Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
ثم الصوم الواجب يقسم ثلاثة وسبعة ، فالثلاثة يصومها في الحج ، ولا يجوز تقديمها على الإحرام بالحج ، ولا يجوز صوم شيء منها يوم النحر ، وفي أيام التشريق قولان سبقا في كتاب الصيام ، ويستحب صوم جميع الثلاثة قبل يوم عرفة ، لأنه يستحب للحاج فطر يوم عرفة وأما : قول المصنف : يكره صومه فخلاف عبارة الجمهور كما سبق في بابه ، وإنما يمكنه هذا إذا تقدم إحرامه بالحج على اليوم السادس من ذي الحجة . وقال أصحابنا : يستحب للمتمتع الذي هو من أهل الصوم أن يحرم بالحج قبل السادس . وحكى الحناطي وجها أنه إذا لم يتوقع هديا وجب تقديم الإحرام بالحج على السابع ، ليمكنه صوم الثلاثة قبل يوم النحر والمذهب : أنه مستحب لا واجب وأما : واجب الهدي فيستحب أن يحرم بالحج يوم التروية ، وهو الثامن من ذي الحج ، وقد سبق بيانه قريبا ولا يجوز تأخير الثلاثة ولا شيء منها عن يوم عرفة ، نص عليه الشافعي في المختصر ، وتابعه الأصحاب ، ودليله قوله تعالى : ثلاثة أيام في الحج . قال أصحابنا : وإذا فات صوم الثلاثة في الحج لزمه قضاؤها ، ولا دم عليه ، وخرج ابن سريج وأبو إسحاق المروزي قولا أنه يسقط الصوم ويستقر الهدي في ذمته ، حكاه الشيخ أبو حامد والماوردي وآخرون عن أبي إسحاق ، وحكاه المحاملي وابن الصباغ وآخرون عنهما ، والمذهب الأول ، قال أصحابنا : ويحصل فواتها بفوات يوم عرفة إن قلنا : لا يجوز صوم أيام التشريق ، وإن جوزناه حصل الفوات بخروج أيام التشريق ، ولا خلاف أنها تفوت بخروج أيام التشريق حتى لو تأخر طواف الزيارة عن أيام التشريق كان يعد قي الحج ، وكان صوم الثلاثة بعد التشريق قضاء وإن بقى الطواف ، لأن تأخيره بعيد في العادة فلا يحمل على قول الله تعالى ثلاثة في الحج : هكذا ذكره إمام الحرمين وآخرون ، وحكى البغوي فه وجها آخر ، قال أصحابنا : فإن قلنا : أيام التشريق يجوز له صومها فصامها كان صومها أداء والله أعلم . وأما : السبعة فوقتها إذا رجع ، وفي المراد بالرجوع قولان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : عند الأصحاب الرجوع إلى أهله ووطنه ، نص عليه الشافعي في المختصر وحرملة والثاني : أنه الفراغ من الحج ، وهو نصه في الإملاء فإذا قلنا : بالوطن فالمراد به كل ما يقصد استيطانه بعد فراغه من الحج ، سواء كان بلده الأول أم غيره . قال أصحابنا : فلو أراد أن يتوطن مكة بعد فراغه من الحج صام بها ، وإن لم يتوطنها لم يصح صومه بها ، وهل يجوز في الطريق وهو متوجه إلى وطنه فيه طريقان أصحهما : القطع بأنه لا يجوز ، وبه قطع العراقيون والثاني : فيه وجهان أصحهما : لا يجوز ، لأنه قبل وقته والثاني : يجوز ، لأنه يسمى راجعا . حكاه الخراسانيون . وإن قلنا : المراد بالرجوع الفراغ فأخره حتى رجع إلى وطنه جاز ، وهل هو أفضل أم التقديم فيه قولان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : التأخير أفضل ، ولا يجوز صوم شيء من السبع في أيام التشريق ، وإن جوزنا صيامها لغيره فهذا لا خلاف فيه ، لأنه لا يسمى راجعا ، ولأنه يعد في الحجج وإن تحلل .
وحكى الخراسانيون قولا أن المراد بالرجوع الرجوع إلى مكة من منى ، وجعل إمام الحرمين والغزالي هذا قولا غير قول الفراغ من الحج ، قال الرافعي : ومقتضى كلام كثير من الأصحاب أنهما شيء واحد ، قال : وهو الأشبه ، قال : وعلى تقدير كونه قولا آخر يتفرع عليه أنه لو رجع من منى إلى مكة صح صومه ، وإن تأخر طواف الوداع ، وهذا الذي قاله الرافعي عجب ، فإن الرجوع إلى مكة غير الفراغ فقد يفرغ ويتأخر عن مكة يوما أو أياما بعد التشريق . وذكر الماوردي خلافا في معنى نصه في الإملاء قال : قال أصحابنا البصريون : مذهبه في الإملاء أنه يصومها بعد رجوعه من مكة إلى وطنه ، ولا يجوز صومها في مكة قبل خروجه ، قال : أصحابنا البغداديون : مذهبه في الإملاء أنه يصومها إذا رجع إلى مكة من منى بعد فراغ مناسكه ، سواء أقام بمكة أو خرج منها ، وهذا الخلاف الذي حكاه الماوردي حكاه أيضا صاحب الشامل وآخرون فحصل في المراد بالرجوع أربعة أقوال : أصحهما : إذا رجع إلى أهله والثاني : إذا توجه من مكة راجعا إلى أهله والثالث : إذا رجع من منى إلى مكة والرابع : إذا فرغ من أفعال الحج وإن لم يرجع إلى مكة والله أعلم . وأما : من بقي عليه طواف الإفاضة فلا يجوز صيامه ، سواء قلنا : الرجوع إلى أهله أم الفراغ ، سواء كان بمكة أو في غيرها ، وحكى الدارمي فيه وجها ضعيفا أنه يجوز إذا قنا الرجوع الفراغ . قال أصحابنا : وإذا لم يصم الثلاثة في الحج ورجع ، لزمه صوم العشرة ، فالثلاثة قضاء والسبعة أداء ، وفي الثلاثة القول المخرج السابق أنه لا يصومها ، بل تستقر الهدي في ذمته ، فعلى المذهب هل يجب التفريق بين الثلاثة والسبعة فيه قولان ، وقيل وجهان ، وهما مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : عند المصنف والجمهور : يجب ، قال صاحب الشامل : وهذا الوجه قال أكثر أصحابنا ، ممن صرح بتصحيحه المصنف والماوردي وأصحهما : عند إمام الحرمين لا يجب فعلى الأول هل يجب التفريق بقدر ما يكون تفريق الأداء فيه قولان أحدهما : لا ، بل يكفي التفريق بيوم ، نص عليه الشافعي في الإملاء وبه قال أبو سعيد الإصطخري وأصحهما : يجب ، وفي قدره أربعة أقوال تتولد من أصلين سبقا ، وهما صوم المتمتع أيام التشريق ، وأن الرجوع من ماذا . فإن قلنا : بالأصح إن المتمتع ليس له صوم أيام التشريق ، وأن الرجوع رجوعه إلى الوطن فالتفريق بأربعة أيام ، ومدة إمكان السير إلى أهله على العادة الغالبة ، وبهذاا حزم المصنف وغيره وإن قلنا : له صومها ، والرجوع هو الرجوع إلى الوطن ، فالتفريق بمدة إمكان السير فقط وإن قلنا : له صومها والرجوع الفراغ فوجهان أصحهما : لا يجب التفريق ، لأنه ليس في الأداء تفريق ، وبه قطع صاحبا الشامل والبيان والثاني : يجب التفريق بيوم ، لأن التفريع كله على وجوب التفريق .
فإن أردت اختصار الأقوال التي تجيء فيمن لم يصم الثلاثة في الحج كانت ستة إحداها : لا صوم بل ينتقل إلى الهدي والثاني : عليه صوم عشرة أيام متفرقة أو متتابعة والثالث : عشرة ويفرق بيوم فصاعدا والرابع : يفرق بأربعة فقط والخامس : يفرق بمدة إمكان السير والسادس : بأربعة ومدة إمكان السير ، وهذا أصحها فلو صام عشرة متوالية وقلنا بالمذهب : وهو وجوب قضاء الثلاثة أجزأه إن لم نشترط التفريق ، فإن شرطناه واكتفينا بالتفريق بيوم لم يعتد باليوم الرابع ، ويستحب ما بعده ، فيصوم يوما آخر ، هذا هو الصحيح المشهور ، وفي وجه لا يعتد بشيء سوى الثلاثة حكاه الفوراني وآخرون ، وفي وجه الإصطخري لا يعتد بالثلاثة أيضا إذا نوى السابع ، وهما شاذان ضعيفان ، وممن حكى هذا الأخير الدارمي والمارودي والرافعي وآخرون . قال الماوردي : هذا الذي قاله الإصطخري غلط فاحش ، لأن تفريق الصوم ومتابعته يتعلق بالفعل لا بالنية ، ولأن فساد بعض الأيام لا يلزم منه فساد غيره فلا يجوز إفساد الثلاثة لفساد السبعة ، قال أصحابنا : وإن شرطنا التفريق بأكثر من يوم لم يعتد بذلك القدر . هكذا ذكر الأصحاب هذا التفصيل وقال صاحب البيان بعد أن نقل هذا عن الأصحاب : ينبغي أن يقال في القول الأخير يفرق بقدر مدة السير وثلاثة أيام لا أربعة ، وفي القول الخامس بقدر مدة السير إلا يوما ، واستدل له بما لا دلالة فيه . قال صاحب الشامل والأصحاب : قال الشافعي في الإملاء : أقل ما يفرق بينهما بيوم ، قالوا : واختلف أصحابنا في معناه فقال أبو إسحق : هذا تفريع على جواز صيام أيام التشريق عن كل صوم له سبب ، لأنه كان يمكنه أن يفرغ من الثلاثة يوم عرفة ويفطر يوم النحر ، ثم يصوم التشريق عن سبعة . قال صاحب الشامل : وهذا الوجه خطأ فاحش من قائله ، لأن صوم السبعة لا يجوز في أيام التشريق بالإجماع ، لأنه إنما يجوز بعد فراغ الحج أو بعد الرجوع إلى أهله ، ومن أصحابنا من قال : هذا قول للشافعي مستقل ليس مبنيا على شيء ، لأن الله تعالى أمر بالتفريق بينهما والتفريق يحصل بيوم ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : كل واحد من صوم الثلاثة والسبعة لا يجب التتابع فيه ، لكي يستحب ، هكذا صرح به صاحب الشامل والجمهور ، وقال الدارمي : في وجوب التتابع في كل واحد منهما وجهان ، وحكى الماوردي والرافعي وغيرهما في وجوب التتابع قولا مخرجا من كفارة اليمين ، وهو شاذ ضعيف والمذهب ما سبق . فرع : ينوي بهذا الصوم صوم التمتع ، وإن كان قارنا نوى صوم القران ، وإذا صام الثلاثة في الحج والسبعة بعد الرجوع لم يلزمه نية التفرقة . هذا هو المذهب ، وحكي الدارمى فيه طريقين أحدهما : هذا والثاني : في وجوبه وجهان حكاه عن حكاية ابن القطان ، والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن دخل في الصوم ثم وجد الهدي فالأفضل أن يهدي ولا يلزمه ، وقال المزني : يلزمه كالمتيمم إذا رأى الماء وإن وجد الهدي بعد الإحرام بالحج وقبل الدخول في الصوم ، فهو مبني على الأقوال الثلاثة في الكفارات أحدها : إن الاعتبار بحال الوجوب ففرضه الصوم والثاني : الاعتبار بحال الأداء ففرضه الهدي والثالث : الاعتبار بأغلط الحالين ففرضه الهدى . + الشرح : قال الشافعي والأصحاب : إذا شرع في صوم التمتع الثلاثة أو السبعة ثم وجد الهدي لم يلزمه ، لكن يستحب أن يهدي ، وبمذهبنا قال مالك وأحمد وداود ، وقال المزني : يلزمه ، وقال أبو حنيفة : يلزمه إن وجده في الثلاثة ولا يلزمه في السبعة ، والخلاف شبيه بالخلاف بين الشافعي وبينهما في رؤية المسافر في أثناء صلاته بالتيمم ، وسبق بيانه بدلائله ، وإن أحرم بالحج ولا هدي ثم وجده قبل شروعه في الصوم قال المصنف والأصحاب : ينبنى على أن الاعتبار في الكفارة بماذا وفيها الأقوال التي ذكرها المصنف وأصحها : الاعتبار بوقت الأداء فيلزمه الهدي ، وهو نص الشافعي في هذه المسألة .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجب على القارن دم لأنه روى ذلك عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم ، ولأنه إذا وجب على المتمتع لأنه جمع بين النسكين في وقت أحدهما فلأن يجب على القارن وقد جمع بينهما في الإحرام أولى ، وإن لم يجد الهدي فعليه صوم التمتع ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع على ما بيناه . + الشرح : قال الشافعي والأصحاب : يلزمن القارن دم بلا خلاف ، لما ذكره المصنف ، فإن لم يجد الهدي فعليه صوم التمتع كما سبق تفصيله وتفريعه وهذا الدم شاة كدم التمتع كما سبق . هكذا ذكره الشافعي والأصحاب في جميع الطرق إلا الحناطي والرافعي ، فحكيا قولا قديما أنه بدنة ، وهو مذهب الشافعي . وقال طاوس وحكاه العبدري عن الحسن ابن علي وابن سريج وهو مذهب داود وابنه أبي بكر محمد بن داود : لا دم عليه ، وبالشاة قال مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء ، قال العبدري : هو قول العلماء كافة سوى من ذكرنا . وقال الشافعي في المختصر : القارن أخف حالا من المتمتع ، قال أصحابنا : يحتمل أنه أراد بهذا الرد على الشعبي لأن القارن أحرم بالنسكين من الميقات بخلاف المتمتع فإذا كفى المتمتع شاة فالقارن أولى ، قالوا : ويجتمل أنه رد على طاوس لأن القارن أقل فعلا من المتمتع ، فإذا لزم المتمتع الدم فالقارن أولى ، وهذان التأويلان مشهوران ذكرهما القاضي أبو الطيب في كتابيه ، والمارودي والمحاملي وابن الصباغ وسائر شراح المختصر ، قال الماوردي : التأويل الأول هو نصه في القديم والثاني هو نصه في الجديد . فرع : قال الشافعي في المختصر : فإن مات المتمتع قبل أن يصوم عما فاته صومه عن كل يوم بمد من حنطة ، هذا نصه ، وقال في الأم إذا أحرم المتمتع بالحج لزمه الهدي ، فإن لم يجد فعليه الصيام ، فإن مات من ساعته ففيه قولان أحدهما : يهدي عنه والثاني : لا هدي ولا إطعام . هذا نصه في الأم ، قال أصحابنا في شرح هذه المسألة : إذا مات المتمتع بعد فراغه من الحج وهو واجد للهدي ، ولم يكن أخرجه وجب إخراجه من تركته بلا خلاف كسائر الديون المستقرة ، وإن مات في أثناء الحج فقولان مشهوران أصحهما : لا يسقط الدم لأنه وجب بالإحرام بالحج فلا يسقط ، فيجب إخراجه من تركته ، كما لو مات وعليه دم الوطء في الإحرام أو دم اللباس وغيره والثاني : يسقط لأنه إنما يجب بالتمتع لتحصيل الحج ، ولم يحصل الحج بتمامه . هكذا أطلق الجمهور صورة القولين فيما إذا مات قبل فراغ الحج وهو موسر ، وذكرهما الماوردي فيمن مات قبل فراغ أركان الحج إشارة إلى أنه لو مات بعد فراغ الأركان وقد بقي الرمى والمبيت لزم الدم قولا واحدا ، وهذا هو الصواب ، وكلام الأصحاب محمول عليه ، لأن الحج قد حصل .
هذا كله فيمن مات وهو واجد الهدي ، فإن مات معسرا فقد مات وفرضه الصوم قال أصحابنا : فإن مات قبل تمكنه منه فقولان أصحهما : يسقط لعدم التمكن كصوم رمضان والثاني : يهدي عنه ، قال أصحابنا : وهذا القول يتصور فيما إذا لم يجد الهدي في موضعه ، وله في بلده مال أو وجده بأكثر من ثمن مثله ، فأما إذا لم يكن له مال أصلا ولم يتمكن من الصوم فيسقط عنه قطعا ، وإن تمكن من الصوم فلم يصم حتى مات ، فهل هو كصوم رمضان فيه طريقان أصحهما : نعم فيصوم عنه وليه على القول القديم ، وفي الجديد يطعم عنه من تركته لكل يوم مد ، فإن كان تمكن من الأيام العشرة وجب عشرة أمداد ، وإلا فبالقسط ، وهل يتعين صرفه إلى فقراء الحرم ومساكينه فيه قولان حكاهما الماوردي وآخرون أحدهما : يتعينون ، فإن فرقت على غيرهم لم يجز ، لأنه مال وجب بالإحرام فتعين لأهل الحرم كالدم وأصحهما : لا يتعينون ، بل يستحب صرفه إليهم فإن صرف إلى غيرهم جاز ، لأن هذا الإطعام بدل عن الصوم الذي لا يختص بالحرم فكذا بدله . والطريق الثاني : لا يكون كصوم رمضان ، فعلى هذا فيه قولان أصحهما : الرجوع إلى الدم لأنه أقرب إلى هذا الصوم من الأمداد ، فيجب في ثلاثة أيام إلى العشرة شاة ، وفي يوم ثلث شاة ، وفي يومين ثلثاها ، وأشار أبو إسحق المروزي إلى أن اليوم واليومين كإتلاف المحرم شعرة أو شعرتين وفي الشعرة ثلاثة أقوال مشهورة أحدها : مد والثاني : درهم والثالث : ثلث شاة ، وغلط أصحابنا أبا إسحق في هذا ، ونقل تغليطه عن الأصحاب صاحب الشامل وغيرهم والقول الثاني : لا يجب شيء أصلا ، وأما المتمكن المذكور فصوم الثلاثة يتمكن منه بأن يحرم بالحج في زمن يسع صومها قبل الفراغ . ولا يكون عارض من مرض وغيره وذكر إمام الحرمين أنه لا يجب شيء في تركته ما لم ينته إلى الوطن ، لأن دوام السفر كدوام المرض ولا يزيد تأكيد الثلاثة على صوم رمضان . وهذا الذي قاله ضعيف ، ون صوم الثلاثة يجب أيقاعه في الحج بالنص ، وإن كان مسافرا فليس السفر عذرا فيه بخلاف رمضان وأما : السبعة فإن قلنا : الرجوع إلى الوطن فلا يمكن قبله وإن قلنا : الفراغ من الحج فلا يمكن قبله ثم دوام السفر عذر ، هكذا قاله الإمام ، وقال القاضي حسين : إذا استحببنا التأخير إلى وصوله الوطن تفريعا على قول الفراغ فهل يهدي عنه إذا مات فيه وجهان . فرع : في مذاهب العلماء في متمتع لم يجد الهدي فانتقل إلى الصوم قد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يجوز أن يصوم إلا بعد إحرامه بالحج ، وبه قال مالك وروى عن ابن عمر وعائشة وإسحق وابن المنذر وقال : أبو حنيفة يجوز في حال العمرة وعن أحمد روايتان كالمذهبين ، دليلنا ما ذكره المصنف . فرع : لو فاته صوم الأيام الثلاثة في الحج لزمه قضاؤها ولا دم عليه هذا مذهبنا المشهور وبه قال مالك . وقال أبو حنيفة : عليه دمان أحدهما للتمتع والثاني لتأخير الصوم . وعن أحمد ثلاث روايات أصحهما : كأبي حنيفة والثانية : دم واحد والثالثة : يفرق بين المعذور وغيره . دليلنا أنه صوم واجب مؤقت ، فإذا فات وجب قضاؤه كرمضان لا غير وأما : صوم السبعة فقد ذكرنا أن الصحيح عندنا أنه يصومها إذا رجع إلى أهله وبه قال ابن عمر وعطاء ومجاهد وقتادة وابن المنذر والثاني : يصومها إذا تحلل من حجه . وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد والله أعلم . قال ابن المنذر : وأجمعوا على أن من وجد الهدي لا يحرم عليه الصوم ، والله أعلم . باب المواقيت
قال المصنف رحمه الله تعالى : ميقات أهل المدينة ذو الحليفة ، وميقات أهل الشام الجحفة ، وميقات أهل نجد قرن ، وميقات أهل اليمن يلملم ، لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ، وأهل الشام من الجحفة ، وأهل نجد من قرن قال ابن عمر رضي الله عنهما : وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يهل أهل اليمن من يلملم وأهل الشام من الجحفة وأما : أهل العراق فميقاتهم ذات عرق ، وهل هو منصوص عليه أو مجتهد فيه قال الشافعي رحمه الله في الأم : هو غير منصوص عليه ووجهه ما روى عن ابن عمر قال : لما فتح المصران أتوا عمر رضي الله عنه قالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نحد قرنا ، وإنما إذا أردنا أن نأتي قرنا شق علينا ، قال : فانظروا حذوها من طريقكم قال : فحد لهم ذات عرق ومن أصحابنا من قال : هو منصوص عليه ومذهبه ما ثبتت به السنة والدليل عليه ما روى جابر بن عبد الله قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يهل أهل المشرق من ذات عرق وروت عائشة رضي الله عنها إن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق قال الشافعي رحمه الله : ولو أهل أهل المشرق من العقيق كان أحب إلي لأنه روى عن ابن عباس قال : وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق العقيق ولأنه أبعد من ذات عرق فكان أفضل . + الشرح : حديث ابن عمر الأول رواه البخاري ومسلم من طرق هكذا ، وروياه من رواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم : وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل نجدة قرن المنازل ، ولأهل اليمن يلملم ، وقال : هن لهن ولكل من أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة ، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة هذا لفظ رواية البخاري ومسلم وفي رواية لهما : فمن كان لأنهن فمهله من أهله ، وكذلك حتى أهل مكة يهلون منها وأما : حديث ابن عمر الثاني : لما فتح المصران إلخ فرواه البخاري في صحيحه . وأما : حديث جابر في ذات عرق فضعيف ، رواه مسلم في صحيحه ، لكنه قال في روايته عن أبي الزبير : أنه سمع جابرا يسأل عن المهل فقال : سمعت أحسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : ومهل أهل العراق من ذات عرق فهذا إسناد صحيح لكنه لم يجزم برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا يثبت رفعه بمجرد هذا ، ورواه ابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد الجوزي بضم الجيم المعجم بإسناده عن جابر مرفوعا بغير شك لكن الحوزي ضعيف لا يحتج بروايته ، ورواه الإمام أحمد في مسنده عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا شك أيضا ، لكنه من رواية الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف . وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم : وقت لأهل العراق ذات عرق رواه أبو داود والنسائي والدارقطني وغيرهم بإسناد صحيح ، لكن نقل ابن عدي أن أحمد بن حنبل أنكر على أفلح بن حميد روايته هذه ، وانفراده به أنه ثقة وعن ابن عباس قال : وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق العقيق رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن ، وليس كما قال ، فإنه من رواية يزيد بن زياد وهو ضعيف باتفاق المحدثين .
وعن الحارث بن عمرو السهمي الصحابي رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت أهل العراق ذات عرق رواه أبو داود عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه وقت لأهل المشرق ذات عرق رواه الشافعي والبيهقي بإسناد حسن . وعن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ، وعطاء من كبار التابعين ، وقد قدمنا في مقدمة هذا الشرح أن مذهب الشافعي الاحتجاج بمرسل كبار التابعين إذا اعتضد بأحد أربعة أمور منها : أن يقول به بعض الصحابة أو أكثر العلماء ، وهذا قد اتفق على العمل به الصحابة ومن بعدهم ، قال البيهقي : هذا هو الصحيح من رواية عطاء أنه رواه مرسلا ، قال : قد رواه الحجاج بن أرطأة عن عطاء وغيره متصلا ، والحجاج ظاهر الضعف ، فهذا ما يتعلق بأحاديث الباب . وأما : ألقاب الفصل وألفاظه فقوله : ذو الحليفة هو بضن الحاء المهملة وبالفاء وهو موضع معروف بقرب المدينة بينه وبينها نحو ستة أميال ، وقيل غير ذلك ، وبينه وبين مكة نحو عشر مراحل فهو أبعد المواقيت من مكة وأما : الجحفة فبجيم مضمومة ثم حاء مهملة ساكنة ويقال لها : مهيعة بفتح الميم والياء مع سكون الهاء بينهما وهي قرية كبيرة بين مكة والمدينة على نحو ثلاث مراحل من مكة سميت جحفة ، لأن السيل جحفها في الزمن الماضي . وأما : يلملم بفتح الياء المثناة تحت ، واللامين ، وقيل له : الملم بفتح الهمزة وحكي صرفه وترك صرفه وهو على مرحلتين من مكة وأما : قرن فبفتح القاف وإسكان الراء بلا خلاف بين أهل الحديث واللغة والتواريخ وغيرهم ، وهو جبل بينه وبين مكة مرحلتان ، ويقال له : قرن المبارك وأما : قول الجوهري : إنه بفتح الراء وأن أويسا القرنى منسوب إليه ففلط باتفاق العلماء ، فقد اتفقوا على أنه غلط فيه في شيئين فتح رائه ونسبة أويس إليه وإنما هو منسوب رضي الله عنه إلى قرن قبيلة من مراد بلا خلاف بين أهل المعرفة ، وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أويس بن عامر من مراد ثم من قرن وقوله : صلى الله عليه وسلم : يهل معناه يحرم برفع الصوت . وأما : ذات عرق فبكسر العين المهملة وهي قرية على مرحلتين من مكة ، وقد خربت وأما : العقيق فقال الإمام أبو منصور الأزهري في تهذيب اللغة : يقال لكل مسيل ماء شقه السيل فأنهره ووسعه عقيق ، قال : وفي بلاد العرب أربعة أعقة وهي أودية عادية منها : عقيق يدفق ماؤه في غور تهامة ، وهو الذي ذكره الشافعي فقال : لو أهلوا من العقيق كان أحب إلي وقوله : لما فتح المصران يعني البصرة والكوفة ومعنى فتحا نشآ أو أنشئا ، فإنهما أنشئا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهما مدينتان إسلاميتان ، وقد أوضحتهما في تهذيب اللغات . أما الأحكام : فقد قال ابن المنذر وغيره : أجمع العلماء على هذه المواقيت . قال أصحابنا : ميقات الحج والعمرة زماني ومكاني أما : الزماني فسبق بيانه واضحا في الباب الذي قبل هذا وأما : المكاني فالناس فيه ضربان أحدهما : المقيم بمكة مكيا كان أو غيره ، وفي ميقات الحج في حقه ، وغيره قولان أصحهما : نفس مكة ، وهو ما كان داخلا منها والثاني : مكة وسائر الحرم ، وقال البندنيجى : دليل الأصح حديث ابن عباس السابق لأن مكة والحرم في الحرمة سواء على الصحيح ، فعلى الأول لو فارق بنيان مكة وأحرم في الحرم فهو مسيء يلزمه الدم إن لم يعد ، كمجاوزة سائر المواقيت ، وعلى الثاني حيث أحرم في الحرم لا إساءة .
أما : إذا أحرم خارج الحرم فمسيء بلا خلاف ، فيأثم ويلزمه الدم إلا أن يعود قبل الوقوف بعرفات إلى مكة على الأصح أو إلى الحرم على الثاني . قال أصحابنا : ويجوز الإحرام من كل موضع من مكة بلا خلاف ، لعموم حديث ابن عباس ، وفي الأفضل قولان ، وقيل : وجهان أحدهما : أن يتهيأ للإحرام ويحرم من المسجد قريبا من الكعبة ، إما تحت الميزاب وإما في غيره وأصحهما : أن الأفضل أن يحرم من باب داره ، ويأتي المسجد محرما ، وبه قطع البغوي وغيره لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ وأما : الميقات الزماني للمكي فهو كغيره ، لكن يستجب له الإحرام بالحج يوم التروية ، وهو الثامن من ذي الحجة ، وقد سبق بيانه واضحا في الباب قبل . الضرب الثاني : غير المكي وهو صنفان أحدهما : من مسكنه بين الميقات ومكة ، فميقاته القرية التي يسكنها أو الخلة التي ينزلها البدوي ، فإن أحرم بعد مجاوزتها إلى مكة فمسيء بلا خلاف ، ودليله حديث ابن عباس الصنف الثاني : من مسكنه فوق الميقات الشرعي ، ويسمى هذا الأفقي بضم الهمزة وفتحها فيجب عليه الإحرام من ميقات بلده ، والمواقيت الشرعية خمسة أحدها : ذو الحليفة وهو ميقات من توجه من المدينة والثاني : الجحفة ميقات المتوجهين من الشام ومصر والمغرب ، هكذا قاله الأصحاب ، وأهمل المصنف ذكر مصر والمغرب مع أنه ذكر مصر في التنبيه الثالث : يلملم ميقات المتوجهين من اليمن الرابع : قرن ميقات المتوجهين من نجد اليمن ونجد الحجاز ، هكذا قاله الشافعي في المختصر والأصحاب ، ولم ينبه المصنف على إيضاحه الخامس : ذات عرق ميقات المتوجهين من العراق وخراسان . قال أصحابنا : والمراد بقولنا : ميقات اليمن يلملم ، أي ميقات تهامة اليمن لا كل اليمن ، فإن اليمن تشمل نجدا وتهامة ، قال أصحابنا وغيرهم : والأربعة الأولى من هذه الخمسة نص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا خلاف ، وهذا مجمع عليه للأحاديث ، وفي ذات عرق وجهان ذكرهما المصنف وسائر الأصحاب أحدهما : وهو نص الشافعي في الأم كما ذكره المصنف وغيره ، أنه مجتهد فيه ، اجتهد فيه عمر رضي الله عنه لحديث ابن عمر السابق : لما فتح المصران والثاني : وهو الصحيح عند جمهور أصحابنا أنه منصوص عليه من النبي صلى الله عليه وسلم وممن صرح بتصحيحه الشيخ أبو حامد في تعليقه ، والمحاملي في كتابيه المجموع و التجريد ، وصاحب الحاوي ، واختاره القاضي أبو الطيب في تعليقه وصاحب الشامل وغيرهما ، قال الرافعي : وإليه ميل الأكثرين . ورجح جماعة كونه مجتهدا فيه ، منهم القاضي حسين وإمام الحرمين وغيهما ، وقطع به الغزالي في الوسيط ، قال إمام الحرمين : الصحيح أن عمر وقته قياسا على قرن ويلملم ، قال : والذي عليه التعويل أنه باجتهاد عمر ، وذكر القاضي أبو الطيب في تعليقه أن قول الشافعي قد اختلف في ذات عرق ، فقال في موضع : هو منصوص عليه ، وفي موضع ليس منصوصا عليه ، وممن قال : إنه مجتهد فيه من السلف طاوس وابن سيرين وأبو الشعثاء جابر بن زيد . وحكاه البيهقي وغيره عنهم ، وممن قال من السلف : إنه منصوص عليه ، عطاء بن أبي رباح وغيره . وحكاه ابن الصباغ عن أحمد وأصحاب أبي حنيفة .
واحتج : من قال : إنه مجتهد فيه بحديث ابن عمر : لما فتح المصران واحتج : القائلون بأنه منصوص عليه بالأحاديث السابقة فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفة ، فمجموعها يقوى بعضه بعضا ، ويصير الحديث حسنا ، ويحتج به ، ويحمل تحديد عمر رضي الله عنه باجتهاده على أنه لم يبلغه تحديد النبي صلى الله عليه وسلم فحدده باجتهاده فوافق النص ، وكذا قال الشافعي في أحد نصيه السابقين : إنه مجتهد فيه ، لعدم ثبوت الحديث عنده ، وقد اجتمعت طرقه عند غيره فقوى وصار حسنا ، والله أعلم . قال الشافعي في المختصر والمصنف وسائر الأصحاب : لو أحرم أهل المشرق من العقيق كان أفضل ، وهو واد وراء ذات عرق مما يلي المشرق ، وقال أصحابنا : والاعتماد في ذلك على ما في العقيق من الاحتياط ، قيل : وفيه سلامة من التباس وقع في ذات عرق لأن ذات عرق قرية خربت وحول بناؤها إلى جهة مكة ، فالاحتياط الإحرام قبل موضع بنائها الآن ، قالوا : ويجب على من أتى من جهة العراق أن يتحرى ويطلب آثار القرية العتيقة . ويحرم حين ينتهي إليها ، قال الشافعي : ومن علاماتها المقابر القديمة ، فإذا انتهى إليها أحرم ، واستأنس المصنف والأصحاب في ذلك مع ما ذكرناه من الاحتياط بحديث توقيت العقيق السابق ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : أعيان هذه المواقيت لا تشترط ، بل الواجب عينها أو حذوها ، قالوا : ويستحب أن يحرم من أول الميقات ، وهو الطرف الأبعد من مكة حتى لا يمر بشيء مما يسعى ميقاتا غير محرم ، قال أصحابنا : ولو أحرم من الطرف الأقرب إلى مكة جاز بلا خلاف لحصول الاسم . فرع : قال أصحابنا : الاعتبار في هذه المواقيت الخمسة بتلك المواضع لا باسم القرية والبناء ، فلو خرب بعضها ونقلت عمارته إلى موضع آخر قريب منه وسمى باسم الأول لم يتغير الحكم ، بل الاعتبار بموضع الأول .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وهذه المواقيت لأهلها ولكل من مر بها من غير أهلها ، لما روى ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل نجد قرنا ، ولأهل اليمن يلملم ، وقال : هذه المواقيت لأهلها ولمن من أتى عليها من غير أهلها ممن أراد الحج والعمرة ، ومن كان داره دون ذلك فمن حيث ينشىء ثم كذلك أهل مكة يهلون من مكة . + الشرح : حديث ابن عباس هذا رواه البخاري ومسلم ، وسبق بيانه ولفظه في أول الباب ، وهذا الحكم الذي ذكره المصنف متفق عليه ، فإذا مر شامي من طريق العراق أو المدينة ، أو عراقي من طريق اليمن ، فيمقاته ميقات الإقليم الذي مر به ، وهكذا عادة حجيج الشام في هذه الأزمان أنهم يمرون بالمدينة فيكون ميقاتهم ذا الحليفة ولا يجوز لهم تأخير الإحرام إلى الجحفة . قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن سلك طريقا لا ميقات فيه من بر أو بحر فميقاته إذا حاذى أقرب المواقيت إليه لأن عمر رضي الله عنه لما اجتهد في ميقات أهل العراق اعتبر ما ذكرناه . + الشرح : هذا الذي ذكره نص عليه الشافعي ، واتفق عليه الأصحاب ، قال أصحابنا : ويجتهد فيحرم من الموضع الذي يغلب على ظنه أنه حذو أقرب المواقيت إليه ، قالوا : ويستحب أن يستظهر حتى يتيقن أنه قد حاذى الميقات أو فوقه ، وأشار القاضي أبو الطيب في تعليقه إلى وجوب هذا الاستظهار ، والمذهب استحبابه ، والله أعلم . وأما : إذا أتى من ناحية ولم يمر بميقات ولا حاذاه ، فقال أصحابنا : لزمه أن يحرم على مرحلتين من مكة اعتبارا بفعل عمر رضي الله عنه في توقيته ذات عرق . فرع : قال أصحابنا : إن سلك طريقا لا ميقات فيه لكن حاذى ميقاتين طريقه بينهما فإن تساويا في المسافة إلى مكة فميقاته ما يخاذيهما ، وإن تفاوتا فيهما وتساويا في المسافة إلى طريقه فوجهان أحدهما : يتخير إن شاء أحرم من المحاذي لأبعد ، الميقاتين ، وإن شاء لأقربهما وأصحهما : يتعين محاذات أبعدها ، وقد يتصور في هذا القسم محاذاة ميقاتين دفعة واحدة ، وذلك بانحراف أحد الطريقين والتوائه ، أو لوعورة وغيرها ، فيحرم من المحاذاة ، وهل هو منسوب إلى أبعد الطريقين أو أقربهما فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين وغيره ، قال : وفائدتهما أنه لو جاوز موضع المحاذاة بغير إحرام وانتهى إلى موضع يفضي إليه طريقا الميقاتين ، وأراد العود لرفع الإساءة ، ولم يعرف موضع المحاذاة هل يرجع إلى هذا الميقات أم إلى ذاك ولو تفاوت الميقاتان في المسافة إلى مكة وإلى طريقه فهل الاعتبار بالقرب إليه أم إلى مكة فيه وجهان أصحهما : إليه والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن كانت داره فوق الميقات فله أن يحرم من الميقات ، وله أن يحرم من فوق الميقات ، لما روى عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما قالا : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك وفي الأفضل قولان أحدهما : أن الأفضل أن يحرم من الميقات ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم من ذي الحليفة ، ولم يحرم من المدينة ، ولأنه إذا أحرم من بلده لم يأمن أن يرتكب محظوات الإحرام ، وإذا أحرم من الميقات أمن ذلك . فكان الإحرام من الميقات أفضل والثاني : أن الأفضل أن يحرم من داره ، لما روت أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، ووجبت له الجنة . + الشرح : حديث إحرام النبي صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة صحيح مشهور مستفيض رواه البخاري ومسلم في صحيحهما من رواية جماعة من الصحابة وأما : حديث أم سلمة فرواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي وآخرون ، وإسناده ليس بالقوي وأما : الأثر عن عمر وعلي رضي الله عنهما فرواه الشافعي وغيره بإسناد واعلم : أنه وقع في المهذب في حديث أم سلمة ( وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة بالواو ، وكذا وقع في أكثر كتب الفقه والصواب أو وجبت بأو وهو شك من عبد الله بن عبد الرحمن بن يحنس أحد رواته ، هكذا هو بأو في كتاب الحديث ، وصرحوا بأن ابن يحنس هو الذي شك فيه ، ويحنس بمثناة من تحت مضمومة ثم حاء مهملة مفتوحة ثم نون مكسورة ومفتوحة ثم سين مهملة . أما أحكام الفصل : فأجمع من يعتد به من السلف والخلف من الصحابة فمن بعدهن على أنه يجوز الإحرام من الميقات ومما فوقه ، وحكى العبدري وغيره عن داود أنه قال : لا يجوز الإحرام مما فوق الميقات وأنه لو أحرم مما قبله لم يصح إحرامه ويلزمه أن يرجع ويحرم من الميقات ، وهذا الذي قاله مردود عليه بإجماع من قبله وأما : الأفضل ففيه قولان للشافعي مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أحدهما : الإحرام من الميقات أفضل والثاني : مما فوقه أفضل وهذان القولان مشهوران في طريقتي العراق وخراسان ، وفي المسألة طريق آخر : وهو أن الإحرام أفضل من دويرة أهله قولا واحدا ، وهي قول القفال ، وهي مشهورة في كتاب الخراسانيين ، وهي ضعيفة غريبة ، والصحيح المشهور أن المسألة على القولين ثم إن هذين القولين منصوصان في الجديد نقلهما الأصحاب عن الجديد أحدهما : الأفضل أن يحرم من دويرة أهله نص عليه في الإملاء والثاني : الأفضل الإحرام من الميقات نص عليه البويطي والجامع الكبير للمزني . وأما : الغزالي فقال في الوسيط : لو أحرم قبل الميقات فهو أفضل ، قطع به القديم ، وقال في الجديد : هو مكروه ، وهو متأول ، ومعناه أن يتوقى المخيط والطيب ومن غير إحرام ، وكذا نقل الفوراني في الإبانة أنه كره في الجديد الإحرام قبل الميقات ، وكأن الغزالي تابع الفوراني في هذا النقل ، وهو نقل ضعيف غريب لا يعرف لغيرهما ، ونسبه صاحب البحر إلى بعض أصحابنا بخراسان ، والظاهر أنه أراد الفوراني ، ثم قال صاحب البحر : هذا النقل غلط ظاهر ، وهذا الذي قاله صاحب البحر من التغليط هو الصواب ، فإن الذي كرهه الشافعي في الجديد أنه هو التجرد عن المخيط لا الإحرام قبل الميقات ، بل نص في الجديد على الإنكار على من كره الإحرام قبل الميقات .
واختلف أصحابنا في الأصح من هذين القولين فصححت طائفة الإحرام من دويرة أهله ، ممن صرح بتصحيحه القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد والروياني في البحر والغزالي والرافعي في كتابيه وصحح الأكثرون والمحققون تفضيل الإحرام من الميقات ممن صححه المصنف في التنبيه وآخرون ، وقطع به كثيرون من أصحاب المختصرات ، منهم أبو الفتح سليم الرازي في الكفاية ، والماوردي في الإقناع ، والمحاملي في المقنع ، وأبو الفتح نصر المقدسي في الكافي ، وغيرهم ، وهو الصحيح المختار ، وقال الرافعي : في المسألة ثلاث طرق أصحها : على قولين والثاني : القطع باستحبابه من دويرة أهله والثالث : إن من ( خشي ) على نفسه من ارتكاب محظورات الإحرام فدويرة أهله أفضل ، وإلا فالميقات . والأصح : على الجملة أن الإحرام من الميقات أفضل ، للأحاديث الصحيحة المشهورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم في حجته من الميقات وهذا مجمع عليه ، وأجمعوا على أنه صلى الله عليه وسلم لم حج بعد وجوب الحج ولا بعد الهجرة غيرها وأحرم صلى الله عليه وسلم عام الحديبية بالعمرة من ميقات المدينة ذي الحليفة رواه البخاري في صحيحه في كتاب المغازي ، وكذلك أحرم معه صلى الله عليه وسلم بالحجة المذكورة والعمرة المذكورة أصحابه من الميقات ، وهكذا فعل بعده صلى الله عليه وسلم أصحابه والتابعون وجماهير العلماء ، وأهل الفضل ، فترك النبي صلى الله عليه وسلم الإحرام من مسجده الذي صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام ، وأحرم من الميقات فلا يبقى بعد هذا شك في أن الإحرام من الميقات أفضل . فإن قيل : إنما أحرم النبي صلى الله عليه وسلم من الميقات ليبين جوازه فالجواب : من أوجه أحدهما : أنه صلى الله عليه وسلم قد بين الجواز بقوله صلى الله عليه وسلم : مهل أهل المدينة من ذي الحليفة الثاني : أن بيان الجواز إنما يكون فيما يتكرر فعله ، ففعله صلى الله عليه وسلم مرة أو مرات يسيرة على أقل ما يجزىء بيانا للجواز ، ويداوم في عموم الأحوال على أكمل الهيئات ، كما توضأ مرة مرة في بعض الأحوال وداوم على الثلاث ، ونظائر هذا كثيرة ، ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم أحرم من المدينة ، وإنما أحرم بالحج وعمرة الحديبية من ذي الحليفة الثالث : أن بيان الجواز إنما يكون في شيء اشتهر أكمل أحواله بحيث يخاف أن يظن وجوبه ، ولم يوجد ذلك هنا . وهذا كله إنما يحتاج إليه على تقدير دليل صريح صحيح في مقابلته ولم يوجد ذلك ، فإن حديث أم سلمة قد سبق أن إسناده ليس بقوي ، فيجاب عنه بأربعة أجوبة أحدها : أن إسناده ليس بقوي الثاني : أن فيه بيان فضيلة الإحرام من فوق الميقات ، وليس فيه أنه أفضل من الميقات ، ولا خلاف أن الإحرام من فوق الميقات فيه فضيلة ، وإنما الخلاف أيهما أفضل فإن قيل : هذا الجواب يبطل فائدة تخصيص المسجد الأقصى فالجواب : أن فيه فائدة ، وهي تبيين قدر الفضيلة فيه الجواب الثالث : أن هذا معارض لفعله صلى الله عليه وسلم المتكرر في حجته وعمرته ، فكان فعله المتكرر أفضل الرابع : أن هذه الفضيلة جاءت في المسجد الأقصى لأن له مزايا عديدة معروفة ، ولا يوجد ذلك في غيره فلا يلحق به ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في هذه المسألة .
قد ذكرنا أن الأصح أن يحرم من الميقات ، وبه قال عطاء والحسن البصري ومالك وأحمد وإسحق ، وروي عن عمر بن الخطاب حكاه ابن المنذر عنهم كلهم ، ورجح آخرون دويرة أهله وهو المشهور عن عمر وعلي وبه قال أبو حنيفة ، وحكاه ابن المنذر عن علقمة والأسود وعبد الرحمن وأبي إسحاق يعنى السبيعي ودليل الجميع سبق بيانه ، قال ابن المنذر : وثبت أن ابن عمر أهل من إيليا وهو بيت المقدس . فرع : إن قيل : ما الفرق بين مقات الزمان والمكان 0 حيث جاز تقديم الإحرام على ميقات المكان دون الزمان فالجواب ما أجاب به الجرجاني في المعاياة أن ميقات المكان يختلف البلاد بخلاف ميقات الزمان ، والله أعلم . أوجه ذكرها القاضي والأصحاب أحدها : أن اللفظ إذا اجتمع فيه عرف اللغة وعرف الشرع قدم عرف الشرع ، لأنه طارىء ، وعرف الشرع أن النكاح العقد لقوله تعالى : فانكحوهن بإذن أهلهن ، فلا تعضلوهن أن ينكحن ، فانكحوا ما طاب لكم من النساء وفي الحديث الصحيح : ولا تنكح المرأة على عمتها وفي الصحيح : انكحي أسامة
قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن كان داره دون الميقات فميقاته موضعه . ومن جاوز الميقات قاصدا إلى موضع قبل مكة ثم أراد النسك أحرم من موضعه ، كما إذا دخل مكة لحاجة ثم أراد الإحرام كان ميقاته من مكة . + الشرح : من كان مسكنه بين مكة والميقات فميقاته موضعه بلا خلاف ، لحديث ابن عباس السابق في أول الباب ، وقد سبقت هذه المسألة قال أصحابنا : فإذا كان في قرية بين مكة والميقات فالأفضل أن يحرم من الطرف الأبعد منها إلى مكة فإن أحرم من الطرف الأدنى إلى مكة جاز ولا دم عليه بلا خلاف كما سبق في المواقيت الخمسة . فإن خرج من قريته وفارق العمران إلى جهة مكة ثم أحرم كان آثما وعليه الدم للإساءة فإن عاد إليها سقط الدم ، وإن كان من أهل خيام استحب أن يحرم من أبعد أطراف الخيام إلى مكة ، ويجوز من الطرف الأدنى إلى مكة ، ولا يجوز أن يفارقها إلى جهة مكة غير محرم . وإن كان في واد استحب أن يقطع طرفيه محرما ، فإن أحرم من الطرف الأقرب إلى مكة جاز ، فإن كان في برية ساكنا منفردا بين مكة والميقات أحرم من منزله ، لا يفارقه غير محرم ، هكذا ذكر هذا التفصيل كله أصحابنا في الطريقتين ، قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : لو كان مسكنه بين مكة والميقات فتركه وقصد الميقات فأحرم منه ، جاز ولا دم عليه ، كالمكي إذا لم يحرم من مكة ، بل خرج إلى ميقات فأحرم منه جاز ولا دم عليه . المسألة الثانية : إذا مر الآفاقي بالميقات غير مريد نسكا فإن لم يكن قاصدا نحو الحرم ، ثم عن له قصد النسك بعد مجاوزة الميقات فميقاته حيث عن له هذا القصد ، وإن كان قاصدا الحرم لحاجة فعن له النسك بعد المجاوزة فإن قلنا : من أراد الحرم لحاجة يلزمه الإحرام ، فهذا يأثم بمجاوزته غير محرم ، وهو كمن قصد النسك وجاوزه غير محرم ، وسنذكر إن شاء الله تعالى ، وإن قلنا : بالأصح : إنه لا يلزمه فهو كمن جاوزه غير قاصد دخول الحرم . فرع : في مذاهب العلماء في هذه المسألة : قد ذكرنا أن مذهبنا أن من مسكنه بين مكة والميقات فميقاته موضعه ، وبه قال طاوس ومالك وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور والجمهور . وقال مجاهد : يحرم من مكة . ودليلنا حديث ابن عباس السابق أما : إذا جاوز الميقات غير مريد نسكا ثم أراده فقد ذكرنا أن مذهبنا أنه يحرم من موضعه ، وبه قال ابن عمر وعطاء ومالك والثوري وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وابن المنذر . وقال أحمد وإسحاق : يلزمه العود إلى الميقات .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحرم عليه الوطء في الفرج لقوله تعالى : فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج قال ابن عباس : الرفث الجماع ، وتجب به الكفارة ، لما روي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أنهم أوجبوا فيه الكفارة ، ولأنه إذا وجبت الكفارة في الحلق فلأن تجب في الجماع أولى . + الشرح : هذه الآية الكريمة سبق تفسيرها في مسألة الإحرام بالحج في أشهر الحج ، وأجمعت الأمة على تحريم الجماع في الإحرام سواء كان الإحرام صحيحا أم فاسدا ، وتجب به الكفارة والقضاء إذا كان قبل التحللين ، وسيأتي في الباب الآتي إن شاء الله تعالى إيضاح ذلك بفروعه ، حيث ذكره المصنف ، سواء الوطء في القبل والدبر من الرجل والمرأة والصبي ، سواء وطء الزوجة والزنا . وأما إتيان البهيمة فالمذهب أنه كوطء المرأة ، ولا يفسد به الحج تفريعا على وجوب التعزير فيه . وأما الخنثى المشكل فيحرم عليه الإيلاج والإيلاج فيه ، فإن أولج غيره في دبره فهو كغيره يفسد حجه ، ويجب المضي في فاسده والقضاء والكفارة ، وإن أولج غيره في قبله أو أولج هو في غيره لم يفسد ، ولا كفارة لاحتمال أنه عضو زائد . فإن أولج في دبر رجل وأولج ذلك الرجل في قبله فسد حجهما ، ولزمهما القضاء والكفارة ، ودليله ظاهر ولو لف الرجل على ذكره خرقة وأولجه ففي فساد الحج به ثلاثة أوجه كما في وجوب الغسل ، وقد سبق بيانها في باب الغسل الأصح : فساد الحج ووجوب الغسل . فرع : حكى الشافعي وابن المنذر عن ابن عمر أنه أحرم من الفرع بضم الفاء وإسكان الراء وهو بلاد بين مكة والمدينة ، بين ذي الحليفة وبين مكة ، فتكون دون ميقات المدني ، وابن عمر مدني وهذا ثابت عن ابن عمر ، رواه مالك في الموطأ بإسناده الصحيح ، وتأوله الشافعي وأصحابنا تأويلين أحدهما : أن يكون خرج من المدينة إلى الفرع لحاجة ولم يقصد مكة ، ثم أراد النسك فإن ميقاته مكانه والثاني : أنه كان يمكة فرجع قاصدا إلى المدينة فلما بلغ الفرع بدا له أن يرجع إلى مكة فميقاته مكانه .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن كان من أهل مكة وأراد الحج فيمقاته من مكة ، وإن أراد العمرة فميقاته من أدنى الحل ، والأفضل إنه من الجعرانة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر منها ، فإن أخطاها فمن التنعيم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعمر عائشة من التنعيم . + الشرح : أما إحرام النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة فصحيح متفق عليه ، رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه ، ورواه الإمام الشافعي وأبو داود الترمذي والنسائي وغيرهم أيضا من رواية محرش الكعبي الخزاعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الترمذي : هذا حديث حسن ، قال : ولا يعرف له عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث ، وهو محرش بضم الميم وفتح الحاء وكسر الراء المشددة وبعدها شين معجمة هذا أشهر الأقوال في ضبطه ، ولا يذكر ابن ماكولا وجماعة إلا هذا والثاني : محرش بكسر الميم وإسكان المهملة والثالث : بكسر الميم وإسكان الخاء المعجمة ممن حكي هذه الأقوال الثلاثة فيه أبو عمر عبد الله بن يوسف بن عبد البر ، والله أعلم . وأما : حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أعمر عائشة من التنعيم فرواه البخاري ومسلم من رواية عائشة وأما الجعرانة فبكسر الجيم وإسكان العين وتخفيف الراء وكذا الحديبية بتخفيف الياء هذا قول الشافعي فيهما ، وبه قال أهل اللغة والأدب وبعض المحدثين ، وقال ابن وهب صاحب مالك : هما بالتشديد ، وهو قول أكثر المحدثين ، والصحيح تخفيفهما ، والتنعيم أقرب أطراف الحل إلى مكة ، والتنعيم بفتح التاء وهو بين مكة والمدينة على ثلاثة أميال من مكة وقيل : أربعة قيل : سمي بذلك لأن عن يمينه جبلا يقال له : نعيم ، وعن شماله جبل يقال له ناعم ، والوادي نعمان . أما الأحكام : ففيه مسألتان إحداهما : ميقات المكي بالحج نفس مكة ، وفيه وجه ضعيف أنه مكة وسائر الحرم ، وقد سبقت المسألة في أول الباب واضحة بفروعها والمراد بالمكي من كان بمكة عند إرادة الإحرام بالحج سواء كان مستوطنها أو عابر سبيل المسألة الثانية : إذا كان بمكة مستوطنا أو عابر سبيل وأراد العمرة فميقاته أدنى الحل ، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب ، قال أصحابنا : يكفيه الحصول في الحل ولو بخطوة واحدة من أي الجهات كان جهات الحل ، هذا هو الميقات الواجب . وأما : المستحب فقال الشافعي في المختصر : أحب أن يعتمر من الجعرانة لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر منها فإن أخطأه منها فمن التنعيم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعمر عائشة منها وهي أقرب الحل إلى البيت ، فإن أخطأه ذلك فمن الحديبية ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بها وأفضلها من الجعرانة وبعدها في الفضيلة التنعيم ثم الحديبية كما نص عليه ، واتفق الأصحاب على التصريح بهذا في كل الطرق ولا خلاف في شيء منه إلا أن الشيخ أبا حامد قال : الذي يقتضيه المذهب أن الاعتمار من الحديبية بعد الجعرانة أفضل من التنعيم ، فقدم الحديبية على التنعيم . وأما : قول المصنف في التنبيه : الأفضل أن يحرم بها من التنعيم فغلط ومنكر لا يعد من المذهب إلا أن يتأول على أنه إذا أراد أفضل أدنى الحل التنعيم ، فإنه قال أولا : خرج إلى أدنى الحل ، والأفضل أن يحرم من التنعيم ، فالاعتذار عنه بهذا وما أشبهه أحسن من تخطئته ، وليست المسألة خفية أو غريبة ليعذر في الغلط فيها ، واستدل الشافعي للإحرام من الحديبية بعد التنعيم بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بها وأراد المدخل لعمرته منها ، وهذا صحيح معروف في الصحيحين وغيرهما ، وكذلك استدل محققوا الأصحاب ، وهذا الاستدلال هو الصواب .
وأما : قول الغزالي في البسيط ، وقول غيره إنه صلى الله عليه وسلم هم بالإحرام بالعمرة من الحديبية فغلط صريح ، بل ثبت في صحيح البخاري في كتاب المغازي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم بالعمرة عام الحديبية من ذي الحليفة والله أعلم . فإن قيل : قال الشافعي والأصحاب : إن الإحرام بالعمرة من الجعرانة أفضل من التنعيم ، فكيف أعمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة من التنعيم فالجواب : أنه صلى الله عليه وسلم إنما أعمرها منه لضيق الوقت عن الخروج إلى أبعد منه ، وقد كان خروجها إلى التنعيم عند رحيل الحاج وانصرافهم ، وواعدها النبي صلى الله عليه وسلم إلى موضع في الطريق ، هكذا ثبت في الصحيحين ، ويحتمل أيضا بيان الجواز من أدنى الحل ، والله أعلم . فرع : يستحب لمن أراد الإحرام بالحج من مكة أن يحرم يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة ، ولا يقدم الإحرام قبله إلا أن يكون متمتعا لم يجد الهدي ، فيحرم قبل اليوم السادس من ذي الحجة حتى يمكنه صوم ثلاثة أيام في الحج ، وقد سبقت المسألة مبسوطة في أواخر الباب السابق في أحكام التمتع في فرع مستقل ، وذكرنا فيه مذاهب العلماء ودليل المسألة .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن بلغ الميقات مريدا للنسك لم يجز أن يجاوزه حتى يحرم ، لما ذكرناه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما فإن جاوزه وأحرم دونه نظرت فإن كان له عذر بأن يخشى أن يفوته الحج ، أو الطريق مخوف لم يعد وعليه دم ، وإن لم يخش شيئا لزمه أن يعود لأنه نسك واجب مقدور عليه ، فلزمه الإتيان به فإن لم يرجع لزمه الدم ، وإن رجع نظرت فإن كان قبل أن يتلبس بنسك سقط عنه الدم ، لأنه قطع المسافة بالإحرام وزاد عليه ، فلم يلزمه دم ، وإن عاد بعدما وقف أو بعدما طاف لم يسقط عنه الدم . لأنه عاد بعد فوات الوقت فلم يسقط عنه الدم ، كما لو دفع من الموقف قبل الغروب ثم عاد في غير وقته ، + الشرح : قال الشافعي والأصحاب : إذا انتهى الآفاقي إلى الميقات وهو يريد الحج أو العمرة أو القران حرم عليه مجاوزته غير محرم بالإجماع ، فإن جاوزه فهو مسيء سواء كان من أهل تلك الناحية أم من غيره ، كالشامي يمر بميقات المدينة . قال أصحابنا : ومتى جاوز موضعا يجب الإحرام منه غير محرم أثم وعليه العود إليه والإحرام منه إن لم يكن له عذر ، فإن كان عذر كخوف الطريق أو انقطاع عن رفقته أو ضيق الوقت ، أو مرض شاق أحرم من موضعه ومضي وعليه دم إذا لم يعد فقد أثم بالمجاوزة ، ولا يأثم بترك الرجوع ، فإن عاد فله حالان أحدهما : يعود قبل الإحرام فيحرم منه فالمذهب الذي قطع به المصنف والجماهير لا دم عليه ، سواء كان دخل مكة أم لا . وقال إمام الحرمين والغزالي : إن عاد قبل أن يبعد عن الميقات بمسافة القصر سقط الدم ، وإن عاد بعد دخول مكة وجب ولم يسقط بالعود ، وإن عاد بعد مسافة القصر وقبل دخول مكة فوجهان أصحهما : يسقط ، وهذا التفصيل شاذ منكر . الحال الثاني : أن يحرم بعد مجاوزة الميقات محرما فطريقان أحدهما : في سقوط الدم وجهان وفي قولان حكاهما الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب في تعليقه وصاحب الشامل وآخرون . قال القاضي أبو الطيب : هما قولان وكان الشيخ أبو حامد يقول وجهان . قال : والصحيح قولان ، وسواء عند هؤلاء رجع من مسافة قريبة أو بعيدة ، لكنهم شرطوا رجوعه قبل تلبسه بنسك والطريق الثاني : وهو الصحيح ، وبه قطع المصنف والجمهور أنه يفصل ، فإن عاد قبل التلبس بنسك سقط الدم ، وإن عاد بعده لم يسقط سواء كان النسك ركنا كالوقوف والسعي أو سنة كطواف القدوم وفيه وجه ضعيف أنه لا أثر للتلبس بالسنة فيسقط بالعود بعد . حكاه البغوي والمتولي وآخرون ، كما لو كان محرما بالعمرة مما دون الميقات وعاد إليه بعد طوافها ، فإنه لا يسقط الدم بالعود بلا خلاف والمذهب الأول . ويخالف المعتمر . فإنه عاد بعد فعله معظم أفعال النسك . والحاج لم يأت بشيء من أعمال النسك الواجبة فسقط عنه الدم . واعلم أن جمهور الأصحاب لم يتعرضوا لزوال الإساءة بالعود ، وقد قال صاحب البيان : وهل يكون مسيئا بالمجاوزة إذا عاد إلى الميقات حيث سقط الدم فيه وجهان حكاهما في الفروع . الظاهر أنه لا يكون مسيئا لأنه حصل فيه محرما والثاني : يصير مسيئا لأن الإساءة حصلت بنفس المجاوزة فلا يسقط .
قال أصحابنا : ولا فرق في لزوم الدم في كل هذا بين المجاوز للميقات عامدا عالما أو جاهلا أو ناسيا لكن يفترقون في الإثم ، فلا إثم على الناسي والجاهل ، قال القاضي أبو الطيب و المتولي وغيرهما : ويخالف ما لو تطيب ناسيا لا دم عليه ، لأن الطيب من المحظورات ، والنسيان عذر عندنا في المحرمات كالأكل والصوم والكلام في الصلاة وأما : الإحرام من الميقات فمأمور به والجهل والنسيان في المأمور به لا يجعل عذرا والله أعلم . وأما : إدا مر بالميقات وأحرم بأحد النسكين ثم بعد مجاوزته أدخل النسك الآخر عليه بأن أدخل الحج على العمرة أو عكسه وجوزناه ففي وجوبه عليه وجهان حكاهما المتولي والبغوي وآخرون أحدهما : يلزمه لأنه جاوز الميقات مريدا للنسك وأحرم بعده والثاني : لا يلزمه لأنه جاوز الميقات محرما فصار كما لو أحرم بالميقات إحراما مبهما ، فلما جاوز صرفه إلى الحج ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في هذه المسألة : قد ذكرنا أن مذهبنا أنه إذا جاوز الميقات مريدا للنسك فأحرم دونه أثم فإن عاد قبل التلبس سقط عنه الدم ، سواء عاد ملبيا أم غير ملب . هذا مذهبنا وبه قال الثوري وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور . وقال مالك وابن المبارك وزفر وأحمد : لا يسقط عنه الدم بالعود . وقال أبو حنيفة : إن عاد ملبيا سقط الدم وإلا فلا وحكى ابن المنذر عن الحسن والنخعي أنه لا دم على المجاوز مطلقا ، قال : وهو أحد قولي عطاء . وقال ابن الزبير : يقضي حجته ثم يعود إلى الميقات فيحرم بعمرة ، وحكي ابن المنذر وغيره عن سعيد بن جبير أنه لا حج له . والله أعلم . فرع : قال صاحب البيان : سمعت الشريف العثماني من أصحابنا يقول : إذا جاوز المدني ذا الحليفة غير محرم وهو مريد للنسك ، فبلغ مكة غير محرم ، ثم خرج منها إلى ميقات بلد آخر مكذا عرق أو يلملم وأحرم منه . فلا دم عليه بسبب مجاوزة ذي الحليفة ، لأنه لا حكم لإرادته النسك لما بلغ مكة غير محرم فصار كمن دخل مكة غير محرم ، وقلنا : يجب الإحرام لدخولها لا دم عليه ، هذا نقل صاحب البيان ، وهو محتمل وفيه نظر .