Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
قال الرافعي رحمه الله تعالى : فإن قيل : هل صورة المسألة ما إذا كانت الأجرة في الذمة ثم نقدها أو كانت معينة أم لا فرق فالجواب أن كلام نقلة المذهب يشمل الصورتين ، ولم أر فيها نصا وتفصيلا إلا في فتاوي القاضي حسين فإنه قال : في الحالة الأولى الظاهر أنه تجب الزكاة كل المائة إذا حال الحول لأن ملكه مستقر على ما أخذ ، حتى لو انهدمت لا يلزمه رد المقبوض بعينه ، بل له رد مثله . وفي الحالة الثانية قال : حكم الزكاة حكمها في المبيع قبل القبض لأنه معرض لأن يعود إلى المستأجر بانفساخ الإجارة ، وبالجملة الصورة الثانية أحق بالخلاف من الأولى وما ذكره القاضي اختيارا منه للوجوب في الحالتين جميعا . هذا آخر كلام الرافعي رحمه الله تعالى . وقال صاحب الحاوي . لا خلاف في المذهب أنه ملك جميع الأجرة الحالة بنفس العقد لكن في ملكه قولان ، نص في البويطي وغيره أنه ملكها ملكا مستقرا كثمن المبيع وكالصداق ، لأنه جائز التصرف فيها بحيث لو كانت الأجرة أمة جاز له وطؤها فدل على أن ملكه مستقر ، ونص في الأم وغيره وهو الأظهر أنه ملكها بالعقد ملكا موقوفا ، فإذا مضى زمان من المدة استقر ملكه على ما قابله من الأجرة لأن الأجرة مقابلة المنفعة وملك المستأجر غير مستقر على المنافع لأنها لو فاتت بالإنهدام رجع بما قابلها من الأجرة ، ولو استقر ملكه لم يرجع بما قابلها ، كما لا يرجع المشتري ذا استقر ملكه بالقبض . والفرق بين الأجرة والصداق من وجهين أحدهما : أن ملك الزوج على الصداق مستقر لأن ملك الزوج لبضعها مستقر بخلاف الأجرة ولهذا لو ماتت لم يرجع بشيء من صداقها ، ولو انهدمت الدار رجع بقسط ما بقي من الأجرة والثاني : أن رجوع الزوج بالصداق إذا عرض فسخ ، أو بنصفه إذا عرض طلاق قبل الدخول إنما هو ابتداء جلب ملك فلا يمنع استقرار ملك الزوجة على الصداق قبل الفراق ، وأما رجوع المستأجر بقسط الأجرة إذا انهدمت الدار ، فإنما هو بالعقد السابق . والله تعالى أعلم .
فرع لو انهدمت الدار في أثناء المدة انفسخت الإجارة فيما بقي ولا ينفسخ في الماضي على المذهب وبينا استقرار ملكه على قسط الماضي والحكم في الزكاة كما سبق قال صاحب الحاوي والأصحاب فلو كان أخرج زكاة الجميع قبل الإنهدام لم يرجع بما أخرجه من الزكاة عند استرجاع قسط ما بقي لأن ذلك حق لزمه في ملكه فلم يكن له الرجوع به على غيرهفرع : قال صاحب الحاوي : لو أجر الدار أربع سنين مثلا بمائة دينار وقبضها ولم يسلم الدار حتى مضت المدة بطلت الإجارة ، ولزمه رد الأجرة قال : وأما زكاتها فإن قلنا بنصه في الأم : إن ملكه غير مستقر إلا بمضي المدة فلا زكاة لأنه كلما مضى من مدة قبل التسليم زال ملكه عما يقابله ، فلا يلزمه زكاته وإن قلنا بنصه في البويطي : إن ملكه مستقر فحكمه عكس ما سبق ، فإذا مضت السنة الأولى قبل التسليم فقد كان ملكه مستقرا على مائة دينار ، وزال عن خمسة وعشرين فيزكى الباقي ، وهكذا في كل سنة بحصتها ، فإذا مضت السنة الرابعة زال ملكه عما بقي من المائة فلا يزكيه ولا رجوع بما أخرج من زكاتها قبل ذلك ، لأنه حق لزمه في ملكه فلم يكن له الرجوع به . فرع : إذا باع سلعة بنصاب من النقد وقبضه ، ولم يسلم السلعة حتى حال حول على الثمن في يده فهل يلزم البائع إخراج زكاة النقد قبل تسليم المبيع قال أصحابنا : فيه القولان في الأجرة لأن الثمن قبل قبض المبيع غير مستقر . قال صاحب الحاوي وهل يلزم المشتري إذا كان شراء السلعة للتجارة إخراج الزكاة عنها قبل قبضها فيه القولان ، إن قلنا : إن ملك الأجرة مستقر ، ولا ينظر إلى احتمال الفسخ فملك الثمن والسلعة مستقر فيجب زكاتها وإن احتمل الفسخ ، وإن قلنا : إن الملك في الأجرة غير مستقر فكذا الثمن والسلعة ، قال أصحابنا : ولو أسلم نصابا في ثمرة أو غيرها للتجارة أو غيرها ، وحال الحول قبل قبض المسلم فيه فإن قلنا : إن تعذر المسلم فيه لا ينفسخ به العقد ، وإنما يوجب الخيار وجبت على المسلم إليه زكاة النصاب الذي قبضه بلا خلاف ، لاستقرار ملكه ، وإن قلنا ينفسخ العقد ، ففي وجوب زكاته القولان كالأجرة ، فأما المسلم فلا تلزمه زكاته الثمرة المسلم فيها قولا واحدا وإن كانت للتجارة ، قال صاحب الحاوي وغيره : لأن تأجيل التمر يمنع وجوب زكاته ، فإذا قبضه استقبل به الحول والله أعلم . فرع : إذا أوصي لإنسان بنصاب ، ومات الموصي ، ومضى حول من حين موته قبل القبول ، قال أصحابنا : إن قلنا : الملك يحصل في الوصية بالموت فعلى الموصى له الزكاة ، ولا يضر كونه يبطل بردة ، وإن قلنا يحصل بالقبول فلا زكاة عليه ، ثم إن إبقيناه على ملك الموصي فلا زكاة على أحد ، لأن الميت ليس مكلفا بزكاة ولا غيرها ، وإن قلنا إنه للوارث فهل يلزمه الزكاة فيه وجهان أحدهما : نعم ، لأن ملكه وأصحهما : لا ، لضعفه بتسلط الموصى له عليه ، وإن قلنا : إنه موقوف فقبل ، بان أنه ملك بالموت ، ولا زكاة عليه في أصح الوجهين لعدم استقرار ملكه وعلى الثاني يجب لوجود الملك . فرع : إذا أصدق امرأته أربعين شاة سائمة بأعيانها لزمها الزكاة إذا تم حولها من يوم الإصداق سواء دخل بها أم لا ، وسواء قبضتها أم لا ، هذا هو المذهب ، وقد سبقت الإشارة إليها ، وقد صرح به المصنف في قياسه ، وفيه قول مخرج من الأجرة أنه إذا لم يدخل بها فهو كالأجرة على ما سبق .
وحكي وجه أنه ما لم يقبضها لا زكاة عليها ولا على الزوج ، تفريعا على أن الصداق مضمون ضمان العقد ، فيكون على الخلاف في المبيع قبل القبض ، وبهذا قال أبو حنيفة والمذهب الصحيح الذي قطع به الجمهور القطع بالوجوب عليها مطلقا ، ولو طلقها قبل الدخول نظر إن طلقها قبل الحول عاد نصف الماشية إلى الزوج ، فإن لم يميز فهما خليطان فعليهما عند تمام الحول من يوم الإصداق نصف شاة . وإن طلق بعد تمام الحول فلها ثلاثة أحوال . أحدها : أن تكون قد أخرجت الزكاة من نفس الماشية ففيما يرجع به الزوج ثلاثة أقوال أحدها : نصف الجملة فإن تساوت قيمة الغنم أخذ منها عشرين ، وإن اختلفت أخذ النصف بالقيمة وهذا نصه في المختصر . والثاني : نصف الغنم الباقية ، ونصف قيمة الشاة المخرجة ، وهو نصه في كتاب الزكاة من الأم وهو الأصح ، قال ابن الصباغ : هو الأقيس لأن حقه يتعلق بنصف عين الصداق وقد ذهب بعض العين ، فيرجع في نصف ما بقي والثالث : أنه بالخيار بين ما ذكرنا في القول الثاني ، وبين أن يترك الجميع ويرجع بنصف القيمة ، وهو نصه في كتاب الصداق ، هذا إذا كان المخرج من جنس مال الصداق فلو كان من غير جنسه بأن أصدقها خمسا من الإبل ، فحال الحول فباعت بعيرا ، واشترت من ثمنه شاة أخرجتها زكاة فنقل السرخسي عن الأصحاب أنه إن قلنا : إذا كان الواجب من جنسه ينصرف المخرج إلى حصتها ويرجع الزوج بعشرين شاة فهنا أولى ، وإلا فقولان أحدهما : الحكم كما سبق من القولين الباقيين من الثلاثة والثاني : أنه ينصرف هنا إلى نصيبها وإن لم ينصرف هناك فيرجع الزوج بعشرين كاملة لأنها باختيارها صرفت المخرج في هذه الجهة ، فوجب اختصاصه بها . الحال الثاني : أن تكون أخرجت الزكاة من موضع آخر فالمذهب وبه قطع العراقيون وغيرهم ، يأخذ نصف الأربعين ، وقال الصيدلاني وجماعة : فيه وجهان أحدهما : هذا ، والثاني : يرجع إلى نصف القيمة . الحال الثالث : أن لا تخرج الزكاة أصلا ، فالمذهب أن نصف الأربعين تعود إلى الزوج شائعا ، فإذا جاء الساعي وأخذ من عينها شاة رجع الزوج عليها بنصف قيمتها . قال صاحب الحاوي : فلو اقتسماها قبل إخراج زكاتها ففي صحة القسمة وجهان مخرجان من القولين في تعلق الزكاة بالعين أو الذمة ، إن قلنا تتعلق بالعين فالقسمة باطلة وإن قلنا بالذمة فصحيحة ، فعلى هذا لهما عند مطالبة الساعي بالزكاة أربعة أحوال أحدها : أن يكون نصيب كل واحد منهما باقيا في يده ، فيأخذ الساعي الزكاة مما في يدها دون ما في يد الزوج ، لأن الزكاة إنما وجبت عليها ، فإذا أخذها منها استقر ملك الزوج على ما في يده . الثاني : أن يكون نصيباهما تالفين ، فأيهما يطالب بالزكاة وجهان أحدهما : الزوجة لأن الوجوب عليها ، والثاني : للساعي مطالبة من شاء منهما ، لأن الزكاة وجب فيما كان بأيديهما ، فإن طالب الزوجة لم يرجع على الزوج ، وإن طالبه وأخذ منه رجع على الزوجة . الثالث : أن يكون ما في يدها باقيا دون ما في يده فيأخذ الساعي منها ولا رجوع لها . الرابع : أن يكون ما في يد الزوج باقيا ، دون ما في يدها ، فيأخذ الساعي الزكاة مما في يد الزوج ، لأن الزكاة تعلقت بما في يده ، فإذا أخذها ففي بطلان القسمة وجهان أحدهما : تبطل لأنه أخذها بسبب متقدم ، فصار قدر الزكاة كالمستحق حال القسمة .
ففي هذا بطلان القسمة يكون لوجود بعض الصداق للزوج دون بعضه ، فيكون على الأقوال الثلاثة ، والوجه الثاني لا تبطل القسمة ، لأن الوجوب في ذمتها وأخذ الساعي كان بعد صحة القسمة فلم يبطلها ، كما لو أتلفت المرأة شيئا مما في يد الزوج بقسمه ، فعلى هذا للزوج أن يرجع على الزوجة بقيمة الشاة المأخوذة وإن كانت مثل ما وجب عليها ، فإن أخذ الساعي منه زيادة لم يرجع بالزيادة لأن الساعي ظلمه بها فلا يجوز رجوعه على غيره . هذا آخر كلام صاحب الحاوي قال القاضي أبو الطيب في المجرد والأصحاب في هذين الوجهين الأخيرين : الصحيح أنه لا تبطل القسمة . وقال السرخسي : إذا طلقها بعد الحول وقبل إخراج الزكاة فتقاسما قبل إخراج الزكاة صحت المقاسمة على ظاهر نص الشافعي رضي الله عنه وعليه فرع الشافعي رضي الله عنه . لكن قال أصحابنا : إن قلنا القسمة إفراز صحت كما نص عليه . فإن قلنا : إنها بيع فحكمه ما سبق في بيع مال الزكاة ، فإن قلنا : بصحة القسمة فجاء الساعي لأخذ الزكاة فإن وجد في ملك المرأة من عين الصداق أو غيره قدر الزكاة أخذها منها وإلا فمما أخذه الزوج ، ثم يرجع الزوج عليها بقيمة المأخوذ . قال القاضي أبو الطيب وغيره : وهذا الحكم في كل صداق تجب الزكاة في عينه قال الشافعي في الأم والأصحاب : ولو أصدقها أربعين شاة في الذمة فلا زكاة ، وإن مضت أحوال ، وهذا لا خلاف فيه ، لأن الحيوان يشترط في زكاته السوم ولا يتصور ذلك فيما في الذمة ، وقد تقدمت هذه المسألة ، وكذا لو أسلم إليه في أربعين شاة فلا زكاة فيها بلا خلاف لما ذكرناه ، والله تعالى أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن ملك مصوغا من الذهب والفضة ، فإن كان معدا للقنية وجبت فيه الزكاة لأنه مرصد للنماء فهو كغير المصوغ ، وإن كان معدا للاستعمال نظرت فإن كان لاستعمال محرم كأواني الذهب والفضة وما يتخذه الرجل لنفسه من سوار أو طوق أو خاتم ذهب ، أو ما يحلي به المصحف أو يؤزر به المسجد أو يموه به السقف أو كأن مكروها كالتضبيب القليل للزينة وجبت فيه الزكاة لأنه عدل به عن أصله بفعل غير مباح ، فسقط حكم فعله وبقي على حكم الأصل ، وإن كان لاستعمال مباح كحلي النساء وما أعد لهن وخاتم الفضة للرجل ففيه قولان أحدهما : لا تجب فيه الزكاة لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس في الحلي زكاة ولأنه معد لاستعمال مباح فلم تجب فيه الزكاة كالعوامل من الإبل والبقر والثاني : تجب فيه الزكاة ، واستخار الله فيه الشافعي واختاره لما روى أن امرأة من اليمن جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم معها ابنتها في يدها مسكتان غليظتان من الذهب ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أتعطين زكاة هذا فقالت : لا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار فخلعتهما وألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت : هما لله ولرسوله ولأنه من جنس الأثمان فأشبه الدراهم والدنانير ، وفيما لطخ به اللجام وجهان . قال أبو الطيب بن سلمة : هو مباح كالذي حلى به المنطقة والسيف فيكون على قولين . وقال أبو إسحاق : لا يحل وهو المنصوص لأن هذا حلية للدابة بخلاف السيف والمنطقة ، فإن ذلك حلية للرجل في الحرب فحل . وإن كان للمرأة حلي فانكسر بحيث لا يمكنه لبسه إلا أنه يمكنه إصلاحه للبس ففيه قولان أحدهما : تجب فيه الزكاة لأنه لا يمكن لبسه فوجبت فيه الزكاة كما لو تفتت والثاني : لا تجب لأنه للإصلاح واللبس أقرب ، ون كان لها حلي معد للإجارة ففيه طريقان أحدهما : أنه تجب فيه الزكاة قولا واحدا لأنه معد لطلب النماء فأشبه إذا اشتراه للتجارة والثاني : إنه على قولين لأن النماء المقصود قد فقد لأن ما يحصل من الأجرة قليل فلم يؤثر في إيجاب الزكاة كأجرة العوامل من الإبل والبقر . وإذا وجبت الزكاة في حلي تنقص قيمته بالكسر ملك الفقراء ربع العشر منه ويسلمه إليهم بتسليم مثله ليستقر ملكهم عليه كما قلنا في الرطب الذي لا يجيء منه تمر . وقال أبو العباس : يخرج زكاته بالقيمة لأنه يشق تسليم بعضه ، والأول أظهر . + الشرح : أما الأحاديث والآثار الواردة في زكاة الحلي وعدمها ، فمنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب ، فقال لها : أتعطين زكاة هذا قالت : لا . قال : أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار فخلعتهما فألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت : هما لله ولرسوله رواه أبو داود وغيره عن أبي كامل الجحدري عن خالد بن الحارث عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كما ذكرنا . وهذا إسناد ، حسن . ورواه الترمذي من رواية ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأتين ، فذكره بنحوه . ثم قال الترمذي : هذا رواه المثنى بن صباح عن عمرو بن شعيب ، والمثنى وابن لهيعة ضعيفان . قال : ولا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء . هذا آخر كلام الترمذي .
وهذا التضعيف الذي ضعفه الترمذي بناء على انفراد ابن لهيعة والمثنى بن الصباح به ، وليس هو منفردا بل رواه أبو داود وغيره من رواية حسين المعلم كما ذكرنا عن عمرو بن شعيب وحسين ثقة بلا خلاف روى له البخاري ومسلم . ورواه النسائي من رواية خالد بن الحارث مرفوعا كما سبق ، ومن رواية معتمر بن سليمان مرسلا ، ثم قال : خالد بن الحارث أثبت عندنا من معتمر وحديث معتمر أولى بالصواب ، والله تعالى أعلم . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في يدي فتخات من ورق فقال : ما هذا يا عائشة فقلت : صغتهن أتزين لك يا رسول الله ، قال : أتؤدين زكاتهن قلت : لا أو ما شاء الله ، قال : هو حسبك من النار وعن أم سلمة قالت : كنت ألبس أوضاحا من ذهب فقلت : يا رسول الله أكنز هو فقال : ما بلغ أن يؤدي زكاته فزكي فليس بكنز رواه أبو داود بإسناد حسن ، وقد سبق ذكره في هذا الباب عن نافع ، وهذا إسناد صحيح وروى مالك في الموطأ أيضا عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها : أنها كانت تحلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي فلا تخرج منه الزكاة وهذا إسناد صحيح ، وروى الدارقطني بإسناده عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها : أنها كانت تحلى بناتها الذهب ولا تزكيه نحوا من خمسين ألفا وروى الشافعي رضي الله عنه هذه الأحاديث والآثار في الأم ، ورواها عنه البيهقي في معرفة السنن والآثار . ثم روى البيهقي بإسناده الصحيح عن الشافعي قال : أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار قال : وسمعت رجلا يسأل جابر بن عبد الله عن الحلى أفيه زكاة فقال جابر : لا فقال : وإن كان يبلغ ألف دينار فقال جابر : كثير قال الشافعي ويروى عن ابن عباس وأنس بن مالك ولا أدري أثبت عنهما معنى قول هؤلاء : ليس في الحلي زكاة قال الشافعي : ويروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن عمرو بن العاص أن في الحلي زكاة . قال البيهقي : قد رويناه عنهما وعن ابن مسعود . قال : وحكاه ابن المنذر عنهم . وعن ابن عباس قال الشافعي : وهذا مما أستخير الله تعالى فيه . قال الشافعي في القديم : وقال بعض الناس : في الحلي زكاة وروي فيه شيئا ضعيفا . قال البيهقي : وكأنه أراد حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده السابق ثم رواه البيهقي من رواية حسين المعلم عن عمرو بن شعيب كما سبق ، ورواه أيضا من رواية الحجاج بن أرطاة ببعضه قال البيهقي : حسين أوثق من الحجاج غير أن الشافعي كان كالمتوقف في روايات عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا لم ينضم إليها ما يؤكدها لأنه قيل : إن رواياته عن أبيه عن جده أنها صحيفة كتبها عبد الله بن عمرو ، قال البيهقي : وقد ذكرنا في كتاب الحج وغيره ما يدل على صحة سماع عمرو من أبيه ، وسماع أبيه من جده عبد الله بن عمرو ، قال : وقد انضم إلى حديثه هذا حديث أم سلمة وحديث عائشة في الفتحات قال البيهقي : من قال : لا زكاة في الحلي زعم أن الأحاديث الواردة في وجوب زكاته كانت حين كان التحلي بالذهب حراما على النساء ، فلما أبيح لهن سقطت زكاته قال البيهقي .
وكيف يصح هذا القول مع حديث عائشة إن كان ذكر الورق فيه محفوظا غير أن رواية القاسم وابن أبي مليكة عن عائشة في تركها إخراج زكاة الحلي مع ما ثبت من مذهبها من إخراج زكاة أموال اليتامى يوقع ريبة في هذه الرواية المرفوعة فهي لا تخالف النبي صلى الله عليه وسلم فيما روته عنه إلا فيما علمته منسوخا . قال البيهقي : ومن العلماء من قال : زكاة الحلي عاريته ، روى هذا عن ابن عمر وسعيد بن المسيب . قال البيهقي : والذي يرويه فقهاؤنا عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ليس في الحلي زكاة لا أصل له إنما روي عن جابر من قوله غير مرفوع والذي يروي عن عافية بن أيوب عن الليث عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا لا أصل له وعافية بن أيوب مجهول ، فمن احتج به مرفوعا كان مغررا بدينه داخلا فيما نعيب به المخالفين من الاحتجاج برواية الكذابين والله يعصمنا من أمثاله . هذا آخر كلام البيهقي . فهذا مختصر ما يتعلق بأحاديث الباب ، وحصل في ضمنه بيان الحديثين اللذين ذكرهما المصنف وهما حديث عمرو بن شعيب وحديث جابر ، والله تعالى أعلم . أما أحكام الفصل : فمقصوده بيان ما يجوز لبسه من الحلي للرجال والنساء ، وما يجوز للرجال خاصة أو للنساء خاصة . وما تجب فيه الزكاة منه قد سبق بيان جمل منه في باب ما يكره لبسه ، وإنما ذكر الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى ما يحل من الحلي ويحرم في هذا الباب ليعلم حكم الزكاة فيه . قال الشافعي والأصحاب : فكل متخذ من الذهب والفضة من حلي وغيره إذا حكم بتحريم استعماله أو كراهته وجبت فيه الزكاة بلا خلاف ، ونقلوا فيه إجماع المسلمين . وإن كان استعماله مباحا كحلي النساء وخاتم الفضة للرجل والمنطقة وغير ذلك مما سنوضحه إن شاء الله تعالى ففي وجوب الزكاة فيه قولان مشهوران أصحهما : عند الأصحاب : لا ، كما لا تجب في ثياب البدن والأثاث وعوامل الإبل والبقر ، وهذا مع الآثار السابقة عن الصحابة رضي الله عنهم ، وهذا نصه في البويطي والقديم وقال السرخسي وغيره : وبه قال أكثر أهل العلم وممن صححه من أصحابنا المزني وابن القاص في المفتاح والبندنيجي في كتابيه وآخرون لا يحصون ، وبه قطع جماعات منهم المحاملي في المقنع وسليم الرازي في الكفاية ، والمصنف وأما قول الفوراني : أن القديم وجوب الزكاة والجديد لا تجب ، فغلط صريح مخالف لما قاله الأصحاب ، بل الصواب المشهور نصه في القديم : لا تجب وفي الجديد قولان نص عليهما في الأم ، ونص في البويطي أنه لا تجب كما نص في القديم ، والمذهب لا تجب كما ذكرنا ، هذا إذا كان معدا لاستعمال مباح كما سبق ، قال أصحابنا : ولو اتخذ حليا ولم يقصد به استعمالا محرما ولا مكروها ولا مباحا بل قصد كنزه واقتناءه ، فالمذهب الصحيح المشهور الذي قطع به المصنف والجمهور وجوب الزكاة فيه ، قال الرافعي : ومنهم من حكى فيه خلافا ، ولو اتخذ حليا مباحا في عينه لكن لم يقصد به استعمالا ولا كنزا واقتناء ، أو اتخذة ليؤجره فإن قلنا : تجب الزكاة في الحلي المتخذ للاستعمال المباح فهنا أولى ، وإلا فوجهان أصحهما لا زكاة فيه ، كما لو اتخذه ليعيره ولا أثر للأجرة كأجرة الماشية العوامل والثاني تجب قولا واحدا ، لأنه معد للنماء ، قال الماوردي : وهذا قول أبي عبد الله الزبيري ، وصححه الجرجاني في التحرير لكن المذهب أنه على القولين ، والأصح لا زكاة فيه صححه الماوردي والرافعي وآخرون ، وقطع القاضي أبو الطيب في المجرد وآخرون بأن المتخذ للإجارة مباح وفي زكاته القولان .
فرع : ذكرنا أن المتخذ من ذهب أو فضة إن كان استعماله محرما وجبت فيه الزكاة قولا واحدا ، وإن كان مباحا فلا زكاة في الأصح ، قال أصحابنا : المحرم نوعان محرم لعينه كالأواني والملاعق والمجامر من ذهب أو فضة ، ومحرم بالقصد بأن يقصد الرجل بحلي النساء الذي يملكه كالسوار والخلخال أن يلبسه غلمانه ، أو قصدت المرأة بحلي الرجال كالسيف والمنطقة أن تلبسه أو تلبسه جواريها أو غيرهن من النساء . أو أعد الرجل حلي الرجال لنسائه وجواريه ، أو أعدت المرأة حلي النساء لزوجها وغلمانها ، فكله حرام بلا خلاف ، وتجب الزكاة فيه بالاتفاق . ولو اتخذ حليا ولم يقصد به استعمالا ، بل قصد كنزه واقتناءه أو إيجاره ففيه خلاف قدمناه قريبا ، قال أصحابنا : وحكم القصد الطارىء بعد الصياغة في جميع ما ذكرنا حكم المقارن ، فلو اتخذه بقصد استعمال محرم ثم قصد مباحا بطل الحول إذا قلنا لا زكاة في الحلي ، فلو عاد القصد المحرم ابتدأ الحول ، وكذا لو قصد الاستعمال ، ثم قصد كنزه ابتدأ الحول ، وكذا نظائره ، ولو اتخذ الرجل حلي النساء والمرأة حلي الرجال بلا قصد ، وقلنا : لا زكاة في الحلي فقد سبق قريبا أنه لا زكاة فيه في أصح الوجهين ، واحتج البغوي بأن الاتخاذ مباح فلا يجوز إيجاب الزكاة بالشك . فرع : إذا قلنا بالمذهب أنه لا زكاة في الحلي فانكسر فله أحوال أحدها : أن ينكسر بحيث يمنع الاستعمال فلا تأثير لانكساره بلا خلاف ويبقى في زكاته القولان والثاني : ينكسر بحيث يمتنع الاستعمال ، ويحوج إلى سبك وصوغ فتجب الزكاة وأول الحول وقت الانكسار هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور وحكى البندنيجي فيه قصد كنزه واقتناءه ، فالمذهب الصحيح المشهور الذي قطع به المصنف والجمهور وجوب الزكاة فيه ، قال الرافعي : ومنهم من حكى فيه خلافا ، ولو اتخذ حليا مباحا في عينه لكن لم يقصد به استعمالا ولا كنزا واقتناء ، أو اتخذة ليؤجره فإن قلنا : تجب الزكاة في الحلي المتخذ للاستعمال المباح فهنا أولى ، وإلا فوجهان أصحهما لا زكاة فيه ، كما لو اتخذه ليعيره ولا أثر للأجرة كأجرة الماشية العوامل والثاني تجب قولا واحدا ، لأنه معد للنماء ، قال الماوردي : وهذا قول أبي عبد الله الزبيري ، وصححه الجرجاني في التحرير لكن المذهب أنه على القولين ، والأصح لا زكاة فيه صححه الماوردي والرافعي وآخرون ، وقطع القاضي أبو الطيب في المجرد وآخرون بأن المتخذ للإجارة مباح وفي زكاته القولان . فرع : ذكرنا أن المتخذ من ذهب أو فضة إن كان استعماله محرما وجبت فيه الزكاة قولا واحدا ، وإن كان مباحا فلا زكاة في الأصح ، قال أصحابنا : المحرم نوعان محرم لعينه كالأواني والملاعق والمجامر من ذهب أو فضة ، ومحرم بالقصد بأن يقصد الرجل بحلي النساء الذي يملكه كالسوار والخلخال أن يلبسه غلمانه ، أو قصدت المرأة بحلي الرجال كالسيف والمنطقة أن تلبسه أو تلبسه جواريها أو غيرهن من النساء . أو أعد الرجل حلي الرجال لنسائه وجواريه ، أو أعدت المرأة حلي النساء لزوجها وغلمانها ، فكله حرام بلا خلاف ، وتجب الزكاة فيه بالاتفاق .
ولو اتخذ حليا ولم يقصد به استعمالا ، بل قصد كنزه واقتناءه أو إيجاره ففيه خلاف قدمناه قريبا ، قال أصحابنا : وحكم القصد الطارىء بعد الصياغة في جميع ما ذكرنا حكم المقارن ، فلو اتخذه بقصد استعمال محرم ثم قصد مباحا بطل الحول إذا قلنا لا زكاة في الحلي ، فلو عاد القصد المحرم ابتدأ الحول ، وكذا لو قصد الاستعمال ، ثم قصد كنزه ابتدأ الحول ، وكذا نظائره ، ولو اتخذ الرجل حلي النساء والمرأة حلي الرجال بلا قصد ، وقلنا : لا زكاة في الحلي فقد سبق قريبا أنه لا زكاة فيه في أصح الوجهين ، واحتج البغوي بأن الاتخاذ مباح فلا يجوز إيجاب الزكاة بالشك . فرع : إذا قلنا بالمذهب أنه لا زكاة في الحلي فانكسر فله أحوال أحدها : أن ينكسر بحيث يمنع الاستعمال فلا تأثير لانكساره بلا خلاف ويبقى في زكاته القولان والثاني : ينكسر بحيث يمتنع الاستعمال ، ويحوج إلى سبك وصوغ فتجب الزكاة وأول الحول وقت الانكسار هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور وحكى البندنيجي فيه طريقين . أحدهما : هذا والثاني : أنه على التفصيل الذي سنذكره في الحال الثالث إن شاء الله تعالى والثالث : ينكسر بحيث يمنع الاستعمال ، ولكن لا يحتاج إلى صوغ ، ويقبل الإصلاح بالإلحام ، فإن قصد جعله تبرا أو دراهم أو كنزه انعقد الحول عليه من يوم الإنكسار ، وإن قصد إصلاحه فوجهان مشهوران أصحهما لا زكاة وإن تمادت عليه أحوال لدوام صورة الحلي ، وقصد الإصلاح ، وبهذا قطع صاحب الحاوي ، وإن لم يقصد ذا ولا ذاك ففيه خلاف ، قيل وجهان وقيل قولان أصحهما : الوجوب والله تعالى أعلم .
فصل : فيما يحل ويحرم من الحلي
، فالذهب أصله على التحريم في حق الرجال ، وعلى الإباحة للنساء ، ويستثنى عن التحريم على الرجال موضعان أحدهما : يجوز لمن قطع أنفه اتخاذ أنف من ذهب ، وإن أمكنه إتخاذه من فضة ، وفي معنى الأنف السن والأنملة ، فيجوز اتخاذها ذهبا بلا خلاف ، ولا يجوز لمن قطعت رجلة أو يده في أصح الوجهين ، وما جاز من هذا من الذهب فمن الفضة أولى ، وقد سبقت هذه المسألة مبسوطة في باب الآنية ، وباب ما يكره لبسه . الموضع الثاني : تمويه الخاتم والسيف وغيرهما للرجل ، إن كان يحصل منه شيء بالعرض على النار فهو حرام بلا خلاف ، وإلا فطريقان أصحهما : وبه قطع العراقيون التحريم والثاني : حكاه الخراسانيون فيه وجهان أحدهما : التحريم لعموم قوله صلى الله عليه وسلم في الذهب والحرير : هذان حرام على ذكور أمتي وقد سبق بيان هذا الحديث وأشباهه في باب ما يكره لبسه . والثاني : الإباحة لأنه مستهلك وأما اتخاذ سن أو أسنان للخاتم فقطع الأصحاب بتحريمه ، ونقله الرافعي عن الأصحاب كلهم . وقال إمام الحرمين : لا يبعد تشبيهه بالضبية الصغيرة في الإناء وهذا ضعيف بل باطل مردود بالحديث المذكور . وأما الفضة فيجوز للرجل التختم بها . وهل له ما سوى الخاتم من حلي الفضة كالدملج والسوار والطوق والتاج فيه وجهان قطع الجمهور بالتحريم وقال المتولي والغزالي في فتاويه : يجوز لأنه لم يثبت في الفضة إلا تحريم الأواني وتحريم الحلي على وجه يتضمن التشبيه بالنساء . ويجوز للرجل تحلية آلات الحرب بالفضة بلا خلاف لما فيه من إرعاب العدو وإظهار القوة ، وذلك كتحلية السيف والرمح وأطراف السهام والدذرع والمنطقة والجوشن والخف والرأنين وغيرها مما في معناها . وفي تحلية السرج واللجام والثغر للدابة بالفضة وجهان مشهوران ذكرهما المصنف والأصحاب أحدهما : وبه قال أبو الطيب بن سلمة : مباح كحلية السيف والمنطقة وأصحهما : عند الأصحاب التحريم ، وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق المروزي ، ونقله المصنف والأصحاب عن نص الشافعي رضي الله عنه ، وقد نص عليه في ثلاثة كتب في رواية البويطي والربيع وموسى بن أبي الجارود ، لأن هذا حلية للدابة لا للرجل بخلاف المنطقة . قال أصحابنا : ويجري الوجهان في الركاب وبرة الناقة من الفضة ، والأصح التحريم ثم قال القاضي أبو الطيب : ويجريان في تحلية أطراف السيور ، والمذهب تحريم القلادة للدابة من الفضة ، وبه قطع كثيرون ، ولا يجوز للنساء تحلية شيء من هذه المذكورات بالذهب ، وكذا بالفضة بلا خلاف ، لأن في استعمالهن ذلك تشبها بالرجال والتشبه حرام عليهن ، هكذا قاله الأصحاب ، واعترض عليهم الشاشي في المعتمد ، وقال : آلات الحرب إما أن يقال : يجوز للنساء لبسها واستعمالها في غير الحرب ، وإما أن يقال لا يجوز ، والقول بالتحريم باطل ، لأن كونه من ملابس الرجل إنما يقتضي الكراهة دون التحريم ألا يرى أن الشافعي رضي الله عنه قال في الأم ولا أكره للرجل لبس اللؤلؤ إلا للأدب وأنه من زي النساء لا للتحريم فلم يحرم زي النساء على الرجل ، وإنما كرهه وكذا عكسه . قال الشاشي : ولأن المحاربة جائزة للنساء في الجملة ، وفي جوازها جواز لبس آلاتها ، وإذا جاز استعمالها غير محلاة جاز مع الحلية ، لأن التحلي للنساء أولى بالجواز من الرجال . قال الرافعي : هذا الذي قاله الشاشي هو الحق إن شاء الله تعالى قلت : وليس الحكم كما قاله الشاشي والرافعي ، بل الصواب ما قاله الأصحاب أن تشبه الرجال بالنساء حرام وعكسه كذلك ، للحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لعن الله المتشبهين بالنساء من الرجال والمتشبهات من النساء بالرجال واللعن لا يكون على مكروه . وأما نصه في الأم فليس مخالفا لهذا لأن مراده أنه من جنس زي النساء والله تعالى أعلم .
فرع : أجمع المسلمون على أنه يجوز للنساء لبس أنواع الحلي من الفضة والذهب جميعا . كالطوق والعقد والخاتم والسوار والخلخال والتعاويذ والدمالج والقلائد والمخانق . . وكل ما يتخذ في العنق وغيره . وكل ما يعتدن لبسه ولا خلاف في شيء من هذا ، وأما لبسها نعال الفضة والذهب ففيه وجهان أحدهما : وبه قطع صاحب الحاوي التحريم ، لما فيه من السرف الظاهر والخيلاء . وأصحهما عند الرافعي وغيره الإباحة كسائر الملبوسات . وأما التاج فقال صاحب الحاوي والأصحاب : : إن جرت عادة النساء بلبسه فمباح لهن لبسه وإلا فحرام لأنه لباس عظماء الفرس . قال الرافعي : وكان معنى هذا أنه يختلف بعادة أهل النواحي فحيث جرت عادة النساء بلبسه جاز لهن لبسه ، وحيث لم تجر لا جوز لأنه تشبه بالرجال . وفي جواز لبس الدراهم والدنانير التي تجعل في القلادة للمرأة وجهان . قال الرافعي أصحهما : التحريم وفي لبس الثياب المنسوجة بالذهب أو الفضة للمرأة وجهان مشهوران في الحاوي وغيره قال الرافعي وغيره أصحهما : الإباحة كالحلي لأنها لباس حقيقي والثاني : التحريم لما فيه من زيادة السرف والخيلاء . قال الرافعي . وذكر أبو الفضل بن عبدان أنه ليس لها اتخاذ زر القميص والجبة والفرجية من ذهب ولا فضة . قال الرافعي : ولعله فرعه على الوجه الثاني وهو تحريم لباس الثياب المنسوخة بها قلت : إن تكن تفريعا عليه وإلا فإذا جاز الثوب المنسوخ فالزر أولى . والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : كل حلي أبيح للنساء فإنما يباح إذا لم يكن فيه سرف ظاهر . فإن كان كخلخال وزنه مائتا دينار فالصحيح الذي قطع به معظم العراقيين تحريمه ، كذا نقله الرافعي وقال : فيه وجه أنه مباح . فرع : لو اتخذ الرجل خواتيم كثيرة أو المرأة خلاخل كثيرة ليلبس الواحد منها بعد الواحد فطريقان حكاهما الرافعي وغيره المذهب : القطع بالجواز لعموم النصوص المطلقة والثاني : فيه وجهان كالخلخال الذي فيه سرف ظاهر . فرع : جميع ما سبق هو فيما يتحلى به لبسا فأما غير اللبس فمنه أواني الذهب والفضة وهي حرام على الرجال والنساء جميعا ، فيحرم استعمالها ، وكذا اتخاذها على الأصح ، كما سلف في باب الآنية ، وسبق هناك بيان حكم المضبب بذهب أو فضة وأما تحلية سكاكين المهنة وسكين المقلمة والمقراض والدواة والمرآة ونحوها فحرام على الرجال بالذهب بلا خلاف . وفي الفضة وجهان مشهوران أصحهما التحريم . وبه قطع البندنيجي . قال الرافعي : والمذهب تحريم هذه كلها على المرأة . وقيل : هي كالرجل فيكون فيها الوجهان إلا المرأة فهي في حقها وحق الرجل سواء ، والأصح تحريمها عليهما ولا خلاف في تحريمها عليهما جميعا إذا حليت بذهب . فرع : لو اتخذ مدهنا أو مسعطا أو مكحلة من ذهب أو فضة فهو حرام على الرجال والنساء ، وكذا طرف العالية اللطيف حرام أيضا . هكذا قطع به الماوردي والجمهور هنا ، وسبق في باب الآنية وجه ضعيف أنه يجوز اتخاذ الصغير من الفضة كمكحلة وظرف غالية ونحوها ، ولا خلاف في تحريمه من الذهب ، ولا خلاف في استواء المرأة والرجل في هذا . قال صاحب البيان وغيره : ولا يجوز لها تحلية ربعها بذهب ولا فضة قطعا . فرع : قال صاحب الحاوي : لو اتخذ الرجل أو المرأة ميلا من ذهب أو فضة فهو حرام وتجب زكاته إلا أن يستعمل على وجه التداوي لجلاء عينه فيكون مباحا كاستعمال الذهب في ربط سنه ، ويكون في زكاته القولان في الحلي المباح ، وممن جزم بتحريم الميل البندنيجي . فرع : في تحلية المصحف بالفضة وجهان أو قولان أصحهما وأشهرهما الجواز وبه قطع الشيخ أبو حامد والماوردي وجماهير العراقيين . وهو نصه في القديم والأم وحرملة .
ونص في سير الواقدي وهو أحد كتب الأم على التحريم وقد أشار صاحب الكتاب إلى القطع بهذا ، فإنه جزم بوجوب الزكاة فيه . وهذا شذوذ منه فليعرف . وأما تحليته بالذهب ففيه أربعة أوجه ، قال الرافعي أصحها : عند الأكثرين إن كان لامرأة جاز ، وإن كان لرجل فحرام والثاني : يحل مطلقا وصححه صاحب الحاوي تعظيما للقرآن والثالث : يحرم مطلقا والرابع : يجوز تحلية نفس المصحف دون غلافه المنفصل عنه . قال الرافعي : وهذا ضعيف . وأما تحلية غلافه بالذهب فحرام بلا خلاف ونص عليه الشافعي وصرح به أبو علي الطبري في الإفصاح والقاضي أبو الطيب في المجرد والماوردي والدارمي لأنه ليس حلية للمصحف وأما تحلية باقي الكتب غير القرآن فحرام باتفاق الأصحاب ، وممن نقل الاتفاق عليه الرافعي قال : وأشار الغزالي إلى طرد الوجهين السابقين في الدواة والمقلمة هنا والمعروف في المذهب ما سبق . وأما تحلية الكعبة وسائر المساجد بالذهب والفضة وتمويه سقفه وتعليق قناديلها فيها ففيه وجهان مشهوران أصحهما التحريم . وبه قال أبو إسحاق المروزي وآخرون من المتقدمين . ونقل الماوردي عن كثير من أصحابنا المتقدمين وقطع به القاضي أبو الطيب والبغوي وآخرون . واستدلوا له بأنه لم يرد فيه سنة ولا عمله أحد من الخلفاء الراشدين ، فهو بدعة وكل بدعة ضلالة وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد وفي رواية لهما : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد . والوجه الثاني : الجواز تعظيما للكعبة والمساجد . وإعظاما للدين كما أجمعوا على ستر الكعبة بالحرير . قال أصحابنا فإن قلنا حرام وجبت زكاته بلا خلاف وإلا فعلى القولين في الحلي المباح . هذا إذا كان التمويه والقناديل ونحوها باقية على ملك فاعلها فإن كانت وقفا عليه إما من غلبة وإما بأن وقفها الفاعل فلا زكاة بلا خلاف لعدم المالك المعين . هكذا قطع به الأصحاب . وفي صحة وقف الدراهم والدنانير على هذه الجهة مع تحريمها نظر فليتأمل . قال أصحابنا : وإذا أراد الفاعل إخراج زكاته أخرجها بالاستظهار إن لم يعلم مقداره وإلا فليميزه بالنار ، فإن كان لو ميز لم يجتمع منه شيء فلا زكاة فيه ، . قال صاحب الشامل : وذكر الشيخ أبو حامد أنه إذا كان لا يجتمع منه شيء وصار مستهلكا فلا يحرم استدامته . والله أعلم . وأما تمويه سقف بيته وجداره بذهب أو فضة فحرام بلا خلاف . نص عليه الشافعي رضي الله عنه وصرح به الأصحاب . ونقل القاضي أبو الطيب في المجرد وغيره الاتفاق عليه قالوا : ولا يجيء فيه الوجه الذي في المسجد لأن ذلك الوجه لإعظام المسجد كما جازت تحلية المصحف ، حيث جوزناه دون سائر الكتب . قال البندنيجي : فإن كان المموه مستهلكا لا يحصل منه شيء بالسبك لم يحرم استدامته ولم يجب فيه زكاة ، وإلا حرمت ووجبت زكاته إن بلغ وحده نصابا أو بانضمام مال آخر له . فرع : لو وقف حليا على قوم يلبسونه لباسا مباحا ، أو ينتفعون بأجرته المباحة فلا زكاة فيه قطعا لعدم المالك الحقيقي المعين . فرع : لو حلى شاة أو غزالا أو غيرهما بذهب أو فضة وجبت زكاته بلا خلاف ، وقال الدارمي : لأن ذلك محرم وهو كما قال . فرع : حاصل المنقول في تحلية ولي الصبيان الصبيان بالذهب والفضة ثلاثة أوجه كما سبق في إلباسهم الحرير في باب ما يكره لبسه ، وقد جزم المصنف بالجواز . ذكره في باب صلاة العيد . وكذا جزم به البغوي وآخرون ، وسبق في باب ما يكره لبسه دليل الأوجه وأصحهما : جواز تحليتهم ما داموا صبيانا ، ونقله البغوي والأصحاب عن نص الشافعي رضي الله عنه والثاني : تحريمه والثالث : يجوز قبل سبع سنين .
فرع : الخنثى المشكل يحرم عليه لبس حلى الرجال ، ويحرم عليه أيضا لبس حلي النساء ، لأنه إنما أبيح لهن لكونهن مرصدات للتزين للأزواج والسادة ، هكذا قطع بتحريمه القاضي أبو الفتوح والبغوي وصاحب البيان وآخرون ، وهو مباح له في صغره ولم يتحقق تحريمه ، والصواب الأول لأنه إنما أبيح له في الصغر لعدم التكليف ، وقد زال ذلك بالبلوغ . فإذا قلنا بالمذهب هو تحريمه ففي زكاته طريقان حكاهما البغوي أصحهما : وبه قطع القاضي أبو الفتوح وصاحب البيان ، ورجح الرافعي وجوبها بلا خلاف لأنه حلي محرم والثاني : في وجوبها القولان في الحلى المباح لأنا لا نتيقن تحريمه في نفس الأمر لاحتمال أنه مباح له ، وإنما حرمناه للاحتياط ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : أواني الذهب والفضة المعدة للاستعمال يجب فيها الزكاة قولا واحدا ، لأنها محرمة ، وأما المتخذة لا للاستعمال فقد سبق في باب الآنية أن الصحيح تحريم اتخاذها لغير استعمال . وفي وجه أو قول أنه يجوز . قال أصحابنا : ويجب الزكاة فيه بلا خلاف ، وسواء جوزنا اتخاذه أم لا ، لأنه وإن جاز اتخاذه على وجه ضعيف فهو للقنية ومكروه وقد سبق أن المكروه والمتخذ للقنية يجب فيهما الزكاة . هكذا ذكر المسألة الأصحاب في جميع طرقهم ، إلا صاحب الحاوي فقال : إذا جوزنا اتخاذها ففي زكاته القولان كالحلي ، وهذا غلط مردود لا يعد وجها ، وإنما نبهت عليه لئلا يغتر به ، وليس كالحلي لأنه لا يجب الزكاة لكونه معدا لاستعمال مباح بخلاف الأواني ، فالصواب الجزم بوجوب زكاته ، سواء جوزنا اتخاذه أم لا ، وإنما يظهر فائدة الخلاف في جواز اتخاذه في ثبوت الأجرة لصانعه والإرش على كاسره ، وكما سبق في باب الآنية واضحا ، ويظهر في كيفية إخراج زكاته كما سنوضحه في الفرع الآتي إن شاء الله تعالى . فرع : إذا أوجبنا الزكاة في الحلى المباح ، فاختلفت قيمته ووزنه ، بأن كان لها خلاخل ، وزنها مائتا درهم وقيمتها ثلاثمائة ، أو فرض مثله في المناطق المحلاة للرجال قال أصحابنا المالك بالخياران شاء اخرج ربع عشر الحلي متاعا . بأن سلمه كله إلى الساعي أو المساكين أو نائبهم ، فإذا تسلمه برئت ذمته من الزكاة ، ثم يبيع الساعي نصيب المساكين أما للمالك وإما لغيره . أو يبيعونه هم إن قبضوه هم أو وكيلهم وإن شاء أخرج مصوغا كخاتم وسوار لطيف وغيرهما ، وزنه خمسة وقيمته سبعة ونصف ، ولا يجوز أن يكسره ويخرج خمسة من نفس المكسور ، ولا يجوز للساعي ولا للمساكين طلب ذلك ، لأن فيه إضرار به وبهم ، ولو أخرج عنه خمسة دراهم جيدة ، لجودة سبكها ولينها ، بحيث تساوي سبعة ونصفا أجزأه لأنه يقدر الواجب عليه بقيمته ولو أخرج عنه ذهبا يساوي سبعة دراهم ونصفا لم يجز على الصحيح ، وبه قطع جمهور أصحابنا ، وجوزه ابن سريج للحاجة ، حكاه المصنف عنه والأصحاب ، والمذهب الأول وتندفع الحاجة ما ذكرنا . قال أصحابنا : ولو كان له إناء وزنه مائتان ، ويساوي ثلاثمائة ، فإن جوزنا اتخاذ الإناء فالزكاة واجبة قولا واحدا ، كما سبق في الفرع ، وكيفية إخراجها كما سبق في الحلي ، وإن حرمناه وهو الأصح ولا قيمة لصنعته شرعا فله إخراج خمسة دراهم من غيره وإن لم تكن نفيسة ، وله كسره وإخراج خمسة منه ، وله إخراج ربع عشره مشاعا ، ولا يجوز إخراج الذهب بدلا عنه بلا خلاف ، لعدم الحاجة ، قال أصحابنا : وكل حلى حرمناه على كل الناس فحكم صنعته حكم صنعة الإناء ، وفي وجوب ضمانها على كاسرها وجهان بناء على جواز اتخاذ الإناء إن جوزنا وجب ، وإلا فلا وهو الأصح .
وما يحل لبعض الناس كالرجال دون النساء وعكسه يجب على كاسره ضمان صنعته بلا خلاف ، ، قال أصحابنا : وأما الضبة التي على الإناء إذا حكمنا بكراهتها فلها حكم الحرام في وجوب الزكاة بلا خلاف ، وقال البغوي احتمالا لنفسه : ينبغي أن يكون كالمباح وإذا حكمنا بإباحتها وأنها غير مكروهة ففي وجوب زكاتها القولان في الحلى المباح والله تعالى أعلم . فرع : ذكر الصيمري ثم الماوردي ومتابعوهما هنا أن الأفضل إذا أكرى حلى ذهب أو فضة أن لا يكريه بجنسه بل يكري الذهب بالفضة والفضة بالذهب فلو أكرى الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة فوجهان : أحدهما : بطلانه حذرا من الربا والصحيح الجواز كسائر الإجارات ، قال الماوردى : وقول الأول باطل لأن عقد الإجارة لا يدخله الربا ، ولهذا يجوز إجارة حلى الذهب بدراهم مؤجلة بإجماع المسلمين ، ولو كان للربا هنا مدخل لم يجز هذا . فرع : إذا اتخذ أنفا أو سنا أو أنملة من ذهب أو فضة أو شد سنه به فقد سبق أنه حلال بلا خلاف ، قال الماوردي : وأما زكاته فإن ثبت فيه العضو وتراكب عليه ، صار مستهلكا ، ولا زكاة فيه قولا واحدا ، وإلا فعلى القولين في الحلى المباح . فرع : في مذاهب العلماء في زكاة الحلى المباح قد ذكرنا أن الأصح عندنا أنه لا زكاة فيه ، وبه قال عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك ، وعائشة وأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم ، وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد والشعبي ومحمد بن علي والقاسم بن محمد وابن سيرين والزهري ومالك و أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر وقال عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس و ميمون بن مهران وجابر بن زيد والحسن بن صالح وسفيان الثوري وأبو حنيفة وداود : يجب فيه الزكاة وحكاه ابن المنذر أيضا عن ابن المسيب وابن جبير وعطاء ومجاهد وابن سيرين وعبد الله بن شداد والزهري ، واحتج كل فريق بما سبق من الأحاديث السابقة في أول الفضل والآثار ، وروى البيهقي عن ابن عمر وابن المسيب أن زكاة الحلى عاريته والله تعالى أعلم . & باب زكاة التجارة &
قال المصنف رحمه الله تعالى : تجب الزكاة في عروض التجارة ، لما روى أبو ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : في الإبل صدقتها ، وفي البقر صدقتها ، وفي الغنم صدقتها ، وفي البز صدقته ولأن التجارة يطلب بها نماء المال فتعلقت بها الزكاة كالسوم في الماشية . + الشرح : هذا الحديث رواه الدارقطني في سننه ، والحاكم أبو عبد الله في المستدرك والبيهقي بأسانيدهم ذكره الحاكم بأسادين ثم قال : هذا الإسنادان صحيحان على شرط البخاري ومسلم وقوله : وفي البز صدقته هو بفتح الباء وبالزاي هكذا رواه جميع الرواة ، وصرح بالزاي الدارقطني والبيهقي ، ونصوص الشافعي رضي الله عنه القديمة والجديدة متظاهرة على وجوب زكاة التجارة . قال أصحابنا : قال الشافعي رضي الله عنه في القديم : اختلف الناس في زكاة التجارة ، فقال بعضهم : لا زكاة فيها ، وقال بعضهم : فيها الزكاة ، وهذا أحب إلينا ، هذا نصه ، فقال القاضي أبو الطيب وآخرون : هذا ترديد قول ، فمنهم من قال في القديم قولان في وجوبها ، ومنهم من لم يثبت هذا القديم واتفق القاضي أبو @ 41 @ الطيب وكل من حكى هذا القديم على أن الصحيح في القديم أنها تجب كما نص عليه في الجديد ، والمشهور للأصحاب الاتفاق على أن مذهب الشافعي رضي الله عنه وجوبها وليس في هذا المنقول عن القديم إثبات قول بعدم وجوبها ، وإنما أخبر عن اختلاف الناس وبين أن مذهبه الوجوب بقوله : وهذا أحب إلي . والصواب الجزم بالوجوب ، وبه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين والفقهاء بعدهم أجمعين . قال ابن المنذر : أجمع عامة أهل العلم على وجوب زكاة التجارة قال : رويناه عن عمر بن الخطاب وابن عباس والفقهاء السبعة سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ، وخارجة بن زيد ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسلمان بن يسار والحسن البصري وطاوس وجابر بن زيد وميمون بن مهران والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي والنعمان وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد . وحكى أصحابنا عن داود وغيره من أهل الظاهر أنهم قالوا : لا تجب ، وقال ربيعة ومالك : لا زكاة في عروض التجارة ما لم تنض وتصير دراهم أو دنانير فإذا نضت لزمه زكاة عام واحد ، واحتجوا بالحديث الصحيح : ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة وهو في الصحيحين ، وقد سبق بيانه ، وبما جاء عن ابن عباس أنه قال : لا زكاة في العروض . واحتج أصحابنا بحديث أبي ذر المذكور ، وهو صحيح كما سبق ، وعن سمرة قال : أما بعد . . فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يعد للبيع رواه أبو داود في أول كتاب الزكاة ، وفي إسناده جماعة لا أعرف حالهم ، ولكن لم يضعفه أبو داود ، وقد قدمنا أن ما لم يضعفه فهو حسن عنده . وعن حماس بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم وآخره سين مهملة وكان يبيع الأدم قال : قال لي عمر بن الخطاب : يا حماس أد زكاة مالك ، فقلت : مالي مال ، إنما أبيع الأدم . قال : قومه ثم أد زكاته ، ففعلت رواه الشافعي وسعيد بن منصور الحافظ في مسنده والبيهقي ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة . رواه البيهقي بإسناده عن أحمد بن حنبل بإسناده الصحيح .
وأما الصواب عن حديث ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة فهو محمول على ما ليس للتجارة ، ومعناه : لا زكاة في عينه بخلاف الأنعام ، وهذا التأويل متعين للجمع بين الأحاديث ، وأما قول ابن عباس فهو ضعيف الإسناد ضعفه الشافعي رضي الله عنه والبيهقي وغيرهما ، قال البيهقي : ولو صح لكان محمولا على عرض ليس للتجارة ليجمع بينه وبين الأحاديث والآثار السالفة ، ولما روى ابن المنذر عنه من وجوب زكاة التجارة كما سبق . . . والله تعالى أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يصير العرض للتجارة إلا بشرطين أحدهما : أن يملكه بعقد فيه عوض كالبيع والإجارة والنكاح والخلع والثاني : أن ينوي عند العقد أنه تملكه للتجارة ، وأما إذا ملكه بإرث أو وصية أو هبة من غير شرط الثواب فلا تصير للتجارة بالنية ، وإن ملكه بالبيع والإجارة ولم ينو عند العقد أنه للتجارة لم يصر للتجارة ، وقال الكرابيسي من أصحابنا : إذا ملك عرضا ثم نوى أنه للتجارة صار للتجارة ، كما إذا كان عنده متاع للتجارة ثم نوى القنية صار للقنية بالنية ، والمذهب الأول ، لأنه ما لم يكن للزكاة من أصله لم يصر للزكاة بمجرد النية ، كالمعلوفة إذا نوى إسامتها ، ويفارق إذا نوى القنية بمال التجارة لأن القنية هي الإمساك بنية القنية ، وقد وجد الإمساك والنية ، والتجارة هي التصرف بنية التجارة ، وقد وجدت النية ولم يوجد التصرف ، فلم يصر للتجارة . + الشرح : قوله : من أصله ، احتراز من حلى الذهب والفضة إذا قلنا : لا زكاة فيه ، فنوى استعماله في حرام أو نوى كنزه واقتناءه ، فإنه يجب فيه الزكاة كما سبق ، لأن أصله الزكاة ، قال أصحابنا : مال التجارة هو كل ما قصد الاتجار فيه عند تملكه بمعاوضة محضة وتفصيل هذه القيود أن مجرد نية التجارة لا يصير به المال للتجارة فلو كان له عرض قنية ملكه بشراء أو غيره فجعله للتجارة لم يصر للتجارة ، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور ، وقال الكرابيسي : يصير للتجارة وهو مذهب أحمد وإسحاق بن راهويه ، وقد ذكر المصنف دليل الوجهين . أما إذا اقترنت نية التجارة بالشراء ، فإن المشتري يصير للتجارة ويدخل في الحول بنفس الشرى سواء اشتراه بعرض أو نقد أو دين حال أو مؤجل ، وإذا صار للتجارة استمر حكمها ، ولا يحتاج في كل معاملة إلى نية أخرى بلا خلاف ، بل النية مستصحبة كافية . وفي معنى الشرى ما لو صالح عن دين له في ذمة إنسان على عوض بنية التجارة فإنه يصير للتجارة بلا خلاف ، سواء أكان الدين قرضا أو ثمن مبيع أو ضمان متلف ، وهكذا الاتهاب بشرط الثواب إذا نوى به التجارة صار للتجارة . صرح به البغوي وغيره . وأما الهبة بلا ثواب والاحتطاب والاحتشاش والاصطياد فليست من أسباب التجارة ولا أثر لاقتران النية بها ، ولا يصير العرض للتجارة بلا خلاف لفوات الشرط وهو المعاوضة . وهكذا الرد بالعيب والاسترداد ، فلو باع عرض قنية بعرض قنية ثم وجد بما أخذه عيبا فرده واسترد الأول على قصد التجارة أو وجد صاحبه بما أخذ عيبا فرده فقصد المردود عليه بأخذه للتجارة لم يصر للتجارة ولو كان عنده ثوب قنية فاشترى به عبدا للتجارة ثم رد عليه الثوب العيب انقطع حول التجارة ولا يكون الثوب للتجارة بخلاف ما لو كان الثوب للتجارة أيضا فإنه يبقى حكم التجارة فيه ، كما لو باع عرض التجارة واشترى بثمنه عرضا آخر ، وكذا لو تبايع التاجران ثم تعاملا يستمر حكم التجارة في المالين . ولو كان عنده ثوب تجارة فباعه بعبد للقنية فرد عليه الثوب بالعيب لم يعد إلى حكم التجارة ، لأن قصد القنية حول التجارة ، وليس الرد والاسترداد من التجارة . كما لو قصد القنية بمال التجارة الذي عنده فإنه يصير قنية بالاتفاق . فلو نوى بعد ذلك وجعله للتجارة لا يؤثر حتى تقترن النية بتجارة جديدة ، ولو خالع وقصد بعوض الخلع التجارة في حال المخالعة ، أو زوج أمته أو تزوجت الحرة ونويا حال العقد التجارة في الصداق فطريقان أصحهما : وبه قطع المصنف وجماهير العراقيين : يكون مال تجارة ، وينعقد الحول من حينئذ ، لأنها معاوضة ثبتت فيها الشفعة كالبيع .
والثاني : وهو مشهور في طريقة الخراسانيين ، وذكر بعض العراقيين فيه وجهان أصحهما : هذا والثاني : لا يكون للتجارة لأنهما ليسا من عقود التجارات والمعاوضات المحضة ، وطرد الخراسانيون الوجهين في المال المصالح به عن الدم ، والذي آجر به نفسه أو ماله إذا نوى بهما التجارة ، وفيما إذا كان يصرفه في المنافع بأن كان يستأجر المستغلات ويؤجرها للتجارة ، فالمذهب في الجميع مصيره للتجارة . هذا كله فيما يصير به العرض للتجارة ، ثم إذا صار للتجارة ونوى به القنية صار القنية وانقطع حكم التجارة بلا خلاف ، لما ذكره المصنف رحمه الله تعالى . . والله تعالى أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا اشترى للتجارة ما تجب الزكاة في عينه كنصاب السائمة والكرم والنخل نظرت فإن وجد فيه نصاب إحدى الزكاتين دون الأخرى ، كخمس من الإبل لا تساوي مائتي درهم أو أربع من الإبل تساوي مائتي درهم وجبت فيه زكاة ما وجد نصابه لأنه وجد سببها ولم يوجد ما يعارضه فوجبت ، وإن وجد نصابهما ففيه طريقان . قال أبو إسحاق : إن سبق حول التجارة بأن يكون عنده نصاب من الأثمان مدة ثم اشترى به نصابا من السائمة وجبت زكاة التجارة فيه ، وإن سبق وجوب زكاة العين بأن اشترى نخلا للتجارة فبدا فيها الصلاح قبل أن يحول حول التجارة وجبت زكاة العين ، لأن السابق منهما قد وجد سبب وجوب زكاته ، وليس هناك زكاة تعارضها ، فوجبت كما قلنا فيما وجد فيه نصاب إحدى الزكاتين دون الأخرى ، وإن وجد سببهما في وقت واحد ، مثل أن يشتري بما تجب في الزكاة نصابا من السائمة للتجارة ، ففيه قولان . قال في القديم : تجب زكاة التجارة لأنها أنفع للمساكين ، لأنها تزداد بزيادة القيمة فكان إيجابها أولى . وقال في الجديد : تجب زكاة العين لأنها أقوى ، لأنها مجمع عليها ، وزكاة التجارة مختلف في وجوبها ، ولأن نصاب العين يعرف قطعا ونصاب التجارة يعرف بالظن فكانت زكاة العين أولى . وقال القاضي أبو حامد : في المسألة قولان سواء اتفق حولهما أو سبق حول أحدهما ، والأول أصح . فإن كان المشترى نخيلا وقلنا بقوله القديم ، قوم النخيل والثمرة ، وهل يقوم النخيل فيه قولان : أحدهما : لا يقوم لأن المقصود هو الثمار وقد أخرجنا عنها العشر . والثاني : يقوم ويخرج الزكاة من قيمتها لأن العشر زكاة الثمار . فأما لأصول فلم يخرج زكاتها . فوجب أن تقوم وتخرج عنها الزكاة . + الشرح : قال أصحابنا رحمهم الله تعالى : إذا كان مال التجارة نصابا من السائمة أو الثمر أو الزرع لم يجمع فيه بين وجوب زكاتي التجارة والعين بلا خلاف ، وإنما يجب إحداهما . وفي الواجب قولان أصحهما : وهو الجديد وأحد قولي القديم : تجب زكاة العين والثاني : وهو أحد قولي القديم : تجب زكاة التجارة ، ودليل العين أنها أقوى لكونها مجمعا عليها ، ولأنها يعرف نصابها قطعا بالعدد والكيل . وأما التجارة فتعرف ظنا ، ودليل التجارة أنها أنفع للمساكين ، فإنه لا وقص فيها . فإن قلنا بالعين أخرج السن الواجبة من السائمة ، ويضم السخال إلى الأمات كما سبق في بابه ، وإن قلنا بالتجارة قال البغوي وغيره : يقوم في الثمار الثمرة والنخيل والأرض ، وفي الزرع يقوم الحب والتبن والأرض ، وفي السائمة تقوم مع درها ونسلها وصفوفها وما اتخذ من لبنها . وهذا تفريع على أن النتاج مال تجارة ، وفيه خلاف سيأتي إن شاء الله تعالى . وعلى هذا القول لا تأثير لنقص النصاب في أثناء الحول تفريعا على الأصح أن نصاب العرض إنما يعتبر في الحول . ولو اشترى نصابا من السائمة للتجارة ثم اشترى بها عرضا بعد ستة أشهر مثلا ، فعلى قول اعتبار زكاة التجارة لا ينقطع الحول ، وعلى قول العين ينقطع ويبتدىء حول زكاة التجارة من حين ملك العرض ، وهذان القولان فيما إذا ملك نصاب الزكاتين واتفق الحولان . أما إذا لم يكمل إلا نصاب أحدهما بأن كان المال أربعين شاة وتبلغ قيمتها نصابا من الدراهم والدنانير عند تمام الحول أو كان دون أربعين شاة وتبلغ قيمتها نصابا ، فالصحيح وجوب زكاة ما بلغت به نصابا ، وبهذا قطع المصنف والأصحاب في معظم الطرق .