Merğînânî — el-Hidâye (Hanefî)
قال ومن استأجر دارا كل شهر بدرهم فالعقد صحيح في شهر واحد فاسد في بقية الشهور إلا أن يسمى جملة شهور معلومة لأن الأصل أن كلمة كل إذا دخلت فيما لا نهاية له تنصرف إلى الواحد لتعذر العمل بالعموم فكان الشهر الواحد معلوما فصح العقد فيه وإذا تم كان لكل واحد منهما أن ينقض الإجارة لانتهاء العقد الصحيح ولو سمى جملة شهور معلومة جاز لأن المدة صارت معلومة قال وإن سكن ساعة من الشهر الثاني صح العقد فيه وليس للمؤاجر أن يخرجه إلى أن ينقضي وكذلك كل شهر سكن في أوله ساعة لأنه تم العقد بتراضيهما بالسكنى في الشهر الثاني إلا أن الذي ذكره في الكتاب هو القياس وقد مال إليه بعض المشايخ وظاهر الرواية أن يبقى الخيار لكل واحد منهما في الليلة الأولى من الشهر الثاني ويومها لأن في اعتبار الأول بعض الحرج قال وإن استأجر دارا سنة بعشرة دراهم وإن لم يبين قسط كل شهر من الأجرة لأن المدة معلومة بدون التقسيم فصار كإجارة شهر واحد فإنه جائز وإن لم يبين قسط كل يوم ثم يعتبر ابتداء المدة مما سمي وإن لم يسم شيئا فهو من الوقت الذي استأجره لأن الأوقات كلها في حق الإجارة على السواء فأشبه اليمين بخلاف الصوم لأن الليالي ليست بمحل له ثم إن كان العقد حين يهل الهلال فشهور السنة كلها بالأهلة لأنها هي الأصل وإن كان في أثناء الشهر فالكل بالأيام عند أبي حنيفة رحمه الله وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله وعند محمد وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله الأول بالأيام والباقي بالأهلة لأن الأيام يصار إليها ضرورة والضرورة في الأول منها وله أنه متى تم الأول بالأيام ابتدأ الثاني بالأيام ضرورة وهكذا إلى آخر السنة ونظيره العدة وقد مر في الطلاق قال ويجوز أخذ أجرة الحمام والحجام أما الحمام فلتعارف الناس ولم تعتبر الجهالة جماع المسلمين قال عليه الصلاة والسلام ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وأما الحجام فلما روى أنه عليه الصلاة والسلام احتجم وأعطى الحجام الأجرة ولأنه استئجار على عمل معلوم بأجر معلوم فيقع جائزا قال ولا يجوز أخذ أجرة عسب التيس وهو أن يؤاجر فحلا لينزو على الإناث لقوله عليه الصلاة والسلام إن من السحت عسب التيس والمراد أخذ الأجرة عليه قال ولا الاستئجار على الأذان والحج وكذا الإمامة وتعليم القرآن والفقه والأصل أن كل طاعة يختص بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليه عندنا وعند الشافعي رحمه الله يصح في كل ما لا يتعين على الأجير لأنه استئجار على عمل معلوم غير متعين عليه فيجوز ولنا قوله عليه الصلاة والسلام اقرأوا القرآن ولا تأكلوا به وفي آخر ما عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى عثمان بن أبي العاص وإن اتخذت مؤذنا فلا تأخذ على الأذان أجرا ولأن القربة متى حصلت وقعت عن العامل ولهذا تعتبر أهليته فلا يجوز له أخذ الأجر من غيره كما في الصوم والصلاة ولأن التعليم مما لا يقدر المعلم عليه إلا بمعنى من قبل المتعلم فيكون ملتزما مالا يقدر على تسليمه فلا يصح وبعض مشايخنا استحسنوا الاستئجار على تعليم القرآن اليوم لأنه ظهر التواني في الأمور الدينية ففي الامتناع تضييع حفظ القرآن وعليه الفتوى قال ولا يجوز الاستئجار على الغناء والنوح وكذا سائر الملاهي لأنه استئجار على المعصية والمعصية لا تستحق بالعقد
قال ولا يجوز إجارة المشاع عند أبي حنيفة رحمه الله إلا من الشريك وقالا إجارة المشاع جائزة وصورته أن يؤجر نصيبا من داره أو نصيبه من دار مشتركة من غير الشريك لهما أن للمشاع منفعة ولهذا يجب أجر المثل والتسليم ممكن بالتخلية أو بالتهايؤ فدمار كما إذا آجر من شريكه أو من رجلين وصار كالبيع ولأبي حنيفة رحمه الله أنه آجر ما لا يقدر على تسليمه فلا يجوز وهذا لأن تسليم المشاع وحده لا يتصور والتخلية اعتبرت تسليما لوقوعه تمكينا وهو الفعل الذي يحصل به التمكن ولا تمكن في المشاع بخلاف البيع لحصول التمكن فيه وأما التهايؤ فإنما يستحق حكما للعقد بواسطة الملك وحكم العقد يعقبه والقدرة على التسليم شرط العقد وشرط الشيء يسبقه ولا يعتبر المتراخي سابقا وبخلاف ما إذا آجر من شريكه فالكل يحدث على ملكه فلا شيوع والاختلاف في النسبة لا يضر على أنه لايصح في رواية الحسن عنه وبخلاف الشيوع الطارىء لأن القدرة على التسليم ليست بشرط للبقاء وبخلاف ما إذا آجر من رجلين لأن التسليم يقع جملة ثم الشيوع بتفرق الملك فيما بينهما طارىء قال ويجوز استئجار الظئر بأجرة معلومة لقوله تعالى فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ولأن التعامل به كان جاريا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبله وأقرهم عليه ثم قيل إن العقد يقع على المنافع وهي خدمتها للصبي والقيام به واللبن يستحق على طريق التبع بمنزلة الصبغ في الثوب وقيل إن العقد يقع على اللبن والخدمة تابعة ولهذا لو أرضعته بلبن شاة لا تستحق الأجر والأول أقرب إلى الفقة لأن عقد الإجارة لا ينعقد على إتلاف الأعيان مقصودا كما إذا استأجر بقرة ليشرب لبنها وسنبين العذر عن الأرضاع بلبن الشاة إن شاء الله تعالى وإذا ثبت ما ذكرنا يصح إذا كانت الأجرة معلومة اعتبارا بالاستئجار على الخدمة قال ويجوز بطعامها وكسوتها استحسانا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا يجوز لأن الأجرة مجهولة فصار كما إذا استأجرها للخبز والطبخ وله أن الجهالة لا تفضي إلى المنازعة لأن في العادة التوسعة على الأظآر شفقة على الأولاد فصار كبيع قفيز من صبرة بخلاف الخبز والطبخ لأن الجهالة فيه تفضي إلى المنازعة وفي الجامع الصغير فإن سمى الطعام دراهم ووصف جنس الكسوة وأجلها وذرعها فهو جائز يعني بالإجماع ومعنى تسمية الطعام دراهم أن يجعل الأجرة دراهم ثم يدفع الطعام مكانها وهذا لا جهالة فيه ولو سمى الطعام وبين قدره جاز أيضا لما قلنا ولا يشترط تأجيله لأن أوصافها أثمان ويشترط بيان مكان الإيفاء عند أبي حنيفة خلافا لهما وقد ذكرناه في البيوع وفي الكسوة يشترط بيان الأجل أيضا مع بيان القدر والجنس لأنه إنما يصير دينا في الذمة إذا صار مبيعا وإنما يصير مبيعا عند الأجل كما في السلم قال وليس للمستأجر أن يمنع زوجها من وطئها لأن الوطء حق الزوج فلا يتمكن من إبطال حقه ألا ترى أن له أن يفسخ الإجارة إذا لم يعلم به صيانة لحقه إلا أن المستأجر يمنعه من غشيانها في منزله لأن المنزل حقه فإن حبلت كان لهم أن يفسخوا الإجارة إذا خافوا على الصبي من لبنها لأن لبن الحامل يفسد الصبي فلهذا كان لهم الفسخ إذا مرضت أيضا وعليها أن تصلخ طعام الصبي لأن العمل عليها والحاصل أنه يعتبر فيما لانص عليه العرف في مثل هذا الباب فما جرى به العرف من غسل ثياب الصبي وإصلاح الطعام وغير ذلك فهو على الظئر أما الطعام فعلى والد الولد وما ذكر محمد رحمه الله أن الدهن والريحان على الظئر فذلك من عادة أهل الكوفة وإن أرضعته في المدة بلبن شاة فلا أجر لها لأنها لم تأت بعمل مستحق عليها وهو الإرضاع فإن هذا إيجار وليس بإرضاع وإنما لم يجب الأجر لهذا المعنى أنه اختلف العمل
قال ومن دفع إلى حائك غزلا لينسجه بالنصف فله أجر مثله وكذا إذا استأجر حمارا يحمل عليه طعاما بقفيز منه فالإجارة فاسدة لأنه جعل الأجر بعض ما يخرج من عمله فيصير في معنى قفيز الطحان وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عنه وهو أن يستأجر ثورا ليطحن له حنطة بقفيز من دقيقه وهذا أصل كبير يعرف به فساد كثير من الإجارات لا سيما في ديارنا والمعنى فيه أن المستأجر عاجز عن تسليم الأجر وهو بعض المنسوج أو المحمول إذ حصوله بفعل الأجير فلا يعد هو قادرا بقدرة غيره وهذا بخلاف ما إذا استأجره ليحمل نصف طعامه بالنصف الآخر حيث لا يجب له الآجر لأن المستأجر ملك الأجير في الحال بالتعجيل فصار مشتركا بينهما ومن استأجر رجلا لحمل طعام مشترك بينهما لايجب الأجر لأنه ما من جزء يحمله إلا وهو عامل لنفسه فيه فلا يتحقق تسليم المعقود عليه قال ولا يجاوز بالأجر قفيزا لأنه لما فسدت الإجارة فالواجب الأقل مما سمى ومن أجر المثل لأنه رضي بحط الزيادة وهذا بخلاف ما إذا اشتركا في الاحتطاب حيث يجب الأجر بالغا ما بلغ عند محمد لأن المسمى هناك غير معلوم فلم يصح الحط قال ومن استأجر رجلا ليخبز له هذه العشرة المخاتيم من الدقيق اليوم بدرهم فهو فاسد وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله في الإجارات هو جائز لأنه يجعل المعقود عليه عملا ويجعل ذكر الوقت للاستعجال تصحيحا للعقد فترتفع الجهالة وله أن المعقود عليه مجهول لأن ذكر الوقت يوجب كون المنفعة معقودا عليها وذكر العمل يوجب كونه معقودا عليه ولا ترجيح ونفع المستأجر في الثاني ونفع الأجير في الأول فيفضي إلى المنازعة وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يصح الإجارة إذا قال في اليوم وقد سمى عملا لأنه للظرف فكان المعقود عليه العمل بخلاف قوله اليوم وقد مر مثله في الطلاق قال ومن استأجر أرضا على أن يكربها ويزرعها أو يسقيها ويزرعها فهو جائز لأن الزراعة مستحقة بالعقد ولا تتأتى الزراعة إلا بالسقي والكراب فكان كل واحد منهما مستحقا كل شروط هذه صفته يكون من مقتضيات العقد فذكره لا يوجب الفساد فإن شرط أن يثنيها أو يكرى أنهارها أو يسرقنها فهو فاسد لأنه يبقى أثره بعد انقضاء المدة وأنه ليس من مقتضيات العقد وفيه منفعة لأحد المتعاقدين وما هذا حاله يوجب الفساد لأن مؤاجر الأرض يصير مستأجرا منافع الأجير على وجه يبقى بعد المدة فيصير صفقتان في صفقة وهو منهى عنه ثم قيل المراد بالتثنية أن يردها مكروبة ولا شبهة في فساده وقيل أن يكربها مرتين وهذا في موضع تخرج الأرض الربع بالكراب مرة والمدة سنة واحدة وإن كانت ثلاث سنين لا تبقى منفعته وليس المراد بكري الأنهار الجداول بل المراد منها الأنهار العظام هو الصحيح لأنه تبقى منفعته في العام القابل قال وإن استأجرها ليزرعها بزراعة أرض أخرى فلا خير فيه وقال الشافعي رحمه الله هو جائز وعلى هذا إجارة السكنى بالسكنى واللبس باللبس والركوب بالركوب له أن المنافع بمنزلة الأعيان حتى جازت الإجارة بأجرة دين ولا يصير دينا بدين ولنا أن الجنس بانفراده يحرم النساء عندنا فصار كبيع القوهي بالقوهي نسيئة وإلى هذا أشار محمد رحمه الله ولأن الإجارة جوزت بخلاف القياس للحاجة ولا حاجة عند اتحاد الجنس بخلاف ما إذا اختلف جنس المنفعة
قال وإذا كان الطعام بين رجلين فاستأجر أحدهما صاحبه أو حمار صاحبه على أن يحمل نصيبه فحمل الطعام كله فلا أجر له وقال الشافعي رحمه الله له المسمى لأن المنفعة عين عنده وبيع العين شائعا جائز فاصر كما إذا استأجر دارا مشتركة بينه وبين غيره ليضع فيها الطعام أو عبدا مشتركا ليخيط له الثياب ولنا أنه استأجره لعمل لا وجود له لأن الحمل فعل حسي ولا يتصور في الشائع بخلاف البيع لأنه تصرف حكمي وإذا لم يتصور تسليم المعقود عليه لا يجب الأجر ولأن ما من جزء يحمله إلا وهو شريك فيه فيكون عاملا لنفسه فلا يتحقق التسليم بخلاف الدار المشتركة لأن المعقود عليه هنالك والمنافع ويتحقق تسليمها بدون وضع الطعام وبخلاف العبد لأن المعقود عليه إنما هو ملك نصيب صاحبه وأنه أمر حكمي يمكن إيقاعه في الشائع ومن استأجر أرضا ولم يذكر أنه يزرعها أو أي شيء يزرعها فالإجارة فاسدة لأن الأرض تستأجر للزراعة ولغيرها وكذا ما يزرع فيها مختلف فمنه ما يضر بالأرض مالا يضر بها غيره فلم يكن المعقود عليه معلوما قال فإن زرعها ومضى الأجل فله المسمى وهذا استحسان وفي القياس لا يجوز له وهو قول زفر رحمه الله لأنه وقع فاسدا فلا ينقلب جائزا وجه الاستحسان أن الجهالة ارتفعت قبل تمام العقد فينقلب جائزا كما إذا ارتفعت في حالة العقد وصار كما إذا أسقط الأجل المجهول قبل مضيه والخيار الزائد في المدة قال ومن استأجر حمارا إلى بغداد بدرهم ولم يسم ما يحمل عليه فحمل ما يحمل الناس فنفق في نصف الطريق فلا ضمان عليه لأن الغين المستأجرة أمانة في يد المستأجر وإن كانت الإجارة فاسدة قال فإن بلغ بغداد فله الأجر المسمى استحسانا على ما ذكرنا في المسألة الأولى قال وإن اختصما قبل أن يحمل عليه وفي المسألة الأولى قبل أن يزرع نقضت الإجارة دفعا للفساد إذ الفساد قائم بعد 2 باب ضمان الأجير 2 قال الأجراءعلى ضربين أجير مشترك وأجير خاص فالمشترك من لا يستحق الأجرة حتى يعمل كالصباغ والقصار لأن المعقود عليه إذا كان هو العمل أو أثره كان له أن يعمل للعامة لأن منافعه لم تصر مستحقة لواحد فمن هذا الوجه يسمى مشتركا قال والمتاع أمانة في يده فإن هلك لم يضمن شيئا عند أبي حنيفة رحمه الله وهو قول زفر رحمه الله ويضمنه عندهما إلا من شيء غالب كالحريق الغالب والعدو المكابر لهما ما روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما كانا يضمنان الأجير المشترك ولأن الحفظ مستحق عليه إذ لا يمكنه العمل إلابه فإذا هلك بسبب يمكن الاحتراز عنه كالغصب والسرقة كان التقصير من جهته فيضمنه كالوديعة إذا كانت بأجر بخلاف مالا يمكن الاحتراز عنه كالموت حتف أنفه والحريق الغالب وغيره لأنه لا تقصير من جهته ولأبي حنيفة رحمه الله أن العين أمانة في يده لآن القبض حصل بإذنه ولهذا لو هلك بسبب لا يمكن الاحتراز عنه لا يضمنه ولو كان مضمونا يضمنه كما في المغصوب والحفظ مستحق عليه تبعا لا مقصودا ولهذا لا يقابله الأجر بخلاف المودع بالأجر لأن الحفظ مستحق عليه مقصودا حتى يقابله الأجر قال وما تلف بعمله كتخريق الثوب من دقة وزلق الحمال وانقطاع الحبل الذي يشد به المكاري الحمل وغرق السفينة من مده مضمون عليه وقال زفر والشافعي رحمهما الله لا ضمان عليه لأنه أمره بالفعل مطلقا فينتظمه بنوعيه المعيب والسليم وصار كأجير الوحد ومعين القصار ولنا أن الداخل تحت الإذن ما هو الداخل تحت العقد وهو العمل المصلح لأنه هو الوسيلة إلى الأثر وهو المعقود عليه حقيقة حتى لو حصل بفعل الغير يجب الأجر فلم يكن المفسد مأذونا فيه بخلاف المعين لأنه متبرع فلا يمكن تقييده بالصلح لأنه يمتنع عن التبرع وفيما نحن فيه يعمل بالأجر فأمكن تقييده وبخلاف أجير الوحد على ما نذكره إن شاء الله تعالى وانقطاع الحبل من قلة اهتمامه فكان من صنيعه
قال إلا أنه لا يضمن به بني آدم ممن غرق في السفينة أو سقط من الدابة وإن كان بسوقه وقوده لأن الواجب ضمان الآدمي وأنه لا يجب بالعقد وإنما يجب بالجناية ولهذا يجب على العاقلة وضمان العقود لا تتحمله العاقلة قال وإذا استأجر من يحمل له دنا من الفرات فوقع في بعض الطريق فانكسر فإن شاء ضمنه قيمته في المكان الذي حمله ولا أجر له وإن شاء ضمنه قيمته في الموضع الذي انكسر وأعطاه الأجر بحسابه أما الضمان فلما قلنا والسقوط بالعثار أو بانقطاع الحبل وكل ذلك من صنيعه وأما الخيار فلأنه إذا انكسر في الطريق والحمل شيء واحد تبين أنه وقع تعديا من الابتداء من هذا الوجه وله وجه آخر وهو أن ابتداء الحمل حصل بإذنه فلم يكن من الابتداء تعديا وإنما صار تعديا عند الكسر فيميل إلى أي الوجهين شاء وفي الوجه الثاني له الأجر بقدر ما استوفى وفي الوجه الأول لا أجر له لأنه ما استوفى أصلا قال وإذا فصد الفصاد أو بزغ البزاغ ولم يتجاوز الموضع المعتاد فلا ضمان عليه فيما عطب من ذلك وفي الجامع الصغير بيطار بزغ دابة بدانق فنفقت أو حجام حجم عبدا بأمر مولاه فمات فلا ضمان عليه وفي كل واحد من العبارتين نوع بيان ووجهه أنه لا يمكنه التحرز عن السراية لأنه يبتنى على قوة الطبائع وضعفها في تحمل الألم فلا يمكن التقييد بالمصلح من العمل ولا كذلك دق الثوب ونحوه مما قدمناه لأن قوة الثوب ورقته تعرف بالاجتهاد فأمكن القول بالتقييد قال والأجير الخاص الذي يستحق الأجرة بتسليم نفسه في المدة وإن لم يعمل كمن استؤجر شهرا للخدمة أو لرعي الغنم وإنما سمي أجير وحد لأنه لا يمكنه أن يعمل لغيره لأن منافعه في المدة صارت مستحقة له والأجر مقابل بالمنافع ولهذا يبقى الأجر مستحقا وإن نقض العمل قال ولا ضمان على الأجير الخاص فيما تلف في يده ولا ما تلف من عمله أما الأول فلأن العين أمانة في يده لأنه قبض بإذنه وهذا ظاهر عند أبي حنيفة وكذا عندهما لأن تضمين الأجير المشترك نوع استحسان عندهما لصيانة أموال الناس وأجير الوحد لا يقبل الأعمال فتكون السلامة غالبة فيؤخذ فيه بالقياس وأما الثاني فلأن المنافع متى صارت مملوكة للمستأجر فإذا أمره بالتصرف في ملكه صح ويصير نائبا منابه فيصير فعله منقولا إليه كأنه فعل بنفسه فلهذا لا يضمنه والله أعلم بالصواب 2 باب الإجارة على أحد الشرطين 2 وإذا قال للخياط إن خطت هذا الثوب فارسيا فبدرهم وإن خطته روميا فبدرهمين جاز وأي عمل من هذين العملين عمل استحق الأجر به وكذا إذا قال للصباغ إن صبغته بعصفر فبدرهم وإن صبغته بزعفران فبدرهمين وكذا إذا خيره بين شيئين بأن قال آجرتك هذه الدار شهرا بخمسة أو هذه الدار الآخرى بعشرة وكذا إذا خيره بين مسافتين مختلفتين بأن قال آجرتك هذه الدابة إلى الكوفة بكذا أو إلى واسط بكذا وكذا إذا خيره بين ثلاثة أشياء وإن خيره بين أربعة أشياء لم يجز والمعتبر في جميع ذلك البيع والجامع دفع الحاجة غير أنه لا بد من اشتراط الخيار في البيع وفي الإجارة لا يشترط ذلك لأن الأجر إنما يجب بالعمل وعند ذلك يصير المعقود عليه معلوما وفي البيع يجب الثمن بنفس العقد فتتحقق الجهالة على وجه لا ترتفع المنازعة إلا بإثبات الخيار ولو قال إن خطته اليوم فبدرهم وإن خطته غدا فبنصف درهم فإن خاطه اليوم فله درهم وإن خاطه غدا فله أخر مثله عند أبي حنيفة رحمه الله لا يجاوز به نصف درهم وفي الجامع الصغير لا ينقص من نصف درهم ولا يزاد على درهم وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله الشرطان جائزان
قال زفر الشرطان فاسدان لأن الخياطة شيء واحد وقد ذكر بمقابلته بدلان على البدل فيكون مجهولا وهذا لأن ذكر اليوم للتعجيل وذكر الغد للترفيه فيجتمع في كل يوم تسميتان ولهما أن ذكر اليوم للتأقيت وذكر الغد للتعليق فلا يجتمع في كل يوم تسميتان ولأن التعجيل والتأخير مقصود فنزلا منزلة اختلاف النوعين ولأبي حنيفة رحمه الله أن ذكر الغد للتعليق حقيقة ولا يمكن حمل اليوم على التأقيت لأن فيه فساد العقد لاجتماع الوقت والعمل وإذا كان كذلك يجتمع في الغد تسميتان دون اليوم فيصح اليوم الأول ويجب المسمى ويفسد الثاني ويجب أجر المثل لا يجاوز به نصف درهم لأنه هو المسمى في اليوم الثاني وفي الجامع الصغير لا يزاد على درهم ولا ينقص من نصف درهم لأن التسمية الأولى لا تنعدم في اليوم الثاني فتعتبر لمنع الزيادة وتعتبر التسمية الثانية لمنع النقصان فإن خاطه في اليوم الثالث لا يجاوز به نصف درهم عند أبي حنيفة رحمه الله هو الصحيح لأنه إذا لم يرض بالتأخير إلى الغد فبالزيادة عليه إلى ما بعد الغد أولى ولو قال إن سكنت في هذا الدكان عطارا فبدرهم في الشهر وإن سكنته حدادا فبدرهمين جاز وأي الأمرين فعل استحق الأجر المسمى فيه عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا الإجارة فاسدة وكذا إن استأجر بيتا على أنه إن سكن فيه عطارا فبدرهم وإن سكن فيه حدادا فبدرهمين فهو جائز عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا يجوز ومن استأجر دابة إلى الحيرة بدرهم وإن جاوز بها إلى القادسية فبدرهمين فهو جائز ويحتمل الخلاف ومن استأجرها إلى الحيرة على أنه إن حمل عليها كر شعير فبنصف درهم وإن حمل عليها كر حنطة فبدرهم فهو جائز في قول أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا يجوز وجه قولهما أن المعقود عليه مجهول وكذا الأجر أحد الشيئين وهو مجهول والجهالة توجب الفساد بخلاف الخياطة الرومية والفارسية لأن الأجر يجب بالعمل وعنده ترتفع الجهالة أما هذه المسائل فيجب الأجر بالتخلية والتسليم فتبقى الجهالة وهذا الحرف هو الأصل عندهما ولأبي حنيفة رحمه الله أنه خيره بين عقدين صحيحين مختلفين فيصح كما في مسألة الرومية والفارسية وهذا لأن سكناه بنفسه يخالف إسكانه الحداد ألا ترى أنه لا يدخل ذلك في مطلق العقد وكذا في أخواتها والإجارة تعقد للانتفاع وعنده ترتفع الجهالة ولو احتيج إلى الإيجاب بمجرد التسليم يجب أقل الأجرين للتيقن به والله أعلم بالصواب 2 باب أجارة العبد 2
قال ومن استأجر عبدا ليخدمه فليس له أن يسافر به إلا أن يشترط ذلك لأن خدمة السفر اشتملت على زيادة مشقة فلا ينتظمها الإطلاق ولهذا جعل السفر عذرا فلا بد من اشتراطه كإسكان الحداد والقصار في الدار ولأن التفاوت بين الخدمتين ظاهر فإذا تعينت الخدمة في الحضر لا يبقى غيره داخلا كما في الركوب ومن استأجر عبدا محجورا عليه شهرا وأعطاه الأجر فليس للمستأجر أن يأخذ منه الأجر وأصله أن الإجارة صحيحة استحسانا إذا فرغ من العمل والقياس أن لا يجوز لانعدام إذن المولى وقيام الحجر فصار كما إذا هلك العبد وجه الاستحسان أن التصرف نافع على اعتبار الفراغ سالما ضار على اعتبارهلاك العبدوالنافع مأذون فيه كقبول الهبة وإذا جاز ذلك لم يكن للمستأجر أن يأخذ منه الأجر ومن غصب عبدا فآجر العبد نفسه فأخذ الغاصب الأجر فأكله فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا هو ضامن لأنه أكل مال المالك بغير إذنه إذ الإجارة قد صحت على ما مر وله أن الضمان إنما يجب بإتلاف مال محرز لأن التقوم به وهذا غير محرز في حق الغاصب لأن العبد لا يحرز نفسه عنه فكيف يحرز ما في يده وإن وجد المولى الأجر قائما بعينه أخذه لآنه وجد عين ماله ويجوز قبض العبد الأجر في قولهم جميعا لأنه مأذون له في التصرف على اعتبار الفراغ على ما مر ومن استأجر عبدا هذين الشهرين شهرا بأربعة وشهرا بخمسة فهو جائز والأول منهما بأربعة لأن ا لشهر المذكور أولا ينصرف إلى ما يلي العقد تحريا للجواز أو نظرا إلى تنجز الحاجة فينصرف الثاني إلى ما يلي الأول ضرورة ومن استأجر عبدا شهرا بدرهم فقبضه في أول الشهر ثم جاء آخر الشهر وهو آبق أو مريض فقال المستأجر أبق أو مرض حين أخذته وقال المولى لم يكن ذلك إلا قبل أن تأتيني بساعة فالقول قول المستأجر وإن جاء به وهو صحيح فالقول قول المؤجر لأنهما اختلفا في أمر محتمل فيترجح بحكم الحال إذ هو دليل على قيامه من قبل وهو يصلح مرجحا إن لم يصلح حجة في نفسه أصله الاختلاف في جريان ماء الطاحونة وانقطاعه والله سبحانه وتعالى أعلم 2 باب الاختلاف في الإجارة 2 قال وإذا اختلف الخياط ورب الثوب فقال رب الثوب أمرتك أن تعمله قباء وقال الخياط بل قميصا أو قال صاحب الثوب للصباغ أمرتك أن تصبغه أحمر فصبغته أصفر وقال الصباغ لا بل أمرتني أصفر فالقول لصاحب الثوب لأن الإذن يستفاد من جهته ألا ترى أنه لو أنكر أصل الإذن كان القول قوله فكذا إذا أنكر صفته لكن يحلف لأنه أنكر شيئا لو أقر به لزمه قال وإذا حلف فالخياط ضامن ومعناه مامر من قبل أنه بالخيار إن شاء ضمنه وإن شاء أخذه وأعطاه أجر مثله وكذا يخير في مسألة الصبغ إذا حلف إن شاء ضمنه قيمة الثوب أبيض وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه أجر مثله لا يجاوز به المسمى وذكر في بعض النسخ يضمنه ما زاد الصبغ فيه لأنه بمنزلة الغصب وإن قال صاحب الثوب عملته لي بغير أجر وقال الصانع بأجر فالقول قول صاحب الثوب عند أبي حنيفة لأنه ينكر تقوم عمله إذ هو يتقوم بالعقد وينكر الضمان والصانع يدعيه والقول قول المنكر وقال أبو يوسف رحمه الله إن كان الرجل حريفا له أي خليطا له فله الأجر وإلا فلا لأن سبق ما بينهما يعين جهة الطلب بأجر جريا على معتادهما وقال محمد رحمه الله إن كان الصانع معروفا بهذه الصنعة بالأجر فالقول قوله لأنه لما فتح الحانوت لأجله جرى ذلك مجرى التنصيص على الأجر اعتبارا للظاهر والقياس ما قاله أبو حنيفة رحمه الله لأنه منكر والجواب عن استحسانيهما أن الظاهر للدفع والحاجة ههنا إلى الاستحقاق والله أعلم 2 باب فسخ الإجارة 2
قال ومن استأجر دارا فوجد بها عيبا يضر بالسكنى فله الفسخ لأن المعقود عليه المنافع وأنها توجد شيئا فشيئا فكان هذا عيبا حادثا قبل القبض فيوجب الخيار كما في البيع ثم المستأجر إذا استوفى المنفعة فقد رضي بالعيب فيلزمه جميع البدل كما في البيع وإن فعل المؤجر ما أزال به العيب فلا خيار للمستأجر لزوال سببه قال وإذا خربت الدار أو انقطع شرب الضيعة أو انقطع الماء عن الرحى انفسخت الإجارة لأن المعقود عليه قد فات وهي المنافع المخصوصة قبل القبض فشابه فوت المبيع قبل القبض وموت العبد المستأجر ومن أصحابنا من قال إن العقد لا ينفسخ لأن المنافع قد فاتت على وجه يتصور عودها فأشبه الإباق في البيع قبل القبض وعن محمد رحمه الله أن الآحر لو بناها ليس للمستأجر أن يمتنع ولا للآحر وهذا تنصيص منه على أنه لم ينفسخ لكنه يفسخ ولو انقطع ماء الرحى والبيت مما ينتفع به لغير الطحن فعليه من الأجر بحصته لأنه جزء من المعقود عليه قال وإذا مات أحد المتعاقدين وقد عقد الإجارة لنفسه انفسخت لأنه لو بقي العقد تصير المنفعة المملوكة به أو الأجرة المملوكة لغير العاقد مستحقة بالعقد لأنه ينتقل بالموت إلى الوارث وذلك لا يجوز وإن عقدها لغيره لم تنفسخ مثل الوكيل والوصي والمتولي في الوقف لانعدام ما أشرنا إليه من المعنى قال ويصح شرط الخيار في الإجارة وقال الشافعي رحمه الله لا يصح لأن المستأجر لا يمكنه رد المعقود عليه بكماله لو كان الخيار له لفوات بعضه ولو كان للمؤاجر فلا يمكنه التسليم أيضا على الكمال وكل ذلك يمنع الخيار ولنا أنه عقد معاملة لا يستحق القبض فيه في المجلس فجاز اشتراط الخيار فيه كالبيع والجامع بينهما دفع الحاجة وفوات بعض المعقود عليه في الإجارة لا يمنع الرد بخيار العيب فكذا بخيار الشرط بخلاف البيع وهذا لأن رد الكل ممكن في البيع دون الإجارة فيشترط فيه دونها ولهذا يجبر المستأجر على القبض إذا سلم المؤجر بعد مضي بعض المدة قال وتفسخ الإجارة بالأعذار عندنا وقال الشافعي رحمه الله لا تفسخ إلا بالعيب لأن المنافع عنده بمنزلة الأعيان حتى يجوز العقد عليها فأشبه البيع ولنا أن المنافع غير مقبوضة وهي المعقود عليها فصار العذر في الإجارة كالعيب قبل القبض في البيع فتفسخ به إذ المعنى يجمعهما وهو عجز العاقد عن المضي في موجبه إلا بتحمل ضرر زائد لم يستحق به وهذا هو معنى العذر عندنا وهو كمن استأجر حدادا ليقلع ضرسه لوجع به فسكن الوجع أو استأجر طباخا ليطبخ له طعام الوليمة فاختلعت منه تفسخ الإجارة لأن في المضي عليه إلزام ضرر زائد لم يستحق بالعقد وكذا من استأجر دكانا في السوق ليتجر فيه فذهب ماله وكذا من أجر دكانا أو دارا ثم أفلس ولزمته ديون لا يقدر على قضائها إلا بثمن ما أجر فسخ القاضي العقد وباعها في الديون لأن في الجري على موجب العقد إلزام ضرر زائد لم يستحق بالعقد وهو الحبس لأنه قد لا يصدق على عدم مال آخر ثم قوله فسخ القاضي العقد إشارة إلى أنه يفتقر إلى قضاء القاضي في النقض وهكذا ذكر في الزيادات في عذر الدين وقال في الجامع الصغير وكل ما ذكرنا أنه عذر فإن الإجازة فيه تنتقض وهذا يدل على أنه لا يحتاج فيه إلى قضاء القاضي ووجهه أن هذا بمنزلة العيب قبل القبض في المبيع على مامر فينفرد العاقد بالفسخ ووجه الأول أنه فصل مجتهد فيه فلا بد من إلزام القاضي ومنهم من وفق فقال إن كان العذر ظاهرا لا يحتاج إلى القضاء لظهور العذر وإن كان غير ظاهر كالدين يحتاج إلى القضاء لظهور العذر
ومن استأجر دابة ليسافر عليها ثم بدا له من السفر فهو عذر لأنه لو مضى على موجب العقد يلزمه ضرر زائد لآنه ربما ذهب للحج فذهب وقته أو لطلب غريمه فحضر أو للتجارة فافتقر وإن بدا للمكاري فليس ذلك بعذر لأنه يمكنه أن يقعد ويبعث الدواب على يد تلميذه أو أجيره ولو مرض المؤاجر فقعد فكذا الجواب على رواية الأصل وذكر الكرخي رحمه الله أنه عذر لأنه لا يعرى عن ضرر فيدفع عنه عند الضرورة دون الاختيار ومن آجر عبده ثم باعه فليس بعذر لأنه لا يلزمه الضرر بالمضي على موجب العقد وإنما يفوته الاسترباح وأنه أمر زائد قال وإذا استأجر الخياط غلاما فأفلس وترك العمل فهو عذر لأنه يلزمه الضرر بالمضي على موجب العقد لفوات مقصوده وهو رأس ماله وتأويل المسألة خياط يعمل لنفسه أما الذي يخيط بأجر فرأس ماله الخيط والمخيط والمقراض فلا يتحقق الإفلاس فيه وإن أراد ترك الخياطة وأن يعمل في الصرف فهو ليس بعذر لأنه يمكنه أن يقعد الغلام للخياطة في ناحية وهو يعمل في الصرف في ناحية وهذا بخلاف ما إذا استأجر دكانا للخياطة فأراد أن يتركها ويشتغل بعمل آخر حيث جعله عذرا ذكره في الأصل لأن الواحد لا يمكنه الجمع بين العملين أما ههنا العامل شخصان فأمكنهما ومن استأجر غلاما ليخدمه في المصر ثم سافر فهو عذر لأنه لا يعرى عن إلزام ضرر زائد لأن خدمة السفر أشق وفي المنع من السفر ضرر وكل ذلك لم يستحق بالعقد فيكون عذرا وكذا إذا أطلق لما مر أنه يتقيد بالحضر بخلاف ما إذا آجر عقارا ثم سافر لأنه لا ضرر إذ المستأجر يمكنه استيفاء المنفعة من المعقود عليه بعد غيبته حتى لو أراد المستأجر السفر فهو عذر لما فيه عن المنع من السفر أو إلزام الأجر بدون السكنى وذلك ضرر مسائل منثورة قال ومن استأجر أرضا أو استعارها فأحرق الحصائد فاحترق شيء من أرض أخرى فلا ضمان عليه لأنه غير متعد في هذا التسبيب فأشبه حافر البئر في دار نفسه وقيل هذا إذا كانت الرياح هادئة ثم تغيرت أما إذا كانت مضطربة يضمن لأن موقد النار يعلم أنها لا تستقر في أرضه قال وإذا أقعد الخياط أو الصباغ في حانوته من يطرح عليه العمل بالنصف فهو جائز لأن هذه شركة الوجوه في الحقيقة فهذا بوجاهته يقبل وهذا بحذاقته يعمل فينتظم بذلك المصلحة فلا تضره الجهالة فيما يحصل قال ومن استأجر جملا ليحمل عليه محملا وراكبين إلى مكة جاز وله المحمل المعتاد وفي القياس لا يجوز وهو قول الشافعي رحمه الله للجهالة وقد يفضي ذلك إلى المنازعة وجه الاستحسان أن المقصود هو الراكب وهو معلوم والمحمل تابع وما فيه من الجهالة يرتفع بالصرف إلى المتعارف فلا يفضي ذلك إلى المنازعة وكذا إذا لم ير الوطاء والدثر قال وإن شاهد الجمال الحمل فهو أجود لأنه أنفى للجهالة وأقرب إلى تحقق الرضا قال وإن استأجر بعيرا ليحمل عليه مقدارا من الزاد فأكل منه في الطريق جاز له أن يرد عوض ما أكل لأنه استحق عليه حملا مسمى في جميع الطريق فله أن يستوفيه وكذا غير الزاد من المكيل والموزون ورد الزاد معتاد عند البعض كرد الماء فلا مانع من العمل بالإطلاق والله أعلم 1 كتاب المكاتب 1
قال وإذا كاتب المولى عبده أو أمته على مال شرطه عليه وقبل العبد ذلك صار مكاتبا أما الجواز فلقوله تعالى فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وهذا ليس أمر إيجاب بإجماع بين الفقهاء وإنما هو أمر ندب هو الصحيح وفي الحمل على الإباحة إلغاء الشرط إذ هو مباح بدونه أما الندبية فمعلقة به والمراد بالخير المذكور على ما قيل أن لايضر بالمسلمين بعد العتق فإن كان يضر بهم فالأفضل أن لا يكاتبه وإن كان يصح أو فعله وأما اشتراط قبول العبد فلأنه مال يلزمه فلا بد من التزامه ولا يعتق إلا بأداء كل البدل لقوله عليه الصلاة والسلام أيما عبد كوتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد وقال عليه الصلاة والسلام المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وفيه اختلاف الصحابة رضي الله عنهم وما اخترناه قول زيد بن ثابت رضي الله عنه ويعتق بأدائه وإن لم يقل المولى إذا أديتها فأنت حر لأن موجب العقد يثبت من غير التصريح به كما في البيع ولا يجب حط شيء من البدل اعتبارا بالبيع قال ويجوز أن يشترط المال حالا ويجوز مؤجلا ومنجما وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز حالا ولا بد من نجمين لأنه عاجز عن التسليم في زمان قليل لعدم الأهلية قبله للرق بخلاف السلم على أصله لأنه أهل للملك فكان احتمال القدرة ثابتا وقد دل الإقدام على العقد عليها فيثبت به ولنا ظاهر ما تلونا من غير شرط التنجيم ولأنه عقد معاوضة والبدل معقود به فأشبه الثمن في البيع في عدم اشتراط القدرة عليه بخلاف السلم على أصلنا لأن المسلم فيه معقود عليه فلا بد من القدرة عليه ولأن مبنى الكتابة على المساهلة فيمهله المولى ظاهرا بخلاف السلم لأن مبناه على المضايقة وفي الحال كما امتنع من الأداء يرد إلى الرق قال وتجوز كتابة العبد الصغير إذا كان يعقل البيع والشراء لتحقق الإيجاب والقبول إذ العاقل من أهل القبول والتصرف نافع في حقه والشافعي رحمه الله تعالى يخالفنا فيه وهو بناء على مسألة إذن الصبي في التجارة وهذا بخلاف ما إذا كان لا يعقل البيع والشراء لأن القبول لا يتحقق منه فلا ينعقد العقد حتى لو أدى عنه غيره لا يعتق ويسترد ما دفع قال ومن قال لعبده جعلت عليك ألفا تؤديها إلي نجوما أول النجم كذا وآخره كذا فإذا أديتها فأنت حر وإن عجزت فأنت رقيق فإن هذه مكاتبة لأنه أتى بتفسير الكتابة ولو قال إذا أديت إلي ألفا كل شهر مائة فأنت حر فهذه مكاتبة في رواية أبي سليمان لأن التنجيم يدل على الوجوب وذلك بالكتابة وفي نسخ أبي حفص رحمه الله لا تكون مكاتبة اعتبارا بالتعليق بالأداء مرة قال وإذا صحت الكتابة خرج المكاتب عن يد المولى ولم يخرج عن ملكه أما الخروج من يده فتحقيق معنى الكتابة وهو الضم فيضم مالكية يده إلى مالكية نفسه أو لتحقيق مقصود الكتابة وهو أداء البدل فيملك البيع والشراء والخروج إلى السفر وإن نهاه المولى وأما عدم الخروج عن ملكه فلما روينا ولأنه عقد معاوضة ومبناه على المساواة وينعدم ذلك بتنجز العتق ويتحقق بتأخره لأنه يثبت له نوع مالكية ويثبت له في الذمة حق من وجه فإن أعتقه عتق بإعتاقه لأنه مالك لرقبته وسقط عنه بدل الكتابة لأنه ما التزمه إلا مقابلا بحصول العتق به وقد حصل دونه قال وإذا وطىء المولى مكاتبته لزمه العقر لأنها صارت أخص بأجزائها توسلا إلى المقصود بالكتابة وهو الوصول إلى البدل من جانبه وإلى الحرية من جانبها بناء عليه ومنافع البضع ملحقة بالأجزاء والأعيان وإن جنى عليها أو على ولدها لزمته الجناية لما بينا وإن أتلف مالا لها غرم لأن المولى كالأجنبي في حق أكسابها ونفسها إذ لو لم يجعل كذلك لأتلفه المولى فيمتنع حصول الغرض المبتغى بالعقد والله سبحانه وتعالى اعلم بالصواب فصل في الكتابة الفاسدة
قال وإذا كاتب المسلم عبده على خمر أو خنزير أو على قيمة نفسه فالكتابة فاسدة إما الأول فلأن الخمر والخنزير لا يستحقه المسلم لأنه ليس بمال في حقه فلا يصلح بدلا فيفسد العقد وأما الثاني فلأن القيمة مجهولة قدرا وجنسا ووصفا فتفاحشت الجهالة وصار كما إذا كاتب على ثوب أو دابة ولأنه تنصيص على ما هو موجب العقد الفاسد لأنه موجب للقيمة قال فإن أدى الخمر عتق وقال زفر رحمه الله لا يعتق إلا بأداء قيمة نفسه لأن البدل هو القيمة وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يعتق بأداء الخمر لأنه بدل صورة ويعتق بأداء القيمة أيضا لأنه هو البدل معنى وعن أبي حنيفة أنه إنما يعتق بأداء عين الخمر إذا قال إن أديتها فأنت حر لأنه حينئذ يكون العتق بالشرط لا تعقد الكتابة وصار كما إذا كاتب على ميتة أو دم ولا فصل في ظاهر الرواية ووجه الفرق بينهما وبين الميتة أن الخمر والخنزير مال في الجملة فأمكن اعتبار معنى العقد فيهما وموجبه العتق عند أداء العوض المشروط وأما الميتة فليست بمال أصلا فلا يمكن اعتبار معنى العقد فيه فاعتبر فيه معنى الشرط وذلك بالتنصيص عليه وإذا عتق بأداء عين الخمر لزمه أن يسعى في قيمته لأنه وجب عليه رد رقبته لفساد العقد وقد تعذر بالعتق فيجب رد قيمته كما في البيع الفاسد إذاتلف المبيع قال ولا ينقص عن المسمى ويزاد عليه لأنه عقد فاسد فتجب القيمة عند هلاك المبدل بالغة ما بلغت كما في البيع الفاسد وهذا لأن المولى ما رضي بالنقصان والعبد رضي بالزيادة كيلا يبطل حقه في العتق أصلا فتجب القيمة بالغة ما بلغت وفيما إذا كاتبه على قيمته يعتق بأداء القيمة لأنه هو البدل وأمكن اعتبار معنى العقد فيه وأثر الجهالة في الفساد بخلاف ما إذا كاتبه على ثوب حيث لا يعتق بأداء ثوب لأنه لا يوقف فيه على مراد العاقد لاختلاف أجناس الثوب فلا يثبت العتق بدون أرادته قال وكذلك إن كاتبه على شيء بعينه لغيره لم يجز لأنه لا يقدر على تسليمه ومراده شيء يتعين بالتعيين حتى لو قال كاتبتك على هذه الألف الدراهم وهي لغيره جاز لأنها لا تتعين في المعاوضات فيتعلق بدراهم دين في الذمة فيجوز وعن أبي حنيفة رحمه الله في رواية الحسن رضي الله عنه أنه يجوز حتى إذا ملكه وسلمه يعتق وإن عجز يرد في الرق لأن المسمى مال والقدرة على التسليم موهومة فأشبه الصدق قلنا إن العين في المعاوضات معقود عليه والقدرة على المعقود عليه شرط للصحة إذا كان العقد يحتمل الفسح كما في البيع بخلاف الصداق في النكاح لأن القدرة على ما هو المقصود بالنكاح ليس بشرط فعلى ما هو تابع فيه أولى فلو أجاز صاحب العين ذلك فعن محمد رحمه الله أنه يجوز لأنه يجوز البيع عند الإجازة فالكتابة أولى وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يجوز اعتبارا بحال عدم الإجازة على ما قال في الكتاب والجامع بينهما أنه لا يفيد ملك المكاسب وهو المقصود لأنها تثبت للحاجة إلى الأداء منها ولا حاجة فيما إذا كان البدل عينا معينا والمسألة فيه على ما بيناه وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يجوز أجاز ذلك أو لم يجز غير أنه عند الإجارة يجب تسليم عينه وعند عدمها يجب تسليم قيمته كما في النكاح والجامع بينهما صحة التسمية لكونه مالا ولو ملك المكاتب ذلك العين فعن أبي حنيفة رحمه الله رواه أبو يوسف رحمه الله أنه إذا أداه لا يعتق وعلى هذه الرواية لم ينعقد العقد إلا إذا قال له إذا أديت إلي فأنت حر فحينئذ يعتق بحكم الشرط وهكذا عن أبي يوسف رحمه الله وعنه أنه يعتق قال ذلك أو لم يقل لأن العقد ينعقد مع الفساد لكون المسمى مالا فيعتق بأداء المشروط ولو كاتبه على عين في يدالمكاتب ففيه روايتان وهي مسألة الكتابة على الأعيان وقد عرف ذلك في الأصل وقد ذكرنا وجه الروايتين في كفاية المنتهى
قال وإن كاتبه على مائة دينار على أن يرد المولى إليه عبدا بغير عينه فالكتابة فاسدة عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله هي جائزة ويقسم المائة الدينار على قيمة المكاتب وعلى قيمة عبد وسط فيبطل منها حصة العبد فيكون مكاتبا بما بقي لأن العبد المطلق يصلح بدل الكتابة وينصرف إلى الوسط فكذا يصلح مستثنى منه وهو الأصل في إبدال العقود ولهما أنه لا يستثنى العبد من الدنانير وإنما تستثنى قيمته والقيمة لا تصلح بدلا فكذلك مستثنى قال وإذا كاتبه على حيوان غير موصوف فالكتابة جائزة استحسانا ومعناه أن يبين الجنس ولا يبين النوع والصفة وينصرف إلى الوسط ويجبر على قبول القيمة وقد في النكاح أما إذا لم يبين الجنس مثل أن يقول دابة لا يجوز لأنه يشمل أجناسا مختلفة فتتفاحش الجهالة وإذا بين الجنس كالعبد والوصيف فالجهالة يسيرة ومثلها يتحمل في الكتابة فتعتبر جهالة البدل بجهالة الأجل فيه وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز وهو القياس لأنه معاوضة فأشبه البيع ولنا أنه معاوضة مال بغير مال أو بمال لكن على وجه بسقط الملك فيه فأشبه النكاح والجامع أن يبتنى على المسامحة بخلاف البيع لأن مبناه على المماكسة قال وإذا كاتب النصراني عبده على خمر فهو جائز معناه إذا كان مقدارا معلوما والعبد كافرا لأنها مال في حقهم بمنزلة الخل في حقنا وأيهما أسلم فللمولى قيمة الخمر لأن المسلم ممنوع عن تمليك الخمر وتملكها وفي التسليم ذلك إذ الخمر غير معين فيعجز عن تسليم البدل فيجب عليه قيمتها وهذا بخلاف ما إذا تبايع الذميان خمرا ثم أسلم أحدهما حيث يفسد البيع على ما قاله البعض لأن القيمة تصلح بدلا في الكتابة في الجملة فإنه لو كاتب على وصيف وأتى بالقيمة يجبر على القبول فجاز أن يبقى العقد على القيمة اما البيع فلا ينعقد صحيحا على القيمة فافترقا قال وإذا قبضها عتق لأن في الكتابة معنى المعاوضة فإذا وصل أحد العوضين إلى المولى سلم العوض الآخر للعبد وذلك بالعتق بخلاف ما إذا كان العبد مسلما حيث لم تجز الكتابة لأن المسلم ليس من اهل التزام الخمر ولو أداها عتق وقد بيناه من قبل والله أعلم بالصواب 2 باب ما يجوز للمكاتب أن يفعله 2 قال ويجوز للمكاتب البيع والشراء والسفر لأن موجب الكتابة أن يصير حرا يدا وذلك بمالكية التصرف مستبدا به تصرفا يوصله إلى مقصوده وهو نيل الحرية بأداء البدل والبيع والشراء من هذا القبيل وكذا السفر لأن التجارة ربما لا تتفق في الحضر فتحتاج إلى المسافرة ويملك البيع بالمحاباة لأنه من صنيع التجار فإن التاجر قد يحابي في صفقة ليربح في أخرى قال فإن شرط عليه أن لا يخرج من الكوفة فله أن يخرج استحسانا لأن هذا الشرط مخالف لمقتضى العقد وهو مالكية اليد على جهة الاستبداد وثبوت الاختصاص فظل الشرط وصح العقد لأنه شرط لم يتمكن في صلب العقد وبمثله لا تفسد الكتابة وهذا لأن الكتابة تشبه البيع وتشبه النكاح فألحقناها بالبيع في شرط تمكن في صلب العقد كما إذا شرط خدمة مجهولة لأنه في البدل وبالنكاح في شرط لم يتمكن في صلبه هذا هو الأصل أو نقول إن الكتابة في جانب العبد إعتاق لأنه إسقاط الملك وهذا الشرط يخص العبد فاعتبر إعتاقا في حق هذا الشرط والإعتاق لا يبطل بالشروط الفاسدة
قال ولا يتزوج إلا بإذن المولى لأن الكتابة فك الحجر مع قيام الملك ضرورة التوصل إلى المقصود والتزوج ليس وسيلة إليه ويجوز بإذن المولى لأن الملك له ولا يهب ولا يتصدق إلا بالشيء اليسير لأن الهبة والصدقة تبرع وهو غير مالك ليملكه إلا أن الشيء اليسير من ضرورات التجارة لأنه لا يجد بدا من ضيافة وإعارة ليجتمع عليه المجاهزون ومن ملك شيئا يملك ما هو من ضروراته وتوابعه ولا يتكفل لأنه تبرع محض فليس من ضرورات التجارة والاكتساب ولا يملكه بنوعيه نفسا ومالا لأن كل ذلك تبرع ولا يقرض لأنه تبرع ليس من توابع الاكتساب فإن وهب على عوض لم يصح لأنه تبرع ابتداء فإن زوج أمته جاز لأنه اكتساب للمال فإنه يتملك به المهر فدخل تحت العقد قال وكذلك إن كاتب عبده والقياس أن لا يجوز وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله لأن مآله العتق والمكاتب ليس من أهله كالإعتاق على مال وجه الاستحسان أنه عقد اكتساب للمال فيملكه كتزويج الأمة وكالبيع وقد يكون هو أنفع له من البيع لأنه لا يزيل الملك إلا بعد وصول البدل إليه والبيع يزيله قبله ولهذا يملكه الأب والوصي ثم هو يوجب للمملوك مثل ما هو ثابت له بخلاف الإعتاق على مال لأنه يوجب فوق ما هو ثابت له قال وإن أدى الثاني قبل أن يعتق الأول فولاؤه للمولى لأن له فيه نوع ملك وتصح إضافة الإعتاق إليه في الجملة فإذا تعذر إضافته إلى مباشر العقد لعدم الأهلية أضيف إليه كما في العبد إذا اشترى شيئا يثبت الملك للمولى قال فلو أدى الأول بعد ذلك وعتق لا ينتقل الولاء إليه لأن المولى جعل معتقا والولاء لا ينتقل عن المعتق وإن أدى الثاني بعد عتق الأول فولاؤه له لأن العاقد من أهل ثبوت الولاء وهو الأصل فيثبت له قال وإن أعتق عبده على مال أو باعه من نفسه أو زوج عبده لم يجز لأن هذه الأشياء ليست من الكسب ولا من توابعه أما الأول فلأنه إسقاط الملك عن رقبته وإثبات الدين في ذمة المفلس فأشبه الزوال بغير عوض وكذا الثاني لأنه إعتاق على مال في الحقيقة وأما الثالث فلأنه تنقيص للعبد وتعييب له وشغل رقبته بالمهر والنفقة بخلاف تزويج الأمة لأنه اكتساب لاستفادته المهر على ما مر قال وكذلك الأب والوصي في رقيق الصغير بمنزلة المكاتب لأنهما يملكان الاكتساب كالمكاتب ولأن في تزويج الأمة والكتابة نظرا له ولا نظر فيما سواهما والولاية نظرية قال فأما المأذون له فلا يجوز له شيء من ذلك عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله له أن يزوج أمته وعلى هذا الخلاف المضارب والمفاوض والشريك شركة عنان هو قاسه على المكاتب واعتبره بالإجارة ولهما أن المأذون له يملك التجارة وهذا ليس بتجارة فأما المكاتب فيتملك الاكتساب وهذا اكتساب ولأنه مبادلة المال بغير المال فيعتبر بالكتابة دون الإجارة إذ هي مبادلة المال بالمال ولهذا لا يملك هؤلاء كلهم تزويج العبد والله أعلم بالصواب فصل قال وإذا اشترى المكاتب أباه أو ابنه دخل في كتابته لأنه من أهل أن يكاتب وإن لم يكن من أهل الإعتاق فيجعل مكاتبا تحقيقا للصلة بقدر الإمكان ألا ترى أن الحر متى كان يملك الإعتاق يعتق عليه وإن اشترى ذا رحم محرم منه لأولاد له لم يدخل في كتابته عند أبي حنيفة رحمه الله وقالايدخل اعتبارا بقرابة الولاد إذوجوب الصلة ينتظمهما ولهذا لا يفترقان في الحر في حق الحرية وله أن للمكاتب كسبا لا ملكا غير أن الكسب يكفي للصلة في الولاد حتى إن القادر على الكسب يخاطب بنفقة الوالد والولد ولا يكفي في غيرهما حتى لا تجب نفقة الأخ إلا على الموسر ولأن هذه قرابة توسطت بين بني الأعمام وقرابة الولاد فألحقناها بالثاني في العتق وبالأول في الكتابة وهذا أولى لأن العتق أسرع نفوذا من الكتابة حتى إن أحد الشريكين إذا كاتب كان للآخر فسخه وإذا أعتق لا يكون له فسخه
قال وإذا اشترى أم ولده دخل ولدها في الكتابة ولم يجز بيعها ومعناه إذا كان معها ولدها أما دخول الولد في الكتابة فلما ذكرناه وأما امتناع بيعها فلأنها تبع للولد في هذا الحكم قال عليه الصلاة والسلام أعتقها ولدها وإن لم يكن معها ولدها فكذلك الجواب في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لأنها أم ولد خلافا لأبي حنيفة رحمه الله وله أن القياس أن يجوز بيعها وإن كان معها ولد لأن كسب المكاتب موقوف فلا يتعلق به ما لا يحتمل الفسخ إلا أنه يثبت به هذا الحق فيما إذا كان معها ولد تبعا لثبوته في الولد بناء عليه وبدون الولد لو ثبت يثبت ابتداء والقياس ينفيه وإن ولد له ولد من أمة له دخل في كتابته لما بينا في المشتري فكان حكمه كحكمه وكسبه له لأن كسب الولد كسب كسبه ويكون كذلك قبل الدعوة فلا ينقطع بالدعوة اختصاصه ( وكذلك إن ولدت المكاتبة ولدا ) لأن حق امتناع البيع ثابت فيها مؤكدا فيسري إلى الولد كالتدبير والاستيلاد قال ومن زوج أمته من عبده ثم كاتبهما فولدت منه ولدا دخل في كتابتها وكان كسبه لها لأن تبعية الأم أرجح ولهذا يتبعها في الرق والحرية قال وإن تزوج المكاتب بإذن مولاه امرأة زعمت أنها حرة فولدت منه ولدا ثم استحقت فأولادها عبيد ولا يأخذهم بالقيمة وكذلك العبد يأذن له المولى بالتزويج وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله أولادها أحرار بالقيمة لأنه شارك الحر في سبب ثبوت هذا الحق وهو الغرور وهذا لأنه ما رغب في نكاحها إلا لينال حرية الأولاد ولهما أنه مولود بين رقيقين فيكون رقيقا وهذا لأن الأصل أن الولد يتبع الأم في الرق والحرية وخالفنا هذا الأصل في الحر بإجماع الصحابة رضي الله عنهم وهذا ليس في معناه لأن حق المولى هناك مجبور بقيمة ناجزة وههنا بقيمة متأخرة إلى ما بعد العتق فيبقى على الأصل ولا يلحق به قال وإن وطىء المكاتب أمة على وجه الملك بغير إذن المولى ثم استحقها رجل فعليه العقر يؤخذ به في الكتابة وإن وطئها على وجه النكاح لم يؤخذ به حتى يعتق وكذلك المأذون له ووجه الفرق أن في الفصل الأول ظهرالدين في حق المولى لأن التجارة وتوابعها داخلة تحت الكتابة وهذا العقر من توابعها لأنه لولا الشراء لما سقط الحد ومالم يسقط الحد لا يجب العقر أما لم يظهر في الفصل الثاني لأن النكاح ليس من الاكتساب في شيء فلا تنتظمه الكتابة كالكفالة قال وإذا اشترى المكاتب جارية شراء فاسدا ثم وطئها فردها أخذ بالعقر في المكاتبة وكذلك العبد المأذون له لأنه من باب التجارة فإن التصرف تارة يقع صحيحا ومرة يقع فاسدا والكتابة والإذن ينتظمانه بنوعيه كالتوكيل فكان ظاهرا في حق المولى فصل قال وإذا ولدت المكاتبة من المولى فهي بالخيار إن شاءت مضت على الكتابة وإ شاءت عجزت نفسها وصارت أم ولد له لأنها تلقتها جهتا حرية عاجلة ببدل وآجلة بغير بدل فتخير بينهما ونسب ولدها ثابت من المولى وهو حر لأن المولى يملك الإعتاق في ولدها وماله من الملك يكفي لصحة الاستيلاد بالدعوة وإذا مضت على الكتابة أخذت العقر من مولاها لاختصاصها بنفسها وبمنافعها على ما قدمنا ثم إن مات المولى عتقت بالاستيلاد وسقط عنها بدل الكتابة وإن ماتت هي وتركت مالا تؤدي منه مكاتبتها وما بقي ميراث لابنها جريا على موجب الكتابة فإن لم تترك مالا فلا سعاية على الولد لأنه حر ولو ولدت ولدا آخر لم يلزم المولى إلا أن يدعي لحرمة وطئها عليه فلو لم يدع وماتت من غير وفاء سعى هذا الولد لأنه مكاتب تبعا لها فلو مات المولى بعد ذلك عتق وبطل عنه السعاية لأنه بمنزلة أم الولد إذ هو ولدها فيتبعها
قال وإذا كاتب المولى أم ولده جاز لحاجتها إلى استفادة الحرية قبل موت المولى وذلك بالكتابة ولا تنافي بينهما لأنه تلقتها جهتا حرية فإن مات المولى عتقت بالاستيلاد لتعلق عتقها بموت السيد وسقط عنها بدل الكتابة لأن الغرض من إيجاب البدل العتق عند الأداء فإذا عتقت قبله لم يمكن توفير الغرض عليه فسقط وبطلت الكتابة لامتناع إبقائها من غير فائدة غير أنه تسلم لها الأكساب والأولاد لأن الكتابة انفسخت في حق البدل وبقيت في حق والأكساب والأولادلأن الفسخ لنظرها والنظر فيما ذكرناه ولو أدت المكاتبة قبل موت المولى عتقت بالكتابة لأنها باقية قال وإن كاتب مدبرته جاز لما ذكرنا من الحاجة ولا تنافي إذ الحرية غير ثابتة وإنما الثابت مجرد الاستحقاق وإن مات المولى ولا مال غيرها فهي بالخيار بين ان تسعى في ثلثي قيمتها أو جميع مال الكتابة وهذا عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف رحمه الله تسعى في الأقل منهما وقال محمد رحمه الله تسعى في الأقل من ثلثي قيمتها وثلثي بدل الكتابة فالخلاف في الخيار والمقدار فأبو يوسف مع أبي حنيفة رحمهما الله في المقدار ومع محمد رحمه الله في نفي الخيار أما الخيار ففرع تجزؤ الإعتاق والإعتاق عنده لما تجزأ بقي الثلثان رقيقا وقد تلقاها جهتا حرية بدلين معجل بالتدبير ومؤجل بالكتابة فتخير عنده وعندهما لما عتق كلها بعتق بعضها فهي حرة وجب عليها أحد المالين فتختار الأقل لا محالة فلا معنى للتخيير وأما المقدار فلمحمد رحمه الله أنه قابل البدل بالكل وقد سلم لها الثلث بالتدبير فمن المحال أن يجب البدل بمقابلته ألا ترى أنه لو سلم لها الكل بأن خرجت من الثلث يسقط كل بدل الكتابة فههنا يسقط الثلث وصار كما إذا تأخر التدبير عن الكتابة ولهما أن جميع البدل مقابل بثلثي رقبتها فلا يسقط منه شيء وهذا لأن البدل وإن قوبل بالكل صورة وصيغة لكنه مقيد بما ذكرنا معنى وإرادة لأنها استحقت حرية الثلث ظاهرا والظاهر أن الإنسان لا يلتزم المال بمقابلة ما يستحق حريته وصار هذا كما إذا طلق امرأته ثنتين ثم طلقها ثلاثا على ألف كان جميع الألف بمقابلة الواحدة الباقية لدلالة الإرادة كذا ههنا بخلاف ما إذا تقدمت الكتابة وهي المسألة التي تليه لأن البدل مقابل بالكل إذلا استحقاق عنده في شيء فافترقا قال وإن دبر مكاتبته صح التدبير لما بينا ولها الخيار إن شاءت مضت على الكتابة وإن شاءت عجزت نفسها وصارت مدبرة لأن الكتابة ليست بلازمة في جانب المملوك فإن مضت على كتابتها فمات المولى ولا مال له غيرها فهي بالخيار إن شاءت سعت في ثلثي مال الكتابة أو ثلثي قيمتها عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا تسعى في الأقل منهما فالخلاف في هذا الفصل في الخيار بناء على ما ذكرنا أما المقدار فمتفق عليه ووجهه مابينا قال وإذا أعتق المولى مكاتبه عتق بإعتاقه لقيام ملكه فيه وسقط بدل الكتابة لأنه ما التزمه إلا مقابلا بالعتق وقد حصل له دونه فلا يلزمه والكتابة وإن كانت لازمة في جانب المولى ولكنه يفسخ برضا العبد والظاهر رضاه توسلا إلى عتقه بغير بدل مع سلامة الأكساب له لأنا نبقي الكتابة في حقه قال وإن كاتبه على ألف درهم إلى سنة فصالحه على خمسمائة معجلة فهو جائز استحسانا وفي القياس لا يجوز لأنه اعتياض عن الأجل وهو ليس بمال والدين مال فكان ربا ولهذا لا يجوز مثله في الحر ومكاتب الغير وجه الاستحسان أن الأجل في حق المكاتب مال من وجه لأنه لايقدر على الأداء إلا به فأعطى له حكم المال وبدل الكتابة مال من وجه حتى لا تصح الكفالة به فاعتدلا فلا يكون ربا ولأن عقد الكتابة عقد من وجه دون وجه والأجل ربا من وجه فيكون شبهة الشبهة بخلاف العقد بين الحرين لأنه عقد من كل وجه فكان ربا والأجل فيه شبهة
قال وإذا كاتب المريض عبده على ألفي درهم إلى سنة وقيمته ألف ثم مات ولا مال له غيره ولم تجز الورثة فإنه يؤدي ثلثي الألفين حالا والباقي إلى أجله أو يرد رقيقا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله يؤدي ثلثي الألف حالا والباقي إلى أجله لأن له أن يترك الزيادة بأن يكاتبه على قيمته فله أن يؤخرها وصار كما إذا خالع المريض امرأته على ألف إلى سنة جاز لأن له أن يطلقها بغير بدل ولهما أن جميع المسمى بدل الرقبة حتى أجرى عليها أحكام الأبدال وحق الورثة متعلق بالمبدل فكذا بالبدل والتأجيل إسقاط معنى فيعتبر من ثلث الجمبع بخلاف الخلع لأن البدل فيه لا يقابل المال فلم يتعلق حق الورثة بالمبدل فلا يتعلق بالبدل ونظير هذا إذا باع المريض داره بثلاثة آلاف إلى سنة وقيمتها ألف ثم مات ولم تجز الورثة فعندهما يقال للمشتري أد ثلثي جميع الثمن حالا والثلث إلى أجله وإلا فانقض البيع وعنده يعتبر الثلث بقدر القيمة لا فيما زاد عليه لما بينا من المعنى قال وإن كاتبه على ألف إلى سنة وقيمته ألفان ولم تجز الورثه يقال له أد ثلثي القيمة حالا أو ترد رقيقا في قولهم جميعا لأن المحاباة ههنا في القدر والتأخير فاعتبر الثلث فيهما 2 باب من يكاتب عن العبد 2 قال وإذا كاتب الحر عن عبد بألف درهم فإن أدى عنه عتق وإن بلغ العبد فقبل فهو مكاتب وصورة المسألة أن يقول الحر لمولى العبد كاتب عبدك على ألف درهم على أني إن أديت إليك ألفا فهو حر فكاتبه المولى على هذا فيعتق بأدائه بحكم الشرط وإذا قبل العبد صار مكاتبا لأن الكتابة كانت موقوفة على إجازته وقبوله إجازة ولو لم يقل على أني إن أديت إليك ألفا فهو حر فأدى لا يعتق قياسا لأنه لا شرط والعقد وقوف على أجازة العبد وفي الاستحسان يعتق لأنه لا ضرر للعبد الغائب في تعليق العتق بأداء القائل فيصح في حق هذا الحكم ويتوقف في حق لزوم الألف على العبد وقيل هذه هي صورة مسألة الكتاب ولو أدى الحر البدل لا يرجع على العبد لأنه متبرع قال وإذا كاتب العبد عن نفسه وعن عبد آخر لمولاه وهو غائب فإن أدى الشاهد أو الغائب عتقا ومعنى المسألة أن يقول العبد كاتبني بألف درهم على نفسي وعلى فلان الغائب وهذه الكتابة جائزة استحسانا وفي القياس يصح على نفسه لولايته عليها ويتوقف في حق الغائب لعدم الولاية عليه وجه الاستحسان أن الحاضر بإضافة العقد إلى نفسه ابتداء جعل نفسه فيه أصلا والغائب تبعا والكتابة على هذا الوجه مشروعة كالأمة إذا كوتبت دخل أولادها في كتابتها تبعا حتى عتقوا بأدائها وليس عليهم من البدل شيء وإذا أمكن تصحيحه على هذا الوجه ينفرد به الحاضر فله أن يأخذه بكل البدل لأن البدل عليه لكونه أصلا فيه ولا يكون على الغائب من البدل شيء لأنه تبع فيه قال وأيهما أدى عتقا ويجبر المولى على القبول أما الحاضر فلأن البدل عليه وأما الغائب فلأنه ينال به شرف الحرية وإن لم يكن البدل عليه وصار كمعبر الرهن إذا أدى الدين يجبر المرتهن على القبول لحاجته إلى استخلاص عينه وإن لم يكن الدين عليه قال وأيهما أدى لا يرجع على صاحبه لأن الحاضر قضى دينا عليه والغائب متبرع به غير مضطر إليه قال وليس للمولى أن يأخذ العبد الغائب بشيء لما بينا فإن قبل العبد الغائب أو لم يقبل فليس ذلك منه بشيء والكتابة لازمة للشاهد لأن الكتابة نافذة عليه من غير قبول الغائب فلا تتغير بقبوله كمن كفل عن غيره بغير أمره فبلغه فأجازه لا يتغير حكمه حتى لو أدى لا يرجع عليه كذا هذا
قال وإذا كاتبت الأمة عن نفسها وعن ابنين لها صغيرين فهو جائز وأيهم أدى لم يرجع على صاحبه ويجبر المولى على القبول ويعتقون لأنها جعلت نفسها أصلا في الكتابة وأولادها تبعا على ما بينا في المسألة الأولى وهي أولى بذلك من الأجنبي والله أعلم بالصواب 2 باب كتابة العبد المشترك 2 قال وإذا كان العبد بين رجلين أذن أحدهما لصاحبه أن يكاتب نصيبه بألف درهم ويقبض بدل الكتابة فكاتب وقبض بعض الألف ثم عجز فالمال للذي قبض عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا هو مكاتب بينهما وما أدى فهو بينهما وأصله أن الكتابة تتجزأ عنده خلافا لهما بمنزلة الإعتاق لأنها تفيد الحرية من وجه فتقتصر على نصيبه عنده للتجزؤ وفائدة الإذن أن لا يكون له حق الفسخ كما يكون له إذا لم يأذن وإذنه له بقبض البدل إذن للعبد بالأداء فيكون متبرعا بنصيبه عليه فلهذا كان كل المقبوض له وعندهما الإذن بكتابة نصيبه إذن بكتابة الكل لعدم التجزؤ فهو أصيل في النصف وكيل في النصف فهو بينهما والمقبوض مشترك بينهما فيبقى كذلك بعد العجز قال وإذا كانت جارية بين رجلين كاتباها فوطئها أحدهما فجاءت بولد فادعاه ثم وطئها الآخر فجاءت بولد فادعاه ثم عجزت فهي أم ولد للأول لأنه لما ادعى أحدهما الولد صحت دعوته لقيام الملك له فيها وصار نصيبه أم ولد له لأن المكاتبة لا تقبل النقل من ملك إلى ملك فتقتصر أمومية الولد على نصيبه كما في المدبره المشتركة وإذا ادعى الثاني ولدها الآخير صحت دعوته لقيام ملكه ظاهرا ثم إذا عجزت بعد ذلك جعلت الكتابة كأن لم تكن وتبين أن الجارية كلها أم ولد للأول لأنه زال المانع من الانتقال ووطؤه سابق قال ويضمن لشريكه نصف قيمتها لأنه تملك نصيبه لما استكمل الاستيلاد قال ونصف عقرها لوطئه جارية مشتركة قال ويضمن شريكه كمال عقرها وقيمة الولد ويكون ابنه لأنه بمنزلة المغرور لأنه حين وطئها كان ملكه قائما ظاهرا وولد المغرور ثابت النسب منه حر بالقيمة على ما عرف ولكنه وطىء أم ولد الغير حقيقة فيلزمه كمال العقر قال وأيهما دفع العقر إلى المكاتبة جاز لأن الكتابة ما دامت باقية فحق القبض لها لاختصاصها بمنافعها وإبدالها وإذا عجزت ترد العقر إلى المولى لظهور اختصاصه وهذا الذي ذكرنا كله قول أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله هي أم ولد للأول ولا يجوز وطء الآخر لأنه لما ادعى الأول الولد صارت كلها أم ولد له لأن أمومية الولد يجب تكميلها بالإجماع ما أمكن وقد أمكن بفسخ الكتابة لأنها قابلة للفسخ فتفسخ فيما لا تتضرر به المكاتبة وتبقى الكتابة فيما وراءه بخلاف التدبير لأنه لايقبل الفسخ وبخلاف بيع المكاتب لأن في تجويزه إبطال الكتابة إذ المشترى لا يرضى ببقائه مكاتبا وإذا صارت كلها أم ولد له فالثاني وطىء أم ولد الغير قال فلا يثبت نسب الولد منه ولا يكون حرا عليه بالقيمة غير أنه لا يجب الحد عليه للشبهة قال ويلزمه جميع العقر لأن الوطء لا يعرى عن إحدى الغرامتين وإذا بقيت الكتابة وصارت كلها مكاتبة له قيل يجب عليها نصف بدل الكتابة لأن الكتابة انفسخت فيما لا تتضرر به المكاتبة ولا تتضرر بسقوط نصف البدل وقيل يجب كل البدل لأن الكتابة لم تنفسخ إلا في حق التملك ضرورة فلا يظهر في حق سقوط نصف البدل وفي إبقائه في حقه نظر للمولى وإن كان لا تتضرر المكاتبة بسقوطه والمكاتبة هي التي تعطى العقر لاختصاصها بإبدال منافعها ولو عجزت وردت في الرق ترد إلى المولى لظهور اختصاصه على ما بينا قال ويضمن الأول لشريكه في قياس قول أبي يوسف رحمه الله نصف قيمتها مكاتبة لأنه تملك نصيب شريكه وهي مكاتبة فيضمنه موسرا كان أو معسرا لأنه ضمان التملك قال وفي قول محمد رحمه الله يضمن الأقل من نصف قيمتها ونن نصف ما بقي من بدل الكتابة لأن حق شريكه في نصف الرقبة على اعتبار العجز وفي نصف البدل على اعتبار الأداء فللتردد بينهما يجب أقلهما
قال وإذا كان الثاني لم يطأها ولكن دبرها ثم عجزت بطل التدبير لأنه لم يصادف الملك أما عندهما فظاهر لأن المستولد تملكها قبل العجز وأما عند أبي حنيفة رحمه الله فلأنه بالعجز تبين أنه تملك نصيبه من وقت الوطء فتبين أنه مصادف ملك غيره والتدبير يعتمد الملك بخلاف النسب لأنه يعتمد الغرور على ما مر قال وهي أم ولد للأول لأنه تملك نصيب شريكه وكمل الاستيلاد على ما بينا قال ويضمن لشريكه نصف عقرها لوطئه جارية مشتركة قال ونصف قيمتها لأنه تملك نصفها بالاستيلاد وهو تملك بالقيمة قال والولد ولد الأول لأنه صحت دعوته لقيام المصحح وهذا قولهم جميعا ووجهه ما بينا قال وإن كانا كاتباها ثم أعتقها أحدهما وهو موسر ثم عجزت يضمن المعتق لشريكه نصف قيمتها ويرجع بذلك عليها عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا يرجع عليها لأنها لما عجزت وردت في الرق تصير كأنها لم تزل قنة والجواب فيه على الخلاف في الرجوع وفي الخيارات وغيرها كما هو مسألة تجزؤ الإعتاق وقد قررناه في الإعتاق فأما قبل العجز ليس له أن يضمن المعتق عند أبي حنيفة رحمه الله لأن الإعتاق لما كان يتجزأ عنده كان أثره أن يجعل نصيب غير المعتق كالمكاتب فلا يتغير به نيصب صاحبه لأنها مكاتبة قبل ذلك وعندهما لما كان لا يتجزأ يعتق الكل فله أن يضمنه قيمة نصيبه مكاتبا إن كان موسرا ويستسعي العبد إن كان معسرا لأنه ضمان إعتاق فيختلف باليسار والإعسار قال وإذا كان العبد بين رجلين دبره أحدهما ثم أعتقه الآخر وهو موسر فإن شاء الذي دبره ضمن المعتق نصف قيمته مدبرا وإن شاء استسعى العبد وإن شاء أعتق وإن أعتقه أحدهما ثم دبره الآخر لم يكن له أن يضمن المعتق ويستسعي العبد أو يعتق وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله ووجهه أن التدبير يتجزأ عنده فتدبير أحدهما يقتصر على نصيبه لكن يفسد به نصيب الآخر فيثبت له خبرة الإعتاق والتضمين والاستسعاء كما هو مذهبه فإذا أعتق لم يبق له خيار التضمين والاستسعاء وإعتاقه يقتصر على نصيبه لأنه يتجزأ عنده ولكن يفسد به نصيب شريكه فله أن يضمنه قيمة نصيبه وله خيار العتق والاستسعاءأيضا كما هو مذهبه ويضمنه قيمة نصيبه مدبرا لأن الإعتاق صادف المدبر ثم قيل قيمة المدبر تعرف بتقويم المقومين وقيل يجب ثلثا قيمته وهو قن لأن المنافع أنواع ثلاثة البيع وأشباهه والاستخدام وأمثاله والإعتاق وتوابعه والفائت البيع فيسقط الثلث وإذا ضمنه لا يتملكه بالضمان لأنه لا يقبل الانتقال من ملك إلى ملك كما إذا غصب مدبرا فأبق وإن أعتقه أحدهما أولا كان للآخر الخيارات الثلاثة عنده فإذا دبره لم يبق له خيار التضمين وبقي خيار الإعتاق والاستسعاء لأن المدبر يعتق ويستسعي وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا دبره أحدهما فعتق الآخر باطل لأنه لا يتجزأ عندهما فيتملك نصيب صاحبه بالدبير قال ويضمن نصف قيمته موسرا كان أو معسرا لأنه ضمان تملك فلا يختلف بايسار والإعسار ويضمن نصف قيمته قنا لأنه صادفه التدبير وهو قن قال وإن أعتقه أحدهما فتدبير الآخر باطل لأن الإعتاق لا يتجزأ فعتق كله فلم يصادف التدبير الملك وهو يعتمده قال ويضمن نصف قيمته إن كان موسرا ويسعى العبد في ذلك إن كان معسرالأن هذا ضمان الإعتاق فيختلف ذلك باليسار والإعسار عندهما والله أعلم 2 باب موت المكاتب وعجزه وموت المولى 2 قال وإذا عجز المكاتب عن نجم نظر الحاكم في حاله فإن كان له دين يقبضه أو مال يقدم عليه لم يعدل بتعجيزه وانتظر عليه اليومين أو الثلاثة نظرا للجانبين والثلاثة هي المدة التي ضربت لإيلاء الأعذار كإمهال الخصم للدفع والمديون للقضاء فلا يزاد عليه
قال فإن لم يكن له وجه وطلب المولى تعجيزه عجزه مفسخ الكتابة وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله لا يعجزه حتى يتوالى عليه نجمان لقول علي رضي الله عنه إذا توالى علي المكاتب نجمان رد في الرق علقه بهذا الشرط ولأنه عقد إرفاق حتى كان أحسنه مؤجله وحالة الوجوب بعد حلول نجم فلا بد من إمهال مدة استيسارا وأولى المدد ماتوافق عليه العاقدان ولهما أن سبب الفسخ قد تحقق وهو العجز لأن من عجز عن أداء نجم واحد يكون أعجز عن أداء نجمين وهذا لأن مقصود المولى الوصول إلى المال عند حلول نجم وقد فات فيفسخ إذا لم يكن راضيا بدونه بخلاف اليومين والثلاثة لأنه لا بد منها لإمكان الأدء فلم يكن تأخيرا والآثار متعارضة فإن المروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن مكاتبة له عجزت عن أداء نجم واحد فردها فسقط الاحتجاج بها قال فإن أخل بنجم عند غير السلطان فعجز فرده مولاه برضاه فهو جائز لأن الكتابة تفسخ بالتراضي من غير عذر فبالعذر أولى قال ولو لم يرض به العبد لا بد من القضاء بالفسخ لأنه عقد لازم تام فلا بد من القضاء أو الرضا كالرد بالعيب بعد القبض قال وإذا عجز المكاتب عاد إلى أحكام الرق لانفساخ الكتابة وما كان في يده من الأكساب فهو لمولاه لأنه ظهر أنه كسب عبده وهذا لأنه كان موقوفا عليه أو على مولاه وقد زال التوقف قال فإن مات المكاتب وله مال لم نفسخ الكتابة وقضي ما عليه من ماله وحكم بعضه في آخر جزء من أجزاء حياته وما بقي فهو ميراث لورثته ويعتق أولاده وهذا قول علي وابن مسعود رضي الله عنهما وبه أخذ علماؤنا رحمهم الله وقال الشافعي رحمه الله تبطل الكتابه ويموت عبدا وما تركه لمولاه وإمامه في ذلك زيد بن ثابت رضي الله عنه ولأن المقصود من الكتابة عتقه وقد تعذر إثباته فتبطل وهذا لأنه لا يخلو إما أن يثبت بعد الممات مقصودا أو يثبت قبله أو بعده مستندا لا وجه إلى الأول لعدم المحلية ولا إلى الثاني لفقد الشرط وهو الأداء ولا إلى الثالث لتعذر الثبوت في الحال والشيء يثبت ثم يستند ولنا أنه عقد معاوضة ولا يبطل بموت أحد المتعاقدين وهو المولى فكذا يموت الآخر والجامع بينهما الحاجة إلى إبقاء العقد لإحياء الحق بل أولى لأن حقه آكد من حق المولى حتى لزم العقد في جانبه والموت أنفى للمالكية منه للمملوكية فينزل حيا تقديرا أو تستند الحرية باستناد سبب الأداء إلى ما قبل الموت ويكون أداء خلفه كأدائه وكل ذلك ممكن على ما عرف تمامه ففي الخلافيات
قال وإن لم يترك وفاء وترك ولدا مولودا في الكتابة سعى في كتابة أبيه على نجومه فإذا أدى حكمنا بعتق أبيه قبل مؤته وعتق الولد لأن الولد داخل في كتابته وكسبه ككسبه فيخلفه في الأداء وصار كما إذا ترك وفا وإن ترك ولدا مشترى في الكتابة قيل له إما أن تؤدي بدل الكتابة حالة أو ترد رقيقا وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله أما عندهما يؤديه إلى أجله اعتبارا بالولد المولود في الكتابة والجامع أنه يكاتب عليه تبعا له ولهذا يملك المولى إعتاقه بخلاف سائر أكسابه ولأبي حنيفة رحمه الله وهو الفرق بين الفصلين أن الأجل يثبت شرطا في العقد فيثبت في حق من دخل تحت العقد والمشتري لم يدخل لأنه لم يضف إليه العقد ولا يسري حكمه إليه لانفصاله بخلاف المولود في الكتابة لأنه متصل وقت الكتابة فيسري الحكم إليه وحيث دخل في حكمه سعى في نجومه فإن اشترى ابنه ثم مات وترك وفاء ورثه ابنه لأنه لما حكم بحريته في آخر جزء من أجزاء حياته يحكم بحرية ابنه في ذلك الوقت لأنه تبع لأبيه في الكتابة فيكون هذا حرا يرث عن حر وكذلك إن كان هو وابنه مكاتبين كتابة واحدة لأن الولد إن كان صغيرا فهو تبع لأبيه وإن كان كبيرا جعلا كشخص واحد فإذا حكم بحرية الأب يحكم بحريته في تلك الحالة على ما مر قال وإن ما ت المكاتب وله ولد من حرة وترك دينا وفاء بمكاتبته فجنى الولد فقضى به على عاقلة الأم لم يكن ذلك قضاء بعجز المكاتب لأن هذا القضاء يقرر حكم الكتابة لأن من قضيتها إلحاق الولد بموالي الأم وإيجاب العقل عليهم لكن على وجه يحتمل أن يعتق فينجز الولاء إلى موالي الأب والقضاء بما يقرر حكمه لا يكون تعجيزا وإن اختصم موالي الأم وموالي الأب في ولائه فقضى به لموالي الأم فهو قضاء بالعجز لأن هذا اختلاف في الولاء مقصودا وذلك يبتنى على بقاء الكتابة وانتقاضها فإنها إذا فسخت مات عبدا واستقر الولاء على موالي الأم وإذا بقيت واتصل بها الأداء مات حرا وانتقل الولاء إلى موالي الأب وهذا فصل مجتهد فيه فينفذ ما يلاقيه من القضاء فلهذا كان تعجيزا قال وما أدى المكاتب من الصدقات إلى مولاه ثم عجز فهو طيب للمولى لتبدل الملك فإن العبد يتملكه صدقة والمولى عوضا عن العتق وإليه وقعت الإشارة النبوية في حديث بريرة رضي الله عنها هي لها صدقة ولنا هدية وهذا بخلاف ما إذا أباح للغني والهاشمي لأن المباح له يتناوله على ملك المبيح فلم يتبدل الملك فلا نطيبه ونظيره المشتري شراء فاسدا إذا أباح لغيره لا يطيب له ولو ملكه يطيب ولو عجز قبل الأداء إلى المولى فكذلك الجواب وهذا عند محمد رحمه الله ظاهر لأن بالعجز يتبدل الملك عنده وكذا عند أبي يوسف رحمه الله وإن كان بالعجز يتقرر ملك المولى عنده لأنه لا خبث في نفس الصدقة وإنما الخبث في فعل الآخذ لكونه إذلالا به ولايجوز ذلك للغني من غير حاجة وللهاشمي لزيادة حرمته والأخذ لم يوجد من المولى فصار كابن السبيل إذا وصل إلى وطنه والفقير إذا استغنى وقد بقي في أيديهما ما أخذا من الصدقة فإنه يطيب لهما وعلى هذا إذا أعتق المكاتب واستغنى يطيب له ما بقي من الصدقة في يده