Qur'an&Sunnah

Kuşeyrî — er-Risâle

Section V01/P290–V01/P291

باب الولاية

Section V01/P291–V01/P292

قال الله تعالى : ' ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ' [ يونس : 62 ] . أخبرنا حمزة بن يوسف السهمي ، رحمه الله ، قال : حدثنا عبد الله بن عدي الحافظ ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن هارون بن حميد ، قال : حدثنا محمد بن هارون المقري قال : حدثنا حماد الخياط ، عن عبد الواحد بن ميمون مولى عروة ، عن عروة ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' يقول الله تعالى : من آذى وليا فقد استحل محاربتي ، وما تقرب إلى العبد بمثل أداء ما افترضت عليه ، ومايزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، وما ترددت في شيء أنا فاعلة كترددي في قبض روح عبدي المؤمن ؛ لأنه يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه . الوالي : له معنيان : أحدهما : فعيل بمعنى مفعول ، وهو من يتولى الله سبحانه أمره ؛ قال الله تعالى : ' وهو يتولى الصالحين ' فلا يكله إلى نفسه لحظة ، بل يتولى الحق ، سبحانه ، رعايته . والثاني : فعيل مبالغة من الفاعل ، وهو الذي يتوالى عبادة الله وطاعته ، فعبادته تجري على التوالي ، من غير أن يتخللها عصيان . وكلا الوصفين واجب حتى يكون الولي وليا : يجب قيامه بحقوق الله تعالى على الاستقصاء والاستيفاء ، ودوام حفظ الله تعالى إياه في السراء والضراء . ومن شرط الولي : أن يكون محفوظا ، كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما ، فكل من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرور مخدوع . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله ، قصد أبو يزيد البسطامي بعض من وصف بالولاية ، فلما وافى مسجده قعد ينتظر خروجه ، فخرج الرجل ، وتنخم في المسجد ، فانصرف أبو يزيد ولم يسلم عليه . وقال : هذا رجل غير مأمون على أدب من آداب الشريعة ، فكيف يكون أمينا على أسرار الحق ؟ ! واختلفوا في أن الولي : هل يجوز أن يعلم أنه ولي ، أم لا ؟ فمنهم من قال : لايجوز ذلك ؛ وقال : إن الولي يلاحظ نفسه بعين التصغير ، وإن ظهر عليه شيء من الكرامات خاف أن يكون مكرا ، وهو يستشعر الخوف دائما أبدا ؛ لخوف سقوطه عما هو فيه ، وأن تكون عاقبته بخلاف حاله ، وهؤلاء يجعلون من شرط الولاية : وفاء المآل . وقد ورد في هذا الباب حكايات كثيرة عن الشيوخ ، وإليه ذهب من شيوخ هذه الطائفة جماعة لا يحصون ، ولو اشتغلنا بذكر ما قالوا لخرجنا عن حد الاختصار ، وإلى هذا كان يذب من شيوخنا الذين لقيناهم الإمام أبو بكر بن فورك ، رحمه الله . ومنهم من قال : يجوز أني علم الولي أنه ولي ، وليس من شرط تحقيق الولاية في الحال الوفاء في المآل . ثم إن كان ذلك من شرطه أيضا فيجوز أن يكون هذا الولي خص بكرامة هي : تعريف الحق إياه أنه مأمون العاقبة ؛ إذ القول بجواز كرامات الأولياء واجب ، وهو وإن قارفه خوف العقابة ، فما هو عليه من الهيبة والتعظيم والإجلال في الحال أتم وأشد ؛ فإن اليسير من التعظيم والهيبة أهدأ للقلوب من كثير من الخوف . ولما قال صلى الله عليه وسلم : ' عشرة في الجنة من أصحابي ' ، فالعشرة - لا محالة - صدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم وعرفوا سلامة عاقبتهم ، ثم لم يقدح ذلك في حالهم . ولأن من شرط صحة المعرفة بالنبوة : الوقوف على حد المعجزة ، ويدخل في جملته العلم بحقيقة الكرامات ، فإذا رأى الكرامات ظاهرة عليه لا يمكنه أن لا يميز بينها وبين غيرها ، فإذا رأى شيئا من ذلك علم أنه في الحال على الحق .

Section V01/P292–V01/P293

ثم يجوز أن يعرف أنه في المآل يبقى على هذه الحالة ، ويكون هذا التعريف كرامة له . والقول بكرامات الأولياء صحيح . وكثير من حكايات القوم يدل على ذلك كما نذكر طرفا من ذلك في باب كرامات الأولياء إن شاء الله تعالى . وإلى هذا القول كان يذهب من شيوخنا الذين لقيناهم ، الأستاذ أبو علي الدقاق ، رحمه الله . وقيل : إن إبراهيم بن أدهم قال لرجل : أتحب أن تكون لله وليا ؟ فقال : نعم ، فقال : لا ترغب في شيء من الدنيا والآخرة ؛ وفرغ نفسك لله تعالى ، وأقبل بوجهك عليه ليقبل عليك ويواليك . وقال يحيى بن معاذ في صفة الأولياء : هم عباد تسربلوا بالأنس بالله تعالى بعد المكابدة ، واعتنقوا الروح بعد المجاهدة ، بوصولهم إلى مقام الولاية . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت عمي البسطامي يقول : سمعت أبي يقول : سمعت أبا يزيد يقول : أولياء الله تعالى عرائس الله . . ولا يرى العرائس إلا المحرومون . وهم مخدرون عنده في حجاف الأنس ، لا يراهم أحد في الدنيا ولا في الآخرة . سمعت أبا بكر الصيدلاني - كان رجلا صالحا - قال : كنت أصلح اللوح في قبر أبي بكر الطمستاني أنقر فيه اسمه في مقبرة الحيرة كثيرا ، وكان يقلع ذلك اللوح ويسرق ! ! ولم يقع مثله في غيره من القبور ، فكنت أتعجب منه ، فسألت أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يوما عن ذلك فقال : إن ذلك الشيخ آثر الخلفاء في الدنيا ، وأنت تريد أن تشهر قبره باللوح الذي تصلحه فيه ، وإن الحق سبحانه يأبى إلا إخفاء قبره ، كما آثر هو ستر نفسه . وقال أبو عثمان المغربي : الولي قد يكون مشهورا ، ولكن لا يكون مفتونا . . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت النصراباذي يقول : ليس للأولياء سؤال ؛ إنما هو الذبول والخمول . قال : وسمعته يقول : نهايات الأولياء بدايات الأنبياء . وقال سهل بن عبد الله : الولي : هو الذي توالت افعال علي الموافقة . وكان يحيى بن معاذ : الولي لا يرائي ، ولا ينافق ، وما أقل صديق من كان هذا خلقه ! ! وقال أبو علي الجوزجاني : الولي هو الفاني في حاله ، الباقي في مشاهدة الحق سبحانه ، تولى الله سياسته فتوالت عليه أنوار التولي ، لم يكن له عن نفسه إخبار ولا مع غير الله قرار . وقال أبو يزيد : حظوظ الأولياء مع تباينها من أربعة أسماء ، وقيام كل فريق منهم باسم ؛ وهو : الأول ، والآخر ، والظاهر ، والباطن ، فمتى فني عنها بعد ملابستها فهو الكامل التام ، فمن كان حظه من اسمه تعالى الظاهر لاحظ عجائب قدرته ومن كان حظه من اسمه الباطن لاحظ ما جرى في السرائر من أنواره . ومن كان حظه من اسمه الباطن لاحظ ما جرى في السرائر من أنواره . ومن كان حظه من اسمه الأول كان شغله بما سبق ، ومن كان حظه من اسمه الآخر كان مرتبطا بما يستقبله ، وكل كوشف علي قدر طاقته إلا من تولاه الحق ، سبحانه ببره ، وقام عنه بنفسه . وهذا الذي قاله أبو يزيد يشير إلي أن الخواص من عباده ارتقوا عن هذه الأقسام ، فلا العواقب هم في ذكرها ، ولا السوابق هم في فكرها ، ولا الطوارق هم في أسرها . . وكذا أصحاب الحقائق يكونون محوا عن نعوت الخلائق كما قال الله تعالى : ' وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ' [ الكهف : 18 ] .

Section V01/P293–V01/P294

وقال يحيى بن معاذ : الولي ريحان الله ، تعالى ، في الأرض ، يشمه الصديقون فتصل رائحته إلى قلوبهم فيشتاقون به إلى مولاهم ، ويزدادون عبادة على تفاوت أخلاقهم . وسئل الواسطي : كيف يغذى الولي في ولايته ؟ فقال : في بدايته بعبادته وفي كهولته بستره بلطافته ، ثم يجذبه إلى ما سبق له من نعوته وصفاته ، ثم بذيقة طعم قيامه به في اوقاته . وقيل : علامة الولي ثلاثة : شغلة بالله ، وفراره إلى الله ، وهمه إلى الله . وقال الخراز : إذا أراد الله تعالى أن يوالي عبدا من عبيده فتح عليه باب ذكره ، فإذا استلذ الذكر فتح عليه باب القرب ، ثم رفعه إلى مجالس الأنس به ، ثم أجلسه على كرسي التوحيد ، ثم رفع عنه الحجب وأدخله دار الفردانية . وكشف له عن الجلال والعظمة ، فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقي بلا هو فحينئذ صار العبد زمنا فانيا ، فوقع في حفظه سبحانه ، وبرىء من دعاوى نفسه . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت أبا علي الروزباري يقول : قاب أبو تراب النخشبي : إذا ألف القلب الإعراض عن الله صحبته الوقيعة في أولياء الله تعالى . وقالوا : من صفة الولي أن لا يكون له خوف ؛ لأن الخوف ترقب مكروه يحل في المستقبل ، أو انتظار محبوب يفوت في المستأنف ، والولي ابن وقته ، ليس له مستقبل فيخاف شيئا . وكما لا خوف له لا جراء له ؛ لأن الرجاء انتظار محبوب يحصل أو مكروه يكشف ، وذلك في الثاني من الوقت . وكذلك لاحزن له ؛ لأن الحزن من حزونة القلب ، ومن كان في ضياء الرضا وبرد الموافقة فأنى يكون له حزن ؟ ! قال الله تعالى : ' ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ' .

Section V01/P294

باب الدعاء

Section V01/P294–V01/P296

قال الله تعالى : ' ادعوا ربكم تضرعا وخفية ' . وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان قال : أخبرنا أبو الحسين الصفار البصري قال : حدثنا محمد بن أحمد العودي قال : حدثنا كامل ، قال : حدثنا بن لهيعة قال حدثنا خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' الدعاء مخ العبادة ' . والدعاء : مفتاح الحاجة ، وهو مستروح أصحاب الفاقات ، وملجأ المضطرين ، ومتنفس ذوي المأرب ، وقد ذم الله سبحانه وتعالى . قوما تركوا الدعاء فقال : ' ويقبضون أيديهم ' قيل : لا يمدونها إلينا في السوائل . وقال سهل بن عبد الله : خلق الله تعالى الخلق وقال ناجوني ، فإن لم تفعلوا فانظروا إلي ، فإن لم تفعلوا فاسمعوا مني ، فإن لمتفعلوا فكونوا ببابي ، فإن لم تفعلوا فأنزلوا حاجاتكم بي . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : قال سهل بن عبد الله : أقرب الدعاء إلى الإجابة دعاء الحال . ودعاءا لحال : أن يكون صاحبه مضطرا لابد له مما يدعو لأجله . أخبرنا حمزة بن يوسف السهمي ، رحمه الله ، قال سمعت أبا عبد الله المكانسي يقول : كنت عند الجنيد ؛ فأتت امرأة إليه وقالت : ادع الله أني رد علي ابني : فإن ابنا لي ضاع فقال لها : اذهبي واصبري ، فمضت ، ثم عادة فقالت له مثل ذلك ، فقال لها الجنيد : اذهبي واصبري ، فمضت ثم عادت ، ففعلت مثل ذلك مرات والجنيد يقول لها : اصبري ، فقالت له : عيل صبري ، ولمي بق لي طاقة عليه ، فادع لي . فقال لها الجنيد : إن كان الأمر كما قلت فاذهبي ، فقد رجع ابنك ، فمضت ، فوجدته ، ثم عادت تشكر له فقيل للجني : بم عرفت ذلك ؟ فقال : قال الله تعالى : ' أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ' . وقد اختلف الناس في أن : الأفضل الدعاء ، أم السكوت والرضا ؟ فمنهم من قال : الدعاء في نفسه عبادة ، قال صلى الله عليه وسلم : ' الدعاء مخ العبادة ' والإتيان بما هو عبادة أولى من تركه ، ثم هو حق الله تعالى فإن لم يستجب للعبد ، ولم يصل إلى حظ نفسه فلقد قام بحق ربه ؛ لأن الدعاء إظهار فاقة العبودية : وقد قال أبو حازم الأعرج : لئن أحرم الدعاة أشد علي من أن أحرم الإجابة . وطائفة قالوا : السكوت والخمول تحت جريان الحكم أتم ، والرضا بما سبق من اختيار الحق أولى ، ولهذا قال الواسطي : اختيار ما جرى لك في الأزل خير لك من معارضة الوقت ، وقد قال صلى الله عليه وسلم خبرا عن الله تعالى . ' من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ' وقال قوم : يجب أن يكون العبد صاحب داء بلسانه وصاحب رضا بقلبه : ليأتي بالأمرين جميعا . والأولى أن يقال : إن الأوقات مختلفة ، ففي بعض الأحوال الدعاء أفضل من السكوت ، وهو الأدب ، وفي بعض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء ، وهو الأدب ، وإنما يعرف ذلك في الوقت ، لأن علم الوقت إنما يحصل في الوقت فإذا وجد بقلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء له أولى . وإذا وجد إشارة إلى السكوت فالسكوت له أولى . ويصح أن يقال : ينبغي للعبد أن لا يكون ساهيا عن شهود ربه تعالى في حال دعائه . ثم يجب عليه أن يراعي حاله ، فإن وجد من الدعاء زيادة بسط في وقته فالدعاء له أولى . .

Section V01/P296–V01/P297

وإن عاد إلى قلبه في وقت الدعاء شبه زجر ومثل قبض ، فالأولى له ترك الدعاء في هذا الوقت ، وإن لم يجد في قلبه زيادة بسط ول حصول زجر فالدعاء وتركه هاهنا سيان ، فإن كان الغالب عليه في هذا الوقت العلم ، فالدعاء أولى ؛ لكونه عبادة ، وإن كان الغالب عليه في هذا الوقت المعرفة والحال والسكوت ، فالسكوت أولى ، ويصح أن يقال : ما كان للمسلمين فيه تصيب ، أو للحق سبحانه فيه حق ، فالدعاء أولى وما كان لنفسك فيه حظ فالسكوت أتم . وفي الخبر المروي ' أن العبد يعو الله سبحانه وهو يحبه ، فيقول : ياجبريل أخر حاجة عبدي ، فإني أحب أن أسمع صوته ، وإن العبد ليدعو الله وهو يبغضه فيقول : يا جبريل ، إقض لعبدي حاجته ، فإني أكره أن أسمع صوته ' . ويحكى عن يحيى بن سعيد القطان ، رحمه الله تعالى ، أنه رأى الحق ، سبحانه في المنام ، فقال : آلهي : كم أدعوك فلا تجيبني ! ! فقال يا يحيى ؛ لني أحب أن أسمع صوتك . وقال صلى الله عليه وسلم : ' والذي نفسي بيده ، إن العبد ليدعو الله تعالى وهو عليه غضبان ، فيعرض عنه ، ثم يدعوه ، فيعرض عنه ، ثم يدعوه ، فيعرض عنه ثم يدعوه ، فيقول الله تعالى لملائكته : أبي عبدي أن يدعو غيري فقد استجبت له ' . أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران ببغداد قال : حدثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد المعروف بأبن السماك قال : أخبرنا محمد بن عبد ربه الحضرمي قال : أخبرنا بشر بن عبد الملك قال : حدثنا موسى بن الحجاج قال : قال مالك بن دينار : حدثنا الحسن عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجر من بلاد الشام إلى المدينة ، ومن المدينة إلى بلاد الشام ، ولا يصحب القوافل توكلا منه على الله ، عز وجل ، قال : بينما هو جاء من الشام يريد المدينة إذ عرض له لص على فرس . . فصاح بالتاجر : قف . قف ! ! فوقف له التاجر ، وقال له : شأنك بمالي وخل سبيل . فقال له اللص : المال مالي ، وإنما أريد نفسك . فقال له التاجر : ما تريد بنفسي ؟ ! شأنك والمال وخل سبيلي . قال : فرد عليه اللص مثل المقالة الأولى ، قال له التاجر : أنظرني حتى أتوضأ وأصلي وأدعو ربي عز وجل . قال أفعل ما بدالك . قال فقام التاحر ، وتوضأ ، وصلى أربع ركعات ، ثم رفع يديه إلى السماء ، فكان من دعائه أ ، قال : يا ودود . . يا ودود . . ياذا العرش المجيد ، يا مبدىء يا معيد ، يا فعال لما يدري أسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك ، وأسألك بقدرتك التي قدرت بها على خلقك ، وبرحمتك التي وسعت كل شيء ، لا إله إلا أنت ، يا مغيث أغثني ثلاث مرات . فلما فرغ من دعائه إذا بفارس على فرس أشهب . . عليه ثياب خضر ، بيده حربة من نور ، فلما نظر اللص إلى الفارس ترك التاجر ومر نحو الفارس . فلما دنا منه شد الفارس على اللص ، فطعنه طعنة أدراه عن فرسه . . ثمجاء إلى التاجر فقال له : قم فاقتله ، فقال له التاجر : من أنت ؟ فما قتلت أحدا قد ولا تطيب نفس بقتله ! ! قال ، فرجع الفارس إلى اللص وقتله ، ثم جاء إلى التاجر ، وقال : أعلم أنيملك من السماء الثالثة ، حين دعوت الأولى سمعنا لأبواب السماء قعقعة ، فقلنا أمر حدث ! !

Section V01/P297–V01/P299

ثم دعوت الثانية ففتحت أبواب السماء ولها شرر كشرر النار ، ثم دعوت الثالثة فهبط جبريل عليه السلام علينا من قبل السماء وهو ينادي : من لهذا المكروب ؟ فدعوت ربي أن يوليني قتله ، واعلم - يا عبد الله - أنه من دعا بدعائك هذا في كل كربة ، وكل شدة ، وكل نازلة فرج الله تعالى عنه ، وأعانه . قال وجاء التاجر سالما غانما حتى دخل المدينة وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بالقصة وأخبره بالدعاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ' لقد لقنك الله عز وجل ، اسماؤه الحسنى التي إذا دعي بها أجاب ، وإذا سئل بها أعطى ' . ومن أداب الدعاء : حضور القلب ، وأن لا يكون ساهيا ؛ فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ' إن الله تعالى ، لا يستجيب دعاء عبد من قلب لاه ' . ومن شرائطه : أن يكون مطعمه حلالا ؛ فلقد قال صلى الله عليه وسلم لسعد : ' اطب كسبك تستجب دعوتك ' . وقد قيل : الدعاء : مفتاح الحاجة ، وأسنانها : لقم الحلال . وكان يحيى بن معاذ يقول : إلهي ، كيف أدعوك وأنا عاص ؟ وكيف لا أدعوك وأنت كريم ؟ ! وقيل : مر موسى ، عليه السلام ، برجل يدعو ويتضرع ، فقال موسى عليه السلام : إلهي ، لو كانت حاجته بيدي قضيتها ؛ فأوحى الله ، تعالى إليه : أنا أرحم به منك ، ولكنه يدعوني ، وله غنم وقلبه عند غنمه ، وإني لا أستجيب لعبد يدعوني وقلبه عند غيري . فذكر موسى عليه السلام للرجل ذلك ، فانقطع إلى الله تعالى بقلبه فقضيت حاجته . وقيل لجعفر الصادق : ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا ؟ فقال : لأنكم تدعون من لا تعرفونه . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : ظهر بيعقوب بن الليث علة أعيت الأطباء ، فقالوا له : في ولايتك رجل صالح يسمى سهل بن عبد الله لو دعا لك لعل الله سبحانه يستجيب له ؛ فاستحضر سهلا وقال : ادع الله عز وجل لي . فقال سهل : كيف يستجاب دعائي فيك ، وفي محبسك مظلومون ؟ فأطلق كل من كان في حبسه ، فقال سهل : اللهم كما رأيته ذل المعصية فأره عز الطاعة وفرج عنه . فعوفي ، فعرض مالا على سهل فأبى أن يقبله ، فقيل له : لو قبلته ودفعته إلى الفقراء . فنظر إلى الحصباء في الصحراء فإذا هي جواهر ، فقال لأصحابه : من يعطى مثل هذا يحتاج إلى مال يعقوب بن الليث ؟ ! ! وقيل : كان صالح المري يقول كثيرا : من أدمن قرع باب يوشك أن يفتح له . فقالت له رابعة : إلى متى تقول هذا ؟ متى أغلق هذا الباب حتى يستفتح ؟ فقال صالح : شيخ جهل وامرأة علمت . سمعت الشيخ أبا عبد الرحن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا بكر الحربي يقول : سمعت السري يقول : حضرت مجلس معروف الكرخي . فقال إليه رجل فقال : يا أبا محفوظ ، ادع الله تعالى أن يرد علي كيسي ؛ فإنه سرق وفيه ألف دينار . فسكت ، فأعاد ، فقال معروف : ماذا أقول ؟ أقول ما زويته عن أنبيائك وأصفيائك . فرده عليه . فقال الرجل : فادع الله تعالى لي . فقال : اللهم خر له . وحكي عن الليث أنه قال : رأيت عقبة بن نافع ضريرا ، ثم رأيته بصيرا ، فقلت له : بم رد عليك بصرك ؟ فقال : أتيت في منامي ، فقيل قل : يا قريب ، يا مجيب ، يا سميع الدعاء ، يا لطيفا لما يشاء ، رد علي بصري .

Section V01/P299–V01/P300

فقلتها ، فرد الله عز وجل علي بصري . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : كان بي وجع العين ابتداء ما رجعت إلى نيسابور من مرو ، وكنت مدة أيام لم أجد النوم ، فتناعست صباحا ، فسمعت قائلا يقول لي : أليس الله بكاف عبده ؟ فانتبهت ، وقد فارقني الرمد ، وزال في الوقت الوجع ، ولم يصبني بعد ذلك وجع العين . وحكى عن محمد بن خزيمة ، أنه قال : لما مات أحمد بن حنبل كنت في الإسكندرية ، فاغتممت . . فرأيت في المنام أحمد بن حنبل وهو يتبختر ، فقلت : يا أبا عبد الله ، أي مشية هذه ؟ فقال : مشية الخدام في دار السلام . فقلت : ما فعل الله عز وجل بك ؟ فقال : غفر لي ، وتوجني ، وألبسني نعلين من ذهب ، وقال : يا أحمد هذا بقولك القرآن كلامي . ثم قال : يا أحمد ادعني بتلك الدعوات التي بلغتك عن سفيان الثوري وكنت تدعو بها في دار الدنيا . فقلت : يا رب كل شيء بقدرتك على كل شيء ، اغفر لي كل شيء ، ولا تسألني عن شيء . فقال : يا أحمد هذه الجنة ، فادخلها ، فدخلتها . وقيل : تعلق شاب بأستار الكعبة ، وقال : إلهي ، لا شريك له فيؤتى ، ولا وزير لك فيرشى ، ن أطعتك فبفضلك ولك الحمد ، وإن عصيتك فبجهلي ولك الحجة علي ، فبإثبات حجتك علي وانقطاع حجتي لديك إلا غفرت لي . فسمع هاتفا يقول : الفتى عتيق من النار . وقيل : فائدة الدعاء : إظهار الفاقة بين يديه تعالى ، إلا فالرب يفعل ما يشاء . وقيل : دعاء العامة بالأقوال ، ودعاء الزهاد بالأفعال ، ودعاء العارفين بالأحوال . وقيل : خير الدعاء : ما هيجته الأحزان . وقال بعضهم : إذا سالت الله تعالى حاجة فتسهلت ، فاسأل الله عقب ذلك الجنة ؛ فلعل ذلك يوم إجابتك . وقيل ألسنة المبتدئين منطلقة بالدعاء ، وألسنة المتحققين خرست عن ذلك . وسئل الواسطي أن يدعو ، فقال : أخشى أني إن دعوت أن يقال لي : إن سألتنا مالك عندنا فقد اتهمتنا ، وإن سألتنا ما ليس لك عندنا فقد أسأت الثناء علينا ، وإن رضيت أجرينا لك من الأمور ما قضينا لك به في الدهور . وروي عن عبد الله بن منازل أنه قال : ما دعوت منذ خمسين سنة ، ولا أريد أن يدعو لي أحد . وقيل : الدعاء سلم المذنبين . وقيل : الدعاء : المراسلة ، وما دامت المراسلة باقية فالأمر جميل بعد . وقيل لسان المذنبين دعاؤهم . وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : إذا بكى المذنب فقد راسل الله عز وجل . وفي معناه أنشدوا : دموع الفتى عما يجن تترجم . . . وأنفاسه يبدين ما القلب يكتم وقال بعضهم : الدعاء ترك الذنوب . وقيل : الدعاء لسان الاشتياق إلى الحبيب . وقيل : الإذن في الدعاء خير للعبد من العطاء . وقال الكتاني لم يفتح الله تعالى لسان المؤمن بالمعذرة إلا لفتح باب المغفرة . وقيل : الدعاء يوجب الحضور ، والعطاء يوجب الصرف ، والمقام علي الباب أتم من الانصراف بالمثاب . وقيل : الدعاء مواجهة الحق ، تعالى ، بلسان الحياء . وقيل : شرط الدعاء الوقوف مع القضا بوصف الرضا . وقيل : كيف تنتظر إجابة الدعوة وقد سددت طريقها بالهفوة ؟ ! وقيل لبعضهم : ادع لي . فقال : كفاك من الأجنبية أن تجعل بينك وبينه واسطة .

Section V01/P300–V01/P301

سمعت حمزة بن يوسف السهمي يقول : سمعت أبا الفتح نصر بن أحمد بن عبد الملك يقول : سمعت عبد الرحمن بن أحمد يقول : سمعت أبي يقول : جاءت امرأة إلى تقي بن مخلد ، فقالت : إن ابني قد أسره الروم ، ولا أقدر علىمال أكثر من دويرة ، ولا أقدر علي بيعها ، فلو أشرت إلى من يفديه بشيء فإنه ليس لي ليل ولا نهار ، ولا نوم ولا قرار ! ! فقال لها : نعم ، أنصرفي حتى أنظر في أمره إن شاء الله تعالى . قال : فأطرق الشيخ وحرك شفتيه ، قال : فلبثنا مدة ، فجاءت المرأة ومعها ابنها ، وأخذت تدعو له وتقول : قد رجع سالما ، وله حديث يحدثك به . فقال الشاب : كنت في يدي بعض ملوك الروم مع جماعة من الأسارى ، وكان له إنسان يستخدمنا كل يوم . فكان يخرجنا إلى الصحراء للخدمة ، ثم يردنا علينا قيودنا . فبينا نحن نجيء من العمل بعد المغرب مع صاحبه الذي كان يحفظنا انفتح القيد من رجلي ووقع على الأرض ، وصف اليوم والساعة ، فوافق الوقت الذي جاءت فيه المرأة ، ودعا الشيخ ، قال : فنهض إلى الذي كان يحفظني وصاح علي وقال لي : كسرت القيد ! ! قلت : لا ، إنه سقط من رجلي قال : فتحير . . وأحضر أصحابه ، وأحضروا الحداد ، وقيدوني . . فملا مشيت خطوات سقط القيد من رجلي ، فتحيروا في أمري ! ! فدعوا رهبانهم ، فقالوا لي : ألك والدة ؟ قلت : نعم فقالوا : وافق دعاؤها الإجابة . وقد أطلقك الله عز وجل ، فلا يمكننا تقييدك . فزودوني ، وأصحبوني بمن أوصلني إلى ناحية المسلمين .

Section V01/P301

باب الفقر

Section V01/P301–V01/P303

قال الله تعالى : ' للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ، لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فن الله به عليم ' [ البقرة : 273 ] . أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن شجاع بن الحسين بن موسى البزاز ببغداد ، قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد بن الهيثم الأنباري قال : حدثنا جعفر بن محمد الصائغ قال : حدثنا قبيصة قال : حدثنا سفيان ، عن محمد ابن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة ؛ عن أبي هريرة ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ' يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسائة عام : نصف يوم ' . وأخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس الحيري ببغداد ، قال : حدثنا أبو أحمد حمزة بن العباس البزاز ببغداد ، قال : حدثنا محمد بن غالب ابن حرب قال : حدثنا عبد الله بن مسلمة قال : حدثنا محمد بن أبي الفرات . عن إبراهيم الهجري ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ؛ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إن المسكين ليس بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان ، والتمرة والتمرتان ' ، قال : قيل : من المسكين يا رسول الله ؟ قال : ' الذي لا يجد ما يغنيه ويستحي أن يسأل الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه ' . قال الأستاذ : معنى قوله : يستحي أن يسال الناس : أي يستحي من الله ، تعالى . أن يسأل الناس ، لا أن يستحي من الناس . والفقر شعار الأولياء ؛ وحلية الأصفياء ؛ واختيار الحق ، سبحانه لخواصه من الأتقياء والأنبياء . والفقراء : صفوة الله عز وجل من عباده ، ومواضع أسراره بين خلقه ، بهم يصون الحق الخلق ، وببركاتهم يبسط عليهم الرزق . والفقراء الصبر جلساء الله تعالى ، يوم القيامة ؛ بذلك ورد الخبر عن النبي ، صلى الله عليه وسلم . أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ، قال : حدثنا إبراهيم بن أحمد بن محمد ابن رجاء الفزاري ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن أحمد بن خشيش البغدادي قال : حدثنا عثمان بن معبد قال : حدثنا عمر بن راشد . عن مالك ، عن نافع ، عن أبي عمر ، عن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . ' لكل شيء مفتاح ومفتاح الجنة : حب المساكين ، والفقراء الصبر : هم جلساء الله تعالى يوم القيامة ' . وقيل : ن رجلا أتى إبراهيم بن أدهم بعشرة آلاف درهم فأبى أن يقبلها منه وقال له : تريد أن تمحو اسمي من ديوان الفقراء بعشرة آلاف درهم : لا أفعل ! ! وقال معاذ النسفي : ما أهلك الله ، تعالى ، قوما ون عملوا ما عملوا حتى أهانوا الفقراء وأذلوهم . وقيل : لو لم يكن للفقراء إلى الله فضيلة غير إرادته وتمنيه سعة أرزاق المسلمين ورخص أسعارهم لكفاه ذلك ؛ لأنه يحتاج إلى شرائها والغني يحتاج إلى بيعها . هذا لعوام الفقراء ، فكيف حال خواصهم ؟ سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي . يقول : سمعت عبد الواحد بن بكر يقول : سمعت أبا بكر بن سمعان يقول : سمعت أبا بكر بن مسعود يقول : سئل يحيى بن معاذ عن الفقر ، فقال : حقيقته : أن لا يستغنى العبد إلا بالله ، ورسمه عدم الأسباب كلها . وسمعته يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت إبراهيم القصار يقول : الفقر لباس يورث الرضا إذا تحقق العبد فيه .

Section V01/P303–V01/P304

وقدم على الأستاذ أبي علي الدقاق فقير في سنة : خمس ، أو أربع وتسعين وثلاثمائة من زوزن وعليه مسح وقلنوسة مسح ، فقال له بعض أصحابه : بكم اشتريت هذا المسح ؟ على وجه المطايبة . فقال : اشتريته بالدنيا وطلب مني بالآخرة فلم أبعه بها ! ! سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : قام فقير في مجلس يطلب شيئا ، فقال : إني جائع منذ ثلاث : وكان هناك بعض المشايخ فصاح عليه وقال : كذبت ! ! إن الفقر سر الله وهو لا يضع سره عند من يحمله إلى من يريد . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن الفراء يقول سمعت زكريا النخشبي يقول : سمعت حمدون القصار يقول : إذا اجتمع إبليس وجنوده لم يفرحوا بشيء كفرحهم بثلاثة أشياء : رجل مؤمن قتل مؤمنا ، ورجل يموت على الكفر ، وقلب فيه خوف الفقر . وسمعته يقول : سمعت عبد الله بن عطا . يقول : سمعت أبا جعفر الفرغاني يقول : سمعت الجنيد يقول : يا معشر الفقراء : إنكم تعرفون بالله ، وتكرمون الله ، فانظروا كيف تكونون مع الله إذا خلوتم به ؟ . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، يقول : سمعت محمد بن الحسن البغدادي . يقول : سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول : سمعت الجنيد ، وقد سئل عن الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى : أو أتم أم الاستغناء بالله تعالى ؟ فقال : إذا صح الافتقار إلى الله عز وجل ، فقد صح الاستغناء بالله تعالى ، وإذا صح الاستغناء بالله تعالى كمل الغني به ، فلا يقال : أيهما أتم الافتقار أم الغنى ! ! لأنهما حالتان لا تتم إحداهما إلا بالأخرى . وسمعته يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت جعفرا يقول : سمعت رويما يقول وقد سئل عن نعت الفقير ، فقال . ' إرسال النفس في أحكام الله تعالى ' . وقيل : نعت الفقير ثلاثة أشياء : حفظ سره ، وأداء فرضه ، وصيانة فقره . وقيل لأبي سعيد الخزاز : لم تأخر عن الفقراء رفق الأغنياء ؟ فقال لثلاث خصال : لأن ما في أيديهم غير طيب ، ولأنهم غير موفقين ، ولأن الفقراء مرادون بالبلاء . وقيل : أوحى الله عز وجل إلى موسى ، عليه السلام : إذا رأيت الفقراء فسائلهم ، كما تسائل الأغنياء ، فإن لم تفعل فاجمل كل شيء علمتك تحت التراب . وروي عن أبي الدرداء ، أنه قال : لأن أقع من فوق قصر فأتحطم أحب إلي من مجالسة الغني ؛ لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : ' إياكم ومجالسة الموتى ! ! قيل : يا رسول الله ، ومن الموتى ؟ قال : الأغنياء ؟ . وقيل للربيع بن خيثم : قد غلا السعر ! ! فقال : نحن أهون على الله من أن يجيعنا ، إنما يجيع أولياءه . وقال إبراهيم بن أدهم : طلبنا الفقر فاستقبلنا الغنى ، وطلب الناس الغنى فاستقبلهم الفقر . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أحمد بن علي يقول : سمعت الحسن ابن علوية يقول : قيل ليحيى بن معاذ : ما الفقر ؟ قال : خوف الفقر . قيل : ما الغنى ؟ قال : الأمن بالله تعالى . وسمعته يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت الجريري يقول : سمعت ابن الكريني يقول : إن الفقير الصادق ، ليحترز من الغني حذرا أن يدخله الغنى فيفسد عليه فقره ، كما أن الغني يحترز من الفقر حذرا أن يدخل عليه فيفسد عليه غناه . وسئل أبو حفص : بماذا يقدم الفقير على ربه عز وجل ؟ فقال : وما للفقير أن يقدم به على ربه تعالى سوى فقره .

Section V01/P304–V01/P306

وقيل : أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام : أتريد أن يكون لك يوم القيامة مثل حسنات الناس اجمع ؟ . قال : نعم . قال عد المريض ، وكن لثياب الفقراء فاليا ، فجعل موسى ، عليه السلام ، على نفسه في كل شهر سبعة أيام يطوف على الفقراء يفلي ثيابهم ويعود المرضى . وقال سهل بن عبد الله : خمسة أشياء من جوهر النفس : فقير يظهر الغنى ، وجائع يظهر الشبع ، ومحزون يظهر الفح ؛ ورجل بينه وبين رجل عداوة يظهر المحبة ، ورجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يظهر ضعفا . وقال بشر بن الحارث : أفضل المقامات : اعتقاد الصبر على الفقر إلى القبر . وقال ذو النون : علامة سخط الله على العبد : خوفه من الفقر . وقال الشبلي : أدنى علامات الفقر : أن لو كانت الدنيا بأسرها لأحد فأنفقها في يوم ثم خطر بباله ، أن لو أمسك منها قوت يوم ما صدق في فقره . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا عبد الله الرازي يقول : سمعت أبا محمد بن ياسين يقول : سمعت ابن الجلاء يقول : وقد سألته عن الفقر ، فسكت ، حتى خلا ، ثم ذهب ورجع عن قريب ، ثم قال : كان عندي أربعة دوانيق فاستحييت من الله عز وجل ، أن أتكلم في الفقر وأخرجتها ثم قعد وتكلم في الفقر . وسمعته يقول : سمعت عبد الله بن محمد الدمشقي ، يقول : سمعت إبراهيم ابن المولد يقول : سألت ابن الجلاء : متى يستحق الفقير اسم الفقر ؟ فقال : إذا لم يبق عليه بقية منه . فقلت : كيف ذاك ؟ فقال : إذا كان له فليس له ، وإذا لم يكن له فهو له . وقيل : صحة الفقر : أن لا يستغني الفقير في فقره بشيء إلا بمن إليه فقره . وقال عبد الله بن المبارك : إظهار الغنى في الفقر أحسن من الفقر . سمعت محمد بن عبد الله الصوفي ، يقول : سمعت هلال بن محمد يقول : سمعت النقاش يقول : سمعت بنانا المصري يقول : كنت بمكة قاعدا وشاب بين يدي ، فجاءه إنسان وحمل إليه كيسا فيه دراهم ووضعه بين يديه ، فقال : لا حاجة لي فيه ، فقال : فرقه على المساكين ، فلما كان العشاء رأيته في الوادي يطلب شيئا لنفسه . فقلت لو تركت لنفسك مما كان معك شيئا ؟ . قال : لم أعلم أني أعيش إلى هذا الوقت ! ! سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت علي بن بندار الصيرفي ، يقول : سمعت محفوظا يقول : سمعت أبا حفص يقول : أحسن ما يتوسل به العبد إلى مولاه دوام الفقر إليه على جميع الأحوال ، وملازمة السنة في جميع الأفعال ، وطلب القوت من وجه حلال . وسمعته يقول : سمعت أبا الفرج الورثاني يقول : سمعت فاطمة أخت أبي علي الروذباري تقول : سمعت أبا علي الروذباري يقول : كان أربعة في زمانهم : واحد : كان لا يقبل من الإخوان ولا من السلطان شيئا ، وهو : يوسف ابن أسباط ، ورث من أبيه سبعين ألف درهم ولم يأخذ منها شيئا وكان يعمل الخوص بيده . وآخر : كان يقبل من الإخوان والسلطان جميعا ، وهو : أبو إسحاق الفرازي فكان ما يأخذه من الإخوان ينفقه في المستة رين الذي لا يتحركون ، والذي يأخذه من السلطان كان يخرجه إلى مستحقيه من أهل طرسوس . والثلث كان يأخذ من الإخوان ولا يأخذ من السلطان وهو عبد الله ابن المبارك ، وكان يأخذ من الإخوان ويكافىء عليه . والرابع : كان يأخذ من السلطان ولا يأخذ من الإخوان وهو : مخلد بن الحسين كان يقول : السلطان لا يمن والإخوان يمنون .

Section V01/P306–V01/P308

سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : جاء في الخبر : ' من تواضع لغني لأجل غناه ذهب ثلثا دينه ' . إنما كان ذلك ؛ لأن المرء بقلبه ولسانه ونفسه ؛ فإذا تواضع لغني بنفسه ولسانه ذهب ثلثا دينه ، فلوا اعتقد فضله بقلبه كما تواضع له بلسانه ونفسه ذهب دينه كله . وقيل : أقل ما يلزم الفقير في فقره أربعة أشياء : علم يسوسه ؛ وورع يحجزه ؛ ويقين يحمله ؛ وذكر يؤنسه . وقيل : من أراد الفقر لشرف الفقر مات فقيرا ؛ ومن أراد الفقر لئلا يشتغل عن الله تعالى مات غنيا . وقال المزين : كانت الطرق الموصلة إلى الله أكثر من نجوم السماء ، فما بقي منها طريق إلا طريق الفقر وهو أصح الطرق . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت الحسين بن يوسف القزويني يقول : سمعت إبراهيم بن المولد يقول : سمعت الحسن بن علي يقول : سمعت النوري يقول : نعت الفقير : السكون عند العدم ، والإيثار عند الوجود . سئل الشبلي عن حقيقة الفقر فقال : ألا يستغني العبد بشيء دون الله عز وجل . وسمعته يقول : سمعت منصور بن خلف المغربي يقول : قال لي أبو سهل الخشاب الكبير : الفقر : فقر وذل ، فقلت : لا بل فقر وعز ، فقال فقر وثرى ، فقلت : لا ، بل فقر وعرش . سعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : سئلت عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم : ' الفقر أن يكون كفرا ' . قال : فقلت : آفة الشيء وضده على حسب فضيلته وقدره ؛ فكلما كان في نفسه أفضل فضده وآفته أنقص : كالإيمان ، لما كان أشرف الخصال كان ضده الكفر ، فلما كان الخطر على الفقر الكفر بالله دل على أنه أشرف الأوصاف . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت أبا نصر المروي يقول : سمعت المرتعش يقول : سمعت الجنيد يقول : إذا لقيت الفقير فالقه بالرفق ، ولا تلقه بالعلم ؛ فإن الرفق يؤنسه ، والعلم يوحشه ، فقلت له : يا أبا القاسم وهل يكون فقير يوحشه العلم ؟ فقال : نعم ، الفقير إذا كان صادقا في فقره فطرحت عليه علمك ذاب كما ذوب الرصاص على النار . وسمعته يقول : سمعت أبا عبد الله الرازي ، يقول : سمعت مظفر القرمسيني يقول : الفقير : هو الذي لا يكون له إلى الله حاجة . قال الأستاذ أبو القاسم : وهذا اللفظ فيه غموض لمن سمعه على وجه الغفلة عن مرمى القوم ، وإنما شار قائله إلى سقوط المطالبات وانتقاء الإختيار ، والرضا بما يجريه الحق سبحانه . وقال ابن خفيف : الفقر : عدم الإملاك والخروج من أحكام الصفات . وقال أبو حفص : لا يصح لأحد الفقر حتى يكون العطاء أحب إليه من الأخذ ، وليس السخاء أن يعطي الواحد المعدم : إنما السخاء أن يعطي المعدم الواحد . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد الواحد بن بكر يقول : سمعت الدقي يقول : سمعت ابن الجلاء يقول : لو لا شرف التواضع لله لكان حكم الفقير إذا مشى أن يتبختر . وقال يوسف بن اسباط : منذ أربعين سنة ما ملكت قميصين . وقال بعضهم : رأيت كأن القيامة قد قامت ، وقيل : أدخلوا مالك بن دينار ، ومحمد بن واسع الجنة ، فنظرت أيهما يتقدم : فتقدم محمد بن واسع ، فسألت عن سبب تقدمه ، فقيل لي : إنه كان له قميص واحد ولمالك قميصان . وقال محمد المسوحي : الفقير : الذي لا يرى لنفسه حاجة إلى شيء من الأسباب . وسئل سهل بن عبد الله متى يستريح الفقير ؟ فقال : إذا لم ير لنفسه غير الوقت الذي هو فيه .

Section V01/P308–V01/P310

وتذاكروا عند يحيى بن معاذ الفقر والغنى ، فقال : لا يوزن غدا لا الفقير ولا الغني ، وإنما يوزن الصبر والشكر ؛ فيقال : يشكر ويصبر . وقيل : أوحى الله تعالى ، إلى بعض الأنبياء عليهم السلام ؛ إن أردت أن تعرف رضاي عنك فانظر كيف رضا الفقراء عنك ؟ وقال أبو بكر الزقاق : من لم يصحبه التقي في فقره أكل الحرام المحض . وقيل : كان الفقراء في مجلس سفيان النوري : كأنهم الأمراء . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت محمد بن أحمد الفراء يقول : سمعت أبا بكر بن طاهر يقول : من حكم الفقير أن لا يكون له رغبة في الدنيا ، فإن كان ولا بد فلا تجاوز رغبته كفايته . وأنشد الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ، قال : أنشدني عبد الله بن إبراهيم ابن العلاء قال : أنشدني أحمد بن عطاء لبعضهم ؛ قال : قالوا : غدا العيد ماذا أنت لا بسه ؟ . . . فقلت : خلقة سلق حبه جرعا فقر وصبر ، هما ثوباي تحتهما . . . قلب يرى إلفه الأعياد والجمعا أحرى الملابس ا ، تلقى الحبيب به . . . يوم التزاور في الوثب الذي خلعا الدهر لي مأتم إن غبت يا أملي . . . والعيد ما كنت لي مرأى ومستمعا وقيل : إن هذه الأبيات لأبي علي الروذباري . وقال أبو بكر المصري ، وقد سئل عن الفقير الصادق ، فقال : الذي لا يملك ولا يميل . وقال ذو النون المصري : دوام الفقر إلى الله تعالى ، من التخليط أحب إلى من دوام الصفاسء مع العجب . سمعت أبا عبد الله الشيرازي ، يقول : سمعت عبد الواحد بن أ ؛ مد ، يقول : سمعت أبا بكر الجوال ، يقول : سمعت أبا عبد الله الحصري ، يقول : مكثر أبو جعفر الحداد عشرين سنة يعمل كل يوم بدينار ، وينفقه على الفقراء ، ويصوم ويخرج بين المسلمين فيتصدق عليه من الأبواب . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا علي الحسين بن يوسف الفزويني . يقول : سمعت إبراهيم بن المولد ، يقول : سمعت الحسن بن علي ، يقول : سمعت النوري ، يقول : نعت الفقير السكون عند العدم ، والبذل والإيثار عند الوجود . وسمعته يقول : سمعت منصور بن عبد الله ، يقول : سمعت محمد بن علي الكناني ، يقول : كان عندنا بمكة فتى عليه أطمار رثة ، وكان لا يداخلنا ولا يجالسنا ، فوقعت محبته في قلبي ، ففتح لي بمائتي درهم من وجه حلال ، فحملتها إليه ، ووضعتها على طرف سجادته وقلت له . إنه فتح لي ذلك م وجه حلال ، تصرفه في بعض أمورك ، فنظر إلى شزرا ، ثم كشف عما هو مستور غني ، وقال : اشتريت هذه الجلسة مع الله تعالى ، على الفراغ بسبعين ألف دينار غير الضياع . والمنتغلات ، تريد أن تخدعني عنها بهذه ! ! وقام وبددها وقعدت التقطها فما رأيت كعزه حين مر ، ولا كذلي حين كنت ألتقطها . وقال أبو عبد الله بن خفيف : ما وجبت على زكاة الفطر أربعين سنة ولي قبول عظيم بين الخاص والعام . سمعت الشيخ أبا عبد الله بن باكويه الصوفي ، يقول : سمعت أبا عبد الله . أبن خفيف يقول ذلك . وسمعته يقول : سمعت أبا أحمد الصغير ، يقول : سألت أبا عبد الله بن خفيف عن فقير يجوع ثلاثة أيام وبعد ثلاثة أيام . يخرج ويسأل مقدار كفايته : إيش يقال فيه ؟ ! فقال : يقال فيه : مكد . . كلوا واسكتوا ، فلو دخل فقير من هذا الباب لفضحكم كلكم .

Section V01/P310

سمت محمد بن الحسين ، يقول : سمعت عبد الله بن علي الصوفي ، يقول : سمعت الدقي يقول - وقد سئل عن سوء أدب الفقراء مع الله تعالى ، في أحوالهم - فقال : هو انحطاطهم من الحقيقة إلى العلم . وسمعته يقول : سمعت محمد بن عبد الله الطبري ، يقول : سمعت خيرا النساج يقول : دخلت بعض المساجد وإذا فيه فقير ، فلما رآني تعلق بي . . وقال : أيها الشيخ تعطف علي ؛ فإن محنتي عظيمة ! ! فقلت : وما هي ؟ فقال : فقدت البلاء وقويت بالعافية . فنظرت فإذا قد فتح عليه بشيء من الدنيا . وسمعته يقول : سمعت محمد بن محمد بن أحمد يقول : سمعت أبا بكر الوراق ، يقول : طوبى للفقير في الدنيا والآخرة . فسألوه عنه ، فقال : لا يطلب للسلطان منه في الدنيا : الخراج ، ولا الجبار في الآخرة : الحساب .

Section V01/P310

باب التصوف

Section V01/P310–V01/P312

الصفاء محمود بكل لسان ، وضده : الكدورة ؛ وهي مذمومة . أخبرنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني قال : أخبرنا عبد الله بن يحيى الطلحي قال : حدثنا الحسين بن جعفر قال : حدثنا عبد الله بن نوفل قال : حدثنا أبو بكر ابن عياش ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن أبي جحيفة قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متغير اللون فقال : ' ذهب صفو الدنيا وبقي الكدر ، فالموت اليوم تحفة لكل مسلم ' . ثم هذه التسمية غلبت علي هذه الطائفة ؛ فيقال : رجل صوفي ، وللجماعة صوفية ، ومن يتوصل إلى ذلك يقال له : متصوف ، وللجماعة : المتصوفة . وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق . والأظهر فيه : أنه كاللقب ، فأما قول من قال : إنه من الصوف ، ولهذا يقال : تصوف إذا لبس الصوف كما يقال : تقمص إذا لبس القميص ، فذلك وجه . ولكن القوم لم يختصوا بلبس : الصوف ! ! ومن قال : إنه مشتق من الصفاء ، فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد في مقتضى الله . وقول من قال : إنه مشتق من الصف ، فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم فالمعنى صحيح ، ولكن اللغة لا تقتضي هذه النسبة إلى الصف . ثم إن هذه الطائفة أشهر من أن يحتاج في تعينهم إلى قياس لفظ واستحقاق اشتقاق . وتكلم الناس في التصوف : ما معناه ؟ وفي الصوفي : من هو ؟ فكل عبر بما وقع له . واستقصاء جميعه يخرجنا عن المقصود من الإيجاز وسنذكر هنا بعض مقالاتهم فيه على حد التلويح ، إن شاء الله تعالى . سمعت محمد بن أحمد بن يحيى الصوفي يقول : سمعت عبد الله بن علي التميمي يقول : سئل أبو محمد الجريري عن التصوف ، فقال : الدخول في كل خلق مني والخروج من كل خلق دني . سمعت عبد الرحمن بن يسوف الأصبهاني يقول : سمعت أبي يقول : سمعت أبا عبد الله محمد بن عمار الهمداني يقول : سمعت أبا محمد المرعشي يقول : سئل شيخي عن التصوف ، فقال : سمت الجنيد وقد سئل عنه فقال : هو أن يميتك الحق عنك ، ويحييك به . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت عبد الرحمن بن محمد الفارسي يقول : سمعت أبا الفانك يقول : سمعت الحسين بن منصور ، وقد سئل عن الصوفي ، فقال : وحداني الذات لا يقبله أحد ، ولا يقبل أحدا . وسمعته يقول : سمت عبد الله بن محمد يقول : سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول : سمعت أبا علي الوراق يقول : سمعت أبا حمزة البغدادي يقول : علامة الصوفي الصادق : أن يفتقر بعد الغني ، ويذل بعد العز ، ويخفى بعد الشهرة ، وعلامة الصوفي الكاذب : أن يستغني بالدنيا بعد الفقر ، ويعز بعد الذل ، ويشتهر بعد الخلفاء . وسئل عمرو بن عثمان المكي عن التصوف ، فقال : أن يكون العبد في كل وقت بما هو أولى به في الوقت . وقال محمد بن علي القصاب : التصوف : أخلاق كريمة ظهرت في زمان كريم من رجل كريم مع قوم كرام . وسئل سمنون عن التصوف فقال : أن لا تملك شيئا ولا يملكك شيء . وسئل رويم عن التصوف فقال : استرسال النفس مع الله تعالى على ما يريده . وسئل الجنيد عن التصوف فقال : هو أن تكون مع الله تعالى بلا علاقة .

Section V01/P312–V01/P313

سمعت عبد الله بن يوسف الأصبهاني يقول : سمعت أبا نصر السراج الطوسي يقول : أخبرني محمد بن الفضل قال : سمعت علي بن عبد الرحيم الواسطي يقول : سمعت رويم بن أحمد البغدادي يقول : التصوف مبني على ثلاث خصال : التمسك بالفقر والافتقار إلى الله ، والتحقق بالبذل والإيثار ، وترك التعرض والاختيار . وقال معروف الكرخي : التصوف : الأخذ بالحقائق ، واليأس مما في أيدي الخلائق . قال حمدون القصار : اصحب الصوفية ؛ فإن للقبيح عندهم وجوها من المعاذير . وسئل الخراز عن أهل التصوف فقال : قوم أعطوا حتى بسطوا ، ومنعوا حتى فقدوا ، ثم نودوا من أسرار قريبة ألا فابكوا علينا . وقال الجنيد : التصوف : عنوة لا صلح فيها . وقال أيضا : هم أهل بيت واحد ، لايدخل فيهم غيرهم . وقال أيضا : التصوف : ذكر مع اجتماع ، ووجد مع استماع ، وعمل مع اتباع . وقال أيضا : الصوفي كالأرض ، يطرح عليها كل قبيح ، ولا يخرج منها إلا كل مليح . وقال أيضا : إله كالأرض ؛ يطؤها البر والفاجر ، وكالسحاب يظل كل شيء وكالقطر يسقى كل شيء . وقال : إذا رأيت الصوفي يعني بظاهره ، فاعلم أن باطنه خراب . وقال سهل بن عبد الله : الصوفي : من يرى دمه هدرا ، وملكه مباحا . وقال النوري : نعت الصوفي السكون عند العدم ، والإيثار عند الوجود . وقال الكناني : التصوف خلق ، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الصفاء . وقال أبو علي الروذباري التصوف : الإناخة على باب الحبيب ون طرد عنه . وقال أيضا : صفوة القرب بعد كدورة البعد . وقيل أقبح من كل قبيح صوفي شحيح . وقيل : التصوف : كف فارغ ، وقلب طيب . وقال الشبلي : التصوف الجلوس مع الله بلاهم . وقال أبو منصور : الصوفي : هو المشير عن الله تعالى ؛ فإن الخلق أشاروا إلى الله تعالى . وقال الشبلي : التصوف الجلوس مع الله بلاهم . وقال أبو منصور : الصوفي : هو المشير عن الله تعالى ؛ فإن الخلق أشاروا إلى الله تعالى . وقال الشبلي : الصوفي منقطع عن الخلق ، متصل بالحق ؛ كقوله تعالى : ' واصطنعتك لنفسي ' قطعه عن كل غير ، ثم قال له : ' لن تراني ' . وقال : الصوفية أطفال في حجر الحق . وقال أيضا : التصوف برقة محرقة . وقال أيضا : هو العصمة عن رؤية الكون . وقال رويم : ما تزال الصوفية بخير ما تنافروا ، فإذا اصطلحوا فلا خير فيهم . وقال الجريري : التصوف مراقبة الأحوال ، وروم الأدب . وقال المزين : التصوف : الانقياد للحق . وقال أبو تراب النخشبي : الصوفي لا يكدره شيء ، ويصفو به كل شيء . وقيل : الصوفي لا يتعبه طلب ، ولا يزعجه سبب . سمعت أبا حاتم السجستاني يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : سئل ذو النون المصري عن أهل التصوف فقال : هم قوم آثروا الله ، عز وجل ، على كل شيء فآثرهم الله ، عز وجل ، على كل شيء . وقال الواسطي رحمه الله : كان للقوم إشارات . . ثم صارت حركات . . ثم لم يبق إلا حسرات ! ! وسئل النوري عن الصوفي ، فقال : من سمع السماع وآثر الأسباب . سمعت أبا حاتم السجستاني ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : قلت للحصري : من الصوفي عندك ؟ فقال : الذي لا نقله الأرض ، ولا تظله السماء . قال الأستاذ أبو القاسم : إنما أشار إلى حل المحو . وقيل : الصوفي من إذا استقبله حالان ، أو خلقان كلاهما حسن ، كان مع الأحسن منهما .

Questions

Kuşeyrî — er-Risâle · 12 · Qur'an & Sunnah