Qur'an&Sunnah

Gazâlî — el-Müstasfâ (usûlü'l-fıkh)

Section V01/P297–V01/P298

الثالثة قولهم كيف يتصرف بالقياس في شرع مبناه على التحكم والتعبد والفرق بين المتماثلات والجمع بين المتفرقات إذ قال يغسل الثوب من بول الصبية ويرش من بول الصبي ويجب الغسل من المني والحيض ولا يجب من البول والمذي وفرق في حق الحائض بين قضاء الصلاة والصوم وأباح النظر إلى الرقيقة دون الحرة وجمع بين المختلفات فأوجب جزاء الصيد على من قتله عمدا أو خطأ وفرق في حلق الشعر والتطيب بين العمد والخطأ وأوجب الكفارة بالظهار والقتل واليمين والأفطار وأوجب القتل على الزاني والكافر والقاتل وتارك الصلاة وقال لأبي بردة تجزىء عنك ولا تجزىء عن أحد بعدك في الأضحية وقيل للنبي عليه السلام خالصة لك من دون المؤمنين الأحزاب 50 وكيف يتحاسر في شرع هذا منهاجه على إلحاق المسكوت بالمنطوق وما من نص على محل إلا ويمكن أن يكون ذلك تحكما وتعبدا قلنا لا ننكر إشتمال الشرع على تحكمات وتعبدات فلا جرم نقول الأحكام ثلاثة أقسام قسم لا يعلل أصلا وقسم يعلم كونه معللا كالحجر على الصبي فإنه لضعف عقله وقسم يتردد فيه ونحن لا نقيس ما لم يقم لنا دليل على كون الحكم معللا ودليل على عين العلة المستنبطة ودليل على وجود العلة في الفرع وعند ذلك يندفع الأشكال المذكور ولما كثرت التعبدات في العبادات لم يرتضى قياس غير التكبير والتسليم والفاتحة عليها ولا قياس غير المنصوص في الزكاة على المنصوص وإنما نقيس في المعاملات وغرامات الجنايات وما علم بقرائن كثيرة بناؤها على معان معقولة ومصالح دنيوية الرابعة قولهم إن النبي عليه السلام قد أوتي جوامع الكلم فكيف يليق به أن يترك الوجيز المفهم ويعدل إلى الطويل الموهم فيعدل عن قوله حرمت الربا في كل مطعوم أو كل مكيل إلى عد الأشياء الستة ليرتبك الخلق في ظلمات الجهل قلنا ولو ذكر الأشياء الستة وذكر معها أن ما عداها لا ربا فيه وأن القياس حرام فيه لكان ذلك أصرح وللجهل والاختلاف أدفع فلم لم يصرح وقد كان قادرا ببلاغته على قطع الاحتمال للألفاظ العامة والظواهر وعلى أن يبين الجميع في القرآن المتواتر ليحسم الاحتمال عن المتن والسند جميعا وكان قادرا على رفع احتمال التشبيه في صفات الله تعالى بالتصريح بالحق في جميع ما وقع الخلاف فيه في العقليات وإذا لم يفعل فلا سبيل إلى التحكم على الله ورسوله فيما صرح ونبه وطول وأوجز والله أعلم بأسرار ذلك كله ثم نقول إن علم الله تعالى لطفا وسرا في تعبد العلماء بالاجتهاد وأمرهم بالتشمير عن ساق الجد في استنباط أسرار الشرع فيتعين عليه أن يذكر البعض ويسكت عن البعض وينبه عليها تنبيها يحرك الدواعي للاجتهاد يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ( المجادلة 11 ) هذا على مذهب من يوجب الصلاح وعندنا فلله تعالى أن يفعل بعباده ما يشاء الخامسة قولهم أن الحكم يثبت في الأصل بالنص لا بالعلة فكيف يثبت في الفرع بالعلة وهو تابع للأصل فكيف يكون ثبوت الحكم فيه بطرق سوى طريق الأمل وأن ثبت في الأصل بالعلة فهو محال لأن النص قاطع والعلة مظنونة والحكم مقطوع به فكيف يحال المقطوع به على العلة المظنونة قلنا الحكم في الأصل يثبت بالنص وفائدة استنباط العلة المظنونة إما تعدية العلة وأما الوقوف على مناط الحكم المظنون للمصلحة وأما زوال الحكم عند زوال المناط كما سيأتي في العلة القاصرة وأما الحكم في الفرع وإن كان تابعا للأصل في الحكم فلا يلزم أن يتبعه في الطريق فإن الضروريات والمحسوسات أصل للنظريات ولا يلزم مساواة الفرع لها في الطريق وإن لزمت المساواة في الحكم

Section V01/P298–V01/P299

السادسة وهي عمدتهم الكبرى أن الحكم لا يثبت إلا بتوقيف والعلة غايتها أن تكون منصوصا عليها فلو قال الشارع اتقوا الربا في كل مطعوم فهو توقيف عام ولو قال اتقوا الربا في البر لأنه مطعوم فهذا لا يساويه ولا يقتضي الربا في غير البر كما لو قال المالك أعتق من عبيدي كل أسود عتق كل أسود فلو قال أعتق غانما لسواده أو لأنه أسود لم يعتق جميع عبيده السود وكذلك لو علل بمخيل وقال أعتقوا غانما لأنه سيء الخلق حتى أتخلص منه لم يلزم عتق سالم وإن كان أسوأ خلقا منه فإذا كانت العلة المنصوصة لا يمكن تعديتها لقصور لفظها فالمستنبطة كيف تعدى أو كيف يفرق بين كلام الشارع وبين كلام غيره في الفهم وإنما منهاج الفهم وضع اللسان وذلك لا يختلف والجواب أن نفاة القياس ثلاث فرق وهذا لا يستقيم من فريقين وإنما يستقيم من الفريق الثالث إذ منهم من قال التنصيص على العلة كذكر اللفظ العام فإنه لا فرق بين قوله حرمت الخمر لشدتها وبين قوله حرمت كل مشتد في أن كل واحد يوجب تحريم النبيذ لكن بطريق اللفظ لا بطريق القياس بل فائدة قوله لشدتها إقامة الشدة مقام الإسم العام فقد أقر هذا القائل بالإلحاق وإنما أنكر تسميته قياسا الفريق الثاني من القاشانية والنهروانية فإنهم أجازوا القياس بالعلة المنصوصة دون المستنبطة فقالوا إذا كشف النص أو دليل آخر عن الأصل كانت العلة جامعة للحكم في جميع مجاريها وما فارقهم الفريق الأول إلا في التسمية حيث لم يسموا هذا الفن قياسا والفريقان مقران بأن هذا في العتق والوكالة لا يجري فلا يصح منهما الاستشهاد مع الإقرار بالفرق أما الفريق الثالث وهو من أنكر الإلحاق مع التنصيص على العلة فتستقيم لهم هذه الحجة وجوابهم من ثلاثة أوجه الأول أن الصيرفي من أصحابنا يتشوف إلى التسوية فقال لو قال أعتقت هذا العبد لسواده فاعتبروا وقيسوا عليه كل أسود لعتق كل عبد أسود وهو وزان مسألتنا إذا أمر بالقياس والاعتبار ولو لم يثبت التعبد به لكان مجرد التنصيص على العلة لا يرخص في الإلحاق إذ يجوز أن تكون العلة شدة الخمر خاصة ومنهم من قال إن علم قطعا قصده إلى عتقه لسواده عتق كل عبد أسود بقوله أعتقت غانما لسواده ومنهم من قال لا يكفي أن يعلم قصده عتقه بمجرد السواد ما لم ينو بهذا اللفظ عتق جميع السودان فإن نوى كفاه هذا اللفظ لإعتاق جميع السودان مع النية ولم يكن فيه إلا إرادته معنى عاما بلفظ خاص وذلك غير منكر كما لو قال والله لا أكلت لفلان خبزا ولا شربت من مائة جرعة ونوى به دفع المنة حنث بأخذ الدراهم والثياب والأمتعة وصلح اللفظ الخاص مع هذه النية للمعنى العام كما صلح قوله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما النساء 10 للنهي عن الإتلاف العام وقوله فلا تقل لهما أف الإسراء 23 للنهي عن الإيذاء العام فإذا استتب لهؤلاء الفرق التسوية بين الخطابين فإنهم إنما يعممون الحكم إذا دل الدليل على إرادة الشرع تعليق الحكم المجردة ولكنه غير مرضي عندنا بل الصحيح أنه لا يعتق إلا غانم بقوله أعتقت غانما لسواده وإن نوى عتق السودان لأنه يبقى في حق غير غانم مجرد النية والإرادة فلا تؤثر

Section V01/P299–V01/P300

الوجه الثاني من الجواب أن الأمة مجمعة على الفرق إذ تجب التسوية في الحكم مهما قال حرمت الخمر لشدتها فقيسوا عليها كل مشتد ولو قال أعتقت غانما لسواده فقيسوا عليه كل أسود اقتصر العتق على غانم عند الأكثرين فكيف يقاس أحدهما على الآخر مع الاعتراف بالفرق وإنما اعترفوا بالفرق لأن الحكم لله في أملاك العباد وفي أحكام الشرع وقد علق أحكام الأملاك حصولا وزوالا بالألفاظ دون الإرادات المجردة وأما أحكام الشرع فتتبت بكل ما دل على رضا الشرع وإرادته من قرينة ودلالة وإن لم يكن لفظا بدليل أنه لو بيع مال لتاجر بمشهد منه بأضعاف ثمنه فاستبشر وظهر أثر الفرح عليه لم ينفذ البيع إلا بتلفظه بإذن سابق أو إجازة لاحقة عند أبي حنيفة ولو جرى بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل فسكت عليه دل سكوته على رضاه وثبت الحكم به فكيف يتساويان بل ضيق الشرع تصرفات العباد حتى لم تحصل أحكامها بكل لفظ بل ببعض الألفاظ فإنه لو قال الزوج فسخت النكاح وقطعت الزوجية ورفعت علاقة الحل بيني وبين زوجتي لم يقع الطلاق ما لم ينو الطلاق فإذا تلفظ بالطلاق وقع وإن نوى غير الطلاق فإذا لم تحصل الأحكام بجميع الألفاظ بل ببعضها فكيف تحصل بما دون اللفظ مما يدل على الرضا الوجه الثالث أن قول القائل لا تأكل هذه الحشيشة لأنها سم ولا تأكل الهليلج فإنه مسهل ولا تأكل العسل فإنه حار ولا تأكل أيها المفلوج القثاء فإنه بارد ولا تشرب الخمر فإنه يزيل العقل ولا تجالس فلانا فإنه أسود فأهل اللغة متفقون على أن معقول هذا التعليل تعدى النهي إلى كل ما فيه العله هذا مقتضى اللغة وهذا أيضا مقتضاه في العتق لكن التعبد منع من الحكم بالعتق بالتعليل بل لا بد فيه من اللفظ الصريح المطابق للمحل ولا مانع منه في الشرع إذ كل ما عرف بإشارة وأمارة وقرينة فهو كما عرف باللفظ فكيف يستويان مع الإجماع على الفرق لأن المفرق بين المتماثلات كالجامع بين المختلفات فمن أثبت الحكم للخلافين يتعجب منه ويطلب منه الجامع ومن فرق بين المثلين يتعجب منه لماذا فرق بينهما فإن قيل إن قال من تجب طاعته بع هذه الدابة لجماحها وبع هذا العبد لسوء خلقه فهل يجوز للمأمور بيع ما شاركه في العلة فإن قلتم يجوز فقد خالفتم الفقهاء وإن منعتم فما الفرق بين كلامه وبين كلام الشارع مع الاتفاق في الموضعين وإن ثبت تعبد في لفظ العتق والطلاق بخصوص الجهة فلم يثبت في لفظ الوكالة

Section V01/P300–V01/P301

قلنا أن كان قد قال له إن ما ظهر لك إرادتي إياه أو رضاي به بطرق الاستدلال دون صريح اللفظ فافعله فله أن يفعل ذلك وهو وزان حكم الشرع لكن يشترط أمر آخر وهو أن يقطع بأنه أمر ببيعه لمجرد سوء الخلق لا لسوء الخلق مع القبح أو مع الخرق في الخدمة فإنه قد يذكر بعض أوصاف العلة فإن لم يعلم قطعا ولكن ظنه ظنا فينبغي أن يكون قد قال له ظنك نازل منزلة العلم في تسليطك على التصرف فإن اجتمع هذه الشروط جاز التصرف وهو وزان مسألتنا فإن قيل وإن كان الشارع قد قال ما عرفتموه بالقرائن والدلائل من رضاي وإرادتي فهو كما عرفتموه بالصريح فلم يقل إني إذا ذكرت علة شيء ذكرت تمام أوصافه فلعله علل تحريم الخمر بشدة الخمر وتحريم الربا بطعم البر خاصة لا للشدة المجردة ولله أسرار في الأعيان فقد حرم الخنزير والميتة والدم والموقوذة والحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير لخواص لا يطلع عليها فلم يبعد أن يكون لشدة الخمر من الخاصية ما ليس لشدة النبيذ فبماذا يقع الأمر عن هذا وهذا أوقع كلام في مدافعة القياس والجواب أن خاصة المحل قد يعلم ضرورة سقوط اعتبارها كقوله أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أولى بمتاعه إذ يعلم أن المرأة في معناه وقوله من أعتق شركا له في عبد قوم عليه الباقي فالأمة في معناه لأنا عرفنا بتصفح أحكام العتق والبيع وبمجموع إمارات وتكريرات وقرائن أنه لا مدخل للأنوثة في البيع والعتق وقد يعلم ذلك ظنا بسكون النفس إليه وقد عرفنا أن الصحابة رضي الله عنهم عولوا على الظن فعلمنا أنهم فهموا من النبي عليه السلام قطعا إلحاق الظن بالقطع ولولا سيرة الصحابة لما تجاسرنا عليه وقد اختلفوا في مسائل ولو كانت قطيعة لما اختلفوا فيها فعلمنا أن الظن كالعلم أما حيث انتفى الظن والعلم وحصل الشك فلا يقدم على القياس أصلا مسألة ( العلة المنصوصة ) قال النظام العلة المنصوصة توجب الإلحاق لكن لا بطريق القياس بل بطريق اللفظ والعموم إذ لا فرق في اللغة بين قوله حرمت كل مشتد وبين قوله حرمت الخمر لشدتها وهذا فاسد لأن قوله حرمت الخمر لشدتها لا يقتضي من حيث اللفظ والوضع إلا تحريم الخمر خاصة ولا يجوز إلحاق النبيذ ما لم يرد التعبد بالقياس وإن لم يرد فهو كقوله أعتقت غانما لسواده فإنه لا يقتضي إعتاق جميع السودان فكيف يصح هذا ولله أن ينصب شدة الخمر خاصة علة ويكون فائدة ذكر العلة زوال التحريم عند زوال الشدة ويجوز أن يعلم الله خاصية في شدة الخمر تدعو إلى ركوب القبائح ويعلم في شدة النبيذ لطفا داعيا إلى العبادات فإذا قد ظن النظام أنه منكر للقياس وقد زاد علينا إذ قاس حيث لا نقيس لكنه أنكر اسم القياس فإن قيل قول السيد والوالد لعبده ولده لا تأكل هذا لأنه سم وكل هذا فإنه غذاء يفهم منه المنع عن أكل سم آخر والأمر يتناول ما هو مثله في الإغتذاء قلنا لأن ذلك معلوم بقرينة إطراد العادات ومعرفة أخلاق الآباء والسادات في مقاصدهم من العبيد والأبناء وأنهم لا يفرقون بين سم وسم وإنما يتقون الهلاك وأما الله تعالى إذا حرم شيئا بمجرد إرادته فيجوز أن يبيح مثله وأن يحرم لأن فيه رفقا ومصلحة فيجوز أن يكون قد سبق في علمه أن مثله مفسدة لأن تضمنه الصلاح والفساد ليس لطبعه ولذاته ولوصف هو عليه في نفسه بل يجوز أن يكون في فعل شيء وقت الزوال مصلحة وفيه وقت العصر مفسدة وكذلك يجوز أن يختلف بيوم السبت والجمعة والمكان والحال فكذلك يجوز أن يفارق شدة الخمر شدة النبيذ فإن قيل فإن لم يفهم النبيذ من الخمر فينبغي أن لا يفهم تحريم الضرب والأذى من التأفيف قلنا الحق عندنا أن ذلك غير مفهوم من مجرد اللفظ العاري عن القرينة لكن إذا دلت قرينة الحال على قصد الإكرام فعند ذلك يدل لفظ التأفيف على تحريم الضرب بل يكون ذلك أسبق إلى الفهم من التأفيف المذكور إذا التأفيف لا يكون مقصودا في نفسه بل يقصد به التنبيه على منع الإيذاء بذكر أقل درجاته

Section V01/P301–V01/P302

وكذلك النقير والقطمير والذرة والدينار لا يدل بمجرد اللفظ على ما فوقه في قوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الزلزلة 7 وفي قوله تعالى ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك آل عمران 75 وفي قوله والله ما شربت لفلان جرعة ولا أخذت من ماله حبة بل بقرينة دفع المنة وإظهار جزاء العمل وليس إلحاق الضرب بالتأفيف أيضا بطريق القياس لأن الفرع المسكوت عنه الملحق بطريق القياس هو الذي يتصور أن يغفل عنه المتكلم ولا يقصده بكلامه وهاهنا المسكوت عنه هو الأصل في القصد الباعث على النطق بالتأفيف وهو الأسبق إلى فهم السامع فهذا مفهوم من لحن القول وفحواه وعند ظهور القرينة المذكورة ربما تظهر قرينة أخرى تمنع هذا الفهم إذا الملك قد يقتل أخاه المنازع له فيقول للجلاد اقتله ولا تهنه ولا تقل له أف أما تحريم النبيذ بتحريم الخمر فليس من هذا بالقبيل بل لا وجه له إلا القياس فإذا لم يرد التعبد بالقياس فقوله حرمت الخمر لشدتها لا يفهم تحريم النبيذ بخلاف قوله حرمت كل مشتد مسألة ( تخصيص القياس ) ذهب القاشاني والنهرواني إلى الإقرار بالقياس لأجل إجماع الصحابة لكن خصصوا ذلك بموضعين أحدهما أن تكون العلة منصوصة كقوله حرمت الخمر لشدتها وفإنها من الطوافين عليكم والطوافات الثاني الأحكام المعلقة بالأسباب كرجم ماعز لزناه وقطع سارق رداء صفوان وكأنهم يعنون بهذا الجنس تنقيح مناط الحكم ويعترفون به قلنا هذا المذهب يمكن تنزيله على ثلاثة أوجه أحدها أن يشترطوا مع هذا أن يقول وحرمت كل مشارك للخمر في الشدة ويقول في رجم ماعز وحكمي على الواحد حكمي على الجماعة فهذا ليس قولا بالقياس بل بالعموم فلا يحصل التقصي به عن عهدة الإجماع المنعقد من الصحابة على القياس الثاني أن لا يشترط هذا ولا يشترط أيضا ورود التعبد بالقياس فهذه زيادة علينا وقول بالقياس حيث لا نقول به كما رددناه على النظام الثالث أن يقول مهما ورد التعبد بالقياس جاز الإلحاق بالعلة المنصوصة فهذا قول حق في الأصل خطأ في الحصر فإنه قصر طريق إثبات علة الأصل على النص وليس مقصورا عليه بل ربما دل عليه السبر والتقسيم أو دليل آخر وما لم يدل عليه دليل فنحن لا نجوز الجمع بين الفرع والأصل ولا فرق بين دليل ودليل فإن قيل إذا كانت العلة منصوصة كان الحكم في الفرع معلوما ولم يكن مظنونا وحصل الأمن من الخطأ وإن كانت مستنبطة لم يؤمن الخطأ قلنا أخطأتم في طرفي الكلام حيث ظننتم حصول الأمن بالنص وإمكان الخطأ عند عدم النص فإن وإن نص على شدة الخمر فلا نعلم قطعا أن شدة النبيذ في معناها بل يجوز أن يكون معللا بشدة الخمر خاصة إلا أن يصرح ويقول يتبع الحكم مجرد الشدة في كل محل فيكون ذلك لفظا عاما ولا يكون حكما بالقياس فلا يحصل التقصي عن عهدة الإجماع وإذا لم يصرح فنحن نظن أن النبيذ في معناه ولا نقطع فللظن مثاران في العلة المستنبطة أحدهما أصل العلة والآخر إلحاق الفرع بالأصل فإنه مشروط بانتفاء الفوارق وفي العلة المنصوصة مثار الظن واحد وهو إلحاق الفرع لأنه مبني على الوقوف على جميع أوصاف علة الأصل وأنه الشدة بمجردها دون شدة الخمر وذلك لا يعلم إلا بنص يوجب عموم الحكم ويدفع الحاجة إلى القياس أما قوله في العلة المستنبطة أنه لا يؤمن فيها الخطأ فهذا لا يستقيم على مذهب من يصوب كل مجتهد إذ شهادة الأصل للفرع عنده كشهادة العدل عند القاضي والقاضي في أمن من الخطأ وإن كان الشاهد مزورا لأنه لم يتعبد باتباع الصدق بل باتباع ظن الصدق وكذلك هاهنا لم يتعبد باتباع العلة بل باتباع ظن العلة وقد تحقق الظن

Section V01/P302–V01/P303

نعم هذا الإشكال متوجه من يقول المصيب واحد لأنه لا يأمن الخطأ ولا دليل يميز الصواب عن الخطأ إذ لو كان عليه دليل لكان آثما إذا أخطأ كما في العقليات ثم نقول إنما حملهم على الإقرار بهذا القياس إجماع الصحابة ولم يقتصر قياسهم على العلة المنصوصة إذ قاسوا في قوله أنت علي حرام وفي مسألة الجد والإخوة وفي تشبيه حد الشرب بحد القذف لما فيه من خوف الافتراء والقذف أوجب ثمانين جلدة لأنه نفس الإفتراء لا الخوف من الافتراء ولكنهم رأوا الشارع في بعض المواضع أقام مظنة الشيء مقام نفسه فشبهوا هذا به بنوع من الظن هو في غاية الضعف فدل أنهم لم يطلبوا النص ولا القطع بل اكتفوا بالظن ثم نقول إذا جاز القياس بالعلة المعلومة فلنلحق بها المظنونة في حق العمل كما لتحق رواية العدل بالتواتر وشهادة العدل بشهادة النبي عليه السلام المعصوم والقبلة المظنونة بالقبلة المعاينة وهذا فيه نظر لأنا وإن أثبتنا خبر الواحد وقبول الشهادة بأدلة قاطعة فقبول الشرع الظن في موضع لا يرخص لنا في قياس ظن آخر عليه بل لا بد من دليل على القياس المظنون كما في خبر الواحد وغيره مسألة ( التفريق بين الفعل والترك ) فرق بعض القدرية الفعل والترك فقال إذا علل الشارع وجوب فعل بعلة فلا يقاس عليه غيره إلا بتعبد بالقياس ولو علل تحريم الخمر بعلة وجب قياس النبيذ عليه دون التعبد بالقياس لأن من ترك العسل لحلاوته لزمه أن يترك كل حلو ومن ترك الخمر لإسكاره لزمه أن يترك كل مسكر أما من شرب العسل لحلاوته فلا يلزمه أن يشرب كل حلو ومن صلى لأنها عبادة لا يلزمه أن يأتي بكل عبادة وبنوا على هذا أن التوبة لا تصح من بعض الذنوب بل من ترك ذنبا لكونه معصية لزمه ترك كل ذنب أما من أتى بعبادة لكونها طاعة فلا يلزمه أن يأتي بكل طاعة وهذا محال في الطرفين لأنه لا يبعد في جانب التحريم أن يحرم الخمر لشدة الخمر خاصة ويفرق بين شدة الخمر وشدة النبيذ وأما في جانب الفعل فمن تناول العسل لحلاوته ولفراغ معدته وصدق شهوته لا يفرق بين عسل وعسل نعم لا يلزمه أن يأكل مرة بعد أخرى لزوال الشهوة وامتلاء المعدة واختلاف الحال فما ثبت للشيء ثبت لمثله كان ذلك في ترك أو فعل لكن المثل المطلق لا يتصور إذا الأثنينية شرط المثلية ومن شرط الأثنينية مغايرة ومخالفة وإذا جاءت المخالفة بطلت المماثلة وهذا له غور وليس هذا موضع بيانه هذا تمام النظر في إثبات أصل القياس على منكريه الباب الثاني في طريق إثبات علة الأصل وكيفية إقامة الدلالة على صحة آحاد الأقيسة وننبه في صدر الكتاب على مثارات الاحتمال في كل قياس إذ لا حاجة إلى الدليل إلا في محل الاحتمال ثم على انحصار الدليل في الأدلة السمعية ثم على انقسام الأدلة السمعية إلى ظنية وقطعية فهذه ثلاث مقدمات المقدمة الأولى في مواضع الاحتمال من كل قياس وهي ستة الأول يجوز أن لا يكون الأصل معلولا عند الله تعالى فيكون القائس قد علل ما ليس بمعلل الثاني أنه إن كان معللا فلعله لم يصب ما هو العلة عند الله تعالى بل علله بعلة أخرى الثالث أنه إن أصاب في أصل التعليل وفي عين العلة فلعله قصر على وصفين أو ثلاثة وهو معلل به مع قرينة أخرى زائدة على ما قصر اعتباره عليه الرابع أن يكون قد جمع إلى العلة وصفا ليس مناطا للحكم فزاد على الواحد الخامس أن يصيب في أصل العلة وتعيينها وضبطها لكن يخطىء في وجودها في الفرع فيظنها موجودة بجميع قيودها وقرائنها ولا تكون كذلك

Section V01/P303–V01/P304

السادس أن يكون قد استدل على تصحيح العلة بما ليس بدليل وعند ذلك لا يحل له القياس وإن أصاب العلة كما لو أصاب بمجرد الوهم والحدس من غير دليل وكما لو ظن القبلة في جهة من غير اجتهاد فصلى فإنه لا تصح الصلاة وزاد آخرون احتمالا سابعا وهو الخطأ في أصل القياس إذا يحتمل أن يكون أصل القياس في الشرع باطلا وهذا خطأ لأن صحة القياس ليس مظنونا بل هو مقطوع به ولو تطرق إليه احتمال التطرق إلى جميع القطعيات من التوحيد والنبوة وغيرهما والمثارات الستة لاحتمال الخطأ إنما تستقيم على مذهب من يقول المصيب واحد وفي موضع يقدر نصب الله تعالى أدلة قاطعة يتصور أن يحيط بها الناظر أما من قال كل مجتهد مصيب فليس في الأصل وصف معين هو العلة عند الله تعالى حتى يخطىء أصلها أو وصفها بل العلة عند الله تعالى في حق كل مجتهد ما ظنه علة فلا يتصور الخطأ ولكنه على الجملة يحتاج إلى إقامة الدليل في هذه وإن كانت أدلة ظنية المقدمة الثانية إن هذه الأدلة لا تكون إلا سمعية بل لا مجال للنظر العقلي في هذه المثارات إلا في تحقيق وجود علة الأصل في الفرع فإن العلة إذا كانت محسوسة كالسكر والطعم والطوف في السؤر فوجود ذلك في النبيذ والأرز والفأرة قد يعلم بالحس وبالأدلة العقلية أما أصل تعليل الحكم وإثبات عين العلة ووصفها فلا يمكن إلا بالأدلة السمعية لأن العلة الشرعية علامة وأمارة لا توجب الحكم بذاتها إنما معنى كونها علة نصب الشرع إياها علامة وذلك وضع من الشارع ولا فرق بين وضع الحكم وبين وضع العلامة ونصبها أمارة على الحكم فالشدة التي جعلت أمارة التحريم يجوز أن يجعلها الشرع أمارة الحل فليس إيجابها لذاتها ولا فرق بين قوله الشارع راجموا ماعزا وبين قوله جعلت الزنا علامة إيجاب الرجم فإن قيل فالحكم لا يثبت إلا توقيفا ونصا فلتكن العلة كذلك قلنا لا يثبت الحكم إلا توقيفا لكن ليس طريق معرفة التوقيف في الأحكام مجرد النص بل النص والعموم والفحوى ومفهوم القول وقرائن الأحوال وشواهد الأصول وأنواع الأدلة فكذلك إثبات العلة تتسع طرقه ولا يقتصر فيه على النص المقدمة الثالثة إن الحاق المسكوت بالمنطوق ينقسم إلى مقطوع ومظنون والمقطوع به على مرتبتين إحداهما أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به كقوله رسولا الإسراء 23 فإنه أفهم تحريم الضرب والشتم وكقوله عليه السلام أدوا الخيط والمخيط فإنه أفهم تحريم الغلول في الغنيمة بكل قليل وكثير وكنهيه عن الضحية بالعوراء والعرجاء فإنه أفهم المنع من العمياء ومقطوعة الرجلين وكقوله العينان وكاء السه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء فإن الجنون والإغماء والسكر وكل ما أزال العقل أولى به من النوم وقد اختلفوا في تسمية هذا قياسا وتبعد تسميته قياسا لأنه لا يحتاج فيه إلى فكر واستنباط علة ولأن المسكوت عنه هاهنا كأنه أولى بالحكم من المنطوق به ومن سماه قياسا اعترف بأنه مقطوع به ولا مشاحة في الأسامي فمن كان القياس عنده عبارة عن نوع من الإلحاق يشمل هذه الصورة فإنما مخالفته في عبارة وهذا الجنس قد يلتحق بأذياله ما يشبهه من وجه ولكنه يفيد الظن دون العلم كقولهم إذا وجبت الكفارة في قتل الخطأ فبأن تجب في العمد أولى لأن فيه ما فيه الخطأ وزيادة عدوان وإذا ردت شهادة الفاسق فالكافر أولى لأن الكفر فسق وزيادة وإذا أخذت الجزية من الكتابي فمن الوثني أولى لأنه كافر مع زيادة جهل وهذا يفيد الظن في حق بعض المجتهدين وليس من جنس الأول بل جنس الأول أن يقول إذا قبلت شهادة اثنين فشهادة الثلاثة أولى وهو مقطوع به لأنه وجد فيه الأول وزيادة والعمياء عوراء مرتين ومقطوع الرجلين أعرج مرتين فأما العمد فيخالف الخطأ فيجوز أن لا تقوى الكفارة على محوه بخلاف الخطأ بل جنس الأول قولنا من واقع أهله في نهار رمضان فعليه الكفارة

Section V01/P304–V01/P305

فالزاني به أولى إذ وجد في الزنا إفساد الصوم بالوطء وزيادة ولم يوجد في العمد الخطأ وزيادة وكذلك الفاسق متهم في دينه فيكذب والكافر يحترز من الكذب لدينه وقبول الجزية نوع احترام وتخفيف ربما لا يستوجبه الوثني بدليل أنه لو وقع التصريح بالفرق بين هذه المسائل لم تنفر النفس عن قبوله ولو قيل تجزىء العمياء دون العوراء أو تقبل شهادة اثنين ولا تقبل شهادة ثلاثة كان ذلك مما تنفر النفس عن قبوله وإنما نفرت النفس عن قبوله لما علم قطعا من أن منع العوراء لأجل نقصانها وقبول شهادة اثنين لظهور صدق الدعوى وتحريم التأفيف لإكرام الآباء فمع فهم هذه المعاني يتناقض الفرق ولم يفهم مثل ذلك من قتل الخطأ وشهادة الكافر وجزية الوثني المرتبة الثانية ما يكون المسكوت عنه مثل المنطوق به ولا يكون أولى منه ولا هو دونه فيقال إنه في معنى الأصل وربما اختلفوا في تسميته قياسا ومثاله قوله من أعتق شركا له في عبد قوم عليه الباقي فإن الأمة في معناه وقوله أيما رجل أفلس أو مات فصاحب المتاع أحق بمتاعه فالمرأة في معناه وقوله تعالى وبكم النساء 25 فالعبد في معناها وقوله عليه السلام من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع فإن الجارية في معناه وقوله في موت الحيوان في السمن أنه يراق المائع ويقور ما حوالي الجامد أن العسل لو كان جامدا في معناه وهذا جنس يرجع حاصله إلى العلم بأن الفارق بين المسكوت عنه والمنطوق به لا مدخل له في التأثير في جنس ذلك الحكم وإنما يعرف أنه لا مدخل له في التأثير باستقراء أحكام الشرع وموارده ومصادره في ذلك الجنس حتى يعلم أن حكم الرق والحرية ليس يختلف بذكورة وأنوثة كما لا يختلف بالبياض والسواد والطول والقصر والحسن والقبح فلا يجري هذا في جنس من الحكم تؤثر الذكورة فيه والأنوثة كولاية النكاح والقضاء والشهادة وأمثالها وضابط هذا الجنس أن لا يحتاج إلى التعرض للعلة الجامعة بل يتعرض للفارق ويعلم أنه لا فارق إلا كذا ولا مدخل له في التأثير قطعا فإن تطرق الاحتمال إلى قولنا لا فارق إلا كذا بأن احتمل أن يكون ثم فارق آخر وتطرق الاحتمال إلى قولنا لا مدخل له في التأثير بأن احتمل أن يكون له مدخل لم يكن هذا الالحاق مقطوعا به بل ربما كان مظنونا ويتعلق بأذيال هذا الجنس ما هو مظنون كقولنا إنه لو أضاف العتق إلى عضو معين سرى فإنه إذا أضاف إلى النصف سرى لأنه بعض واليد بعض وهذا يغلب على ظن بعض المجتهدين ومساواة البعض المعين للبعض الشائع في هذا الحكم غير مقطوع به لأن هذا النوع من المفارقة لا يبعد أن يكون له مدخل في التأثير ومن هذا الجنس ما يتعلق بتنقيح مناط الحكم كقوله للأعرابي الذي جامع امرأته في رمضان أعتق رقبة فإنا نعلم أن التركي والهندي في معنى العربي إذ علمنا أن ذلك لا مدخل له في الحكم ويعلم أن العبد في معنى الحر فيلزمه الصوم لأنه شاركه في وجوب الصوم ولا نرى الصبي فيمعناه لأنه لا يشاركه في اللزوم وللزوم مدخل في التأثير وإن نظرنا إلى المحل فقد واقع أهله فيعلم أنه لو واقع مملوكته فهو في معناه بل لو زنى بامرأة فهو بالكفارة أولى أما اللواط وإتيان البهيمة والمرأة الميتة هل هو في معناه ربما يتردد فيه والأظهر أن اللواط في معناه وإن نظرنا إلى الصوم المجني عليه فقد جرى وقاع الأعرابي في يوم معين وشهر معين فيعلم أن سائر الأيام في ذلك الشهر وسائر شهور رمضان في معناه والقضاء والنذر ليس في معناه لأن حرمة رمضان أعظم فهتكها أفحش وللحرمة مدخل في جنس هذا الحكم وإن نظرنا إلى نفس هذا الفعل فهل يلتحق به الأكل والشرب وسائر المفطرات هذا في محل النظر إذ يحتمل أن يقال إنما وجبت الكفارة لتفويت الصوم والوطء آلته كما يجب القصاص لتفويت الدم ثم السيف والسكين وسائر الآلات على وتيرة واحدة

Section V01/P305–V01/P306

ويحتمل أن يقال الكفارة زجر ودواعي الوقاع لا تنخنس بمجرد وازع الدين فافتقر إلى كفارة زاجرة بخلاف داعية الأكل وهذه ظنون تختلف بالإضافة إلى المجتهدين وهل يسمى إلحاق الأكل ههنا بالجماع قياسا اختلفوا فيه فقال أصحاب أبي حنيفة لا قياس في الكفارات وهذا استدلال وليس بقياس بل هو استدلال على تجريد مناط الحكم وحذف الحشو منه ولفظة القياس اصطلاح للفقهاء فيختلف إطلاقها بحسب اختلافهم في الاصطلاح فلست أرى الأطناب في تصحيح ذلك أو إفساده لأن أكثر تدوار النظرلا فيه على اللفظ وعلى الجملة فلا يظه بالظاهر في المنكر للقياس إنكار المعلوم والمقطوع به من هذه الإلحاقات لكن لعله ينكر المظنون منه ويقول ما علم قطعا أنه لا مدخل له في التأثير فه كاختلاف الزمان والمكان والسواد والبياض والطوال والقصر فيجب حذفه عن درجة الاعتبار أما ما يحتمل فلا يجوز حذفه بالظن وإذا بان لنا إجماع الصحابة أنهم عملوا بالظن كان ذلك دليلا على نزول الظن منزلة العلم في وجوب العمل لأن المسائل التي اختلفوا فيها واجتهدوا كمسألة الحرام ومسألة الجد وحد الخمر والمفوضة وغيرها من المسائل ظنية وليست قطعية وعلى الجملة فلإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق طريقان متباينان أحدهما أن لا يتعرض إلا للفارق وسقوط أثره فيقول لا فارق إلا كذا وهذه مقدمة ثم يقول ولا مدخل لهذا الفارق في التأثير وهذه مقدمة أخرى فيلزم منه نتيجة وهو أنه لا فرق في الحكم وهذا إنما يحسن إذا ظهر التقارب بين الفرع والأصل كقرب الأمة من العبد لأنه لا يحتاج إلى التعرض للجامع لكثرة ما فيه من الاجتماع الطريق الثاني أن يتعرض للجامع ويقصد نحوه ولا يلتفت إلى الفوارق وإن كثرت ويظهر تأثير الجامع في الحكم فيقول العلة في الأصل كذا وهي موجودة في الفرع فيجب الاجتماع في الحكم وهذا هو الذي يسمى قياسا بالاتفاق أما الأول ففي تسميته قياسا خلاف لأن القياس ما قصد به الجمع بين شيئين وذلك قصد فيه نفي الفرق فحصل الاجتماع بالقصد الثاني لا بالقصد الأول فلم يكن على صورة المقايسة بالإضافة إلى القصد الأول والطريق الأول الذي هو التعرض للفارق ونفيه ينتظم حيث لم تعرف علة الحكم بل ينتظم في حكم لا يعلل وينتظم حيث عرف أنه معلل لكن لم تتعين العلة فإنا نقول الزبيب في معنى التمر في الربا قبل أن يتعين عندنا علة الربا أنه الطعم أو الكيل أو القوت وينتظم حيث ظهر أصل العلة وتعين أيضا ولكن لم تتلخص بعد أوصافه ولم تتحرر بعد قيوده وحدوده أما الطريق الثاني وهو الجمع فلا يمكن إلا بعد تعين العلة وتلخيصها بحدها وقيودها وبيان تحقيق وجودها بكمالها في الفرع وكل واحد من الطريقين ينقسم إلى مقطوع به وإلى مظنون فإذا تمهدت هذه المقدمات فيرجع إلى المقصود وهو بيان إثبات العلة في الطريق الثاني الذي هو القياس بالاتفاق وهو رد فرع إلى أصل بعلة جامعة بينهما وهذا القياس يحتاج إلى إثبات مقدمتين إحداهما مثلا أن علة تحريم الخمر الإسكار

Section V01/P306–V01/P308

والثانية أن الإسكار موجود في النبيذ أما الثانية فيجوز أن تثبت بالحس ودليل العقل والعرب وبدليل الشرع وسائر أنواع الأدلة أما الأولى فلا تثبت إلا بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع أو نوع استدلال مستنبط فإن كون الشدة علامة التحريم وضع شرعي كما أن نفس التحريم كذلك وطريقه طريقه وجملة الأدلة الشرعية ترجع إلى ألفاظ الكتاب والسنة والإجماع والاستنباط فنحصره في ثلاث أقسام القسم الأول إثبات العلة بأدلة نقلية وذلك إنما يستفاد من صريح النطق أو من الإيماء أو من التنبيه على الأسباب وهي ثلاثة أضرب الضرب الأول الصريح وذلك أن يرد فيه لفظ التعليل كقوله لكذا أو لعلة كذا أو لأجل كذا أو لكيلا يكون كذا وما يجري مجراه من صيغ التعليل مثل قوله تعالى كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم الحشر 7 من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل المائدة 32 و ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله الأنفال 13 وقوله عليه السلام إنما جعل الاستئذان لأجل البصر وإنما نهيتكم لأجل الدافة فهذه صيغ التعليل إلا إذا دل دليل على أنه ما قصد التعليل فيكون مجازا كما يقال لم فعلت فيقول لأني أردت أن أفعل فهذا لا يصح أن يكون علة فهو استعمال اللفظ في غير محله قال القاضي قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس الإسراء 78 من هذا الجنس لأن هذا لام التعليل والدلوك لا يصلح أن يكون علة فمعناه صل عنده فهو للتوقيت وهذا فيه نظر إذ الزوال والغروب لا يبعد أن ينصبه الشرع علامة للوجوب ولا معنى لعلة الشرع إلا العلامة المنصوبة وقد قال الفقهاء الأوقات أسباب ولذلك يتكرر الوجوب بتكررها ولا يبعد تسمية السبب علة الضرب الثاني التنبيه والإيماء على العلة كقوله عليه السلام لما سئل عن الهرة إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات فإنه وإن لم يقل لأنها أو لأجل أنها من الطوافين لكن أومأ إلى التعليل لأنه لو لم يكن علة لم يكن ذكر وصف الطواف مفيدا فإنه لو قال إنها سوداء أو بيضاء لم يكن منظوما إذ لم يرد التعليل وكذلك قوله فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا وإنهم يحشرون وأوداجهم تشخب دما وقوله جل جلاله إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء المائدة 91 فإنه بيان لتعليل تحريم الخمر حتى يطرد في كل مسكر وكذلك ذكر الصفة قبل الحكم كقوله قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض البقرة 222 فهو تعليل حتى يفهم منه تحريم الإتيان في غير المأتي لأن الأذى فيه دائم ولا يجري في المستحاضة لأن ذلك عارض وليس بطبيعي وكذلك قوله تمرة طيبة وماء طهور فإن ذلك لو لم يكن تعليلا لاستعماله لما كان الكلام واقعا في محله وهو الذي يدل على أنه كان ماء نبذ فيه تميرات فيقاس عليه الزبيب وغيره ولا يقاس عليه المرقة والعصيدة وما انقلب شيئا آخر بالطبخ وكذلك قوله عليه السلام أينقص الرطب إذا يبس فقيل نعم فقال فلا إذا ففيه تنبيه على العلة من ثلاثة أوجه أحدها أنه لا وجه لذكر هذا الوصف لولا التعليل به الثاني قوله إذا فإنه للتعليل الثالث الفاء في قوله فلا إذافإنه للتعقيب والتسبيب ومن ذلك أن يجيب عن المسألة بذكر نظيرها كقوله أرأيت لو تمضمضت أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه فإنه لو لم يكن للتعليل لما كان التعرض لغير محل السؤال منتظما ومن ذلك أن يفصل الشارع بين قسمين بوصف ويخصه بالحكم كقول القائل القاتل لا يرث فإنه يدل في الظاهر على أنه لا يرث لكونه قاتلا وليس هذا للمناسبة بل لو قال الطويل لا يرث أو الأسود لا يرث لكنا نفهم منه جعله الطول والسواد علامة على انفصاله عن الورثة فهذا وأمثاله مما يكثر ولا يدخل تحت الحصر فوجوه التنبيه لا تنضبط وقد أطنبنا في تفصيلها في كتاب شفاء الغليل وهذا القدر كاف ههنا

Section V01/P308–V01/P309

الضرب الثالث التنبيه على الأسباب بترتيب الأحكام عليها بصيغة الجزاء والشرط وبالفاء التي هي للتعقيب والتسبيب كقوله عليه السلام من أحيا أرضا ميتة فهي له ومن بدل دينه فاقتلوه وقوله تعالى كانوا المائدة 38 و الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما النور 2 وقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا المائدة 6 ويلتحق بهذا القسم ما يرتبه الراوي بفاء الترتيب كقوله زنى ماعز فرجم وسها النبي فسجد ورضخ يهودي رأس جارية فرضخ النبي رأسه فكل هذا يدل على التسبيب وليس للمناسبة فإن قوله من مس ذكره فليتوضأ يفهم منه السبب وإن لم يناسب بل يلتحق بهذا الجنس كل حكم حدث عقيب وصف حادث سواء كان من الأقوال كحدوث الملك والحل عند البيع والنكاح والتصرفات أو من الأفعال كاشتغال الذمة عند القتل والاتلاف أو من الصفات كتحريم الشرب عند طريان الشدة على العصير وتحريم الوطء عند طريان الحيض فإنه ينقدح أن يقال لا يتجدد إلا بتجدد سبب ولم يتجدد إلا هذا فإذا هو السبب وإن لم يناسب فإن قيل فهذه الوجوه المذكورة تدل على السبب والعلة دلالة قاطعة أو دلالة ظنية قلنا أما ما رتب على غيره بفاء الترتيب وصيغة الجزاء والشرط فيدل على أن المرتب عليه معتبر في الحكم لا محالة فهو صريح في أصل الاعتبار أما اعتباره بطريق كونه علة أو سببا متضمنا للعلة بطريق الملازمة والمجاورة أو شرطا يظهر الحكم عنده بسبب آخر أو يفيد الحكم على تجرده حتى يعم الحكم المحال أو يضم إليه وصف آخر حتى يختص ببعض المحال فمطلق الإضافة من الألفاظ المذكورة ليس صريحا فيها ولكن قد يكون ظاهرا من وجه ويحتمل غيره وقد يكون مترددا بين وجهين فيتبع فيه موجب الأدلة وإنما الثابت بالإيماء والتنبيه كون الوصف المذكور معتبرا بحيث لا يجوز إلغاؤه مثال هذا قوله عليه السلام لا يقض القاضي وهو غضبان وهو تنبيه على أن الغضب علة في منع القضاء لكن قد يتبين بالنظر أنه ليس علة لذاته بل لما يتضمنه من الدهشة المانعة من استيفاء الفكر حتى يلحق به الجائع والحاقن والمتألم فيكون الغضب مناطا لا لعينه بل لمعنى يتضمنه وكذلك قوله سها فسجد يحتمل أن يكون السبب هو السهو لعينه ويحتمل أن يكون لما يتضمنه من ترك أبعاض الصلاة حتى لو تركه عمدا ربما قيل يسجد أيضا وكذلك قوله زنى ما عز فرجم احتمل أن يكون لأنه زنى واحتمل أن يكون لما يتضمنه الزنا من إيلاج فرج في فرج محرم قطعا مشتهى طبعا حتى يتعدى إلى اللواط وكذلك قوله من جامع في نهار رمضان فعليه ما على المظاهر يحتمل أن يكون لنفس الجماع ويحتمل أن يكون لما يتضمنه من هتك حرمة الشهر ويحتمل أن يكون لما يتضمنه من إفساد الصوم حتى يتعدى إلى الأكل والظاهر الإضافة إلى الأصل ومن صرفه عن الأصل إلى ما يتضمنه من إفساد الصوم حتى يتعدى إلى الأكل افتقر إلى دليل وهذا النوع من التصرف غير منقطع عن هذه الإضافات فهذا ظاهر في الإضافات اللفظية إيماء كان أو صريحا أما ما يحدث بحدوث وصف كحدوث الشدة ففي إضافة الحكم إليه نظر سيأتي في الطرد والعكس القسم الثاني في إثبات العلة بالإجماع على كونها مؤثرة في الحكم مثاله قولهم إذا قدم الأخ من الأب والأم على الأخ للأب في الميراث فينبغي أن يقدم في ولاية النكاح فإن العلة في الميراث التقديم بسبب امتزاج الأخوة وهو المؤثر بالاتفاق وكذلك قول بعضهم الجهل بالمهر يفسد النكاح لأنه جهل بعوض في معاوضة فصار كالبيع إذ الجهل مؤثر في الإفساد في البيع بالاتفاق وكذلك نقول يجب الضمان على السارق وإن قطع لأنه مال تلف تحت اليد العارية فيضمن كما في الغصب وهذا الوصف هو المؤثر في الغصب اتفاقا وكذلك يقول الحنفي صغيرة فيولي عليها قياسا لثيب الصغيرة على البكر الصغيرة فالمطالبة منقطعة عن إثبات علة الأصل لأنها بالاتفاق مؤثرة

Section V01/P309–V01/P310

ويبقى سؤال وهو أن يقال لم قلتم إذا أثر امتزاج الأخوة في التقديم في الإرث فينبغي أن يؤثر في النكاح وإذا أثر الصغر في البكر فهو يؤثر في الثيب وهذا السؤال إما أن يوجهه المجتهد على نفسه أو يوجهه المناظر في المناظرة أما المجتهد فيدفعه بوجهين أحدهما أن يعرف مناسبة المؤثر كالصغر فإنه يسلط الولي على التزويج للعجز فنقول الثيب كالبكر في هذه المناسبة الثاني أن يتبين أنه لا فارق بين الفرع والأصل إلا كذا وكذا ولا مدخل له في التأثر كما ذكرناه في إلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق ونظائره فيكون هذا القياس تمامه بالتعرض للجامع ونفي الفارق جميعا وإن ظهرت المناسبة استغنى عن التعرض للفارق وإن كان السؤال من مناظر فيكفي أن يقال القياس لتعدية حكم العلة من موضع إلى موضع وما من تعدية إلا ويتوجه عليها هذا السؤال فلا ينبغي أن يفتح هذ الالباب بل يكلف المعترض الفرق أو التنبيه على مثار خيال الفرق بأن يقول مثلا إخوة الأم أثرت في الميراث في الترجيح لأن مجردها يؤثر في التوريث فلم قلت إذا استعمل في الترجيح ما يستقل بالتأثير فيستعمل حيث لا يستقل فتقبل المطالبة على هذه الصيغة وهي أولى من إبدائه في معرض الفرق ابتداء أما إذا لم ينبه على مثار خيال الفرق وأصر على صرف المطالبة فلا ينبغي أن يصطلح المناظرون على قبوله لأنه يفتح بابا من اللجاج لا ينسد ولا يجوز إرهافه إلى طلب المناسبة فإن ما ظهر تأثيره بإضافة الحكم إليه فهو علة ناسب أو لم يناسب فقد قال عليه السلام من مس ذكره فليتوضأ فنحن نقيس عليه ذكر غيره ولا مناسبة ولكن نقول ظهر تأثير المس ولا مدخل للفارق في التأثير فإنه وإن ظهر مناسبته أيضا فيجوز أن يختص اعتبار المناسب ببعض المواضع إذ السرقة تناسب القطع ثم تختص بالنصاب والزنا يناسب الرجم ثم يختص بالمحصن فيتوجه على المناسب أيضا أن يقول لم قلت إذا أثر هذا المناسب وهو الصغر في ولاية المال فينبغي أن يؤثر في ولاية البضع وإذا أثر في البكر يؤثر في الثيب وإذا أثر في التزويج من الابن يؤثر في التزويج من البنت ومن المناسبات ما يختص ببعض المواضع وهذا السؤال يستمد من خيال منكري القياس فلا ينبغي أن يقبل القسم الثالث في إثبات العلة بالاستنباط وطرق الاستدلال وهي أنواع النوع الأول السبر والتقسيم وهو دليل صحيح وذلك بأن يقول هذا الحكم معلل ولا علة له إلا كذا أو كذا وقد بطل أحدهما فتعين الآخر وإذا استقام السبر كذلك فلا يحتاج إلى مناسبة بل له أن يقول حرم الربا في البر ولا بد من علامة تضبط مجرى الحكم عن موقعه ولا علامة إلا الطعم أو القوت أو الكيل وقد بطل القوت والكيل بدليل كذا وكذا فثبت الطعم لكن يحتج ههنا إلى إقامة الدليل على ثلاثة أمور أحدها أنه لا بد من علامة إذ قد يقال هو معلوم باسم البر فلا يحتاج إلى علامة وعلة فنقول ليس كذلك لأن إذا صار دقيقا وخبزا وسويقا نفى حكم الربا وزال اسم البر فدل أن مناط الربا أمر أعم من اسم البر الثاني أن يكون سبره حاصرا فيحصر جميع ما يمكن أن يكون علة أما بأن يوافقه الخصم على أن الممكنات ما ذكره وذلك ظاهر أو لا يسلم فإن كان يسلم فإن كان مجتهدا فعليه سبر بقدر إمكانه حتى يعجز عن إيراد غيره وإن كان مناظرا فيكفيه أن يقول هذا منتهى قدرتي في السبر فإن شاركتني في الجهل بغيره لزمك مالزمني وإن أطلعت على علة أخرى فيلزمك التنبيه عليها حتى أنظر في صحتها أو فسادها فإن قال لا يلزمني ولا أظهر العلة وإن كنت أعرفها فهذا عناد محرم وصاحبه إما كاذب وإما فاسق بكتمان حكم مست الحاجة إلى إظهار ومثل هذا الجدل حرام وليس من الدين ثم إفساد سائر العلل تارة يكون ببيان سقوط أثرها في الحكم بأن يظهر بقاء الحكم مع انتفائها أو بانتقاضها بأن يظهر انتفاء الحكم مع وجودها

Section V01/P310–V01/P311

النوع الثاني من الاستنباط إثبات العلة بإبداء مناسبتها للحكم والاكتفاء بمجرد المناسبة في إثبات الحكم مختلف فيه وينشأ منه أن المراد بالمناسب ما هو على منهاج المصالح بحيث إذا أضيف الحكم إليه انتظم مثاله قولنا حرمت الخمر لأنها تزيل العقل الذي هو مناط التكليف وهو مناسب لا كقولنا حرمت لأنها تقذف بالزبد أو لأنها تحفظ في الدن فإن ذلك لا يناسب وقد ذكرنا حقيقة المناسب وأقسامه ومراتبه في آخر القطب الثاني من باب الاستحسان والاستصلاح فلا نعيده لكنا نقول المناسب ينقسم إلى مؤثر وملائم وغريب ومثال المؤثر التعليل للولاية بالصغر ومعنى كونه مؤثرا أنه ظهر تأثيره في الحكم بالإجماع أو النص وإذا ظهر تأثيره فلا يحتاج إلى المناسبة بل قوله من مس ذكره فليتوضأ لما دل على تأثير المس قسنا عليه مس ذكر غيره أما الملائم فعبارة عما لم يظهر تأثير عينه في عين ذلك الحكم كما في الصغر لكن ظهر تأثير جنسه في جنس ذلك الحكم مثاله قوله لا يجب على الحائض قضاء الصلاة دون الصوم لما في قضاء الصلاة من الحرج بسبب كثرة الصلاة وهذا قد ظهر تأثير جنسه لأن لجنس المشقة تأثيرا في التخفيف أما هذه المشقة نفسها وهي مشقة التكرر فلم يظهر تأثيرها في موضع آخر نعم لو كان قد ورد النص بسقوط قضاء الصلاة عن الحرائر الحيض وقسنا عليهن الإماء لكان ذلك تعليلا بما ظهر تأثير عينه في عين الحكم لكن في محل مخصوص فعديناه إلى محل آخر ومثاله أيضا قولنا إن قليل النبيذ وإن لم يسكر حرام قياسا على قليل الخمر وتعليلنا قليل الخمر بأن ذلك منه يدعو إلى كثيره فهذا مناسب لم يظهر تأثير عينه لكن ظهر تأثير جنسه إذا الخلوة لما كانت داعية إلى الزنا حرمها الشرع كتحريم الزنا فكان هذا ملائما للجنس بصرف الشرع وأن لم يظهر تأثير عينه في الحكم وأما الغريب الذي لم يظهر تأثيره ولا ملاءمته لجنس تصرفات الشرع فمثاله قولنا إن الخمر إنماح رمت لكونها مسكرة ففي معناها كل مسكر ولم يظهر أثر السكر في موضع آخر لكنه مناسب وهذا مثال الغريب لو لم يقدبر التنبيه بقوله إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر المائدة 91 ومثاله أيضا قولنا المطلقة ثلاثا في مرض الموت ترث لأن الزوج قصد الفرار من ميراثها فيعارض بنقيض قصده قياسا على القاتل فإنه لا يرث لأنه يستعجل الميراث فعورض بنقيض قصده فإن التعليل حرمان القاتل بهذا تعليل بمناسب لا يلائم جنس تصرفات الشرع لأنا لا نرى الشرع في موضع آخر قد التفت إلى جنسه فتبقى مناسبة مجردة غريبة ولو علل الحرمان بكونه متعديا بالقتل وجعل هذا جزاء على العدوان كان تعليلا بمناسبة ملائم ليس بمؤثر لأن الجناية بعينها وإن ظهر تأثيرها في العقوبات فلم يظهر تأثيرها في الحرمان عن الميراث فلم يؤثر في عين الحكم وإنما أثر في جنس آخر من الأحكام فهو من جنس الملائم لا من جنس المؤثر ولا من جنس الغريب فإذا عرفت مثال هذه الأقسام الثلاثة فأعلم أن المؤثر مقبول باتفاق القائلين بالقياس وقصر أبو زيد الدبوسي القياس عليه وقال لا يقبل إلا مؤثر ولكن أورد للمؤثر أمثله عرف بها أنه قبل الملائم لكنه سماه أيضا مؤثرا وذكرنا تفصيل أمثلته والاعتراض عليها في كتاب شفاء الغليل ولا سبيل إلى الاقتصار على المؤثر لأن المطلبو غلبة الظن ومن استقرأ أقيسة الصحابة رضي الله عنهم واجتهاداتهم علم أنهم لم يشترطوا في كل قياس كون العلة معلومة بالنص والإجماع وأما المناسب الغريب فهذا في محل الاجتهاد

Section V01/P311–V01/P312

ولا يبعد عندي أن يغلب ذلك على ظن بعض المجتهدين ولا يدل دليل قاطع على بطلان اجتهاده فإن قيل يدل على بطلانه أنه متحكم بالتعليل من غير دليل يشهد لإضافة الحكم إلى علته قلنا إثبات الحكم على وفقه يشهد لملاحظة الشرع له ويغلب ذلك على الظن فإن قيل قولكم إثبات الحكم على وفقه تلبيس إذ معناه أنه تقاضى الحكم بمناسبة وبعث الشارع على الحكم فأجاب باعثه وانبعث على وفق بعثه وهذا تحكم لأنه يحتمل أن يكون حكم الشرع بتحريم الخمر تعبدا أو تحكما كتحريم الخنزير والميتة والدم والحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير مع تحليل الضبع والثعلب على بعض المذاهب وهي تحكمات لكن اتفق معنى الإسكار في الخمر فظن أنه لأجل الإسكار ولم يتفق مثله في الميتة والخنزير فقيل أنه تحكم وهذا على تقدير عدم التنبيه في القرآن بذكر العداوة والبغضاء ويحتمل أن يكون بمعنى آخر مناسب لم يظهر لنا ويحتمل أن يكون للإسكار فهذه ثلاثة احتمالات فالحكم بواحد من هذه الثلاثة تحكم بغير دليل وإلا فبم يترجح هذا الإحتمال وهذا لا ينقلب في المؤثر فإنه عرف كونه علة بإضافة الحكم إليه نصا أو إجماعا كالصغر وتقديم الأخ للأب والأم والجواب أنا نرجح هذا الاحتمال على احتمال التحكم بما رددنا به مذهب منكري القياس كما في المؤثر فإن العلة إذا أضيف الحكم إليها في محل احتمل أن يكون مختصا بذلك المحل كما اختص تأثير الزنا بالمحصن وتأثير السرقة بالنصاب فلا يبعد أن يؤثر الصغر في ولاية المال دون ولاية البضع وامتزاج الأخوة في التقديم في الميراث دون الولاية وبه اعتصم نفاة القياس لكن قيل لهم علم من الصحابة رضي الله عنهم اتباع العلل وإطراح تنزيل الشرع على التحكم ما أمكن فكذلك ههنا ولا فرق وأما قولهم لعل فيه معنى آخر مناسبا هو الباعث للشارع ولم يظهر لنا وإنما مالت أنفسنا إلى المعنى الذي ظهر لعدم ظهور الآخر لا لدليل دل عليه فهو وهم محض فنقول غلبة الظن في كل موضع تستند إلى مثل هذا الوهم وتعتمد انتفاء الظهور في معنى آخر لو ظهر لبطلت غلبة الظن ولو فتح هذا الباب لم يستقم قياس فإن العلة الجامعة بين الفرع والأصل وإن كانت مؤثرة فإنما يغلب على الظن الاجتماع لعدم ظهور الفرق ولعل فيه معنى لو ظهر لزالت عنه غلبة الظن ولعدم علة معارضة لتلك العلة فلو ظهر أصل آخر يشهد للفرع بعلة أخرى تناقض العلة الأولى لا تدفع غلبة الظن بل يحصل الظن من صيغ العموم والظواهر بشرط انتفاء قرينة مخصصة لو ظهرت لزال الظن لكن إذا لم تظهر جاز التعويل عليه وذلك لأنه لم يظهر لنا من إجماع الصحابة رضي الله عنهم على الاجتهاد إلا اتباع الرأي الأغلب وإلا فلم يضبطوا أجناس غلبة الظن ولم يميزوا جنسا عن جنس فإن سلمتم حصول الظن بمجرد المناسبة وجب إتباعه فإن قيل لا نسلم أن هذا ظن بل هو وهم مجرد فإن التحكم محتمل ومناسب آخر لم يظهر لنا محتمل وهذا الذي ظهر محتمل ووهم الإنسان مائل إلى طلب علة وسبب لكل حكم ثم أنه سباق إلى ما ظهر له وقاض بأنه ليس في الوجود إلا ما ظهر له فتقضي نفسه بأنه لا بد من سبب ولا سبب إلا هذا فإذا هو السبب فقوله لا بد من سبب إن سلمناه ولم ينزل على التحكم ونقول بلا علة ولا سبب فقوله لا سبب إلا هذا تحكم مستنده أنه لم يعلم إلا هذا فجعل عدم علمه بسبب آخر علما بعدم سبب آخر وهو غلط وبمثل هذا الطريق أبطلتم القول بالمفهوم إذ مستند القائل به أنه لا بد من باعث على التخصيص ولم يظهر لنا باعث سوى اختصاص الحكم فإذا هو الباعث إذ قلتم بما عرفتم أنه لا باعث سواه فلعله بعثه على التخصيص باعث لم يظهر لكم وهذا كلام واقع في إمكان التعليل بمناسب لا يؤثر ولا يلائم

Section V01/P312–V01/P313

والجواب أن هذا استمداد من مأخذ نفاة القياس وهو منقلب في المؤثر والملائم فإن الظن الحاصل به أيضا يقابله احتمال التحكم واحتمال فرق ينقدح واحتمال علة تعارض هذه العلة في الفرع ولا فرق بين هذه الاحتمالات ولولاها لم يكن الإلحاق مظنونا بل مقطوعا كإلحاق الأمة بالعبد وفهم الضرب من التأفيف وقول القائل أن هذا وهم وليس بظن ليس كذلك فإن الوهم عبارة عن ميل النفس من غير سبب مرجح والظن عبارة عن الميل بسبب ومن بنى أمره في المعاملات الدنيوية على الوهم سفه في عقله ومن بناه على الظن كان معذورا حتى لو تصرف في مال الطفل بالوهم ضمن ولو تصرف بالظن لم يضمن فمن رأى مركب الرئيس على باب دار السلطان فاعتقد أن الرئيس ليس في داره بل في دار السلطان وبنى عليه مصلحته لم يعد متوهما وإن أمكن أن يكون الرئيس قد أعار مركبه أو باعه أو ركبه الركابي في شغل ومن رأى الرئيس أمر غلامه بضرب رجل وكان قد عرف أنه يشتم الرئيس فحمل ضربه على أنه شتمه كان معذورا ومن رأى ماعزا أقر بالزنا ثم رأى النبي عليه السلام قد أمر برجمه فاعتقد أنه أمر برجمه لزناه وروى ذلك كان معذورا ظانا ولم يكن متوهما ومن عرف شخصا بأنه جاسوس ثم رأى السلطان قد أمر بقتله فحمله عليه لم يكن متوهما فإن قيل لا بل يكون متوهما فإنه لو عرف من عادة الرئيس أنه يقابل الإساءة بالإحسان ولا يضرب من يشتمه وعرف من عادة الأمير الإغضاء عن الجاسوس إما استهانة بالخصم أو استمالة ثم رآه قتل جاسوسا فحكم بأنه قتله لتجسسه فهو متوهم متحكم أما إذا عرف من عادته ذلك فتكون عادته المطردة علامة شاهدة لحكم ظنه ووزانه من مسألتنا الملائم الذي التفت الشرع إلى مثله وعرف من عادته ملاحظة عينه أو ملاحظة جنسه وكلامنا في الغريب الذي ليس بملائم ولا مؤثر والجواب أن ههنا ثلاث مراتب إحداها أن يعرف أن من عادة الرئيس الإحسان إلى المسيء ومن عادة الأمير الإغضاء عن الجاسوس فهذا يمنع تعليل الضرب والقتل بالشتم والتجسس ووزانه أن يعلل الحكم بمناسب أعرض الشرع عنه وحكم بنقيض موجبه فهذا لا يعول عليه لأن الشرع كما التفت إلى مصالح فقد أعرض عن مصالح فما أعرض عنه لا يعلل به والثانية أن يعرف من عادة الرئيس والأمير ضرب الشاتم وقتل الجاسوس فوزانه الملائم وهذا مقبول وفاقا من القائسين

Section V01/P313–V01/P314

وإنما النظر في رتبة ثالثة وهو من لم تعرف له عادة أصلا في الشاتم والجاسوس فنحن نعلم أنه لو ضرب وقتل غلب على ظنون العقلاء الحوالة عليه وأنه سلك مسلك المكافأة لأن الجريمة تناسب العقوبة فإن قيل لأن أغلب عادة الملوك ذلك والأغلب أن طبائعهم تتقارب قلنا فليس في هذا إلا الأخذ بالأغلب وكذلك أغلب عادات الشرع في غير العبادات اتباع المناسبات والمصالح دون التحكمات الجامدة فتنزيل حكمه عليه أغلب على الظن ويبقى أن يقال لعله حكم بمناسب آخر لم يظهر لنا فنقول ما بحثنا عنه بحسب جهدنا فلم نعثر عليه فهو معدوم في حقنا ولم يكلف المجتهد غيره وعليه دلت أقيسة الصحابة والتمسك بالمؤثر والملائم لقول النبي عليه السلام لعمر أرأيت لو تمضمضت معناه لم لم تفهم أن القبلة مقدمة الوقاع والمضمضة مقدمة الشرب فلو قال عمر لعلك عفوت عن المضمضة لخاصية في المضمضة أو لمعنى مناسب لم يظهر لي ولا يتحقق ذلك في القبلة لم يقبل منه ذلك وعدم ذلك مجادلة وكذلك قوله أرأيت لو كان على أبيك دين فتقضينه وكذلك كل قياس نقل عن الصحابة وبالجملة إذا فتح باب القياس فالضبط بعده غير ممكن لكن يتبع الظن والظن على مراتب وأقواه المؤثر فإنه لا يعارضه إلا احتمال التعليل بتخصيص المحل ودونه الملائم ودونه المناسب الذي لا يلائم وهو أيضا درجات وإن كان على ضعف ولكن يختلف باختلاف قوة المناسبة وربما يورث الظن لبعض المجتهدين في بعض المواضع فلا يقطع ببطلانه ولا يمكن ضبط درجات المناسبة أصلا بل لكل مسألة ذوق آخر ينبغي أن ينظر فيه المجتهد وأما المفهوم فلا يبعد أيضا أن يغلب في بعض المواضع على ظن بعض المتجهدين وعند ذلك يعسر الوقوف على أن ذلك الظن حصل بمجرد التخصيص وحده أو به مع قرينة فلا يبعد أن يقال هو مجتهد فيه وليس مقطوعا فإنه ظهر لنا أن صيغة العموم بمجردها إذا تجردت عن القرائن أفادت العموم وليس يفهم ذلك من مجرد لفظ التخصيص وإن كان يمكن انقداحه في النفس في بعض المواضع فليكن ذلك أيضا في محل الاجتهاد وقد خرج على هذا أن المعنى باعتبار الملاءمة وشهادة الأصل المعين أربعة أقسام ملائم يشهد له أصل معين يقبل قطعا عند القائسين ومناسب لا يلائم ولا يشهد له أصل معين فلا يقبل قطعا عند القائسين فإنه استحسان ووضع للشرع بالرأي ومثاله حرمان القاتل لو لم يرد فيه نص لمعارضته بنقيض قصده فهذا وضع للشرع بالرأي ومناسب يشهد له أصل معين لكن لا يلائم فهو في محل الاجتهاد وملائم لا يشهد له أصل معين وهو الاستدلال المرسل وهو أيضا في محل الاجتهاد وقد ذكرناه في باب الاستصلاح في آخر القطب الثاني وبينا مراتبه القول في المسالك الفاسدة في إثبات علة الأصل وهي ثلاثة الأول أن نقول الدليل على صحة علة الأصل سلامتها عن علة تعارضها تقتضي نقيض حكمها وسلامتها عن المعارضة دليل صحتها وهذا فاسد لأنه إن سلم عنه فإنما سلم عن مفسد واحد فربما لا يسلم عن مفسد آخر وإن سلم عن كل مفسد أيضا لم يدل على صحته كما لو سلم شهادة المجهول عن علة قادحة لا يدل على كونه حجة ما لم تقم بينة معدلة مزيكة فكذلك لا يكفي للصحة انتفاء المفسد بل لا بد من قيام الدليل على الصحة فإن قيل دليل صحتها انتفاء المفسد قلنا لا بل دليل فساده انتفاء المصحح فهذا منقلب ولا فرق بين الكلامين

Section V01/P314–V01/P315

المسلك الثاني الاستدلال على صحتها بأطرادها وجريانها في حكمها وهذا لا معنى له إلا سلامتها عن مفسد واحد وهو النقض فهو كقول القائل زيد عالم لأنه لا دليل يفسد دعوى العلم ويعارضه أنه جاهل لأنه لا دليل يفسد دعوى الجهل والحق أنه لا يعلم كونه عالما بانتفاء دليل الجهل ولا كونه جاهلا بانتفاء دليل العلم بل يتوقف فيه إلى ظهور الدليل فكذلك الصحة والفساد فإن قيل ثبوت حكمها معها واقترانه بها دليل على كونها علة قلنا غلطتم في قولكم ثبوت حكمها لأن هذه إضافة للحكم لا تثبت إلا بعد قيام الدليل على كونها علة فإذا لم يثبت لم يكن حكمها بل بحال غلبة الظن عليه كان حكم علته واقترن بها والاقتران لا يدل على الإضافة فقد يلزم الخمر لون وطعم يقترن به التحريم ويطرد وينعكس والعلة الشدة واقترانه بما ليس بعلة كاقتران الأحكام بطلوع كوكب وهبوب ريح وبالجملة فنصب العلة مذهب يفتقر إلى دليل كوضع الحكم ولا يكفي في إثبات الحكم أنه لا نقض عليه ولا مفسد له بل لا بد من دليل فكذلك العلة المسلك الثالث الطرد والعكس وقد قال قوم الوصف إذا ثبت الحكم معه وزال مع زواله يدل على أنه علة وهو فاسد لأن الرائحة المخصوصة مقرونة بالشدة في الخمر ويزول التحريم عند زوالها ويتجدد عند تجددها وليس بعلة بل هو مقترن بالعلة وهذا لأن الوجود عند الوجود طرد محض فزيادة العكس لا تؤثر لأن العكس ليس بشرط في العلل الشرعية فلا أثر لوجوده وعدمه ولأن زواله عند زواله يحتمل أن يكون لملازمته للعلة كالرائحة أو لكونه جزءا من أجزاء العلة أو شرطا من شروطها والحكم ينتفي بانتفاء بعض شروط العلة وبعض أجزائها فإذا تعارضت الاحتمالات فلا معنى للتحكم وعلى الجملة فنسلم أن ما ثبت الحكم بثبوته فهو علة فكيف إذا انضم إليه أنه زال بزواله أما ما ثبت مع ثبوته وزال مع زواله فلا يلزم كونه علة كالرائحة المخصوصة مع الشدة أما إذا انضم إليه سبر وتقسيم كان ذلك حجة كما لو قال هذا الحكم لا بد له من علة لأنه حدث بحدوث حادث ولا حادث يمكن أن يعلل به إلا كذا وكذا وقد بطل الكل إلا هذا فهو العلة ومثل هذا السبر حجة في الطرد المحض وإن لم ينضم إليها العكس ولا يرد على هذا إلا أنه ربما شذ عنه وصف آخر هو العلة ولا يجب على المجتهد إلا سبر بحسب وسعه ولا يجب على الناظر غير ذلك وعلى من يدعي وصفا رخر إبرازه حتى ينظر فيه فإن قيل فما معنى إبطالكم التمسك بالطرد والعكس وقد رأيتم تصويب المجتهدين وقد غلب هذا على ظن قوم فإن قلتم لا يجوز لهم الحكم به فمحال إذ ليس على المجتهد إلا الحكم بالظن وإن قلتم لم يغلب على ظنهم فمحال لأن هذا قد غلب على ظن قوم ولولاه لما حكموا به قلنا أجاب القاضي رحمه الله عن هذا بأن قال نعني بإبطاله أنه باطل في حقنا لأنه لم يصح عندنا ولم يغلب على ظننا إما من غلب على ظنه فهو صحيح في حقه

Section V01/P315–V01/P316

وهذا فيه نظر عندي لأن المجتهد مصيب إذا استوفى النظر وأتمه وأما إذا قضى بسابق الرأي وبادىء الوهم فهو مخطىء فإن سبر وقسم فقد أتم النظر وأصاب أما حكمه قبل السبر والتقسيم بأن ما اقترن بشيء ينبغي أن يكون علة فيه تحكم ووهم إذ تمام دليله أن ما اقترن بشيء فهو علته وهذا قد اقترن به فهو إذا علته والمقدمة الأولى منقوضة بالطم والرم فإذا كأنه لم ينظر ولم يتمم النظر ولم يعثر على مناسبة العلة ولم يتوصل إليه بالسير والتقسيم ومن كشف له هذا لم يبق له غلبة ظن بالطرد المجرد إلا أن يكون جاهلا ناقص الرتبة عن درجة المجتهدين ومن اجتهد وليس أهلا له فهو مخطىء وليس كذلك عندي المناسب الغريب والاستدلال المرسل فإن ذلك مما يوجب الظن لبعض المجتهدين وليس يقوم فيه دليل قاطع من عرفه محق ظنه بخلاف الطرد المجرد الذي ليس معه سبر وتقسيم وهذا تمام القول في قياس العلة ولنشرع في قياس الشبه الباب الثالث في قياس الشبه ويتعلق النظر في هذا الباب بثلاثة أطراف الطرف الأول في حقيقة الشبه وأمثلته وتفصيل المذاهب فيه وإقامة الدليل على صحته أما حقيقته فاعلم أن اسم الشبه يطلق على كل قياس فإن الفرع يلحق بالأصل بجامع يشبهه فيه فهو إذا يشبهه وكذلك اسم الطرد لأن الإطراد شرط كل علة جمع فيها بين الفرع والأصل ومعنى الطرد السلامة عن النقض لكن العلة الجامعة إن كانت مؤثرة أو مناسبة عرفت بأشرف صفاتها وأقواها وهو التأثير والمناسبة دون الأخس الأعم الذي هو الاطراد والمشابهة فإن لم يكن للعلة خاصية إلا الاطراد الذي هو أعم أوصاف العلل وأضعفها في الدلالة على الصحة خص باسم الطرد لا لاختصاص الاطراد بها لكن لأنه لا خاصية لها سواه فإن انضاف إلى الاطراد زيادة ولم ينته إلى درجة المناسب والمؤثر سمي شبها وتلك الزيادة هي مناسبة الوصف الجامع لعلة الحكم وإن لم يناسب نفس الحكم بيانه أنا نقدر أن لله تعالى في كل حكم سرا وهو مصلحة مناسبة للحكم وربما لا يطلع على عين تلك المصلحة لكن يطلع على وصف يوهم الاشتمال على تلك المصلحة ويظن أنه مظنتها وقالبها الذي يتضمنها وإن كنا لا نطلع على عين ذلك السر فالاجتماع في ذلك الوصف الذي يوهم الاجتماع في المصلحة الموجبة للحكم يوجب الاجتماع في الحكم ويتميز عن المناسب بأن المناسب هو الذي يناسب الحكم ويتقاضاه بنفسه كمناسبة الشدة للتحريم ويتميز عن الطرد بأن الطرد لا يناسب الحكم ولا المصلحة المتوهمة للحكم بل نعلم إن ذلك الجنس لا يكون مظنة المصالح وقالبها كقول القائل الخل مائع لا تبنى القنطرة على جنسه فلا يزيل النجاسة كالدهن وكأنه علل إزالة النجاسة بالماء بأنه تبنى القنطرة على جنسه واحترز من الماء القليل

Section V01/P316–V01/P317

فإنه وإن كان لا تبنى القنطرة عليه فإنه تبنى على جنسه فهذه علة مطردة لا نقض عليها ليس فيها خصلة سوى الإطراد ونعلم أنه لا يناسب الحكم ولا يناسب العلة التي تقتضي الحكم بالتضمن لها والاشتمال عليها فإنا نعلم أن الماء جعل مزيلا للنجاسة لخاصية وعلة وسبب يعلمه الله تعالى وإن لم نعلمها ونعلم أن بناء القنطرة مما لا يوهم الاشتمال عليها ولا يناسبها فإذا معنى التشبيه الجمع بين الفرع والأصل بوصف مع الأعتراف بأن ذلك الوصف ليس علة للحكم بخلاف قياس العلة فإنه جمع بما هو علة الحكم فإن لم يرد الأصوليون بقياس الشبه هذا الجنس فلست أدري ما الذي أرادوا وبم فصلوه عن الطرد المحض وعن المناسب وعلى الجملة فنحن نريد هذا بالشبه فعلينا الآن تفهيمه بالأمثلة وإقامة الدليل على صحته أما أمثلة قياس الشبه فهي كثيرة ولعل جل أقيسة الفقهاء ترجع إليها إذ يعسر إظهار تأثير العلل بالنص والإجماع والمناسبة المصلحية المثال الأول قول أبي حنيفة مسح الرأس لا يتكرر تشبيها له بمسح الخف والتيمم والجامع أنه مسح فلا يستحب فيه التكرار قياسا على التيمم ومسح الخف ولا مطمع فيما ذكره أبو زيد من تأثير المسح فإنه أورد هذا مثالا للقياس المؤثر وقال ظهر تأثير المسح في التخفيف في الخف والتيمم فهو تعليل بمؤثر وقد غلط فيه إذ ليس يسلم الشافعي أن الحكم في الأصل معلل بكونه مسحا بل لعله تعبد ولا علة له أو معلل بمعنى آخر مناسب لم يظهر لنا والنزاع واقع في علة الأصل وهو أن مسح الخف لم لا يستحب تكراره أيقال أنه تعبد لا يعلل أو لأن تكراره يؤدي إلى تمزيق الخف أو لأنه وظيفة تعبدية تمرينية لا تفيد فائدة الأصل إذ لا نظافة فيه لكن وضع لكيلا تركن النفس إلى الكسل أو لأنه وظيفة على بدل محل الوضوء لا على الأصل فمن سلم أن العلة المؤثرة في الأصل هي المسح يلزمه فالشافعي يقول أصل يؤدي بالماء فيتكرر كالأعضاء الثلاثة فكأنه يقول هي إحدى الوظائف الأربع في الوضوء فالأشبه التسوية بين الأركان الأربعة ولا يمكن ادعاء التأثير والمناسبة في التعلتين على المذهبين ولا ينكر تأثير كل واحد من الشبهين في تحريك الظن إلى أن يترجح المثال الثاني قال الشافعي رحمه الله في مسألة النية طهارتان فكيف يفترقان وقد يقال طهارة موجبها في غير محل موجبها فتفتقر إلى النية كالتيمم وهذا يوهم الاجتماع في مناسب هو مأخذ النية وإن لم يطلع على ذلك المناسب المثال الثالث تشبيه الأرز والزبيب بالتمر والبر لكونهما مطعومين أو قوتين فإن ذلك إذا قوبل بالتشبيه بكونهما مقدرين أو مكيلين ظهر الفرق إذ يعلم أن الربا ثبت لسر ومصلحة والطعم والقوت وصف ينبىء عن معنى به قوام النفس والأغلب على الظن أن تلك المصلحة في ضمنهما لا في ضمن الكيل الذي هو عبارة عن تقدير الأجسام المثال الرابع تعليلنا وجوب الضمان في يد السوم بأنه أخذ لغرض نفسه من غير استحقاق ونعديه إلى يد العارية وتعليل أبي حنيفة بأنه أخذ على جهة الشراء والمأخوذ على جهة الشراء كالمأخوذ على حقيقته ويعديه إلى الرهن فكل واحدة من العلتين ليست مناسبة ولا مؤثرة إذ لم يظهر بالنص أو الإجماع إضافة الحكم إلى هذين الوصفين في غير يد السوم وهو في يد السوم متنازع فيه المثال الخامس قولنا إن قليل أرش الجناية يضرب على العاقلة لأنه بدل الجناية على الآدمي كالكثير فإنا نقول ثبت ضرب الدية وضرب أرش اليد والأطراف ونحن لا نعرف معنى مناسبا يوجب الضرب على العاقلة فإنه على خلاف المناسب لكن يظن أن ضابط الحكم الذي تميز به عن الأموال هو أنه بدل الجناية على الآدمي فهو مظنة المصلحة التي غابت عنا

Section V01/P317–V01/P318

المثال السادس قولنا في مسألة التبييت أنه صوم مفروض فافتقر إلى التبييت كالقضاء وهم يقولون صوم عين فلا يفتقر إلى التبييت كالتطوع وكأن الشرع رخص في التطوع ومنع من القضاء فظهر لنا أن فاصل الحكم هو الفرضية فهذا وأمثاله مما يكثر شبهه ربما ينقدح لبعض المنكرين للشبه في بعض هذه الأمثلة إثبات العلة بتأثير أو مناسبة أو بالتعرض للفارق وإسقاط أثره فيقول هي مأخذ هذه العلة لا ما ذكرته من الإيهام فنقول لا يطرد ذلك في جميع الأمثلة وحيث يطرد فليقدر انتفاء ذلك المأخذ الذي ظهر لهذا الناظر وعند انتفائه يبقى ما ذكرناه من الإيهام وهو كتقديرنا في تمثيل المناسب بإسكار الخمر عدم ورود الإيماء في قوله تعالى إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء المائدة 91 والمقصود أن المثال ليس مقصودا في نفسه فإن انقدح في بعض الصور معنى زائد على الإيهام المذكور فليقدر انتفاؤه هذا حقيقة الشبه وأمثلته وأما إقامة الدليل على صحته فهو أن الدليل إما أن يطلب من المناظر أو يطلبه المجتهد من نفسه والأصل هو المجتهد وهذا الجنس مما يغلب على ظن بعض المجتهدين وما من مجتهد يمارس النظر في مأخذ الأحكام إلا ويجد ذلك من نفسه فمن أثر ذلك في نفسه حتى غلب ذلك على ظنه فهو كالمناسب ولم يكلف إلا غلبة الظن فهو صحيح في حقه ومن لم يغلب ذلك على ظنه فليس له الحكم به وليس معنا دليل قاطع يبطل الاعتماد على هذا الظن بعد حصوله بخلاف الطرد على ما ذكرناه أما المناظر فلا يمكنه إقامة الدليل على على الخصم المنكر فإنه إن خرج إلى طريق السبر والتقسيم كان ذلك طريقا مستقلا لو ساعد مثله في الطرد لكان دليلا وإذا لم يسبر فطريقه أن يقول هذا يوهم الاجتماع في مأخذ الحكم ويغلب على الظن والخصم يجاحد إما معاندا جاحدا وإما صادقا من حيث أنه لا يوهم عنده ولا يغلب على ظنه وإن غلب على ظن خصمه والمجتهدون الذين أفضى بهم النظر إلى أن هذا الجنس مما يغلب على الظن لا ينبغي أن يصطلحوا في المناظرة على فتح باب المطالبة أصلا كما فعله القدماء من الأصحاب فإنهم لم يفتحوا هذا الباب واكتفوا من العلل بالجمع بين الفرع والأصل بوصف جامع كيف كان وأخرجوا المعترض إلى إفساده بالنقض أو الفرق أو المعارضة لأن إضافة وصف آخر من الأصل إلى ما جعله علة الأصل وإبداء ذلك في معرض قطع الجمع أهون من تكليف إقامة الدليل على كونه مغلبا على الظن فإن ذلك يفتح طريق النظر في أوصاف الأصل والمطالبة تحسم سبيل النظر وترهق إلى ما لا سبيل فيه إلى إرهاق الخصم وإفحامه والجدل شريعة وضعها الجدليون فليضعوها على وجه هو أقرب إلى الاتنفاع فإن قيل وضعها كذلك يفتح باب الطرديات المستقبحة وذلك أيضا شنيع قلنا الطرد الشنيع يمكن إفساده على الفور بطريق أقرب من المطالبة فإنه إذا علل الأصل بوصف مطرد يشمل الفرع فيعارض بوصف مطرد يخص الأصل ولا يشمل الفرع فيكون ذلك معارضة الفاسد بالفاسد وهو مسكت معلوم على الفور والاصطلاح عليه كما فعله قدماء الأصحاب أولى بل لا سبيل إلى الاصطلاح على غيره لمن يقول بالشبه فإن لم يستحسن هذا الاصطلاح فليقع الاصطلاح على أن يسير المعلل أوصاف الأصل ويقول لا بد للحكم من مناط وعلامة ضابطة ولا علة ولا مناط إلا كذا وكذا وما ذكرته أولى من غيره أو ما عدا ما ذكرته فهو منقوض وباطل فلا يبقى عليه سؤال إلا أن يقول مناط الحكم في محل النص الاسم أو المعنى الذي يخص المحل كقوله الحكم في البر معلوم باسم البر فلا حاجة إلى علامة أخرى وفي الدراهم والدنانير معلوم بالنقدية التي تخصها أو يقول مناط الحكم وصف آخر لا أذكره ولا يلزمني أن أذكره وعليك تصحيح علة نفسك وهذا الثاني مجادلة محرمة محظورة إذ يقال له إن لم يظهر لك إلا ما ظهر لي لزمك ما لزمني بحكم استفراغ الوسع في السبر وإن ظهر لك شيء آخر يلزمك التنبيه عليه بذكره حتى أنظر فيه فأفسده أو أرجح علتي على علتك فإن قال هو اسم البر أو النقدية فذلك صحيح مقبول وعلى المعلل أن يفسد ما ذكره بأن يقول ليس المناط اسم البر بدليل أنه إذا صار دقيقا أو عجينا أو خبزا دام حكم الربا وزال اسم البر فدل أن علامة الحكم أمر يشترط فيه هذه الأحوال من طعم أو قوت أو كيل