Gazâlî — el-Müstasfâ (usûlü'l-fıkh)
رجعنا إلى المقصود وهو أفعاله عليه السلام فما عرف بقوله أنه تعاطاه بيانا للواجب كقوله عليه السلام صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم أو علم بقرينة الحال أنه إمضاء لحكم نازل كقطع يد السارق من الكوع فهذا دليل وبيان وما عرف أنه خاصيته فلا يكون دليلا في حق غيره وأما ما لم يقترن به بيان في نفي ولا إثبات فالصحيح عندنا أنه لا دلالة له بل هو متردد بين الإباحة والندب والوجوب وبين أن يكون مخصوصا به وبين أن يشاركه غيره فيه ولا يتعين واحد من هذه الأقسام إلا بدليل زائد بل يحتمل الحظر أيضا عند من يجوز عليهم الصغائر وقال قوم أنه على الحظر وقال قوم على الإباحة وقال قوم على الندب وقال قوم على الوجوب إن كان في العبادات وإن كان في العادات فعلى الندب ويستحب التأسي به وهذه تحكمات لأن الفعل لا صيغة له وهذه الاحتمالات متعارضة ونحن نفرد كل واحد بالإبطال أما إبطال الحمل على الحظر فهو أن هذا خيال من رأى الأفعال قبل ورود الشرع على الحظر قال وهذا الفعل لم يرد فيه شرع ولا يتعين بنفسه لإباحة ولا لوجوب فيبقى على ما كان فلقد صدق في إبقاء الحكم على ما كان وأخطأ في قوله بأن الأحكام قبل الشرع على الحظر وقد أبطلنا ذلك ويعارضه قول من قال إنها على الإباحة وهو أقرب من الحظر ثم يلزم منه تناقض وهو أن يأتي بفعلين متضادين في وقتين فيؤدي إلى أن يحرم الشيء وضده وهو تكليف المحال أما إبطال الإباحة فهو أنه إن أراد به أنه أطلق لنا مثل ذلك فهو تحكم لا يدل عليه عقل ولا سمع وإن أراد به أن الأصل في الأفعال نفي الحرج فيبقى على ما كان قبل الشرع فهو حق وقد كان كذلك قبل فعله فلا دلالة إذا لفعله أما إبطال الحمل على الندب فإنه تحكم إذا لم يحمل على الوجوب لاحتمال كونه ندبا فلا يحمل على الندب لاحتمال كونه واجبا بل لاحتمال كونه مباحا وقد تمسكوا بشبهتين الأولى أن فعله يحتمل الوجوب والندب والندب أقل درجاته فيحمل عليه قلنا إنما يصح ما ذكروه لو كان الندب داخلا في الوجوب ويكون الوجوب ندبا وزيادة وليس كذلك إذ يدخل جواز الترك في حد الندب دون حد الوجوب وأقرب ما قيل فيه الحمل على الندب لا سيما في العبادات أما في العادات فلا أقل من حمله على الإباحة لا بمجرد الفعل ولكن نعلم أن الصحابة كانوا يعتقدون في كل فعل له أنه جائز ويستدلون به على الجواز ويدل هذا على نفي الصغائر عنه وكانوا يتبركون بالاقتداء به في العادات لكن هذا أيضا ليس بقاطع إذ يحتمل أن يكون استدلالهم بذلك مع قرائن حسمت بقية الاحتمالات وكلامنا في مجرد الأفعال دون قرينة ولا شك في أن ابن عمر لما رآه مستقبل بيت المقدس في قضاء حاجته استدل به على كونه مباحا إذا كان في بناء لأنه كان في البناء ولم يعتقد أنه ينبغي أن يقتدي به فيه لأنه خلا بنفسه فلم يكن يقصد إظهاره ليعلم بالقرينة قصده الدعاء إلى الاقتداء فتبين من هذا أنهم اعتقدوا وأن ما فعله مباح وهذا يدل على أنهم لم يجوزوا عليه الصغائر وأنهم لم يعتقدوا الاقتداء في كل فعل بل ما يقترن به قرينة تدل على إرادته البيان بالفعل
الثانية التمسك بقوله لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة الأحزاب 21 فأخبر أن لنا التأسي ولم يقل عليكم التأسي فيحمل على الندب لا على الوجوب قلنا الآية حجة عليكم لأن التأسي به في إيقاع الفعل الذي أوقعه على ما أوقعه فما أوقعه واجبا أو مباحا إذا أوقعناه على وجه الندب لم نكن مقتدين به كما أنه إذا قصد الندب فأوقعناه واجبا خالفنا التأسي فلا سبيل إلى التأسي به قبل معرفة قصده ولا يعرف قصده إلا بقوله أو بقرينة ثم نقول إذا انقسمت أفعاله إلى الواجب والندب لم يكن من يحمل الكل على الوجوب متأسيا ومن يجعل الكل أيضا ندبا متأسيا بل كان النبي عليه السلام يفعل ما لا يدري فمن فعل ما لا يدري على أي وجه فعله لم يكن متأسيا أما أبطال الحمل على الوجوب فإن ذلك لا يعرف بضرورة عقل ولا نظر ولا بدليل قاطع فهو تحكم لأن فعله متردد بين الوجوب والندب وعند من لم يوجب عصمته من الصغائر يحتمل الحظر أيضا فلم يتحكم بالحمل على الوجوب ولهم شبه الأولى قولهم لا بد من وصف فعله بأنه حق وصواب ومصلحة ولولاه لما أقدم عليه ولا تعيد به قلنا جملة ذلك مسلم في حقه خاصة ليخرج به عن كونه محظورا وإنما الكلام في حقنا وليس يلزم الحكم بأن ما كان في حقه حقا وصوابا ومصلحة كان في حقنا كذلك بل لعله مصلحة بالإضافة إلى صفة النبوة أو صفة هو يختص بها ولذلك خالفنا في جملة من الجائزات والواجبات والمحظورات بل اختلف المقيم والمسافر والحائض والطاهر في الصلوات فلم يمتنع اختلاف النبي والأمة الثانية أنه نبي وتعظيم النبي واجب والتأسي به تعظيم قلنا تعظيم الملك في الانقياد له فيما يأمر وينهي لا في التربع إذا تربع ولا في الجلوس على السرير إذا جلس عليه فلو نذر الرسول أشياء لم يكن تعظيمه في أن ننذرها مثل ما نذرها ولو طلق أو باع أو اشترى لم يكن تعظيمه في التشبه به الثالث أنه لو لم يتابع في أفعاله لجاز أن لا يتابع في أقواله وذلك تصغير لقدره وتنفير للقلوب عنه قلنا هذا هذيان فإن المخالفة في القول عصيان له وهو مبعوث للتبليغ حتى يطاع في أقاويله لأن قوله متعد إلى غيره وفعله قاصر عليه وأما التنفير فقد بينا أنه لا التفات إليه ولو كان ترك التشبه به تصغيرا له لكنا تركنا للوصال وتركنا نكاح تسع بل تركنا دعوى النبوة تصغيرا فاستبان أن هذه خيالات وأن التحقيق أن الفعل متردد كما أن اللفظ المشترك كالقرء متردد فلا يجوز حمله على أحد الوجوه إلا بدليل زائد الرابعة تمسكهم بآي من الكتاب كقوله تعالى ونصروا الأنعام 153 وأنه يعم الأقوال والأفعال وكقوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره النور 63 وقوله وما آتاكم الرسول فخذوه الحشر 7 وأمثاله وجمع ذلك يرجع إلى قبول أقواله وغايته أن يعم الأقوال والأفعال وتخصيص العموم ممكن ولذلك لم يجب على الحائض والمريض موافقته مع أنهم مأمورون بالإتباع والطاعة الخامسة وهي أظهرها تمسكهم بفعل الصحابة وهو أنهم واصلوا الصيام لما واصل وخلعوا نعالهم في الصلاة لما خلع وأمرهم عام الحديبية بالتحلل بالحلق فتوقفوا فشكا إلى أم سلمة فقالت أخرج إليهم واذبح واحلق ففعل فذبحوا وحلقوا مسارعين وإنه خلع خاتمه فخلعوا وبأن عمر كان يقبل الحجر ويقول إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي عليه السلام يقبلك ما قبلتك وبأنه قال في جواب من سأل أم سلمة عن قلبة الصائم فقال ألا أخبرته أني أقبل وأنا صائم وكذلك الصحابة رضي الله عنهم بأجمعهم اختلفوا في الغسل من التقاء الختانين فقالت عائشة رضي الله عنها فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا فرجعوا إلى ذلك الجواب من وجوه الأول أن هذه أخبار آحاد وكما لا يثبت القياس وخبر الواحد إلا بدليل قاطع فكذلك هذا لأنه أصل من الأصول
الثاني أنهم لم يتبعوه في جميع أفعاله وعباداته فكيف صار اتباعهم للبعض دليلا ولم تصر مخالفتهم في البعض دليل جواز المخالفة الثالث وهو التحقيق أن أكثر هذه الأخبار تتعلق بالصلاة والحج والصوم والوضوء وقد كان بين لهم أن شرعه وشرعهم فيه سواء فقال صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم وعلمهم الوضوء وقال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي وأما الوصال فإنهم ظنوا لما أمرهم بالصوم واشتغل معهم به أنه قصد بفعله امتثال الواجب وبيانه فرد عليهم ظنهم وأنكر عليهم الموافقة وكذلك في قبلة الصائم ربما كان قد بين لهم مساواة الحكم في المفطرات وأن شرعه شرعهم وكذلك في الأحداث قد عرفهم مساواة الحكم فيها ففهموا لا بمجرد حكاية الفعل كيف وقد نقل أنه عليه السلام قال إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل وأما خلع الخاتم فهو مباح فلما خلع أحبوا موافقته لا لاعتقادهم وجوب ذلك عليهم أو توهموا أنه لما ساواهم في سنة التختم فيساويهم في سنة الخلع فإن قيل الأصل أن ما ثبت في حقه عام إلا ما استثنى قلنا لا بل الأصل أن ما ثبت في حقه فهو خاص إلا ما عممه فإن قيل التعميم أكثر فلينزل عليه قلنا ولم يجب التنزيل على الأكثر وإذا اشتبهت أخت بعشر أجنبيات فالأكثر حلال ولا يجوز الأخذ به كيف والمباحات أكثر من المندوبات فلتلحق بها والمندوبات أكثر من الواجبات فلتلحق بها بل ربما قال القائل المحظورات أكثر من الواجبات فلتنزل عليها الفصل الثاني في شبهات متفرقة في أحكام الأفعال الأولى قال قائل إذا نقل إلينا فعله عليه السلام فما الذي يجب على المجتهد أن يبحث عنه وما الذي يستحب قلنا لا يجب إلا أمر واحد وهو البحث عنه هل ورد بيانا لخطاب عام أو تنفيذا لحكم لازم عام فيجب علينا اتباعه أو ليس كذلك فيكون قاصرا عليه فإن لم يقم دليل على كونه بيانا لحكم عام فالبحث عن كونه ندبا في حقه أو واجبا أو مباحا أو محظورا أو قضاء أو أداء موسعا أو مضيقا لا يجب بل هو زيادة درجة وفضل في العلم يستحب للعالم أن يعرفه فإن قيل كم أصناف ما يحتاج إلى البيان سوى الفعل قلنا ما يتطرق إليه احتمال كالمجمل والمجاز والمنقول عن وضعه والمنقول بتصرف الشرع والعام المحتمل للخصوص والظاهر المحتمل للتأويل ونسخ الحكم بعد استقراره ومعنى قول افعل أنه للندب أو للوجوب أو أنه على الفور أو التراخي أو أنه للتكرار أو المرة الواحد والجمل المعطوفة إذا أعقبت باستثناء وما يجري مجراه مما يتعارض فيه الاحتمال والفعل من جملة ذلك فإن قيل فإن بين لنا بفعله ندبا فهل يكون فعله واجبا قلنا نعم هو من حيث أنه بيان واجب لأنه تبليغ للشرعه ومن حيث أنه فعل ندب وذهب بعض القدرية إلى أن بيان الواجب واجب وبيان الندب ندب وبيان المباح مباح ويلزم على ذلك أن يكون بيان المحظور محظورا فإذا كان بيان المحظور واجبا فلم لا يكون بيان الندب واجبا وكذلك بيان المباح وهي أحكام الله تعالى على عباده والرسول مأمور بالتبليغ وبيانه بالقول أو الفعل وهو مخير بينهما فإذا أتى بالفعل فقد أتى بإحدى خصلتي الواجب فيكون فعله واقعا عن الواجب فإن قيل وبم يعرف كون فعله بيانا قلنا إما بصريح قوله وهو ظاهر أو بقرائن وهي كثيرة إحداها أن يرد خطاب مجمل ولم يبينه بقوله إلى وقت الحاجة ثم فعل عند الحاجة والتنفيذ للحكم فعلا صالحا للبيان فيعلم أنه بيان إذا لم يكن لكان مؤخرا للبيان عن وقت الحاجة وذلك محال عقلا عند قوم وسمعا عند آخرين وكونه غير واقع متفق عليه لكن كون الفعل متعينا للبيان يظهر للصحابة إذ قد علموا عدم البيان بالقول أما نحن فيجوز أن يكون قد بين بالقول ولم يبلغنا فيكون الظاهر عندنا أن الفعل بيان فقطع يد السارق من الكوع وتيممه إلى المرفقين بيان لقوله عز وجل فاقطعوا أيديهما المائدة 38 ولقوله تعالى فامسحوا بوجوهكم وأيديكم النساء 43
الثانية أن ينقل فعل غير مفصل كمسحه رأسه وأذنيه من غير تعرض لكونهما مسحا بماء واحد أو بماء جديد ثم ينقل أنه أخذ لأذنيه ماء جديدا فهذا في الظاهر يزيل الاحتمال عن الأول ولكن يحتمل أن الواجب ماء واحد وأن المستحب ماء جديدا فيكون أحد الفعلين على الأقل والثاني على الأكمل الثالثة أن يترك ما لزمه فيكون بيانا لكونه منسوخا في حقه أما في حق غيره فلا يثبت النسخ إلا ببيان الاشتراك في الحكم نعم لو ترك غيره بين يديه فلم ينكر مع معرفته به فيدل على النسخ في حق الغير الرابعة أنه إذا أتى بسارق ثمر أو ما دون النصاب فلم يقطع فيدل على تخصيص الآية لكن هذا بشرط أن يعلم انتفاء شبهة أخرى تدرأ القطع لأنه لو أتى بسارق سيف فلم يقطعه فلا يتبين لنا سقوط القطع في السيف ولا في الحديد لكن يبحث عن سببه فكذلك الثمر وما دون النصاب وكذلك تركه القنوت والتسمية والتشهد الأول مرة واحدة لا يدل على النسخ إذ يحمل على نسيان أو على بيان جواز ترك السنة وإن ترك مرات دل على عدم الوجوب وكذلك لو ترك الفخذ مكشوفا دل على أنه ليس من العورة الخامسة إذا فعل في الصلاة ما لو لم يكن واجبا لأفسد الصلاة دل على الوجوب كزيادة ركوع في الخسوف وكحمل أمامة في الصلاة يدل على أن الفعل القليل لا يبطل وأنه فعل قليل هذا مع قوله صلوا كما رأيتموني أصلي يكون بيانا في حقنا السادسة إذا أمر الله تعالى بالصلاة وأخذ الجزية والزكاة مجملا ثم أنشأ الصلاة وابتدأ بأخذ الجزية فيظهر كونه بيانا وتنفيذا لكن إن لم تكن الحاجة متنجزة بحيث يجوز تأخير البيان فلا يتعين لكونه بيانا بل يحتمل أن يكون فعلا أمر به خاصة في ذلك الوقت فإذا لا يصير بيانا للحكم العام إلا بقرينة أخرى السابعة أخذه مالا ممن فعل فعلا أو إيقاعه به ضربا أو نوع عقوبة فإنه له خاصة ما لم ينبه على أن من فعل ذلك الفعل فعليه مثل ذلك المال فإنه لا يمتنع لأنه وإن تقدم ذلك الفعل فلا يتعين لكونه موجب أخذ المال وأنه لا يمتنع وجود سبب آخر هو المقتضى للمال وللعقوبة أما قضاؤه على من فعل فعلا بعقوبة أو مال كقضائه على الأعرابي بإعتاق رقبة فإنه يدل على أنه موجب ذلك الفعل لأن الراوي لا يقول قضى على فلان بكذا لما فعل كذا إلا بعد معرفته بالقرينة فإن قيل فإذا فعل فعلا وكان بيانا ووقع في زمان ومكان وعلى هيئة فهل يتبع الزمان والمكان والهيئة فيقال أما الهيئة والكيفية فنعم وأما الزمان والمكان فهو كتغيم السماء وصحوها ولا مدخل له في الأحكام إلا أن يكون الزمان والمكان لائقا به بدليل دل عليه كاختصاص الحج بعرفات والبيت واختصاص الصلوات بأوقات لأنه لو اتبع المكان للزم مراعاة تلك الرواية بعينها ووجب مراعاة ذلك الوقت وقد انقضى ولا يمكن إعادته وما بعده من الأوقات ليس مثلا فيجب إعادة الفعل في الزمان الماضي وهو محال وقد قال قوم إن تكرر فعله في مكان واحد وزمان واحد دل على الاختصاص وإلا فلا وهو فاسد لما سبق ذكره فإن قيل إن كان فعله بيانا فتقريره على الفعل وسكوته عليه وتركه الإنكار واستبشاره بالفعل أو مدحه له هل يدل على الجواز وهل يكون بيانا قلنا نعم سكوته مع المعرفة وتركه الإنكار دليل على الجواز إذ لا يجوز له ترك الإنكار لو كان حراما ولا يجوز له الاستبشار بالباطل فيكون دليلا على الجواز كما نقل في قاعدة القيافة وإنما تسقط دلالته عند من يحمل ذلك على المعصية ويجوز عليه الصغيرة ونحن نعلم إتفاق الصحابة على إنكار ذلك وإحالته فإن قيل لعله منع من الإنكار مانع كعلمه بأنه لم يبلغه التحريم فلذلك فعله أو بلغه الإنكار مرة فلم ينجح فيه فلم يعاوده
قلنا ليس هذا مانعا لأن من لم يبلغه التحريم فيلزمه تبليغه ونهيه حتى لا يعود ومن بلغه ولم ينجح فيه فيلزمه إعادته وتكراره كيلا يتوهم نسخ التحريم فإن قيل فلم لم يجب عليه أن يطوف صبيحة كل سبت وأحد على اليهود والنصارى إذا اجتمعوا في كنائسهم وبيعهم قلنا لأنه علم أنهم مصرون مع تبليغه وعلم الخلق أنه مصر على تكفيرهم دائما فلم يكن ذلك مما يوهم النسخ بخلاف فعل يجري بين يديه مرة واحدة أو مرات فإن السكوت عنه يوهم النسخ ق ( الفصل الثالث في تعارض الفعلين فنقول معنى التعارض التناقض فإن وقع في الخبر أوجب كون واحد منهما كذبا ولذلك لا يجوز التعارض في الأخبار من الله تعالى ورسوله وإن وقع في الأمر والنهي والأحكام فيتناقض فيرفع الأخير الأول ويكون نسخا وهذا متصور وإذا عرفت أن التعارض هو التناقض فلا يتصور التعارض في الفعل لأنه لا بد من فرض الفعلين في زمانين أو في شخصين فيمكن الجمع بين وجوب أحدهما وتحريم الآخر فلا تعارض فإن قيل فالقول أيضا لا يتناقض إذ يوجد القولان في حالتين وإنما يتناقض حكمهما فكذلك يتناقض حكم الفعلين قلنا إنما يتناقض حكم القولين لأن القول الأول اقتضى حكما دائما فيقطع القول الثاني دوامه والفعل لا يدل أصلا على حكم ولا على دوام حكم نعم لو أشعرنا الشارع بأنه يريد بمباشرة فعل بيان دوام وجوبه ثم ترك ذلك الفعل بعده كان ذلك نسخا وقطعا لدوام حكم ظهر بالفعل مع تقدم الأشعار فهذا القدر ممكن وأما التعارض بين القول والفعل فممكن بأن يقول قولا يوجب على أمته فعلا دائما وأشعرهم بأن حكمه فيه حكمهم ابتداء ونسخا ثم فعل خلافه أو سكت على خلافه كان الأخير نسخا وإن أشكل التاريخ وجب طلبه وإلا فهو متعارض كما روي أنه قال في السارق وإن سرق خامسة فاقتلوه ثم أتى بمن سرق خامسة فلم يقتله فهذا إن تأخر فهو نسخ القول والفعل وإن تأخر القول فهو نسخ ما دل عليه الفعل وقد قال قوم إذا تعارضا وأشكل التاريخ يقدم القول لأن القول بيان بنفسه بخلاف الفعل فإن الفعل يتصور أن يخصه والقول يتعدى إلى غيره ولأن القول يتأكد بالتكرار بخلاف الفعل فنقول أما قولكم أن الفعل ليس بيانا بنفسه فمسلم ولكن كلامنا في فعل صار بيانا لغيره فلا يتأخر عما كان بيانا بنفسه وأما خصوص الفعل فمسلم أيضا ولكن كلامنا في فعل لا يمكن حمله على خاصيته وأما تأكيد القول بالتكرار إن عني به أنه إذا تواتر أفاد العلم فهذا مسلم إذا توتر من أشخاص فليس ذلك تكرارا وتكراره من شخص واحد لا أثر له كتكرار الفعل هذا تمام الكلام في الأفعال الملحقة بالأقوال وبيان ما فيها من البيان والإجمال ولنشتغل بعدها بالفن الثالث من القطب وهو المرسوم لبيان كيفية دلالة الألفاظ على المدلولات بمعقولها ومعناها وهو الذي يسمى قياسا فلنخض في شرح كتاب القياس مستعينين بالله عز وجل الفن الثالث في كيفية استثمار الأحكام من الألفاظ والاقتباس من معقول الألفاظ بطريق القياس ويشتمل على مقدمتين وأربعة أبواب الأول في إثبات أصل القياس على منكريه الثاني في طريق إثبات العلة الثالث في قياس الشبه الرابع في أركان القياس وهي أربعة الأصل والفرع والعلة والحكم وبيان شروط كل ركن من هذه الأركان
مقدمة في حد القياس وحده أنه جمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما عنهما ثم إن كان الجامع موجبا للاجتماع على الحكم كان قياسا صحيحا وإلا كان فاسدا واسم القياس يشتمل على الصحيح والفاسد في اللغة ولا بد في كل قياس من فرع وأصل وعلة وحكم وليس من شرط الفرع والأصل كونهما موجودين بل ربما يستدل بالنفي على النفي فلذلك لم نقل حمل شيء لأن المعدوم ليس بشيء عندنا وأبدلنا لفظ الشيء بالمعلوم ولم نقل حمل فرع على أصل لأنه ربما ينبو هذا اللفظ عن المعدوم وإن كان لا يبعد إطلاق هذا الاسم عليه بتأويل ما والحكم يجوز أن يكون نفيا ويجوز أن يكون إثباتا والنفي كانتفاء الضمان والتكليف والانتفاء أيضا يجوز أن يكون علة فلذلك أدرجنا الجميع في الحد ودليل صحة هذا الحد إطراده وانعكاسه أما قول من قال في حد القياس أنه الدليل الموصل إلى الحق أو العلم الواقع بالمعلوم عن نظر أو رد غائب إلى شاهد فبعض هذا أعم من القياس وبعضه أخص ولا حاجة إلى الأطناب في إبطاله وأبعد منه إطلاق الفلاسفة اسمه على تركيب مقدمتين يحصل منهما نتيجة كقول القائل كل مسكر حرام وكل نبيذ مسكر فيلزم منه أن كل نبيذ حرام فإن لزوم هذه النتيجة من المقدمتين لا ننكره لكن القياس يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى الآخر بنوع من المساواة إذ تقول العرب لا يقاس فلان إلى فلان في عقله ونسبه وفلان يقاس إلى فلان فهو عبارة عن معنى إضافي بين شيئين وقال بعض الفقهاء القياس هو الاجتهاد وهو خطأ لأن الاجتهاد أعم من القياس لأنه قد يكون بالنظر في العمومات ودقائق الألفاظ وسائر طرق الأدلة سوى القياس ثم أنه لا ينبىء في عرف العلماء إلا عن بذل المجتهد وسعه في طلب الحكم ولا يطلق إلا على من يجهد نفسه ويستفرغ الوسع فمن حمل خردلة لا يقال اجتهد ولا ينبىء هذا عن خصوص معنى القياس بل عن الجهد الذي هو حال القياس فقط مقدمة أخرى في حصر مجاري الإجتهاد في العلل اعلم أنا نعني بالعلة في الشرعيات مناط الحكم أي ما أضاف الشرع الحكم إليه وناطه به ونصبه علامة عليه والاجتهاد في العلة إما أن يكون في تحقيق مناط الحكم أو في تنقيح مناط الحكم أو في تخريج مناط الحكم واستنباطه أما الاجتهاد في تحقيق مناط الحكم فلا نعرف خلافا بين الأمة في جوازه مثاله الاجتهاد في تعيين الإمام بالاجتهاد مع قدرة الشارع في الإمام الأول على النص وكذا تعيين الولاة والقضاة وكذلك في تقدير المقدرات وتقدير الكفايات في نفقة القرابات وإيجاب المثل في قيم المتلفات وأروش الجنايات وطلب المثل في جزاء الصيد فإن مناط الحكم في نفقة القريب الكفاية وذلك معلوم النص أما أن الرطل كفاية لهذا الشخص أم لا فيدرك بالاجتهاد والتخمين وينتظم هذا الاجتهاد بأصلين أحدهما أنه لا بد من الكفاية
والثاني أن الرطل قدر الكفاية فيلزم منه أنه الواجب على القريب أما الأصل الأول فمعلوم بالنص والإجماع وأما الثاني فمعلوم بالظن وكذلك نقول يجب في حمار الوحش بقرة لقوله تعالى فجزاء مثل ما قتل من النعم المائدة 95 فنقول المثل واجب والبقرة مثل فإذا هي الواجب والأول معلوم بالنص وهي المثلية التي هي مناط الحكم أما تحقق المثلية في البقرة فمعلوم بنوع من المقايسة والاجتهاد وكذلك من أتلف فرسا فعليه ضمانه والضمان هو المثل في القيمة أما كونه مائة درهم مثلا في القيمة فإنما يعرف بالاجتهاد ومن هذا القبيل الاجتهاد في القبلة وليس ذلك من القياس في شيء بل الواجب استقبال جهة القبلة وهو معلوم بالنص أما أن هذه جهة القبلة فإنه يعلم بالاجتهاد والأمارات الموجبة للظن عند تعذر اليقين وكذلك حكم القاضي بقول الشهود ظني لكن الحكم بالصدق واجب وهو معلوم بالنص وقول العدل صدق معلوم بالظن وأمارات العدالة والعدالة لا تعلم إلا بالظن فلنعبر عن هذا الجنس بتحقيق مناط الحكم لأن المناط معلوم بنص أو إجماع لا حاجة إلى استنباطه لكن تعذرت معرفته باليقين فاستدل عليه بإمارات ظنية وهذا لا خلاف فيه بين الأمة وهو نوع اجتهاد والقياس مختلف فيه فكيف يكون هذا قياسا وكيف يكون مختلفا فيه وهو ضرورة كل شريعة لأن التنصيص على عدالة الأشخاص وقدر كفاية كل شخص محال فمن ينكر القياس ينكره حيث يمكن التعريف للحكم بالنص المحيط بمجاري الحكم الاجتهاد الثاني في تنقيح مناط الحكم وهذا أيضا يقربه أكثر منكري القياس مثاله أن يضيف الشارع الحكم إلى سبب وينوطه به وتقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة فيجب حذفها عن درجة الاعتبار حتى يتسع الحكم مثاله إيجاب العتق على الأعرابي حيث أفطر في رمضان بالوقاع مع أهله فإنا نلحق به أعرابيا آخر بقوله عليه السلام حكمي على الواحد حكمي على الجماعة أو بالإجماع على أن التكليف يعم الأشخاص ولكنا نلحق التركي والعجمي به لأنا نعلم أن مناط الحكم وقاع مكلف لا وقاع أعرابي ونلحق به من أفطر في رمضان آخر لأنا نعلم أن المناط هتك حرمة رمضان لا حرمة ذلك الرمضان بل نلحق به يوما آخر من ذلك الرمضان ولو وطىء أمته أوجبنا عليه الكفارة لأنا نعلم أن كون الموطوءة منكوحة لا مدخل له في هذا الحكم بل يلحق به الزنا لأنه أشد في هتك الحرمة إلا أن هذه إلحاقات معلومة تنبىء على تنقيح مناط الحكم بحذف ما علم بعادة الشرع في موارده ومصادره في أحكامه أنه لا مدخل له في التأثير وقد يكون حذف بعض الأوصاف مظنونا فينقدح الخلاف فيه كإيجاب الكفارة بالأكل والشرب إذ يمكن أن يقال مناط الكفارة كونه مفسدا للصوم المحترم والجماع آلة الإفساد كما أن مناط القصاص في القتل بالسيف كونه مزهقا روحا محترمة والسيف آلة فيلحق به السكين والرمح والمثقل فكذلك الطعام والشراب آلة ويمكن أن يقال الجماع مما لا تنزجر النفس عنه عند هيجان شهوته لمجرد وازع الدين فيحتاج فيه إلى كفارة وازعة بخلاف الأكل وهذا محتمل والمقصود أن هذا تنقيح المناط بعد أن عرف المناط بالنص لا بالاستنباط ولذلك أقر به أكثر منكري القياس بل قال أبو حنيفة رحمه الله لا قياس في الكفارات وأثبت هذا النمط من التصرف وسماه استدلالا فمن جحد هذا الجنس من منكري القياس وأصحاب الظاهر لم يخف فساد كلامه الإجتهاد الثالث في تخريج مناط الحكم واستنباطه مثاله أن يحكم بتحريم في محل ولا يذكر إلا الحكم والمحل ولا يتعرض لمناط الحكم وعلته كتحريم شرب الخمر والربا في البر فنحن نستنبط المناط بالرأي والنظر فنقول حرمه لكونه مسكرا وهو العلة ونقيس عليه النبيذ وحرم الربا في البر لكونه مطعوما ونقيس عليه الأرز والزبيب ويوجب العشر في البر فنقول أوجبه لكونه قوتا
فنلحق به الأقوات أو لكونه نبات الأرض وفائدتها فنلحق به الخضراوات وأنواع النبات فهذا هو الاجتهاد القياسي الذي عظم الخلاف فيه وأنكره أهل الظاهر وطائفة من معتزلة بغداد وجميع الشيعة والعلة المستنبطة أيضا عندنا لا يجوز التحكم بها بل قد تعلم بالإيماء وإشارة النص فتلحق بالمنصوص وقد تعلم بالسير حيث يقوم دليل على وجوب التعليل وتنحصر الأقسام في ثلاثة مثلا ويبطل قسمان فيتعين الثالث فتكون العلة ثابتة بنوع من الاستدلال فلا تفارق تحقيق المناط وتنقيح المناط وقد يقوم الدليل على كون الوصف المستنبط مؤثرا بالإجماع فيلحق به ما لا يفارقه إلا فيما لا مدخل له في التأثير كقولنا الصغير يولي عليه في ماله لصغره فيلحق بالمال البضع إذ ثبت بالإجماع تأثير الصغر في جلب الحكم ولا يفارق البضع المال في معنى مؤثر في الحكم فكل ذلك استدلال قريب من القسمين الأولين والقسم الأول متفق عليه والثاني مسلم من الأكثرين هذا شرح المقدمتين ولنشرع الآن في الأبواب الباب الأول في إثبات القياس على منكريه وقد قالت الشيعة وبعض المعتزلة يستحيل التعبد بالقياس عقلا وقال قوم في مقابلتهم يجب التعبد به عقلا وقال قوم لا حكم للعقل فيه بإحالة ولا إيجاب ولكنه في مظنة الجواز ثم اختلفوا في وقوعه فأنكر أهل الظاهر وقوعه بل ادعوا حظر الشرع له والذي ذهب إليه الصحابة رضي الله عنهم بأجمعهم وجماهير الفقهاء والمتكلمين بعدهم رحمهم الله وقوع التعبد به شرعا ففرق المبطلة له ثلاث المحيل له عقلا والموجب له عقلا والحاظر له شرعا فنفرض على كل فريق مسألة ونبطل عليهم خيالهم ونقول للمحيل للتعبد به عقلا بم عرفت إحالته بضرورة أو نظر ولا سبيل إلى دعوى شيء من ذلك ولهم مسالك الأول قولهم كلما نصب الله تعالى دليلا قاطعا على معرفته فلا نحيل التعبد به إنما نحيل التعبد بما لا سبيل إلى معرفته لأن رحم الظن جهل ولا صلاح للخلق في إقحامهم ورطة الجهل حتى يتخبطوا فيه ويحكموا بما لا يتحققون أنه حكم الله بل يجوز أنه نقيض حكم الله تعالى فهذا أصلان أحدهما أن الصلاح واجب على الله تعالى والثاني أنه لا صلاح في التعبد بالقياس ففي أيهما النزاع والجواب إننا ننازعكم في الأصلين جميعا أما إيجاب صلاح العباد على الله تعالى فقد أبطلناه فلا نسلم وإن سلمنا فقد جوز التعبد بالقياس بعض من أوجب الصلاح وقال لعل الله تعالى علم لطفا بعباده في الرد إلى القياس لتحمل كلفة الاجتهاد وكد القلب والعقل في الاستنباط لنيل الخيرات الجزيلة يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات المجادلة 11 وتجشم القلب بالفكر لا يتقاعد عن تجشم البدن بالعبادات فإن قيل كان الشارع قادرا على أن يكفيهم بالتنصيص كلمات الظن وذلك أصلح قلنا من أوجب الصلاح لا يوجب الأصلح ثم لعل الله تعالى علم من عباده أنه لو نص على جميع التكاليف لبقوا وعصوا وإذا فرض إلى رأيهم انبعث حرصهم لاتباع اجتهادهم وظنونهم ثم نقول أليس قد أقحمهم ورطة الجهل في الحكم بقول الشاهدين والاستدلال على القبلة وتقدير المثل والكفايات في النفاقات والجنايات وكل ذلك ظن وتخمين فإن قيل ما تعبد القاضي بصدق الشاهدين فإن ذلك لا يقدر عليه بل أوجب الحكم عليه عند ظن الصدق وأوجب استقبال جهة يظن أن القبلة فيها لا استقبال القبلة قلنا وكذلك تعبد المجتهد بأن يحكم بشهادة الأصل للفرع إذا غلب على ظنه دلالته عليه وشهادته له ولا تكليف عليه في تحقيق تلك الشهادة بل هو مكلف بظنه وإن فسدت الشهادة كما كلف الحاكم الحكم بظنه وإن كان كذب الشهود ممكنا ولا فرق ولذلك نقول كل مجتهد مصيب والخطأ محال إذ يستحيل أن يكلف إصابة ما لم ينصب عليه دليل قاطع وما ذكروه إنما يشكل على من يقول المصيب واحد وتحقيقه أنه لو قال الشارع حرمت كل مسكر أو حرمت الخمر لكونه مسكرا لم يكن التعبد به ممتنعا فلو قال متى حرمت الربا في البر فأسيروا حاله وقسموا صفاته فإن غلب على ظنكم بإمارة أني حرمته لكونه قوتا وحرمت الخمر لكونه مسكرا فقد حرمت عليكم كل قوت وكل مسكر ومن غلب على ظنه أني حرمته لكونه مكيلا فقد حرمت عليه كل مكيل لم يكن بين هذا وبين قوله إذا اشتبهت عليكم القبلة فكل جهة غلب على ظنكم أن القبلة فيها فاستقبلوها فرق حتى لو غلب جهتان على ظن رجلين فيكون كل واحد مصيبا وكما لم يمتنع أن يلحق ظن القبلة بمشاهدتها وظن صدق العدل بتحقيق صدق الرسول المؤيد بالمعجزة وصدق الراوي الواحد بتحقيق صدق التواتر فكذلك لا يمتنع أن يلحق ظن ارتباط الحكم بمناط بتحقيق ارتباطه به بالنص الصريح فإن قيل فأي مصلحة في تحريم الربا في البر لكونه مكيلا أو قوتا أو مطعوما قلنا ومن أوجب الأصلح لم يشترط كون المصلحة مكشوفة للعباد وأي مصلحة في تقدير المغرب ثلاث ركعات والصبح بركعتين وفي تقدير الحدود والكفارات ونصب الزكوات بمقادير مختلفة لكن علم الله تعالى في التعبد لطفا استأثر بعلمه يقرب العباد بسببه من الطاعة ويبعدون به عن المعصية وأسباب الشقاوة حتى لو أضاف الحكم إلى اسم مجرد ثبت واعتقدنا فيه لطفا ندركه فكيف لا يتصور ذلك في الأوصاف الشبهة الثانية قولهم لا يستقيم قياس إلا بعلة والعلة ما توجب الحكم لذاتها وعلل الشرع ليست كذلك فكيف يستقيم التعليل مع أن ما نصب علة للتحريم يجوز أن يكون علة للتحليل قلنا لا معنى لعلة الحكم إلا علامة منصوبة على الحكم ويجوز أن ينصب الشرع السكر علامة لتحريم الخمر ويقول اتبعوا هذه العلامة واجتنبوا كل مسكر ويجوز أن ينصبه علامة للتحليل أيضا ويجوز أن يقول من ظن أنه علامة للتحليل فقد حللت له كل مسكر ومن ظن أنه علامة للتحريم فقد حرمت عليه كل مسكر حتى يختلف المجتهدون في هذه الظنون وكلهم مصيبون
الشبهة الثالثة قولهم حكم الله تعالى خبره ويعرف ذلك بتوقيف فإذا لم يخبر الله عن حكم الزبيب فكيف يقال حكم الله في الزبيب التحريم والنص لم ينطق إلا بالأشياء الستة قلنا إذا قال الله تعالى قد تعبدتكم بالقياس فإذا ظننتم أني حرمت الربا في البر لكونه مطعوما فقيسوا عليه كل مطعوم فيكون هذا خبرا عن حكم الزبيب وما لم يقم دليل على التعبد بالقياس لا يجوز القياس عندنا فالقياس عندنا حكم بالتوقيف المحض كما قررناه في كتاب أساس القياس لكن هذا النص بعينه وإن لم يرد فقد دل إجماع الصحابة على القياس على أنهم ما فعلوا ذلك إلا وقد فهموا من الشارع هذا المعنى بألفاظ وقرائن وإن لم ينقلوها إلينا الشبهة الرابعة قولهم إذا اشتبهت رضيعة بعشر أجنبيات أو ميتة بعشر مذكيات لم يجز مد اليد إلى واحدة وإن وجدت علامات لأمكان الخطأ والخطأ ممكن في كل اجتهاد وقياس فكيف يجوز الهجوم مع إمكان الخطأ ولا يلزم هذا على الاجتهاد في القبلة وعدالة الشاهد والقاضي والإمام ومتولي الأوقاف لمعنيين أحدهما أن ذلك حكم في الأشخاص والأعيان ولا نهاية لها ولا يمكن تعريفها بالنص والثاني أن الخطأ فيه غير ممكن لأنهم متعبدون بظنونهم لا بصدق الشهود قلنا وكذلك نحن نعترف بأنه لا خلاص عن هذا الإشكال إلا بتصويب كل مجتهد وأن المجتهد وإن خالف النص فهو مصيب إذ لم يكلف إلا بما بلغه فالخطأ غير ممكن في حقه أما من ذهب إلى أن المصيب واحد فيلزمه هذا الإشكال وأما اختلاط الرضيعة بأجنبيات فلسنا نسلم أن المانع مجرد إمكان الخطأ فإنه لو شك في رضاع امرأة حل له نكاحها والخطأ ممكن لكن الشرع إنما أباح نكاح امرأة يعلم أنها أجنبية بيقين وحكم أن اليقين لا يندفع بالشك الطارىء أما إذا تعارض يقينان وهو يقين التحريم والتحليل فليس ذلك في معنى اليقين الصافي عن المعارضة ولا في معنى اليقين الذي لم يعارضه إلا الشك المجرد فلم يلحق به اتباعا لموجب الدليل ولو ورد الشرع بالرخصة فيه لم يكن ذلك ممتنعا مسألة ( القائلين بوجوب القياس عقلا ) الذين ذهبوا إلى أن التعبد بالقياس واجب عقلا متحكمون فمطالبون بالدليل ولهم شبهتان الأولى أن الأنبياء مأمورون بتعميم الحكم في كل صورة والصور لا نهاية لها فكيف تحيط النصوص بها فيجب ردهم إلى الاجتهاد ضرورة فنقول هذا فاسد لأن الحكم في الأشخاص التي ليست متناهية إنما يتم بمقدمتين كلية كقولنا كل مطعوم ربوي وجزئية كقولنا هذا النبات مطعوم أو الزعفران مطعوم وكقولنا كل مسكر حرام وهذا الشراب بعينه مسكر وكل عدل مصدق وزيد عدل وكل زان مرجوم وماعز قد زنى فهو إذا مرجوم والمقدمة الجزئية هي التي لا تتناهى مجاريها فيضطر فيها إلى الاجتهاد لا محالة وهو اجتهاد في تحقيق مناط الحكم وليس ذلك بقياس أما المقدمة الكلية فتشتمل على مناط الحكم وروابطه وذلك يمكن التنصيص عليه بالروابط الكلية كقوله كل مطعوم ربوي بدلا عن قوله لا تبيعوا البر بالبر وكقوله كل مسكر حرام بدلا عن قوله حرمت الخمر وإذا أتى بهذه الألفاظ العامة وقع الاستغناء عن استنباط مناط الحكم واستغنى عن القياس هذا مع أنه يمكن منازعة هذا القائل بأنه لم يجب استيعاب جميع الصور بالحكم ولم يستحيل خلو بعضها عن الحكم فإنه في المقدمة الجزئية أيضا يمكن أن يراد فيه إلى اليقين فيقال من تيقنتم صدقة وما تيقنتم كونه مطعوما أو مسكرا فاحكموا به وما لم تتيقنوا به فاتركوه على حكم الأصل إلا أن هذا لا يجري في جميع الجزئيات لأنه لا سبيل إلى تيقين صدق الشهود وعدالة القضاة والولاة ولا سبيل إلى تعطيل الأحكام وكذلك لا سبيل إلى تقدير متيقن في كفاية الأقارب وأروش المتلفات فإن التكثير فيه إلى حصول اليقين ربما يضر بجانب الموجب عليه كما يضر التقليل بجانب الموجب له فالاجتهاد في تحقيق مناط الحكم ضرورة أما في تخريج المناط وتنقيح المناط فلا
الثانية قولهم إن العقل كما دل على العلل العقلية دل على العلل الشرعية فإنها تدرك بالعقل ومناسبة الحكم مناسبة عقلية مصلحة يتقاضى العقل ورود الشرع بها وهذا فاسد لأن القياس إنما يتصور لخصوص النص ببعض مجاري الحكم وكل حكم قدر خصوصه فتعميمه ممكن فلو عم لم يبق للقياس مجال وما ذكروه من قياس العلة الشرعية بالعلة العقلية خطأ لأن من العلل ما لا يناسب وما تناسب لا توجب الحكم لذاتها بل يجوز أ يتخلف الحكم عنها فيجوز أن لا يحرم المسكر وأن لا يوجب الحد بالزنا والسرقة وكذا سائر العلل والأسباب مسألة ( الرد على منكري الاجتهاد ) في الرد على من حسم سبيل الاجتهاد بالظن ولم يجوز الحكم في الشرع إلا بدليل قاطع كالنص وما يجري مجراه فأما الحكم بالرأي والاجتهاد فمنعوه وزعموا أنه لا دليل عليه وإنما الرد عليهم بإظهار الدليل وما عندي أن أحدا ينازع في الاجتهاد في تحقيق مناط الحكم فلا تصرف الزكاة إلا إلى فقير ويعلم فقره بأمارة ظنية ولا يحكم إلا بقول عدل وتعرف عدالته بالظن وكذلك الاجتهاد في الوقت والقبلة وأروش الجنايات وكفاية القريب وإن اعتذروا عن جميع ذلك بأن كل عبد مأمور باتباع ظنه في ذلك موجود قطعا والحكم عند الظن واجب قطعا فنحن كذلك نقول في سائر الاجتهادات وإن اعتذروا عن ذلك بأن ذلك ضرورة فإنما نزاعنا في معرفة مناط الأحكام بالرأي والاجتهاد فيستدل على ذلك بإجماع الصحابة على الحكم بالرأي والاجتهاد في كل واقعة وقعت لهم ولم يجدوا فيها نصا وهذا مما تواتر إلينا عنهم تواترا لا شك فيه فننقل من ذلك بعضه وإن لم يمكن نقل الجميع فمن ذلك حكم الصحابة بإمامة أبي بكر رضي الله عنه بالاجتهاد مع انتفاء النص ونعلم قطعا بطلان دعوى النص عليه وعلى علي وعلى العباس إذ لو كان لنقل ولتمسك به المنصوص عليه ولم يبق للمشورة مجال حتى ألقى عمر رضي الله عنه الشورى بين ستة وفيهم علي رضي الله عنه فلو كان منصوصا عليه وقد استصلحه له فلم تردد بينه وبين غيره ومن ذلك قياسهم العهد على العقد إذ ورد في الأخبار عقد الإمامة بالبيعة ولم ينص على واحد وأبو بكر عهد إلى عمر خاصة ولم يرد فيه نص ولكن قاسوا تعيين الإمام على تعيين الأمة لعقد البيعة فكتب أبو بكر هذا ما عهد أبو بكر ولم يعترض عليه أحد ومن ذلك رجوعهم إلى اجتهاد أبي بكر ورأيه في قتال ما نعى الزكاة حتى قال عمر فكيف تقاتلهم وقد قال عليه السلام أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها فقالأبو بكر ألم يقل إلا بحقها فمن حقها إيتاء الزكاة كما أن من حقها إقام الصلاة فلا أفرق بين ما جمع الله والله لو منعوني عقالا مما أعطوا النبي عليه السلام لقاتلتهم عليه وبنو حنيفة الممتنعون من الزكاة جاؤوا إلى أبي بكر رضي الله عنه متمسكين بدليل أصحاب الظاهر في اتباع النص وقالوا إنما أمر النبي عليه السلام بأخذ الصدقات لأن صلاته كانت سكنا لنا وصلاتك ليست بسكن لنا إذ قال الله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم التوبة 103 فأوجبوا تخصيص الحكم بمحل النص وقاس أبو بكر والصحابة خليفة الرسول على الرسول إذ الرسول إنما كان يأخذ للفقراء لا لحق نفسه والخليفة نائب في استيفاء الحقوق ومن ذلك ما أجمعوا عليه من طريق الاجتهاد بعد طول التوقف فيه ككتب المصحف وجمع القرآن بين الدفتين فاقترح عمر ذلك أولا على أبي بكر فقال كيف أفعل ما لم يفعله النبي عليه السلام حتى شرح الله له صدر أبي بكر وكذلك جمعه عثمان على ترتيب واحد بعد أن كثرت المصاحف مختلفة الترتيب ومن ذلك إجماعهم على الاجتهاد في مسألة الجد والأخوة على وجوه مختلفة مع قطعهم بأنه لا نص في المسألة التي قد أجمعوا على الاجتهاد فيها وننقل الآن من أخبارهم ما يدل على قولهم بالرأي فمن ذلك قول أبي بكر لما سئل عن الكلالة أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان الكلالة ما عدا الوالد والولد ومن ذلك أنه ورث أم الأم دون أم الأب فقال له بعض الأنصار لقد ورثت امرأة من ميت لو كانت هي الميتة لم يرثها وتركت امرأة لو كانت هي الميتة ورث جميع ما تركت فرجع إلى الاشتراك بينهما في السدس
ومن ذلك حكمه بالرأي في التسوية في العطاء فقال عمر لا نجعل من ترك دياره وأمواله مهاجرا إلى النبي عليه السلام كمن دخل في الإسلام كرها فقال أبو بكر إنما أسلموا الله وأجورهم على الله وإنما الدنيا بلاغ ولما انتهت الخلافة إلى عمر فرق بينهم ووزع على تفاوت درجاتهم واجتهاد أبي بكر أن العطاء إذا لم يكن جزاء على طاعتهم لم يختلف باختلافها واجتهاد عمر أنه لولا الإسلام لما استحقوها فيجوز أن يختلفوا وأن يجعل معيشة العالم أوسع من معيشة الجاهل ومن ذلك قول عمر رضي الله عنه أقضي في الجد برأيي وأقول فيه برأيي وقضى بآراء مختلفة وقوله من أحب أن يقتحم جراثيم جهنم فليقض في الجد برأيه أي الرأي العاري عن الحجة وقال لما سمع الحديث في الجنين لولا هذا لقضينا فيه برأينا ولما قيل في مسألة المشتركة هب أن أبانا كان حمارا ألسنا من أم واحدة أشرك بينهم بهذا الرأي ومن ذلك أنه قيل لعمر إن سمرة أخذ من تجار اليهود الخمر في العشور وخللها وباعها فقال قاتل الله سمرة أما علم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها فقاس عمر الخمر على الشحم وأن تحريمها تحريم لثمنها وكذلك جلد أبا بكرة لما لم يكمل نصاب الشهادة مع أنه جاء شاهدا في مجلس الحكم لا قاذفا لكنه قاسه على القاذف وقال علي رضي الله عنه اجتماع رأيي ورأي عمر في أم الولد أن لا تباع ورأيت الآن بيعهن فهو تصريح بالقول بالرأي وكذلك عهد عمر إلى أبي موسى الأشعري أعرف الأشباه والأمثال ثم قس الأمور برأيك ومن ذلك قول عثمان لعمر رضي الله عنهما في بعض الأحكام إن اتبعت رأيك فرأيك أسد وإن تتبع رأي من قبلك فنعم الرأي كان فلو كان في المسألة دليل قاطع لما صوبهما جمعا وقال عثمان وعلي رضي الله عنهما في الجمع بين الأختين المملوكتين أحلتهما آية وحرمتهما آية وقضى عثمان بتوريث المبتوتة بالرأي ومن ذلك قول علي رضي الله عنه في حد الشرب من شرب هذي ومن هذي افترى فأرى عليه حد المفتري وهو قياس للشرب على القذف لأنه مظنة القذف التفاتا إلى أن الشرع قد ينزل مظنة الشيء منزلته كما أنزل النوم منزلة الحدث والوطء في إيجاب العدة منزلة حقيقة شغل الرحم ونظائره ومن ذلك قول ابن مسعود في المفوضة برأيه بعد أن استمهل شهرا وكان ابن مسعود يوصي من يلي القضاء بالرأي ويقول الأمر في القضاء بالكتاب والسنة وقضايا الصالحين فإن لم يكن شيء من ذلك فاجتهد رأيك ومن ذلك قول معاذ بن جبل للنبي صلى الله عليه وسلم أجتهد رأيي عند فقد الكتاب والسنة فزكاة النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك قول ابن عباس لمن قضى بتفاوت الدية في الأسنان لاختلاف منافعها كيف لم يعتبروا بالأصابع وقال في العول من شاء باهلته الحديث ولما سمع نهيه عن بيع الطعام قبل أن يقبض قال لا أحسب كل شيء إلا مثله وقال في المتطوع إذا بدا له الإفطار أنه كالمتبرع أراد التصدق بمال فتصدق ببعضه ثم بدا له ومن ذلك قول زيد في الفرائض والحجب وميراث الجد ولما ورث زيد ثلث ما بقي في مسألة زوج وأبوين قال ابن عباس أين وجدت في كتاب الله ثلث ما بقي فقال زيد أقول برأيي وتقول برأيك فهذا وأمثاله مما لا يدخل تحت الحصر مشهور وما من مفت إلا وقد قال بالرأي ومن لم يقل فلانه أغناه غيره عن الاجتهاد ولم يعترض عليهم في الرأي فانقعد اجماع قاطع على جواز القول بالرأي
وجه الاستدلال أنه في هذه المسائل التي اختلفوا واجتهدوا فيها فلا يخلوا إما أن يكون فيها دليل قاطع لله على حكم معين أو لم يكن فإن لم يكن وقد حكموا بما ليس بقاطع فقد ثبت الاجتهاد وإن كان فمحال إذ كان يجب على من عرف الدليل القاطع أن لا يكتمه ولو أظهره وكان قاطعا لما خالفه أحد ولو خالفه لوجب تفسيقه وتأثيمه ونسبته إلى البدعة والضلال ولوجب منعه من الفتوى ومنع العامة من تقليده هذا أقل ما يجب فيه إن لم يجب قتله وقد قال به قوم وإن كنا لا نراه وعلى الجملة فلو كان فيها دليل قاطع لكان المخالف فاسقا وكان المحق بالسكوت عن المخالف وترك دعوته إلى الحق فاسقا فيعم الفسق جميع الصحابة بل يعم العباد جميعهم وليس هذا كالعقليات فإن أدلتها غامضة قد لا يدركها بعض الخلق فلا يكون معاندا أما القاطع الشرعي فهو نص ظاهر وقد قال أهل الظاهر إنما يحكم بنص منطوق به أو بدليل ظاهر فيما ليس منطوقا به لا يحتمل التأويل كقوله تعالى وورثه أبواه فلأمه الثلث النساء 11 فمعقول هذا أن لأبيه الثلثين وقوله تعالى فاسعوا إلى ذكر الله الجمعة 9 فمعقوله تحريم التجارة والجلوس في البيت وقوله ولا تظلمون فتيلا النساء 77 و فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الزلزلة 7 و فلا تقل لهما أف الإسراء 23 فلم يرخص في الحكم في المسكوت عنه إلا في هذا الجنس ولا يخفى هذا على عامي فكيف خفي على الصحابة رضي الله عنهم مع جلالة قدرهم حتى نشأ الخلاف بينهم في المسائل هذا تمهيد الدليل وتمامه بدفع الاعتراضات وقد يعترض الخصم عليه تارة بإنكار كون الإجماع حجة وهو قول النظام وقد فرغنا من إثباته وتارة بإنكار تمام الإجماع في القياس من حيث أن ما ذكرناه منقول عن بعضهم وليس للباقين إلا السكوت وقد نقلوا عن بعضهم إنكار الرأي وتارة يسلمون السكوت لكن حملوه على المجاملة في ترك الاعتراض لا على الموافقة في الرأي وتارة يقرون بالإجماع ولا يكترثون بتفسيق الصحابة وتارة يردون رأيهم إلى العمومات ومقتضى الألفاظ وتحقيق مناط الحكم دون القياس فهذه مدارك اعتراضتهم وهي خمسة الاعتراض الأول قال الجاحظ حكاية عن النظام إن الصحابة لو لزموا العمل بما أمروا به ولم يتكلفوا ما كفوا القول فيه من أعمال الرأي والقياس لم يقع بينهم التهارج والخلاف ولم يسفكوا الدماء لكن لما عدلوا عما كلفوا وتخيروا وتآمروا وتكلفوا القول بالرأي جعلوا الخلاف طريقا وتورطوا فيما كان بينهم من القتل والقتال وكذلك الرافضة بأسرهم زعموا أن السلف بأسرهم تآمروا وغصبوا الحق أهله وعدلوا عن طاعة الإمام المعصوم المحيط بجميع النصوص المحيطة بالأحكام إلى القيامة فتورطوا فيما شجر بينهم من الخلاف وهذا اعتراض من عجز عن إنكار اتفاقهم على الرأي ففسق وضل ونسبهم إلى الصلال ويدل على فساد قوله ما دل على أن الأمة لا تجتمع على الخطأ وما دل على منصب الصحابة رضوان الله عليهم من ثناء القرآن والأخبار عليهم كما تتركز في كتاب الإمامة وكيف يعتقد العاقل القدح فمن أثنى الله ورسوله عليهم بقول مبتدع مثل النظام
الاعتراض الثاني قولهم لا يصح الرأي والقياس إلا من بعضهم وكذلك السكوت لا يصح إلا من بعضهم فإن فيهم من لم يخض في القياس وفيهم من لم يسكت عن الاعتراض قال النظام فيما حكاه الجاحظ عنه إنه لم يخض في القياس إلا نفر يسير من قدمائهم كأبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل ونفر يسير من أحداثهم كابن مسعود وابن عباس وابن الزبير ثم شرع في ثلب العبادلة وقال كأنهم كانوا أعرف بأحوال النبي عليه السلام من آبائهم وأثنى على العباس والزبير إذ تركا القول بالرأي ولم يشرعا وقال الداودية لا نسلم سكوت جميعهم عن إنكار الرأي والتخطئة فيه إذ قال أبو بكر أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي وقال أقول في الكلالة برأيي فإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان وقالعلي لعمر رضي الله عنهما في قصة الجنين إن اجتهدوا فقد أخطأوا وإن لم يجتهدوا فقد غشوا وقالت عائشة رضي الله عنها أخبروا زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب لفتواه بالرأي في مسألة العينة وقال ابن عباس من شاء باهلته إن الله لم يجعل في المال النصف والثلثين وقال ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أبا الأب أبا وقال ابن مسعود في مسألة المفوضة إن يك خطأ فمني ومن الشيطان وقال عمر إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا وقال علي وعثمان رضي الله عنهما لو كان الدين بالرأي لكان المسح على باطن الخف أولى من ظاهره وقال عمر رضي الله عنه اتهموا الرأي على الدين فإن الرأي منا تكلف وظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا وقال أيضا إن قوما يفتون بآرائهم ولو نزل القرآن لنزل بخلاف ما يفتون وقال ابن مسعود قراؤكم وصلحاؤكم يذهبون ويتخذ الناس رؤساء جهالا يقيسون ما لم يكن بما كان وقال أيضا إن حكمتم في دينكم بالرأي أحللتم كثيرا مما حرمه الله وحرمتم كثيرا مما أحله الله وقال ابن عباس إن الله لم يجعل لأحد أن يحكم في دينه برأيه وقال الله تعالى لنبيه عليه السلام لتحكم بين الناس بما أراك الله النساء 105 ولم يقل بما رأيت وقال إياكم والمقاييس فما عبدت الشمس إلا بالمقاييس وقال ابن عمر ذروني من أرأيت وأرأيت وكذلك أنكر التابعون القياس قال الشعبي ما أخبروك عن أصحاب أحمد فأقبله وما أخبروك عن رأيهم فألقه في الجش أن السنة لم توضع بالمقاييس وقال مسروق بن الأجدع لا أقيس شيئا بشيء أخاف أن تزل قدم بعد ثبوتها والجواب من أوجه الأول أنا بينا بالقواطع من جميع الصحابة الاجتهاد والقول بالرأي والسكوت عن القائلين به وثبت ذلك بالتواتر في وقائع مشهورة كميراث الجد والأخوة وتعيين الإمام بالبيعة وجمع المصحف والعهد إلى عمر الخلافة وما لم يتواتر كذلك فقد صح من آحاد الوقائع بروايات صحيحة لا ينكرها أحد من الأمة ما أورث علما ضروريا بقولهم بالرأي وعرف ذلك ضرورة كما عرف سخاء حاتم وشجاعة علي فجاوز الأمر حدا يمكن التشكك في حكمهم بالاجتهاد وما نقلوه بخلافه فأكثرها مقاطيع ومروية عن غير ثبت وهي بعينها معارضة برواية صحيحة عن صاحبها بنقيضه فكيف يترك المعلوم ضرورة بما ليس مثله ولو تساوت في الصحة لوجب إطراح جميعها والرجوع إلى ما تواتر مشاورة الصحابة واجتهادهم
الثاني أنه لو صحت هذه الروايات وتواترت أيضا لوجب الجمع بينها وبين المشهور من اجتهاداتهم فيحمل ما أنكروه على الرأي المخالف للنص أو الرأي الصادر عن الجهل الذي يصدر ممن ليس أهلا للاجتهاد أو وضع الرأي في غير محله والرأي الفاسد الذي لا يشهد له أصل ويرجع إلى محض الاستحسان ووضع الشرع ابتداء من غير نسخ على منوال سابق وفي ألفاظ روايتهم ما يدل عليه إذ قال اتخذ الناس رؤساء جهالا وقال لو قالوا بالرأي لحرموا الحلال وأحلوا الحرام فإذا القائلون بالقياس مقرون بإبطال أنواع من الرأي والقياس والمنكرون للقياس لا يقرون بصحة شيء منه أصلا ونحن نقر بفساد أنواع من الرأي والقياس كقياس أصحاب الظاهر إذا قالوا الأصول لا تثبت قياسا فلتكن الفروع كذلك ولا تثبت الأصول بالظن فكذلك الفروع وقالوا لو كان في الشريعة علة لكانت كالعلة العقلية فقاسوا الشيء بما لا يشبهه فإذا إن بطل كل قياس فليبطل قياسهم ورأيهم في إبطال القياس أيضا وذلك يؤدي إلى إبطال المذهبين الاعتراض الثالث أن دليل الإجماع إنما تم بسكوت الباقين وإن ذلك لو كان باطلا لأنكروه فنقول لعلهم سكتوا على سبيل المجاملة والمصالحة خيفة من ثوران فتنة النزاع أو سكتوا عن إظهار الدليل لخفائه والدليل عليه أن مسائل الأصول فيها قواطع وقد اختلف الأصوليون في صيغة الأمر وصيغة العموم والمفهوم واستصحاب الحال وأفعال النبي عليه السلام بل في أصل خبر الواحد وأصل القياس وأصل الأجماع وفي هذه المسائل أدلة قاطعة عندكم في النفي والإثبات ولم ينقل عن الصحابة والتابعين التأثيم والتفسيق فيها والجواب أن حمل سكوتهم على المجاملة والمصالحة واتقاء الفتنة محال لأنهم اختلفوا في المسائل وتناظروا وتحاجوا ولم يتجاملوا ثم افترقت بهم المجالس عن اجتهادات مختلفة ولم ينكر بعضهم على بعض ولو كان ذلك بالغا مبلغا قطعيا لبادروا إلى التأثيم والتفسيق كما فعلوا بالخوارج والروافض والقدرية وكل من عرف بقاطع فساد مذهبهم وأما سكوتهم لخفاء الدليل فمحال فإن قول القائل لغيرة لست شارعا ولا مؤذونا من جهة الشارع فلم تضع أحكام الله برأيك ليس كلاما خفيا عجز عن دركه الإفهام وكل من قاس بغير إذن فقد شرع فلولا علمهم حقيقة بالأذن لكانوا ينكرون على من يسامي رسول الله صلى الله عليه وسلم في وضع الشرع واختراع الأحكام وأما ما ذكروه من مسائل الأصول فليس بين الصحابة خلاف في صحة القياس ولا في خبر الواحد ولا في الإجماع بل أجمعوا عليه وبإجماعهم تمسكنا في هذه القواعد وأما العموم والمفهوم وصيغة الأمر فقلما خاضوا في هذه المسائل بتجريد النظر فيما خوض الأصوليين ولكن كانوا يتمسكون في مناراتهم بالعموم والصيغة ولم يذكروا أنا نتمسك بمجرد الصيغة من غير قرينة بل كانت القرائن المعرفة للأحكام المتقرنة بالصيغ في زمانهم غضة طرية متوافرة متظاهرة فما جردوا النظر في هذه المسائل كيف وقد قال بعض الفقهاء ليس في هذه المسائل سوى خبر الواحد وأصل القياس والإجماع أدلة قاطعة بل هي في محل الاجتهاد فمن سلك هذا الطريق اندفع عنه الإشكال وإن لم يكن هذا مرضيا عند المحققين من الأصوليين فإن هذه أصول الأحكام فلا ينبغي أن تثبت إلا بقاطع لكن الصحابة لم يجردوا النظر فيها وبالجملة من اعتقد في مسألة دليلا قاطعا فلا يسكت عن تعصية مخالفة وتأثيمه كما سبق في حق الخوارج والروافض والقدرية
الاعتراض الرابع قولهم إن ما ذكرتموه نقل للحكم بالظن والاجتهاد فلعلهم عولوا فيه على صيغة عموم وصيغة أمر واستصحاب حال ومفهوم لفظ واستنباط معنى صيغة من حيث الوضع واللغة في جمع بين آيتين وخبرين وصحة رد مقيد إلى مطلق وبناء عام على خاص وترجيح خبر على خبر وتقرير على حكم العقل الأصلي وما جاوز هذا كان اجتهادهم في تحقيق مناط الحكم لا في تنقيحه واستنباطه والحكم إذا صار معلوما بضابط فتحقيق الضابط في كل محل يحتاج إلى اجتهاد لا ننكره فقد علموا قطعا أنه لا بد من إمام وعلموا أن الأصلح ينبغي أن يقدم وعرفوا بالاجتهاد الأصلح إذ لا بد منه ولا سبيل إلى معرفته إلا بالاجتهاد وعرفوا أن حفظ القرآن عن الاختلاط والنسيان واجب قطعا وعلموا أنه لا طريق إلى حفظه إلا الكتبة في المصحف فهذه أمور علقت على المصلحة نصا وإجماعا ولا يمكن تعيين المصلحة في الأشخاص والأحوال إلا بالاجتهاد فهو من قبيل تحقيق المناط للحكم وما جاوز هذا من تشبيه مسألة بمسألة واعتبارها بها كان ذلك في معرض النقض بخيال فاسد لا في معرض اقتباس الحكم كقول ابن عباس في دية الأسنان كيف لم يعتبروا بالأصابع إذ عللوا اختلاف دية الأسنان باختلاف منافعها وذلك منقوض بالأصابع ونحن لا ننكر أن النقض من طرق إفساد القياس وإن كان القياس فاسدا بنفسه أيضا وكذلك قول علي أيضا أرأيت لو اشتركوا في السرقة حيث توقف عمر عن قتل سبعة بواحد فإنه لما تخيل كون الشركة مانعا بنوع من القياس نقضه علي بالسرقة فإذا ليس في شيء مما ذكرتموه ما يصحح القياس أصلا والجواب أن هذا اعتراف بأنه لا حاجة في الحكم إلى دليل قاطع وأن الحكم بالظن جائز والإنصاف الاعتراف بأنه لو لم يثبت إلا هذا النوع من الظن لكنا لا نقيس ظن القياس على ظن الاجتهاد في مفهوم الألفاظ وتحقيق مناط الأحكام إذ يجوز أن يتعبد بنوع من الظن دون نوع ولكن بان لنا على القطع أن اجتهاد الصحابة لم يكن مقصورا على ما ذكروه بل جاوزوا ذلك إلى القياس والتشبيه وحكموا بأحكام لا يمكن تصحيح ذلك إلا بالقياس تعليل النص وتنقيح مناط الحكم وذلك كعهد أبي بكر إلى عمر رضي الله عنهما فإنه قاس العهد على العقد بالبيعة وقياس أبي بكر الزكاة على الصلاة في قتال من منع الزكاة ورجوع أبي بكر إلى توريث أم الأب قياسا على أم الأم وقياس عمر الخمر على الشحم في تحريم ثمنه وقياسه الشاهد على القاذف في حد أبي بكرة وتصريح علي بالقياس على الإفتراء في حد الشرب ولسنا نعني بالقياس إلا هذا الجنس وهو معلوم منهم ضرورة في وقائع لا تحصى ولا تنحصر ولنعين مسألتين مشهورتين نقلنا على التواتر وهي مسألة الجد والأخوة ومسألة الحرام أما في قوله أنت علي حرام ألحقه بعضهم بالظهار وبعضهم بالطلاق وبعضهم باليمين وكل ذلك قياس وتشبيه في مسألة لا نص فيها إذ النص ورد في المملوكة في قوله تعالى يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك التحريم 1 والنزاع وقع في المنكوحة فكان من حقهم أن يقولوا هذه لفظة لا نص في النكاح فلا حكم لها ويبقى الحل والملك مستمرا كما كان لأن قطع الحل والملك أو إيجاب الكفارة يعرف بنص أو ياس على منصوص ولا نص والقياس باطل فلا حكم فلم قاسوا المنكوحة على الأمة ولم قاسوا هذا اللفظ على لقظ الطلاق وعلى لفظ الظهار وعلى لفظ اليمين ولم يقل أحد من الصحابة قد أغناكم الله عن إثبات حكم في مسألة لا نص فيها وكذلك الجد وحده عصبة بالنص والأخ وحده عصبة ولا نص عند الاجتماع فقضوا حيث لا نص بقضايا مختلفة وصرحوا بالتشبيه بالحوضين والخليجين وصرح من قدم الجد وقال ابن الابن ابن فليكن أبو الأب أبا وصرح من سوى بينهما بأن الأخ يدلي بالأب والجد أيضا يدلي به والمدلي به واحد والإدلاء مختلف فقاسوا الإدلاء بجهة الأبوة على الإدلاء بجهة البنوة مع أن البنوة قد تفارق الأبوة في أحكام وكذلك قال زيد في مسألة زوج وأبوين للأم ثلث ما بقي فقال ابن عباس أين رأيت في كتاب الله تعالى ثلث ما بقي فقال أقول برأيي وتقول برأيك فزيد قاس حال وجود الزوج على ما إذا لم يكن زوج
إذ يكون للأب ضعف ما للأم فقال نقدر كأن الباقي بعد الزوج والزوجة كل المال ونقدر كأن الزوج لم يكن وكذلك من فتش عن اختلافاتهم في مسائل الفرائض وغيرها علم ضرورة سلوكم طرق المقايسة والتشبيه وأنهم إذا رأوا فارقا بين محل النص وغيره ورأوا جامعا وكان الجامع في اقتضاء الاجتماع أقوى في القلب من الفارق في اقتضاء الافتراق مالوا إلى الأقوى الأغلب فإنا نعلم أنهم ما طلبوا المشابهة من كل وجه إذ لو تشابها من كل وجه لأتحدت المسألة ولم تتعدد فيبطل التشبيه والمقايسة وكانوا لا يكتفون بالإشتراك في أي وصف كان بل في وصف هو مناط الحكم وكون ذلك الوصف مناطا لو عرفوه بالنص لما بقي للاجتهاد والخلاف مجال فكانوا يدركون ذلك بظنون وأمارات ونحن أيضا نشترط ذلك في كل قياس كما سيأتي في باب إثبات علة الأصل الاعتراض الخامس أن الصحابة إن قالوا بالقياس اختراعا من تلقاء أنفسهم فهو محال وإن قالوا به عن سماع من النبي عليه السلام فيجب إظهار مستندهم والتمسك به فإنكم تسلمون أنه لا حجة فيما أبدعوه ووضعوه ونحن نسلم وجوب الإتباع فيما سمعوه فإنه إذا قال عليه السلام إذا غلب على ظنكم أن مناط الحكم بعض الأوصاف فاتبعوه فإن الأمر كما ظننتموه أو حكم الظان على ما ظنه فهي علامة في حقه وغير علامة في حق من ظنه بخلافه فلا ينكر وجوب قبول هذا لو صرح به فإنه إذا قال إذا ظننتم أن زيدا في الدار فاعلموا أن عمرا في الدار واعلموا أني حرمت الربا في البر لكنا نقطع بتحريم البر وكون عمرو في الدار مهما ظننا أن زيدا في الدار فإن هذا يرجع إلى القول بالقياس ولكن من أين فهم الصحابة هذا وليس في الكتاب والسنة ما يدل عليه والجواب من وجهين أحدهما أن هذه مؤونة كفيناها فإنهم مهما أجمعوا على القياس فقد ثبت بالقواطع أن الأمة لا تجتمع على الخطأ بل لو وضعوا القياس واخترعوا استصوابا برأيهم ومن عند أنفسهم لكان ذلك حقا واجب الإتباع فلا يجمع الله أمة محمد عليه السلام على الخطأ فلا حاجة بنا إلى البحث عن مستندهم
الثاني هو أنا نعلم أنهم قالوا ذلك عن مستندات كثيرة خارجة عن الحصر وعن دلالات وقرائن أحوال وتكريرات وتنبيهات تفيد علما ضروريا بالتعبد وبالقياس وربط الحكم بما غلب على الظن كونه مناطا للحكم لكن انقسمت تلك المستندات إلى ما اندرس فلم ينقل اكتفاء بما علمته الأمة ضرورة وإلى ما نقل ولكن لم يبق في هذه الأعصار إلا نقل الآحاد لم يبق على حد التواتر ولا يورث العلم وإلى ما تواتر ولكن آحاد لفظها يتطرق الاحتمال والتأويل إليه فلا يحصل العلم بآحادها وإلى ما هي قرائن أحوال يعسر وصفها ونقلها فلم ينقل إلينا فكفينا مؤونة البحث عن المستند لما علمناه عل التواتر من إجماعهم ونحن مع هذا نشبع القول في شرح مستندات الصحابة والألفاظ التي هي مدارك تنبيهاتهم للتعبد بالقياس وذلك من القرآن وقوله تعالى فاعتبروا يا أولي الأبصار الحشر 2 إذ معنى الاعتبار العبور من الشيء إلى نظيره إذا شاركه في المعنى كما قال ابن عباس هلا اعتبروا بالأصابع وقوله تعالى لعلمه الذين يستنبطونه منهم النساء 83 وقوله ما فرطنا في الكتاب من شيء الأنعام 38 وليس في الكتاب مسألة الجد والأخوة ومسألة الحرام إذا لم يكن الاقتباس من المعاني التي في الكتاب وقد تمسك القائلون بالقياس بهذه الآيات وليست مرضية لأنها ليست بمجردها نصوصا صريحة إن لم تنضم إليها قرائن ومن ذلك قوله عليه السلام لمعاذ بم تحكم قال بكتاب الله وسنة نبيه قال فإن لم تجد قال أجتهد رأيي فقال الحمد الله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله وهذا حديث تلقته الأمة بالقبول ولم يظهر أحد فيه طعنا وإنكارا وما كان كذلك فلا يقدح فيه كونه مرسلا بل لا يجب البحث عن إسناده وهذا كقوله لا وصية لوارث ولا تنكح المرأة على عمتها ولا يتوارث أهل ملتين وغير ذلك مما علمت به الأمة كافة إلا أنه نص في أصل الاجتهاد ولعله في تحقيق المناط وتعيين المصلحة فيما علق أصله بالمصلحة فلا يتناول القياس إلا بعمومه ومن ذلك قوله لعمر حين تردد في قبلة الصائم أرأيت لو تمضمضت أكان عليك من جناح فقال لا فقال فلم إذا فشبه مقدمة الوقاع بمقدمة الشرب لكنه ليس بصريح إلا بقرينه إذ يمكن أن يكون ذلك نقضا لقياسه حيث ألحق مقدمة الشيء بالشيء فقال إن كنت تقيس غير المنصوص على المنصوص لأنه مقدمته فألحق المضمضة بالشرب ومن ذلك قوله عليه السلام للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه قالت نعم قال فدين الله أحق بالقضاء فهو تنبيه على قياس دين الله تعالى على دين الخلق ولا بد من قرينة تعرف القصد أيضا إذ لو كان لتعلم القياس لقيس عليه السلام الصوم والصلاة ومن ذلك قوله عليه السلام كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي لأجل الدافة أي القافلة فادخروا فبين أنه وان سكت عن العلة فقد كان النهي لعلة وقد زالت العلة فزال الحكم ومن ذلك قوله عليه السلام أينقض الرطب إذا يبس فقيل نعم قال فلا إذا وقوله تعالى كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم الحشر 7 وقال لأم سلمة وقد سئلت عن قبلة الصائم ألا أخبرتيه أني أقبل وأنا صائم تنبيها على قياس غيره عليه وروت أم سلمة رضي الله عنها أنه قال أني أقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي ودل عليه قوله تعالى لتحكم بين الناس بما أراك الله النساء 105 وليس الرأي إلا تشبيها وتمثيلا بحكم ما هو أقرب إلى الشيء وأشبه به وإذا ثبت أنه كان مجتهدا بالأمر وثبت اجتهاد الصحابة فيعلم أنهم اجتهدوا بالأمر وقال عمر يا أيها الناس إن الرأي كان من النبي عليه السلام مصيبا فإن الله تعالى كان يسدده وإنما هو منا الظن والتكلف فلم يفرق إلا في العصمة ومن ذلك أمره سعد بن معاذ أن يحكم في بني قريظة برأيه فأمرهم بالنزول على حكمه فأمر بقتلهم وسبي نسائهم فقال عليه السلام لقد وافق حكمه حكم الله ومن ذلك قوله إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران ومن ذلك أنه عليه السلام شاور الصحابة في عقوبة الزنا والسرقة قبل نزول الحد ومن ذلك قوله عليه السلام لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها علل تحريم ثمنها بتحريم أكلها واستدل عمر بهذا في الرد على سمرة حيث أخذ الخمر في عشور الكفار وباعها ومن تعليلاته بعض الأحكام كقوله لا تخمروا رأسه فإنه يحشر ملبيا وقوله في الشهداء مثل لك وقوله أنها من الطوافين عليكم والطوافات وقوله في الذي ابتاع غلاما واستغفله ثم رده الخراج بالضمان فهذه أجناس لا تدخل تحت الحصر وآحادها لا تدل دلالة قاطعة ولكن لا يبعد تأثير اقترانها مع نظائرها في أشعار الصحابة بكونهم متعبدين بالقياس والله أعلم
القول في شبه المنكرين للقياس والصائرين إلى حظره من جهة الكتاب والسنة وهي سبع الأولى تمسكهم بقوله تعالى ما فرطنا في الكتاب من شيء الأنعام 38 وقوله تبيانا لكل شيء النحل 89 قالوا معناه بيانا لكل شيء مما شرع لكم فإنه ليس فيه بيان الأشياء كلها فليكن كل مشروع في الكتاب وما ليس مشروعا فيبقى على النفي الأصلي والجواب من أوجه الأول أنه أين في كتاب الله تعالى مسألة الجد والأخوة والعول والمبتوتة والمفوضة وأنت علي حرام وفيها حكم لله تعالى شرعي اتفق الصحابة على طلبه والكتاب بيان له إما بتمهيد طريق الاعتبار أو بالدلالة على الإجماع والسنة وقد ثبت القياس بالإجماع والسنة فيكون الكتاب قد بينه الثاني أنكم حرمتم القياس وليس في كتاب الله تعالى بيان تحريمه فيلزمكم تخصيص قوله تعالى لكل شيء كما خصص قوله خالق كل شيء الأنعام 102 وأوتيت من كل شيء النمل 23 تدمر كل شيء الأحقاف 25 الثانية قوله تعالى كفارة المائدة 49 وهذا حكم بغير المنزل قلنا القياس ثابت بالسنة والإجماع وقد دل عليه الكتاب المنزل كيف ومن حكم بمعنى استنبط من المنزل فقد حكم بالمنزل ثم هذا خطاب مع الرسول عليه السلام وقد قاسوا عليه غيره فأقروا بالقياس في معرض إبطال القياس مع انقداح الفرق إذ قال قوم لم يجز الاجتهاد للرسول عليه السلام كي لا يتهم ولأنه كان يقدر على التبليغ بالوحي بخلاف الأمة وهذا الجواب أيضا عن قوله اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم الأعراف 3 ومن لم يحكم بما أنزل الله المائدة 44 الثالثة قوله تعالى وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون البقرة 169 ولا تقف ما ليس لك به علم الإسراء 36 وإن الظن لا يغني من الحق شيئا النجم 28 و إن بعض الظن إثم الحجرات 12 قلنا إذا علمنا أنا إذا ظننا كون زيد في الدار حرم علينا الربا في البر ثم ظننا كان الحكم مقطوعا به لا مظنونا كما إذا ظن القاضي صدق الشهود وكما في القبلة وجزاء الصيد وأبواب تحقيق مناط الحكم ثم نقول هذا عام أراد به ظنون الكفار المخالفة للأدلة القاطعة ثم نقول ألستم قاطعين بإبطال القياس مع أنا نقطع بخطئكم فلا تحكموا بالظن وليس من الجواب المرضي قول القائل الظن علم في الظاهر فإن العلم ليس له ظاهر وباطن الرابعة قوله تعالى وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم الأنعام 121 قالوا وأنتم تجادلون في القياس قلنا وأنتم تجادلون في نفيه وإبطاله فإن قلتم أراد به الجدال الباطل فهو عذرنا فإنه رد عليهم في جدالهم بخلاف النص حيث قالوا نأكل مما قتلناه ولا نأكل مما قتله الله وكما قاسوا الربا على البيع فرد الله تعالى عليهم في قولهم إنما البيع مثل الربا البقرة 275 الخامسة قوله تعلمها النساء 59 قالوا وأنتم تردون إلى الرأي قلنا لا بل نرده إلى العلل المستنبطة من نصوص النبي عليه السلام والقياس عبارة عن تفهم معاني النصوص بتجريد مناط الحكم وحذف الحشو الذي لا أثر له في الحكم وأنتم فقد رددتم القياس من غير رد إلى نص النبي عليه السلام ولا إلى معنى مستنبط من النص السادسة قوله عليه السلام تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب وبرهة بالسنة وبرهة بالقياس فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا قلنا أراد به الرأي المخالف للنص بدليل قوله ستفترق أمتي نيفا وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال وما نقلوا من آثار الصحابة في ذم الرأي والقياس قد تكلمنا عليه
السابعة قول الشيعة وأهل التعليم إنكم اعترفتم ببطلان القياس بخلاف النص والنصوص محيطة بجميع المسائل وإنما يعلمها الإمام المعصوم وهو نائب الرسول فيجب مراجعته قالوا ولا يمنع من هذا كون الوقائع غير متناهية وكون النصوص متناهية لأن التي لا تتناهى أحكام الأشخاص كحكم زيد وعمرو في أنه عدل تقبل شهادته أم لا وفقير تصرف إليه الزكاة أم لا ومسلم أن هذا يعرف بالاجتهاد لأنه يرجع إلى تحقيق مناط الحكم أما الروابط الكلية للأحكام فيمكن ضبطها بالنص بأن نقول مثلا من سرق نصابا كاملا من حرز مثله لا شبهة له فيه فيلزمه القطع ومن أفطر في نهار رمضان بجماع تام أثم به لأجل الصوم لزمته الكفارة فما تناولته الرابطة الجامعة يجري فيه الحكم وما خرج عنه مما لا يتناهى يبقى على الحكم الأصلي فتكون محيطة بهذه الطرق والجواب أنا لا نسلم بطلان القياس مع النص ونسلم إمكان الربط بالضوابط والروابط الكلية لكنكم اخترعتم هذه الدعوى فإن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مسألة الجد والحرام والمفوضة ومسائل كثيرة وكانوا يطلبون من سمع فيها حديثا من النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم المعصوم بزعمكم وكانوا يشاورونه ويراجعونه فتارة وافقوه وتارة خالفوه ولم ينقل قط حديث ولا نص إلا ساعدوه بل قبلوا النقل من كل عدل فضلا عن الخلفاء الراشدين فلم كتم النص عنهم في بعض المسائل وتركهم مختلفين إن كانت النصوص محيطة فبالضرورة يعلم من اجتهادهم واختلافهم أن النصوص لم تكن محيطة فدل هذا أنهم كانوا متعبدين بالاجتهاد القول في شبههم المعنوية وهي ست الأولى قول الشيعة والتعليمية إن الاختلاف ليس من دين الله ودين الله واحد ليس بمختلف وفي رد الخلق إلى الظنون ما يوجب الاختلاف ضرورة الرأي منبع الخلاف فإن كان كل مجتهد مصيبا فكيف يكون الشيء ونقيضه دينا وإن كان المصيب واحدا فهو محال إذ ظن هذا كظن ذاك والطنيات لا دليل فيها بل ترجع إلى ميل النفوس ورب كلام تميل إليه نفس زيد وهو بعينه ينفر عنه قلب عمرو والدليل على ذم الاختلاف قوله تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا النساء 82 وقال أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه الشورى 13 وقال ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم الأنفام 46 وقال تعالى إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء الأنعام 159 وقال تعالى ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات آل عمران 105 وكذلك ذم الصحابة رضي الله عنهم الاختلاف فقال عمر رضي الله عنه لا تختلفوا فإنكم إن اختلفتم كان من بعدكم أشد اختلافا وسمع ابن مسعود وأبي بن كعب يختلفان في صلاة الرجل في الثوب الواحد والثوبين فصعد عمر إلى المنبر وقال اختلف رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعن أي فتياكم يصدر المسلمون لا أسمع اثنين يختلفان بعد مقامي هذا إلا فعلت وصنعت وقال جرير بن كليب رأيت عمر ينهى عن المتعة وعلي يأمر بها فقلت إن بينكما لشرا فقال علي ما بيننا إلا خير ولكن خيرنا أتبعنا لهذا الدين وكتب علي رضي الله عنه إلى قضاته أيام الخلافة أن اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الخلاف وأرجو أن أموت كما مات أصحابي
والجواب أن الذي نراه تصويب المجتهدين وقولهم أن الشيء ونقيضه كيف يكون دينا قلنا يجوز ذلك في حق شخصين كالصلاة وتركها في حق الحائض والطاهر والقبلة في حق من يظنها إذا اختلف الاجتهاد في القبلة وكجواز ركوب البحر وتحريمه في حق رجلين يغلب على ظن أحدهما السلامة وعلى ظن الآخر الهلاك وكتصديق الراوي والشاهد وتكذيبهما في حق قاضيين ومفتيين يظن أحدهما الصدق والآخر الكذب وأما قولهم كيف يكون الاختلاف مأمورا به قلنا بل يؤمر المجتهد بظنه وإن خالفه غيره فليس رفعه داخلا تحت اختياره فالاختلاف واقع ضرورة لا أنه أمر به وقوله تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا النساء 82 معناه التناقض والكذب الذي يدعيه الملحدة أو الاختلاف في البلاغة واضطراب اللفظ الذي يتطرق إلى كلام البشر بسبب اختلاف أحواله في نظمه ونثره وليس المراد به نفي الاختلاف في الأحكام لأن جميع الشرائع والملل من عند الله وهي مختلفة والقرآن فيه أمر ونهي وإباحة ووعد ووعيد وأمثال ومواعظ وهذه اختلافات أما قوله ولا تتفرقوا الشورى 13 ولا تنازعوا فكل ذلك نهي عن الاختلاف في التوحيد والإيمان بالنبي عليه السلام والقيام بنصرته وكذلك أصول جميع الديانات التي الحق فيها واحد ولذلك قال تعالى من بعد ما جاءهم البينات آل عمران 105 وقوله تعالى ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم الأنفال 46 أراد به التخاذل عن نصرة الدين وأما ما رووه عن الصحابة رضي الله عنهم في ذم الاختلاف فكيف يصح وهم أول المختلفين والمجتهدين واختلافهم واجتهادهم معلوم تواترا كيف تدفعها روايات يتطرق إلى سندها ضعف وإلى متنها تأويل من النهي عن الاختلاف في أصل الدين أو نصرة الدين أو في أمر الخلافة والإمامة والخلاف بعد الإجماع أو الاختلاف على الأئمة والولاة والقضاة أو نهي العوام عن الاختلاف بالرأي وليسوا أهل الاجتهاد وأما إنكار عمر اختلاف ابن مسعود وأبي بن كعب فلعله قد كان سبق إجماع على ثوب واحد ومن خالف ظن أن انقضاء العصر شرط في الإجماع ولذلك قال عمر عن أي فتياكم يصدر المسلمون وأنتم جميعا تروون عن النبي عليه السلام أو لعل كل واحد أثم صاحبه وبالغ فيه فنهى عن وجه الاختلاف لا عن أصله أو لعلهما اختلفا على مستفت واحد فتحير السائل فقال عن أي فتياكم يصدر الناس أي العامة بل إذا ذكر المفتي في محل الاجتهاد شيئا للعامي فلا ينبغي للمفتي الآخر أن يخالفه بين يديه فيتحير السائل وأما اختلاف عمر وعلي رضي الله عنهما في تحريم المتعة فلا يصح بل صح عن علي نقله تحريم متعة النساء ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبر كيف وقد علم قطعا أنهم جوزوا الاجتهاد أما كتاب علي إلى قضاته وكراهية الاختلاف فيحتمل وجوها أحدها أنهم ربما كتبوا إليه يطلبون رأيه في بعض الوقائع فقال اقضوا كما كنتم تقضون إذ لو خالفتموهم الآن لا نفتق به فتق آخر وحمل ذلك على تعصب مني ومخالفة ويحتمل أنهم استأذنوه في مخالفة إجماع الصحابة رضي الله عنهم على ظن أن العصر لم ينقرض بعد فيجوز الخلاف فكره لهم مخالفة السابقين واستأذنوه في القضاء بشهادة أهل البصرة من الخوارج وغيرهم أو ردها فأمرهم بقبولها كما كان قبل الحرب لأنهم حاربوا على تأويل وفي رد شهادتهم تعصب وتجديد خلاف الثانية قولهم النفي الأصلي معلوم والاستثناء عنه بالنص معلوم فيبقى المسكوت عنه على النفي الأصلي المعلوم فكيف يندفع المعلوم على القطع بالقياس المظنون قلنا العموم والظواهر وخبر الواحد وقول المقوم في أروش الجنايات والنفقات وجزاء الصيد وصدق الشهود وصدق المخالف في مجلس الحكم كل ذلك مظنون ويرفع به النفي الأصلي ثم نقول نحن لا نرفع ذلك إلا بقاطع فإنا إذا تعبدنا بإتباع العلة المظنونة وظننا فنقطع بوجود الظن ونقطع بوجود الحكم عند الظن فلا يرفع ذلك إلا بقاطع