهو كوفي ثقة معروف ووقع مذكورا باسم أبيه في رواية النسائي عن محمد بن منصور عن بن عيينة قوله هل عندكم شيء ما ليس في القرآن أي مما كتبتموه عن النبي صلى الله عليه وسلم سواء حفظتموه أم لا وليس المراد تعميم كل مكتوب ومحفوظ لكثرة الثابت عن علي من مرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم مما ليس في الصحيفة المذكورة والمراد ما يفهم من فحوى لفظ القرآن ويستدل به من باطن معانيه ومراد علي أن الذي عنده زائدا على القرآن مما كتب عنه الصحيفة المذكورة وما استنبط من القرآن كأنه كان يكتب ما يقع له من ذلك لئلا ينساه بخلاف ما حفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحكام فإنه يتعاهدها بالفعل والافتاء بها فلم يخش عليها من النسيان وقوله إلا فهما يعطى رجل في كتابه في رواية الحميدي المذكورة إلا أن يعطي الله عبدا فهما في كتابه وكذا في رواية النسائي وقد تقدم في كتاب الجهاد من وجه آخر عن مطرف بلفظ إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن 1 ( قوله باب جنين المرأة ) الجنين بجيم ونونين وزن عظيم حمل المرأة ما دام في بطنها سمي بذلك لاستتاره فان خرج حيا فهو ولد أو ميتا فهو سقط وقد يطلق عليه جنين قال الباجي في شرح رجال الموطأ الجنين ما ألقته المرأة مما يعرف أنه ولد سواء كان ذكرا أو أنثى ما لم يستهل صارخا كذا قال
6508 قوله حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك وحدثنا إسماعيل يعني بن أبي أويس حدثنا مالك كذا للأكثر وسقط رواية إسماعيل هنا لأبي ذر قوله عن بن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن كذا قال عبد الله بن يوسف عن مالك وقال كما في الباب الذي يليه عن الليث عن بن شهاب عن سعيد بن المسيب وكلا القولين صواب إلا ان مالكا كان يرويه عن بن شهاب عن سعيد مرسلا وعن أبي سلمة موصولا وقد مضى في الطب عن قتيبة عن مالك بالوجهين وهو عند الليث من رواية أبي سلمة أيضا لكن بواسطة كما تقدم في الطب أيضا عن سعيد بن عفير عن الليث عن عبد الرحمن بن خالد عن بن شهاب ورواه يونس بن يزيد عن بن شهاب عنهما جميعا كما في الباب الذي يليه أيضا ورواه معمر عن الزهري عن أبي سلمة وحده أخرجه مسلم وأخرجه أبو داود والترمذي من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة وذكر فيه حديثين الحديث الأول قوله أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى وفي رواية يونس أقتتلت امرأتان من هذيل فرمت وفي رواية حمل التي سأنبه عليها إحداهما لحيانية قلت ولحيان بطن من هذيل وهاتان المراتان كانتا ضرتين وكانتا تحت حمل بن النابغة الهذلي فأخرج أبو داود من طريق بن جريج عن عمرو بن دينار عن طاوس عن بن عباس عن عمر أنه سأل عن قضية النبي صلى الله عليه وسلم فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى هكذا رواه موصولا وأخرجه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن عمر فلم يذكر بن عباس في السند ولفظه أن عمر قال أذكر الله امرأ سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين شيئا وكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن بن طاوس عن أبيه أن عمر استشار وأخرج الطبراني من طريق أبي المليح بن أسامة بن عمير الهذلي عن أبيه قال كان فينا رجل يقال له حمل بن مالك له امرأتان إحداهما هذلية والأخرى عامرية فضربت الهذلية بطن العامرية وأخرجه الحارث من طريق أبي المليح فأرسله لم يقل عن أبيه ولفظه ان حمل بن النابغة كانت له امرأتان مليكة وأم عفيف وأخرج الطبراني من طريق عون بن عويم قال كانت أختي مليكة وامرأة منا يقال لها أم عفيف بنت مسروح تحت حمل بن النابغة فضربت أم عفيف مليكة ووقع في رواية عكرمة عن بن عباس في آخر هذه القصة قال بن عباس إحداهما مليكة والأخرى أم عفيف أخرجه أبو داود وهذا الذي وقفت عليه منقولا وبالآخر جزم الخطيب في المبهمات وزاد بعض شراح العمدة وقيل أم مكلف وقيل أم مليكة وأما قوله رمت فوقع في رواية يونس وعبد الرحمن بن خالد فرمت إحداهما الأخرى بحجر زاد عبد الرحمن فأصاب بطنها وهي حامل وكذا في رواية أبي المليح عند الحارث لكن قال فخذفت وقال فأصاب قبلها ووقع في رواية أبي داود المذكورة من طريق حمل بن مالك فضربت إحداهما الأخرى بمسطح وعند مسلم من طريق عبيد بن نضيلة بنون وضاد معجمة مصغر عن المغيرة بن شعبة قال ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط وهي حبلى فقتلتها وكذا في حديث أبي المليح بن أسامة عن أبيه فضربت الهذلية بطن العامرية بعمود فسطاط أو خباء وفي حديث عويم ضربتها بمسطح بيتها وهي حامل وكذا عند أبي داود من حديث حمل بن مالك بمسطح ومن حديث بريدة أن امرأة خذفت امرأة أخرى قوله فطرحت جنينها في رواية عبد الرحمن بن خالد فقتلت ولدها في بطنها وفي رواية يونس فقتلتها وما في بطنها وفي حديث حمل بن مالك مثله بلفظ فقتلتها وجنينها ونحوه في رواية عويم وكذا في رواية أبي المليح عن أبيه قوله فقضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة عبد أو أمة في رواية عبد الرحمن بن خالد ويونس فأختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية ما في بطنها غرة عبد أو أمة ونحوه في رواية يونس لكن قال أو وليدة وفي رواية معمر من طريق أبي سلمة فقال قائل كيف يعقل وفي رواية يونس عند مسلم وأبي داود وورثها ولدها ومن معهم فقال حمل بن النابغة وفي رواية عبد الرحمن بن خالد الماضية في الطب فقال ولي المرأة التي غرمت ثم اتفقا كيف أغرم يا رسول الله من لاشرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك يطل فقال النبي صلى الله عليه وسلم انما هذا من اخوان الكهان وفي مرسل سعيد بن المسيب عند مالك قضى في الجنين يقتل في بطن أمه بغرة عبد أو وليدة وفي رواية الليث من طريق سعيد الموصولة نحوه عند الترمذي ولكن قال ان هذا ليقول بقول شاعر بل فيه غرة وفيه ثم إن المرأة التي قضي عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها وفي رواية عكرمة عن بن عباس فقال عمها انها قد أسقطت غلاما قد نبت شعره فقال أبو القاتلة إنه كاذب إنه والله ما استهل ولا شرب ولا أكل فمثله يطل فقال النبي صلى الله عليه وسلم أسجع كسجع الجاهلية وكهانتها وفي رواية عبيد بن نضيلة عن المغيرة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عصبة القاتلة وغرة لما في بطنها فقال رجل من عصبة القاتلة أنغرم من لا أكل وفي آخره أسجع كسجع الاعراب وجعل عليهم الدية وفي حديث عويم عند الطبراني فقال أخوها العلاء بن مسروح يا رسول الله أنغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل هذا يطل فقال أسجع كسجع الجاهلية ونحوه عند أبي يعلى من حديث جابر لكن قال فقالت عاقلة القاتلة وعند البيهقي من حديث أسامة بن عميرة فقال أبوها إنما يعقلها بنوها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الدية على العصبة وفي الجنين غرة فقال ما وضع فحل ولا صاح فاستهل فأبطله فمثله يطل وبهذا يجمع الاختلاف فيكون كل من أبيها وأخيها وزوجها قالوا ذلك لأنهم كلهم من عصبتها بخلاف المقتولة فان في حديث أسامة بن عمير أن المقتولة عامرية والقاتلة هذلية ووقع في رواية أسامة فقال دعني من اراجيز الأعراب وفي لفظ أسجاعة بك وفي آخر أسجع كسجع الجاهلية قيل يا رسول الله إنه شاعر وفي لفظ لسنا من أساجيع الجاهلية في شيء وفيه فقال إن لها ولدا هم سادة الحي وهم أحق أن يعقلوا عن أمهم قال بل أنت أحق أن تعقل عن أختك من ولدها فقال مالي شيء قال حمل وهو يومئذ على صدقات هذيل وهو زوج المرأة وأبو الجنين أقبض من صدقات هذيل أخرجه البيهقي وفي رواية بن أبي عاصم ما له عبد ولا أمة قال عشر من الإبل قالوا ما له من شيء إلا أن تعينه من صدقة بني لحيان فأعانه بها فسعى حمل عليها حتى استوفاها وفي حديثه عند الحارث بن أبي أسامة فقضى أن الدية على عاقلة القاتلة وفي الجنين غرة عبد أو أمة وعشر من الإبل أو مائة شاة ووقع في حديث أبي هريرة من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل وكذا وقع عند عبد الرزاق في رواية بن طاوس عن أبيه عن عمر مرسلا فقال حمل بن النابغة قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية في المرأة وفي الجنين غرة عبد أو أمة أو فرس وأشار البيهقي إلى أن ذكر الفرس في المرفوع وهم وأن ذلك أدرج من بعض رواته على سبيل التفسير للغرة وذكر أنه في رواية حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن طاوس بلفظ فقضى أن في الجنين غرة قال طاوس الفرس غرة قلت وكذا أخرج الإسماعيلي من طريق حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه قال الفرس غرة وكأنهما رأيا أن الفرس أحق بإطلاق لفظ الغرة من الآدمي ونقل بن المنذر والخطابي عن طاوس ومجاهد وعروة بن الزبير الغرة عبد أو أمة أو فرس وتوسع داود ومن تبعه من أهل الظاهر فقالوا يجزئ كل ما وقع عليه اسم غرة والغرة في الأصل البياض يكون في جبهة الفرس وقد استعمل للآدمي في الحديث المتقدم في الوضوء إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا وتطلق الغرة على الشيء النفيس آدميا كان أو غيره ذكرا كان أو أنثى وقيل أطلق على الآدمي غرة لأنه أشرف الحيوان فان محل الغرة الوجه والوجه أشرف الأعضاء وقوله في الحديث غرة عبد أو أمة قال الإسماعيلي قرأه العامة بالإضافة وغيرهم بالتنوين وحكى القاضي عياض الخلاف وقال التنوين أوجه لأنه بيان للغرة ما هي وتوجيه الآخر أن الشيء قد يضاف إلى نفسه لكنه نادر وقال الباجي يحتمل أن تكون أو شكا من الراوي في تلك الواقعة المخصوصة ويحتمل أن تكون للتنويع وهو الأظهر وقيل المرفوع من الحديث قوله بغرة وأما قوله عبد أو أمة فشك من الراوي في المراد بها قال وقال مالك الحمران أولى من السودان في هذا وعن أبي عمرو بن العلاء قال الغرة عبد أبيض أو أمة بيضاء قال فلا يجزئ في دية الجنين سوداء إذ لو لم يكن في الغرة معنى زائد لما ذكرها ولقال عبد أو أمة ويقال إنه انفرد بذلك وسائر الفقهاء على الاجزاء فيما لو أخرج سوداء وأجابوا بأن المعنى الزائد كونه نفيسا فلذلك فسره بعبد أو أمة لأن الآدمي أشرف الحيوان وعلى هذا فالذي وقع في رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة من زيادة ذكر الفرس في هذا الحديث وهم ولفظه غرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل ويمكن إن كان محفوظا أن الفرس هي الأصل في الغرة كما تقدم وعلى قول الجمهور فأقل ما يجزئ من العبد والأمة ما سلم من العيوب التي يثبت بها الرد في البيع لأن المعيب ليس من الخيار واستنبط الشافعي من ذلك أن يكون منتفعا به فشرط أن لا ينقص عن سبع سنين لأن من لم يبلغها لا يستقل غالبا بنفسه فيحتاج إلى التعهد بالتربية فلا يجبر المستحق على أخذه وأخذ بعضهم من لفظ الغلام أن لا يزيد على خمس عشرة ولا تزيد الجارية على عشرين ومنهم من جعل الحد ما بين السبع والعشرين والراجح كما قال بن دقيق العيد أنه يجزئ ولو بلغ الستين وأكثر منها ما لم يصل إلى عدم الاستقلال بالهرم والله أعلم واستدل به على عدم وجوب القصاص في القتل بالمثقل لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر فيه بالقود وانما أمر بالدية وأجاب من قال به بأن عمود الفسطاط يختلف بالكبر والصغر بحيث يقتل بعضه غالبا ولا يقتل بعضه غالبا وطرد المماثلة في القصاص انما يشرع فيما إذا وقعت الجناية بما يقتل غالبا وفي هذا الجواب نظر فان الذي يظهر أنه انما لم يوجب فيه القود لأنها لم يقصد مثلها وشرط القود العمد وهذا انما هو شبه العمد فلا حجة فيه للقتل بالمثقل ولا عكسه الحديث الثاني
6509 قوله حدثنا وهيب هو بن خالد وصرح أبو داود في روايته عن موسى بن إسماعيل شيخ البخاري به قوله عن هشام هو بن عروة وصرح الإسماعيلي من طريق عفان عن وهيب به قوله عن أبيه عن المغيرة في رواية الإسماعيلي من طريق بن جريج حدثني هشام بن عروة عن أبيه أنه حدثه عن المغيرة بن شعبة أنه حدثه قال أبو داود عقب رواية وهيب رواه حماد بن زيد وحماد بن سلمة عن هشام عن أبيه أن عمر يعني لم يذكر المغيرة في السند قلت وهي رواية عبيد الله بن موسى التي تلي حديث الباب وساق الإسماعيلي من طريق حماد بن زيد وعبد الله بن المبارك وعبيدة كلهم عن هشام نحوه وخالف الجميع وكيع فقال عن هشام عن أبيه عن المسور بن مخرمة أن عمر استشار الناس في إملاص المرأة فقال المغيرة أخرجه مسلم قوله عن عمر رضي الله عنه أنه استشارهم في رواية الإسماعيلي من طريق سفيان بن عيينة عن هشام عن أبيه عن المغيرة أن عمر قوله في إملاص المرأة في رواية المصنف في الاعتصام من طريق أبي معاوية عن هشام عن أبيه عن المغيرة سأل عمر بن الخطاب في إملاص المرأة وهي التي تضرب بطنها فتلقي جنينها فقال أيكم سمع من النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيئا وهذا التفسير أخص من قول أهل اللغة أن الإملاص أن تزلقه المرأة قبل الولادة أي قبل حين الولادة هكذا نقله أبو داود في السنن عن أبي عبيد وهو كذلك في الغريب له وقال الخليل أملصت المرأة والناقة إذا رمت ولدها وقال بن القطاع أملصت الحامل ألقت ولدها ووقع في بعض الروايات ملاص بغير ألف كأنه اسم فعل الولد فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه أو اسم لتلك الولادة كالخداج ووقع عند الإسماعيلي من رواية بن جريج عن هشام المشار إليها قال هشام الملاص للجنين وهذا يتخرج أيضا على الحذف وقال صاحب البارع الإملاص الاسقاط وإذا قبضت على شيء فسقط من يدك تقول أملص من يدي إملاصا وملص ملصا ووقع في رواية عبيد الله بن موسى التي تلي حديث الباب
6510 أن عمر تشد الناس من سمع النبي صلى الله عليه وسلم قضى في السقط قوله فقال المغيرة كذا في رواية عبيد الله بن موسى وفي رواية بن عيينة فقام المغيرة بن شعبة فقال بلى أنا يا أمير المؤمنين وفيه تجريد وكان السياق يقتضي أن يقول فقلت وقد وقع في رواية أبي معاوية المذكورة فقلت أنا قوله قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالغرة عبد أو أمة كذا في رواية عفان عن وهيب باللام وهو يؤيد رواية التنوين وسائر الروايات بغرة ومنها رواية أبي معاوية بلفظ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيها غرة عبد أو أمة قوله فشهد محمد بن مسلمة أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم قضى به كذا في رواية وهيب مختصرا وفي رواية بن عيينة فقال عمر من يشهد معك فقام محمد فشهد بذلك وفي رواية وكيع فقال ائتني بمن يشهد معك فجاء محمد بن مسلمة فشهد له وفي رواية أبي معاوية فقال لا تبرح حتى تجيء بالمخرج مما قلت قال فخرجت فوجدت محمد بن مسلمة فجئت به فشهد معي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قضى به قوله حدثنا عبيد الله بن موسى عن هشام هو بن عروة وهذا في حكم الثلاثيات لأن هشاما تابعي كما سبق تقريره في رواية عبيد الله بن موسى أيضا عن الأعمش في أول الديات قوله عن أبيه أن عمر هذا صورته الإرسال لكن تبين من الرواية السابقة واللاحقة ان عروة حمله عن المغير ة وان لم يصرح به في هذه الرواية وفي عدول البخاري عن رواية وكيع إشارة إلى ترجيح رواية من قال فيه عن عروة عن المغيرة وهم الأكثر قوله فقال المغيرة كذا لأبي ذر وهو الأوجه ولغيره وقال المغيرة بالواو قوله ائت بمن يشهد كذا للأكثر بصيغة فعل الأمر من الإتيان وحذفت عند بعضهم الباء من قوله بمن ووقع في رواية أبي ذر عن غير الكشميهني بألف ممدودة ثم نون ثم مثناة بصيغة استفهام المخاطب على إرادة الاستثبات أي أنت تشهد ثم استفهمه ثانيا من يشهد معك قوله في طريق الثالث حدثنا محمد بن عبد الله هو محمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي نسبه إلى جده وقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق بن خزيمة عن محمد بن يحيى عن محمد بن سابق وكلام الإسماعيلي يشعر بأن البخاري أخرجه عن محمد بن سابق نفسه بلا واسطة قوله انه استشارهم في إملاص المرأة مثله يعني مثل رواية وهيب قال بن دقيق العيد الحديث أصل في اثبات دية الجنين وأن الواجب فيه غرة إما عبد وإما أمة وذلك إذا ألقته ميتا بسبب الجناية وتصرف الفقهاء بالتقييد في سن الغرة وليس ذلك من مقتضى الحديث كما تقدم واستشارة عمر في ذلك أصل في سؤال الامام عن الحكم إذا كان لا يعلمه أو كان عنده شك أو أراد الاستثبات وفيه أن الوقائع الخاصة قد تخفى على الأكابر ويعلمها من دونهم وفي ذلك رد على المقلد إذا استدل عليه بخبر يخالفه فيجيب لو كان صحيحا لعلمه فلان مثلا فان ذلك إذا جاز خفاؤه عن مثل عمر فخفاؤه عمن بعده أجوز وقد تعلق بقول عمر لتأتين بمن يشهد معك من يرى اعتبار العدد في الرواية ويشترط أنه لا يقبل أقل من أثنين كما في غالب الشهادات وهو ضعيف كما قال بن دقيق العيد فإنه قد ثبت قبول الفرد في عدة مواطن وطلب العدد في صورة جزئية لا يدل على اعتباره في كل واقعة لجواز المانع الخاص بتلك الصورة أو وجود سبب يقتضي التثبت وزيادة الاستظهار ولا سيما إذا قامت قرينة وقريب من هذا قصة عمر مع أبي موسى في الاستئذان قلت وقد تقدم شرحها مستوفى في كتاب الاستئذان وبسط هذه المسألة أيضا هناك ويأتي أيضا في باب إجازة خبر الواحد من كتاب الاحكام وقد صرح عمر في قصة أبي موسى بأنه أراد الاستثبات وقوله في إملاص المرأة أصرح في وجوب الانفصال ميتا من قوله في حديث أبي هريرة قضى في الجنين وقد شرط الفقهاء في وجوب الغرة انفصال الجنين ميتا بسبب الجناية فلو انفصل حيا ثم مات وجب فيه القود أو الدية كاملة ولو ماتت الأم ولم ينفصل الجنين لم يجب شيء عند الشافعية لعدم تيقن وجود الجنين وعلى هذا هل المعتبر نفس الانفصال أو تحقق حصول الجنين فيه وجهان أصحهما الثاني ويظهر أثره فيما لو قدت نصفين أو شق بطنها فشوهد الجنين وأما إذا خرج راس الجنين مثلا بعد ما ضرب وماتت الأم ولم ينفصل قال بن دقيق العيد ويحتاج من قال ذلك إلى تأويل الرواية وحملها على أنه انفصل وان لم يكن في اللفظ ما يدل عليه قلت وقع في حديث بن عباس عند أبي داود فأسقطت غلاما قد نبت شعره ميتا فهذا صريح في الانفصال ووقع مجموع ذلك في حديث الزهري ففي رواية عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الماضية في الطب فأصاب بطنها وهي حامل فقتل ولدها في بطنها وفي رواية مالك في هذا الباب فطرحت جنينها واستدل به على أن الحكم المذكور خاص بولد الحرة لأن القصة وردت في ذلك وقوله في إملاص المرأة وان كان فيه عموم لكن الراوي ذكر أنه شهد واقعة مخصوصة وقد تصرف الفقهاء في ذلك فقال الشافعية الواجب في جنين الأمة عشر قيمة أمه كما أن الواجب في جنين الحرة عشر ديتها وعلى أن الحكم المذكور خاص بمن يحكم بإسلامه ولم يتعرض لجنين محكوم بتهوده أو تنصره ومن الفقهاء من قاسه على الجنين المحكوم بإسلامه تبعا وليس هذا من الحديث وفيه أن القتل المذكور لا يجري مجرى العمد والله أعلم واستدل به على ذم السجع في الكلام ومحل الكراهة إذا كان ظاهر التكلف وكذا لو كان منسجما لكنه في ابطال حق أو تحقيق باطل فأما لو كان منسجما وهو في حق أو مباح فلا كراهة بل ربما كان في بعضه ما يستحب مثل أن يكون فيه إذعان مخالف للطاعة كما وقع لمثل القاضي الفاضل في بعض رسائله أو إقلاع عن معصية كما وقع لمثل أبي الفرج بن الجوزي في بعض مواعظه وعلى هذا يحمل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا عن غيره من السلف الصالح والذي يظهر لي أن الذي جاء من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عن قصد إلى التسجيع وانما جاء اتفاقا لعظم بلاغته وأما من بعده فقد يكون كذلك وقد يكون عن قصد وهو الغالب ومراتبهم في ذلك متفاوتة جدا والله أعلم
1 ( قوله باب جنين المرأة وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد لا على الولد ) ذكر فيه حديث أبي هريرة المذكور في الباب الذي قبله من وجهين قال الإسماعيلي هكذا ترجم أن العقل على الوالد وعصبة الوالد وليس في الخبر إيجاب العقل على الوالد فان أراد الوالدة التي كانت هي الجانية فقد يكون الحكم عليها فإذا ماتت أو عاشت فالعقل على عصبتها انتهى والمعتمد ما قال بن بطال مراده أن عقل المرأة المقتولة على والد القاتلة وعصبته قلت وأبوها وعصبة أبيها عصبتها فطابق لفظ الخبر الأول في الباب وأن العقل على عصبتها وبينه لفظ الخبر الثاني في الباب أيضا وقضى أن دية المرأة على عاقلتها وانما ذكره بلفظ الوالد للإشارة إلى ما ورد في بعض طرق القصة وقوله لا على الولد قال بن بطال يريد أن ولد المرأة إذا لم يكن من عصبتها لا يعقل عنها لأن العقل على العصبة دون ذوي الأرحام ولذلك لا يعقل الإخوة من الأم قال ومقتضى الخبر أن من يرثها لا يعقل عنها إذا لم يكن من عصبتها وهو متفق عليه بين العلماء كما قاله بن المنذر قلت وقد ذكرت قبل هذا أن في رواية أسامة بن عمير فقال أبوها إنما يعقلها بنوها فقال النبي صلى الله عليه وسلم الدية على العصبة 1 ( قوله باب من استعان عبدا أو صبيا ) كذا للأكثر بالنون وللنسفي والإسماعيلي استعار بالراء قال الكرماني ومناسبة الباب للكتاب أنه لو هلك وجبت قيمة العبد أو دية الحر قوله ويذكر أن أم سلمة بعثت إلى معلم الكتاب في رواية النسفي معلم كتاب بالتنكير قوله ابعث الي غلمانا ينفشون هو بضم الفاء وبالشين المعجمة قوله صوفا ولا تبعث الي حرا كذا للجمهور بكسر الهمزة وفتح اللام الخفيفة بعدها ياء ثقيلة وذكره بن بطال بلفظ إلا بحرف الإستثناء وشرحه على ذلك وهو عكس معنى رواية الجماعة وهذا الأثر وصله الثوري في جامعه وعبد الرزاق في مصنفه عنه عن محمد بن المنكدر عن أم سلمة وكأنه منقطع بين بن المنكدر وأم سلمة لذلك ولم يجزم به ثم ذكر حديث أنس في خدمته النبي صلى الله عليه وسلم في الحضر والسفر بالتماس أبي طلحة من النبي صلى الله عليه وسلم واجابته له وأبو طلحة كان زوج أم أنس وعن رأيها فعل ذلك وقد بينت ذلك في أول كتاب الوصايا قال بن بطال انما اشترطت أم سلمة الحر لأن جمهور العلماء يقولون من استعان حرا لم يبلغ أو عبدا بغير اذن مولاه فهلكا من ذلك العمل فهو ضامن لقيمة العبد وأما دية الحر فهي على عاقلته قلت وفي الفرق من هذا التعليل نظر ونقل بن التين ما قال بن بطال ثم نقل عن الداودي أنه قال يحمل فعل أم سلمة على أنها أمهم قال فعلى هذا لا فرق بين حر وعبد ونقل عن غيره أنها انما اشترطت أن لا يكون حرا لأنها أم لنا فمالنا كمالها وعبيدنا كعبيدها وأما أولادنا فأجتبتهم وقال الكرماني لعل غرضها من منع بعث الحر إكرام الحر وايصال العوض لأنه على تقدير هلاكه في ذلك لا تضمنه بخلاف العبد فان الضمان عليها لو هلك به وفيه دليل على جواز استخدام الأحرار وأولاد الجيران فيما لا كبير مشقة فيه ولا يخاف منه التلف كما في حديث الباب وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في أواخر الوصايا
6513 قوله عن عبد العزيز هو بن صهيب وقد تقدم منسوبا في هذا الحديث بعينه في كتاب الوصايا ومناسبة أثر أم سلمة لقصة أنس أن في كل منهما استخدام الصغير بإذن وليه وهو جار على العرف السائغ في ذلك وإنما خصت أم سلمة العبيد بذلك لأن العرف جرى برضا السادة باستخدام عبيدهم في الأمر اليسير الذي لا مشقة فيه بخلاف الأحرار فلم تجر العادة بالتصرف فيهم بالخدمة كما يتصرف في العبيد وأما قصة أنس فإنه كان في كفالة أمه فرأت له من المصلحة أن يخدم النبي صلى الله عليه وسلم لما في ذلك من تحصيل النفع العاجل والآجل فأحضرته وكان زوجها معها فنسب الاحضار إليها تارة واليه أخرى وهذا صدر من أم سليم أول ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كما سبق في باب حسن الخلق من كتاب الأدب واضحا وكانت لأبي طلحة في إحضار أنس قصة أخرى وذلك عند إرادة النبي صلى الله عليه وسلم الخروج إلى خيبر كما أوضحت ذلك هناك أيضا وتقدم في كتاب المغازي قوله صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة لما أراد الخروج إلى خيبر التمس لي غلاما يخرج معي فأحضر له أنسا وقد بينت وجه الجمع المذكور في كتاب الأدب أيضا قال الكرماني مناسبة الحديث للترجمة أن الخدمة مستلزمة للاعانة وقوله في آخر الحديث فما قال لي لشيء صنعته لم صنعت هذا هكذا ولا لشيء لم أصنعه لم لم تصنع هذا هكذا كذا وقع بصيغة واحدة في الاثبات والنفي وهو في الاثبات واضح واما النفي فقال بن التين مراده أنه لم يلمه في الشق الأول على شيء فعله ناقصا عن ارادته تجوزا عنه وحلما ولا لامه في الشق الثاني على ترك شيء لم يفعله خشية من أنس أن يخطئ فيه لو فعله وإلى ذلك أشار بقوله هذا هكذا لأنه كما صفح عنه فيما فعله ناقصا عن إرادته صفح عنه فيما لم يفعله خشية وقوع الخطأ منه ولو فعله ناقصا عن ارادته لصفح عنه انتهى ملخصا ولا يخفى تكلفه وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق بن جريج قال أخبرني إسماعيل وهو بن إبراهيم المعروف بابن علية راوية في هذا الباب بلفظ ولا لشيء لم أفعله لم لم تفعله وهذا من رواية الأكابر عن الاصاغر فان بن علية مشهور بالرواية عن بن جريج فروى بن جريج هنا عن تلميذه 1 ( قوله باب المعدن جبار والبئر جبار ) كذا ترجم ببعض الخبر وأفرد بعضه بعده وترجم في الزكاة لبقيته وقد تقدم في كتاب الشرب من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بتمامه وبدأ فيه بالمعدن وثنى بالبئر وأورده هنا من طريق الليث قال
6514 حدثني بن شهاب وهذا مما سمعه الليث عن الزهري وهو كثير الرواية عنه بواسطة وبغير واسطة قوله عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة كذا جمعهما الليث ووافقه الأكثر واقتصر بعضهم على أبي سلمة وتقدم في الزكاة من رواية مالك عن بن شهاب فقال عن سعيد بن المسيب وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن وهذا قد يظن انه عن سعيد مرسل وعن أبي سلمة موصول وقد أخرجه مسلم والنسائي من رواية يونس بن يزيد عن بن شهاب عن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال الدارقطني المحفوظ عن بن شهاب عن سعيد وأبي سلمة وليس قول يونس بمدفوع قلت قد تابعه الأوزاعي عن الزهري في قوله عن عبيد الله لكن قال عن بن عباس بدل أبي هريرة وهو وهم من الراوي عنه يوسف بن خالد كما نبه عليه بن عدي وقد روى سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد وحده عن أبي هريرة شيئا منه وروى بعض الضعفاء عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس بعضه ذكره بن عدي وهو غلط وأخرج مسلم الحديث بتمامه من رواية الأسود بن العلاء عن أبي سلمة وقد رواه عن أبي هريرة جماعة غير من ذكر منهم محمد بن زياد كما في الباب الذي بعد وهمام بن منبه أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي قوله العجماء بفتح المهملة وسكون الجيم وبالمد تأنيث أعجم وهي البهيمة ويقال أيضا لكل حيوان غير الإنسان ويقال لمن لا يفصح والمراد هنا الأول قوله جبار بضم الجيم وتخفيف الموحدة هو الهدر الذي لا شيء فيه كذا أسنده بن وهب عن بن شهاب وعن مالك ما لا دية فيه أخرجه الترمذي وأصله أن العرب تسمي السيل جبارا أي لا شيء فيه وقال الترمذي فسر بعض أهل العلم قالوا العجماء الدابة المنفلتة من صاحبها فما أصابت من انفلاتها فلا غرم على صاحبها وقال أبو داود بعد تخريجه العجماء التي تكون منفلتة لا يكون معها أحد وقد تكون بالنهار ولا تكون بالليل ووقع عند بن ماجة في آخر حديث عبادة بن الصامت والعجماء البهيمة من الانعام وغيرها والجبار هو الهدر الذي لا يغرم كذا وقع التفسير مدرجا وكأنه من رواية موسى بن عقبة وذكر بن العربي أن بناء ج ب ر للرفع والاهدار من باب السلب وهو كثير يأتي اسم الفعل والفاعل لسلب معناه كما يأتي لاثبات معناه وتعقبه شيخنا في شرح الترمذي بأنه للرفع على بابه لأن إتلافات الآدمي مضمونة مقهور متلفها على ضمانها وهذا اتلاف قد ارتفع عن أن يؤخذ به أحد وسيأتي بقية ما يتعلق بالعجماء في الباب الذي يليه قوله والبئر جبار في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم والبئر جرحها جبار أما البئر فهي بكسر الموحدة ثم ياء ساكنة مهموزة ويجوز تسهيلها وهي مؤنثة وقد تذكر على معنى القليب والطوى والجمع أبؤر وآبار بالمد والتخفيف وبهمزتين بينهما موحدة ساكنة قال أبو عبيد المراد بالبئر هنا العادية القديمة التي لا يعلم لها مالك تكون في البادية فيقع فيها انسان أو دابة فلا شيء في ذلك على أحد وكذلك لو حفر بئرا في ملكه أو في موات فوقع فيها انسان أو غيره فتلف فلا ضمان إذا لم يكن منه تسبب إلى ذلك ولا تغرير وكذا لو استأجر انسانا ليحفر له البئر فانهارت عليه فلا ضمان وأما من حفر بئرا في طريق المسلمين وكذا في ملك غيره بغير إذن فتلف بها انسان فإنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر والكفارة في ماله وان تلف بها غير آدمي وجب ضمانه في مال الحافر ويلتحق بالبئر كل حفرة على التفصيل المذكور والمراد بجرحها وهي بفتح الجيم لا غير كما نقله في النهاية عن الأزهري ما يحصل بالواقع فيها من الجراحة وليست الجراحة مخصوصة بذلك بل كل الاتلافات ملحقة بها قال عياض وجماعة انما عبر بالجرح لأنه الأغلب أو هو مثال نبه به على ما عداه والحكم في جميع الاتلاف بها سواء كان على نفس أو مال ورواية الأكثر تتناول ذلك على بعض الآراء ولكن الراجح الذي يحتاج لتقدير لا عموم فيه قال بن بطال وخالف الحنفية في ذلك فضمنوا حافر البئر مطلقا قياسا على راكب الدابة ولا قياس مع النص قال بن العربي اتفقت الروايات المشهورة على التلفظ بالبئر وجاءت رواية شاذة بلفظ النار جبار بنون وألف ساكنة قبل الراء ومعناه عندهم أن من استوقد نارا مما يجوز له فتعدت حتى أتلفت شيئا فلا ضمان عليه قال وقال بعضهم صحفها بعضهم لأن أهل اليمن يكتبون النار بالياء لا بالألف فظن بعضهم البئر الموحدة النار بالنون فرواها كذلك قلت هذا التأويل نقله بن عبد البر وغيره عن يحيى بن معين وجزم بأن معمرا صحفه حيث رواه عن همام عن أبي هريرة قال بن عبد البر ولم يأت بن معين على قوله بدليل وليس بهذا ترد أحاديث الثقات قلت ولا يعترض على الحفاظ الثقات بالاحتمالات ويؤيده ما قال بن معين اتفاق الحفاظ من أصحاب أبي هريرة على ذكر البئر دون النار وقد ذكر مسلم أن علامة المنكر في حديث المحدث أن يعمد إلى مشهور بكثرة الحديث والأصحاب فيأتي عنه بما ليس عندهم وهذا من ذاك ويؤيده أيضا أنه وقع عند أحمد من حديث جابر بلفظ والجب جبار بجيم مضمومة وموحدة ثقيلة وهي البئر وقد اتفق الحفاظ على تغليط سفيان بن حسين حيث روى عن الزهري في حديث الباب الرجل جبار بكسر الراء وسكون الجيم وما ذاك إلا أن الزهري مكثر من الحديث والأصحاب فتفرد سفيان عنه بهذا اللفظ فعد منكرا وقال الشافعي لا يصح هذا وقال الدارقطني رواه عن أبي هريرة سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعبيد الله بن عبد الله والأعرج وأبو صالح ومحمد بن زياد ومحمد بن سيرين فلم يذكروها وكذلك رواه أصحاب الزهري وهو المعروف نعم الحكم الذي نقله بن العربي صحيح ويمكن أن يتلقى من حيث المعنى من الإلحاق بالعجماء ويلتحق به كل جماد فلو أن شخصا عثر فوقع رأسه في جدار فمات أو انكسر لم يجب على صاحب الجدار شيء قوله والمعدن جبار وقع في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم والمعدن جرحها جبار والحكم فيه ما تقدم في البئر لكن البئر مؤنثة والمعدن مذكر فكأنه ذكره بالتأنيث للمؤاخاة أو لملاحظة أرض المعدن فلو حفر معدنا في ملكه أو في موات فوقع فيه شخص فمات فدمه هدر وكذا لو استأجر آجيرا يعمل له فانهار عليه فمات ويلتحق بالبئر والمعدن في ذلك كل أجير على عمل كمن استؤجر على صعود نخلة فسقط منها فمات قوله وفي الركاز الخمس تقدم شرحه مستوفى في كتاب الزكاة