Merğînânî — el-Hidâye (Hanefî)
قال وأشعر البدنة عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ولا يشعر عند أبي حنيفة رحمه الله ويكره والإشعار هو الإدماء بالجرح لغة وصفته أن يشق سنامها بأن يطعن في أسفل السنام من الجانب الأيمن أو الأيسر قالوا والأشبه هو الأيسر لأن النبي عليه الصلاة والسلام طعن في جانب اليسار مقصودا وفي جانب الأيمن اتفاقا ويلطخ سنامها بالدم إعلاما وهذا الصنع مكروه عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما حسن وعند الشافعي رحمه الله سنة لأنه مروي عن النبي عليه الصلاة والسلام وعن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ولهما أن المقصود من التقليد أن لا يهاج إذا ورد ماء أو كلأ أو يرد إذا ضل وأنه في الإشعار أتم لأنه ألزم فمن هذا الوجه يكون سنة إلا أنه عارضته جهة كونه مثلة فقلنا بحسنه ولأبي حنيفة رحمه الله أنه مثلة وأنه منهي عنه ولو وقع التعارض فالترجيح للمحرم وإشعار النبي عليه الصلاة والسلام كان لصيانة الهدي لأن المشركين لا يمتنعون عن تعرضه إلا به وقيل إن أبا حنيفة كره إشعار أهل زمانه لمبالغتهم فيه على وجه يخاف منه السراية وقيل إنما كره إيثاره على التقليد قال فإذا دخل مكة طاف وسعى وهذا للعمرة على ما بينا في متمتع لا يسوق الهدي إلا أنه لا يتحلل حتى يحرم بالحج يوم التروية لقوله عليه الصلاة والسلام لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة وتحللت منها وهذا ينفي التحلل عند سوق الهدي ويحرم بالحج يوم التروية كما يحرم أهل مكة على ما بينا وإن قدم الإحرام قبله جاز وما عجل المتمتع من الإحرام بالحج فهو أفضل لما فيه من المسارعة وزيادة المشقة وهذه الأفضلية في حق من ساق الهدي وفي حق من لم يسق وعليه دم وهو دم التمتع على ما بينا وإذا حلق يوم النحر فقد حل من الإحرامين لأن الحلق محلل في الحج كالسلام في الصلاة فيتحلل به عنهما قال وليس لأهل مكة تمتع ولا قران وإنما لهم الإفراد خاصة خلافا للشافعي رحمه الله والحجة عليه قوله تعالى ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ولأن شرعهما للترفه بإسقاط إحدى السفرتين وهذا في حق الأفاقي ومن كان داخل المواقيت فهو بمنزلة المكي حتى لا يكون له متعة ولا قران بخلاف المكي إذا خرج إلى الكوفة وقرن حيث يصح لأن عمرته وحجته ميقاتيتان فصار بمنزلة الأفاقي وإذا عاد المتمتع إلى بلده بعد فراغه من العمرة ولم يكن ساق الهدي بطل تمتعه لأنه ألم بأهله فيما بين النسكين إلماما صحيحا وبذلك يبطل التمتع كذا روي عن عدة من التابعين وإذا ساق الهدي فإلمامه لا يكون صحيحا ولا يبطل تمتعه عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله يبطل لأنه أداهما بسفرتين ولهما أن العود مستحق عليه ما دام على نية التمتع لأن السوق يمنعه من التحلل فلم يصح إلمامه بخلاف المكي إذا خرج إلى الكوفة وأحرم بعمرة وساق الهدي حيث لم يكن متمتعا لأن العود هناك غير مستحق عليه فصح إلمامه بأهله ومن أحرم بعمرة قبل أشهر الحج فطاف لها أقل من أربعة أشواط ثم دخلت أشهر الحج فتممها وأحرم بالحج كان متمتعا لأن الإحرام عندنا شرط فيصح تقديمه على أشهر الحج وإنما يعتبر أداء الأفعال فيها وقد وجد الأكثر وللأكثر حكم الكل وإن طاف لعمرته قبل أشهر الحج أربعة أشواط فصاعدا ثم حج من عامه ذلك لم يكن متمتعا لأنه أدى الأكثر قبل أشهر الحج وهذا لأنه صار بحال لا يفسد نسكه بالجماع فصار كما إذا تحلل منها قبل اشهر الحج ومالك رحمه الله يعتبر الإتمام في أشهر الحج والحجة عليه ما ذكرنا ولأن الترفق بأداء الأفعال والمتمتع المترفق بأداء النسكين في سفرة واحدة في أشهر الحج
قال واشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة كذا روي عن العبادلة الثلاثة وعبدالله بن الزبير رضي الله عنهم أجمعين ولأن الحج يفوت بمضي عشر ذي الحجة ومع بقاء الوقت لا يتحقق الفوات وهذا يدل على أن المراد من قوله تعالى الحج أشهر معلومات شهران وبعض الثالث لا كله فإن قدم الإحرام بالحج عليها جاز إحرامه وانعقد حجا خلافا للشافعي رحمه الله فإن عنده يصير محرما بالعمرة لأنه ركن عنده وهو شرط عندنا فأشبه الطهارة في جواز التقديم على الوقت ولأن الإحرام تحريم أشياء وإيجاب أشياء وذلك يصح في كل زمان فصار كالتقديم على المكان قال وإذا قدم الكوفي بعمرة في اشهر الحج وفرغ منها وحلق أو قصر ثم اتخذ مكة أو البصرة دارا وحج من عامه ذلك فهو متمتع أما الأول فلأنه ترفق بنسكين في سفر واحد في أشهر الحج وأما الثاني فقيل هو بالاتفاق وقيل هو قول أبي حنيفة رحمه الله وعندهما لا يكون متمتعا لأن المتمتع من تكون عمرته ميقاتية وحجته مكية ونسكاه هذان ميقاتيان وله أن السفرة الأولى قائمة مالم يعد إلى وطنه وقد اجتمع له نسكان فيها فوجب دم التمتع فإن قدم بعمرة فأفسدها وفرغ منها وقصر ثم اتخذ البصرة دارا ثم اعتمر في أشهر الحج وحج من عامه لم يكن متمتعا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا هو متمتع لأنه إنشاء سفر وقد ترفق فيه بنسكين وله أنه باق على سفره مالم يرجع إلى وطنه فإن كان رجع إلى أهله ثم اعتمر في أشهر الحج وحج من عامه يكون متمتعا في قولهم جميعا لأن هذا إنشاء سفر لانتهاء السفر الأول وقد اجتمع له نسكان صحيحان فيه ولو بقي بمكة ولم يخرج إلى البصرة حتى اعتمر في أشهر الحج وحج من عامه لا يكون متمتعا بالاتفاق لأن عمرته مكية والسفر الأول انتهى بالعمرة الفاسدة ولا تمتع لأهل مكة ومن اعتمر في أشهر الحج وحج من عامه فأيهما أفسد مضى فيه لأنه لا يمكنه الخروج عن عهدة الإحرام إلا بالأفعال وسقط دم المتعة لأنه لم يترفق بأداء نسكين صحيحين في سفرة واحدة وإذا تمتعت المرأة فضحت بشاة لم يجزها عن دم المتعة لأنها أتت بغير الواجب وكذا الجواب في الرجل وإذا حاضت المرأة عند الإحرام اغتسلت وأحرمت وصنعت كما يصنعه الحاج غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر لحديث عائشة رضي الله عنها حين حاضت بسرف ولأن الطواف في المسجد والوقوف في المفازة وهذا الاغتسال للإحرام لا للصلاة فيكون مفيدا فإن حاضت بعد الوقوف وطواف الزيارة انصرفت من مكة ولا شيء عليها لطواف الصدر لأنه عليه الصلاة والسلام رخص للنساء الحيض في ترك طواف الصدر ومن اتخذ مكة دارا فليس عليه طواف الصدر لأنه على من يصدر إلا إذا اتخذها دارا بعد ما حل النفر الأول فيما يروى عن أبي حنيفة رحمه الله ويرويه البعض عن محمد رحمه الله لأنه وجب عليه بدخول وقته فلا يسقط بنية الإقامة بعد ذلك والله أعلم بالصواب 2 باب الجنايات 2 وإذا تطيب المحرم فعليه الكفارة فإن طيب عضوا كاملا فما زاد فعليه دم وذلك مثل الرأس والساق والفخذ وما اشبه ذلك لأن الجناية تتكامل بتكامل الارتفاق وذلك في العضو الكامل فيترتب عليه كمال الموجب وإن طيب أقل من عضو فعليه الصدقة لقصور الجناية وقال محمد رحمه الله يجب بقدره من الدم اعتبارا للجزء بالكل وفي المنتقى أنه إذا طيب ربع العضو فعليه دم اعتبارا بالحلق ونحن نذكر الفرق بينهما من بعد إن شاء الله تعالى ثم واجب الدم يتأدى بالشاة في جميع المواضع إلا في موضعين نذكرهما في باب الهدي إن شاء الله تعالى وكل صدقة في الإحرام غير مقدرة فهي نصف صاع من بر إلا ما يجب بقتل القملة والجرادة هكذا روي عن أبي يوسف رحمه الله
قال فإن خضب رأسه بحناء فعليه دم لأنه طيب قال عليه الصلاة والسلام الحناء طيب وإن صار ملبدا فعليه دمان دم للتطيب ودم للتغطية ولو خضب رأسه بالوسمة لا شيء عليه لأنها ليست بطيب وعن أبي يوسف رحمه الله أنه إذا خضب رأسه بالوسمة لأجل المعالجة من الصداع فعليه الجزاء باعتبار أنه يغلف رأسه وهذا هو الصحيح ثم ذكر محمد في الأصل رأسه ولحيته واقصتر على ذكر الرأس في الجامع الصغير دل أن كل واحد منهما مضمون فإن ادهن بزيت فعليه دم عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا عليه الصدقة وقال الشافعي رحمه الله إذا استعمله في الشعر فعليه دم لإزالة الشعث وإن استعمله في غيره فلا شيء عليه لانعدامه ولهما أنه من الأطعمة إلا أن فيه ارتفاقا بمعنى قتل الهوام وإزالة الشعث فكانت جناية قاصرة ولأبي حنيفة رحمه الله أنه أصل الطيب ولا يخلو عن نوع طيب ويقتل الهوام ويلين الشعر ويزيل التفث والشعث فتتكامل الجناية بهذه الجملة فتوجب الدم وكونه مطعوما لا ينافيه كالزعفران وما أشبههما يجب باستعماله الدم بالاتفاق لأنه طيب وهذا إذا استعمله على وجه التطيب ولو داوى به جرحه أو شقوق رجليه فلا كفارة عليه لأنه ليس بطيب في نفسه إنما هو أصل الطيب أو هو طيب من وجه فيشترط استعماله على وجه التطيب بخلاف ما إذا تداوى بالمسك وما أشبهه وإن لبس ثوبا مخيطا أو غطى رأسه يوما كاملا فعليه دم وإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة وعن أبي يوسف رحمه الله انه إذا لبس أكثر من نصف يوم فعليه دم وهو قول أبي حنيفة رحمه الله أولا وقال الشافعي رحمه الله يجب الدم بنفس اللبس لأن الارتفاق يتكامل بالاشتمال على بدنه ولنا أن معنى الترفق مقصود من اللبس فلا بد من اعتبار المدة ليحصل على الكمال ويجب الدم فقدر باليوم لأنه يلبس فيه ثم ينزع عادة وتتقاصر فيما دونه الجناية فتجب الصدقة غير أن أبا يوسف رحمه الله أقام الأكثر مقام الكل ولو ارتدى بالقميص أو اتشح به أو ائتزر بالسراويل فلا بأس به لأنه لم يلبسه لبس المخيط وكذا لو أدخل منكبيه في القباء ولم يدخل يديه في الكمين خلافا لزفر رحمه الله لأنه ما لبسه لبس القباء ولهذا يتكلف في حفظه والتقدير في تعطية الرأس من حيث الوقت ما بيناه ولا خلاف أنه إذا غطى جميع رأسه يوما كاملا يجب عليه الدم لأنه ممنوع عنه ولو غطى بعض رأسه فالمروي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه اعتبر الربع اعتبارا بالحلق والعورة وهذا لأن ستر البعض استمتاع مقصود يعتاده بعض الناس وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يعتبر أكثر الرأس اعتبارا للحقيقة وإذا حلق ربع رأسه أو ربع لحيته فصاعدا فعليه دم فإن كان أقل من الربع فعليه صدقة وقال مالك رحمه الله لا يجب إلا بحلق الكل وقال الشافعي رحمه الله يجب بحلق القليل اعتبارا بنبات الحرم ولنا أن حلق بعض الرأس ارتفاق كامل لأنه معتاد فتتكامل به الجناية وتتقاصر فيما دونه بخلاف تطيب ربع العضو لأنه غير مقصود وكذا حلق بعض اللحية معتاد بالعراق وأرض العرب وإن حلق الرقبة كلها فعليه دم لأنه عضو مقصود بالحلق وإن حلق الإبطين أو أحدهما فعليه دم لأن كل واحد منهما مقصود بالحلق لدفع الأذى ونيل الراحة فأشبه العانة ذكر في الإبطين الحلق ههنا وفي الأصل النتف وهو السنة وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا حلق عضوا فعليه دم وإن كان أقل فطعام أراد به الصدر والساق وما أشبه ذلك لأنه مقصود بطريق التنور فتتكامل بحلق كله وتتقاصر عند حلق بعضه وإن أخذ من شاربه فعليه طعام حكومة عدل ومعناه أنه ينظر أن هذا المأخوذ كم يكون من ربع اللحية فيجب عليه الطعام بحسب ذلك حتى لو كان مثلا مثل ربع الربع تلزمه قيمة ربع الشاة ولفظة الأخذ من الشارب تدل على أنه هو السنة فيه دون الحلق والسنة أن يقص حتى يوازي الإطار
قال وإن حلق موضع المحاجم فعليه دم عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا عليه صدقة لأنه إنما يحلق لأجل الحجامة وهي ليست من المحظورات فكذا ما يكون وسيلة إليها إلا أن فيه إزالة شيء من التفث فتجب الصدقة ولأبي حنيفة رحمه الله أن حلقه مقصود لأنه لا يتوسل إلى المقصود إلا به وقد وجد إزالة التفث عن عضو كامل فيجب الدم وإن حلق رأس محرم بأمره أو بغير أمره فعلى الحالق الصدقة وعلى المحلوق دم وقال الشافعي رحمه الله لا يجب إن كان بغير أمره بأن كان نائما لأن من أصله أن الإكراه يخرج المكره من أن يكون مؤاخذا بحكم الفعل والنوم أبلغ منه وعندنا بسبب النوم والإكراه ينتفي المأثم دون الحكم وقد تقرر سببه وهو ما نال من الراحة والزينة فيلزمه الدم حتما بخلاف المضطر حيث يتخير لأن الآفة هناك سماوية وههنا من العباد ثم لا يرجع المحلوق رأسه على الحالق لأن الدم إنما لزمه بما نال من الراحة فصار كالمغرور في حق العقر وكذا إذا كان الحالق حلالا لا يختلف الجواب في حق المحلوق رأسه وأما الحالق تلزمه الصدقة في مسئلتنا في الوجهين وقال الشافعي رحمه الله لا شيء عليه وعلى هذا الخلاف إذا حلق المحرم رأس حلال له أن معنى الارتفاق لا يتحقق بحلق شعر غيره وهو الموجب ولنا أن إزالة ما ينمو من بدن الإنسان من محظورات الإحرام لاستحقاقه الأمان بمنزلة نبات الحرم فلا يفترق الحال بين شعره وشعر غيره إلا أن كمال الجناية في شعره فإن أخذ من شارب حلال أو قلم أظافيره أطعم ما شاء والوجه فيه ما بينا ولا يعرى عن نوع ارتفاق لأنه يتأذى بتفث غيره وإن كان أقل من التأذي بتفث نفسه فيلزمه الطعام وإن قص أظافير يديه ورجليه فعليه دم لأنه من المحظورات لما فيه من قضاء التفث وإزالة ما ينمو من البدن فإذا قلمها كلها فهو ارتفاق كامل فيلزمه الدم ولا يزاد على دم إن حصل في مجلس واحد لأن الجناية من نوع واحد فإن كان في مجالس فكذلك عند محمد رحمه الله لأن مبناها على التداخل فأشبه كفارة الفطر إلا إذا تخللت الكفارة لارتفاع الأولى بالتكفير وعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تجب أربعة دماء إن قلم في كل مجلس يدا أو رجلا لأن الغالب فيه معنى العبادة فيتقيد التداخل باتحاد المجلس كما في آي السجدة وإن قص يدا أو رجلا فعليه دم إقامة للربع مقام الكل كما في الحلق وإن قص أقل من خمسة أظافير فعليه صدقة معناه تجب بكل ظفر صدقة وقال زفر رحمه الله يجب الدم بقص ثلاثة منها وهو قول أبي حنيفة الأول لأن في أظافير اليد الواحدة دما والثلاث أكثرها وجه المذكور في الكتاب أن أظافير كف واحد أقل ما يجب الدم بقلمه وقد أقمناها مقام الكل فلا يقام أكثرها مقام كلها لأنه يؤدي إلى مالا يتناهي وإن قص خمسة أظافير متفرقة من يديه ورجليه فعليه صدقة عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله عليه دم اعتبارا بما لو قصها من كف واحد وبما إذا حلق ربع الرأس من مواضع متفرقة ولهما أن كمال الجناية بنيل الراحة والزينة وبالقلم على هذا الوجه يتأذى ويشينه ذلك بخلاف الحلق لأنه معتاد على ما مر وإذا تقاصرت الجناية تجب فيها الصدقة فيجب بقلم كل ظفر طعام مسكين وكذلك لو قلم أكثر من خمسة متفرقا إلا أن يبلغ ذلك دما فحينئذ ينقص عنه ما شاء قال وإن انكسر ظفر المحرم وتعلق فأخذه فلا شيء عليه لأنه لا ينمو بعد الانكسار فأشبه اليابس من شجر الحرم وإن تطيب أو لبس مخيطا أو حلق من عذر فهو مخير إن شاء ذبح شاة وإن شاء تصدق على ستة مساكين بثلاثة أصوع من الطعام وإن شاء صام ثلاثة أيام لقوله تعالى ففدية من صيام أو صدقة أو نسك وكلمة أو للتخيير وقد فسرها رسول الله عليه الصلاة والسلام بما ذكرنا والآية نزلت في المعذور ثم الصوم يجزئه في أي موضع شاء لأنه عبادة في كل مكان وكذلك الصدقة عندنا لما بينا
وأما النسك فيختص بالحرم بالاتفاق لأن الإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان أو مكان وهذا الدم لا يختص بزمان فتعين اختصاصه بالمكان ولو اختار الطعام أجزأه فيه التعذية والتعشية عند أبي يوسف رحمه الله اعتبارا بكفارة اليمين وعند محمد رحمه الله لا يجزئه لأن الصدقة تنبئ عن التمليك وهو المذكور فصل فإن نظر إلى فرج امرأته بشهوة فأمنى لا شيء عليه لأن المحرم هو الجماع ولم يوجد فصار كما لو تفكر فأمنى وإن قبل أو لمس بشهوة فعليه دم وفي الجامع الصغير يقول إذا مس بشهوة فأمى ولا فرق بين ما إذا أنزل أو لم ينزل ذكره في الأصل وكذا الجواب في الجماع فيما دون الفرج وعن الشافعي رحمه الله أنه إنما يفسد إحرامه في جميع ذلك إذا أنزل واعتبره بالصوم ولنا أن فساد الحج يتعلق بالجماع ولهذا لا يفسد بسائر المحظورات وهذا ليس بجماع مقصود فلا يتعلق به ما يتعلق بالجماع إلا أن فيه معنى الاستمتاع والارتفاق بالمرأة وذلك محظور الإحرام فيلزمه الدم بخلاف الصوم لأن المحرم فيه قضاء الشهوة ولا يحصل بدون الإنزال فيما دون الفرج وإن جامع في أحد السبيلين قبل الوقوف بعرفة فسد حجه وعليه شاة ويمضي في الحج كما يمضي من لم يفسده وعليه القضاء والأصل فيه ما روي أن رسول الله عليه الصلاة والسلام سئل عمن واقع امرأته وهما محرمان بالحج قال يريقان دما ويمضيان في حجتهما وعليهما الحج من قابل وهكذا نقل عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وقال الشافعي رحمه الله تجب بدنة اعتبارا بما لو جامع بعد الوقوف والحجة عليه إطلاق ما روينا ولأن القضاء لما وجب ولا يجب إلا لاستدراك المصلحة خف معنى الجناية فيكتفي بالشاة بخلاف ما بعد الوقوف لأنه لا قضاء ثم سوى بين السبيلين وعن أبي حنيفة رحمه الله أن في غير القبل منهما لا يفسد لتقاصر معنى الوطء فكان عنه روايتان وليس عليه أن يفارق امرأته في قضاء ما أفسداه عندنا خلافا لمالك رحمه الله إذا خرجا من بيتهما ولزفر رحمه الله إذا أحرما وللشافعي إذا انتهيا إلى المكان الذي جامعها فيه لهم أنهم يتذاكران ذلك فيقعان في المواقعة فيفترقان ولنا أن الجامع بينهما وهو النكاح قائم فلا معنى للافتراق قبل الإحرام لإباحة الوقاع ولا بعده لأنهما يتذاكران ما لحقهما من المشقة الشديدة بسبب لذة يسيرة فيزدادان ندما وتحرزا فلا معنى للافتراق ومن جامع بعد الوقوف بعرفة لم يفسد حجه وعليه بدنة خلافا للشافعي فيما إذا جامع قبل الرمي لقوله عليه الصلاة والسلام من وقف بعرفة فقد تم حجه وإنما تجب البدنة لقول ابن عباس رضي الله عنهما أو لأنه على أنواع الارتفاق فيتغلظ موجبه وإن جامع بعد الحلق فعليه شاة لبقاء إحرامه في حق النساء دون لبس المخيط وما أشبه فخفت الجناية فاكتفى بالشاة ومن جامع في العمرة قبل أن يطوف أربعة أشواط فسدت عمرته فيمضي فيها ويقضيها وعليه شاة وإذا جامع بعد ما طاف أربعة أشواط أو أكثر فعليه شاة ولا تفسد عمرته وقال الشافعي تفسد في الوجهين وعليه بدنة اعتبارا بالحج إذ هي فرض عنده كالحج ولنا أنها سنة فكانت أحط رتبة منه فتجب الشاة ف فيها والبدنة في الحج إظهارا للتفاوت ومن جامع ناسيا كان كمن جامع متعمدا وقال الشافعي رحمه الله جماع الناسي غير مفسد للحج وكذا الخلاف في جماع النائمة والمكرهة هو يقول الحظر ينعدم بهذه العوارض فلم يقع الفعل جناية ولنا أن الفساد باعتبار معنى الارتفاق في الإحرام ارتفاقا مخصوصا وهذا لا ينعدم بهذه العوارض والحج ليس في معنى الصوم لأن حالات الإحرام مذكرة بمنزلة حالات الصلاة بخلاف الصوم والله أعلم فصل
ومن طاف طواف القدوم محدثا فعليه صدقة وقال الشافعي رحمه الله لا يعتد به لقوله عليه الصلاة والسلام الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى أباح فيه المنطق فتكون الطهارة من شرطه ولنا قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق من غير قيد الطهارة فلم تكن فرضا ثم قيل هي سنة والأصح أنها واجبة لأنه يجب بتركها الجابر ولأن الخبر يوجب العمل فيثبت به الوجوب فإذا شرع في هذا الطواف وهو سنة يصير واجبا بالشروع ويدخله نقص بترك الطهارة فيجبر بالصدقة إظهارا لدنو رتبته عن الواجب بإيجاب الله وهو طواف الزيارة وكذا الحكم في كل طواف هو تطوع ولو طاف طواف الزيارة محدثا فعليه شاة لأنه أدخل النقص في الركن فكان أفحش من الأول فيجبر بالدم وإن كان جنبا فعليه بدنة كذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ولأن الجنابة أغلظ من الحدث فيجب جبر نقصانها بالبدنة إظهارا للتفاوت وكذا إذا طاف أكثره جنبا أو محدثا لأن أكثر الشيء له حكم كله والأفضل أن يعيد الطواف ما دام بمكة ولا ذبح عليه وفي بعض النسخ وعليه أن يعيد والأصح أنه يؤمر بالإعادة في الحدث استحبابا وفي الجنابة إيجابا بالفحش النقصان بسبب الجنابة وقصوره بسبب الحدث ثم إذا أعاده وقد طافه محدثا لا ذبح عليه وإن أعاده بعد أيام النحر لأن بعد الإعادة لا يبقى إلا شبهة النقصان وإن أعاده وقد طافه جنبا في أيام النحر فلا شيء عليه لأنه أعاده في وقته وإن أعاده بعد أيام النحر لزمه الدم عند أبي حنيفة رحمه الله بالتأخير على ما عرف من مذهبه ولو رجع إلى أهله وقد طافه جنبا عليه أن يعود لأن النقص كثير فيؤمر بالعود استدراكا له ويعود بإحرام جديد وإن لم يعد وبعث بدنة أجزأه لما بينا أنه جابر له إلا أن الأفضل هو العود ولو رجع إلى أهله وقد طافه محدثا إن عاد وطاف جاز وإن بعث بالشاة فهو أفضل لأنه خف معنى النقصان وفيه نفع للفقراء ولو لم يطف طواف الزيارة أصلا حتى رجع إلى أهله فعليه أن يعود بذلك الإحرام لانعدام التحلل منه وهو محرم عن النساء أبدا حتى يطوف ومن طاف طواف الصدر محدثا فعليه صدقة لأنه دون طواف الزيارة وإن كان واجبا فلا بد من إظهار التفاوت وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يجب شاة إلا أن الأول أصح ولو طاف جنبا فعليه شاة لأنه نقص كثير ثم هو دون طواف الزيارة فيكتفى بالشاة ومن ترك من طواف الزيارة ثلاثة أشواط فما دونها فعليه شاة لأن النقصان بترك الأقل يسير فأشبه النقصان بسبب الحدث فتلزمه شاة فلو رجع إلى أهله أجزأه أن لا يعود ويبعث بشاة لما بينا ومن ترك أربعة أشواط بقي محرما أبدا حتى يطوفها لأن المتروك أكثر فصار كأنه لم يطف اصلا ومن ترك طواف الصدر أو أربعة أشواط منه فعليه شاة لأنه ترك لواجب الأكثر منه وما دام بمكة يؤمر بالإعادة إقامة للواجب في وقته
ومن ترك ثلاثة أشواط من طواف الصدر فعليه الصدقة ومن طاف طواف الواجب في جوف الحجر فإن كان بمكة أعاده لأن الطواف وراء الحطيم واجب على ما قدمناه والطواف في جوف الحجر أن يدور حول الكعبة ويدخل الفرجتين اللتين بينها وبين الحطيم فإذا فعل ذلك فقد أدخل نقصا في طوافه فما دام بمكة أعاده كله ليكون مؤديا للطواف على الوجه المشروع وإن أعاد على الحجر خاصة أجزأه لأنه تلافي ما هو المتروك وهو أن يأخذ عن يمينه خارج الحجر حتى ينتهي إلى آخره ثم يدخل الحجر من الفرجة ويخرج من الجانب الآخر هكذا يفعله سبع مرات فإن رجع إلى أهله ولم يعده فعليه دم لأنه تمكن نقصان في طوافه بترك ما هو قريب من الربع ولا تجزيه الصدقة ومن طاف طواف الزيارة على غير وضوء وطواف الصدر في آخر أيام التشريق طاهرا فعليه دم فإن كان طاف طواف الزيارة جنبا فعليه دمان عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا عليه دم واحد لأن في الوجه الأول لم ينقل طواف الصدر إلى طواف الزيارة لأنه واجب وإعادة طواف الزيارة بسبب الحدث غير واجب وإنما هو مستحب فلا ينقل إليه وفي الوجه الثاني ينقل طواف الصدر إلى طواف الزيارة لأنه مستحق الإعادة فيصير تاركا لطواف الصدر مؤخرا لطواف الزيارة عن أيام النحر فيجب الدم بترك الصدر بالاتفاق وبتأخير الآخر على الخلاف إلا أنه يؤمر بإعادة طواف الصدر ما دام بمكة ولا يؤمر بعد الرجوع على ما بينا ومن طاف لعمرته وسعى على غير وضوء وحل فما دام بمكة يعيدهما ولا شيء عليه أما إعادة الطواف فلتمكن النقص فيه بسبب الحدث وأما السعي فلأنه تبع للطواف وإذا أعادهما لا شيء عليه لارتفاع النقصان وإن رجع إلى أهله قبل أن يعيد فعليه دم لترك الطهارة فيه ولا يؤمر بالعود لوقوع التحلل بأداء الركن إذ النقصان يسير وليس عليه في السعي شيء لأنه أتى به على أثر طواف معتد به وكذا إذا أعاد الطواف ولم يعد السعي في الصحيح ومن ترك السعي بين الصفا والمروة فعليه دم وحجه تام لأن السعي من الواجبات عندنا فيلزم بتركه الدم دون الفساد ومن أفاض قبل الإمام من عرفات فعليه دم وقال الشافعي رحمه الله لا شيء عليه لأن الركن أصل الوقوف فلا يلزمه بترك الإطالة شيء ولنا أن الاستدامة إلى غروب الشمس واجبة لقوله عليه الصلاة والسلام فادفعوا بعد غروب الشمس فيجب بتركه الدم بخلاف ما إذا وقف ليلا لأن استدامة الوقوف على من وقف نهارا لا ليلا فإن عاد إلى عرفة بعد غروب الشمس لا يسقط عنه الدم في ظاهر الرواية لأن المتروك لا يصير مستدركا واختلفوا فيما إذا عاد قبل الغروب ومن ترك الوقوف بالمزدلفة فعليه دم لأنه من الواجبات ومن ترك رمي الجمار في الأيام كلها فعليه دم لتحقق ترك الواجب ويكفيه دم واحد لأن الجنس متحد كما في الحلق والترك إنما يتحقق بغروب الشمس من آخر أيام الرمي لأنه لم يعرف قربة إلا فيها وما دامت الأيام باقية فالإعادة ممكنة فيرميها على التأليف ثم بتأخيرها يجب الدم عند أبي حنيفة خلافا لهما وإن ترك رمي يوم واحد فعليه دم لأنه نسك تام ومن ترك رمي إحدى الجمار الثلاث فعليه الصدقة لأن الكل في هذا اليوم نسك واحد فكان المتروك أقل إلا أن يكون المتروك أكثر من النصف فحينئذ يلزمه الدم لوجود ترك الأكثر وإن ترك رمي جمرة العقبة في يوم النحر فعليه دم لأنه كل وظيفة هذا اليوم رميا وكذا إذا ترك الأكثر منها وإن ترك منها حصاة أو حصاتين أو ثلاثا تصدق لكل حصاة نصف صاع إلا أن يبلغ دما فينقص ما شاء لأن المتروك هو الأقل فتكفيه الصدقة
ومن أخر الحلق حتى مضت أيام النحر فعليه دم عند أبي حنيفة وكذا إذا أخر طواف الزيارة حتى مضت ايام التشريق فعليه دم عنده وقالا لا شيء عليه في الوجهين وكذا الخلاف في تأخير الرمي وفي تقديم نسك على نسك كالحلق قبل الرمي ونحر القارن قبل الرمي والحلق قبل الذبح لهما أن ما فات مستدرك بالقضاء ولا يجب مع القضاء شيء آخر وله حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال من قدم نسكا على نسك فعليه دم ولأن التأخير عن المكان يوجب الدم فيما هو موقت بالمكان كالإحرام فكذا التأخير عن الزمان فيما هو موقت بالزمان وإن حلق في أيام النحر في غير الحرم فعليه دم ومن اعتمر فخرج من الحرم وقصر فعليه دم عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله لا شيء عليه قال رضي الله عنه ذكر في الجامع الصغير قول أبي يوسف في المعتمر ولم يذكره في الحاج قيل هو بالاتفاق لأن السنة جرت في الحج بالحلق بمنى وهو من الحرم والأصح أنه على الخلاف هو يقول الحلق غير مختص بالحرم لأن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه أحصروا بالحديبية وحلقوا في غير الحرم ولهما أن الحلق لما جعل محللا صار كالسلام في آخر الصلاة فإنه من واجباتها وإن كان محللا فإذا صار نسكا اختص بالحرم كالذبح وبعض الحديبية من الحرم فلعلهم حلقوا فيه فالحاصل أن الحلق يتوقت بالزمان والمكان عند أبي حنيفة رحمه الله وعند أبي يوسف لا يتوقت بهما وعند محمد يتوقت بالمكان دون الزمان وعند زفر يتوقت بالزمان دون المكان وهذا الخلاف في التوقيت في حق التضمين بالدم وأما في حق التحلل فلا يتوقت بالاتفاق والتقصير والحلق في العمرة غير موقت بالزمان بالإجماع لأن أصل العمرة لا يتوقت به بخلاف المكان لأنه موقت به قال فإن لم يقصر حتى رجع وقصر فلا شيء عليه في قولهم جميعا معناه إذا خرج المعتمر ثم عاد لأنه أتى به في مكانه فلا يلزمه ضمانه فإن حلق القارن قبل أن يذبح فعليه دمان عند أبي حنيفة رحمه الله دم بالحلق في غير أوانه لأن أوانه بعد الذبح ودم بتأخير الذبح عن الحلق وعندهما يجب عليه دم واحد وهو الأول ولا يجب بسبب التأخير شيء على ما قلنا فصل اعلم أن صيد البر محرم على المحرم وصيد البحر حلال لقوله تعالى أحل لكم صيد البحر إلى آخر الآية وصيد البر ما يكون توالده ومثواه في البر وصيد البحر ما يكون توالده ومثواه في الماء والصيد هو الممتنع المتوحش في أصل الخلقة واستثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس الفواسق وهي الكلب العقور والذئب والحدأة والغراب والحية والعقرب فإنها مبتدئات بالأذى والمراد به الغراب الذي يأكل الجيف هو المروي عن أبي يوسف رحمه الله قال وإذا قتل المحرم صيدا أو دل عليه من قتله فعليه الجزاء أما القتل فلقوله تعالى لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء الآية نص على إيجاب الجزاء وأما الدلالة ففيها خلاف الشافعي رحمه الله هو يقول الجزاء تعلق بالقتل والدلالة ليست بقتل فأشبه دلالة الحلال حلالا
ولنا ما روينا من حديث أبي قتادة رضي الله عنه وقال عطاء رحمه الله أجمع الناس على أن على الدال الجزاء ولأن الدلالة من محظورات الإحرام ولأنه تفويت الأمن على الصيد إذ هو آمن بتوحشه وتواريه فصار كالإتلاف ولأن المحرم بإحرامه التزم الامتناع عن التعرض فيضمن بترك ما التزمه كالمودع بخلاف الحلال لأنه لا التزام من جهته على أن فيه الجزاء على ما روي عن أبي يوسف وزفر رحمهما الله والدلالة الموجبة للجزاء أن لا يكون المدلول عالما بمكان الصيد وأن يصدقه في الدلالة حتى لو كذبه وصدق غيره لا ضمان على المكذب ولو كان الدال حلالا في الحرم لم يكن عليه شيء لما قلنا وسواء في ذلك العامد والناسي لأنه ضمان يعتمد وجوبه الإتلاف فأشبه غرامات الأموال والمبتدئ والعائد سواء لأن الموجب لا يختلف والجزاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف أن يقوم الصيد في المكان الذي قتل فيه أو في أقرب المواضع منه إذا كان في برية فيقومه ذوا عدل ثم هو مخبر في الفداء إن شاء ابتاع بها هديا وذبحه إن بلغت هديا وإن شاء اشترى بها طعاما وتصدق على كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير وإن شاء صام على ما نذكر وقال محمد والشافعي يجب في الصيد النظير فيما له نظير ففي الظبي شاة وفي الضبع شاة وفي الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة وفي النعامة بدنة وفي حمار الوحش بقرة لقوله تعالى فجزاء مثل ما قتل من النعم ومثله من النعم ما يشبه المقتول صورة لأن القيمة لا تكون نعما والصحابة رضي الله عنهم أوجبوا النظير من حيث الخلقة والمنظر في النعامة والظبي وحمار الوحش والأرنب على ما بينا وقال عليه الصلاة والسلام الضبع صيد وفيه الشاة وما ليس له نظير عند محمد تجب فيه القيمة مثل العصفور والحمام وأشباههما وإذا وجبت القيمة كان قوله كقولهما والشافعي رحمه الله تعالى يوجب في الحمامة شاة ويثبت المشابهة بينهما من حيث أن كل واحد منهما يعب ويهدر ولأبي حنيفة وأبي يوسف أن المثل المطلق هو المثل صورة ومعنى ولا يمكن الحمل عليه فحمل على المثل معنى لكونه معهودا في الشرع كما في حقوق العباد أو لكونه مرادا بالإجماع أو لما فيه من التعميم وفي ضده التخصيص والمراد بالنص والله أعلم فجزاء قيمة ما قتل من النعم الوحشي واسم النعم يطلق على الوحشي والأهلي كذا قاله أبو عبيدة والأصمعي رحمهما الله والمراد بما روي التدقير به دون إيجاب المعين ثم الخيار إلى القاتل في أن يجعله هديا أو طعاما أو صوما عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد والشافعي رحمهما الله الخيار إلى الحكمين في ذلك فإن حكما بالهدي يجب النظير على ما ذكرنا وإن حكما بالطعام أو بالصيام فعلى ما قال أبو حنيفة وأبو يوسف لهما أن التخيير شرع رفقا بمن عليه فيكون الخيار إليه كما في كفارة اليمين ولمحمد والشافعي قوله تعالى يحكم به ذوا عدل منكم هديا الآية ذكر الهدي منصوبا لأنه تفسير لقوله يحكم به أو مفعول لحكم الحكم ثم ذكر الطعام والصيام بكلمة أو فيكون الخيار إليهما قلنا الكفارة عطفت على الجزاء لا على الهدي بدليل أنه مرفوع وكذا قوله تعالى أو عدل ذلك صياما مرفوع فلم يكن فيها دلالة اختيار الحكمين وإنما يرجع إليهما في تقويم المتلف ثم الاختيار بعد ذلك إلى من عليه ويقومان في المكان الذي أصابه لاختلاف القيم باختلاف الأماكن فإن كان الموضع برا لا يباع فيه الصيد يعتبر أقرب المواضع إليه مما يباع فيه ويشترى قالوا والواحد يكفي والمثنى أولى لأنه أحوط وأبعد عن الغلط كما في حقوق العباد وقيل يعتبر المثنى ههنا بالنص والهدي لا يذبح إلا بمكة لقوله تعالى هديا بالغ الكعبة ويجوز الإطعام في غيرها خلافا للشافعي رحمه الله هو يعتبره بالهدي والجامع التوسعة على سكان الحرم ونحن نقول الهدي قربة غير معقولة فيختص بمكان أو زمان أما الصدقة قربة معقولة في كل زمان ومكان
والصوم يجوز في غير مكة لأنه قربة في كل مكان فإن ذبح الهدي بالكوفة أجزأه عن الطعام معناه إذا تصدق باللحم وفيه وفاء بقيمة الطعام لأن الإراقة لا تنوب عنه وإذا وقع الاختيار على الهدي يهدي ما يجزيه في الأضحية لأن مطلق اسم الهدي منصرف إليه وقال محمد والشافعي يجزي صغار الغنم فيها لأن الصحابة رضي الله عنهم أوجبوا عناقا وجفرة وعند أبي حنيفة وأبي يوسف يجوز الصغار على وجه الإطعام يعني إذا تصدق وإذا وقع الاختيار على الطعام يقوم التلف بالطعام عندنا لأنه هو المضمون المعتبر قيمته وإذا اشترى بالقيمة طعاما تصدق على كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير ولا يجوز أن يطعم المسكين أقل من نصف صاع لأن الطعام المذكور ينصرف إلى المعهود في الشرع وإن اختار الصيام يقوم المقتول طعاما ثم يصوم عن كل نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير يوما لأن تقدير الصيام بالمقتول غير ممكن إذ لا قيمة للصيام فقدرناه بالطعام والتقدير على هذا الوجه معهود في الشرع كما في باب الفدية فإن فضل من الطعام أقل من نصف صاع فهو مخير إن شاء تصدق به وإن شاء صام عنه يوما كاملا لأ الصوم أقل من يوم غير مشروع وكذلك إن كان الواجب دون طعام مسكين يطعم قدر الواجب أو يصوم يوما كاملا لما قلنا ولو جرح صيد أو نتف شعره أو قطع عضوا منه ضمن ما نقصه اعتبارا للبعض بالكل كما في حقوق العباد ولو نتف ريش طائر أو قطع قوائم صيد فخرج من حيز الامتناع فعليه قيمته كاملة لأنه فوت عليه الأمن بتفويت آلة الامتناع فيغرم جزاءه ومن كسر بيض نعامة فعليه قيمته وهذا مروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهم ولأنه اصل الصيد وله عرضية أن يصير صيدا فنزل منزلة الصيد احتياطا مالم يفسد فإن خرج من البيض فرخ ميت فعليه قيمته حيا وهذا استحسان والقياس أن لا يغرم سوى البيضة لأن حياة الفرخ غير معلومة وجه الاستحسان أن البيض معد ليخرج منه الفرخ الحي والكسر قبل أوانه سبب لموته فيحال به عليه احتياطا وعلى هذا إذا ضرب بطن ظبية فألقت جنينا ميتا وماتت فعليه قيمتهما وليس في قتل الغراب والحدأة والذئب والحية والعقرب والفأرة والكلب العقور جزاء لقوله عليه الصلاة والسلام خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم الحدأة والحية والعقرب والفأرة والكلب العقور وقال عليه الصلاة والسلام يقتل المحرم الفأرة والغراب والحدأة والعقرب والحية والكلب العقور وقد ذكر الذئب في بعض الروايات وقيل المراد بالكلب العقور الذئب أو يقال إن الذئب في معناه والمراد بالغراب الذي يأكل الجيف ويخلط لأنه يبتدئ بالأذى أما العقعق فغير مستثنى لأنه لا يسمى غرابا ولا يبتدئ بالأذى وعن أبي حنيفة رحمه الله أن الكلب العقور وغير العقور والمستأنس والمتوحش منهما سواء لأن المعتبر في ذلك الجنس وكذا الفأرة الأهلية والوحشية سواء والضب واليربوع ليسا من الخمس المستثناة لأنهما لا يبتدئان بالأذى وليس في قتل البعوض والنمل والبراغيث والقراد شيء لأنها ليست بصيود وليست بمتولدة من البدن ثم هي مؤذية بطباعها والمراد بالنمل السود أو الصفر التي تؤذي ومالا يؤذي لا يحل قتلها ولكن لا يجب الجزاء للعلة الأولى ومن قتل قملة تصدق بما شاء مثل كف من إطعام لأنها متولدة من التفث الذي على البدن وفي الجامع الصغير أطعم شيئا وهذا يدل على أنه يجزيه أن يطعم مسكينا شيئا يسيرا على سبيل الإباحة وإن لم يكن مشبعا ومن قتل جرادة تصدق بما شاء لأن الجراد من صيد البر فإن الصيد ما لا يمكن أخذه إلا بحيلة ويقصده الآخذ وتمرة خير من جرادة لقول عمر رضي الله عنه تمرة خير من جراد ولا شيء عليه في ذبح السلحفاة لأنه من الهوام والحشرات فأشبه الخنافس والوزغات ويمكن أخذه من غير حيلة وكذا لا يقصد بالأخذ فلم يكن صيدا ومن حلب صيد الحرم فعليه قيمته لأن اللبن من أجزاء الصيد فأشبه كله
ومن قتل مالا يؤكل لحمه من الصيد كالسباع ونحوها فعليه الجزاء إلا ما استثناه الشرع وهو ما عددناه وقال الشافعي رحمه الله لا يجب الجزاء لأنها جبلت على الإيذاء تدخلت في الفواسق المستثناة وكذا اسم الكلب يتناول السباع بأسرها لغة ولنا أن السبع صيد لتوحشه وكونه مقصودا بالأخذ إما لجلده أو ليصطاد به أو لدفع أذاه والقياس على الفواسق ممتنع لما فيه من إبطال العدد واسم الكلب لا يقع على السبع عرفا والعرف أملك ولا يجاوز بقيمته شاة وقال زفر رحمه الله تجب قيمته بالغة ما بلغت اعتبارا بمأكول اللحم ولنا قوله عليه الصلاة والسلام الضبع صيد وفيه الشاة ولأن اعتبار قيمته لمكان الانتفاع بجلده لا لأنه محارب مؤذ ومن هذا الوجه لا يزداد على قيمة الشاة ظاهرا وإذا صال السبع على المحرم فقتله لا شيء عليه وقال زفر رحمه الله يجب الجزاء اعتبارا بالجمل الصائل ولنا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قتل سبعا وأهدى كبشا وقال إنا ابتدأناه ولأن المحرم ممنوع عن التعرض لا عن دفع الأذى ولهذا كان مأذونا في دفع المتوهم من الأذى كما في الفواسق فلأن يكون مأذونا في دفع المتحقق منه أولى ومع وجود الإذن من الشارع لا يجب الجزاء حقا له بخلاف الجمل الصائل لأنه لا إذن من صاحب الحق وهو العبد وإن اضطر المحرم إلى قتل صيد فقتله فعليه الجزاء لأن الإذن مقيد بالكفارة بالنص على ما تلوناه من قبل ولا بأس للمحرم أن يذبح الشاة والبقرة والبعير والدجاجة والبط الأهلي لأن هذه الأشياء ليست بصيود لعدم التوحش والمراد بالبط الذي يكون في المساكن والحياض لأنه ألوف بأصل الخلقة ولو ذبح حماما مسرولا فعليه الجزاء خلافا لمالك رحمه الله له أنه ألوف مستأنس ولا يمتنع بجناحيه لبطء نهوضه ونحن نقول الحمام متوحش بأصل الخلقة ممتنع بطيرانه وإن كان بطيء النهوض والاستئناس عارض فلم يعتبر وكذا إذا قتل ظبيا مستأنسا لأنه صيد في الأصل فلا يبطله الاستئناس كالبعير إذا ند لا يأخذ حكم الصيد في الحرمة على المحرم وإذا ذبح المحرم صيدا فذبيحته ميتة لا يحل أكلها وقال الشافعي رحمه الله يحل ما ذبحه المحرم لغيره لأنه عامل له فانتقل فعله إليه ولنا أن الذكاة فعل مشروع وهذا فعل حرام فلا يكون ذكاة كذبيحة المجوسي وهذا لأن المشروع هو الذي قام مقام الميز بين الدم واللحم تيسيرا فينعدم بانعدامه فإن أكل المحرم الذابح من ذلك شيئا فعليه قيمة ما أكل عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا ليس عليه جزاء ما أكل وإن أكل منه محرم آخر فلا شيء عليه في قولهم جميعا لهما أن هذه ميتة فلا يلزمه بأكلها إلا الاستغفار وصار كما إذا أكله محرم غيره ولأبي حنيفة أن حرمته باعتبار كونه ميتة كما ذكرنا وباعتبار أنه محظور إحرامه لأن إحرامه هو الذي أخرج الصيد عن المحلية والذابح عن الأهلية في حق الذكاة فصارت حرمة التناول بهذه الوسائط مضافة إلى إحرامه بخلاف محرم آخر لأن تناوله ليس من محظورات إحرامه
ولا بأس بأن يأكل المحرم لحم صيد اصطاده حلال وذبحه إذا لم يدل المحرم عليه ولا أمره بصيده خلافا لمالك رحمه الله فيما إذا اصطاده لأجل المحرم له قوله عليه الصلاة والسلام لا بأس بأكل المحرم لحم صيد مالم يصده أو يصاد له ولنا ما روي أن الصحابة رضي الله عنهم تذاكروا لحم الصيد في حق المحرم فقال عليه الصلاة والسلام لا بأس به واللام فيما روي لام تمليك فيحمل على أن يهدى إليه الصيد دون اللحم أو معناه أن يصاد بأمره ثم شرط عدم الدلالة وهذا تنصيص على أن الدلالة محرمة قالوا فيه روايتان ووجه الحرمة حديث أبي قتادة رضي الله عنه وقد ذكرناه وفي صيد الحرم إذا ذبحه الحلال قيمته يتصدق بها على الفقراء لأن الصيد استحق الأمن بسبب الحرم قال عليه الصلاة والسلام في حديث فيه طول ولا ينفر صيدها ولا يجزئه الصوم لأنها غرامة وليست بكفارة فأشبه ضمان الأموال وهذا لأنه يجب بتفويت وصف في المحل وهو الأمن والواجب على المحرم بطريق الكفارة جزاء على فعله لأن الحرمة باعتبار معنى فيه وهو إحرامه والصوم يصلح جزاء الأفعال لا ضمان المحال وقال زفر رحمه الله يجزئه الصوم اعتبارا بما وجب على المحرم والفرق قد ذكرناه وهل يجزئه الهدي ففيه روايتان ومن دخل الحرم بصيد فعليه أن يرسله فيه إذا كان في يده خلافا للشافعي رحمه الله فإنه يقول حق الشرع لا يظهر في مملوك العبد لحاجة العبد ولنا أنه لما حصل في الحرم وجب ترك التعرض لحرمة الحرم إذ صار هو من صيد الحرم فاستحق الأمن لما روينا فإن باعه رد البيع فيه إن كان قائما لأن البيع لم يجز لما فيه من التعرض للصيد وذلك حرام وإن كان فائتا فعليه الجزاء لأنه تعرض للصيد بتفويت الأمن الذي استحقه وكذلك بيع المحرم الصيد من محرم أو حلال لما قلنا ومن أحرم وفي بيته أو في قفص معه صيد فليس عليه أن يرسله وقال الشافعي رحمه الله يجب عليه أن يرسله لأنه متعرض للصيد بإمساكه في ملكه فصار كما إذا كان في يده ولنا أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحرمون وفي بيوتهم صيود ودواجن ولم ينقل عنهم إرسالها وبذلك جرت العادة الفاشية وهي من إحدى الحجج ولأن الواجب ترك التعرض وهو ليس بمتعرض من جهته لأنه محفوظ بالبيت والقفص لا به غير أنه في ملكه ولو أرسله في مفازة فهو على ملكه فلا معتبر ببقاء الملك وقيل إذا كان القفص في يده لزمه إرساله لكن على وجه لا يضيع قال فإن اصاب حلال صيدا ثم أحرمه فأرسله من يده غيره يضمن عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا يضمن لأن المرسل آمر بالمعروف ناه عن المنكر وما على المحسنين من سبيل وله أنه ملك الصيد بالأخذ ملكا محترما فلا يبطل احترامه بإحرامه وقد أتلفه المرسل فيضمنه بخلاف ما إذا أخذه في حالة الإحرام لأنه لم يملكه والواجب عليه ترك التعرض ويمكنه ذلك بأن يجليه في بيته فإذا قطع يده عنه كان متعديا ونظيره الاختلاف في كسر المعازف وإن أصاب محرم صيدا فأرسله من يده غيره لا ضمان عليه بالاتفاق لأنه لم يملكه بالأخذ فإن الصيد لم يبق محلا للتملك في حق المحرم لقوله تعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما فصار كما إذااشترى الخمر فإن قتله محرم آخر في يده فعلى كل واحد منهما جزاؤه لأن الآخذ متعرض للصيد الآمن والقاتل مقرر لذلك والتقرير كالابتداء في حق التضمين كشهود الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا ويرجع الآخذ على القاتل وقال زفر رحمه الله لا يرجع لأن الآخذ مؤاخذ بصنعه فلا يرجع على غيره ولنا أن الآخذ إنما يصير سببا للضمان عند اتصال الهلاك به فهو بالقتل جعل فعل الآخذ علة فيكون في معنى مباشرة علة العلة فيحال بالضمان عليه
فإن قطع حشيش الحرم أو شجرة ليست بمملوكة وهو مما لا ينبته الناس فعليه قيمته إلا فيما جف منه لأن حرمتهما ثبتت بسبب الحرم قال عليه الصلاة والسلام لا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها ولا يكون للصوم في هذه القيمة مدخل لأن حرمة تناولها بسبب الحرم لا بسبب الإحرام فكان من ضمان المحال على ما بينا ويتصدق بقيمته على الفقراء وإذا أداها ملكه كما في حقوق العباد ويكره بيعه بعد القطع لأنه ملكه بسبب محظور شرعا فلو أطلق له في بيعه لتطرق الناس إلى مثله إلا أنه يجوز البيع مع الكراهة بخلاف الصيد والفرق ما نذكره والذي ينبته الناس عادة عرفناه غير مستحق للأمن بالإجماع ولأن المحرم المنسوب إلى الحرم والنسبة إليه على الكمال عند عدم النسبة إلى غيره بالإنبات ومالا ينبت عادة إذا أنبته إنسان التحق بما ينبت عادة ولو نبت بنفسه في ملك رجل فعلى قاطعه قيمتان قيمة لحرمة الحرم حقا للشرع وقيمة أخرى ضمانا لمالكه كالصيد المملوك في الحرم وما جف من شجر الحرم لا ضمان فيه لأنه ليس بنام ولا يرعى حشيش الحرم ولا يقطع إلا الإذخر وقال أبو يوسف رحمه الله لا بأس بالرعي لأن فيه ضرورة فإن منع الدواب عنه متعذر ولنا ما روينا والقطع بالمسافر كالقطع بالمناجل وحمل الحشيش من الحل ممكن فلا ضرورة بخلاف الإذخر لأنه استثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجوز قطعه ورعيه وبخلاف الكمأة لأنها ليست من جملة النبات وكل شيء فعله القارن مما ذكرنا أن فيه على المفرد دما فعليه دمان دم لحجته ودم لعمرته وقال الشافعي رحمه الله دم واحد بناء على أنه محرم بإحرام واحد عنده وعندنا بإحرامين وقد مر من قبل قال إلا أن يتجاوز الميقات غير محرم بالعمرة أو الحج فيلزمه دم واحد خلافا لزفر رحمه الله لما أن المستحق عليه عند الميقات إحرام واحد وبتأخير واجب واحد لا يجب إلا جزاء واحد وإذا اشترك محرمان في قتل صيد فعلى كل واحد منهما جزاء كامل لأن كل واحد منهما بالشركة يصير جانيا جناية تفوق الدلالة فيتعدد الجزاء بتعدد الجناية وإذا اشترك حلالات في قتل صيد الحرم فعليهما جزاء واحد لأن الضمان يدل عن المحل لا جزاء عن الجناية فيتحد باتحاد المحل كرجلين قتلا رجلا خطأ تجب عليهما دية واحدة وعلى كل واحد منهما كفارة وإذا باع المحرم الصيد أو اتباعه فالبيع باطل لأن بيعه حيا تعرض للصيد الآمن وبيعه بعد ما قتله بيع ميتة ومن أخرج ظبية من الحرم فولدت أولادا فماتت هي وأولادها فعليه جزاؤهن لأن الصيد بعد الإخراج من الحرم بقي مستحقا للأمن شرعا ولهذا وجب رده إلى مأمنه وهذه صفة شرعية فتسرى إلى الولد فإن أدى جزاءها ثم ولدت ليس عليه جزاء الولد لأن بعد أداء الجزاء لم تبق آمنة لأن وصول الخلف كوصول الأصل والله أعلم بالصواب 2 باب مجاوزة الوقت بغير إحرام 2
وإذا أتى الكوفي بستان بني عامر فأحرم بعمرة فإن رجع إلى ذات عرق ولبى بطل عنه دم الوقت وإن رجع إليه ولم يلب حتى دخل مكة وطاف لعمرته فعليه دم وهذا عند أبي حنيفة وقالا إن رجع إليه محرما فليس عليه شيء لبى أو لم يلب وقال زفر رحمه الله تعالى لا يسقط لبى أو لم يلب لأن جنايته لم ترتفع بالعود وصار كما إذا أفاض من عرفات ثم عاد إليه بعد الغروب ولنا أنه تدارك المتروك في أوانه وذلك قبل الشروع في الأفعال فيسقط الدم بخلاف الإفاضة لأنه لم يتدارك المتروك على ما مر غير أن التدارك عندهما بعوده محرما لأنه أظهر حق الميقات كما إذا مر به محرما ساكتا وعنده رحمه الله بعوده محرما ملبيا لأن العزيمة في الإحرام من دويرة أهله فإذا ترخص بالتأخير إلى الميقات وجب عليه قضاء حقه بإنشاء التلبية فكان التلافي بعوده ملبيا وعلى هذا الخلاف إذا أحرم بحجة بعد المجاوزة مكان العمرة في جميع ما ذكرناه ولو عاد بعد ما ابتدأ بالطواف واستلم الحجر لا يسقط عنه الدم بالاتفاق ولو عاد إليه قبل الإحرام يسقط بالاتفاق وهذا الذي ذكرنا إذا كان يريد الحج أو العمرة فإن دخل البستان لحاجة فله أن يدخل مكة بغير إحرام ووقته البستان وهو وصاحب المنزل سواء لأن البستان غير واجب التعظيم فلا يلزمه الإحرام بقصده وإذا دخله التحق بأهله وللبستاني أن يدخل مكة بغير إحرام للحاجة فكذلك له والمراد بقوله ووقته البستان جميع الحل الذي بينه وبين الحرم وقد مر من قبل فكذا وقت الداخل الملحق به فإن أحرما من الحل ووقفا بعرفة لم يكن عليهما شيء يريد به البستاني والداخل فيه لأنهما أحرما من ميقاتهما ومن دخل مكة بغير إحرام ثم خرج من عامه ذلك إلى الوقت وأحرم بحجة عليه أجزأه ذلك من دخوله مكة بغير إحرام وقال زفر رحمه الله لا يجزيه وهو القياس اعتبارا بما لزمه بسبب النذر وصار كما إذا تحولت السنة ولنا أنه تلافي المتروك في وقته لأن الواجب عليه تعظيم هذه البقعة بالإحرام كما إذا أتاه محرما بحجة الإسلام في الابتداء بخلاف ما إذا تحولت السنة لأنه صار دينا في ذمته فلا يتأدى إلا بإحرام مقصود كما في الاعتكاف المنذور فإنه يتأدى بصوم رمضان من هذه السنة دون العام الثاني ومن جاوز الوقت فأحرم بعمرة وأفسدها مضى فيها وقضاها لأن الإحرام يقع لازما فصار كما إذا أفسد الحج وليس عليه دم لترك الوقت وعلى قياس قول زفر رحمه الله لا يسقط عنه وهو نظير الاختلاف في فائت الحج إذا جاوز الوقت بغير إحرام وفيمن جاوز الوقت بغير إحرام وأحرم بالحج ثم أفسد حجته هو يعتبر المجاوزة هذه بغيرها من المحظورات ولنا أنه يصير قاضيا حق الميقات بالإحرام منه في القضاء وهو يحكي الفائت ولا ينعدم به غيره من المحظورات فوضح الفرق وإذا خرج المكي يريد الحج فأحرم ولم يعد إلى الحرم ووقف بعرفة فعليه شاة لأن وقته الحرم وقد جاوزه بغير إحرام فإن عاد إلى الحرم ولبى أو لم يلب فهو على الاختلاف الذي ذكرناه في الأفاقي والمتمتع إذا فرغ من عمرته ثم خرج من الحرم فأحرم ووقف بعرفة فعليه دم لأنه لما دخل مكة وأتى بأفعال العمرة صار بمنزلة المكي وإحرام المكي من الحرم لما ذكرنا فيلزمه الدم بتأخيره عنه فإن رجع إلى الحرم فأهل فيه قبل أن يقف بعرفة فلا شيء عليه وهو على الخلاف الذي تقدم في الأفاقي 2 باب إضافة الإحرام إلى الإحرام 2
قال أبو حنيفة رحمه الله إذا أحرم المكي بعمرة وطاف لها شوطا ثم أحرم بالحج فإنه يرفض الحج وعليه لرفضه دم وعليه حجة وعمرة وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله رفض العمرة أحب إلينا وقضاؤها وعليه دم لأنه لا بد من رفض أحدهما لأن الجمع بينهما في حق المكي غير مشروع والعمرة أولى بالرفض لأنها أدنى حالا وأقل أعمالا وأيسر قضاء لكونها غير مؤقتة وكذا إذا أحرم بالعمرة ثم بالحج ولم يأت بشيء من أفعال العمرة لما قلنا فإن طاف للعمرة أربعة أشواط ثم أحرم بالحج رفض الحج بلا خلاف لأن للأكثر حكم الكل فتعذر رفضها كما إذا فرغ منها ولا كذلك إذا طاف للعمرة أقل من ذلك عند أبي حنيفة رحمه الله وله أن إحرام العمرة قد تأكد بأداء شيء من أعمالها وإحرام الحج لم يتأكد ورفض غير المتأكد أيسر ولأن في رفض العمرة والحالة هذه إبطال العمل وفي رفض الحج امتناع عنه وعليه دم بالرفض أيهما رفضه لأنه تحلل قبل أوانه لتعذر المضي فيه فكان في معنى المحصر إلا أن في رفض العمرة قضاءها لا غير وفي رفض الحج قضاؤه وعمرة لأنه في معنى فائت الحج وإن مضى عليهما أجزأه لأنه أدى أفعالهما كما التزمهما غير أنه منهي عنهما والنهي لا يمنع تحقق الفعل على ما عرف من أصلنا وعليه دم لجمعه بينهما لأنه تمكن النقصان في عمله لارتكابه المنهي عنه وهذا في حق المكي دم جبر وفي حق الأفاقي دم شكر ومن أحرم بالحج ثم أحرم يوم النحر بحجة أخرى فإن حلق في الأولى لزمته الأخرى ولا شيء عليه وإن لم يحلق في الأولى لزمته الأخرى وعليه دم قصر أو لم يقصر عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا إن لم يقصر فلا شيء عليه لأن الجمع بين إحرامي الحج أو إحرامي العمرة بدعة فإذا حلق فهو وإن كان نسكا في الإحرام الأول فهو جناية على الثاني لأنه في غير أوانه فلزمه الدم بالإجماع وإن لم يحلق حتى حج في العام القابل فقد أخر الحلق عن وقته في الإحرام الأول وذلك يوجب الدم عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما لا يلزمه شيء على ما ذكرنا فلهذا سوى بين التقصير وعدمه عنده وشرط التقصير عندهما ومن فرغ من عمرته إلا التقصير فأحرم بأخرى فعليه دم لإحرامه قبل الوقت لأنه جمع بين إحرامي العمرة وهذا مكروه فيلزمه الدم وهو دم جبر وكفارة ومن أهل بالحج ثم أحرم بعمرة لزماه لأن الجمع بينهما مشروع في حق الأفاقي والمسئلة فيه فيصير بذلك قارنا لكنه أخطأ السنة فيصير مسيئا فلو وقف بعرفات ولم يأت بأفعال العمرة فهو رافض لعمرته لأنه تعذر عليه أداؤها إذ هي مبنية على الحج غير مشروعة فإن توجه إليها لم يكن رافضا حتى يقف وقد ذكرناه من قبل فإن طاف للحج ثم أحرم بعمرة فمضى عليهما لزماه وعليه دم لجمعه بينهما لأن الجمع بينهما مشروع على ما مر فصح الإحرام بهما والمراد بهذا الطواف طواف التحية وأنه سنة وليس بركن حتى لا يلزمه بتركه شيء وإذا لم يأت بما هو ركن يمكنه أن يأتي بأفعال العمرة ثم بأفعال الحج فلهذا لو مضى عليهما جاز وعليه دم لجمعه بينهما وهو دم كفارة وجبر هو الصحيح لأنه بان أفعال العمرة على أفعال الحج من وجه ويستحب أن يرفض عمرته لأن إحرام الحج قد تأكد بشيء من أعماله بخلاف ما إذا لم يطف للحج وإذا رفض عمرته بقضيها لصحة الشروع فيها وعليه دم لرفضها
ومن أهل بعمرة في يوم النحر أو في ايام التشريق لزمته لما قلنا ويرفضها أي يلزمه الرفض لأنه قد أدى ركن الحج فيصير بانيا أفعال العمرة على أفعال الحج من كل وجه وقد كرهت العمرة في هذه الأيام أيضا على ما نذكر فلهذا يلزمه رفضها فإن رفضها فعليه دم لرفضها وعمرة مكانها لما بينا فإن مضى عليها أجزأه لأن الكراهة لمعنى في غيرها وهو كونه مشغولا في هذه الأيام بأداء بقية أعمال الحج فيجب تخليص الوقت له تعظيما وعليه دم لجمعه بينهما إما في الإحرام أو في الأعمال الباقية قالوا وهذا دم كفارة أيضا وقيل إذا حلق للحج ثم أحرم لا يرفضها على ظاهر ما ذكر في الأصل وقيل يرفضها احترازا عن النهي قال الفقيه أبو جعفر ومشايخنا رحمهم الله تعالى فإن فاته الحج ثم أحرم بعمرة أو بحجة فإنه يرفضها لأن فائت الحج يتحلل بأفعال العمرة من غير أن ينقلب إحرامه إحرام العمرة على ما يأتيك في باب الفوات إن شاء الله فيصير جامعا بين العمرتين من حيث الأفعال فعليه أن يرفضها كما لو أحرم بعمرتين وإن أحرم بحجة يصير جامعا بين الحجتين إحراما فعليه أن يرفضها كما لو أحرم بحجتين وعليه قضاؤها لصحة الشروع فيها ودم لرفضها بالتحلل قبل أوانه والله أعلم 2 باب الإحصار 2 وإذا أحصر المحرم بعدو أو أصابه مرض فمنعه من المضي جاز له التحلل وقال الشافعي رحمه الله لا يكون الإحصار إلا بالعدو لأن التحلل بالهدي شرع في حق المحصر لتحصيل النجاة وبالإحلال ينجو من العدو لا من المرض ولنا أن آية الإحصار وردت في الإحصار بالمرض بإجماع أهل اللغة فإنهم قالوا الإحصار بالمرض والحصر بالعدو والتحلل قبل أوانه لدفع الحرج الآتي من قبل امتداد الإحرام والحرج في الاصطبار عليه مع المرض أعظم وإذا جاز له التحلل يقال له ابعث شاة تذبح في الحرم وواعد من تبعثه بيوم بعينه يذبح فيه ثم تحلل وإنما يبعث إلى الحرم لأن دم الإحصار قربة والإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان أو مكان على ما مر فلا يقع قربة دونه فلا يقع به التحلل وإليه الإشارة بقوله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فإن الهدي اسم لما يهدى إلى الحرم وقال الشافعي رحمه الله لا يتوقت به لأنه شرع رخصة والتوقيت يبطل التخفيف قلنا المراعى أصل التخفيف لا نهايته وتجوز الشاة لأن المنصوص عليه الهدي والشاة أدناه وتجزيه البقرة والبدنة أو سبعهما كما في الضحايا وليس المراد بما ذكرنا بعث الشاة بعينها لأن ذلك قد يتعذر بل له أن يبعث بالقيمة حتى تشترى الشاة هنالك وتذبح عنه وقوله ثم تحلل إشارة إلى أنه ليس عليه الحلق أو التقصير وهو قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف عليه ذلك ولو لم يفعل لا شيء عليه لأنه عليه الصلاة والسلام حلق عام الحديبية وكان محصرا بها وأمر أصحابه رضي الله عنهم بذلك ولهما أن الحلق إنما عرف قربة مرتبا على أفعال الحج فلا يكون نسكا قبلها وفعل النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه ليعرف استحكام عزيمتهم على الانصراف قال وإن كان قارنا بعث بدمين لاحتياجه إلى التحلل من إحرامين فإن بعث بهدي واحد ليتحلل عن الحج ويبقى في إحرام العمرة لم يتحلل عن واحد منهما لأن التحلل منهما شرع في حالة واحدة ولا يجوز ذبح دم الإحصار إلا في الحرم ويجوز ذبحه قبل يوم النحر عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا يجوز الذبح للمحصر بالحج إلا في يوم النحر ويجوز للمحصر بالعمرة متى شاء اعتبارا بهدي المتعة والقران وربما يعتبر أنه بالحلق إذ كل واحد منهما محلل ولأبي حنيفة رحمه الله أنه دم كفارة حتى لا يجوز الأكل منه فيختص بالمكان دون الزمان كسائر دماء الكفارات بخلاف دم المتعة والقران لأنه دم نسك وبخلاف الحلق لأنه في أوانه لأن معظم أفعال الحج وهو الوقوف ينتهي به
قال والمحصر بالحج إذا تحلل فعليه حجة وعمرة هكذا روي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم ولأن الحجة يجب قضاؤها لصحة الشروع فيها والعمرة لما أنه في معنى فائت الحج وعلى المحصر بالعمرة القضاء والإحصار عنها يتحقق عندنا وقال مالك رحمه الله لا يتحقق لأنها لا تتوقت ولنا أن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضي الله عنهم أحصروا بالحديبية وكانوا عمارا ولأن شرع التحلل لدفع الحرج وهذا موجود في إحرام العمرة وإذا تحقق الإحصار فعليه القضاء إذا تحلل كما في الحج وعلى القارن حجة وعمرتان أما الحج وإحداهما فلما بينا وأما الثانية فلأنه خرج منها بعد صحة الشروع فيها فإن بعث القارن هديا وواعدهم أن يذبحوه في يوم بعينه ثم زال الإحصار فإن كان لا يدرك الحج والهدي لا يلزمه أن يتوجه بل يصبر حتى يتحلل بنحر الهدي لفوات المقصود من التوجه وهو أداء الأفعال وإن توجه ليتحلل بأفعال العمرة له ذلك لأنه فائت الحج وإن كان يدرك الحج والهدي لزمه التوجه لزوال العجز قبل حصول المقصود بالخلف وإذا أدرك هدية صنع به ما شاء لأنه ملكه وقد كان عينه لمقصود استغنى عنه وإن كان يدرك الهدي دون الحج يتحلل لعجزه عن الأصل وإن كان يدرك الحج دون الهدي جاز له التحلل استحسانا وهذا التقسيم لا يستقيم على قولهما في المحصر بالحج لأن دم الإحصار عندهما يتوقت بيوم النحر فمن يدرك الحج يدرك الهدي وإنما يستقيم على قول أبي حنيفة رحمه الله وفي المحصر بالعمرة يستقيم بالاتفاق لعدم توقت الدم بيوم النحر وجه القياس وهو قول زفر رحمه الله أنه قدر على الأصل وهو الحج قبل حصول المقصود بالبدل وهو الهدي وجه الاستحسان أنا لو ألزمناه التوجه لضاع ماله لأن المبعوث على يديه الهدي يذبحه ولا يحصل مقصوده وحرمة المال كحرمة النفس وله الخيار إن شاء صبر في ذلك المكان أو في غيره ليذبح عنه فيتحلل وإن شاء توجه ليؤدي النسك الذي التزمه بالإحرام وهو أفضل لأنه أقرب إلى الوفاء بما وعد ومن وقف بعرفة ثم أحصر لا يكون محصرا لوقوع الأمن عن الفوات ومن أحصر بمكة وهو ممنوع عن الطواف والوقوف فهو محصر لأنه تعذر عليه الإتمام فصار كما إذا أحصر في الحل وإن قدر على أحدهما فليس بمحصر أما على الطواف فلأن فائت الحج يتحلل به والدم بدل عنه في التحلل وأما على الوقوف فلما بينا وقد قيل في هذه المسئلة خلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله والصحيح ما أعلمتك من التفصيل والله تعالى أعلم 2 باب الفوات 2 ومن أحرم بالحج وفاته الوقوف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج لما ذكرنا أن وقت الوقوف يمتد إليه وعليه أن يطوف ويسعى ويتحلل ويقضي الحج من قابل ولا دم عليه لقوله عليه الصلاة والسلام من فاته عرفة بليل فقد فاته الحج فليتحلل بعمرة وعليه الحج من قابل والعمرة ليست إلا الطواف والسعي ولأن الإحرام بعدما انعقد صحيحا لا طريق للخروج عنه إلا بأداء أحد النسكين كما في الإحرام المبهم وههنا عجز عن الحج فتتعين عليه العمرة ولا دم عليه لأن التحلل وقع بأفعال العمرة فكانت في حق فائت الحج بمنزلة الدم في حق المحصر فلا يجمع بينهما والعمرة لا تفوت وهي جائزة في جميع السنة إلا خمسة أيام يكره فيها فعلها وهي يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق لما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تكره العمرة في هذه الأيام الخمسة ولأن هذه الأيام أيام الحج فكانت متعينة له وعن أبي يوسف رحمه الله أنها لا تكره في يوم عرفة قبل الزوال لأن دخول وقت ركن الحج بعد الزوال لا قبله والأظهر من المذهب ما ذكرناه ولكن مع هذا لو أداها في هذه الأيام صح ويبقى محرما بها فيها لأن الكراهة لغيرها وهو تعظيم أمر الحج وتخليص وقته له فيصح الشروع
والعمرة سنة وقال الشافعي رحمه الله فريضة لقوله عليه الصلاة والسلام العمرة فريضة كفريضة الحج ولنا قوله عليه الصلاة والسلام الحج فريضة والعمرة تطوع ولأنها غير موقتة بوقت وتتأدى بنية غيرها كما في فائت الحج وهذا أمارة النفلية وتأويل ما رواه أنها مقدرة بأعمال الحج إذ لا تثبت الفرضية مع التعارض في الآثار قال وهي الطواف والسعي وقد ذكرناه في باب التمتع والله أعلم بالصواب 2 باب الحج عن الغير 2 الأصل في هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوما أو صدقة أو غيرها عند أهل السنة والجماعة لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته ممن أقر بوحدانية الله تعالى وشهد له بالبلاغ جعل تضحية إحدى الشاتين لأمته والعبادات أنواع مالية محضة كالزكاة وبدنية محضة كالصلاة ومركبة منهما كالحج والنيابة تجري في النوع الأول في حالتي الاختيار والضرورة لحصول المقصود بفعل النائب ولا تجري في النوع الثاني بحال لأن المقصود وهو إتعاب النفس لا يحصل به وتجري في النوع الثالث عند العجز للمعنى الثاني وهو المشقة بتنقيص المال ولا تجري عند القدرة لعدم إتعاب النفس والشرط العجز الدائم إلى وقت الموت لأن الحج فرض العمر وفي الحج النفل تجوز الإنابة حالة القدرة لأن باب النفل أوسع ثم ظاهر المذهب أن الحج يقع عن المحجوج عنه وبذلك تشهد الأخبار الواردة في الباب كحديث الخثعمية فإنه عليه الصلاة والسلام قال فيه حجي عن أبيك واعتمري وعن محمد رحمه الله أن الحج يقع عن الحاج وللآمر ثواب النفقة لأنه عبادة بدنية وعند العجز أقيم الإنفاق مقامه كالفدية في باب الصوم قال ومن أمره رجلان بأن يحج عن كل واحد منها حجة فأهل بحجة عنهما فهي عن الحاج ويضمن النفقة لأن الحج يقع عن الأمر حتى لا يخرج الحاج عن حجة الإسلام وكل واحد منهما أمره أن يخلص الحج له من غير اشتراك ولا يمكن إيقاعه عن أحدهما لعدم الأولوية فيقع عن المأمور ولا يمكنه أن يجعله عن أحدهما بعد ذلك بخلاف ما إذا حج عن أبويه فإن له أن يجعله عن أيهما شاء لأنه متبرع بجعل ثواب عمله لأحدهما أو لهما فيبقى على خياره بعد وقوعه سببا لثوابه وهنا يفعل بحكم الآمر وقد خالف أمرهما فيقع عنه ويضمن النفقة إن أنفق من مالهما لأنه صرف نفقة الآمر إلى حج نفسه وإن أبهم الإحرام بأن نوى عن أحدهما غير عين فإن مضى على ذلك صار مخالفا لعدم الأولوية وإن عين أحدهما قبل المضي فكذلك عند أبي يوسف رحمه الله وهو القياس لأنه مأمور بالتعيين والإبهام يخالفه فيقع عن نفسه بخلاف ما إذا لم يعين حجة أو عمرة حيث كان له أن يعين ما شاء لأن الملتزم هناك كمجهول وههنا المجهول من له الحق وجه الاستحسان أن الإحرام شرع وسيلة إلى الأفعال لا مقصودا بنفسه والمبهم يصلح وسيلة بواسطة التعيين فاكتفي به شرطا بخلاف ما إذا أدى الأفعال على الإبهام لأن المؤدي لا يحتمل التعيين فصار مخالفا قال فإن أمره غيره أن يقرن عنه فالدم على من أحرم لأنه وجب شكرا لما وفقه الله تعالى من الجمع بين النسكين والمأمور هو المختص بهذه النعمة لأن حقيقة الفعل منه وهذه المسئلة تشهد بصحة المروي عن محمد رحمه الله أن الحج يقع عن المأمور وكذلك إن أمره واحد بأن يحج عنه والآخر بأن يعتمر عنه وأذنا له بالقران فالدم عليه لما قلنا ودم الإحصار على الآمر وهذا عند أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف على الحاج لأنه وجب للتحلل دفعا لضرر امتداد الإحرام وهذا الضرر راجع إليه فيكون الدم عليه ولهما أن الآمر هو الذي أدخله في هذه العهدة فعليه خلاصه فإن كان يحج عن ميت فأحصر فالدم في مال الميت عندهما خلافا لأبي يوسف رحمه الله ثم قيل هو من ثلث مال الميت لأنه صلة كالزكاة وغيرها وقيل من جميع المال لأنه وجب حقا للمأمور فصار دينا
ودم الجماع على الحج لأنه دم جناية وهو الجاني عن اختيار ويضمن النفقة معناه إذا جامع قبل الوقوف حتى فسد حجه لأن الصحيح هو ا لمأمور به بخلاف ما إذا فاته الحج حيث لا يضمن النفقة لأنه ما فاته باختياره أما إذا جامع بعد الوقوف لا يفسد حجه ولا يضمن النفقة لحصول مقصود الآمر وعليه الدم في ماله لما بينا وكذلك سائر دماء الكفارات على الحج لما قلنا ومن أوصى بأن يحج عنه فأحجوا عنه رجلا فلما بلغ الكوفة مات أو سرقت نفقته وقد أنفق النصف يحج عن الميت من منزله بثلث ما بقي وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا يحج عنه من حيث مات الأول فالكلام ههنا في اعتبار الثلث وفي مكان الحج أما الأول فالمذكور قول أبي حنيفة رحمه الله أما عند محمد يحج عنه بما بقي من المال المدفوع إليه إن بقي شيء وإلا بطلت الوصية اعتبارا بتعيين الموصي إذ تعيين الوصي كتعيينه وعند أبي يوسف رحمه الله يحج عنه بما بقي من الثلث الأول لأنه هو المحل لنفاذ الوصية لأبي حنيفة أن قسمة الوصي وعزله المال لا يصح إلا بالتسليم إلى الوجه الذي سماه الموصي لأنه لا خصم له ليقبض ولم يوجد التسليم إلى ذلك ا لوجه فصار كما إذا هلك قبل الإفراز والعزل فيحج بثلث ما بقي وأما الثاني فوجه قول أبي حنيفة رحمه الله وهو القياس أن القدر الموجود من السفر قد بطل في حق أحكام الدنيا قال عليه الصلاة والسلام إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث الحديث وتنفيذ الوصية من أحكام الدنيا فبقيت الوصية من وطنه كأن لم يوجد الخروج وجه قولهما وهو الإستحسان أن سفره لم يبطل لقوله تعالى ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله الآية وقال عليه الصلاة والسلام من مات في طريق الحج كتب له حجة مبرورة في كل سنة وإذا لم يبطل سفره اعتبرت الوصية من ذلك المكان وأصل الاختلاف في الذي يحج بنفسه وينبني على ذلك المأمور بالحج قال ومن أهل بحجة عن أبويه يجزئه أن يجعله عن أحدهما لأن من حج عن غيره بغير إذنه فإنما يجعل ثواب حجه له وذلك بعد أداء الحج فلغت نيته قبل أدائه وصح جعله ثوابه لأحدهما بعد الأداء بخلاف المأمور على ما فرقنا من قبل والله تعالى أعلم بالصواب 2 باب الهدي 2 الهدي أدناه شاة لما روي أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن الهدي فقال أدناه شاة قال وهو من ثلاثة أنواع الإبل والبقر والغنم لأنه عليه الصلاة والسلام لما جعل الشاة أدنى فلا بد أن يكون له أعلى وهو البقر والجزور ولأن الهدي ما يهدى إلى الحرم ليتقرب به فيه والأصناف الثلاثة سواء في هذا المعنى ولا يجوز في الهدايا إلا ما جاز في الضحايا لأنه قربة تعلقت بإراقة الدم كالأضحية فيتخصصان بمحل واحد والشاة جائزة في كل شيء إلا في موضعين من طاف طواف الزيارة جنبا ومن جامع بعد الوقوف بعرفة فإنه لا يجوز فيهما إلا البدنة وقد بينا المعنى فيما سبق ويجوز الأكل من هدي التطوع والمتعة والقران لأنه دم نسك فيجوز الأكل منها بمنزلة الأضحية وقد صح أن النبي عليه الصلاة والسلام أكل من لحم هديه وحسا من المرقة ويستحب له أن يأكل منها لما روينا وكذلك يستحب أن يتصدق على الوجه الذي عرف في الضحايا ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا لأنها دماء كفارات وقد صح أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أحصر بالحديبية وبعث الهدايا على يدي ناجية الأسلمي قال له لا تأكل أنت ورفقتك منها شيئا
ولا يجوز ذبح هدي التطوع والمتعة والقران إلا في يوم النحر قال العبد الضعيف وفي الأصل يجوز ذبح دم التطوع قبل يوم النحر وذبحه يوم النحر أفضل وهذا هو الصحيح لأن القربة في التطوعات باعتبار أنها هدايا وذلك يتحقق بتبليغها إلى الحرم فإذا وجد ذلك جاز ذبحها في غيره يوم النحر وفي أيام النحر أفضل لأن معنى القربة في إراقة الدم فيها أظهر أما دم المتعة والقران فلقوله تعالى فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وقضاء التفث يختص بيوم النحر ولأنه دم نسك فيختص بيوم النحر كالأضحية ويجوز ذبح بقية الهدايا في أي وقت شاء وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز إلا في يوم النحر اعتبارا بدم المتعة والقران فإن كل واحد دم جبر عنده ولنا أن هذه دماء كفارات فلا تختص بيوم النحر لأنها لما وجبت لجبر النقصان كان التعجيل بها أولى لارتفاع النقصان به من غير تأخير بخلاف دم المتعة والقران لأنه دم نسك قال ولا يجوز ذبح الهدايا إلا في الحرم لقوله تعالى في جزاء الصيد هديا بالغ الكعبة فصار أصلا في كل دم هو كفارة ولأن الهدي اسم لما يهدى إلى مكان ومكانه الحرم قال عليه الصلاة والسلام منى كلها منحر وفجاج مكة كلها منحر ويجوز أن يتصدق بها على مساكين الحرم وغيرهم خلافا للشافعي رحمه الله لأن الصدقة قربة معقولة والصدقة على كل فقير قربة قال ولا يجب التعريف بالهدايا لأن الهدي ينبئ عن النقل إلى مكان ليتقرب بإراقة دمه فيه لا عن التعريف فلا يجب فإن عرف بهدي المتعة فحسن لأنه يتوقت بيوم النحر فعسى أن لا يجد من يمسكه فيحتاج إلى أن يعرف به ولأنه دم نسك فيكون مبناه على التشهير بخلاف دماء الكفارات لأنه يجوز ذبحها قبل يوم النحر على ما ذكرنا وسببها الجناية فيليق بها الستر قال والأفضل في البدن النحر وفي البقر والغنم الذبح لقوله تعالى فصل لربك وانحر قيف في تأويله الجزور وقال الله تعالى أن تذبحوا بقرة وقال الله تعالى وفديناه بذبح عظيم والذبح ما أعد للذبح وقد صح أن النبي عليه الصلاة والسلام نحر الإبل وذبح البقر والغنم إن شاء نحر الإبل في الهدايا قياما أو أضجعها وأي ذلك فعل فهو حسن والأفضل أن ينحرها قياما لما روي أنه عليه الصلاة والسلام نحر الهدايا قياما وأصحابه رضي الله عنهم كانوا ينحرونها قياما معقولة اليد اليسرى ولا يذبح البقر والغنم قياما لأن في حالة الاضطجاع المذبح أبين فيكون الذبح أيسر والذبح هو السنة فيهما قال والأولى أن يتولى ذبحها بنفسه إذا كان يحسن ذلك لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام ساق مائة بدنة في حجة الوداع فنحر نيفا وستين بنفسه وولى الباقي عليا رضي الله عنه ولأنه قربة والتولي في القربات أولى لما فيه من زيادة الخشوع إلا أن الإنسان قد لا يهتدي لذلك ولا يحسنه فجوزنا توليته غيره قال ويتصدق بجلالها وخطامها ولا يعطي أجرة الجزار منها لقوله عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه تصدق بجلالها وبخطمها ولا تعطي أجرة الجزار منها ومن ساق بدنة فاضطر إلى ركوبها ركبها وإن استغنى عن ذلك لم يركبها لأنه جعلها خالصة لله تعالى فلا ينبغي أن يصرف شيئا من عينها أو منافعها إلى نفسه إلى أن يبلغ محله إلا أن يحتاج إلى ركوبها لما روي أنه عليه الصلاة والسلام رأى رجلا يسوق بدنة فقال اركبها ويلك وتأويله أنه كان عاجزا محتاجا ولو ركبها فانتقص بركوبه فعليه ضمان ما نقص من ذلك وإن كان لها لبن لم يحلبها لأن اللبن متولد منها فلا يصرفه إلى حاجة نفسه وينضح ضرعها بالماء البارد حتى ينقطع اللبن ولكن هذا إذا كان قريبا من وقت الذبح فإن كان بعيدا منه يحلبها ويتصدق بلبنها كيلا يضر ذلك بها وإن صرفه إلى حاجة نفسه تصدق بمثله أو بقيمته لأنه مضمون عليه