Qur'an&Sunnah

Kuşeyrî — er-Risâle

Section V01/P225–V01/P226

وقال بعضهم : من راقب الله تعالى في خواطره ، عصمه الله في جوارحه . وسئل أبو الحسين بن هند : متى يهش الراعي غنمه بعصا الرعاية عن مراتع الهلكة ؟ فقال : إذا علم أن عليه رقيبا . وقيل : كان ابن عمر ؛ رضي الله عنه ، في سفر ، فرأى غلاما يرعى غنما ، فقال له : تبيع من هذه الغنم واحدة ؟ فقال : إنها ليست لي فقال : قل لصاحبها إن الذئب أخذ منها واحدة ، فقال العبد : فأين الله ! ! فكان ابن عمر يقول بعد ذلك إلى مدة : قال ذلك العبد : فأين الله . وقال الجنيد : من تحقق في المراقبة خاف فوت حظه من ربه عز وجلا لا غير . وكان بعض المشايخ له تلامذة . . فكان يخص واحدا منهم بإقباله عليه أكثر مما يقبل على غيره ، فقالوا له في ذلك ، فقال : أين لكن ذلك . . فدفع إلى كل واحد من تلامذته طائرا ، وقال له : إذبحه بحيث لا يراه أحد ، ودفع إلى هذا أيضا ، فمضوا . . ورجع كل واحد منهم وقد ذبح طائره ، وجاء هذا بالطائر حيا فقال : هلا ذبحته ؟ فقال : أمرتني أن اذبحه بحيث لا يراه أحد ، فقال : لهذا أخصه بإقبالي عليه . وقال ذو النون المصري : علامة المراقبة : إيثار ما آثر الله تعالى ، وتعظيم ما عظم الله تعالى ، وتصغير ما صغر الله تعالى . وقال النصراباذي : الرجاء : يحركك إلى الطاعات ، والخوف : يبعدك عن المعاصي ، والمراقبة : تؤديك إلى طرق الحقائق . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا العباس البغدادي يقول : سألت جعفر بن نصير عن المراقبة ، فقال : مراعاة السر ، لملاحظة نظر الحق سبحانه مع كل خطرة . وسمعته يقول : سمعت أبا الحسين الفارسي يقول : سمعت الجريري يقول : أمرنا هذا مبني على فصلين : وهو أن تلزم نفسك المراقبة لله تعالى ، ويكون العلم على ظاهرك قائما . وسمعته يقول : سمعت أبا القاسم البغدادي يقول : سمعت المرتعش يقول : المراقبة : مراعاة السر بملاحظة الغيب مع كل لحظة ولفظة . وسئل ابن عطاء : ما أفضل الطاعات ؟ فقال : مراقبة الحق على دوام الأوقات . وقال إبراهيم الخواص : المراعاة تورث المراقبة ، والمراقبة تورث خلوص السر والعلانية لله تعالى . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا عثمان المغربي يقول : أفضل ما يلزم به الإنسان نفسه في هذه الطريقة : المحاسبة ، والمراقبة ، وسياسة عمله بالعلم . وسمعته يقول : سمعت عبد الله الرازي يقول سمعت أبا عثمان : يقول : قال لي أبو حفص إذا جلست للناس فكن واعظا لقلبك ولنفسك ، ولا يغرنك إجتماعهم عليك ، فنهم يراقبون ظاهرك ، والله يراقب باطنك . وسمعته يقول : سمعت محمد بن عبد الله يقول : سمعتأبا جعفر الصيدلاني يقول : سمعت أبا سعيد الخراز يقول : قال لي بعض مشايخي عليك بمراعاة سرك والمراقبة . قال : فبينا أنا يوما أسير في البادية ، إذ أنا بخشخشة خلفي ، فهالني ذلك . . وأردت أن ألتفت فلم ألتفت . . فرأيت شيئا واقفا على كتفي . . فانصرف ، وأنا مراع لسري . . ثم التفت ، فإذا أنا بسبع عظيم . وقال الواسطي : أفضل الطاعات حفظ الأوقات . وهو : أن لا يطالع العبد غير حده ، ولا يراقب غير ربه ، ولا يقارن غير وقته . انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله

Section V01/P226

باب الرضا

Section V01/P226–V01/P228

الجزء الثاني تابع المقامات باب الرضا قال الله عز وجل : ' رضي الله عنهم ورضوا عنه ' . . الآية . أخبرنا علي بن أحمد الأهوازي ، رحمه الله ، قال : حدثنا أحمد بن عبيد البصري ، قال : حدثنا الكريمي ، قال : حدثنا يعقوب بن إسماعيل السلال ، قال : حدثنا أبو عاصم العباداني ، عن الفضل بن عيسى الرقاشي ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . ' بينا أهل الجنة في مجلس لهم ، إذ سطع لهم نور على باب الجنة ، سلوني . فقالوا : نسألك الرضا عنا ، قال تعالى : رضاي قد أحلكم داري ، وأنا لكن كرامتي ، هذا أوانها ، فاسألوني . قالوا : نسالك الزيادة . قال : فيؤتون بنجائب من ياقوت أحمر . . أزمتها زمرد أخضر ، وياقوت أحمر ، فجاءوا عليها ، تضع حوافرها عند منتهى طرفها ، فيأمر الله سبحانه ، بأشجار عليه الثمار ، وتجيء جوار من الحوار العين ، وهن يقلن : نحن الناعمات فلا نبؤس ، ونحن الخالدات فلا نموت ، أزواج قو مؤمنين كرام ، ويأمر الله ، سبحانه ، يكتبان من مسك أبيض أذفر ، فتثير عليهم ريحا يقوال لها المثيرة حتى تنتهي بهم إلى جنة عدن ، وهي قصبة الجنة ، فتقول الملائكة : يا ربنا ، قد جاء القوم . فيقول الله : مرحبا بالصادقين . . مرحبا بالطائعين . قال : فيكشف لهم الحجاب . . فينظرون إلى الله ، عز وجل . . فيتمنون بنور الرحمن ، حتى لا يبصر بعضهم بعضا ، ثم يقول : أرجعوهم إني الصور بالتحف قال : فيرجعون ، وقد أبصر بعضهم بعضا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذلك قوله تعالى : ' نزلا من غفور رحيم ' . وقد اختلف العراقيون والخراسانيون في الرضا : هل هو من الأحوال ، أو من المقامات . فأهل خراسان قالوا : الرضا : من جملة المقامات وهو نهاية التوكل ، ومعناه : أنه ينول إلى أنه يتوصل إليه العبد باكتسابه . وأما العراقيون ؛ فإنهم قالوا : الرضا : من جملة الأحوال ، وليس ذلك كسبا للعبد ، بل هو نازلة تحل بالقلب كسائر الأحوال . ويمكن الجمع بين اللسانين ؛ فيقال : بداية الرضا مكتسبة للعبد ، وهي من المقامات ، ونهايته من جملة الأحوال ، وليست بمكتسبة . وتكلم الناس في الرضا ؛ فكل عبر عن حاله وشربه ، فهم في العبارة ، عنه مختلفون ، كما أنهم في الشرب والنصيب من ذلك متفاوتون . فأما شرط العلم ، والذي هو لابد منه : فالراضي بالله تعالى ، هو : الذي لا يعترض على تقديره . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : ليس الرضا أن لا تحس بالبلاء ، إنما الرضا : أن لا تعترض على الحكم والقضاء . واعلم أن الواجب على العبد : أن يرضى بالقضاء الذي أمر بالرضا به ؛ إذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز للعبد أو يجب عليه الرضا ؛ كالمعاصي ، وفنون محن المسلمين . وقال المشايخ : الرضا باب الله الأعظم . يعنون : ن من أكرم بالرضا فقد لقي بالترحيب الأوفى ، وأكرم بالتقريب الأعلي . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : أخبرنا أبو جعفر الرازي قال : حدثنا العباس بن حمزة قال : حدثنا ابن أبي الحواري قال : قال عبد الواحد بن زيد : الرضا باب الله الأعظم ، وجنة الدنيا . واعلم : أن العبد لا يكاد يرضى عن الحق . سبحانه ، إلا بعد أني رضى عنه الحق سبحانه ؛ لأن الله عز وجل قال : ' رضي الله عنهم ورضوا عنه ' .

Section V01/P228–V01/P229

سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : قال تلميذ لأستاذه : هذا يعرف العبد أن الله تعالى راض عنه ؟ فقال : لا ، كيف يعلم ذلك . ورضاه غيب ؟ فقال التلميذ : بل يعلم ذلك ، فقال : كيف ؟ ! فقال : إذا وجدت قلبي راضيا عن الله تعالى . علمت أنه راض عني فقال الأستاذ : أحسنت يا غلام . وقيل : قال موسى عليه السلام : إلهي ، دلني على عمل إذا عملته رضت به عني . فقال : إنك لا تطيق ذلك : فخر موسى عليه السلام ساجدا له ، متضرعا ، فأوحى الله تعالى إليه : يا ابن عمران ، إن رضاي في رضاك بقضائي . أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، قال : أخبرنا أبو جعفر الرازي ، قال : حدثنا العباس بن حمزة قال : حدثنا ابن أبي الحواري قال : سمعت أبا سليمان الداراني يقول : إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض . وسمعته يقول : سمعت النصراباذي يقول : من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه . وقال محمد بن خفيف : الرضا على قسمين : رضا به ، ورضاع عنه ؛ فالرضا به أن يرضاه مدبرا ، والرضا عنه فيما يقضى . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : طريق السالكين أطول ، وهو طريق الرياضة ، وطريق الخواص أقرب ، لكنه أشق ، وهو أن يكون عملك بالرضا ، ورضاك بالقضاء . وقال رويم : الرضا : أن لو جعل الله جهنم على يمينه ما سأل أن يحولها إلى يساره . وقال أبو بكر بن طاهر : الرضا : إخراج الراهية من القلب ، حتى لا يكون فيه إلا فرح وسرور . وقال الواسطي : استعمل الرضا جهدك ، ولا تدع الرضا يستعملك ؛ فتكون محجوبا بلذته ورؤيته عن حقيقة ما تطالع . واعلم أن هذا الكلام الذي قاله الواسطي شيء عظيم ، وفيه تنبيه على مقطعة للقوم خفية ، فإن السكون عندهم إلى الأحوال : حجاب عن محول الأحوال ، فإذا استلذ رضاه ووجد بقلبه راحة الرضا حجب بحاله عن شهود حقه . ولقد قال الواسطي أيضا : إياكم واستحلاء الطاعات ، فإنها سموم قاتلة . وقال أبن خفيف : الرضا : سكون القلب إلى أحكامه ، وموافقة القلب بما رضي الله به واختاره له . وسئلت رابعة العدوية : متى يكون العبد راضيا ؟ فقالت : إذا سرته المصيبة كما سرته النعمة . وقيل . قال الشبلي بين يدي الجنيد : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فقال له الجنيد : قولك ذا ضيق صدر ، وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء ، فسكت الشبلي . وقال أبو سليمان الداراني : الرضا : أن لا تسأل الله تعالى الجنة ، ولا تسعيذ به من النار . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا العباس البغدادي يقول : سمعت محمد بن أحمد بن سهل يقول : سمعت سعيد بن عثمان يقول : سمعت ذا النون المصري ، رحمه الله ، يقول : ثلاثة من أعلام الرضا : ترك الاختيار قبل القضاء ، وفقدان المرارة بعد القضاء ، وهيجان الحب في حشو البلاء . وسمعته يقول : سمعت محمد بن جعفر البغدادي يقول : سمعت إسماعيل بن محمد الصفار يقول : سمعت محمد بن يزيد المبرد يقول : قيل للحسين بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهما : إن أبا ذر يقول : الفقر أحب إلي من الغنى ، والسقم أحب إلى من الصحة ، فقال : رحم الله أبا ذر ، أما أنا فأقول : من اتكل على حسن اختيار الله تعالى له لم يتمن غير ما اختاره الله عز وجل له .

Section V01/P229–V01/P231

وقال الفضيل بن عياض لبشر الحافي : الرضا افضل من الزهد في الدنيا ؛ لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته . وسئل أبو عثمان عن قول النبي صلى الله عليه وسلم : ' أسألك الرضا بعد القضاء ' فقال : لأن الرضا قبل القضاء عزم على الرضا ، والرضا بعد القضاء هو الرضا . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت عبد الله الرازي يقول : سمعت ابن أبي حسان الأنماطي يقول : سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول : سمعت أبا سليمان يقول : أرجوا أن أكون عرفت طرفا من الرضا : لو انه أجخلني النار لكنت بذلك راضيا . وقال أبو عمر الدمشقي : الرضا : ارتفاع الجزع في أي حكم كان ، وقال الجنيد : الرضا : رفع الاختيار ، وقال ابن عطاء : الرضا : نظر القلب إلى قديم اختيار الله تعالى للعبد ، وهو ترك التسخط ، وقال رويم . الرضا : استقبال الأحكام بالفرح ، وقال المحاسبي : الرضا : سكون القلب تحت مجاري الأحكام ، وقال النوري : الرضا : سرور القلب بمر القضاء . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا الحسين الفارسي يقول : سمعت الجريري يقول : من رضي بدون قدره رفعه الله تعالى فوق غايته . وسمعته يقول : سمعت أحمد بن علي يقول : سمعت الحسن بن علوية يقول : قال أبو تراب النخشبي : ليس ينال الرضا من للدنيا في قلبه مقدار . أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ، قال : أخبرنا أبو عمرو بن حمدان قال : حدثنا عبد الله بن شترويه قال : حدثنا بشر بن الحكم قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن يزيد بن الهادي ، عن محمد بن إبراهيم ، عن عامر بن سعد ، عن العباس بن عبد المطلب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا ' . وقيل : كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ، رضي الله عنهما ، ' أما بعد فإن الخير كله في الرضا ، فإن استطعت أن ترضي ، وإلا ، فاصبر ' . وقيل : إن عتبة الغلام بات ليلة يقول إلى الصباح : ' إن تعذبني فأنا لك محب ، وإن ترحمني فأنا لك محب ' . سمت الأستاذ أبا علي الدقاق ، يقول : الإنسان خزف ، وليس للخزف من الخطر ما يعارض فيه حكم الحق تعالى . وقال أبو عثمان الحيري : منذ أربعين سنة ما أقامني الله ، عز وجل ، في حال فكرهته ، وما نقلني إلى غير فسخطته . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : غضب رجل على عبد له ، فاستشفع العبد إلى سيده إنسانا ، فعفا عنه ، فأخذ العبد يبكي ، فقال له الشفيع : لم تبكي وقد عفا عنك سيدك ؟ فقال له السيد : إنما يطلب الرضا مني ولا سبيل له إليه ، فإنما يبكي لأجله .

Section V01/P231

باب العبودية

Section V01/P231–V01/P233

قال الله عز وجل : ' واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ' . وأخبرنا أبو الحسن الإهوازي ، رحمه الله ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار ، قال حدثنا عبيد بن شريك قال : حدثنا يحيى قال : حدثنا مالك ، عن حبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن عمر بن الخطاب ، عن أبي سعيد الخدري ، وأبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' سعبة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله تعالى . ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه ، ورجل ذكر الله تعالى خاليا ففاضت عيناه ، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال : إني أخاف الله رب العالمين ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ' . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله يقول : العبودية أتم من العبادة ، فأولا : عباة ، ثم عبودية ؛ ثم عبودة . فالعبادة للعوام من المؤمنين ، والعبودية للخواص ، والعبودة لخاص الخاص . وسمعته يقول : العبادة : لمن له علم اليقين ، والعبودية ؛ لمن له عين اليقين ، والعبوة : لمن له حق اليقين . وسمعته يقول : العبادة : لأصحاب المجاهدات ، والعبودية : لأرباب المكابدات ، والعبودة : صفة أهل المشاهدات ، فمن لم يدخر عنه نفسه ، فهو صاحب عبادة ، ومن لم يضن عليه بقلبه فهو صاحب عبودية : ومن لم يبخل عليه بروحه فهو صاحب عبودة . ويقال : العبودية : القيام بحق الطاعات بشرط التوفير والنظير إلى ما منك بعين التقصير ، وشهود ما يحصل من مناقبك من التقدير . ويقال : العبودية : ترك الاختيار فيما يبدو من الأقدار . ويقال : العبودية : التبرؤ من الحول والقوة ، والإقرار بما يعطيك ويوليك من الطول والمنة . ويقال : العبودية : معانقة ما أمرت به ، ومفارقة مازجرت عنه . وسئل محمد بن خفيف : متى تصح العبودية ؟ فقال : إذا طرح كل علي مولاه ، وصبر معه على بلواه . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا العباس البغدادي يقول : سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول : سمعت ابن مسروق يقول : سمعت سهل بن عبد الله يقول : لا يصح التعبد لأحد حتى لا يجزع من أربعة أشياء : من الجوع ، والعري ، والفقر ، والذل . وقيل : العبودية : أن تسلم إليه كلك ، وتحمل عليه كلك . وقيل : من علامات العبودية : ترك التدبير ، وشهود التقدير . وقال ذو النون المصري : العبودية : أن تكون أنت عبده في كل حال ، كما أنه ربك في كل حال . وقال الجريري : عبيد النمم كثير عديدهم ؛ وعبيد المنعم عزيز وجودهم . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : أنت عبد من أنت في رقة وأسره ، فإن كنت في أسر نفسك فأنت عبد نفسك ، وإن كنت فيأسر دنياك فأنت عبد دنياك . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة ' . ورأى أبو رزين رجلا فقال له : ما حرفتك ؟ فقال : خربندة ' . فقال : أمات الله تعالى حمارك ، لتكون عبد الله ، لا عبد الحمار . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن يقول : سمعت جدي أبا عمرو بن نجيد يقول : لا تصفو لأحد قدم في العبودية حتى يشاهد أعماله عنده رياء ، وأحواله دعاوى .

Section V01/P233–V01/P234

وسمعته يقول : سمعت عبد الله المعلم يقول : سمعت عبد الله بن منازل يقول : العبد عبد ما لم يطلب لنفسه خادما ، فإذا طلب لنفسه خادما فقد سقط عن حد العبودية وترك آدابها . وسمعته يقول : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت جعفر بن نصير يقول : سمعت ابن مسروق يقول : سمعت سهل بن عبد الله يقول : لا يصلح للعبد التعبد حتى يكون بحيث لا يرى عليه أثر المسكنة في العدم ، ولا أثر الغنى في الوجود . وقيل : العبودية شهود الربوبية . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : سمعت النصراباذي يقول : قيمة العابد بمعبوده ، كماأن شرف العارف بمعروفه . وقال أبو حفص : العبودية زينة العبد ، فمن تركها تعطل من الزينة . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا جعفر الرازي يقول سمعت عباس بن حمزة يقول : حدثنا أحمد بن الحواري قال : سمعت النباجي يقول : اصل العبادة في ثلاثة أشياء : لا ترد من أحكامه شيئا ، ولا تدخر عنه شيئا ، ولا يسمعك تسأل غيره حاجة . وسمعته يقول : سمعت أبا الحسن الفارسي يقول : سمعت ابن عطاء يقول : العبودية في أربع خصال : الوفاء بالعهود ، والحفظ للحدود ، والرضا بالموجود ، والصبر عن المفقود . وسمعته يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت الكتاني يقول : سمعت عمرو بن عثمان المكي يقول : ما رأيت أحدا من المتعبدين ، في كثرة من لقيت بمكة وغيرها ، ولا أحدا ممن قدم علينا في المواسم أشد اجتهادا ولا أدوم على العبادة من المزني ، رحمه الله تعالى ، ولا رأيت أحدا اشد تعظيما لأوامر الله تعالى عنه ، وما رأيت أحدا أشد تضييقا على نفسه وتوسعة على الناس منه . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : ليس شيء أشرف من العبودية ، ولا أسم أتم للمؤمن من الاسم له بالعبودية ، ولذلك قال سبحانه في وصف النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج - وكان أشرف أوقاته في الدنيا - ' سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام ' . وقال تعالى : ' فأوحى إلى عبه ما أوحى ' ، فلو كان اسم أجل من العبودية لسماه به . وفي معناه أنشدوا : يا عمرو ثاري عند زهرائي . . . يعرفه السامع والرائي لا تدعني إلا بياعبدها . . . فإنه أشرف أسمائي وقال بعضهم : إنماهم شيئان : سكونك إلى اللذة ، واعتمادك على الحركة ، فإذا أسقطت عنك هذين فقد أديت العبودية حقها . كما قال الواسطي : احذروا لذة العطاء ؛ فإنها غطاء لأهل الصفاء . وقال أبو علي الجوزجاني : الرضا : دار العبودية ، والصبر بابه ، والتفويض بيته ، فالصوت على الباب والفراغة في الدار ، والراحة في البيت . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : كما أن الربوبية نعت للحق سبحانه لا يزول عنه ، فالعبودية صفة للعبد لا تفارقه ما دام . وأنشد بعضهم : فإن تسألوني قلت : هاأنا عبده . . . وإن سألوه قال هاذاك مولايا سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت النصراباذي يقول : العبادات إلى طلب الصفح والعفو عن تقصيرها أقرب منها إلى طلب الإعواض والجزاء عليها . وسمعته يقول : سمعت النصراباذي يقول : العبودية اسقاط رؤية التبعد في مشاهدة المعبود . وسمعته يقول : سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت الجريري يقول . سمعت الجنيد يقول : العبودية ، ترك الأشغال ، والاشتغال بالشغل الذي هو أصل الفراغة .

Section V01/P234

باب الإرادة

Section V01/P234–V01/P236

قال الله عز وجل : ' ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ' [ الأنعام : 52 ] . وأخبرنا : علي بن أحمد بن عبدان قال : أخبرنا أحمد بن عبيد قال : حدثنا هشام بن علي قال : حدثنا الحكم بن أسلم قال : أخبرنا إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عن أنس رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله . فقيل له : كيف يستعمله يا رسول الله ؟ قال : يوفقه لعمل صالح قبل الموت ' . والإرادة : بدء طريق السالكين ، وهي أسم لأول منزلة القاصدين إلى الله تعالى . وإنما سميت هذه الصفة : إرادة ؛ لأن الإرادة مقدمة كل أمر ، فما لم يرد العبد شيئا لم يفعله ، فلما كان هذا أول الأمر لمن سلك طريق الله عز وجل سمي : إرادة تشبيها بالقصد في الأمور الذي هو مقدمتها . والمريد ، على موجب الاشتقاق : من له إرادة ، كما أن العالم : من له علم ؛ لأنه من الأسماء المشتقة . ولكن المريد في عرف هذه الطائفة : من لا إرادة له ، فمن لم يتجرد عن إرادته لا يكون مريدا ، كما أن من لا إرادة له ، علي موجب الاشتقاق لا يكون مريدا . وتكلم الناس في معنى الإرادة ؛ فكل عبر على حسب ما لاح لقلبه ، فأكثر المشايخ قالوا : الإرادة : ترك ما عليه العادة وعادة الناس - في الغالب - التعريج في أوطان الغفلة ، والركون إلى اتباع الشهوة ، والإخلاد إلى ما دعت إليه المنية . والمريد منسلخ عن هذه الجملة ؛ فصار خروجه إمارة ودلالة على صحة الإرادة ، فسميت تلك الحالة : إرادة ، وهي خروج عن العادة ؛ فإن ترك العادة أمارة الإرادة . فأما حقيقتها : فهي نهوض القلب في طلب الحق ، سبحانه ، ولهذا يقال : إنها لوعة تهون كل روعة . سمت : الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول حاكيا على ممشاد الدينوري ، أنه قال : مذ علمت أن أحوال الفقراء جد كلها لم أمازح فقيرا ؛ وذلك أن فقيرا قدم علي فقال : أيها الشيخ أريد أن تتخذ لي عصيدة . فجرى على لساني إرادة وعصيدة فتأخر الفقير ولم أشعر به ، فأمرت باتخاذ عصيدة . . وطلبت الفقير . فلم أجده . . فتعرفت خبره . . فقيل لي : إنه انصرف من فوره ، وكان يقول في نفسه : إرادة وعصيدة . . إرادة وعصيدة . . وهام على وجهه حتى دخل البادية ، ولم يزل يقول هذه الكلمات حتى مات . وعن بعض المشايخ قال : كنت بالبادية وحدي ، فضاق صدري ، فقلت : يا إنس ، كلموني . . يا جن كلموني ، فهتف بين هتف : ما تريد ؟ فقلت : أريد الله تعالى ، فقال : متى تريد الله ؟ يعني : أن من قال للجن والإنس : كلموني ، متى يكون مريدا لله عز وجل ؟ ! والمريد لا يفتر آناء الليل والنهار ، فهو في الظاهر بنعت المجاهدات ، وفي الباطن بوصف المكابدات . . فارق الفراش ، ولازم الانكماش ، وتحمل المصاعب ، وركب المتاعب ، وعالج الأخلاق ، ومارس المشاق ، وعانق الأهوال ، وفارق الأشكال ، كما قيل : ثم قطعت الليل في مهمة . . . لا أسد أخشى ولا ذيبا يغلبني شوقي فأطوي السرى . . . ولم يزل ذو الشوق مغلوبا سمعت : الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : الإرادة : لوعة في الفؤاد . . لدغة في القلب . . غرام في الضمير . . انزعاج في الباطن . . نيران تتأجج في القلوب .

Section V01/P236–V01/P237

سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن عبد الله يقول : سمعت أبا بكر السباك يقول : سمعت يوسف بن الحسين يقول : كان بين أبي سليمان وأحمد بن أبي الحواري عقد : لا يخالفه أحمد في شيء يأمره به . . فجاءه يوما وهو يتكلم في مجلسه ، فقال : إن التنور قد سجر ، فما تأمر ؟ فلم يجبه ، فقال مرتين أو ثلاثة ، فقال أبو سليمان : اذهب فاقعد فيه ! ! كأنه ضاق به قلبه ، وتغافل عنه أبو سليمان ساعة ، ثم ذكر فقال : ادركوا أحمد فإنه في التنور ؛ لأنه آلى على نفسه أن لا يخالفني ؛ فنظروا فإذا هو في التنور لم تحترق منه شعرة . وسمعت الأستاذ أبا علي يقول : كنت في ابتداء صباي محترقا في الإرادة وكنت أقول في نفسي : ليت شعري ! ! ما معنى الإرادة . وقيل : من صفات المريدين : التحبب إليه بالنوافل ، والخلوص في نصيحة الأمة ، والأنس بالخلوة ، والصبر على مقاساة الأحكام ، والإيثار لأمره ، والحياء من نظره ، وبذل المجهود في محبوبه ، والتعرض لكل سبب يتوصل إليه ، والقناعة بالخمول ، وعدم القرار بالقلب إلى أن يصل إلى الرب . وقال أبو بكر الوراق : آفة المريد ثلاثة أشياء : التزويج ، وكتبة الحديث ، والأسفار . وقيل له : لم تركت كتابة الحديث ؟ فقال : منعتني عنها الإرادة . وقال حاتم الأصم : إذا رأيت المريد يريد غير مراده ، فاعلم أن قد أظهر بذلته . سمعت : محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت الكتاني يقول : من حكم المريد أن يكون فيه ثلاثة اشياء : نومه غلبة ، وأكله فاقة ، وكلامه ضرورة . وسمعته يقول : سمت الحسين بن أحمد بن جعفر يقول : سمعت جعفر بن نصير يقول : سمعت الجنيد يقول : إذا أراد الله تعالى بالمريد خيرا أوقعه إلى الصوفية ، ومنعه صحبة القراء . وسمعته يقول : سمعت عبد الله بن علي يقول : سمعت الرقي يقول : سمعت الدقاق يقول : نهاية الإرادة أن تشير إلى الله تعالى فتجده مع الإشارة ، فقلت : فأي شيء يستوعب الإرادة ؟ فقال : أن تجد الله تعالى بلا إشارة . سمعت : محمد بن عبد الله الصوفي يقول : سمعت عباس بن أبي الصحو يقول : سمعت أبا بكر الدقاق يقول : لا يكون للرد مريدا حتى لايكتب عليه صاحب الشمال عشرين سنة . وقال أبو عثمان الحيري : من لم تصح إرادته بدارا لا يزيد مرور الأيام عليه إلا إدبارا . وقال أبو عثمان : المريد إذا سمع شيئا من علوم القوم فعمل به صار حكمة في قلبه إلى آخر عمره ، ينتفع به ، ولو تكلم به انتفع به من سمعه . ومن سمع شيئا من علومهم ، ولم يعمل به ، كان حكاية يحفظها أياما ثم ينسها . وقال الواسطي : أول مقام المريد : إرادة الحق ، سبحانه ، بإسقاط إرادته . وقال يحيى بن معاذ : أشد شيء علي المريدين : معاشرة الأضداد . سمعت : الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت أبا القاسم الرازي يقول : قال يوسف بن الحسين : إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص والكسب ؛ فليس يجيء منه شيء . وسمعته يقول : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت جعفرا الخالدي يقول : سئل الجنيد : ما للمريدين في مجاراة الحكايات ؟ فقال : الحكايات جند من جنود الله تعالى ، يقوي بها قلوب المريدي . فقيل له : فهل لك في ذلك شاهد ؟ فقال : نعم ، قوله عز وجل : ' وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ' .

Section V01/P237–V01/P238

وسمعته يقول : سمعت محمد بن خالد يقول : سمعت جعفرا يقول : سمعت الجنيد يقول : المريد الصادق غني عن علم العلماء . فأما الفرق بين المريد والمراد : فكل مريد على الحقيقة مرا . إذ لو لم يكن مراد الله تعالى بن يريده لم يكن مريدا ؛ إذ لا يكون إلا ما أراده الله تعالى ، وكل مراد مريد ؛ لأنه إذا أراده الحق سبحانه بخصوصية وفقه للإرادة . ولكن القوم فرقوا بين المريد والمراد : فالمريد عندهم هو المبتدىء ، والمراد : هو المنتهي ، والمريد : الذي نصب بعين التعب وألقى في مقاسات المشاق ، والمراد : الذي كفى بالأمر من غير مشقة ، فالمريد متعن ، والمراد : مرفوق به مرفه . وسنة الله تعالى مع القاصدين مختلفة ، فأكثرهم يوفقون للمجاهدات ، ثم يصلون ، بعد مقاساة اللتيا والتي ، إلى سني المعاني . وكثير منهم يكاشفون في الابتداء بجليل المعاني ، ويصلون إلا ما لم يصل إليهكثيرون من أصحاب الرياضات ، إلا أن أكثرهم يردون إلى المجاهدات بعد هذه الأرفاق ؛ ليستوفي منهم ما فاتهم من أحكام أهل الرياضة . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : متحمل ، والمراد محمول . وسمعته يقول : كان موسى ، عليه السلام ، مريدا ، فقال : ' ربي اشرح لي صدري ' ، وكان نبينا ، صلى الله عليه وسلم ، مرادا ، فقال الله تعالى : ' ألم نشرح لك صدرك ، ووضعنا عنك وزرك ، الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك ' . وكذلك قال موسى عليه السلام : ' رب ، أرني أنظر إليك ، قال : لن تراني ' وقال لنبينا ، صلى الله عليه وسلم : ' ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ' . وكان أبو علي يقول : إن المقصود قوله ' ألم تر إلى ربك ' وقوله : ' كيف مد الظل ' : ستر للقصة وتحصين للحالة . وسئل الجنيد ، رحمه الله ، عن المريد والمراد ، فقال : المريد : تتولاه سياسة العلم ، والمراد : تتولاه رعاية الحق ، سبحانه ، لأن المريد يسير ، والمراد يطير ، فمتى يلحق السائر الطائر ؟ وقيل : أرسل ذو النون إلى أبي يزيد رجلا ، وقيل له : قل له إلى متى النوم والراحة ، وقد جازت القافلة ؟ ! فقال أبو يزيد : قل لأخي ذي النون : الرجل من ينام الليل كله ، ثم يصبح في المنزل قبل القافلة . فقال ذو النون : هنيئا له ؛ هذا كلام لا تبلغه أحوالنا .

Section V01/P238

باب الاستقامة

Section V01/P238–V01/P240

قال الله تعالى : ' إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ' . أخبرنا : الإمام أبو بكر محمد بن الحسين بن فورك ، رحمه الله ، قال : حدثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد الأصبهاني قال : أخبرنا أبو بشر يونس بن حبيب قال حدثنا أبو داود الطيالسي قال : حدثنا شعبة ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن ثوبان مولي النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ' استقيموا ولن تحصوا ، واعلموا أن خير دينكم الصلاة ، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن . والاستقامة : درجة بها كمال الأمور وتمامها ، وبوجودها حصول الخيرات ونظامها ، ومن لم يكن مستقيما في حالته ضاع سعيه وخاب جهده ؛ قال الله تعالى : ' ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ' . ومن لم يكن مستقيما في صفته لم يرتق من مقامه إلى غيره ، ولم يبن سلوكه على صحة ؛ فمن شرط المستأنف : الاستقامة في أحكام البداية ، كما أن من حق العارف الاستقامة في آداب النهاية . فمن أمارات استقامة أهل البداية : أن لا تشوب معاملاتهم فترة . ومن أمارات استقامة أهل الوسائط : أن لا يصحب منازلهم وقفة . ومن أمارات استقامة أهل النهاية : أن لاتتداخل مواصلتهم حجبة . سمعت : الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : الاستقامة ؛ لها ثلاثة مدارج : أولها : التقويم ، ثم الإقامة ، ثم الاستقامة ؛ فالتقويم ، من حيث تأديب النفوس . والإقامة : من حيث تهذيب القلوب ، والاستقامة : من حيث تقريب الأسرار . وقال أبو بكر ، رضي الله عنه ، في معنى قوله : ' ثم استقاموا ' : لم يشركوا . وقال عمر ، رضي الله عنه ، لم يزوغوا زوغان الثعالب . فقول الصديق ، رضي الله عنه ، محمول على مراعاة الأصول في التوحيد . وقول عمر ، رضي الله عنه ، محمول علي طلب التأويل والقيام بشرط العهود . وقال ابن عطاء : استقاموا على انفراد القلب بالله تعالى . وقال أبو علي الجوزجائي : كن صاحب الاستقامة ، لا طالب الكرامة ، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة ، وربك ، عز وجل ، يطالبك بالإستقامة . سمعت : الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت أبا علي الشبوي يقول : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، فقلت له : روى عنك يا رسول الله أنك قلت : ' شيبتني هود ' فما الذي شيبك منها : قصص الأنبياء وهلاك الأمم ؟ فقال : لا ، ولكن قوله تعالى : ' فاستقم كما أمرت ' . وقيل : إن الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر ؛ لأنها الخروج عن المعهودات ، ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق ؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ' استقيموا ولن تحصوا ' . وقال الواسطي : الخصلة التي بها كملت المحاسن ، وبفقدها قبحت المحاسن : الاستقامة . وحكى عن الشبلي ، رحمه الله ، أنه قال : الاستقامة : أن تشهد الوقت قيامة . ويقال : الاستقامة في الأقوال : بترك الغيبة ، وفي الأفعال : بنفي البدعة ، وفي الأعمال بنفي الفترة ، وفي الأحوال بنفي الحجبة . سمعت : الأستاذ الإمام أبا بكر محمد بن الحسين بن فورك يقول : السيد في الاستقامة : سين الطلب ، أي : طلبوا من الحق ، تعالى ، أن يقيمهم على توحيدهم ، ثم على استدامة عهودهم ، وحفظ حدودهم .

Section V01/P240

قال الأستاذ : واعلم أن الاستقامة : توجب دوام الكرامات ، قال الله تعالى : ' وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ' ولم يقل : سقيناهم ، بل قال : ' أسقيناهم ' يقال : أسقيته إذا جعلت له سقيا ؛ فهو يشير إلى الدوام . سمعت : محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت الحسين بن أحمد يقول : سمعت أبا العباس الفرغني يقول : قال الجنيد : لقيت شابا من المريدين في البادية تحت شجرة من شجر أم غيلان فقلت : ما أجلسك ها هنا ؟ فقال : مال افتقدته ، فمضيت وتركته . فلما انصرفت من الحج إذا أنا بالشاب قد انتقل إلى موضع قريب من الشجرة ، فقلت : ما جلوسك هنا ؟ فقال : وجدت ما كنت أطلبه في هذا الموضع فلزمته . فقال : الجنيد : فلا أدري أيهما كان أشرف : لزومه لا فتقاد حاله ، أو لزومه للموضع الذي نال فيه مراده .

Section V01/P240–V01/P241

باب الإخلاص

Section V01/P241–V01/P242

قال الله تعالى : ' ألا لله الدين الخالص ' [ الزمر : 3 ] . أخبرنا : علي بن أحمد الأهوازي قال : أخبرنا أحمد بن عبيد البصري ، قال : حدثنا جعفر بن محمد الغرياني قال : حدثنا أبو طلوت قال : حدثني هانيء بن عبد الرحمن بن أبي عقبة ، عن إبراهيم بن أبي عبلة العقيلي قال : حدثني عطية ابن وشاح ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله علي وسلم : ' ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ؛ ومناصحة ولاة الأمور ، ولزوم جماعة المسلمين ' . وقال الأستاذ : الإخلاص ، إفراد الحق ، سبحانه ، في الطاعة بالقصد ، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله سبحانه دون أي شيء آخر ؛ من تصنع لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس ، أو محبة مدح من الخلق ، أو معنى من المعاني سوى التقرب به إلى الله تعالى . ويصح أن يقال : الإخلاص : تصفية الفعل من ملاحظة المخلوقين . ويصح أن يقال الإخلاص : التوقي عن ملاحظة الأشخاص . وقد ورد خبر مسند : ' أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر جبريل ، عليه السلام ، عن الله سبحانه وتعالى ، أنه قال : الإخلاص سر من سري ، استودعته قلب من أحببته من عبادي ' . سمعت : الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : وقد سألته عن الإخلاص : ما هو ؟ فقال : سمعت : علي بن سعيد ، وأحمد بن محمد بن زكريا ، وقد سألتهما عن الإخلاص ، فقالا : سمعنا علي بن إبراهيم الشقيقي ، وقد سألناه عن الإخلاص ، فقال : سمعت : محمد بن جعفر الخصاف ، وقد سألته عن الإخلاص ، فقال : سألت أحمد بن بشار عن الإخلاص : ما هو ؟ قال : سألت أبا يعقوب الشريطي عن الإخلاص : ما هو ؟ قال : سألت أحمد بن غسان عن الإخلاص : ما هو ؟ قال : سألت عبد الواحد بن زيد عن الإخلاص : ما هو ؟ قال : سألت الحسن عن الإخلاص : ما هو ؟ قال : سألت حذيفة عن الإخلاص : ما هو ؟ قال : سألت جبريل عليه السلام عن الإخلاص : ما هو ؟ قال : سألت رب العزة عن الإخلاص : ما هو ؟ قال : ' سر من سري استودعته قلب من أحببته من عبادي ' . سمعت : الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : الإخلاص : التوقي عن ملاحظة الخلق ، والصدق : التنقي من مطالعة النفس فالمخلص ؛ لا رياء له ، والصادق : لا إعجاب له . وقال ذو النون المصري : الإخلاص : لا يتم إلا بالصدق فيه ، والصبر عليه ، والصدق لا يتم إلا بالإخلاص فيه والمداومة عليه . وقال أبو يعقوب السوسي : متى شهدوا في إخلاصهم الخلاص إحتاج إخلاصهم إلى إخلاص . وقال ذو النون : ثلاث من علامات الإخلاص : استواء المدح والذم من العامة ، ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال ، ونسيان اقتضاء ثواب العمل في الآخرة . سمعت : الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا عثمان المغربي يقول : الإخلاص : ما يكون للنفس فيه حظ بحال ، وهذا إخلاص العوام . وأما إخلاص الخواص : فهو ما يجري عليهم ، لا بهم ، فتبدو منهم الطاعات ، وهم عنها بمعزل ، ولا يقع لهم عليها رؤية ، ولا بها اعتداد ، فذلك : إخلاص الخواص . وقال أبو بكر الدقاق : نقصان كل مخلص في إخلاصه : رؤية إخلاصه ؛ فإذا أراد الله تعالى أن يخلص إخلاصه أسقط عن إخلاصه رؤيته لإخلاصه ؛ فيكون مخلصا لامخلصا . وقال سهل : لا يعرف الربء إلا مخلص .

Section V01/P242–V01/P244

سمعت أبا حاتم السجتاني يقول : سمعت عبد الله بن علي يقول : سمعت الوجيهي يقول : سمعت أبا علي الروذباري يقول : قال لي رويم : قال أبو سعيد الخراز : رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين . وقال ذو النون : الإخلاص : ما حفظ من العدو أن يفسده . وقال أبو عثمان : نسيان رؤية الخلق به وام النظر إلى فضل الخالق . وقال حذيفة المرعشي : الإخلاص أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن . وقيل : الإخلاص : ما أريد به الحق ، سبحانه ، وقصد به الصدق . وقيل : الإغماض عن رؤية الأعمال . سمعت : محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا الحسين الفراسي يقول : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت علي بن عبد الحميد يقول : سمعت السري يقول : من تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله تعالى . وسمعته يقول : سمعت علي بن بندار الصوفي يقول : سمعت عبد الله بن محمود يقول : سمعت محمد بن عبد ربه يقول : سمعت الفضيل يقول ترك العمل من أجل الناس رياء ، والعمل من أجل الناس شرك ، والإخلاص : أن يعافيك الله منهما . وقال الجنيد : الإخلاص سر بين الله تعالى وبين العبد ، لايعلمه ملك فيكتبه ، ولا شيطان فيفسده ، ولا هوى فيميله . وقال رويم : الإخلاص من العمل هو : الذي لايريد صاحبه عليه عوضا من الدارين ، ولا حظ من الملكين . وقيل لسهل بن عبد الله : أي شيء أشد على النفس ؟ فقال : الإخلاص : لأنه ليس لها فيها نصيب . وسئل بعضهم عن الإخلاص : فقال : أن لا تشهد على عملك غير الله عز وجل . وقال بعضهم : دخلت علي سهل بن عبد الله يوم جمعة قبل الصلاة بيتا . . فرأيت في البيت حية . فجعلت أقدم رجلا وأؤخر أخرى ، فقال : ادخل ، لا يبلغ أحد حقيقة الإيمان وعلى وجه الأرض شيء يخافه . ثم قال : هل لك في صلاة الجمعة ؟ فقلت : بيننا وبين المسجد مسيرة يوم وليلة . . فأخذ بيدي ، فما كان إلا قليل حتى رأيت المسجد ، فدخلناه ؛ وصلينا الجمعة . ثم خرجنا ؛ فوقف ينظر إلى الناس وهم يخرجون ، فقال : أهل لا إله إلا الله كثير ، والمخلصون منهم قليل . أخبرنا : حمزة بن يوسف الجرجاني قال : حدثنا محمد بن محمد بن عبد الرحيم قال : حدثنا أبو طالب محمد بن زكريا المقدسي قال : حدثنا أبو قرصافة محمد بن عبد الوهاب العسقلاني قال : حدثنا زكريا بن نافع قال : حدثنا محمد بن يزيد القراطيسي ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن مكحل قال : ما أخلص عبد قط أربعين يوما ، إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت عبد الرزاق يقول : سمعت يوسف بن الحسين يقول : أعز شيء في الدنيا الإخلاص ، وكن أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي ، فكأنه ينبث فيه على لون آخر . وسمعته يقول : سمعت النصراباذي يقول : سمعت أبا الجهم يقول : سمعت ابن أبي الحواري يقول : سمعت أبا سليمان يقول : إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء .

Section V01/P244

باب الصدق

Section V01/P244–V01/P246

قال الله تعالى : ' ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ' . أخبرنا : الإمام أبو بكر محمد بن فورك ، رحمه الله ، قال : أخبرنا عبد الله ابن جعفر بن أحمد الأصبهاني قال : حدثنا أبو بشر يونس بن حبيب قال : حدثنا أبو داود الطيالسي قال : حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن عبد الله ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : ' لا يزال العبد يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدقا ، ولا يزال يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا ' . قال الأستاذ : والصدق : عماد الأمر ، وبه تمامه ، وفيه نظامه ، وهو تالي درجة النبوة ، قال الله تعالى : ' فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين . . ' الآية . والصادق الاسم اللازم من الصدق ، والصديق المبالغة منه : وهو الكثير الصدق ، الذي الصدق غالبه ، كالسكير والخمير . . وبابه . وأقل الصدق : استواء السر والعلانية . والصادق : من صدق في أقواله . والصديق : من صدق في جميع أقواله ، وأفعاله وأحواله . وقال أحمد بن خضروية : من أراد أن يكون الله تعالى معه فليلزم الصدق ؛ فإن الله تعالى قال : ' إن الله مع الصادقين ' . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت الفرغاني يقول : سمعت الجنيد يقول : الصادق : ينقلب في اليوم أربعين مرة ، والمرائي يثبت على حالة واحدة أربعين سنة . وقال أبو سليمان الداراني : لو أراد الصادق أن يصف ما في قلبه ما نطق به لسانه . وقيل الصدق : القول بالحق في مواطن الهلكة . وقيل : الصدق : موافقة السر النطق . وقال القناد : الصدق : منع الحرام من الشدق . وقال عبد الواحد بن زيد : الصدق : الوفاء لله سبحانه بالعمل . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا العباس البغدادي يقول : سمعت جعفر بن نصير يقول : سمعت الجريري يقول : سمعت سهل بن عبد الله يقول : لا يشم رائحة الصدق عبد داهن نفسه أو غيره . وقال أبو سعيد العرشي : الصادق : الذي يتهيأ له أن يموت ولا يستحي من سره لو كشف ، قال الله تعالى : ' فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ' . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : كان أبو علي الثقفي يتكلم يوما ، فقال له عبد الله بن منازل : يا أبا علي ، استعد للموت فلا بد منه . فقال أبو علي : وأنت يا عبد الله ، استعد للموت فلا بد منه . فتوسد عبد الله ذراعه ، ووضع رأسه ، وقال : قد مت . فانقطع أبو علي ؛ لأنه لم يمكنه أن يقابله بما فعل ، لأنه كان لأبي علي علاقات وكان عبد الله مجردا لا شغل له . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : كان أبو العباس الدينوري يتكلم . . فصاحت عجوز في المجلس صيحة ، فقال لها أبو العباس الدينوري : موتي . . فقامت وخطت خطوات . . ثم التفتت إليه ، وقالت : قد مت . ووقعت ميتة . وقال الواسطي : الصدق : صحة التوحيد مع القصد . وقيل : نظر عبد الواحد بن زيد إلى غلام من أصحابه قد نحل بدنه ، فقال : يا غلام ، أتديم الصوم ؟ فقال : ولا أديم الإفطار . فقال : أتديم القيام بالليل ؟ فقال : ولا أديم النوم . فقال : فما الذي أنحلك ؟ فقال : هوى دائم . . وكتمان دائم عليه .

Questions