Gazâlî — Minhâcü'l-Âbidîn
فاعلم : أن في كل واحدة منها كلاما كثيرا ، وقد أشبعنا القول فيه في كتابي "الإحياء" و" الأسرار" ، ونحن نذكر هلهنا ما لا بد من ذكره، ولا يقع الغنى عنه ، فنقول وبالله التوفيق: أما الأمل : فإن اكثر علمائنا رحمهم الله تعالى قالوا : إنه إرادة الحياة للوقت المتراخي بالحكم، وقصر الأمل : ترك الحكم فيه؛ بأن تقئده بالاستثناء بمشيئة الله تعالى وعلمه في الذكر، أو بشرط الصلاح في الإرادة، فإذن إن ذكرت حياتك بأني أعيش بعد نفسي ثان أو ساعة ثانية أو يوم ثان بالحكم والقطع.. فأنت آمل، وذلك منك معصية؛ إذ هو حكم على الغيب ، فإن قيدته بالمشيئة والعلم من الله فتقول : أعيش إن شاء الله تعالى ، أو إن علم الله أني أعيش.. فقد خرجت عن حكم الأمل، وكذلك إن أردت حياتك للوقت الثاني ============================================================ قطعا.. فأنت آمل، وإن قيدت إرادتك بشرط الصلاح.. خرجت عن حكم الأمل، ووصفت بقصر الأمل من حيث تركت الحكم فيه ، فعليك بترك الحكم في ذكر البقاء وإرادته. والمراد بالذكر : ذكر القلب ، ثم المراد منه : التوطين على ذلك ، والتثبيث للقلب عليه، فافهمه راشدا إن شاء الله تعالى. ثم الأمل ضربان : أمل العامة ، وأمل الخاصة. فأمل العامة : أن تريد الحياة والبقاء لجمع الدنيا والتمئع بها، وهلذه معصية محضة، وضدها قصر الأمل ، قال الله تعالى : { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون وأمل الخاصة : أن تريد البقاء لإتمام عمل خير فيه خطر، وهو ما لا يستيقن الصلاح له فيه؛ فإنه ربما يكون خير معين لا يكون للعبد فيه أو في إتمامه صلاح؛ بأن يقع بسببه في آفة لا يقوم بها هذا الخير: فإذن ليس للعبد إذا ابتدأ في صلاة أو صوم أو غيره أن يحكم بأنه يتيه؛ إذ هو غيث، ولا أن يقصد ذلك قطعا ؛ لأنه ربما لا يكون له فيه صلاح ، بل يقيد ذلك بالاستثناء أو شرط الصلاح ، فيخلص من عيب الأمل ، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ولا نقولن لشأتىء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) وضد هلذا الأمل - فيما قاله العلماء - النية المحمودة، وإنما قالوا ذلك على ضرب من الاتساع ؛ لأن الناوي بالنية المحمودة يكون ممتنعا من الأمل. فهذا حكم الأمل والنية المحمودة؛ إذ قد مست الحاجة إلى معرفتها مع أنها الأصل الأصيل، قال علماؤنا رحمهم الله تعالى في حدها الجامع التام : إن النية الصحيحة المحمودة : إرادة أخذ عمل مبتدأ به قبل سائر الأعمال بالحكم، مع ارادة إتمامه بالتفويض والاستثناء: فإن قيل : فلم جاز الحكم في الابتداء ، ووجب التفويض والاستثناء في الإتمام؟ ============================================================ يقالك له : لفقد الخطر في الابتداء ؛ إذ هو في حال الابتداء ليس بشيء متراخ عنك، ولشبوت الخطر في الإتمام؛ إذ هو يقع في وقت متراخ ، ففيه الخطران : خطر الوصول ؛ لا تدري هل تصل إلى ذلك أم لا ؟ وخطر الفساد ؛ لا تدري هل في ذلك صلاح أم لا؟ فإذن وجب الاستثناء لخطر الوصول، والتفويض لخطر الفساد، فإذا حصلت الإرادة على هلذه الشروط.. تكون حينئذ نيهآ محمودة، مخرجة عن حد الأمل وآفته، فتأمل جدا، فهذه هذه. واعلم : أن حصن قصر الأمل ذكو الموت، وحصن حصنه ذكر فجأة الموت وأخذه على غرة وغفلة وهو في غرور وفتور، فاحتفظ بهذه الجملة، وحصلها موفقا ؛ فإن الحاجة إليها ماسة، ودع عنك تضييع الوقت في القيل والقال، وملاحاة الرجال ، والله الموفق بفضله.
وأما الحسد : فهو إرادة زوال نعم الله تعالى عن أخيك المسلم مما له فيه صلاح، فإن لم ترذ زوالها عنه، ولكن تريذ لنفسك مثلها... فهو غبطة، وعلى هلذا يحمل قوله صلى الله عليه وسلم : " لا حسد إلأ في اثنتين... 4 الخبر : أي: لا غبطة إلأ في ذلك، فعبر عن الغبطة بالحسد اتساعا في ذلك لمقاربتهما فإن لم يكن له فيها صلاح، فأردت زوالها عنه.. فذلك غيرة، فهذا هو الفرق بين هلذه الخصال : وأما ضد الحسد : فالنصيحة، وهي : إرادة بقاء نعمة الله تعالى على أخيك المسلم معا له فيها صلاخ. ============================================================ فإن قيل : كيف نعلم أن له فيها صلاحا أو فسادا لننصحه أو نحسده ؟ فاعلم : أنه قد يقوم لنا غالب الظن بذلك ، وغلبه الظن منا تجري مجرى العلم في هلذه المواضع. ثم إن اشتبه عليك.. فلا ترد زوال نعمة أحد من المسلمين أو بقاءها الا مقيدا بالتفويض وشرط الصلاح؛ لتخلص من حكم الحسد، ويحصل لك فائدة النصيحة. وأما حصن التصيحة المانع من الحسد : فهو ذكر ما أوجبه الله تعالى من موالاة المسلمين، وحصن هلذا الحصن ذكر ما عظم الله تعالى من حق المؤمن ورفع من قدره، وما له عند الله تعالى من الكرامات العظيمة في العقبى ، وما لك فيه من الفوائد الجليلة في الانيا؛ من التعاون والتظاهر، والجماعات والجمعات، ثم ما ترجو من شفاعته في الاخرة. فهلذه ونحوها مما يبعث على التصح لكل مسلم، ويجنبك أن تحسده في نعمة أعطاه الله تعالى إتاها، والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق بفضله. وأما العجلة : فإنها المعنى الراتب في القلب ، الباعث على الإقدام على الأمر بأول خاطر ، دون التوقف فيه والاستطلاع منه ، بل الاستعجال في اتباعه والعمل به، وضدآها الأناة، وهو المعنى الراتب في القلب، الباعث على الاحتياط في الأمور، والنظر فيها، والتأني في اتباعها، والعمل بها. وأما التوقف : فضده التعسف ، قال شيخنا رحمه الله تعالى : الفرق بين التوقف والتأني : أن التوقف قبل الدخول في الأمر حتى يستبين له رشده ، والتأني بعد الدخول فيه حتى يؤدي لكل جزه منه حقه. ثم مقدمات الأناة : ذكر وجوه الخطر في الأمور التي تعترض للإنسان ، وضروب الأفات المخوفة فيها، وذكرما في النظر والثثبت من السلامة ، وما في التعسشف والاستعجال من الندامة والملامة وهلذه وأمثالها مما يبعث على التأني والتوقف في الأمور، ويمنع من 12 ============================================================ الاستعجال والتعشف، والله تعالى وليي العصمة برحمته. وأما الكبر : فاعلم أنه خاطر في رفع النفس واستعظامها ، والثكثر اتباعه ، والضعة خاطو في وضع النفس واستحقارها ، والتواضع اتباعه، ولكل واحد منهما عامي وخاص فالتواضع العامي : هو الاكتفاء بالدون من الملبس والمسكن والمركب ، والتكثر في مقابلته الترقآع عن ذلك . والتواضع الخاصي : هو تمرين النفس على قبول الحق ممن كان وضيعا أو شريفا، والتكبر في مقابلته الترفح عن ذلك ، وهو معصية كبيرة، وخطيئة عظيمهآ. ثم حصن التواضع العائي أن تذكر مبدأك ومنتهاك، وما أنت عليه في الحال من ضروب الآفات والأقذار، كما قال بعضهم : (أولك نطفة مذرة ، وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بينها تحمل العذرة) . وحصن التواضع الخاصي : هو ذكر عقوبة العادل عن الحق، المتمادي في الباطل ، فهلذه جملهآ كافية لمن استبصر ، والله ولي التوفيق.
الفصل الخامس : البطن وحفظه: ثم عليك - وفقك الله- بحفظ البطن وإصلاحه؛ فإنه أشق الأعضاء إصلاحا على المجتهد، واكثرها مؤنة وشغلا، وأعظمها ضررا وأثرا ؛ لأنه المنبع والمعدن، ومنه تهيج الأمور في الأعضاء؛ من قوة وضعف، وعفة وجماح ونوه فعليك إذن بصيانته عن الحرام والشبهة أولا ، ثم عن فضول الحلال ثانيا إن كانت لك همة في عبادة الله تعالى. ============================================================ فأما الحرام والشبهة : فإنما يلزمك البحث عنهما لثلاثة أمور: اؤلها : حذرا من نار جهنم، قال الله سبحانه وتعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتلمى ظلما إنما يأ كلون فى بطونهم نارا وسيضلور سعيرا وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به" . والثاني : أن اكل الحرام والشبهة مطرود لا يوفق للعبادة ؛ إذ لا يصلح لخدمة الله تعالى إلا كل طاهر مطهر. قلث أنا: أليس الله تعالى قد منع الجنب من الدخول إلى بيته، والمحدث عن مس كتابه ؟ قال عز من قائل : { ولا جنبا إلاعايرى سبيل حتى تعتسلوا } ، وقال تعالى: لايمس إلا المطهرون} ، مع أن الجنابة والحدث أمر مباح، فكيف بمن هو منغمس في قذر الحرام، ونجاسة الشحت والشبهة، متى يدعى إلى خدمة الله العزيز وذكره الشريف سبحاته ؟! كلا فلا يكون ذلك أبدا . وقال يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله : الطاعة مخزونة في خزائن الله ، ومفتاحها الدعاء، وأسنانه الحلال، فإذا لم يكن للمفتاح أسنان.. فلا ينفتح الباب، وإذالم ينفتخ باب الخزانة. . كيف يوصل إلى ما فيها من الطاعة ؟! والثالث : أن آكل الحرام والشبهة محروم من فعل الخير ، وإن اتفق له فعل خير. فهو مردود عليه غير مقبول منه ، فإذن لا يكون له من ذلك إلأ العناء والكذ وشغل الوقت ، قال صلى الله عليه وسلم : 0 كم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر ، وكم من صائم ليس له من صيامه إلأ الجوع والظمأ " . ============================================================ وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( لا يقبل الله صلاة امرىء وفي جوفه حرام)، فهلذه هذه وأما فضول الحلال : فإنه آفة العتاد ، وبلية أهل الاجتهاد ، وإني تأملت فوجدت فيه عشر آفات هن أصول في هلذا الشأن : الأولى : أن في كثرة الأكل قسوة القلب وذهاب نوره ، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب؛ فإن القلب يموث كالزرع إذا كثر عليه الماء" . ولقد شبه ذلك بعض الصالحين بأن المعدة كالقذر تحت القلب تغلي، والبخار يرتفع إليه ، فكثرة البخار تكدره وتسخمه: والثانية : أن في كثرة الأكل فتنة الأعضاء وهيجها وانبعائها للفضول والفساد؛ فإن الرجل إذا كان شبعان بطرا.. اشتهت عينه النظر إلى ما لا يعنيه من حرام أو فضول ، والأذن الاستماع إليه ، واللسان التكلم به .، والفرج الشهوة له، والرجل المشي إليه ، وإن كان جائعا. . فتكون الأعضاء كلها ساكنة هادئة ، لا تطمخ إلى شيء منها ولا تنشط لها، ولقد قال الأستاذ أبو جعفر رحمه الله تعالى : إن البطن عضؤ، إن جاع هو.. شبع سائر الأعضاء - يعني : تسكن فلا تطالبك بشيء - وإن شبع هو.. جاع سائر الأعضاء. وجملة الأمر : أن أفعال الرجل وأقواله على حسب طعامه وشرابه ؛ إن دخل الحرام.. خرج الحرام، وإن دخل الفضول.. خرج الفضول، كأن الطعام بذر الأفعال ، والأفعال نبت تبدو منه: والثالثة : أن في كثرة الأكل قلة الفهم والعلم؛ فإن البطنة تذهب الفطنة ، ولقد صدق الداراني رحمه الله حيث قال : (إذا أردت حاجة من حوائج الذنيا والآخرة.. فلا تأكل حتى تقضيها؛ فإن الأكل يغير العقل) .
وهذا أمر ظاهر، علمه من اختبره. ============================================================ والوابعة : أن في كثرة الأكل قلة العبادة؛ لأنه إذا أكثر الإنسان الأكل .. ثقل بدنه، وغلبته عيناه، وفترت أعضاؤه؛ فلا يجيء منه شيء - وإن اجتهد إلأ النوم كالجيفة الملقاة ، ولقد قيل : إذا كنت بطنا . . فعد نفسك زمنا. ولقد ذكر عن يحيى عليه الصلاة والسلام : أن إبليس بدا له وعليه معالية ، فقال له يحيى : ما هلذه ؟ فقال : هلذه الشهوات التي أصيد بها بني آدم ، قال : هل تجد لي فيها شيئا ؟ قال : لا ، إلأ أنك شبعت ذات ليلة فثقلناك عن الصلاة ، فقال يحيى عليه الصلاة والسلام : لا جرم أني لا أشبع بعدها أبدا ، فقال إبليس : لا جرم أني لا أنصح بعدها أحدا أبدا : فهذه فيمن لم يشبع في عمره إلأ ليلة واحدة، فكيف بمن لا يجوع في عمره ليلة واحدة ثم يطمع في العبادة ؟1 وقال سفيان رحمه الله : العبادة حرفة، وحانوتها الخلوة، وآلثها المجاعة والخامسة : أن في كثرة الأكل فقد حلاوة العبادة ، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : (ما شبعت منذ أسلمت؛ لأجد حلاوة عبادة ربآي، وما روية منذ أسلمت ؛ اشتياقا إلى لقاء ربي) وهذذه صفات المكاشفين ، وكان أبو بكر رضي الله عنه مكاشفا، وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " ما فضلكم أبو بكر بفضل صوم أو صلاة، وإنما هو بشيء وقرفي صدره " . وقال الداراني : ( أحلى ما تكون العبادة إذا التزق بطني بظهري) . والشادسة : أن فيه خطر الوقوع في الشبهة والحرام ؛ لأن الحلال لا يأتيك ============================================================ الا قوتا ، ولقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إن الحلال لا يأتيك إلأ قوتا ، والحرام يأتيك جزافا جزافا". والسابعة : أن فيه شغل القلب والبدن؛ بتحصيله أولا، وبتهيئته ثانيا، ثم بأكله ثالثا، ثم بإفراغه والتخلص منه رابعا، ثم بالسلامة منه خامسا، بأن تبدو منه آفة في البدن ، بل آفات وعلل ، ولقد قال صلى الله عليه وسلم : " أصل كل داء البردة - يعني الثخمة - وأصل كل دواء الأزمة " يعني الجوع والحمية. وعن مالك بن دينار أنه كان يقول : يا هؤلاء؛ لقد اختلفت إلى الخلاء حتى استحييث من رئي وملكي، فيا ليت أن الله جعل رزقي في حصاة أمضها حتى اموت. ثم في هلذه الجملة ؛ من طلب الدنيا، والطمع في الناس، وتضييع الوقت بسبب كثرة الأكل ما لم يخف. والثامنة: ما يناله من أمور الآخرة وشدة سكرات الموت ، روي في الأخبار: أن شدة سكرات الموت على قدر لذات الحياة، فمن أكثر من هلذه .. أكثر له من تلك. والتاسعة : نقصان الثواب في العقبى ، قال الله تعالى : أذهبتم طيبتكر فى حياتكو الدنيا الآية. فإنه بقدر ما تأخذ من لذات الدنيا ينقص لك من لذات الآخرة، ولهلذا المعنى لروي] أن الله تعالى لما عرض الدنيا على نبينا محقد صلى الله عليه وسلم.. قال له : " ولا أنقصك من آخرتك شيئا " ، خصه بذلك، فدل ============================================================ على أن لغيره النقصان ، إلا أن يتفضل الله عليه بذلك : ولقد روي : أن خالد بن الوليد أضاف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وهيأ له طعاما، فقال عمر : (هذا لنا، فما للفقراء المهاجرين الذين ماتوا ولم يشبعوا من خبز شعير ؟) ، قال خالد : (لهم الجنة يا أمير المؤمنين) ، فقال عمر: (لئن فازوا بالجنة، وكان هلذا حظنا من الذنيا. . فقد بانوا منا بونا مبينا) .
وروي : أن عمر رضي الله عنه عطش يوما، فدعا بماع، فأعطاه رجل إداوة فيها ماء نبذ فيه تمرات، فلما قربها عمر من فيه.. وجد الماء باردا حلوا ، فأمسك وقال : أوه ، فقال الرجل : والله ؛ ما ألؤته حلاوة يا أمير المؤمنين ، (1 فقال عمر رضي الله عنه : ذلك الذي منعني منه ، ويحك ! لولا الآخرة. لشار كناكم في عيشكم. والعاشره : الحبس والحساب، واللوم والتعيير في ترك الأدب في أخذ الفضول وطلب الشهوات؛ فإن الدنيا حلالها حسابت، وحرائها عقاب، وزينتها الى تباب. فهلذه جملة العشرة ، وفي إحداها كفاية لمن نظر لنفسه، فعليك أيها المجتهد بالاحتياط البالغ في القوت ؛ كي لا تقع في حرام أو شبهة فيلزمك العذاب، ثم بالاقتصار من الحلال على ما يكون عدة على عبادة الله تعالى؛ فلا تقع في شر فتبقى في الحبس والحساب ، والله سبحانه ولي التوفيق . فإن قلت : فبين لنا أولا حكم الحرام والشبهة وحدهما : فأقول: لعمر الله لقد أشبعنا القول فيه في " أسرار معاملات الدين"، وذكرنا له كتابا مفردا في كتاب "الإحياء " ، للكنا نشير إلى كلمات مفردة بحيث تصل إلى فهم الضعيف المبتدي؛ إذ مقصوذ هذا الكتاب أن ينتفع به المبتدي في العبادة، ويعين الطالب : ============================================================ قال بعض العلماء : كل ما تيقنت كونه ملكا للغير، منهيا عنه في الشرع فهو حرام محض، وأما إذا لم يكن لك يقين بذلك، وللكن يغلب على ظنك أنه كذلك.. فهو شبهة. وقال آخرون : بل الحرام المحض ما يكون به علم أو غالب ظن؛ لأن غلبة الظن منا تجري مجرى العلم في كثير من الأحكام، فأما إذا تساوت الأمارتان حتى تبقى شاكا، لا يكون لأحدهما ترجيخ عندك.. فذلك شبهة، يشبهآ أنه حلال، ويشبهآ أنه حرام، فاشتبه أمره عليك، والتبس حاله ثم الامتناع عن الذي هو حرام محضق حتم واجث، وعن الذي هو شبهة تقوى وورع ، وهلذا أولى القولين عندنا. فإن قيل : فما تقول في قبول جوائز السلاطين في هلذا الزمان ؟ فاعلم : أن العلماء اختلفوا فيه : فقال قوم : كل ما لا يتيقن أنه حرام فله أخذه . وقال آخرون : لا يحل أن يأخذ ما لا يتحقق أنه حلال ؛ لأن الأغلب في هاذا العصر على أموال السلاطين الحرام، والحلال في أيديهم معدوم عزيز. وقال قوم : إن صلات السلاطين تجل للغني والفقير إذا لم يتحقق أنها حرام، وإنما التبعة على المعطي ، قالوا : لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدية المقوقس ملك الإسكندرية ، واستقرض من اليهود مع قول الله سبحانه وتعالى : { آكالون للشخت) قالوا : وقد أدرك جماعة من الصحابة أيام الظلمة وأخذوا منهم ، فمنهم : أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم ، رضوان الله عليهم أجمعين ============================================================ وقال آخرون : لا يحل من أموالهم شيءآ لغني ولا لفقير؛ إذ هم موسومون بالظلم، والغالب على أموالهم الشحث والحرام، والحكم للغالب، فيلزم الاجتناب وقال آخرون : ما لا يتيقن أنه حرام فهو حلال للفقير دون الغني ، إلأ أن يعلم الفقير أن ذلك عين الغصب ، فليس له أن يأخذه إلآ ليرده على مالكه، ولا حرج على الفقير أن يأخذ من أموال الشلطان ؛ لأنها إن كانث ملك الشلطان فأعطى الفقير.. فله أخذه بلا ريب ، وإن كانت من فيء أو خراج أو عشر.: فللفقير فيه حق، وكذلك لأهل العلم، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : (من دخل الإسلام طائعا ، وقرأ القرآن ظاهرا .. فله في بيت مال المسلمين كل سنة مثتا درهم - وروي مئتا دينار - إن لم يأخذها في الدنيا.. أخذها في الآخرة): واذا كان كذلك . . فالفقير والعالم يأخذان من حقهما.
قالوا : وإذا كان المال مختلطا بمال مغصوب ولا يمكن تمييزه، أو غصبا لا يمكن رده على صاحبه وذريته.. فلا مخلص للشلطان منه إلا أن يتصدق به ، وما كان الله ليأمره بالصدقة على الفقير وينهى الفقير عن قبولها، أو يأذن للفقير في القبول وهو عليه حرام، فإذن للفقير أن يأخذ إلا عين الغصب والحرام فليس له أخذه وهلذه المسائل لا يمكن الفتوى فيها إلا ببسط وتشقيي ، وأستيعاب القول فيها يخرج عن المقصود من الكتاب، فإن أردت معرفتها.. فطالع (كتاب الحلال والحرام) من كتاب " إحياء علوم الدين " تجذه مشروحا مبينا إن شاء الله تعالى فإن قيل : فما تقول في صلات أهل الشوق وغيرهم ، هل يلزم ردها ============================================================ والبحث عنها وقد علمت مجازفتهم وقلة نظرهم في معاملاتهم ، وكذلك صلات الإخوان؟ فالجواب : أنه إذا كان ظاهر الإنسان الصلاح والستر. . فلا حرج عليك في قبول صلته وصدقته، ولا يلزم البحث عنها بأن تقول : قد فسد الزمان؛ فإن هلذا سوء ظن بذلك الرجل المسلم ، بل حسن الظن بالمسلمين مأمور به. ثم أعلم : ما هو الأصل في هلذا الباب ، وهو أن ههنا شيئين : أحذهما : حكم الشرع وظاهره: والثاني : حكم الورع وحقه. فحكم الشرع : أن تأخذ ما أتاك ممن ظاهره صلاح ولا تسأن إلا أن تتيقن أنه غصب أو حرام بعينه وحكم الورع : ألا تأخذ شيئا من أحد حتى تبحث عنه غاية البحث ، وتستقصي غاية الاستقصاء، فتستيقن أنه لا شبهة فيه بحال، وإلأ.. فترده . فلقد روينا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه : أن غلاما له أتاه بلبن فشريه ، فقال الغلام : كنت إذا جئتك بشيء.. تسألني عنه ، ولم لم تسألني عن هلذا اللبن؟ فقال : (وما قصته ؟) ، قال : رقيث قوما في الجاهلية فأعطوني هلذا ، فتقيأ أبو بكر وقال : (اللهم؛ هلذه مقدرتي، فما بقي في العروق فأنت حسبه) فهذا يدلك على وجوب البحث عما تقدم عليه إن كان لك نظر في الورع وحقه، فهذه هذه فإن قلت : فكأن الورع يخالف الشرع وحكمه. فاعلم: أن الشرع موضوع على اليسر واليماحة ، ولذلك قال رسول الله ============================================================ صلى الله عليه وسلم : "بعثث بالحنيفية السمحة " ، والورع موضوع على التشديد والاحتياط ، كما قيل : الأمرعلى المتقي أضيق من عقد التسعين . ثم الورع من الشرع أيضا، وكلاهما في الأصل واحذد، وللكن للشرع حكمان : حكم الجواز، وحكم الأفضل الأحوط، فالجائز يقال لهآ حكم الشرع، والأفضل الأحوط يقال له حكم الورع ، فهما مع تميزهما واحد في الأصل، فافهم ذلك راشدا فإن قلت : إذا جاز البحث والاستقصاءآ عن كل شيء: . فسد علينا ما نأخذه في هذا الزمان، وتعذر الأمر بمرة على صاحب الورع ؛ إذ لا بد له من بلاغ يبلغه إلى الطاعة . فاعلم : أن طريق الورع شديد، وأن من قصد سلوكه.. فشرطه : أن يوطن نفسه وقلبه على احتمال الشدة، وإلا.. فلا يتم له ذلك، ولهذا المعنى صار الكثير من أهل الورع والسابقون إلى جبل لبنان وغيره، فاقتصروا على أكل الحشيش وثمرات تافهة لا شبهة فيها بحال ، فمن سمت همثه إلى نيل منزلة الورع الأعلى.. فعليه أن يحتمل الشدائد ويصبر عليها، ويسلك طريق أولئك لينال منزلتهم ، وأما إن أقام بين الناس، وأكل مما يتداولونه في أيديهم.. فليكن عنده بمنزلة الميتة لا يقدم عليها إلا عند الضرورة ، ثم لا يتناول منها إلا مقدار ما يبلغه إلى الطاعة، فيكون له عذر في ذلك، ولا يضرؤه إن كان في أصله شبهة؛ فإن الله تعالى أولى بالعذر، ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: فسد الشوق، فعليكم بالقوت.
ولقد بلغني عن وهيب بن الورد رحمه الله أنه كان يجوع نفسه يوما ويومين وثلاثة، ثم يأخذ رغيفا ويقول : اللهم ؛ إنك تعلم أني لا أقوى على العبادة وأخشى الضعف، وإلا. لم آكله، اللهم؛ إن كان فيه شيء من خبث أو ============================================================ حرام. . فلا تؤاخذني به ، ثم يبل الرغيف في الماء ويأكله . قلث : فهلذان الطريقان للطبقة العليا من أهل الورع فيما نعلمه، وأما من دونهم.. فلهم احتياط وبحث على مقدار، ولهم أيضا نصيث من الورع على مقدار، وبقدر ما تتعنى تنال ما تتمنى، والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا، وهو عليم بما يفعلون. فإن قيل : فهذا جانب الحرام، فأخبرنا عن جانب الحلال، وما حد الفضول الذي يلزم منه الحبس والحساب 9 وما المقدار الذي إذا أخذه العبد. يكون ذلك أدبا ولا يكون فضولا ، ولا عليه فيه حبس ولا حساب؟ يقال له : فاعلم : أن أحوال المباح في الجملة ثلاثة أقسام : أحدها : أن يأخذه العبد مفاخرا مكاثرا ، مباهيا مرائيا ، فيكون الأخذ منه فعلا منكرا، يستوجب على ظاهر فعله الحبس والحساب، واللوم والتعيير، وهو منكر وشر يستوجب على باطن فعله - وهو التكاثر والتفاخر- عذاب النار، وذلك القصد منه معصية وذنب ؛ لقوله تعالى : أنما الحيوة الدنيا لعب ولمتو وزينة وتفاخ إلى قوله : { وفى الآخرة عذاب شديد) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : 8 من طلب الدنيا حلالا مباهيا، مكائرا مفاخرا مرائيا.. لقي الله تعالى وهو عليه غضبان " ، فالوعيذ على قصده ذلك بقلبه. والقسم الثاني : أن يأخذ الحلال لشهوة نفسه لا غير، فذلك منه شر يستوجب عليه الحبس والحساب؛ لقوله تعالى: { ثر لتسعلن يؤميذ عن النعيو) وقال صلى اللهعليه وسلم : " الدنيا حلالها حساث ، وحرامآها عقاي " ============================================================ والقسم الثالث : أن يأخذ من الحلال في حال العذر قذرا يستعين به على عبادة الله تعالى، ويقتصر على ذلك، فذلك منه خير وحسنة وأدب، فلا حساب عليه ولا عقاب، بل يستوجب عليه الأجر والمدحة؛ لقوله تعالى: أولكيك لهر نصيب متا كسبوا) وقال صلى الله عليه وسلم : 1 من طلب الذنيا حلالا ؛ أستعفافا عن المسألة، وتعطفأ على جاره، وسعيا على عياله.. جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر" ، وذلك لما قصد به هلذه القصود المحمودة لله سبحانه، فهاذه هده فاعلمها فإن قيل : فما شرط المباح حتى يصير خيرا وحسنة كما ذكرتم ؟ فاعلم : أنه يحتاج لكونه خيرا في الأصل إلى شرطين : أحذهما: الحال: والثاني : القصد : فالحال: يجب أن يكون في حال عذر ، وهو بحيث إن لم يأخذه تؤخذ نفسه ، وتفسيره : أن يكون حاله إن لم يأخذ ذلك المباح . . ينقطع بسببه عن فرضي أو سنة أو نفل ، فيكون ذلك أفضل من ترك المياح؛ فإن ترك مباح الدنيا فضيلة، وإذا كان الحال كذلك. . فهو حال العذر . وأما القصد : فأن يقصد به العدة والاستعانة على عبادة الله سبحانه وتعالى، وهو أن يذكر بقلبه : أنه لولا ما فيه من التوصل إلى عبادة الله تعالى. . لما أخذت ذلك، فهذا ذكر الحجة، فلما حصل ذكو الحجة في حال العذر.. صار ذلك الأخذ من الدنيا الحلال خيرا وحسنة وأدبا وأما لو كان حاله حال العذر ولا يكون له هلذا القصد والذكر، أو يكون له ============================================================ هلذا القصد والذكر ولا يكون في حال العذر. . فلا يصير ذلك الأخذ من جملة الخيرات ثم الاستقامة على حفظ هذا الأدب تحتاج إلى بصيرة وقصد مجمل بأنه لا يأخذ من الدنيا بحال إلأ للعدة على عبادة الله تعالى ، حتى إنه إن سها عن ذكر الحكة في حال. . أجزأه ذلك القصذ المجمل عن تجديد ذكر الحجة .
قال شيخنا رحمه الله تعالى : فصارت الأمور الثلاثة معتبرة فيه ، كل واحد من وجه ؛ يعني : أن الذكر والحال معتبران في حصول كونه خيرا أصلا ، والقصذ المجمل المقتضي عن بصيرة منزلة الأدب معتبر في الاستقامة عليه، فافهم ذلك راشدا فإن قيل : فإن أخذ من الذنيا الحلال لشهوة. . فهل يكون ذلك معصية ؟ وهل يلزمآه عليه عذات؟ وهل الأخذ بالعذر فرض أم لا ؟ فاعلم : أن ذلك فضيلة، ونسميه خيرا وحسنة، والأمر به أمر تأديب، والأخذ بالشهوة شر وسيية، والنهي عنه نهي زجر وأدب ، وليس ذلك بمعصية، ولا يكون عليه عذاب النار ، وإتما عليه الحب والحساب ، واللوم والتعيير. فإن قلت : فما هذذا الحبس والحساب الذي يلزم العبد ؟ فاعلم : أن الحساب أن تسأل يوم القيامة عن ماذا اكتسبت ؟ وفي ماذا أنفقت ؟ وماذا أردت بذلك ؟ والحبس حبس عن الجنة مدة الحساب بذلك في عرصات القيامة بين أهوالها ومخاوفها غريان عطشان، وكفى بذلك بلية . فإن قيل : فالله سبحانه قد أحل لنا هذا الحلال، فاللوم والتعيير في أخذه لماذا ؟ فاعلم : أن اللوم والتعيير لتركه الأدب ، كمن أجلس على مائدة الملك فترك الأدب، فإنه يعير بذلك وئلام وإن كان الطعام له مباحا . ============================================================ والأصل في هذا الباب : أن الله تعالى خلق العبد لعبادته ، فهو عبد الله تعالى من كل وجه ، فحق للعبد أن يعبد الله تعالى من كل وجه يمكنه ، ويجعل افعاله كلها عبادة من أي وجه أمكنه، فإن لم يفعل ذلك وآثر شهوة نفسه، واشتغل بذلك عن عبادة ربه ، مع تمكنه من ذلك من غير تعدر ، والدار دار خدمة وعبادة، لا دار تنغم وشهوة. استحق اللوم بذلك والتعيير من سيده، فتأمل هذذا الأصل راشدا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فهلذه الجملة التي أردنا بيانها في إصلاح النفس وإلجامها بلجام التقوى ، فأرعها حقها، واحتفظ بها جدا تفز بالخير الكثير في الدارين إن شاء الله تعالى، والله ولي التوفيق والعصمة بفضله. فحتاق (في بيان معالجة الدنيا والشيطان والخلق والنفس] فعليك - أيها الرجل- ببذل المجهود في قطع هلذه العقبة العظيمة الطويلة؛ فإنها أعظم العقبات شدة، وأكثرها مؤونة، وأكبرها آفة وفتنة ؛ فإن من هلك من الخلق كلهم إنما انقطعوا عن طريق الحق: إما بسبب دنيا، أو خلق، أو شيطان، أو نفسي، ولقد ذكرنا في كتبنا المصنفة من كتاب "الأسرار" و" الإحياء " و8 القربة" ما يبعث على الاهتمام بذلك: ومقصود هذا الكتاب : أني سألث الله تعالى أن يطلعني على سر معالجة النفس، وأن يصلحني ويصلح بي، فاقتصرث في هذا الكتاب الشريف على نكت وجيزة اللفظ، غزيرة المعنى، تقنع من تأملها، وتدغه على واضحة من الطريق إن شاء الله تعالى ، وهلذا الفصل يختصى بنكت في معالجة الدنيا والخلق والشيطان والنفس. أما الدنيا : فحق لك أن تحذرها وتزهد فيها ؛ لأن الأمر لا يخلو من ثلاثة : إما أنت من ذوي البصائر والفطن، فحسبك أن الدنيا عدوة الله سبحانه، 141 ============================================================ وهو حبيبك ووليك، وأن الدنيا نقيصة عقلك ، والعقل قيمتك. وإما أنت من ذوي الهمم في عبادة الله تعالى والاجتهاد ، فحسبك أن الثنيا بلغ من شؤمها ما يمنعك من إرادتها، وتشغلك الفكرة فيها عن العبادة والخير، فكيف نفسها؟ وإما أنت من أهل الغفلة لا بصيرة لك تبصر الحقائق، ولا همة لك تبعث على المكارم، فحسبك أن الدنيا لا تبقى؛ إما أن تفارقها، وإما أن تفارقك ، كما قال الحسن رضي الله عنه : إن بقيث لك الدنيا. . لم تبق لها. فأي فائدة إذن في طلبها، وإنفاق العمر العزيز عليها ؟! ولقد أحسن القائل: [من الوافر اليس مصير ذاك إلى زوال ؟!
هب الدنيا تساق إليك عفوا وشيكا قد تغيره الليالي فما ترجو بعيش ليس يبقى وما دنياك إلأ مثل ظل آظلك ثم آذن بارتحال( فلا ينبغي لعاقل إذن أن يخدع بها، ولقد صدق القائل فيما قال : (من الكامل) أحلام نوم أو كظل زائل إن اللبيب بمثلها لا يخدع 2 حتى متى تسقى النفوس بكاسها ريب المنون وآنت لاو ترتع ؟ وأما الشيطان : فحسبك فيه ما قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وقل رب أعوذ باك من همزات الشيلطين وأعوذ يك رب أن يحضرون فهذا خير العالمين وأعلمهم، وأعقلهم وأفضلهم عند الله تعالى يحتاج مع ذلك إلى أن يستعيذ بالله من شر الشيطان، فكيف بك مع جهلك ونقصك وغفلتك ؟! وأما الخلق: فحسبك فيهم أنك لو خالطتهم ووافقتهم في آهوائهم.. آثآمت ============================================================ وأفسدت أمر آخرتك، وإن خالفتهم.. تعبت بأذياتهم وجفواتهم، وكدرت عليك أمر دنياك، ثم لا تأمن أن يلجثوك إلى معاداتهم ومناوأتهم فتقع في شرهم، ولأنهم إن مدحوك وعظموك. أخاف عليك الفتنة والعجب، وإن ذثوك وحقروك.. أخاف عليك الحزن تارة، والغضب لغير الله تعالى أخرى، وكلا الأمرين آفة مهلكة ثم اذكر حالك معهم بعد ما صرت إلى القبر بثلاثة أيام كيف يتركونك ويهجرونك وينسونك، فلا يكادون يذكرونك ، كأنك لم ترهم يوما ولم يروك، فلا يبقى لك هنالك إلا الله تعالى ، أفلا يكون من الغبن العظيم أن تضيع أيامك مع هؤلاء الخلق، مع قلة الوفاء وقلة البقاء معهم ، وتترك خدمة الله تعالى الذي يرجع إليه آخر الأمر وحده ، ولا يبقى لك إلأ هو أبد الآبدين ، والحاجاث كلها إليه، والثكلان كله عليه، والاعتصام كله في كل حال وعند كل شدة وهول به وحده لا شريك له؟ فتأمل يا مسكين ؛ لعلك ترشد إن شاء الله تعالى ، والله ولي الهداية والتوفيق بفضله. وأما التفسن: فحسبك ما تشاهذ من حالاتها، ورداءة إرادتها، وسوء اختيارها، فهي في حال الشهوة بهيمة، وفي حال الغضب سبع، وفي حال المصيبة تراها طفلا، وفي حال النعمة تراها فرعونا، وفي حال الجوع تراها مجنونا، وفي حال الشبع تراها مختالا، إن أشبعتها.. بطرت ومرحت، وإن جوعتها.. صاحت وجزعت، فهي كما قال الأول: (من الرمل] كحمار الشوء إن أشبعته رمح الناس وإن جاع نهق ولقد صدق بعض الصالحين حيث قال : إن رداءة هذذه النفس وجهلها بحيث إذا هقت بمعصية أو انبعثت لشهوة. لو تشفعت إليها بالله سبحاته ثم برسوله، وبجميع آآنبيائه وبكتابه، ويجميع السلف الصالح من عباده ، وتعرض ============================================================ عليها الموت والقبر، والقيامة والجنة والنار.. لا تعطي القياد، ولا تترك الشهوة، ثم إن استقبلتها بمنع رغيف.. تسكن وتترك شهوتها، لتعلم خستها وجهلها، فإياك أيها الرجل أن تغفل عنها؛ فإنها كما قال خالقها العالم بها جل جلاله: إن النفس لأمارة بالشوء}، فكفى بهذا تنبيها لمن عقل. ولقد بلغنا عن رجلي من الصالحين يقال له أحمد بن أرقم البلخيي رحمه الله أنه قال : نازعثني نفسي بالخروج إلى الغزو ، فقلت : سبحان الله ! إن الله تعالى يقول: إن النفس لأمارة بالشوه} وهلذه تأمرني بالخير ؟ لا يكون هذا أبدا ، وللكنها استوحشت فأرادت لقاء الناس لتستروح إليهم، ويتسامع الناس بها، فيستقبلونها بالتعظيم والبر والإكرام ، فقلت لها : لا أنزلك العمران، ولا أنزلك على معرفة، فأجابت، فأسأث الظن بها، وقلت: الله تعالى أصدق، فقلة لها: أقاتل العدو حاسرا فتكونين أول قتيل ، فأجابت ، وعذ أشياء مما أرادها فأجابت إلى كل ذلك ، قال : فقلت : يا رب؛ نبهني لها؛ فإني متهم لها، مصدق لك، فكوشفت بها كأنها تقول : يا أحمد ؛ أنت تقتلني كل يوم بمنعك اياي من شهواتي مرات وبمخالفتك ولا يشعر به أحد ، فإن قاتلت.. قتلت مرة واحدة فنجوت منك، ويتسامع الناس، فيقال : أستشهد أحمد، ويكون لي شرف وذكر، قال : فقعدت ولم أخرج إلى الغزو في ذلك العام .
فانظر إلى خداع النفس وغرورها، ترائي الناس بعد الموت بعمل لم يكن بعد: امن البسيط) ولقد صدق القائل فأحسن: توق نفسك لا تأمن غوائلها فالنفس أخبث من سبعين شيطانا فتنبه - رحمك الله - لهذه الخداعة الأمارة بالشوء، ووطن على مخالفتها قلبك بكل حال تصت وتسلم إن شاء الله تعالى، ثم عليك بإلجامها بالتقوى لا حيلة لها سواه واعلم : أن ههنا أصلا أصيلا، وهو أن العبادة شطران : شطر الاكتساب ، 144 ============================================================ وشطر الاجتناب؛ فالاكتساب : فعل الطاعات، والاجتناب : الامتناع عن المعاصي والسيئات، وهو التقوى، وإن شطر الاجتناب على كل حال أسلم وأصلح، وأفضل وأشرف للعبد من شطر الاكتساب، ولذلك يشتغل المبتدتون من أهل العبادة الذين هم في أول درجة الاجتهاد بشطر الاكتساب ، كل هقتهم أن يصوموا نهارهم، ويقوموا ليلهم، وتحو ذلك، ويشتغل المنتهون أولو البصائر من أهل العبادة بشطر الاجتناب، إنما همتهم أن يحفظوا قلوبهم عن الميل إلى غير الله تعالى، وبطونهم عن الفضول، وألسنتهم عن اللغو، وأعينهم عن النظر الى ما لا يعنيهم ولهلذا المعنى قال العابد الثاني من العباد - وكانوا سبعة- ليونس عليه السلام : يا يونس؛ من الناس من خبب إليهم الصلوات فلا يؤثرون عليها شيئا ، وهي عمود العبادة بالثبات لله تعالى والصدق والتضروع والابتهال، ومنهم من حبب إليهم الصوم فلا يؤثرون عليه شيئا، ومنهم من حبب إليهم الصدقة فلا يؤثرون عليها شيئا يا يون- وأنا مفسه لك هذذه الخصال - اجعل طول صلاتك الصبر على البأساء، والتسليم لأمر الله عز وجل، واجعل صومك الصمت عن كل سوءآ، واجعل صدقتك كفت الأذى؛ فإنك لا تتصدق بشيء أفضل منه، ولا تصوم بشيء أزكى منه. فإذا علمت أن جانب الاجتناب أولى بالرعاية والاجتهاد فيه ؛ فإن حصل لك الشطران جميعا - الاكتساب والاجتناب - فقد استكمل أمرك، وحصل مرادك، وقد سلمت وغنمت، فإن لم تبلغ إلأ إلى أحدهما.. فليكن ذلك جانب الاجتناب، فتسلم إن لم تغنم، وإلأ.. خسرت الشطرين جميعا، وما ينفعك قيام ليل وتعيه، ثم يحبط بارادة واحدة، وما يغنيك صيام نهار طويل، ثم تفسده بكلمة واحدة. ولقد روينا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قيل له : ما تقول في رجلين 145 ============================================================ أحدهما كثير الخير ، كثير الشر، والآخر قليل الخير ، قليل الشر؟ قال : (لا أعدل بالسلامة شيئا) : ومثالك ما قلناه : حال المريض، وذلك أن معالجة المريض نصفان : نصف هو الدواء، ونصث هو الاحتماء، فإن اجتمعا معا.. فكأنك بالمريض قد برىء وصح، وإلا.. فالاحتماء به أولى؛ إذ لا ينفع دواء مع ترك الاحتماء، ولقد ينفع الاحتماء مع ترك الدواء: ولقد قال صلى الله عليه وسلم : 0 أصل كل دواء الجمية" ، والمعني بها والله أعلم: أنها تغني عن كل دواء ، ولذا يقال : إن أهل الهند جل معالجتهم الحمية بمنع المريض عن الأكل والشرب والكلام عدة أيام، فيبرأ ويصح بذلك لا غير . فتبين لك بهلذه الجملة أن التقوى ملاك الأمر وجوهره ، وأهلها هم الطبقة العليا من العباد ، فعليك ببذل المجهود في ذلك وصرف كل العناية إليه ، والله سبحانه ولي التوفيق. فتا (في رعاية العين واللسان والبطن والقلب] ثم راع هلذه الأعضاء الأربعة التي هي الأصول : الأول : العين ، وحسبك فيها أن مدار أمر الدين والدنيا على القلب ، وأن خطر القلب وشغله وفساده في الأكثر من العين، ولذلك قال علي رضي الله عنه : (من لم يملك عينه.. فليس للقلب عنده قيمة) والثاني : اللسان، وحسبك أن فيه ربحك وغنيمتك وثمرة تعبك واجتهادك كله للعبادة والطاعة، وأن خطر العبادة وإحباطها وإفسادها في الأكثر من قبل اللسان، بالتصنع والتزين والغيبة ونحوها، يتلف عليك بلحظة واحدة ما تعبت ============================================================ فيه سنة، بل خمسا وعشرا، ولذلك قيل : (ما شيء أحق بطول السجن من اللسان) .
وفيما روي : أن أحد العباد السبعة قال ليونس عليه الصلاة والسلام : يا يونس؛ إن العباد إذا اجتهدوا في العبادة.. لم يتقووا على عبادتهم بشيءآ أفضل من الصبر عن الكلام في فصل طويل ، ثم عاد إلى ذلك فقال : فلا يكونن عنذك شيءآ آثر من حفظ لسانك، ولا تكونى لشيء أعنى به من سلامة صدرك ، فهذه هاذده ثم أذكر النفس الذي تكلمت فيه بفضول ماذا كان يضؤك لو قلت : استغفر الله؟ فربما يوافق ساعة عزيزة فيغفر الله لك، فتربح رأسك، أو قلت : لا إله إلا اللهآ، فيكون لك من الأجر والدخر ما لا يحيط به وفمك ، أو تقول : أسأل الله العافية، فربما يتفق حسن نظر، فيستجيب الله تعالى دعوتك، فنجوت من بلية الدنيا والآخرة. أفلا يكون من الخسران العظيم والغبن الفظيع أن تفوت على نفسك كل هذذه الفوائد الكريمة، وتجعل نفسك ووقتك في فضول، أقل ما يلزمك فيه اللوم والحساب والحبسن يوم القيامة ؟ امن الخفيف) ولقد أحسن القائل : ل إذا كنت فارغا مستريحا اغتنم ركعتين في ظلمة اللي طل فساجعل مكانه تسبيحا واذا ما هممت بالنطق في البا ض وإن كنت بالحديث فصيحا فاغتنام الشكوت أفضل من خو والثالث : البطن، وحسبك أن مقصودك العبادة، وأن الطعام بذر العمل وماؤه، منه يبدو وينبت، وإذا خبث البذر. . لا يطيب الزرغ، بل فيه خطر أن ============================================================ يفسد عليك أرضك فلا تفلع أبدأ، ومن ذلك ما بلغنا عن معروف الكرخي أنه قال : إذا صمت.. فأنظر على أي شيء تفطو، وعند من تفطر، وطعام من تأكل؟ فكم من يأكل أثلة فينقلب قلبه عما كان عليه ، فلا يعود إلى حاله أبدا ، وكم من أكلة حرمت قيام ليلة، وكم من نظرة منعت قراءة سورة، وإن العبد ليأكل الأكلة فيحرم بها قيام سنة. فعليك - أيها الرجل- بالنظر الدقيق والاحتياط البالغ الشديد في قوتك إن كان لك عناية بقلبك ، وهمة في عبادة ربك هلذا في أصل القوت حتى يكون من وجهه ، ثم عليك بالأدب فيه ، وإلا.. كنت حمالا للطعام ، مضيعا للأيام؛ إذ قد علمنا يقينا ، بل رأينا عيانا أن العبادة لا يجيء منها شيء إذا امتلا البطن، وإن أكرهت النفس على ذلك ، وجاهدت بضروب الحيل.. فلا يكون لتلك العبادة لذة ولا حلاوة، ولذلك قيل : لا تطمع بحلاوة في العبادة مع كثرة الأكل ، وأي نور في نفسي بلا عبادة، وفي عبادة بلا لذة ولا حلاوة ؟! ولهذا المعنى قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله : صحبث أكثر رجال الله تعالى في جبل لبنان، فكانوا يوصونني: إذا رجغت إلى أبناء الدنيا.. فعظهم بأربع؛ قل لهم : من يكثر الأكل.. لا يجذ لذة العبادة ، ومن ينم كثيرا.. لا يجد في عمره بركة، ومن طلب رضا الناس. . فلا ينتظر رضا الله، ومن يكثر الكلام بفضول وغيبة. . فلا يخرج من الدنيا على دين الإسلام. وعن سهل رحمه الله أنه قال : جماع الخير كله في هلذه الخصال الأربع، وبها صارت الأبدال أبدالا: إخماص البطون، والصمت، والاعتزال عن الخلق ، وسهر الليل. وقال بعض العارفين : الجوع رأس مالنا ، ومعناه : أن ما يحصل لنا من فراغ وسلامة، وعبادة وحلاوة، وعلم نافع.. بسبب الجوع والصبر عليه لله سبحانه: ============================================================ وأما القلب : فحسبك أنه أصل الكل؛ إن أفسدته.. فسد الكل، وإن أصلحته.. صلح الكل؛ إذهو الشجرة، وسائر الأعضاء أغصان، ومن الشجرة تشرب الأغصان وتصلح وتفسد، وإنه الملك، وسائر الأعضاء تبع وأركان، وإذا صلح الملك.. صلحت الرعية، وإذا فسد.. فسدت، فإذن صلاح العين واللسان والبطن وغيره دليل على صلاح القلب وعمرانه، وإذا رأيت فيها خللا وفسادا.. فاعلم أن ذلك من خلل في القلب وفساد وقع ثم ، بل الفساد فيه أكثر ، فاصرف عنايتك إليه فأصلخه يصلح الكل بمرة فتستريح.
ثم أمره دقيق عسير؛ إذ هو مبنئ على الخواطر، وهي ليست تحت يدك، والامتناع من اتباعها مجهود طاقتك، ففيه أقصى المشقة، ولهذا المعنى صار اصلاحه أشد على أهل الاجتهاد ، والاهتمام بأمره أكبر وأكثر عند ذوي البصائر . وعن أبي يزيد رحمه الله أنه قال : عالجت قلبي عشرا، ولساني عشرا، ونفسي عشرا، فكان قلبي أصعب الثلاثة، فهلذه هذه . ثم عليك بالاهتمام بالخصال الأربع التي ذكرناها؛ من الأمل ، والعجلة في الأمور، والحسد، والكبر، وإنما خصصنا هلذه الأربعة من بين سائر الخصال في هذا الموضع، وحضضنا على الاحتراس منها؛ لأنها علل القراء خاصة؛ إذ هي تعتري سائر الناس عموما، والقراء خصوصا ، فتكون أقبح وأشنع. ترى الرجل القارىء يطول الأمل ويعده نية خير فيوقعه في الكسل والتواني في العمل وتراه يستعجل في تحصيل منازل الخير فينقطع عنها، أو في إجابة دعاء صالح فيحرم ذلك، أو في الدعاء على أحد بسوء فيندم على ذلك ، كما ذكر عن نوح عليه الصلاة والسلام . وتراه يحسذ نظراءه على ما آتاهم الله من فضله، حتى ربما يبلغ منه ذلك مبلغا يحمله على قبائح وفضائح لا يقدم عليها فاسق ولا فاجر، ولهذا المعنى قال سفيان الثوريي رحمه الله : ما أخاف على دمي إلأ القراء والعلماء ، فاستنكروا 149 ============================================================ منه ذلك ، فقال : ما أنا قلته، إنما قاله إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: وعن عطاء قال : (قال لي الثوري رحمه الله : أحذروا القراء واحذروني معهم ، فلو خالفت أودهم لي في رمانة؛ فأقول: إنها حلوة، ويقول : إنها حامضة.. ما أمنثه أن يسعى بدمي إلى سلطان جائر) . وعن مالك بن دينار رحمه الله تعالى أنه قال : ( إني أقبل شهادة القراء على جميع الخلق ، ولا أقبل شهادة بعضهم على بعض؛ لأني وجدتهم حسادا) : وعن الفضيل أنه قال لابنه : اشتر لي دارا بعيدة من القراء ، ما لي ولقوم إن ظهرت مني زلهآ. هتكوني، وإن ظهرت علي نعمة.. حسدوني. وكذلك تراه يتكبر على الناس ويستخف بهم، مصعرأ خده، معبسا وجهه، كأنما يمن على الناس بما يصلي زيادة ركعتين ، وكأنما جاءه من الله تعالى منشور بالجنة والبراءة من النار ، أو كأنه استيقن السعادة لنفسه والشقاوة لسائر الناس ، ثم مع ذلك يلبس لباس المتواضعين من صوف وغيره ويتماوث، وهذذا لا يليق بالترفع والتكبر ولا يلائمآه، بل يناقضه ، ولكن الأعمى لا يبصر. وذكر أن فرقدا السبخي دخل على الحسن وعليه كساءآ ، وعلى الحسن حلة ، فجعل يلمسها، فقال الحسن : (ما لك تنظر إلى ثيابي؟ ثيابي ثياب أهل الجنة ، وثيابك ثياب أهل النار، بلغني أن اكثر أهل النار أصحاب الأكسية) ، ثم قال الحسن : (جعلوا الژهد في ثيابهم ، والكبر في صدورهم، والذي يحلف به؛ لأحذكم بكسائه أعظم كبرا من صاحب المطرف بمطرفه) . وإلى هلذا المعنى أشار ذو النون رحمه الله حيث قال : امن الوافر] تصوف فازدهى بالصوف جهلا وبعض الناس يلبسه مجانه ============================================================ يريك مهانة ويريك كبرا وليس الكبر من شكل المهانة تصوف كي يقال له أمين وما معنى تصؤفه الأمانه ولم يرد الإله به ولكن أراد به الطريق إلى الخيانسة فلتحذر - أيها الروجل- من هلذه الآفات الأربع ، لا سيما الكبر؛ فإن الثلاث الأول مداحض لو زللت فيها.. لوقعت في العصيان، والكبر مدحض لو زللت فيه.. لوقعت في بحار الكفر والطغيان ، ولا تنس حديث إبليس وفتنته أنه أبى واستكبر وكان من الكافرين. والروجوع إلى الله عز وجل أن يعصمنا جميعا بحسن نظره، إنه الجواد الكريم.
فلتاى (في إجمال ما مر تفصيله بشأن الدنيا والخلق والشيطان والنفس] وجملة الأمر : أنك إذا نظرت بعقلك أيها الرجل، فعلمت أن الدنيا لا بقاء لها، وأن نفعها لا يفي بضرها وتبعاتها؛ من كد البدن وشغل القلب في الدنيا ، والعذاب الأليم والحساب الطويل في الآخرة.. زهدت في فضولها، فلا تأخذ منها إلأ ما لا بد لك منه في عبادة ربك ، وتدع التنعم والتلذذ إلى الجنة دار النعيم المقيم في جوار رب العالمين ، الملك القادر الغني الكريم: وعلمت أن الخلق لا وفاء لهم، وأن مؤونتهم اكثر من معونتهم فيما يعنيك، وتركت مخالطتهم إلأ فيما لا بد لك منه، تتتفع بخيرهم، وتجتتث ضرهم، وتجعل صحبتك لمن لا تخسر في صحبته، ولا تندم على خدمته، وأنسك بكتابه وملازمتك إياه، فيكون لك بكل حال ، وترى منه كل جميل وإفضال، وتجذه عند كل نائبة في الدنيا والآخرة، كما قال عليه الصلاة ============================================================ والسلام : " أحفظ الله تجده حيث اتجهت " وعلمت أن الشيطان خبيث قد تجرد لمعاداتك، فأستعذت بربك القادر القاهر من هذذا الكلب اللعين، ولا تغفل عن مكايده ومصايده فتطرده بذكر الله تعالى، ولا تعبأن بذلك؛ فإنه يسير إذا ظهرت منك عزيمة الرجال ، فإنه كما قال تعالى : إنه ليس له سلطن على الذيء امثوا وعل رتبهة يتوكلون) ولقد صدق أبو حازم فيما قال : (ما الدنيا وما إبليس؟ أما الدنيا : فما مضى فحلم، وما بقي فأماني، وأما الشيطان : فوالله ؛ لقد أطيع فما نفع، ولقدغصي فما ضر) : وعلمت جهالة هذذه التفس وجماخها إلى ما يضوها ويهلكها، فنظرت إليها رحمة لها - نظر العقلاء والعلماء الذين ينظرون في العواقب، لا نظر الجهال والصبيان الذين ينظرون في الحال، ولا يفطنون لغائلة الأذى، وينفرون من مرارة الدواء، وألجمتها بلجام التقوى؛ بأن تمنعها عما لا تحتاج إليه بالحقيقة؛ من فضول كلام ونظر ، وتليي بخصلة فاسدة؛ من طول أمل، أو عجل، أو حسد مسلم، أو تكئر في غير موضعه، أو أكل بمحض شهوة وشره، وتعطيها ما ليس لها منه بذ، ولا تخاف منه ضررا ؛ إذ لا ضرورة إلى الفضول، وقد وسع الله تعالى الأمر على عباده برحمته، وأغناهم عن جميع ما يضروهم في أمر دينهم ، فأي حاجة إلى ذلك؟! فإن الأمر كما قال بعض الصالحين : (إن التقوى أهون شيء ؛ إذا رابني شيء. . تركته) . فإن النفس ستلين وتتعود ما عودتها ، وإنها لكما قال القائل : (من الكامل) فالنفس راغبةآ إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنع(1 ============================================================ وقال آخر: (هي النفس ما حملتها تتحمل) وئروى : (ما عؤدتها تتعود). وقال آخر: صبرت عن اللذات حتى تولت وألزمت نفسي صبرها فاستمرت وما النفس إلأحيث يجعلها الفتى فإن أطعمت تاقث وإلا تسلت فإذا علمت الذي وصفناه . . كنت من الزاهدين في الدنيا ، الراغبين في الأخرة. وأعلم : أن من سمي باسم الزاهد.. فلقد شمي بألف أسم ممدوح وكنت من المنفردين المنقطعين إلى الله سبحانه ، الذين هم أهل الأنس ، خدم رب العالمين ، فتكون كما قال القائل : تشاغل قوم بدنياهم وقوم تخلوا لمولاهم وعن سائر الخلق أغناهم فالزمهم باب مرضاته اذا فكروا بالذي أسلفوا أذاب القلوب وأبكاهم و طاعته طول محياهم ولا يعرفون سوى حته وعين المهيمن ترعاهم يصفون بالليل أقدامهم ويبكون طورا خطاياهم فطورا ينادونه سخدا تبارك من هو قواهم واضحوا صيامأ بجهده هم الحامدون لمولاهم هم الذاكرون هم الساجدون أرادوا رضاه فأرضاهم م المخبتون بيي اته اذا بالتحية حياهم فطوبى لهم ثم طوبى لهم وأعلى المنازل بسواهم اكهم في فراديسه ============================================================ وكنت من المجاهدين في الله تعالى ، الخواص من عباد الله تعالى ، الذين قال فيهم سبحانه : إن عبادى ليس لك عليهم ملطكن) وكنت من المتقين ، الذين لهم سعادة الدارين ، وصرت حينئذ أفضل من كثير من الملائكة المقريين؛ إذ ليست لهم شهوة تدعو إلى قبيح ، ولا نفس خبيثه.
وكنت قد خلفت هلذه العقبة الطويلة الشديدة وراءك، وسيقت العوائق كلها إلى مقصودك ، ولا يهولنك ؛ فإنه مع الاستعانة بالله تعالى والاعتصام به لهين. نسال الله تعالى وهو خير مسؤول أن يمدك وإيانا بحسن توفيقه وعونه وتيسيره؛ فإنه الكافي لكل مهم ، والمستعان به في كل معضلي ، فبيده الخلق والأمر، وهو على كل شيء قدير. فهذا ما أردنا ذكره في هذا الباب، ولا حول ولا قؤة إلأ بالله العلي العظيم ============================================================ العقبة الرابعة وهي عقبة العوارض ثم عليك يا طالب العبادة - وفقك الله تعالى - بكفاية العوارض الشاغلة عن عبادة الله تعالى، وسد سبيلها عنك ؛ لثآلا تشغل عن مقصودك ، وقد ذكرنا أنها أربعة: أحذها: الرزق ومطالبة النفس بذلك ، وإنما كفايته في التوكل ، فعليك بالتوكل على الله تعالى في موضع الرزق والحاجة بكل حال ، وذلك لأمرين : أحذهما: لتتفرغ للعبادة، ويتمشى لك من الخير حقه؛ فإن من لم يكن متوكلا . . فلا بد من أشتغاله عن عبادة الله بسبب الحاجة والرزق والمصلحة ؛ إما ظاهرا، وإما باطنا؛ إما بطلب وكسب بالبدن كعامة الراغبين، وإما بذكر وإرادة ووسوسة بالقلب كالمجتهدين المعلقين: والعبادة تحتاج إلى فراغ القلب والبدن ليحصل حقها ، والفراغ لا يكون الأ للمتوكلين ، بل أقول : كل من هو ضعيف القلب ، لا يكاد يطمئن قلبه إلا بشيء معلوم فلا يكاد يتم له أمر خطير من دنيا وآخرة. وكثيرا ما سمعتث من شيخي أبي محمد رحمه الله تعالى يقول : إنما الأمور تتمشىل في هلذا العالم لرجلين : متوكل، أو متهور. قلث : وهلذا كلام جامع في معناه ؛ فإن المتهؤر يقصد الأمور على قوة عادة وجرأة قلب، لا يلتفث إلى صارف يصرفه، أو خاطر يضعفه، فتجري له الأمور. والمتوكل يقصد الأمور على قوة وبصيرة، وكمال يقين بوعد الله سبحانه، ============================================================ وتمام ثقة بضمانه، فلا يلتفت إلى إنسان يخوفه، أو شيطان يوسوسه، فيفوز بمقاصده، ويظفر بمطالبه وأما المعلق الضعيف : فهو أبدا بين توكل وتردد ، وفتور وتحير، كالحمار في معلفه ، والدجاج في قفصه، يرمق ما تعود من صاحبه، لا يكاد ينفك من ذلك، قد تقاعدث نفسه عن معالي الأمور، وأنقطعث همثه، فلا يكاد يقصد أمرا شريفا، وإن قصده. . فلا يكاد يظفر به ولا يتم له ذلك، أما ترى أصحاب الهمم من أبناء الدنيا لم ينالوا مرتبة كبيرة ومنزلة خطيرة إلأ بانقطاع قلوبهم عن أنفسهم وأموالهم وأهليهم ؟! وأما الملوك : فيباشرون الحروب، ويكافحون الأعداء : إما هلكا، واما ملكا، حتى تحصل لهم مرتبة الملك وعقد الولاية.
وقيل : إن معاوية رضي الله عنه لما نظر إلى العسكرين يوم صفين. . قال : (من أراد خطيرا.. خاطر بعظيمته) وأما التجار: فيركبون المهالك برا وبحرا ، ويطرحون أنفسهم وأموالهم في المقاطع شرقا وغربا، ويوطنون أنفسهم على أحد الأمرين : إما فوت الأرواح ، وإما حصول الأرباح، حتل يحصل لهم بذلك كل ربح عظيم، ومال جسيم، وعلق نفيس: وأما الشوقي الذي قد ضعف قلبه، ورق عزمه : لا يكاد يقطع القلب عن علاقته من نفسه وماله، فهو من بيته إلى دكانه طول عمره لا يصل إلى مرتبة شريفة كالملوك ، ولا إلى ربح عظيم كالتجار المخاطرين ، فإن نال في سوقه رئح درهم على بضاعته.. فذلك له كثير، وذلك لتعلق قلبه بشيء معلوم، فهلذا في الدنيا وأبنائها وأما أبناء الآخرة : فرأس مالهم هلذه الخصلة التي هي التوكل وقطع القلب عن العلائق، لما أحكموها وأعطوها حقها. تفرغوا لعبادة الله تعالى، وتمكنوا ============================================================ من التفرود عن الخلق، والسياحة في الأرض، واقتحام الفيافي ، وأستيطان الجبال والشعاب، فصاروا أقوياء العباد، ورجال الدين ، وأحرار الناس، وملوك الأرض بالحقيقة ، يسيرون حيث يشاؤون، وينزلون حيث يشاؤون، ويقصدون من الأمور العظام علما وعبادة ما يشاؤون، لا عائق لهم، ولا حاجز لهم دونهم، فكل الأماكن لهم واحذ، وكل الأزمان عندهم واحذ، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : 1 من سره أن يكون أقوى الناس. . فليتوكل على الله ، ومن سره أن يكون أكرم الناس. . فليتق الله، ومن سره أن يكون أغنى الناس.. فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده " . وعن سليمان الخواص رحمه الله قال : لو أن رجلا توكل على الله سبحانه بصدق النية لاحتاج إليه الأمراء ومن دونهم ، وكيف يحتاج إلى أحد ومولاه الغنئ الحميد ؟1 وعن إبراهيم الخواص رحمه الله قال : (لقيت غلاما في التيه كأنه سبيكة فضة، قلت : إلى أين يا غلام ؟ قال : إلى مكة، قلت : بلا زاد ولا راحلة ؟ فقال : يا ضعيف اليقين؛ الذي يقدر على حفظ السماوات والأرض يقدر أن يوصلني إلى مكة بلا زاد ولا راحلة ، فلما دخلت مكة. . فإذا هو في الطواف يقول: امن مجزوء الرجز] ف سيحى ابدا پا نفن موتي كمدا ولا تحي احدا إلا الجلي ل الصم دا فلما رآني.. قال : يا شيخ؛ أنت بعذ على ذلك الضعف ؟!) . وقال أبو مطيع لحاتم الأصم : (بلغني أنك تقطع المفاوز بالتوكل من غير زاد ولا راحلة ، قال حاتم : زادي أربعة أشياء ، قال : ما هي؟ قال : أرى ============================================================ الدنيا والآخرة مملوكة لله عز وجل ، وأرى الخلق كلهم عبيد الله وعياله، وأرى الأرزاق والأسباب كلها بيد الله ، وأرى قضاء الله نافذا في جميع أرض الله) . ولقد أحسن من قال : [من الوافر] أرى الزقاد في رؤح وراحة قلوئهم عن الدنيا مزاحة اذا أبصرتهم أبصرت قوما ملوك الأرض سيمتهم سماحة وأما الأمر الثاني الذي أقتضى التوكل على الله سبحانه في هذا الشأن : فهو ما في تركه من الخطر العظيم والأمر الكبير. قلث : أليس الله سبحانه قرن الرزق بالخلق فقال : خلقكم ثر رزقكم) ؟ فدل على أن الرزق من الله لا غير كالخلق .
ثم لم يكتف بالدلالة حتى وعد فقال : إن الله هوالرزاق) : ثم لم يكتف بالوعد حتى ضمن فقال : { وما من دابآة فى الأرض إلا على الله رزقها: . ثم لم يكتف بالضمان حتى أقسم فقال : فورب السمله والأرض إنه لحق مثل ما أنݣم تنطقون) شم لم يكتف بذلك كله حتىل أمر بالتوئل وأبلغ وأنذر فقال : { وتوكل على و الحى الذى لايموث) ، وقال سبحانه : وعلى الله فتوكلوا إن كنشر ثومنين) فمن لم يعتبو بقوله، ولم يكتف بوعده، ولم يطمئن إلى ضمانه، ولم يقنع بقسمه، ثم لم يبال بأمره ووعده ووعيده.. فانظر ماذا يكون حاله؟! وانتبهآ أيي محنة تجيء من هلذا ؟! وهذه والله مصيبة شديدة، ونحن منها في غفلة عظيمة، ولقد قال الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم لابن عمر : " كيف أنت إذا بقيت بين قوم يخبيون رزق سنتهم لضعف اليقين 14" : ============================================================ وعن الحسن قال : لعن الله أقواما أقسم لهم ريهم فلم يصدقوه. وقالت الملائكة عند نزول هذه الآية : فورب السماء والآرض} : هلكث بنو آدم، أغضبوا الرب حتى أقسم لهم على أرزاقهم وعن أويس القرني أنه قال : لو عبدت الله عبادة أهل السماوات والأرض.: لما تقبل منك حتى تصدقه ، قيل : وكيف تصدقه ؟ قال : تكون آمنا بما تكفل الله تعالى لك من أمر رزقك، وترى جسدك فارغا لعبادته . ولقد قال له هرم بن حيان : أين تأمرني أن أقيم ؟ فأومأ بيده إلى الشام ، قال هرم : كيف المعيشة بها؟ قال : أف لهلذه القلوب، لقد خالطها الشك؛ فما تنفعها الموعظة. وبلغنا أن نباشا تاب على يد أبي يزيد البسطامي رحمه الله تعالى ، فسأله أبو يزيد عن حاله، فقال: نبشت عن ألف قبر فلم أر وجوههم إلى القبلة إلأ رجلين، فقال أبو يزيد : مساكين أولئك، تهمة الرزق حولت وجوههم عن القبلة وذكرلي بعض أصحابنا : أنه رأى رجلا من أهل الصلاح ، فسأله عن حاله، فقال : هل سلمت بإيمانك؟ فقال : إنما يسلم الإيمان للمتوكلين: نسال الله تعالى أن يصلحنا بفضله، ولا يؤاخذنا بما نحن أهله، إنه أرحم الواحمين، فهذه هلذه فإن قلت : فأخبرنا ما حقيقة التوكل وحكمه ؟ وما يلزم العبد منه من أمر الرزق؟ فاعلم : أنه إنما يتبين لك هلذا في أربعة فصول : بيان لفظة الثوكل ، و وضيه وحده، وحصنه فأما اللفظة : فإنما هي توئل ، تفعل من الوكالة ، فالمتوكل على أحد هو الذي يتخذه بمنزلة الوكيل القائم بأمره ، الضامن لإصلاحه ، الكافي له من غير تكلف وأهتمام، فهذه جملته: 159 ============================================================ وأما الموضع : فاعلم أن التويل أسم مطلق في ثلاثة مواضع : أحدها : في موضع القسمة ، وهو الثقة بالله تعالى بأنه لا يفوتك ما قسم لك؛ فإن حكمه لا يتبدل، وهذا واجث بالسمع: والثاني : في موضع النصرة ، وهو الاعتماد والوثاقة بنصر الله عز وجل لك اذا نصرته وجاهدت ، قال الله تعالى : قإذا عزهت فتوكل على الله}، وقال : إن نصروا الله يصركم}، وقال : { لقوريومنون} ، وهذذا واجب بالوعد . والثالث : في موضع الرزق والحاجة ؛ بأن الله تعالى متكفل بما يقيم بنيتك لخدمته، وتتمكن به من عبادته ، وذلك قوله تعالى : { ومن يتوكل على الله فهو حسبه وقال الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم : " لو توكلتم على الله حق توكله.. لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا" . وهذا فرض لازم للعبد بدليل العقل والشرع جميعا، وهلذا هو الأشهر والأغلب منه - أعني : التوكل في موضع الوزق - وهو المقصود من هلذا الفصل، فموضع التوكل إذن هو الرزق، وهو الؤزق المضمون - فيما قال العلماء- بالله تعالى، وإنما يتضح لك هلذا ببيان أقسام الرزق: فاعلم: أن الرزق أربعة أقسام : مضمون، ومقسوم، ومملوك، وموعود.
فالمضمون : هو الغذاء وما به قوام البنية دون سائر الأسباب، فالضمان من الله تعالى لهذا النوع ، والتوئل يجب بإزائه بدليل العقل والشرع ؛ لأن الله تعالى كلفنا خدمته وطاعته بأبداننا، فضمن لنا ما يسد خلل البنية لنقوم بما كلفنا . وقال بعض مشايخ الكرامية كلاما حسنا على أصله : إن ضمان أرزاق العباد واجث في حكمة الله تعالى لثلاثة أشياء : ============================================================ أحذها : أنه سيد ونحن العبيد ، وعلى السيد كفاية مؤنة العبيد ، كما أن على العبيد خدمة السيد. والثاني : أنه خلقهم محتاجين إلى الوزق ، ولم يجعل لهم سبيلا إلى طلبه ؛ إذ لا يدرون ما هو رزقهم؟ وأين هو؟ ومتى هو؟ ليطلبوه بعينه من مكانه ، وفي وقته ليصلوا إليه، فوجب أن يكفيهم أمر ذلك ويوصلهم إليه. والثالث : أنه كلفهم الخدمة ، وطلب الرزق شاغل عنها، فوجب أن يكفيهم المؤنة ليتفرغوا للخدمة. وهذذا كلام من لم يحط بأسرار الوبويتة ، والقائل بأن الرزق على الله واجث تائهآ، وقد أوضخنا في فن الكلام فساده ، ولنرجع إلى المقصود من غرضتا وأما الرزق المقسوم : فهو ما قسمه الله سبحانه وكتبه في اللوح المحفوظ ما يأكله ويشربه ويلبسه كل واحد بمقدار ووقت مؤقت ، لا يزيذ ولا ينقص، ولا يتقدم ولا يتأخر عما كتب بعينه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : "الرزق مقسوم مفروغ منه، ليس تقوى متي بزائده، ولا فجور فاجر بناقصه" . وأمآ المملوك : فما يملكه كل واحد من أموال الدنيا على حسب ما قدر الله تعالى وقسم له أن يملكه ، وهو من رزق الله تعالى ، قال الله تعالى : { وأنفقوأمن ماردقتكم اي : ممآ ملكناكم . وأما الموعود : فهو ما وعد الله تعالى المتقين من عباده بشرط الثقوى حلالا من غير كذ ، قال الله تعالى : { ومن يتقى الله يجعل له يخرجا ويرذقه من حيث لا حتسب فهذه أقسام الرزق، والتويل إنما يجب بإزاء المضمون منها، فاعلم ذلك: ============================================================ وأما حد التويل : فقد قال بعض شيوخنا : إنه أتكال القلب إلى الله تعالى بالانقطاع إليه، والإياس عما دونه. وقال بعضهم : حفظ القلب إلى الله تعالى بموضع المصلحة، بترك تعليقه على شيء دونه. قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله : التوكل ترك التعليق ، والتعليق : ذكر قوام بنيتك عن شيء دون الله تعالى. قال شيخي الإمام رحمه الله : التوكل والتعليق ذكران ، فالتوئل : هو ذكر قوام بنيتك من قبل الله تعالى، والتعليق : ذكر قوامها عمن دون الله تعالى. والأقاويل عندي ترجع إلى أصلي واحد ، وهو أن توطن قلبك على أن قوام بنيتك وسد خلتك وكفايتك إنما هو من الله عز وجل ، لا بأحد دون الله تعالى ، ولا بحطام من الدنيا ، ولا بسبب من الأسباب ، ثم إن الله تعالى إن شاء. . سبب له مخلوقا أو حطاما، وإن شاء. . كفاه بقدرته دون الأسباب والوسائط، فإذا ذكرت ذلك بقلبك، وتوطنت عليه ، وانقطع القلب عن المخلوقين والأسباب بمرة إلى الله سبحانه وحده.. فقد حصل التويل حقه، فهذا حده. وأما حصن التوكل الباعث عليه : فهو ذكر ضمان الله تعالى، وحصن حصنه : ذكر جلال الله وكماله في علمه وقدرته ونزاهته عن الخلف والشهو والعجز وصفات النقص، فإذا واظب العبذ على هلذه الأذكار. بعثثه على التوكل على الله سبحانه في أمر الرزق. فإن قيل : هل يلزم العبد طلب الرزق بحال ؟ فأعلم : أن الرزق المضمون الذي هو الغذاء والقوام لا يمكثنا طلبه ؛ إذ هو ============================================================ شيءآ من فعل الله سبحانه بالعبد ، كالحياة والموت ، لا يقدر العبذ على تحصيله ولا دفعه وأما المقسوم من الأسباب : فلا يلزم العبد طلبه ؛ إذ لا حاجة للعبد إلى ذلك ، وإنما حاجئه إلى المضمون ، وهو من الله تعالى ، وفي ضمان الله تعالى.
وأما قوله تعالى : وأبتغوأ من فضل ألله) . . فالمراد به : العلم والثواب ، وقيل: بل هو رخصة؛ إذ هو أمر وارد بعد الحظر، فيكون بمعنى الإباحة، لا بمعنى الإيجاب والإلزام. فان قيل : للكن لهذا الوزق المضمون أسباث، فهل يلزمنا طلب الأسباب؟ قيل له : لا يلزمك ذلك ؛ إذ لا حاجة للعبد إليه ؛ إذ الله سبحاته يفعل بسبب وبغير سبپ ، فمن أين يلزمنا طلب السبب ؟1 ثم إن الله تعالى ضمن لنا ضمانا مطلقا من غير شرط الطلب والكسب ، قال الله عز وجل : وما من دآبةر فى الأرض إلا على الله رزقها) ثم كيف يصح أن يأمر العبد بطلب ما لا يعرف مكانه فيطلبه ؟1 إذ لا يعرف أي سبب منها رزقه الذي يتناوله لا غير، والذي يصير سبب غذائه وتربيته لا غير، فالواحد منا لا يعرف ذلك السبب بعينه ، ومن أين يحصل له ، فلا يصخ تكليفه ، فتأمل ذلك راشدا ؛ فإنه بين . ثم حسبك أن الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين والأولياء المتوكلين لم يطلبوا رزقا في الأكثر والأعم، وتجردوا للعبادة، وبالإجماع أنهم لم يكونوا تاركين لأمر الله تعالى ، ولا عاصين له تعالى في ذلك ، فتبين لك أن طلب الرزق وأسبابه ليس بأمر لازم للعبد. فإن قلت : هل يزيد الروزق بالطلب ؟ وهل ينقص بترك الطلب ؟ قلث : كلا ؛ فإنه مكتوث في اللوح المحفوظ ، مقدر مؤقت، ولا تبديل لحكم الله، ولا تغيير لقسمته وكتابته. 113 ============================================================ هذا هو الصحيح عند علمائنا رضي الله عنهم، خلاف ما ذهب إليه بعض أصحاب حاتم وشقيق، قالوا: إن الرزق لا يزيد ولا ينقص بفعل العبد، للكن المال يزيد وينقص، وهلذا فاسد ؛ لأن الدليل في الموضعين واحد، وهو الكتابة والقسمة ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولاتفرخوابمآءاتككم}، ولو كان بالطلب يزيد ، وبالترك ينقص.. لكان للأسى والفرح موضع إذا هو قصر وتوانى حتى فاته ، وجد وشمآر حتى حصله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للسائل : "هاك، لو لم تأتها.. لأتتك" وقال عليه الصلاة والسلام : " لو ند أحذكم من رزقه. . لأدركه كما يدركه الموت " فإن قيل : فالثواب والعقاب أيضا مكتوث في اللوح المحفوظ ، ثم يلزمنا طلب الثواب، وترك موجب العقاب، فهل يزيد بالطلب، أو ينقص بالترك ؟ فاعلم : أن طلب الثواب إنما وجب لأن الله تعالى أمر به أمرا حتما، وأوعد على تركه ، ولم يضمن الثواب على غير فعل منا ، وزيادة الثواب والعقاب بفعل العبد، فالفرق بينهما في نكتة ، وهي ما قاله بعض علمائنا رضي الله عنهم : إن المكتوب في اللوح المحفوظ قسمان : قسم هو مكتوت مطلقا من غير شرط وتعليق بفعل العبد، وهو الأرزاق والآجال ، أما ترى كيف ذكرهما الله تعالى مطلقا غير مشروط ، قال الله تعالى : ( وما من دايتر فى الأرض إلا على الله رزقها) ، وقال تعالى : فإذا جماء أجلهم لا يستأخرود ساعة ولا يسلقد موب} ============================================================ وقال صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام : " أربعة قد فرغ منهن : الخلق ، والخلق ، والرزق، والأجل"؟ وقسم مكتوثت بشرط معلق، مشروط بفعل العبد ، وهو الثواب والعقاب، أما ترى كيف ذكرهما الله تعالى في كتابه معلقا بفعل العبد ، قال الله تعالى : { ولو أن أهل الكتلب امثوا واتقوا لكفرنا عنهم سيغاتهم ولأدخلنلهة جنلت النعيو} ؟ وهذا بين فاعليه. فإن قيل : فنحن نجد الطالبين يجدون الأرزاق والأموال، والتاركين يعدمون ويفتقرون قيل له : كأنك لا تجد مع ذلك طالبا محروما فقيرا ، أو فارغا مرزوقا غنيا ، بل إن هذا هو الأكثر؛ لتعلم أن ذلك تقدير العزيز العليم، وتدبير الملك الحكيم.
وأنشدني أبو بكر محمد بن سابق الصقلي الواعظ رحمه الله تعالى بالشام: امن البسيط] كم من قوي قوي في تقلبه مهذب الرأي عنه الرزق منحرف وكم ضعيف ضعيف في تقلب كأنه من خليج البحر يغترف هلذا دليل على أن الإله له في الخلق سر خفي ليس ينكشة (2 فإن قلت : فهل ندخل البادية بلا زاد ؟ فاعلم : أنه إن كان لك قوة القلب بالله والثقة البالغة بوعد الله. . فادخل، وإلا.. فكن كالعوام بعلائقهم، ولقد سمعث الإمام أبا المعالي رحمه الله يقول : إن من جرى مع الله تعالى على عادة الناس. . جرى الله تعالى معه على ============================================================ ما هو عادة الناس في كفاية المؤنة ، وهذا كلام حسن جدا ، وفيه فوائد جمة لمن تأمآلها: فإن قلت : أليس الله تعالى يقول : وتزود وأفا خير الزاد التقوى) ؟ فاعلم : أن فيه قولين : أحدهما : أنه زاد الآخرة ، ولذلك قال : خير الزاد التقوى}، ولم يقل : حطام الدنيا وأسبائها. والثاني : ( أنه كان قوم لا يأخذون زادا في طريق الحج لأنفسهم اتكالا على الناس، ويسألون ويلثون ويؤذون الناس ، فأمروا بالزاد أمر تنبيه) . على أن أخذ الزاد من مالك خير من أخذ مال الناس والاتكال عليهم ، وكذلك نقول : فإن قلت : فالمتوكل هل يحمل الزاد معه في الأسفار أم لا؟ فاعلم : أنه ربما يحمل الزاد ولا يعلق القلب به بأنه لا محالة رزقه، وفيه قوائه، إنما يعلق القلب بالله تعالى ويتوكل عليه ، ويقول : إن الرزق مقسوم مفروغ منه ، والله تعالى إن شاء.. أقام بنيتي بهذا أو بغيره، وربما يحمل بنية أخرى؛ بأن يعين مسلما أو نحو ذلك، وليس الشأن في أخذ الزاد وتركه ، إنما الشأن في القلب ، لا تعلق قلبك إلأ بوعد الله تعالى وحسن كفايته وضمانه ، فكم من حامل للزاد وقلبه مع الله تعالى دون الزاد ، وكم من تارك للزاد وقلبه مع الزاد دون الله تعالى ، فالشأن إذن في القلب ، فافهم هذه الأصول تكف المؤنة إن شاء الله تعالى. فإن قيل : فالنبيي صلى الله عليه وسلم كان يحمل الزاد ، وكذلك الصحابة والسلف الصالح. ============================================================ يقال له : لا جرم أن ذلك مباح غير حرام، إنما الحرام تعليق القلب بالزاد ، وترك التوكل على الله سبحانه وتعالى، فافهم ذلك . ثم ما ظنك برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال الله تعالى له : (وتوكل على الحى الزى لا يموت)، أعصاه في ذلك وعلق قلبه بطعام أو شراب أو درهم أو دينار؟ كلا وحاشا أن يكون ذلك ، بل كان قلبه مع الله تعالى ، وتوكله على الله تعالى ، فإنه الذي لم يلتفت إلى الذنيا بأسرها ، ولم يمد يده إلى مفاتيح خزائن الأرض كلها ، وإنما كان أخذ الزاد منه ومن السلف الصالح لنيات الخير ، لا لميل قلوبهم عن الله تعالى إلى الزاد ، والمعتبر القصد على ما أعلمناك، فانتبهآ من رقدتك. فإن قلت : أيهما أفضل ؛ أخذ الزاد أم تركه ؟ فاعلم : أن هذذا يختلف باختلاف الحال ؛ إن كان مقتدى به يريد أن يبين أن أخذ الزاد مباح، أو ينوي به عون مسلم ، أو إغاثة ملهوف ونحو ذلك. . فالأخذ أفضل، وإن كان منفردا، قوي القلب بالله سبحانه، يشغله الزاذ عن عبادة الله تعالى.. فالترك أفضل، فتفهم هلذه الجملة واحتفظ بها راشدا ، وبالله التوفيق.
العارض الثاني : الأخطار وارادتها وقصودها، وإنما كفايتها في التفويض ، فعليك بتفويض الأمر كله إلى الله سبحانه وتعالى ، وذلك لأمرين : أحذهما : لطمأنينة القلب في الحال ؛ فإن الأمور إذا كانت خطيرة مبهمة لا يدرى صلاحها من فسادها. . تكون بها مضطرب القلب ، هائم النفس، لا تدري تقع في صلاح أو فساد ، فإذا فؤضت الأمر كله إلى الله تعالى.. علمت أنك لا تقع إلأ في صلاح وخير، فتكون آمنا من الخطر والآفة والمخالفة ، مطمئن القلب في الحال ، وهلذه الطمأنينة والأمن والراحة في القلب غنيمة عظيمة، وكان شيخنا رحمه الله يقول في مجالسه كثيرا : دع التدبير على من (من الخفيف) خلقك تسترخ، وقد أنشد في ذلك : ان من كان ليس يدري آفي المح بوب نفع له أو المكروه 117 ============================================================ لحري بأن يفوض ما يع جز عنه إلى الذي يكفيه الإلكه البر الذي هو بالوا فة أحنى من أمه وأبيه والثاني من الأمرين : حصول الصلاح والخير في الاستقبال، وذلك لأن الأمور بالعواقب مبهمة، فكم من شر في صورة خير، وكم من ضر في حلية نفع، وكم من سم في هيئة شهد، وأنت الجاهل بالعواقب والأسرار، فإذا أردت الأمور قطعا، وأخذت فيها باختيارك متحكما.. فما أسرع ما تقع في هلاك وأنت لا تشعر . ولقد حكي أن بعض العباد كان يسأل الله تعالى أن يريه إبليس ، فقيل له : سل الله تعالى العافية ، فأبى إلأ ذلك ، فأظهره الله تعالى له ، فلما رآه العابد.: قصده بالضرب، فقال له إيليس : لولا أنك تعيش مثة سنة.. لأهلكتك وعاقبتك، فاغتر بقوله ، وقال في نفسه : إن عمري بعيد طويل، فأفعل ما أريد ثم أتوب، فوقع في الفسق، وترك العبادة، فهلك: ففي هلذه ما ينبهك على ترك الحكم في إرادتك، واللجاج في مطلويك ، ويحذوك طول الأمل أيضا ؛ فإنه الآفة العظيمة ، ولقد صدق القائل : (من الوافرا ألا يا تفس إن ترضي بقوت تكوني حرة أبدا مليهآ وإياك المطامع والأماني فكم أمنية جلبت منيه وأما إذا فوضت أمرك إلى الله سبحانه، وسألته أن يختار لك ما هو صلاحك.. لم تلق إلأ الخير والسداد ، ولا تقع إلاعلى الصلاح ، قال الله تعالى حكاية عن العبد الصالح : وأفوض أمريت إلى الله إيب الله بصير بالعباد فوقه الله سيغات مامكروا أما ترى كيف أعقب تفويضه الوقاية من الأسواء ، والنصر على الأعداء، ============================================================ وبلوغ المراد ؟ فتأمل موفقا إن شاء الله تعالى . فإن قلت : بين لنا معنى التفويض وحكمه . فاعلم : أن هلهنا فصلين ، بهما يتضح الكلام : أحذهما: موضع التفويض: والثاني : معناه وحده وضده. أما موضعه : فاعلم أن المرادات ثلاثة : مراد تعلم يقينا أنه فساد وشر لا شك فيه ألبثة، كالنار والعذاب ، وفي الأفعال كالكفر والبدعة والمعصية، فلا سبيل إلى ارادة ذلك . والثاني : مرادآ تعلم قطعا أنه صلاح ، كالجنة والإيمان والشنة ونحو ذلك ، فلك إرادتها بالحكم ، لا موضع للتفويض فيه؛ إذ لا خطر فيه ولا شك أنه خير وصلاح. والثالث : مراد لا تعلم يقينا أن لك فيه صلاحا أو فسادا ، وذلك نحؤ الثوافل والمباحات، فهلذا موضع التفويض، فليس لك أن تريذها قطعأ، بل بالاستثناء وشرط الخير والصلاح، فإن قيدت إرادتك بالاستثناء.. فهو تفويض، وإن أردت دون الاستثناء.. فهو طمع مذموم منهيئ عنه فموضع التفويض إذن : كل مراد فيه الخطو، وهو ألا تستيقن صلاحك فيه وأما معنى التفويض : فقد قال بعض شيوخنا رحمهم الله : هو ترك اختيار ما فيه مخاطرة إلى المختار المدبر ، العالم بمصلحة الخلق ، لا إله إلأ هو .