Qur'an&Sunnah

Mâtürîdî — Kitâbü't-Tevhîd (Mâtürîdî)

Bagian V01/P344–V01/P346

ثم استدل على تسمية جميع الطاعات إيمانا بما هي من الدين عند الجميع وبقوله ومن يبتغ غير الإسلام دينا وقد بينا بعد من تعلق بالآية عن حقيقتها مع ما لا ريب أن مبتغى شيء من العبادات على الإشارة إليها بلا إعتقاد الإسلام دينا غير مقبول منه وإنما تقبل كل عبادة بدين الإسلام ثبت أنه اسم عبادة مشار إليها بها يقبل كل عبادة ولقوتها يرد وهذا معنى قول الجميع من الدين ولا كل شيء يضاف إلى شيء بأنه منه يجب له اسمه قال الله تعالى وما بكم من نعمة فمن الله لا أنها هي هو بل في ذلك دليل على غيرية الدين حتى يضاف إليه فأقام به بعد الفراغ منه والله الموفق ثم احتج بقوله وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ونحو ذلك من الوعيد للمؤمنين باسم المطلق ثم لم يكن ذلك لمرتكب الفسق فيه وقد أجمع على عموم الوعد وإن اختلف في عموم الوعيد قال الشيخ رحمه الله نقول وبالله التوفيق دعواه الإجماع في عموم آيات الوعد كذب لا يزال يجعله مفزعا لنفسه في كل نائبة وقد قال الله فأثابهم الله بما قالوا جنات وليس يجب مثله للقول خاصة في قول الجميع فثبت به كذبه في الحكاية ثم لما استدل بالآيات أجوبة ثلاثة أحدها الإخبار عن منتهى الأحوال وإلى ذلك مرجع كل مؤمن والثاني أن يكون الوعد للذين حققوا الإيمان بأخلاقه وما دله عليه وجائز تسمية أحد بشيء ذلك اسم لأمر تتصل به أمور عند جميع تلك الأمور ويجوز عند إقرار الإسم بالذي به سمى والله أعلم والثالث أن يكون له ذلك الجزاء وما يعاقب به فهو يعاقب بحقوقه وليس الذي يصيبه بحق دينه مقصر عنه حق دينه مع ما بين الله أن له من الله فضلا كبيرا ليعلم أن الجزاء للخيرات منه أفضال وما كان حكمة الأفضال فإلى من يقوم به ذلك من اختيار أحوال وأوقات ثم تكلف نصب قول للمرجئة بما يعلم كل متأمل فيه ممن قد عرف مذاهبهم كذبه فيه ليكون له سبيل الطعن عليهم تركت ذكره لقلة النفع فيه إذ هو كذب ثم قال إذ ثبت بمتفق القول على أحد الوعيد الفاسق إن مات قبل أن يتوب بين أهل الإرجاء وأن يجوز أن يكون هو المعنى به ويجوز أن لا يكون إلا ما قال مقاتل إنه من أهل الوعد لا محالة ولا يترك لمثله الإجماع إنه ليس بمؤمن فيقال له لو كان بالذي ذكرته يثبت الذي ادعيت فإذ كان القول عنهم هو ضد ما حكيت يفسد ما ادعيت ثم أكثر المنتسبين إلى الإرجاء ينكر الوعيد أن يكون في غير المستحلين معروف ذلك بينهم فهو يوضح ما ادعينا عليه من الكذب في الحكاية والله أعلم ثم أكثر أسئلة لا يسأل عنها ولا أجاب بأجوبة يرتضى بها من له أدنى فهم فتركتها لقلة النفع في ذكرها والله الموفق ثم زعم أن ترك الصغائر إيمان لما يعاقب عليها لو لم يجتنب الكبائر فيقال له إذا يجب أن يكون إيمانا عند ارتكاب الكبائر ولما يعذب على ضد ذلك وليس بإيمان إذا اجتنب وذلك غاية الحيرة ثم احتج بها بما لا يجوز عند الأمة الإستغفار للفاجر فيقال له ما يعنى بالفاجر الكافر أو الذي يرتكب كبيرة في حال إيمان بلا استحلال فإن قال بالأول حاد عن الإعتدال وإن قال بالثاني كذب على الأمة وجعله دليلا لاستحقاقه الخلود في النار بما ظهر من صنيعه فمبذول له ما تمنى في نفسه ثم عليه فيه أمران أحدهما إطلاق الإسم بالفجور مرة وهو في حالة فيه ولا فعل فجور يجوز إطلاق الإسم بالإيمان وهو فيه ومعه حقيقة فعله بالسمع والعقل جميعا بل لا يجوز إطلاق اسم الفجور حتى يبين وجائز ذلك في الإيمان بما جاء به القرآن واتفق عليه أهل اللسان ولا قوة إلا بالله والثاني أنه صرف استغفار الأنبياء والأولياء إلى ما هو مغفور وذلك كتمان نعمة الغفران وإعراض عن الشكر فيما ذلك حقه وذلك بعيد ممتنع والله الموفق

Bagian V01/P346–V01/P349

ثم احتج بآية القذف إن الله أخبر أنه ملعونون بلا ذكر استحلال وغيره ولا يكون الملعون مؤمنا بقول وبالله التوفيق إنما في الآية لعنة الله عليه إن كان كذلك وليس فيها أن الله سماه ملعونا فأول ما في اعتلالك أن كذبت على القرآن ثم كيف ألزمته اللعنة بقوله أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ولم يلزمه اسم الإيمان وهو يقول به ويحقق أيضا أنه رد أحد اللعنتين إلى الحد فكذلك الآخر على أن الآية نزلت في المنافقين بقوله فأولئك عند الله هم الكاذبون ولا كل قاذف كذلك وجملة ذلك أن من اجترى على ذلك القول واستخف بمقت الله ولعنه حلت به والأصل أن الكفر هو الطرد ولا كل مطرود بارتكاب مأثم ولا يقبل لو عذب قدر ما استوجب ولا كل من يقول عليه لعنة الله يستحقها ولو كان أحد يستحقها كان أحقها بها صاحب هذا القول إذ هو معلوم أنه كان يتعاطى الفسق ويختلف إلى الأئمة الحائرة وكل ذلك على مذهبه يوجب اللعن حقيقة وما في الآية قول اللعن لا حقيقة الوقوع ولا قوة إلا بالله ثم احتج بقوله ومن يعص الله ورسوله في تعطل الحدود وقد ذكر في مثله الخلود في النار من غير ذكر كبيرة ولا صغيرة فإن كان ذا على التأويل فمثله الأول مع ما قال الله في مثله ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون فذلك أيضا في تعطيل الحدود وهو يأتي القول به ويصرف الآية إلى الإستحلال فمثله الذي ذكر ومثله في احتجاجه بقوله أضاعوا الصلاة مع ما قال الله تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وما ذكر من الأخوة والتحلية واجب بالقبول دون الفعل فكذلك الإضاعة تكون بالرد دون التأخير ولا قوة إلا بالله وقد قال الله تعالى والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء وقال ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ثبت أن الذي يقوله لا يزيل الإيمان ولا إسمه والله أعلم وقد احتج بقوله فإن تابوا وأقاموا الصلاة لكنا بينا أن ذلك في حق القبول إذ لو ينتظر الفعل به لكان لا يجب الأخوة أبدا ولا يخلى سبيلهم وفي الأعياء إلى حول وذلك مما لا معنى له وقد بينا أمر الهجرة وأنها كانت من الفرائض التي جاء في التخلف عنها الوعيد الشديد ثم قد أثبت إسم الإيمان مع عدم ذلك والله أعلم واحتج بقوله ومن يقتل مؤمنا متعمدا وقوله أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وما ذكر في أكل مال اليتيم فأما القتل العمد فله أوجه ثلاثة أحدها أن يكون فيمن تعمد القتل لدينه وهذا أحد وجوه الخطأ في القتل والله أعلم والثاني أن يكون ذلك جزاؤه ولله التفضل عليه بالعفو والمقابلة بالحسنات ولا قوة إلا بالله والثالث أن تكون الآية في الكفرة وفي القصة دليل ذلك ثم دليل ما بينا قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص وإنما يكتب عليهم إذا قتلوا قتل العمد وأبقى لهم بعد القتل الإيمان ثم قال فمن عفي له من أخيه شيء فأبقى له اسم الإخوة ثم قال ذلك تخفيف من ربكم ورحمة أطمعه في رحمته جل وعلا وبعيد أن يكون له مع هذا خلود في النار ثم رأى المعتزلة في ذلك إلزام القصاص بعد التوبة وإزالة عقوبة الآخرة وصرف الآية وإن كان فيها ذكر الإيمان إلى الخروج منه وذلك تخصيص ما ذكر من أكل المال بالباطل فكل يجمع على التخصيص إذ ذلك اسم يأخذ القليل وذلك غير مراد فيه وكذلك أموال اليتامى والثاني أنه ذكر فيه عدوانا وظلما وذلك على العذاب على حد الله والظلم على صاحبه مع احتمال ذلك ما ذكرنا في القتل ثم يقال لهم الآية التي فيها ذكر الإيمان أتزيله أو تبقيه فإن أزاله فقد أقر بالتخصيص وإن أبقاه رجع إلى رأى من نسبهم إلى الإرجاء والله الموفق

Bagian V01/P349–V01/P351

ثم قال إن الذي قال امتحن رسول الله لأعرف أنه رسول الله فأرد عليه بعد المعرفة فعرف صدقه إنه لا يكون بتلك المعرفة مؤمنا دل أن إطلاق الإسم ليس على ما كان في اللغة قال الفقيه رحمه الله فنقول وبالله التوفيق ما أعظم جهله إذا أثبت ألإسم في اللغة كأنه قال أطلقته اللغة وأنا أمنعه فهو إذا يكذب نفسه عند جميع ذلك إسمه مع ما فيه إيجاب أن الله قد منعهم عن العمل بما عرفهم والزمهم العمل بما جهلهم ذلك جل الله عن هذا الوصف ثم المعرفة ليست بإيمان وإن سميت مجازا كما يسمى فضل الله ورحمته بما هي تدعو إلى التصديق وما ذكر كله خيال لا معنى له ولا قوة إلا بالله ثم استدل على منع اسم الإيمان بما جعل الله لما أطلق له اسم الإيمان أحكاما منعت منه واسم الكفر أحكاما لمن يقرن به فيقال له ما الدليل على أن الذي أوصيت إليه من الأحكام لإطلاق دون معان تتصل به في الوجهين جميعا ثم قال منها التعظيم والتزكية والموالاة وقبول الشهادة فيقال ما الدلالة على أن كل هذا لإطلاق الإسم خاصة دون تحقيقه بالشرائط المضمومة إليه والعادات التي دعا إليها الإيمان وبعد فإن ولاية الإيمان لازمة وجميع ما منع منه منع بحق الإيمان الذي فيه إذ حقيقته فيه منعنا عما ذكر مع ما كان الثابت مما فيه الحدود والقصاص يثبت له الولاية ويجب له الشهادة وجميع ما ذكر وتقبل ويحد على ذلك ولم يكن لأحد نفى الإسم بما عفى عن عذاب الله بل ذلك كله كما قال صلى الله عليه وسلم فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ولا قوة إلا بالله وأيد ذلك قوله ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إنه لو كان الإيمان زائلا عنه لكانت الرأفة لا تأخذه بل رأفة الإيمان هي التي تأخذه حتى لعلها تبلغ إلى تعطيل الحد فحدد ذلك وأيد ذلك ما لو تاب ولا قوة إلا بالله وإقامة الحد من الرحمة لأنه يكفره ويزيل عنه والأصل أن عقوبات الكفر لا تطهر صاحبها بل تسلمه إلى عذاب الأبد كقوله أغرقوا فأدخلوا نارا والحدود والقصاص جعلت كفارات فثبت أنها جعلت كذلك لم يزل الإيمان عنه والله أعلم ثم نقول إذ الله يقسم الأحكام أقساما ثلاثة من حيث الإنقسام من اسم الكفر والإيمان وما ليس بكفر ولا إيمان حتى إذا زال حكم ذلك عنه لزم الواسط فما الدليل على أن ثمة واسط في الأسماء بل الله قسم في الجملة البشر المحتمل للعلم قسمين في أمر الدنيا والآخرة جميعا فمن زاد عليه فهو المبدع في دين الله مالم يؤذن له وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من آوى محدثا فعليه لعنة فكيف بمن هو الذي أحدث الحدث فنسأل الله العصمة واحتج بما ليسوا بكفرة بآيات قتال الكفرة وأخذ الجزية ونحو ذلك بما ليسوا بمؤمنين بأيات البشارة والولاية ونحو ذلك فبهذا خرج عن جملة قول المؤمنين كأنه أغفل عن جملة أخرى لهم وهو أن البشارة عند من يرى صاحب الكبيرة مؤمنا كانت بشريطة أو كانت هي العاقبة وعند الخوارج كان الحكم في الكفرة على نوعين أحدهما على القتل وأخذ الجزية والآخر لا كالنساء وأهل النفاق ونحوهم فيمن رام أن يجعل ثمة واسطا في الأحكام بما هي عند الفريقين يلزم لا بما ذكر من الواسط أغفل عن جملة قول الأمة ولا قوة إلا بالله مع ما كان الله تعالى قد بين الأقسام الثلاثة الكفرة والمؤمنين وأهل النفاق وهم المذبذبون بينهما وأخبر أنهم ليسوا من هؤلاء ولا من هؤلاء فمن رام تثبيت الواسط لا على ما جاء به النص وأراد أن يجعله مقابلا له على نفى الحقيقة التي جعل الله لها الواسط فقد ضيع حقوق القسمة ونقض الترتيب الذي جاء به القرآن فاستوجب المقت به من جميع منتحلي الإسلام ولا قوة إلا بالله

Bagian V01/P351–V01/P353

ثم عارض نفسه بالمرأة فزعم أنها مخصوص وهذا النوع من الخيال بل أحكام الكفر مختلفة لا يستدل بها على شيء وقد رأيته أطنب في معارضات الخوارج وتكلف الخروج مما قابلوه به مما يعلم كل من تأمله أنه لم يحقق ما رام الرامي ولا تخلص مما قوبل به حق التخلص فأغضيت عن ذكره ثم احتج بنفى اسم الكفر والإيمان عن صاحب الكبيرة إن المرجئة والخوارج اتفقوا على أن اسم الإيمان لا يوجد بالقياس مما أوجبته اللغة وإنما كان من جهة السمع فلا تجوز التسمية بواحد إلا بالتواتر بالسمع أو الإجماع وزعم أن هذه حجة كافية قال الشيخ رحمه الله نقول وبالله التوفيق كذب في الحكاية عمن بلغ ذلك بل هم أجمعوا على تحقيق الإسم بما أوجبته اللغة لكن الخوارج استدلت بإرتكاب الكبيرة على كذبه فيما أظهر من التصديق بقوله أحسب الناس والمرجئة زعمت أن الإستدلال لظهور الصدق والكذب في الغالب لا أن التصديق في الحقيقة لا يكون دونه والإيمان هو ذلك التصديق في الحقيقة لو كان ليس في الكبيرة نفيه ولا في إبقائها بحقيقة في حق الوجود وإن كان في حق الدلالة على المستدل والله أعلم فحصل إذا القول منهم على ما توجبه اللغة وظهر كذبه في الحكاية ثم الأمة كانت قبل حدوث الإعتزال وأهله على قولين في صاحب الكبيرة على أنه مؤمن فاسق أو كافر فاسق ليعلم وجه كفره عند من يراه كافرا ووجه فسقه عند من يراه فاسقا وذلك ما يقال حرام مكروه وحلال مكروه ليعلم أن الحرمة هي بيان أخف الحرمتين وهي حرمة الكرامة لا حرمة الإطلاق وإن الحل ليس هو حل الإيثار والرغبة بل فيه بعض ما يورث الشبه فمثله أمر الأمة فيما ذكرت ثم اسقطت المعتزلة أحد الأسمين وهو الذي يعرف معنى التنازع وألزم الآخر على الإتفاق في منع ذلك مطلقا دون معرفة حقيقته فخالفوا بذلك الأمة وهذه حجة مقنعة لمن تصح نيته لله ولا قوة إلا بالله ثم عارض نفسه بأنك اتبعت الإسم الأحكام هلا فرقت بين أصحاب الكبائر بما اختلفت أحكامها مهما قال أفعل فأسمى هذا سارقا وهذا قاذفا فيقال فإذ سميته فاسقا مع تحقيق اسمه الذي به فسق ولم تمنع عنه اسم فعله مما بالك منعت عن المؤمن اسم الإيمان الذي هو له مستحق لفعله إلا أن توسع التسمية بما يقبح من الفعل ويمنع بما يحسن وذلك جور في الفعل ثم اسم الفسق لم يجب بجلد الثمانين ولكن بالموالاة والتعظيم وهذا بين الحيد عن تقدير المعارض له وإنما أراد والله أعلم أن الأسماء لم تقدر عن الأحكام بوجود الإختلاف في الأحكام على الإستواء في الأسماء وبذلك كان تقديره في الإبتداء ولا قوة إلا بالله ثم الموالاة والتعظيم متفاوت على تفاضل المنازل والدرجات في المنازل في الدين كالرسل ثم الأئمة ثم العلماء ثم المؤمنين وعلى ذلك لازم الأمران جميعا في الدين ارتكبوا الكبائر على قدر ما أوتوا من الحسنات والمقت بما أوتوا من السيئات فمن رام دفع ما جاء به من الخيرات بسيئات لسن بأضداد لهن فهو جائز في الحكم ولا قوة إلا بالله ثم احتج بالآية التي فيها يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه في صاحب الكبيرة إنه لو كان مؤمنا لكان لا يعذب ولا يوعد عليه والآية ترجع إلى وجوه أحدها أن لا يجزيه عن شفاعة رسول الله بل يشفعه فيه وينجيه بها والثاني أن يكون ذلك عندما يقول لهم تواهنوا مظالمكم وعلى معذرتكم والثالث أن يكون لا يجزيهم خزى الكفرة من الخلود في النار إذ هو أنواع كما قال الله تعالى ليس لهم طعام إلا من ضريع وقال في موضع فليس له اليوم ها هنا حميم ولا طعام إلا من غسلين على اختلاف الدركات فمثله على إختلاف الأوقات ويحتمل لا يجزى أي لا يفضح فيهتك ستره وذلك كذلك في كل مؤمن

Bagian V01/P353–V01/P356

ثم الذي ينقض على المعتزلة إبتداء الآية وهو قوله يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ألزمهم التوبة وجعلها شرطا للمغفرة على إبقاء اسم الإيمان لهم والصغائر مغفورة بإجتناب الكبائر على قولهم ثبت أن الآية في أصحاب الكبائر وقد بقى لهم اسم الإيمان ولا قوة إلا بالله والدليل على أن اسم الإيمان لا يزول بزوال العدالة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم ولو كان كل مؤمن عدلا لكان يقول إثنان منكم إذ كان ابتداء الآية في مخاطبة المؤمنين ثبت أن قد يكون مؤمنا عدلا وغير عدل وقال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى قوله ممن ترضون من الشهداء فلو كان كل مؤمن مرضيا لم يكن للشرط فائدة وكذلك قوله وأشهدوا ذوي عدل منكم ثبت أن المؤمن يكون عدلا وغير عدل وكذلك قوله فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ثبت أنه قد يكون منهم رشيد وغير رشيد ولو كان كل مؤمن عدلا وكل من ليس بعدل ليس بمؤمن لكان لا شهادة ترد بالفسق بعد الإمتحان ولا يجوز السؤال عن الأحوال ليعلم بها العدالة والفسق بل على المكان الذي يسأل عما عليه من الإيمان في ذلك ويمكنه الوفاء فيجب قبول شهادته بلا سؤال عنه ولا اعتبار بأحواله وفي إجماع الأمة على الفحص عن الأحوال وترك النزول على ما يظهر من الأموال التي يكتفي بها فيما كان شرائطها الإيمان من الحل والحرمة والتوارث ثم العبادات دليل يبين أن الإيمان وما به يصير المرء مؤمنا ويستوجب أحكامه ليس هو كل ما يبقى أنواع الفسوق والعصيان ولاقوة إلا بالله وعلى ذلك معنى أمر هذه الأمة في تعاهد الصلوات في الجماعات والصيام وإخراج الزكوات على ما هم عليه من الإختلاف في هتك الحرمات والإنهماك في المعاصي ثبت بالذي عليه الأمة عدول المعتزلة والخوارج عن الحق ولا قوة إلا بالله ثم نذكر ما ذكر الكعبي فيما احتج عليه من القرآن بالحيل المستبعدة ليصرف عن نفسه وإتباعه اسم الإيمان ويوجب الإياس عن رحمة الله والإختيار لعداوته بكبيرة كأنه به يحصل على نفع في الدنيا وحمد في الدين ولا قوة إلا بالله فقال لمن احتج عليه بقوله يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة والتوبة لا تكون إلا عن ذنب بوجهين أحدهما أن التوبة عن الصغيرة وإن كانت مغفورة والثاني على التعبد كتكرار التهليل وكدعاء الملائكة بقوله فاغفر للذين تابوا نقول له الوجه الأول دل على جهله بمعنى التوبة إذ هي الرجوع والندم ومحال ذلك عما ليس عليه وهو مغفور له لا يجوز عليه التعذيب والثاني إن حق عليه إذا غفر له الحمد له والشكر على العفو وفي التوبة كفران ذلك لأنه يوهم بقاءه بالتوبة والثالث أنه قال عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم فجعله موقوفا على ما يكفره بالتوبة ثبت أن الذنب باق وهو لم يزل مستحقا إسم الإيمان والله أعلم والتسهيل له في كل وقت حكم التحديد لأن حقيقة الأفعال أن لا يبقى والتوبة يكون عن ذنب ولا ذنب وبعد فإنه يجوز الأمر بالتهليل على التعبد ولا يجوز بالتوبة والإستغفار عن ذنب مغفور لما فيه إيهام أنه ليس بمغفور وذلك كفران النعم وغير جائز ذلك كما لا يجوز الدعاء بأن لا يجوز ولا يظلم ودعاء الملائكة لما قد يكون لمن ذكر ذنوبا غير مغفورة فإلى ذلك ينصرف الدعاء ولا قوة إلا بالله ثم قال في قوله يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون إلا أن ذا يكون فيما لم يكن فعله كمن يرى آخر يدعوه بعض الغواة إلى أمر قبيح فيقول على سبيل النهى لم تفعل يا أخي ما ينقص دينك ويوجب عليك سخط ربك لا أنه فعله لكن لئلا يفعله

Bagian V01/P356–V01/P357

فيقال له إن كان جهدك في صرف اسم الإيمان عن المبتلى بكبيرة على ما فيه من تعظيم الرحمن وخشية العواقب لئلا تسمى أنت به فلك ما اخترت في نفسك وسويته وإن كان ذلك لتزيل هذا عن غيرك فهو يعلم جرأتك في ذلك على الله بما فهم من تسمية الله إياه بغير الذي سميته فلا يحتمل أن يرتاب في خبر الله مع ما يعلم من نفسه كذلك بإفترائك على الله بتسويل الشيطان ولا قوة إلا بالله ثم الذي ذكرته لا يحتمل إلا سفيه أن يقول ويعاقب على ما يعلم كذبه فيما يعاتبه عليه فأما الله سبحانه الذي لا يخفى عليه شيء يتعالى عن هذه الرتبة التي يأنف منها كل ذي لب والله المستعان وأما أنت فحقيق لذلك لأنك تيأس به من روح الله وتؤثر شهوتك عداوة الله وولاية الشيطان ويتعرك في مذهبه لمقته ولعنه فهنيئا لك ما خترته لنفسك عند الكريم والرحيم ولا قوة إلا بالله ثم قال في قوله تعالى ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله إنه أثبت اسم الإيمان وإن لم تخشع قلوبهم إن أول ذلك إثبات إسم الإيمان بلا خشوع وأنتم لا ترون إلا التصديق باللسان والمعرفة بالقلب والثاني أن قد يقول لمن يخشى الله ويقوم بالغاية في شكره أما ينبغي لك أن تخشاني وتشكرني لا أنه غير شاكر له ولكن على التنبيه قال الفقيه رحمه الله فأما الأول فإنما الآية إنما هو في الخشوع لذكر الله وأن من لا يخشع له مذموم فاسق وخشوع الإيمان هو الذي يكون بمعرفة جلاله وكبريائه وهذا لا يزول عن المؤمن ومع الإيمان قد سمى مؤمنا وإن كان به مذموما وفي الآية دلالة طول ذلك فيهم وذلك يوجب الوصف بالكبيرة عندهم وقد أبقى لهم اسم الإيمان فبطل بذلك قولهم والله الموفق والثاني هو وصف من لا يعرف المنة والشكر فيعرض عن قبولهما ويعاتب على ما كان حقه التعظيم والقبول فإن كان هذا وصف الله عند المعتزلة فهو قد بلغ مناه من التسمى بأقبح اسم والخلود في أسفل الدرك نعوذ بالله من الشقاء ثم أطنب في هذا القول لكن من أصل بنائه ما ذكرت فما نريد إطنابه إلابعدا عن الإصابة وبالله المعونة ثم أجاب في قوله وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا أنه كقوله ومن يرتدد منكم عن دينه وقد كان سماه مؤمنا من قبل والثاني أن يكون الإقتتال بغير سلاح نحو المجاذبة أو كانوا مجتهدين فلا يخرجون به من الإيمان فيقال إذ جرى الأمر بالإصلاح بينهم وتسمية الإخوة بطل معنى الردة وقوله فقاتلوا التي تبغي دل أن الباغي كان معلوما لا أن كان ثمة اجتهاد مع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم أبى لهم الإجتهاد إلى ذلك الحد ثم دل الأمر بالقتال والصغيرة تكون مغفورة لا يقابل عليها على أن ذنوبهم قد كبرت وقد أبقى الله لهم اسم الإيمان والله الموفق وقال في قوله إنما المؤمنون إخوة بمثل ذلك وقد بينا وهمه ثم على قوله إن صاحب الكبيرة عدو الله لا يسع له الدعاء بالخير ويلزم لعنه وما الإصلاح إلا الدعاء بالخير والصلاح ولا قوة إلا بالله

Bagian V01/P357–V01/P360

وقال في آية القصاص وما فيه من تسمية الإخوة إن الله لم يعد على الإخوة المطلقة ثوابا ولا مدحا وإنما كان ذلك في الإخوة في الدين فيقال لهم قد سماهم مؤمنين في أول الآية ثم أبقى لهم اسم الإخوة في آخرها ولا معنى سبق يحتمل حرف ذكر الإخوة إليه ثبت أنه في الدين مع إبقاء اسم الإيمان وأما الثواب فقد شرط مرة باسم المطلق ومرة باسم المقيد من ذلك قوله فأثابهم الله بما قالوا ثم قد يجوز عندك التحذير مع وجود القول وإن وعد عليه الثواب فمثله المؤمن باسم الإطلاق وقال والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون وكذلك قوله والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم وصاحب الكبيرة يقال آمن بالله ورسله ولم يفرق بين أحد من رسله ثم جائز في مثله التخويف والوعيد ولذلك قال الله وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما وصاحب الكبيرة قد أتى بحسنة ويستحق الذي جاء به اسم الحسنة فما تنكر أن يستحق اسم المؤمن وإن أوعد ولا قوة إلا بالله ثم عارض نفسه بالحقوق التي أوجبت باسم الإيمان وأحلت به وقد دخل في ذلك أصحاب الكبائر فأجاب بأن إدخالهم بالإجماع لا بالإسم كما أدخلتم في قوله حقا على المتقين حقا على المحسنين وإن لم يكن الفاسق كذلك قيل له الإجماع أدخلهم في ذلك بالفهم من الخطاب بالإيجاب والتحليل بالآيات إذ ليس أحد منهم ذكر وجها به عرفوا سواه ولا أحد من متعاطى الفسق سأل أحدا عن خاص بل عرف تضمنه تلك الآيات ولم يجز الخطاب بالوجهين باسم التقوى لذلك بطل التقدير وقوله حق على كذا أي حق على من يريد التقوى ذلك وليس فيه إيجاب مع ما كان في الذي يذكر تخصيص معنى التقوى في حق الخطاب فيما نحن فيه يدخله في الخطاب بلا اسم الذي به خوطب لا بالإطلاق ولا بتخصيص ولا قوة إلا بالله وعارض في التحليل بالمجنون والصغير قيل لهما حكم الإيمان بغيرهما إذ لولا ذلك الغير لم يجب لهما ذلك كما لو لم يجب لأولاد الكفرة وما نحن فيه لا غير في ذلك يتبعه فثبت أنه أستوجبه بإيمان نفسه ثم عورض بما يصلى الفاسق ويصوم فقال لئلا يزداد فسقه ويزول عنه عذاب تركهما قال الشيخ رحمه الله يقال له لم يفهم السؤال إنما معنى ذلك أنهما يجوزان بالإيمان فولا أنه مؤمن لم يكن ليمضيا له ويزيلا عذاب تركهما عنه بل لا شيء عليه في تركهما ولا يجوز أن يفعله لو لم يكن مؤمنا ولا قوة إلا بالله وقد أفردنا في بعض كتبنا في هذه الآيات كتابا أغنانا عن الإطناب في هذا الباب ثم نذكر الفصل بين ما يخلد له العذاب ولا يخلد من طريق الحكمة وذلك يخرج على وجهين أحدهما من طريق الإعتبار بتفاوت الذنوب في أنفسها وقد وعد الله أن لا يجزى إلا مثله وكذلك حق الحكمة إذ التعذيب يكون بما يوجبه الحكمة لا بما يختار إذ ليس هو نوع ما يختار وبخاصة ممن لا يضره الخلاف ثم هو الموصوف بالعفو والرحمة ولهذا ما أوجب المغفرة والعفو عن كثير من الذنوب ثم يخرج ذا على وجوه أحدها أنه ما من أحد يعصى الله بنوع من الكبائر دون الشرك إلا وهو لوقت العصيان مكتسب الطاعة من خوف عقاب والفزع عن مقته ورجاء رحمته والثقة بكرمه وذلك عن خيرات لو قوبل بها ما ارتكب من الخلاف بغلبة شهوة وقهر غضب أو نحو ذلك ليرجح ما كان منه من خير على ما كان من شر فلا يجوز أن يحرم نفع الخير ويوجب له عقوبة الشر ومن ذلك فعله موصوف بالجود والكرم ولا كذلك معناهما ولا قوة إلا بالله وليس مع من يكفر بالله ويشرك به معنى يستحق اسم الحسنة والخير لأنه يكذبه وينكر أمره ونهيه فلا يحتمل أن يكون له الرجا وفي دوام عذابه مضادة معنى الكرم والجود ولا قوة إلا بالله

Bagian V01/P360–V01/P361

والثاني أن الله جل ثناؤه وعد أن لا يجزي إلا مثلها ومثل الشرك الذي في العقل أكبر من كل ذنب مع ما لا حسنة يكون معه ومع غيره إنما هو الخلود في النار إذ معلوم أن الكافر يرضى بأضعاف ما يعذب مع النجاة يوما من الدهر فيبين ذلك أن تمام جزائه الخلود فإذا كان لغيره مثله فيجزى غيره أكثر من مثل الفعل وذلك جور في حكمته والله يجل عنه فهذا مع ما كان مرتكب ما دونه حسنات وليس معه ولا قوة إلا بالله وأيضا أن الحدود في الدنيا جعلن كفارات لما يرتكب من الذنوب فلو لم يكن فيها تكفير كانت تكون زيادات على عقوبات الكفر ومحال أن يزداد عقوبة ما دون الكفر فثبت أنها كفارات ولا كفارة للكفر في الدنيا ثبت أنه لا يحتمل في العقوبة فجعلت أبدية وعقوبة غيره بحد فكذلك العقوبة الموعودة فيه ولا قوة إلا بالله وأيضا أن الله جل ثناؤه أخبر أن الموعودة عقوبة الذين كفروا وأضلوا غيرهم ضعف عقوبة من كفر ولم يضل غيره ثم لو كان للكافر عقوبة غير الإضلال مثل عقوبة الإضطلال لكان كل كافر عقوبته مضاعفة لأنه لا كافر إلا معه سوى الكفر كبائر وقد خص الله بالمضاعفة المضلين بقوله وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وقول الأتباع ربنا هؤلاء أضلونا وجعل لكل ضعفا فبطل أن يكون ذلك عقوبة الكبيرة بل هل لو كانت في الكفر كان أحق للضعف منه في الإسلام للمثل ألا ترى أنه يعاقب الكافر بجميع الآثام من صغائر وكبائر ولا كذلك أمر من اعتقد دين الإسلام ولا قوة إلا بالله ثم الوجه الآخر من طريق الإعتبار أن الكفر مذهب يعقد والمذاهب تعقد للأبد فعلى ذلك عقوبته وسائر الكبائر يفعل للأوقات وهو عند غلبة الشهوات لا للأبد فعلى ذلك عقوبتها ولا قوة إلا بالله والثاني أن الكفر قبيح لعينه لا يحتمل الإطلاق ورفع الحرمة فعلى ذلك عقوبته في الحكمة لا يحتمل الإرتفاع والعفو عنه وسائر المأثم جائز رفع الحرمة عنها في العقل وإباحة ما له العقوبة فمثله عقوبته والله الموفق والثالث أن العفو عن الكافر عفو في غير موضع العفو لأنه منكر المنعم ويرى ذلك حقا فيكون في ذلك تضييع العفو وإبطال النعمة ولا كذلك أمر سائر المأثم بل يعرف صاحبها المنعم فله أعظم الموضع ولإكرامه أبين المحل فجائز المغفرة له والعفو عنه في الحكمة وبالله المعونة

Bagian V01/P361–V01/P363

والرابع أن يكون الله تعالى قد أحسن إليه في الدين في الوقت الذي خفاه هو بفعله في أن جعل حقه أعظم في قلبه من الدارين وأنبيائه ورسله أجل في صدره من أن يحتمل نفسه الإستحقاق بشعرة من شعورهم أو الإستهانة بشيء من أمور دين الله أو الركون إلى أحد من أعدائه فيما قد اختاره وآثره من الخلان لله وكل ذلك هو إحسان الله إليه وإنعامه عليه فلا يحتمل أن يضيع مننه ويغير نعمه بجفوة يعلم أن قدرها من الذنوب لا يبلغ حرفا مما لا يحصى من نعمه عليه وإحسانه إليه وهو يؤمن خلقه بأن لا يغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن يضيع جميع ما أكرمهم به فمثل الذي ذكر وقد أنطق لسان رسوله أنه يدخل الجنة إلا من أبى ذلك ويجمع بين من ذكرت وبين أعدائه مع كثرة مجاهدته إياهم في نصر دينه وإعلاء كلمته وقد ختم عليه لا والله ما يفعل ذلك وهو الغنى الكريم وهو العفو الغفور وهو الرحيم الودود مع ما جاءت البشارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحوق العبيد لمن أحبوهم ثم كان الذي ذكر أحب رسول الله فيجعله قرين الشيطان ويحرمه زيارة رسوله جل ثناؤه عن هذا الوصف الذي وصفته به المعتزلة والخوارج على ظهور هذا الصنيع في جملتهم حتى لا يسلم من ذلك أحد ولعله لا يذكر عن خارجي أو معتزلي قبض سليما عن ذلك وبعيد في الحكمة أن يوفق للصواب في الدين من آثر عداوته في شهوته وآيس من رحمته في أدنى منفعة ويؤثر الخروج من دينه في مذهبه إشفاقا على نعمة يسيرة من الدنيا ويحرم من هو في ضد هذا الوصف ولا قوة إلا بالله قال الشيخ رحمه الله ثم جملة ما جاءت به الآثار في الوعيد بالتسمية من فسق أو فجور أو عصيان أو ظلم أنها أسماء لخصال ثلاث منها ما قد يجوز أن يصير في الحكمة على الإشارة إلى الفعل الذي سمى لأجله به غير فسق ولا غيره من الأسماء الذميمة ومنها ما لا يجوز ومن البعيد قصد شيئين بينهما هذا التباعد فحق ذلك أن يصرف إلى ما لا يرتاب في الإسم والحكم وإذ كان على أقسام ثلاثة ولم يتضمن كل الأقسام ثبت الخصوص في ذلك فلزم صرف ذلك إلى ما لا يشك فيه ولا قوة إلا بالله على أن في الصرف إلى العموم يحقق له التناقض لمجيء أخبار العفو فثبت بذلك الخصوص ولا قوة إلا بالله أو إذا احتمل الخصوص والعموم بما ينقسم المسمى به ما ذكرت فحق مثله الخوف لا القطع فمن قطع جرح مما يوجبه الحكمة عند الشبه ولا قوة إلا بالله ثم الدلالة على وعيد الخلود لا يحتمله ما دون الشرك الأمر الذي جبل عليه الخلق من نفارهم عما به الخروج من أديانهم التي اعتقدوها وإن كانوا اعتقدوها عقلا أو حجة أو تقليدا على وجود ما دون ذلك من الزلات فيهم وإن اختلفت أديانهم فدل أن ذا مما جبل عليه الخلق بل أيد ذلك العقول إذ الإعتقادات تكون عند أربابها أبديات ولا كذلك الأفعال التي تشار إليها وعلى ذلك أضدادها وكذلك السمع في الأفعال المشارة أنها على الإختلاف فعلى ذلك تركها فدل ما ذكرنا على خروج مذهب الإعتزال عن الأمر المجبول عليه والمدفوع إليه أيضا بالتدبير ولا قوة إلا بالله

Bagian V01/P363–V01/P365

ثم نذكر طرفا مما يلزم المعتزلة على مذهبهم الوقف في التسمى بالإيمان وهو أن من مذهبهم أن الحد الذي بين الصغيرة والكبيرة من المعاصي غير معروف ليكون المرء خائفا راجيا لا آمنا آيسا فنقول إذ لا أحد منكم يدعى براءة نفسه من كل ولا العلم ببلوغ الحد الذي يوجب الأمن والإياس فذلك تردد الحال بين الكبيرة والصغيرة والكبيرة تزيل اسم الإيمان والصغيرة لحقكم الشك في اسم الإيمان وزواله كما لحقكم في اسم الكبيرة والصغيرة فإذا منع ذلك الشك القول بالأمن والإياس ثم لما منع التسمى بالإيمان والذي يدفع هذين واحد ثم لما جاز إثبات الإسم مع الخوف وأمركم أن المؤمن لا خوف عليه ولم لا يخافون من تسميتكم أنفسكم مؤمنين الكذب الذي لعله كبيرة يزيل عنكم اسم الإيمان فيكون بالتسمية من كبر أنفسكم وقد حذرتم عن تزكية الأنفس بقوله تعالى فلا تزكوا أنفسكم ثم تعارضون بالبر والتقوى أتشهدون أنفسكم بهما أو لا فإن شهدوا لزمهم بالخوف في المتقين الأبرار أن يكونوا استوجبوا مقت الله والخلود في النار فيكون جهنم دار المتقين الأبرار لا دار الفاسقين وقد قال الله تعالى إن الأبرار لفي نعيم ويبطل الدعاء بقوله وتوفنا مع الأبرار وإن أبوا التسمية بذلك لزمهم مثله في الإيمان إذ هو اسم لما به النجوة من مقت الله كالبر والتقوى ثم يقال إنه قد ثبت عن الأنبياء والرسل أنهم كانوا يدعون الله رعبا وهبا وخوفا وطبعا ويزعمون أنهم لم يبتلوا بكبائر فقد كان هذا الخوف مم لم يبل بها لم لا دلكم أن ليس ترك بيان الحد لما يخاف ويرجى بل ذلك لما لله معاقب من شاء بالصغائر ومن قولكم إن ما يوجب العقوبة يزيل اسم الإيمان فاعتبروا بأن لستم مؤمنين على ما أخبرتم في الحقيقة والله الموفق وقد قال الله تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وعندكم المؤمن لا يخاف نقمة الله ولا يرجو رحمته بل قد استوجب رحمته لو كان مؤمنا وليس لله أن يعذبه لو كان مؤمنا والإيمان هو الذي حملهم على ذلك فكيف ألزمتموهم الخوف وذلك ليس على المؤمن في الحقيقة ومنعتموهم على الإرتياب في الإيمان والإرتياب فيه بما رأى الخوف وذلك بين التناقض ولا قوة إلا بالله مسألة الشفاعة ثم قال بعضهم لو كانت الكبيرة مما يجوز الشفاعة له لكان من يحلف بفعل شيء يستوجب به الشفاعة يؤمن بإرتكاب الكبيرة قال الفقيه رحمه الله فنقول ذلك وهم لأنه ليس الذي له يشفع هو الذي به يستوجب الشفاعة بل يستوجب بالحسنات التي بها يجب الولاية فيما ترك فحق من حلف بذلك ليس أن يقال له اعص ولكن يقال له اطع ليستوجب به الشفاعة فيما عصيت وكذلك من يحلف لأفعلن الفعل الذي استوجب به المغفرة لا يقال له ارتكب الصغائر بل يؤمر بإتقاء الكبائر والتوبة عنها ليغفر له فمثله أمر الشفاعة والشفاعة من أعظم ما احتج بها وقد جاء القرآن بها والآثار عن رسول الله والشفاعة في المعهود والمتعالم من الأمر تكون عند زلات يستوجب بها المقت والعقوبة فيعفى عن مرتكبها بشفاعة الأخيار وأهل الرضا ثم كانت الصغائر مما لا يجوز التعذيب عليها عند القائلين بالخلود في الكبائر والكفار مما لا يعفى عنهم بالشفاعة فإذا بطل عظيم ما جاء به من القرآن والآثار في الإمتنان وسقط ما جبل عليه أهل العلم من الرجا بالله وبرحمته ويبطل دعاء المسلمين بشفاعة الرسل ولا قوة إلا بالله وقال بعضهم الشفاعة تخرج على وجهين على ذكر محاسن أحد عند آخر ليقدر له عنده المنزلة والرتبة والثاني أن يدعو له فالأول هو الذي يحتمل توجيه الشفاعة إليه والثاني قد بين فيمن يقوله الذين يحملون العرش إلى قوله وذلك هو الفوز العظيم وقوله ولا يشفعون إلا لمن ارتضى والحرف يدل على وجهي الشفاعة لأن المرتضى هو ذو منزلة وقدر هو ممن تضمنته آية شفاعة الملائكة

Bagian V01/P365–V01/P368

قال الشيخ رحمه الله فنقول وبالله التوفيق الوجه في الآخرة لا معنى له لوجهين أحدهما أنه في تقدير الأمر عند من يجهله والله جل ثناؤه هو العليم بحقيقة ذلك بل غيره مما يجوز عليه خفا الحقايق كقوله يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا وقال عيسى ما قلت لهم إلا ما أمرتني به فكان في ذلك عبدالله وهم قد تبروا عن العلم بذلك وأقروا بأن الله هو المتفرد بعلم ذلك ولا قوة إلا بالله والثاني أن ثمة كتب يقرأ فيها أعمال بني آدم وما سبق منهم من صغير أو كبير فهي الكافية في التقدير إن كان في حق الإحتجاج وإن كان في حق الإعلام فعلم الله بهم مغن عن ذلك ولا قوة إلا بالله وأما الآية في الدعاء فكذلك نقول بدعاء لمن له ذلك الوصف ويشفع له فيما كان في ذلك منه من المآثم والذنوب لا أنه إذا كان أفعالهم ذلك فيشفع لهم لأنه لا يجوز في الحكمة تعذيبهم على ما ذكر من الأفعال بل لهم عليها أعظم الثواب وأرفع المأوى فطلب الشفاعة والمغفرة لمثله يقبح من وجوه أحدها أن ذلك إذ لا يجوز في الحكمة تعذيبه فكأنهم طلبوا منه أن لا يجوز ولا يسفه وذلك لأفسق الخلق يخرج مخرج التفسيق فضلا من أن يتضرع إلى الله جل الكريم الحكيم عن هذا الوصف والثاني أن الحق في مثله إذ هو مثاب غير معاقب يلقى ذلك منه بالشكر والحمد وفي الدعاء كتمان ذلك وكفرانه ومحال الإذن في مثله والدعاء والله الموفق والثالث أن ذلك في الموعود له الجنة والمبشر بها فبطلان مثله يوجب الجهالة في ذلك إلا أن يكون الوقت لم يبين يكون ذلك في الإستعجال وهو قولنا في أصحاب الكبائر أنهم لو عذبوا بقدر الذنوب لكان ذلك في الحكمة عدلا فيشفع لسائلهم بالفضل والإحسان دون العدل والإستيفاء ولا قوة إلا بالله قال أبو بكر الكسائي قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء أن الله وعد المغفرة فيمن شاء ثم بين ذلك في الصغائر بقوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وقد ثبت الوعيد في الكبائر بقى الوعد فحقه لم يزل بالذي ذكر لإحتماله ما وصفت قال الفقيه رحمه الله فنقول له بأوجه أحدها أن الوعيد الذي ذكرته يحتمل الإستحلال والإستخفاف بالأمر والنهى فلا يترك ما أطمع بهذه الآية من المغفرة فيزال الطمع والرجاء بالوعيد المتوجه وجهين أو يوقف فيهما فأما القطع في أحد الوجهين بالمحتمل ومنع القطع بالآخر للإحتمال فهو تحكم ولا قوة إلا بالله والثاني أن الآية في التفضيل بين المحتمل للغفران والذي لا يحتمل فإذا صرفت إلى الصغائر بطل تخصيص اسم الشرك وتلبيس على السامع محله وليس أمر الوعيد فيما جاء بموضع التفضيل بل الذي جاء بحق التفضيل ذكر الغفران بالتكفير والتكفير يكون بمقابلة الجزاء من حسنات أو عقوبات كقوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه والله الموفق والثالث أنه قال لمن يشاء وهذا كنابة عن الأنفس المغفورات لا عن الآثام التي تغفر لم يجز صرف التخصيص إلى الآثام بالآية المكنى بها عن الأنفس وفي آيات الوعيد تحقيق في الذي جاءتهم وفيما جاء على ما قيل لا صرف في ذلك فهو أولى والله الموفق وبعد فإنه قال لمن شاء والصغائر عندكم مغفورة بالحكمة لا بالوعد والآية في التعريف ولا قوة إلا بالله ثم قالت المعتزلة صاحب الصغيرة إذا أصر عليها يصير صاحب كبيرة والإصرار على ذلك الفعل ليس هو لزومه لأنه لا فعل يمكن لزومه حتى لا يتحول منه إلى غيره فليس إذا الإصرار إلا ترك التوبة والندامة عليه وكل الذنوب من الشرك وغيره مغفور بالتوبة عنها والندامة عليها فيبطل على قولهم حق هذه الآية من التفضيل بين الشرك وما دونه وحق الآية الأخرى من التفضيل بين الكبائر وما دونها ويحصل على أن كل دنب يوجب الخلود إلا أن يتاب عنه وذلك بين لمن تأمله ولا قوة إلا بالله

Bagian V01/P368–V01/P369

وقال قائل إذا كان كل خلاف لله فهو مما دعا إليه الشيطان ويسر به لو فعل لم لا صار ذلك طاعة له ومن فعل فعلا لطاعة الشيطان يكفر أو يصير به عابدا له إذ ذلك منه وضع شرع مقابل لشرع الله وداع إليه ومن عبد الشيطان فقد بين الله منازل عباد الشيطان قال أبو منصور رحمه الله ليست هذه المسألة للخوارج والمعتزلة لإقرارهم في الأنبياء بالزلل والأخيار لكنها لبعض الموسوسين يوسوس إليهم الشيطان هذا ليكفرهم بهذا إذ ذلك معلوم أنه من تزيين الشيطان وما دعا إليه فيصيرون على قولهم مطيعين له كفار نسأل الله العصمة عنه ثم نقول في ذلك بوجوه أحدها أن ليس في ذلك طاعة للشيطان وإن كان هو يسر به ويتلذذ لشوم طبعه وسوء اختياره إذ لم يكن الذي يتعاطاه بفعله لأمره ودعائه إليه والطاعة هي التي تؤدي على الأمر لا على ما يسر ويتلذذ لأن للعباد فيما أعطاهم الله الشهوات لذات وسرورا ومحال وصف الله بالطاعة لهم أو يمكن الأمر منهم إياه بالفعل دل أن ليس ذلك الوجه هو سبيل معرفة الطاعة ولا قوة إلا بالله والثاني أن الديانات هن اعتقادات لا أفعال تكتسب إذ الإعتقادات لا يجرى عليها القهر والغلبة ولا لأحد من الخلائق على اعتقاد آخر ومنعه سلطان وهن أفعال القلوب خاصة وربما كان للألسن بها تعلق من حيث لا يقدر على استعمال لسان غيره وكذلك قلبه ويقدر على سائر الجوارح وإذا كانت الديانات ما ذكرنا والكفر والإيمان دين لم يصر الذي ذكرت لو كان طاعة دينا والكفر دين فكيف وهو من الوجه الذي ذكرت ليس بطاعة وقد روى عن أبي حنيفة رحمه الله أنه أجاب لهذا السؤال أن الذي ذكرته حق القصد لا حق الوقوع على حال لا يقصد ذلك وعلى ذلك أمور علقت بالقصد وذلك يخرج على ما بينا من ترتيب الإعتقادات ولا قوة إلا بالله وأيضا إن كل مؤمن فيما يعصى الله في شيء يكون كالمدفوع إليه بما يغلب عليه من شهوة أو غضب أو حمية أو نحو ذلك وبما به يصير إليه إذا لم يقصد عصيان الرب أو طاعة الشيطان يصير من الوجه الذي ذكرت كالمدفوع لم يلزمه الكفر به ولله أن يجزيه عليه بما ملكه ما به يمتنع عن الدفع إليه ولا قوة إلا بالله وأمكن أن يقال ذلك فضل الله إلى عباده إذ لم يلزمهم بمثل ذلك طاعة الشيطان وعبادته أو علم شدة ذلك عليهم على ما أكرمهم الله حال العصيان بمعاداه الشيطان وأنه لا أحد أبغض إليهم منه ولا شيء أثقل على طباعهم وعقولهم مما فيه سروره ولذته فضلا عن طاعته وعبادته فتجاوز الله عنهم عن ذلك لوجهين أحدهما في العاجل بمنع اسم الطاعة والعبادة له والثاني باطماع المغفرة والتجاوز بما آثر عداوة الشيطان في وقت عصيانه رحمة رب العالمين المعروف بالكرم والجود الذي لم يزل يعودهم بإحسانه إليهم وأفضاله عليهم له الحمد على ذلك أوفره وبعد فإن العبد إذا إعتقد طاعة الرب وعرف العبودية وأشعر قلبه عظيم نعمه عليه وآلائه لديه ثم أراه عظيم سلطانه وقدرته بما ذكره حكمته في خلقه ونفاذ مشيئته فيه كف نفسه عن أن يميل إلى طاعة من لا يكون طاعته طاعته وصانها عن توهم عبادة دونه لم يجز صرف فعله الواقع منه بعد أن اطمأن قلبه على هذا وصير ذا آثر عنده من الدنيا والآخرة لشهوة غلبته أو لرحمة يأملها أو لأمر دفعه إليها طاعة لغيره أو عبادة منه أحدا دونه وما ذكرته هو لازم قلبه وقت فعله وإنما يكون مثله من الكافر الذي اعتقد طاعة من دونه وعبادة من لا يستحقها أن يصرف ذلك إلى من به صار إلى ذلك من الشيطان أو النفس ولا قوة إلا بالله

Bagian V01/P369–V01/P372

قال الفقيه أبو منصور رحمه الله ثم الأصل في كل شيء أوعد عليه أن حقيقة ذلك تقع من صاحبه على وجوه من القبح مما يعلم كل تفاوت ذلك في العقول وكذلك كل اسم جاء به تسمية الفاعل أن ذلك يقتضى مختلفا من معان لا يعقل لا تكون هي من كل الوجوه على وزن واحد في القبح ولا فاعله في الذم وذلك عيب عن السامع لزمه بعقله الذي أكرم معرفة اختلاف مواقع ذلك أن لايجمع بينها إلا أن يمتحن ما عليه الأمة من الأفهام فوجدها حصلت على ذلك أو يمتحن جميع ما ورد في السمع فوجده محققا لذلك أو جعله يحتمل الإحاطة بكل فنون الحكمة فوجد ذلك يضيق عن التخصيص ويلزمه القول بالعموم فأما أن يحصل على المخرج من العموم في القضاء وقد علم أن ذلك لو كان حقا في الحكمة أو واجبا في التدبير ليجد أهل الإلحاد أوضح طعن في القرآن وأيسر سبيل إلى القول بأنه غير منزل من عندالرحمن إذ به وصفه أنه ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وقال لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وقال إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ثم وجد أكثر ما فيه الحكم منصرفا إلى غير المخرج ومحصلا على غير مجرى اللفظ من العموم والخصوص وذلك على هذا القول صرف عن طريق الحكمة ومزيل حق التدبير جل الله عن أن يلحق حجته هذا الوصف أو دليله هذا التناقض ثم قد بين جل ثناؤه لما أرسل من الأسماء المحمودة والمذمومة المقابلات التي لديها يظهر لزوم حق صرف المطلق من ذلك فقال إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ثم وصفهم فقال كلا إن كتاب الفجار لفي سجين إلى آخر السورة فبين الفاجر المطلق المقصود بالوعيد وما منه من التكذيب لما قد بينه في غير موضع علمه ثم قال أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ثم بين من المراد بالمؤمن وما له من المآب والفاسق وما إليه مرجعه مع تكذيبه في ذلك باليوم وقال فيما قال كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم إلى قوله والله لا يهدي القوم الظالمين وقال قالوا لم نك من المصلين وفيمن لم يؤد الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون وفي أمر الربا ما ذكر من قوله ومن عاد وقوله وأخذهم الربا إنهم أحلوا حيث قالوا إنما البيع مثل الربا وكذلك أموال اليتامى لم يكونوا يعطون الذين لم يبلغوا القتال ولا ضربوا بالسهام في المغانم وأمر القتل كذلك كانوا يقتلون بغيا واستحلالا على ما ذكر من قوله واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فهذا الآن طريق حقائق الوعيد وما فيه إبطال تسمية الإيمان وعلى ذلك القسمة في الآخرة فريق في الجنة وفريق في السعير والمعطى بيمينه وشماله والمؤمن والكافر وقوله تعالى واتقوا النار التي أعدت للكافرين ففيهم تحقق الوعيد ولزمت الأسماء التي هن نهايات في القبح إياهم وأما من لم يبلغ ذلك الحد فإن الذي جاء فيهم من الوعيد يخرج على وجوه على تحذير اختيار تلك الأحوال التي ذكرت أو على أن ذلك جزاؤه لو لم يكن معه غير ذلك من المحاسن أو على أن لله في حكمته فيهم على ما استحقوا وجه عفو ولشفيع الأخيار فيهم أو تكفير بغير ذلك من الحسنات أو وجه من العذاب على قدر ذنبه من ذنب الشرك وله من الثواب فيما جاء به على ما أكرم به وأنعم في الدنيا من التوفيق لطاعة ربه والحمد على ذلك ولا قوة إلا بالله مسألة في الإيمان قال قوم الإيمان هو الإقرار باللسان خاصة وليس في القلب شيء

Bagian V01/P372–V01/P375

قال أبو منصور رحمه الله ونحن نقول وبالله التوفيق أحق ما يكون به الإيمان القلوب بالسمع والعقل جميعا أما السمع فما قال الله تعالى في المنافقين الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم وقال قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم أبطل أن يكون قولهم إيمانا إذا لم يؤمن قلوبهم وقال يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين فأخبر أنهم لو كانوا بما ادعوا من الإيمان مؤمنين بهداية الله لكانوا مؤمنين لو صدقوا ولو لم يكن الإيمان إلا باللسان لكان إذا نطقوا به فقد صدقوا وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن أخبر أن الله تعالى أعلم بإيمانهن ولو كان الإيمان ليس إلا القول باللسان لكان كل سامع واحد في العلم وقال تعالى ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم أخبر أنهم كذبوا في ذلك وقال فلا وربك لا يؤمنون ولو لم يكن غير اللسان لم يكن لينفى إيمانهم بوجود الحرج في الأنفس وقال تعالى فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ثم قال والله أعلم بإيمانكم بين أن الإيمان حقيقة حيث يعلم الله به وحده وقال تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين نفى أن يكون الذي قالوا بألسنتهم إيمانا إذا خالفت قلوبهم ذلك ولا قوة إلا بالله ثم إن الله عز وجل وعد للمؤمنين الثواب الدائم وأخبر في المنافقين أنهم في الدرك الأسفل من النار فلو كان ما أظهروا إيمانا في الحقيقة لكان حقه على الموعود الجنة لا الزيادة على عقوبة الكفر وقال تعالى يخادعون الله والذين آمنوا صير إيمانهم الذي أظهروا مخادعة الله فمن زعم أن مرتبة دين الإسلام والإيمان بالأنبياء وبالله وبما أرسلهم به يحصل على مخادعة الله فهو عظيم القول في دين الله جاهل بربه ولا قوة إلا بالله وقال الله عز وجل سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم وقال تعالى وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله وغير ذلك مما أخبر الله عن المنافقين أنهم كفروا والكفر ضد الإيمان وبالإيمان ننتهى عن الكفر وقال الله تعالى إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وقال تعالى ومن يفعل ذلك يلق أثاما إلى آخر تلك الآيات وإذ ثبت أن المنافقين كفرة في التحقيق كذبة في قولهم بما قال الله والله يشهد أن المنافقين لكاذبون وقال يوم يبعثهم الله جميعا أخبر أنهم كذبة فجعل قول الإسلام منهم على جحوده القلب كذبا فمن جعل ذلك إيمانا والإيمان في اللغة هو التصديق فقد جعل الشيء ضده وذلك فاسد وقال لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم وقال سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم وقال ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون أخبر أنهم كفرة وأنهم لا يعلمون لمن العزة وأنها لمن ذكر ولو كانوا منهم لكانت لهم ولا قوة إلا بالله مع ما جعل الله ذلك منهم استهزاء ومخادعة وسخرية وأوجب لهم جزاء ذلك ولم يجز أن يكون الإيمان هذا وصفه ولا قوة إلا بالله وقد قال الله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان لم يجعل لهم كفر باللسان إذا لم يكن عبارة عن القلب ومنع ذلك بإيمان القلب فثبت أن القلب هو موضع الإيمان وبالله التوفيق

Bagian V01/P375–V01/P377

وليس بما يقاتلون إلى أن يشهدوا باللسان دليل أن ذلك هو الإيمان أو لا إيمان بالقلوب بل ذلك منهم دليل الإيمان وعبارة عنه فيقبل قولهم في الأحكام الظاهرة بحق العبارة بما لا سبيل لنا إلى حقيقة العلم به وعلى ذلك عامة الأمور بين الخلق محمولة على ما يحتمله وسعهم من المعارف وإن كانت لها حقائق غيرها مع ما كان في الذي بينا دلالة ذلك وكذلك الأمر المتوارث في التفصيل بين الكفرة وبين المؤمنين بالإعلام وأنواع أو المخالطة من الأهل وإن لم يكن تلك بكفر ولا إسلام فمثله أمر العبارة باللسان وعلى هذا ما بينا من الآيات في العلم بالإيمان وأمر القلوب فيما جاء به النصوص فمثله الذي نحن فيه والله أعلم وعلى ذلك أمر المكره على الكفر وقول نبي الله صلى الله عليه وسلم إنما يعبر عما في قلبه لسانه وعلى ما ذكرت أمر الأملاك والشهادات وأنواع المذاهب في الأديان بما علمه ذلك الأمور الظاهرة فمثله حكم القبول وقد تجد الله أمر بأن يقاتل ليعطوا الجزية وأن يجاروا إلى أن يسمعوا كلام الله وفي ذلك الترك بين المسلمين يتعيشون لينظروا في أمورهم ويتدبروا في أحكامهم فيعلموا بذلك حقائقها وإن كان لا يحتمل تأسيسها على ما فيها من تأليف القلوب ودفع التظالم وأنواع الفساد إلا بالله ليطمئن قلوبهم بالإيمان ويحتمل أنفسهم الإجابة إلى الإسلام فمثله في الدين أظهروا الإيمان بالله وأجابوا المؤمنين إلى ما عندهم من الأحكام ولا قوة إلا بالله ثم يقال لهم فإن كان ما يقبل منهم من الإيمان في ظواهر الأحكام باللسان دليلا على أنه خاصة فلما حرموا به الغفران والموعود على الإيمان من النعيم الدائم والثواب الجزيل ثم بما لا يجوز لهم عبادة في الحقيقة ولا ينالون بها فضيلة عند الله دليل على أنهم ليسوا بمؤمنين ولا قوة إلا بالله ثم يقال لهم قال الله عز وجل قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وقال وقاتلوا المشركين كافة وقال فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ويقاتل على ما يظهرون من الشرك والكفر دون ما يضمرون ولم يجب بهذا أن لا يكون الشرك والكفر بالقلوب فما يبعد أن يؤمر بالقتال حتى يؤمنوا ثم يمنع عن القتال إذا أظهروا الإيمان باللسان وإن كان حقيقة موضع إيمان القلب إذ لا يمنع هذا كونه فيه والله الموفق ثم يقال لهم في الخبر أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وقيل حتى يشهدوا فيكون الشهادتين سبب منع القتل لا حقيقة الإيمان والله الموفق وأما العقل فلأنه دين والأديان تعقد وما به إعتقادات الأديان القلوب وكذلك المذاهب مع ما كان الإيمان في اللغة التصديق وحقيقته الذي لا يحتمل القهر والجبر هو الدين في القلب إذ لا يجرى سلطان أحد من الخلق وجملة ذلك أنه يجوز أن لا يكون لسان ولا يحتمل رفع الدين الحق ولا الإيمان بالله والرسل من أحد ثبت أن حق ذلك القلب مع ما كان ذلك من المحال ارتفاع فعل الإيمان عن الممتحن في حال الخطاب بحال وباللسان عامة الأوقات على الخلق يمر بدونه بل من الأحوال أحوال ينهى المرء فيه أن يقول آمنت بالكتب والنبيين والبعث ونحو ذلك نحو الكون في الصلاة فيصير الإيمان على هذا القول بحيث ينهى ودين الإسلام بحيث يفسد عبادته والله جعله شرطا للجواز وجعله دائما لا يتغير ولا يتبدل ولا يجوز فيه النسخ ثبت أنه على غير ما ظنت الكرامية على أن الله تعالى أعلا درجة الإيمان في القلوب حتى صيرها أعلا الدرجات وصير الإيمان مما يقوم به الخيرات وعند وجوده يصلح العبادات وما يحتمل ما وصفت إنما هو القلوب لا الألسن لذلك كانت أحق

Bagian V01/P377–V01/P379

وبعد فإنه الخطاب بالإيمان يلزم بالعقول ويعرف حقيقة ما به الإيمان بالفكر والنظر وذلك عمل القلوب فمثله الإيمان مع ما كان الألسن قد تستعمل وتخبر كغيرها من الآيات والله تعالى يقول لا إكراه في الدين لم يجز أن يجعل حقيقته فيما فيه الإكراه وقال الله تعالى فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله وليس الكفر بالطاغوت باللسان خاصة فمثله الإيمان ألا يرى إلى قوله ألم تر إلى الذين يزعمون إلى قوله وقد أمروا أن يكفروا به فيصير الميل والتحاكم ترك للكفر وإن أخبر عن لسانه أنه يزعم أنه مؤمن بالذي عليه الإيمان به والله الموفق وفي كتاب الله الخطاب بقوله يا أيها الذين آمنوا في غير موضع ثم لم يرتب أحد ممن ينسب إلى الإسلام والإيمان في ذلك أنه مما تضمنه وإن لم يكن هو وقت فرغ الخطاب معه يستعمل لسانه في فعل الإيمان ثبت أن حقيقته التي بها سماهم بهذا قائمة فيهم وقت الخطاب وهي لا تحتمل إلا أن تكون في القلب ولا قوة إلا بالله وفي هذا النوع آيات هي تنقض على المعتزلة والخوارج والكرامية والحشوية مذهبهم على اختلاف مذاهبهم نحو قوله يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون إلى قوله كأنهم بنيان مرصوص وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله وقوله تعالى وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال وقوله تعالى ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله فعاتب عز وجل على صنيعهم ذلك وأعظم الوعيد في ذلك ولم يزل عنهم اسم الإيمان بل به عاتبهم وكذلك في العقل تكون المعاتبة بالتقصير يكون بين الأولياء ويكون بين الأعداء محاجة ومحاربة فبان أن قد بقى لهم اسم الإيمان فيبطل قول من يخرج من الإيمان وقول من يكفره وكذلك إذ لا أحد التبس عليه تضمنه تلك الآيات ممن يصدق بالله وبرسوله ثبت أن الإيمان اسم لمعروف الحد وأن كلا ممن ذلك لسانه يعقل فيبطل به قول من يقول الإيمان اسم لجميع الطاعات مع ما ذلك الخطاب على المتروك من الفرائض فلو كان اسما للك لكانوا يا أيها الذين آمنوا ببعض الإيمان أو آمنوا مع الثنيا فيه وكما لا يصلح في مثل ذلك المعاتبة باسم الأبرار والمتقين ثبت أن الإيمان اسم للخاص من العبادات لا للكل ثم لا أحد منهم في وقت نزول الآية يعرف منهم استعمال اللسان بذلك ثبت أن التسمية كانت لأنه بالقلب ولا قوة إلا بالله مسألة الإيمان تصديق بالقلب أم معرفة وظن قوم أن لا يكون بالقلب تصديق وإنما يكون به معرفة خاصة والأصل أنه يكون وإن كان لا يقدر على الإشارة إلى ذلك بحرف يفضل إلا من طريق الدلالة بالمعروف من القول إن الإيمان تصديق في اللغة والكفر تكذيب أو تغطية فضد المعرفة في الحقيقة النكرة والجهالة ولا كان جاهلا بشيء أو منكرا له من حيث المعرفة مكذب على ما قال قوم منكرون أي لا يعرفون وكذلك كل من جهل حقا لا يوصف بالتكذيب له ثبت أن للإيمان بالقلب في التحقيق غير المعرفة على أن المعرفة هي سبب يبعث على التصديق كما قد يبعث الجهالة على التكذيب ربما فكذلك لكل معنى ليس للآخر في التحقيق وعلى هذا قول من يقول الإيمان معرفة إنما هو التصديق عند المعرفة هي التي تبعث عليه فسمى بها نحو ما وصف الإيمان بهبة الله ونعمته ورحمته ونحو ذلك بما يظفر به لا أنه في الحقيقة فعل الله لكن لا يخلو حقيقته عن ذلك فنسب إليه فمثله أمر الإضافة إلى العلم والمعرفة وذلك أيضا كما سمى كل خطيئة المؤمن جهالة وكل مآثم الكافر نسيانا وكذلك المؤمن بما كان على الجهالة تعظيم ما يحل به أو النسيان أو بما كان كل منسى متروك فسمى به لا أنه اسم حقيقته والله الموفق

Bagian V01/P379–V01/P381

وعلى ذلك جائز القول بالإيمان بجميع الرسل على غير القول بمعرفة جميع الرسل بالقلوب وعلى ذلك قوله من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان لو لم يكن في القلب إلا المعرفة لكان لا يزيلها الكفر ولا يفيد الشرط في ذلك وقد يختار المرء لدفع الإكراه غير الذي هو حق عنده لدفع ذلك عنه فله شرط طمأنينة القلب وكذلك القول لإبراهيم أو لم تؤمن قال بلى وإنما يقال أو لم تؤمن بخبري أو بالذي عرفت قال بلى ولم يكن أولم تعلم ولا قوة إلا بالله على أن المعارف ربما تقع بأشياء بلا أسباب لا يوصف بالإيمان بها وكذلك قوله فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فهو التكذيب بالطاغوت فيما يدعون والإيمان بالله لا على القول به ولكن على حقيقة الإنكار والتكذيب بالقلب والقبول والتصديق بالله والأصل في ذلك أثبت من الأمر المتعارف أن لا يوصف كل جاهل بالشيء بالتكذيب ولا كل عارف به بالتصديق به لكن المعرفة تبعث على التصديق والجهالة عل التكذيب فسمى بذلك نحو السبب لا الحقيقة والله أعلم مسألة في الإرجاء ثم اختلف في المعنى الذي سمى به من سمى مرجئا بعد اتفاق أهل اللسان على الإرجاء أنه التأخير وعلى ذلك قوله أرجه وأرجاه وقال مرجون لأمر الله قالت الحشوية سميت المرجئة بما لم يسموا كل الخيرات إيمانا وهذا مما لا يحتمله اللسان ولا العقل فأما اللسان فهو أن الإرجاء هو التأخير ولا وجه لهذا الإسم فيما يسمى كل خير بإسمه الخاص ومنع هذا الإسم العام ثم لا يخلو من أن يكون هذا في الحقيقة أسما لكل أو لا فإن كان إسما له فمن يأبى تسمية الشيء باسمه الذي هو إسمه في الحقيقة جهلا به أو تعنتا فلا أحد يسميه بهذا الإسم فما بال هؤلاء سموا به خصوصا من بين جميع الخلق ولو كان بذا يلزم هؤلاء هذا الإسم فهو لازم لمن سماهم به لأنهم وقت التسمية بهذا تاركون لإسماء الخاصة لها فيصيرون بذلك مستحقين لهذا الإسم ثم بقولهم الإيمان إسم لاجتماع الخيرات إبطال هذا الإسم عن كل خير على الإنفراد فيلزمهم هذا أو ليس بإسم لها في الحقيقة فلا يوجه لتسمية من لم يسم الشيء بما ليس ذلك بإسم له ويكون ذلك في الحقيقة سمة الصادقين بالإسم المذموم عنده في الدين فقد أعلا درجة الكاذبين عند الله وحط درجة الصادقين وذلك عظيم عند من يعقل وأما العقل فإنما يدرك حقائق الأشياء بجهتين إما بما تؤدي المشاعر المجعولة مسلكا وهي الحواس أو بالتدبر في علم الحس وما أظهر الدليل وليس في شيء من المحسوس إيجاب ذلك ولا كان فيه مما يستخرج بالتأمل حقيقة الإرجاء أنه فيمن لا يسمى الخيرات إيمانا ولا قوة إلا بالله بل ذلك في الحقيقة مذهبهم حين أرجوا دينهم ولم يشهدوا لأنفسهم واستثنوا في ذلك ولا قوة إلا بالله وقالت المعتزلة المرجئة هي التي أرجت الكبار لم تنزل أهلها نارا ولا جنة

Bagian V01/P381–V01/P384

قال الشيخ رحمه الله هذا الذي قالوه حق في لزوم إرجاء تلك الأعمال لكن المروى بالذم ليسوا هم إن ثبت خبر الذم وهذا هوالحق وعن مثله سأل أبو حنيفة رحمه الله مم أخذت الإرجاء فقال من فعل الملائكة حيث قيل لهم أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين إنه لما سئلوا عن أمر لم يكن لهم به علم فوضوا الأمر في ذلك إلى الله وكذلك الحق في أصحاب الكبائر إذ معهم خيرات الواحدة منها لو قوبلت جميع ما دون الشرك من الشرور لمحتها وأبطلتها فلا يحتمل أن يحرم صاحبها ويخلد في النار لكن يرجى أمره إلى الله فإن شاء عفا عنه إذا هو لم يحرمه عند فعله معرفته ومعاداة أعدائه له وتعظيم أوليائه فعند شدة حاجته إلى عفوه وإحسانه يرجو أن لا يحرمه والله الموفق إذ قال هو الغفور وهو الرحيم الودود وإن شاء قابل بسيئته ما أكرمه به من الحسنات فجعلهن كفارات لها كما قال تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات وقال في غير موضع نكفر عنكم سيئاتكم وقد ذكر الأنواع التي وعد بها التكفير ولا قوة إلا بالله وذلك كقوله أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم وقوله والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ونحو ذلك والله أعلم وإن شاء جزاه قدر عمله وما كان منه من الحسنات فقدرها أيضا بقوله فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره وغير ذلك من الآيات التي فيها ذكر جزاء الخير والشر وذلك وصف العدل في المؤاخذة وإن كان هو فيما أعطى الثواب مفضلا وبالله التوفيق وهذا النوع من الإرجاء حق لزم القول به والمعتزلة أرجت فعل نفسه حيث أبى تسميته مؤمنا وكافرا فجهله بحقيقته ألزمه القول بإرجاء الإسم لكنه جهل حقيقة فعله فلا عذر له والأول جهل حقيقة ما يعمل به الله وذلك لا يعرف إلا بالسمع ولم يجيء ما يقطع القول بشيء فهو لازم وقال بعضهم المرجئة هم الذين أرجوا أمر علي بن أبي طالب ومن خرج معه وعليه فإن أرادوا به الإرجاء من الوقف في القول فيهم فلا معنى لذلك من غيره وإن أرادوا الإرجاء المذموم فهو قريب ولما لم يكن أحد يعدل عليا في الإستحقاق مع دلالة الخبر المرفوع له في عهد أبي بكر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن وليتم أبا بكر تجدونه ضعيفا في بدنه قويا في دينه وإن وليتم عمر وجدتموه قويا في بدنه قويا في دينه وإن وليتم عليا وجدتموه هاديا مهديا يسلك بكم طريق الهدى أو كما قال عليه السلام ثم إدخال عمر إياه في الشورى ثم إتفاق أخيار الصحابة عليه لم يكن أمره بحيث الخفا ليعذر من جوز القول جائز أن يلحق أهله الذم بذلك إذ هو جهل ما لا يحتمل الجهل إلا عن إغفال أو ترك التأمل في أمر الدين والله الموفق ثم إن ثبت الخبر المرفوع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صنفان من أمتي لا تنالهم شفاعتي القدرية والمرجئة وما ذكر أن المرجئة لعنت على لسان سبعين فهو يخرج والله أعلم على وجهين أحدهما أن يراد به الجبرية بما جمع إلى القدرية وهما قولان متقابلان جمعهما الخبر في الذم وهو أن القدرية تحقق قدر أفعال الخلق للخلق لا تجعل لله فيها مشية ولا تدبيرا والجبرية أرجتها إلى الله تعالى لم تجعل للخلق فيها حقيقة البتة فحملت الجبرية كل قبيح وذميم جل الله تعالى من أن يكون ذلك وصف فعله وحملت القدرية الأمر على الخلق على ما هم بها من الجهل والحق هو الوسط من القول أن يكون من العباد أفعال على ما هي منهم ومن الله خلقها على الحد الذي كانت عليه وبالله التوفيق وقد تقدم بيان المعنى بالقدرية

Bagian V01/P384–V01/P385

والوجه الثاني أن يكون ذلك فيما عليه حال الفاعل في فعله من الوقف في ذلك نحو ما قالت الحشوية في اسم المؤمن والثنيا فيه ومعلوم أن الإرجاء هو الوقف في الجواب والإمهال للنظر ثم لا يقطعون في أنفسهم القول بالإيمان بل يستثنون والثنيا إرجاء وقد ذكر ذلك في بعض الأخبار لكن لا يشهد بصحته وفي العقل بيان معنى الإرجاء إذ هو الوقف في الأمر في أمر هو فعلهم وما قالت المعتزلة في إرجاء صاحب الكبيرة بالتسمية أنه مؤمن أو كافر مع ما قسم الخلق الذين امتحنوا قسمين في التحقيق مؤمن وكافر وصير القسم الثالث المنافق إذ هو مع هؤلاء في الظاهر ومع هؤلاء في السر فاستوجبوا أحكام أهل الإيمان في الظاهر مما عليه أهل الأديان في الدنيا وفي الباطن من الأحكام على ما عليه أمر الكفر في الظاهر من أمر الآخرة والله الموفق خلق الإيمان ثم القول في خلق الإيمان فيما بيننا وبين فريق من الحشوية مع ما قد بينا القول في خلق أفعال العباد ما يكفى ذلك من تأمل أمر الإيمان أن الإيمان لا يخلو من أن يكون معروفا أو مجهولا فإن كان مجهولا لا يعلمه أحد فنقول من يقول بنفى الخلق لا معنى له لأن الذي يجهل حتى لا يصل إلى العلم به من طريق الدليل هو الخلق الذي لم يجعل الله فيما يشهده عليه دليلا يعرف مائيته وحقيقته وذلك خلق في جملة القول وبدلالة المحسوس على أن كل شيء سوى الله خلق كائن بعد أن لم يكن فأما الله تعالى وما يوصف به ففي الشاهد دليل على التحقيق والإثبات فلا وجه للجهل به وفي ذلك تثبيت جعله خلقا مع ما لا يجوز الجهل به إذ الأمر بفعله عن الله في جميع كتبه المنزلة ورسله الذين أرسلهم وبه خوطب العباد بجميع شرائع الإسلام فمحال يعرفها على الجهل بحقيقة ما به وجب التكليف وجرت به المحنة وعلى ذلك جرت البشارات وبالإغفال عنه جاء الإنذار والوعيد وعلى ذلك اتفق قول الأمة على اختلافهم في الإضافة إلى ما يعقله الخلق فثبت أنه معلوم ثم لا يخلو إذ علم من أن يكون إيمان كل أحد يوصف في الأزل بالكون بعد أن لم يكن فإن لزم الوصف له بالكون في الأزل لزم الوصف بما في العقل دفعه وفي السمع إحالته لإحالة كون إيمان أحد فعلا له قبل كونه والدليل أنه في العبد الأمر به والنهى عن تركه ومجئ الوعد لمن أتى به والوعيد على من أعرض عنه ومحال كون ذلك كله على غير فعل ثم الأخبار في القرآن عن الذي جاء به وتسمية ذلك عملا وتسمية صاحبه به والمعقول في ذلك أن يكون هو الذي يشهد بوحدانية الله ويؤمن برسله ويعتقد ذلك وذلك أنه فعله على أنه لو لم يكن فعله فيكون سائر ما له مما لا صنع له فيه خلقا عند الجميع وإن كان فعله فهو عند القائلين بهذا إن كل فعل العبد مخلوق وقد بينا ذلك فيما تقدم فعلى ذلك الإيمان بل هو أحق أن يوصف بالخلق من سائر أفعال العبد إذ هو أعلا أفعاله وأجلها ومن البعيد وصف الرب بخالق الأشياء الدنية والخبيثة وتنزيهه عن خلق الأشياء الرفيعة الحسنة فيكون واصفه بهذا شرا من المجوس والزنادقة حيث أضافوا إلى الله خلق الخيرات ونفوا عنه خلق الشر وهم لا نفوا خلق أرفع الخيرات وهو الإيمان مع ما كان فيهم من يرى جميع الخبرات إيمانا ثم لا يرى الله يخلق الإيمان فيكون على قوله هو خالق كل شر وليس بخالق خير البتة جل الله عن هذا الوصف

Bagian V01/P385–V01/P388

ثم لا يخلو تعرف الخلائق من أن يكون طريقها السمع من غير أن كان للعقل من ذلك نصيب فيجب بمطلق القول خلق الإيمان بقوله خالق كل شيء وهو شيء غير الله فيجب به القول بخلقه أو القول بخلقه بما هو من الأعمال وقد قال الله تعالى خلقكم وما تعملون يحق القول وفعل الضمير دون غيرهما من الجوارح وقد قال الله تعالى وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير فهو داخل في جملة الشيئية بالأول وفي جملة الأعمال في الثاني وفي جملة ما يسر ويجهر مع ما قد يكون في السماوات والأرض مما لا إشارة إلى خلقه بإسمه داخل ذلك فيما بينا وفي قوله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما فمثله الإيمان من الذي بينهما والله الموفق أو أن يكون للعقل في تعرف ذلك نصيب فوجد جميع ما في سائر المخلوقين من آثار الصنعة والخلقة ما في الإيمان فيجب من طريق النظر الجمع بين ذلك على أنه مما هو يحدث للعبد لحدثه وعرف خلق الأشياء بما كان بعد أن لم يكن على أنا نسأل من أنكر سؤالا مقررا عن حقيقة ذلك من تصديق أو إقرار أو جميع الأعمال أو إقرار ومعرفة ذلك أو نحو ذلك فيلزم الإعتراف بشيء من ذلك بما يقابل به كل نوع ذلك ولا قوة إلا بالله وقد روى في ذلك خبر عن رسول الله عليه السلام أنه قال إن الله خلق الإيمان فحفه بالسماحة والحيا وروى أن الله خلق مائة رحمة ومعلوم تسمية الإيمان رحمة فيجب أن يكون فيما خلق ثمة له ضد يدفعه وشكل يعضده أو يوافقه وكل ذي ضد وشبيه خلق ثم هو طريق يسلك فيه ودين يدان به ومذهب يختار ونحله تعتقد وكل ذلك مخلوق ثم الله تعالى ضرب مثله مرة بالشجر ومرة بالسمع والبصر ومرة بالحياة ومرة بالأرض الطيبة ومرة بالسراج وكل ذلك مخلوق فمثله الإيمان ثم قد ضرب مثل الكفر بمضادات ما بينا على الإجتماع في الحدثية والخلقة فمثله أمر الإيمان والكفر والله الموفق ثم الإيمان حسن وخير وهدى وزين لصاحبه وكل ما ذلك وصفه فهو مخلوق قال الله تعالى ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ثم قال ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وقال ولم تؤمن قلوبهم دل أنه في القلب وهو فعله وبعيد كون ما ليس بمخلوق فيه ثم كذب الله تعالى في ذلك قوما ادعوا لأنفسهم فلو لم يكن فعلهم لم يكن ليكذبهم لأنه موجود وإنما يعدم من حيث الفعل والله الموفق مسألة ترك الإستثناء في الإيمان قال الفقيه رحمه الله الأصل عندنا قطع القول بالإيمان وبالتسمى به بالإطلاق وترك الإستثناء فيه لأن كل معنى مما بإجتماع وجوده تمام الإيمان عنده مما إذا استثنى فيه لم يصح ذلك المعنى فعلى ذلك أمره في الجملة نحو أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله إن شاء الله أو محمد رسول الله إن شاء الله وكذلك الشهادة بالبعث والملائكة والرسل والكتب وبالله العصمة وأيضا أن حرف الثنيا إذا ألحق بالقول منع مضيه على ما تفوه به لولا هو من الإقرار والعقود والمواعيد وغير ذلك فعلى ذلك أمر الإيمان وكذلك قال الله سبحانه ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله وقال ستجدني إن شاء الله صابرا فلم يلحقه وصف الخلف إذا كان العهد مقرونا بالثنيا وبالله التوفيق ثم العرف الظاهر في الخلق أنهم لا يستعملونه في موضع الإحاطة والعلم ومن سمع ذلك استعظم القول نحو أن يشار إلى محسوس ويستثنى ويستعملونه في موضع الشكوك والظنون وقد حذر الله تعالى بقوله ثم لم يرتابوا أو بما وصف أهل النفاق بالشك والريب لم يجز الثنيا في كل ما لا يجوز أظنه وأحسبه وأشك فيه وبالله التوفيق

Pertanyaan