Qur'an&Sunnah

Gazâlî — el-Müstasfâ (usûlü'l-fıkh)

Bagian V01/P229–V01/P230

وإن كانوا شاكين في الباقي فقد شكوا في نفس المسألة فإن الخلاف في الباقي وأخطأوا في قولهم إن الثلاثة مفهومه فقط شبه أرباب الوقف قد ذهب القاضي والأشعري وجماعة من المتكلمين إلى الوقف ولهم شبه ثلاث الأولى أن كون هذه الصيغ موضوعة للعموم لا يخلو إما أن تعرف بعقل أو نقل والنقل إما نقل عن أهل اللغة أو نقل عن الشارع وكل واحد إما آحاد وإما تواتر والآحاد لا حجة فيها والتواتر لا يمكن دعواه فإنه لو كان لأفاد علما ضروريا والعقل لا مدخل له في اللغات وهلم جرا إلى تمام الدليل الذي سقناه في بيان أن صيغة الأمر مترددة بين الإيجاب والندب الاعتراض أن هذا مطالبة بالدليل وليس بدليل ومسلم أنه إن لم يدل دليل فلا سبيل إلى القول به وسنذكر وجه الدليل عليه إن شاء الله الثانية إنا لما رأينا العرب تستعمل لفظ العين في مسمياته ولفظ اللون في السواد والبياض والحمرة استعمالا واحدا متشابها قضينا بأنه مشترك فمن ادعى أنه حقيقة في واحد ومجاز في الآخر فهو متحكم وكذلك رأيناهم يستعملون هذه الصيغ للعموم والخصوص جميعا بل استعمالهم لها في الخصوص أكثر فقلما وجد في الكتاب والسنة والكلمات المطلقة في المحاورات ما لا يتطرق إليه التخصيص فمن زعم أنه مجاز في الخصوص حقيقة في العموم كان كمن قال هو حقيقة في الخصوص مجاز في العموم والقولان متقابلان فيجب تدافعهما والاعتراف بالاشتراك الاعتراض إن هذا أيضا يرجع إلى المطالبة بالدليل وليس بدليل لأن العرب تستعمل المجاز والحقيقة كما تستعمل اللفظ المشترك ولم تقيموا دليلا على أن هذا ليس من قبيل المجاز والحقيقة بل طالبتم بالدليل على أن هذا ليس من المشترك الشبهة الثالثة قولهم إنه كم يحسن الاستفهام في قوله افعل إنه للوجوب أو الندب فيحسن الاستفهام في صيغ الجمع أنه أريد به البعض أو الكل فإنه إذا قال السيد لعبده من أخذ مالي فأقتله يحسن أن يقول وإن كان إباك أو ولدك فيقول لا أو نعم ويقول من أطاعني فأكرمه فيقول وإن كان كافرا أو فاسقا فيقول لا أو نعم فكل ذلك مما يحسن فلو قال اقتل كل مشرك فيقول والمؤمن أيضا اقتله أم لا فلا يحسن هذا الاستفهام لظهور التجوز به عن الخصوص قلنا المجاز إذا كثر استعماله كان للمستفهم الاحتياط في طلبه أو يحسن إذا عرف من عادة المتكلم أنه يهين الفاسق والكافر وإن أطاعه ويسامح الأب في بذل المال والقرينة تشهد للخصوص واللفظ يشهد للعموم ويتعارض ما يورث الشك فيحسن الاستفهام

Bagian V01/P230–V01/P232

بيان الطريق المختار عندنا في إثبات العموم أعلم أن هذا النظر لا يختص بلغة العرب بل هو جار في جميع اللغات لأن صيغ العموم محتاج إليها في جميع اللغات فيبعد أن يغفل عنها جميع أصناف الخلق فلا يضعونها مع الحاجة إليها ويدل على وضعها توجه الاعتراض على من عصى الأمر العام وسقوط الاعتراض عمن أطاع ولزوم النقض والخلف عن الخبر العام وجواز بناء الاستحلال على المحللات العامة فهذه أمور أربعة تدل على الغرض وبيانها أن السيد إذا قال لعبده من دخل اليوم داري فأعطه درهما أو رغيفا فأعطى كل داخل لم يكن للسيد أن يعترض عليه فإن عاتبه في إعطائه واحدا من الداخلين مثلا وقال لم أعطيت هذا من جملتهم وهو قصير وإنما أردت الطوال أو هو أسود وإنما أردت البيض فللعبد أن يقول ما أمرتني بإعطاء الطوال ولا البيض بل بإعطاء من دخل وهذا داخل فالعقلاء إذا سمعوا هذا الكلام في اللغات كلها أو إعتراض السيد ساقطا وعذر العبد متوجها وقالوا للسيد أنت أمرته بإعطاء من دخل وهذا قد دخل ولو أنه أعطى الجميع إلا واحدا فعاتبه السيد وقال لم لم تعطه فقال العبد لأن هذا طويل أو أبيض وكان لفظك عاما فقلت لعلك أردت القصار أو السود استوجب التأديب بهذا الكلام وقيل له مالك وللنظر إلى الطول واللون وقد أمرت بإعطاء الداخل فهذا معنى سقوط الاعتراض عن المطيع وتوجهه على العاصي وأما النقض على الخبر فإذا قال ما رأيت اليوم أحدا وكان قد رأى جماعة كان كلامه خلفا منقوضا وكذبا فإن أردت أحدا غير تلك الجماعة كان مستنكرا وهذه كصيغ الجميع فإن النكرة في النفي تعم عند القائلين بالعموم ولذلك قال الله تعالى إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس الأنعام 91 وإنما أورد هذا نقضا على كلامهم فإن لم يكن عاما فلم ورد النقض عليهم فإن هم أرادوا غير موسى فلم لزم دخول موسى تحت اسم البشر وأما الاستحلال بالعموم فإذا قال الرجل أعتقت عبيدي وإمائي ومات عقيبه جاز لمن سمعه أن يزوج من أي عبيده شاء ويتزوج من أي جواريه شاء بغير رضا الورثة وإذا قال العبيد الذين هم في يدي ملك فلان كان ذلك إقرارا محكوما به في الجميع وبناء الأحكام على أمثال هذه العمومات في سائر اللغات لا ينحصر ولا خلاف في أنه لو قال أنفق على عبدي غانم أو على زوجتي زينب أو قال غانم حر وزينب طالق وله عبدان اسمهما غانم وزوجتان اسمهما زينب فتجب المراجعة والاستفهام لأنه أتى باسم مشترك غير مفهوم فإن كان لفظ العموم فيما وراء أقل الجمع مشتركا فينبغي أن يجب التوقف على العبد إذا أعطى ثلاثة ممن دخل الدار وينبغي أن يراجع في الباقي وليس كذلك عند العقلاء كلهم في اللغات كلها فإن قيل إن سلم لكم ما ذكرتموه فإنما يسلم بسبب القرائن لا بمجرد اللفظ فإن عرى عن القرائن فلا يسلم قلنا كل قرينة قدرتموها فعلينا أن نقدر نفيها أو يبقى حكم الاعتراض والنقض كما سبق فإن غايتهم أن يقولوا إذا قال أنفق على عبيدي وجواري في غيبتي كان مطيعا بالانفاق على الجميع لأجل قرينة لحاجة إلى النفقة أو أعط من دخل داري فهو بقرينة إكرام الزائر فهذا وما يجري مجراه إذا قدروه فسبيلنا أن نقدر أضدادها فإنه لو قال لا تنفق على عبيدي وزوجاتي كان عاصيا بالانفاق مطيعا بالتضييع ولو قال اضربهم لم يكن عليه أن يقتصر على ثلاثة بل إذا ضرب جميعهم عد مطيعا ولو قال من دخل داري فخذ منه شيئا بقي العموم بل نقدر ما لا غرض في نفيه وإثباته فلو قال من قال من عبيدي جيم فقل له صاد ومن قال من جواري ألف فأعتقها فامتثل أو عصى كان ما ذكرناه من سقوط الاعتراض وتوجهه جاريا بل نعلم قطعا أنه لو ورد من صادق عرف صدقه بالمعجزة ولم يعش إلا ساعة من نهار وقال في تلك الساعة من سرق فأقطعوه ومن زنى فاضربوه والصلاة واجبة على كل عاقل بالغ وكذلك الزكاة ومن قتل مسلما فعلية القصاص ومن كان له ولد فعليه النفقة ومات عقيب هذا الكلام ولم نعرف له عادة ولا أدركنا من أحواله قرينة ولا صدر منه سوى هذه الألفاظ إشارة ورمزا ولا ظهر في وجهه حالة لكنا نحكم بهذه الألفاظ ونتبعها ولا يقال جاء بألفاظ مشتركة مجملة ومات قبل أن يبينها فلا يمكن العمل بها ولو قدروا قرينة في نطقه وصورة حركته عند كلامه فليقدر أنه كتب في كتاب وسلمه إلينا وقال اعملوا بما فيه ومات وإن قدروا قرينة مناسبة بين هذه الجنايات والعقوبات فنقدر أمورا لا مناسبة فيها كحروف المعجم فإذا قال من قال لكم ألف فقولوا جيم وأمثاله فيكون جميع ذلك مفهوما معمولا به وكل قرينة قدروها فنقدر نفيها ويبقى ما ذكرنا بمجرد اللفظ وبهذا تبين أن الصحابة إنما تمسكوا بالعمومات بمجرد اللفظ وانتفاء القرائن المخصصة لا أنهم طلبوا قرينة معممة وتسوية بين أقل الجمع والزيادة فإن قيل إذا قال من دخل داري فأعطه فيحسن أن يقال ولو كان كافرا فاسقا فربما يقول نعم وربما يقول لا فلو عم اللفظ فلم حسن الاستفهام قلنا لا يحسن أن يقال وإن كان طويلا أو أبيض أو محترفا وما جرى مجراه وإنما حسن السؤال عن الفاسق لأنه يفهم من الإعطاء الإكرام ويعلم من عادته أنه لا يكرم الفاسق أو علم من عادة الناس ذلك فتوهم أنه يقتدي بالناس فيه فلتوهم هذه القرينة المخصصة حسن منه السؤال ولذلك لم يحسن في سائر الصفات ولذلك لو لم يراجع وأعطى الفاسق وعاتبه السيد فله أن يقول أمرتني بإعطاء كل داخل وهذا قد دخل فيقول السيد كان ينبغي أن تعرف بعقلك أن هذا إكرام والفاسق لا يكرم فيتمسك بقرينة مخصصة فربما يكون مقبولا فلو لم يقل هذا ولكن قال كان لفظي مشتركا غير مفهوم فلم أقدمت قبل السؤال لم يكن هذا العتاب متوجها قطعا فإن قيل فقد فرضتم الكلام في أداة الشرط وقد قال بعمومه من أنكر سائر العمومات فما الدليل في سائر الصور قلنا هذا يجري في ( من ) و ( ما ) و ( متى ) و ( حيث ) وأي وقت وأي شخص ونظائره ويجري أيضا في النكرة في النفي كقوله ما رأيت أحدا مثل قوله تعالى ما أنزل الله على بشر من شيء الأنعام 91 وكذلك في قولهم ( كل ) و ( جميع ) و ( أجمعون ) بل هو أظهر وهو النوع الثالث وكذلك في النوع الرابع وهي صيغ الجموع كالفقراء والمساكين وهذا أيضا جار فيه فإنه إذا قال لعبده أعط الفقراء واقتل المشركين واقتصر على هذا وانتفت القرائن جري حكم الطاعة والعصيان وتوجه الاعتراض وسقوطه كما سبق وهو جار في كل جمع إلا في بعض الجموع المبنية للتقليل كما ورد على وزن الأفعال كالأثواب والأفعلة كالأرغفة والأفعل كالأكلب والفعلة كالصبية وقد قال سيبويه جميع هذا للتقليل وما عداه للتكثير وقيل أيضا جمع السلامة للتقليل وهذا بعيد لا سيما فيما ليس فيه جمع مبني للتكثير وجمع القلة أيضا لا يتقدر المراد منه بل يختلف ذلك بالقرائن والأحوال إلا أنه ليس موضوعا للاستغراق

Bagian V01/P232–V01/P233

وأما النوع الخامس وهو الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام فهذا فيه نظر وقد اختلفوا فيه والصحيح التفصيل وهو أنه ينقسم إلى ما يتميز فيه لفظ الواحد عن الجنس بالهاء كالتمرة والتمر والبرة والبر فإن عري عن الهاء فهو للاستغراق فقوله لا تبيعوا البر بالبر ولا التمر بالتمر يعم كل بر وتمر وما لا يتميز بالهاء ينقسم إلى ما يتشخص ويتعدد كالدينار والرجل حتى يقال دينار واحد ورجل واحد وإلى ما لا يتشخص واحد منه كالذهب إذ لا يقال ذهب واحد فهذا لاستغراق الجنس أما الدينار والرجل فيشبه أن يكون للواحد والألف واللام فيه للتعريف فقط وقولهم الدينار أفضل من الدرهم يعرف بقرينة التسعير ويحتمل أن يقال هو دليل على الاستغراق فإنه لو قال لا يقتل المسلم بالكافر ولا يقتل الرجل بالمرأة فهم ذلك في الجميع فإنه لو قد حيث لا مناسبة فلا يخلو عن الدلالة على الجنس القول في العموم إذا خص هل يصير مجازا في الباقي وهل يبقى حجة وهما نظران أما صيرورته مجازا فقد اختلفوا فيه على أربعة مذاهب فقال قوم يبقى حقيقة لأنه كان متناولا لما بقي حقيقة فخروج غيره عنه لا يؤثر وقال قوم يصير مجازا لأنه وضع للعموم فإذا أريد به غير ما وضع له بالقرينة كان مجازا وإن لم يكن هذا مجازا فلا يبقى للمجاز معنى ولا يكفي تناوله مع غيره لأنه لا خلاف أنه لورد إلى ما دون أقل الجمع صار مجازا فإذا قال لا تكلم الناس ثم قال أردت زيدا خاصة كان مجازا وإن كان هو داخلا فيه وقال قوم هو حقيقة في تناوله مجاز في الإقتصار عليه وهذا ضعيف فإنه لورد إلى الواحد كان مجازا مطلقا لأنه تغير عن وضعه في الدلالة فالسارق مهما صار عبارة عن سارق النصاب خاصة فقد تغير الوضع واستعمل لا على الوجه الذي وضعته العرب وقد اختار القاضي في التفريع على مذهب أرباب العموم أنه صار مجازا لكن قال إنما يصير مجازا إذا أخرج منه البعض بدليل منفصل من عقل أو نقل أما ما خرج بلفظ متصل كالاستثناء فلا يجعله مجازا بل يصير الكلام بسبب الزيادة المتصلة به كلاما آخر موضوعا لشيء آخر فإنا نريد الواو والنون في قولنا مسلم فنقول مسلمون فيدل على أمر زائد ولا نجعله مجازا ونزيد الألف واللام على قولنا رجل فنقول الرجل فيزيد فائدة أخرى وهي التعريف لأن هذه صارت صيغة أخرى بهذه الزيادة فجاز أن يدل على معنى آخر ولا فرق بين أن نزيد حرفا أو كلمة فإذا قال يقطع السارق إلا من سرق دون النصاب كان مجموع هذا الكلام موضوعا للدلالة على ما دل عليه فقوله تعالى فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما العنكبوت 14 دل على تسعمائة وخمسين لا على سبيل المجاز بل الوضع كذلك وضع وكأن العرب وضعت عن تسعمائة وخمسين عبارتين إحداهما ألف سنة إلا خمسين والأخرى تسعمائة وخمسون ويمكن أن يقال ما صار عبارة بالوضع عن هذا القدر بل بقي الألف للألف والخمسون للخمسين وإلا للرفع بعد الإثبات ونحن بعلم الحساب عرفنا أن هذا تسعمائة وخمسون فإنا إذا وضعنا ألفا ورفعنا خمسين علمنا مقدار الباقي بعلم الحساب فلا نقول المجموع صار عبارة موضوعة عن هذا العدد وهذا أدق وأحق لا كزيادة الألف واللام والياء والنون على المسلم فإن تلك الزيادة لا معنى لها بغير اللفظ الأول

Bagian V01/P233–V01/P234

فإن قيل لو قال الله تعالى براءة من الله ورسوله فقال الرسول متصلا به إلا زيدا فهل يكون هذا كالمتصل الذي لا يجعل لفظ المشركين مجازا في الباقي قلنا اختلفوا فيه والظاهر أن هذا من غير المتكلم يجري مجرى الدليل المنفصل من قياس العقل والنقل ولهذا لو قال زيد وقال غيره قام لا يصير خبرا حتى يصدر من الأول قوله قام لأن نظم الكلام إنما يكون من متكلم واحد وذلك يجعله خبرا فإن قيل فلو أخرج بالاستثناء عن لفظ المشركين الجميع إلا زيدا فهل يصير لفظ المشركين مجازا قلنا نعم لأنه للجمع بالاتفاق والخلاف في أنه مستغرق أو غير مستغرق فهو عند أرباب العموم عند الاستثناء لجمع غير مستغرق دون الاستثناء لجمع مستغرق وأما النظر الثاني في كونه حجة في الباقي فقد قال قوم من القائلين بالعموم إنه لا يبقى حجة بل صار مجملا وإليه ذهبت القدرية لأنه إذا لم يترك على الوضع فلا يبقى للفهم معتمد سوى القرينة وتلك القرينة غير معينة فلا يهتدي إليها ومن هؤلاء من قال أقل الجمع يبقى لأنه مستيقن واحتج القائلون بكونه مجملا بأن السارق إذا خرج منه سارق ما دون النصاب والسارق من غير الحرز ومن يستحق النفقة وغير ذلك فبم يفهم المراد منه على سبيل الحصر وقد خرج الوضع من أيدينا ولا قرينة تفصل وتحصر فيبقى مجملا والصحيح أنه يبقى حجه إلا إذا استثنى منه مجهولا كما لو قال اقتلوا المشركين إلا رجلا أما إذا استخرج منه معلوم فإنه يبقى دليلا في الباقي ولأجله تمسك الصحابة بالعمومات وما من عموم إلا وقد تطرق إليه التخصيص وهذا لأن لفظ السارق يتناول كل سارق بالوضع لولا دليل مخصوص والدليل المخصوص صرف دلالته عن البعض ولا مسقط لدلالته في الباقي نعم لا يدل اللفظ على إخراج ما خرج فافتقر إلى دليل مخرج وقصوره عنه لا يدل على قصوره عن تناول الباقي فمن قال أعتق رقبة ثم قال لا تعتق معيبة ولا كافرة لم يخرج به كلامه الأول عن كونه مفهوما والرجوع في هذا إلى عادة اللسان وأهل اللغة وعادات الصحابة إذ لم يطرحوا جميع عمومات الكتاب والسنة لتطرق التخصيص إليها وعلى الجملة كلام الواقفية في العموم المخصص أظهر لا محالة فإن قيل قد سلمتم أنه صار مجازا فيفتقر العمل به إلى دليل إذا المجاز لا يعمل به إلا بدليل قلنا هو حقيقة في وضعه والدليل المخصص هو الذي جعله مجازا أما سقوط دلالة المجاز فلا وجه له لا سيما المجاز المعروف فإنا نتمسك به بغير دليل زائد كقوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط المائدة 6 النساء فإنه وإن كان مجازا فهو معروف وكذلك التفهيم بالعمومات المخصصة معروف في اللسان ولا يمكن اطراحه الباب الثاني في تمييز ما يمكن دعوى العموم فيه عما لا يمكن وفيه مسائل مسألة ( بيان العموم )

Bagian V01/P234–V01/P235

إنما يمكن دعوى العموم فيما ذكره الشارع على سبيل الابتداء أما ما ذكره في جواب السائل فإنه ينظر فإن أتى بلفظ مستقل لو ابتدأ به كان عاما كما سئل عن بئر بضاعة فقال خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه وكما سئل عن ماء البحر فقال هو الطهور ماؤه الحل ميتته وأما إذا لم يكن مستقلا نظر فإن لم يكن لفظ السائل عاما فلا يثبت العموم للجواب كما لو قال السائل توضأت بماء البحر فقال يجزيك أو قال وطئت في نهار رمضان فقال أعتق رقبة فهذا لا عموم له لأنه خطاب مع شخص واحد وإنما يثبت الحكم في حق غيره بدليل مستأنف من قياس إذا ورد التعبد بالقياس أو تعلق بقوله عليه السلام حكمي على الواحد حكمي على الجماعة وذلك بشرط أن يكون حال غيره مثل حاله في كل وصف مؤثر في الحكم حتى لا يفترقا إلا في الشخص والأحوال التي لا مدخل لها في التفرقة من الطول واللون وأمثاله والذكورة والأنوثة كالطول واللون في بعض الأحكام كالعتق ولذلك قلنا حكمه في العبد بالسراية حكم في الأمة وفي باب ولاية النكاح ليس كذلك إذ عرف من الشرع ترك الالتفات إلى الذكورة والأنوثة في العتق والرق ولم يعرف ذلك في النكاح ولذلك نقول روي في الصحيح أن أبا بكر رضي الله عنه أم بالناس في مرض النبي صلى الله عليه وسلم فخرج عليه السلام وهو في أثناء الصلاة فهم بأن يتخلف فأشار عليه بالمنع ووقف بجانبه واقتدى أبو بكر بالنبي عليه السلام واستمر الناس على الاقتداء بأبي بكر رضي الله عنه وصلى الناس بصلاة أبي بكر وصلى أبو بكر بصلاة النبي عليه السلام وفيه اقتداء الإمام بغيره واقتداء الناس بالمقتدى بغيره وليس يظهر لنا أن غير رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى النبي عليه السلام فإن التقدم عليه مع حضوره مستبعد فيما يرجع إلى الإمام وللنبوة فيها تأثير وهذا فعل خاص لا عموم له ودعوى الإلحاق تحكم مع ظهور الفرق ولا عموم يتعلق به بل قوله لعبد الرحمن بن عوف البس الحرير ولأبي بردة بن نيار في الأضحية بجذعة من الضان تجزيكوإذنه للعرنيين بشرب أبوال الإبل وقوله لعمر مره فليراجعها إلا عموم لشيء منه فيفتقر تعميمه إلى دليل متسأنف من قياس أو غيره أما ما نقل من اقتداء الناس بأبي بكر مع اقتدائه بالنبي عليه السلام فيحتمل أن مقتدي الكل كان بالنبي عليه السلام وكان أبو بكر سفيرا برفع الصوت بالتكبيرات أما إذا كان لفظ السائل عاما نزل منزلة عموم لفظ الشارع كما لو سأله سائل عمن أفطر في نهار رمضان فقال أعتق رقبة كان كما لو قال من أفطر في نهار رمضان أعتق رقبة لأنه يجيب عن السؤال فلا يكون الجواب إلا مطابقا للسؤال أو أعم منه فأما أخص منه فلا أما لو قال السائل أفطر زيد في نهار رمضان فقال عليه عتق رقبة أو قال طلق ابن عمر زوجته فقال مره فليراجعها فهذا لا عموم له فلعله عرف من حاله ما يوجب العتق والمراجعة عليه خاصة ولا نعرف ما تلك الحال ومن الذي يساويه فيها ولا يدري أنه أفطر عمدا أو سهوا أو بأكل أو جماع فإن قيل ترك الاستفصال مع تعارض الأحوال يدل على عموم الحكم وهذا من كلام الشافعي قلنا من أين تحقق ذلك ولعله عليه السلام عرف خصوص الحال فأجاب بناء على معرفته ولم يستفصل فهذا تقرير عموم بالوهم المجرد مسألة ( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص )

Bagian V01/P235–V01/P236

سبب ورود العام على سبب خاص لا يسقط دعوى العموم كقوله صلى الله عليه وسلم حيث مر بشاة ميمونة أيما إهاب دبغ فقد طهر وقال قوم يسقط عمومه وهو خطأ نعم يصير احتمال التخصيص أقرب ويقنع فيه بدليل أخف وأضعف وقد يعرف بقرينة اختصاصه بالواقعة كما إذا قيل كلم فلانا في واقعة فقال والله لا أكلمه أبدا فإنه يفهم بالقرينة أنه يريد ترك الكلام في تلك الواقعة لا على الإطلاق والدليل على بقاء العموم أن الحجة في لفظ الشارع لا في السؤال والسبب ولذلك يجوز أن يكون الجواب معد ولا عن سنن السؤال حتى لو قال السائل أيحل شرب الماء وأكل الطعام والاصطياد فيقول الأكل واجب والشرب مندوب والصيد حرام فيجب اتباع هذه الأحكام وإن كان فيه خطر ووجوب والسؤال وقع عن الإباحة فقط وكيف ينكر هذا وأكثر أصول الشرع خرجت على أسباب كقوله تعالى لبئس المائدة 38 نزل في سرقة المجن أو رداء صفوان ونزلت آية الظهار في سلمة بن صخر وآية اللعان في هلال بن أمية وكل ذلك على العموم وشبه المخالفين ثلاث الأولى أنه لو لم يكن للسبب تأثير والنظر إلى اللفظ خاصة فينبغي أن يجوز إخراج السبب بحكم التخصيص عن عموم المسميات كما لو لم يرد على سبب قلنا لا خلاف في أن كلامه بيان للواقعة لكن الكلام في أنه بيان له خاصة أوله ولغيره واللفظ يعمه ويعم غيره وتناوله له مقطوع به وتناوله لغيره ظاهر فلا يجوز أن يسأل عن شيء فيجيب عن غيره نعم يجوز أن يجيب عنه وعن غيره ويجوز أيضا أن يجيب عن غيره بما ينبه على محل السؤال كما قال لعمر أرأيت لو تمضمضت وقد سأله عن القبلة وقال للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته الشبهة الثانية إنه لو لم يكن للسبب مدخل لما نقله الراوي إذ لا فائدة فيه قلنا فائدته معرفة أسباب التنزيل والسير والقصص واتساع علم الشريعة وأيضا امتناع إخراج السبب بحكم التخصيص بالاجتهاد ولذلك غلط أبو حنيفة رحمه الله في إخراج الأمة المستفرشة من قوله الولد للفراش والخبر إنما ورد في وليدة زمعة إذ قال عبد بن زمعة هو أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فقال عليه السلام الولد للفراش وللعاهر الحجر فأثبت للأمة فراشا وأبو حنيفة لم يبلغه السبب فأخرج الأمة من العموم الشبهة الثالثة إنه لولا أن المراد بيان السبب لما أخر البيان إلى وقوع الواقعة فإن الغرض إذا كان تمهيد قاعدة عامة فلم أخرها إلى وقوع واقعة قلنا ولم قلتم لا فائدة في تأخيره والله تعالى أعلم بفائدته ولم طلبتم لأفعال الله فائدة بل لله تعالى أن ينشىء التكليف في أي وقت شاء ولا يسأل عما يفعل ثم نقول لعله علم أن تأخيره إلى الواقعة لطف ومصلحة للعباد داعية إلى الانقياد ولا يحصل ذلك بالتقديم والتأخير ثم نقول يلزم لهذه العلة اختصاص الرجم بما عز والظهار واللعان وقطع السرقة بالأشخاص الذين ورد فيهم لأن الله تعالى آخر البيان إلى وقوع وقائعهم وذلك خلاف الإجماع مسألة ( العموم للالفاظ دون المعاني ) المقتضى لا عموم له وإنما العموم للألفاظ لا للمعاني فتضمنها من ضرورة الألفاظ بيانه أن قوله لا صيام لمن لم يبيت الصيام ظاهره ينفي صورة الصوم حسا لكن وجب رده إلى الحكم وهو نفي الأجزاء أو الكمال وقد قيل إنه متردد بينهما فهو مجمل وقيل إنه عام لنفي الأجزاء والكمال وهو غلط نعم لو قال لا حكم لصوم بغير تبييت لكن الحكم لفظا عاما في الأجزاء والكمال أما إذا قال لا صيام فالحكم غير منطوق به وإنما أثبت ذلك من طريق الضرورة وكذلك قوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان معناه حكم الخطأ والنسيان ولا عموم له ولو قال لا حكم للخطأ لأمكن حمله على نفي الإثم والغرم وغير ذلك لا على العموم في الإجزاء والكمال لأن الأجزاء الصحة إذا انتفيا كان انتفاء الكمال ضرورة وإنما العموم ما يشتمل على معنيين يمكن انتفاء كل واحد منهما دون الآخر

Bagian V01/P236–V01/P237

مسألة ( العام في الفعل المتعدي ) الفعل المتعدي إلى مفعول اختلفوا في أنه بالإضافة إلى مفعولاته هل يجري مجرى العموم فقال أصحاب أبي حنيفة لا عموم له حتى لو قال والله لا آكل ونوى طعاما بعينه أو قال إن أكلت فأنت طالق ونوى طعاما بعينه لم يقبل وكذلك إذا نوى بالضرب آلة بعينها واستدل أصحاب أبي حنيفة بأن هذا من قبيل المقتضى فلا عموم له لأن الأكل يستدعي مأكولا بالضرورة لا أن اللفظ تعرض له فما ليس منطوقا لا عموم له فالمكان للخروج والطعام للأكل والآلة للضرب كالوقت للفعل والحال للفاعل ولو قال أنت طالق ثم قال أردت به إن دخلت الدار أو أردت به يوم الجمعة لم يقبل وكذلك قالوا لو نوى بقوله أنت طالق عددا لم يجزه وجوز أصحاب الشافعي ذلك والانصاف أن هذا ليس من قبيل المقتضى ولا هو من قبيل الوقت والحال فإن اللفظ المعتدي إلى المفعول يدل على المفعول بصيغته ووضعه فأما الحال والوقت فمن ضرورة وجود الأشياء لكن لا تعلق بها بالألفاظ والمقتضى هو ضرورة صدق الكلام كقوله لا صيام أو ضرورة وجود المذكور كقوله أعتق عني فإنه يدل على حصول الملك قبله لا من حيث اللفظ لكن من حيث كون الملك شرطا لتصور العتق شرعا أما الأكل فيدل على المأكول والضرب على الآلة والخروج على المكان وتتشابه نسبته إلى الجميع فهو بالعموم أشبه فإن قيل لا خلاف في أنه لو أمر بالأكل والضرب والخروج كان ممتثلا بكل طعام وبكل آلة وكل مكان ولو علق العتق حصل بالجميع فهذا يدل على العموم قلنا ليس ذلك لأجل العموم ولكن لأجل أن ما علق عليه وجد والآلة والمكان والمأكول غير متعرض له أصلا حتى لو تصور هذه الأفعال دون الطعام والآلة والمكان والمأكول يحصل الامتثال وهو كالوقت والحال فإنه إن أكل وهو داخل في الدار أو خارج وراكب أو راجل حنث وكان ممتثلا لا لعموم اللفظ لكن لحصول الملفوظ في الأحوال كلها وإنما تظهر فائدة العموم في إرادة بعض هذه الأمور وإلأظهر عندنا جواز نية البعض وأنه جار مجرى العموم ومفارق للمقتضى كما ذكرنا مسألة ( العموم في الأفعال ) لا يمكن دعوى العموم في الفعل لأن الفعل لا يقع إلا على وجه معين فلا يجوز أن يحمل على كل وجه يمكن أن يقع عليه لأن سائر الوجوه متساوية بالنسبة إلى محتملاته والعموم ما يتساوى بالنسبة إلى دلالة اللفظ عليه بل الفعل كاللفظ المجمل المتردد بين معان متساوية في صلاح اللفظ ومثاله ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بعد غيبوبة الشفق فقال قائل الشفق شفقان الحمرة والبياض وأنا أحمله على وقوع صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدهما جميعا وكذلك صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة فليس لقائل أن يستدل به على جواز الفرض في البيت مصيرا إلى أن الصلاة تعم النفل والفرض لأنه إنما يعم لفظ الصلاة لا فعل الصلاة أما الفعل فإما أن يكون فرضا فلا يكون نفلا أو يكون نفلا فلا يكون فرضا مسألة ( هل الفعل النبي صلى الله عليه وسلم عموم ) فعل النبي عليه السلام كما لا عموم له بالإضافة إلى أحوال الفعل فلا عموم له بالإضافة إلى غيره بل يكون خاصا في حقه إلا أن يقول أريد بالفعل بيان حكم الشرع في حقكم كما قال صلوا كما رأيتموني أصلي بل نزيد ونقول قوله تعالى يا أيها النبي اتق الله الأحزاب 1 وقوله لئن أشركت ليحبطن عملك الزمر 65 مختص به بحكم اللفظ وإنما يشاركه غيره بدليل لا بموجب هذا اللفظ كقوله يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك المائدة 67 وقوله تعالى فاصدع بما تؤمر الحجر 94

Bagian V01/P237–V01/P238

وقال قوم ما ثبت في حقه فهو ثابت في حق غيره إلا ما دل الدليل على أنه خاص به وهذا فاسد لأن الأحكام إذ قسمت إلى خاص وعام فالأصل اتباع موجب الخطاب فما ثبت بمثل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا و يا أيها الناس و يا عبادي و أيها المؤمنون فيتناول النبي إلا ما استثنى بدليل وما ثبت للنبي كقوله يا أيها النبي فيختص به إلا ما دل الدليل على الالحاق وقوله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء الطلاق 1 عام لأن ذكر النبي جرى في صدر الكلام تشريفا وإلا فقوله طلقتم عام في صيغته وكذلك قوله النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة افعل ولابن عمر راجعها خاص إنما يشمل الحكم غيره بدليل آخر مثل قوله حكمي على الواحد حكمي على الجماعة أو ما جرى مجراه مسألة ( هل النهي يقتضي العموم ) قول الصحابي نهى النبي عليه السلام عن كذا كبيع الغرر ونكاح الشغار وغيره لا عموم له لأن الحجة في المحكي لا في قول الحاكي ولفظه وما رواه الصحابي من حكى النهي يحتمل أن يكون فعلا لا عموم له نهى عنه النبي عليه السلام ويحتمل أن يكون لفظا خاصا ويحتمل أن يكون لفظا عاما فإذا تعارض الاحتمالات لم يكن إثبات العموم بالتوهم فإذا قال الصحابي نهى عن بيع الرطب بالتمر فيحتمل أن يكون قد رأى شخصا باع رطبا بتمر فنهاه فقال الراوي ما قال ويحتمل أن يكون قد سمع الرسول عليه السلام ينهي عنه ويقول أنهاكم عن بيع الرطب بالتمر ويحتمل أن يكون قد سئل عن واقعة معينة فنهى عنها فالتمسك بعموم هذا تمسك بتوهم العموم لا بلفظ عرف عمومه بالقطع وهذا على مذهب من يرى هذا حجة في أصل النهي وقد قال قوم لا بد أن يحكي الصحابي قول الرسول ولفظه وإلا فربما سمع ما يعتقده نهيا باجتهاده ولا يكون نهيا فإن قوله لا تفعل فيه خلاف أنه للنهي أم لا وكذلك في ألفاظ أخر وكذلك إذا قال نسخ فلا يحتج به ما لم يقل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول نسخت آية كذا لأنه ربما يرى ما ليس بنسخ نسخا وهذا قد ذكرناه في باب الأخبار وهو أصل السنة في القطب الثاني مسألة ( هل قول الصحابي يقتضي العموم ) قول الصحابي قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة للجار وبالشاهد واليمين كقوله نهى في أنه لا عموم له لأن حكاية والحجة في المحكي ولعله حكم في عين أو بخطاب خاص مع شخص فكيف يتمسك بعمومه فيقال مثلا يقضي بالشاهد واليمين في البضع أو في الدم لأن الراوي أطلق مع أن للراوي أن يطلق هذا إذا رآه قد قضى في مال أو في بضع بل لو قال الصحابي سمعته يقول قضيت بالشفعة للجار فهذا يحتمل الحكاية عن قضاء الجار معروف ويكون الألف واللام للتعريف وقوله قضيت حكاية فعل ماض فأما لو قال قضيت بأن الشفعة للجار فهذا أظهر في الدلالة على التعريف للحكم دون الحكاية ولو قال الراوي قضى النبي عليه السلام بأن الشفعة للجار اختلفوا فيه فمنهم من جعله عاما ومنهم من قال يجوز أن يكون قد قضى في واقعة بأن الشفعة للجار فدعوى العموم فيه حكم بالتوهم مسألة ( لا عموم لواقعة الحال )

Bagian V01/P238–V01/P239

لا يمكن دعوى العموم في واقعة لشخص معين قضى فيها النبي عليه السلام بحكم وذكر علة حكمه أيضا إذا أمكن اختصاص العلة بصاحب الواقعة مثاله حكمه في أعرابي محرم وقصت به ناقته لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا فإنه يحتمل أن يقال إما لأنه وقصت به ناقته محرما لا بمجرد إحرامه أو لأنه علم من نيته أنه كان مخلصا في عبادته وأنه مات مسلما وغيره لا يعلم موته على الإسلام فضلا عن الإخلاص وكذلك قال عليه السلام في قتلي أحد زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يحشرون وأوداجهم تشخب دما يجوز أن يكون لقتلى أحد خاصة لعلو درجتهم أو لعلمه أنهم أخلصوا الله فهم شهداء حقا ولو صرح بأن ذلك خاصيتهم قبل ذلك فاللفظ خاص والتعميم وهم والشافعي رحمه الله تعالى عمم هذا الحكم نظرا إلى العلة وأن ذلك كان بسبب الجهاد والإحرام وأن العلة حشرهم على هذه الصفات وعلة حشرهم الجهاد أو الإحرام وقد وقعت الشركة في العلة وهذا أسبق إلى الفهم لكن خلافه وهو الذي اختاره القاضي ممكن والاحتمال متعارض والحكم بأحد الاحتمالين لأنه أسبق إلى الفهم فيه نظر فإن الحكم بالعموم إنما أخذ من العادة ومن وضع اللسان ولم يثبت ههنا في مثل هذه الصورة لا وضع ولا عادة فلا يكون في معنى العموم مسألة ( هل للمفهوم عموم ) من يقول بالمفهوم قد يظن للمفهوم عموما ويتمسك به وفيه نظر لأن العموم لفظ تتشابه دلالالته بالإضافة إلى المسميات والمتمسك بالمفهوم والفحوى ليس متمسكا بلفظ بل بسكوت فإذا قال عليه السلام في سائمة الغنم زكاة فنفي الزكاة في المعلوفة ليس بلفظ حتى يعم اللفظ أو يخص وقوله تعالى فلا تقل لهما أف الإسراء 23 دل على تحريم الضرب لا بلفظه المنطوق به حتى يتمسك بعمومه وقد ذكرنا أن العموم للألفاظ لا للمعاني ولا للأفعال مسألة ( لا يقتضي العطف العموم ) ظن قوم أن من مقتضيات العموم الاقتران بالعام والعطف عليه وهو غلط إذ المختلفات قد تجمع العرب بينهما فيجوز أن يعطف الواجب على الندب والعام على الخاص فقوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن البقرة 228 عام وقوله بعد وبعولتهن أحق بردهن البقرة 228 في ذلك خاص وقوله تعالى كلوا من ثمره الأنعام 141 إباحة وقوله بعده وآتوا حقه يوم حصاده الأنعام 141 إيجاب وقوله تعالى فكاتبوهم النور 33 استحباب وقوله 42 وآتوهم من مال الله الذي آتاكم النور 33 إيجاب مسألة ( هل في المشترك عموم )

Bagian V01/P239–V01/P240

الاسم المشترك بين مسميين لا يمكن دعوى العموم فيه عندنا خلافا للقاضي والشافعي لأن المشترك لم يوضع للجمع مثاله القرء للطهر والحيض والجارية للسفينة والأمة والمشتري للكوكب السعد وقابل البيع والعرب ما وضعت هذه الألفاظ وضعا يستعمل في مسمياتها إلا على سبيل البدل أما على سبيل الجمع فلا نعم نسبة المشترك إلى مسمياته متشابهة ونسبة العموم إلى آحاد المسميات متشابهة لكن تشابه نسبة كل واحد من آحاد العموم على الجمع ونسبة كل واحد من آحاد المشترك على البدل وتشاب نسبة المفهوم في السكوت عن الجمع لا في الدلالة وتشابه نسبة الفعل في إمكان وقوعه على كل وجه إذ الصلاة المعينة إذا تلقيت من فعل النبي عليه السلام أمكن أن تكون فرضا ونفلا وأداء وقضاء وظهرا وعصرا والإمكان شامل بالإضافة إلى علمنا أما الواقع في نفسه وفي علم الله تعالى واحد متعين لا يحتمل غيره فهذه أنواع التشابه والوهم سابق إلى التسوية بين المتشابهات وأنواع هذا التشابه متشابهة من وجه فربما يسبق إلى بعض الأوهام أن العموم كان دليلا لتشابه نسبة اللفظ إلى المسميات والتشابه ههنا موجود فيثبت حكم العموم وهو غفلة عن تفصيل هذا التشابه وإن تشابه نسبة العموم إلى مسمياته في دلالته على الجمع بخلاف هذه الأنواع احتج القاضي بأنه لو ذكر اللفظ مرتين وأراد في كل مرة معنى آخر جاز فأي بعد في أن يقتصر على مرة واحدة ويريد به كلا المعنيين مع صلاح اللفظ للكل بخلاف ما إذا قصد بلفظ المؤمنين الدلالة على المؤمنين والمشركين جميعا فإن لفظ المؤمنين لا يصلح للمشركين بخلاف اللفظ المشترك فنقول إن قصد باللفظ الدلالة على المعنيين جميعا بالمرة الواحدة فهذا ممكن لكن يكون قد خالف الوضع كما في لفظ المؤمنين فإن العرب وضعت اسم العين للذهب والعضو الباصر على سبيل البدل لا على سبيل الجمع فإن قيل اللفظ الذي هو حقيقة في شيء مجاز في غيره هل يطلق لإرادة معنييه جميعا مثل النكاح للوطء والعقد واللمس للجس وللوطء حتى يحمل قوله ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء النساء 22 على وطء الأب وعقده جميعا وقوله تعالى أو لامستم النساء النساء 43 على الوطء والمس جميعا قلنا هذا عندنا كاللفظ المشترك وإن كان التعميم فيه أقرب قليلا وقد نقل عن الشافعي رحمه الله أنه قال أحمل آية اللمس على المس والوطء جميعا وإنما قلنا إن هذا أقرب لأن المس مقدمة الوطء والنكاح أيضا يراد للوطء فهو مقدمته ولأجله استعير للعقد اسم النكاح الذي وضعه للوطء واستعير للوطء اسم اللمس فلتعلق أحدهما بالآخر ربما لا يبعد أن يقصدا جميعا باللفظ المذكور مرة واحدة لكن الأظهر عندنا أن ذلك أيضا على خلاف عادة العرب فإن قيل فقد قال الله تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي الأحزاب 56 والصلاة من الله مغفرة ومن الملائكة استغفار وهما معنيان مختلفان والاسم مشترك وقد ذكر مرة واحدة وأريد به المعنيان جميعا وكذلك قوله تعالى بآيات الحج 18 وسجود الناس غير سجود الشجر والدواب بل هو في الشجر مجاز قلنا هذا يعضد ما ذكره الشافعي رحمه الله ويفتح هذا الباب في معنيين يتعلق أحدهما بالآخرة فإن طلب المغفرة يتعلق بالمغفرة لكن الأظهر عندنا أن هذا إنما أطلق على المعنيين بإزاء معنى واحد مشترك بين المعنيين وهو العناية بأمر الشيء لشرفه وحرمته والعناية من الله مغفرة ومن الملائكة إستغفار ودعاء ومن الأمة دعاء وصلوات وكذلك العذر عن السجود مسألة ( هل العبد مخاطب بالتكاليف الشرعية ) ما ورد من الخطاب مضافا إلى الناس والمؤمنين يدخل تحته العبد كقوله تعالى ولله على الناس حج البيت آل عمران 97 وأمثاله وقال قوم لا يدخل تحته لأنه مملوك للآدمي بتمليك الله تعالى فلا يتناوله إلا خطاب خاص به وهذا هوس لأنه لم يخرج عن معظم التكاليف وخروجه عن بعضها كخروج المريض والحائض والمسافر وذلك لا يوجب رفع العموم فلا يجوز إخراجه إلا بدليل خاص مسألة ( هل الخطاب الشرعي يعم الكافر )

Bagian V01/P240–V01/P241

يدخل الكافر تحت خطاب الناس وكل لفظ عام لأنا بينا أن خطابه بفروع العبادات ممكن وإنما خرج عن بعضها بدليل خاص ومن الناس من أنكر ذلك وهو باطل لما قررناه في أحكام التكاليف مسألة ( هل تدخل النساء في عموم الخطاب ) يدخل النساء تحت الحكم المضاف إلى الناس فأما المؤمنون والمسلمون وصيغ جمع الذكر اختلفوا فيه فقال قوم تدخل النساء تحته لأن الذكور والإناث إذا اجتمعوا غلبت العرب التذكير واختار القاضي أنها لا تدخل وهو الأظهر لأن الله تعالى ذكر المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات فجمع الذكور متميز نعم إذا اجتمعوا في الحكم وأراد الأخبار تجوز العرب الاقتصار على لفظ التذكير أما ما ينشأ على سبيل الابتداء ويخصه بلفظ المؤمنين فإلحاق المؤمنات إنما يكون بدليل آخر من قياس أو كونه في معنى المنصوص أو ما جرى مجراه مسألة ( هل تدخل الأمة عند خطاب الله للنبي صلى الله عليه وسلم ) كما لا تدخل الأمة تحت خطاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله يا أيها النبي لا يدخل النبي تحت الخطاب الخاص بالأمة أما الخطاب بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا و يا أيها الناس فيدخل النبي تحته لعموم هذه الألفاظ وقال قوم لا يدخل لأنه قد خص بالخطاب في أحكام فلا يلزمه إلا الخطاب الذي يخصه وهو فاسد لأنه قد خص المسافر والعبد والحائض والمريض بأحكام ولا يمنع ذلك دخولهم تحت العموم حيث يعم الخطاب كذلك ههنا مسألة ( هل للمشافهة عموم ) المخاطبة شفاها لا يمكن دعوى العموم فيها بالإضافة إلى جميع الحاضرين فإذا قال لجميع نسائه الحاضرات طلقتكن ولجميع عبيده أعتقتكم فإنما يكون مخاطبا من جملتهم من أقبل عليه بوجهه وقصد خطابه وذلك يعرف بصورته وشمائله والتفاته ونظره فقد يحضره جماعة من الغلمان من البالغين والصبيان فيقول اركبوا معي ويريد به أهل الركوب منهم دون من ليس أهلا له فلا يتناول خطابه إلا من قصده ولا يعرف قصده إلا بلفظه أو شمائله الظاهرة فلا يمكن دعوى العموم فيها فنقول على هذا كل حكم يدل بصيغة المخابة كقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا و أيها المؤمنون و يا أيها الناس فهو خطاب مع الموجودين في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإثباته في حق من يحدث بعده بدليل زائد دال على أن كل حكم ثبت في زمانه فهو دائم إلى يوم القيامة على كل مكلف ولولاه لم يقتض مجرد اللفظ ذلك ولما ثبت ذلك أفاد مثل هذه الألفاظ فائدة العموم لاقتران الدليل الآخر بها لا بمجرد الخطاب فإن قيل فإذا كان الخطاب خاصا مع شخص مشافهة أو مع جمع فهل يدل على العموم مثل قوله تعالى وما أرسلناك إلا كافة للناس سبأ 28 وقوله عليه السلام بعثت إلى الناس كافة وبعثت إلى الأحمر والأسود وقوله حكمي على لواحد حكمي على الجماعة وقوله تعالى واتقون يا أولي الألباب البقرة 197 و يا أولي الأبصار و يا أيها الناس وأمثاله قلنا لا بل عرف الصحابة عموم الحكم الثابت في عصره للأعصار كلها بقرائن كثيرة وعرفنا ذلك من الصحابة ضرورة ومجرد هذه الألفاظ ليست قاطعة فإنه وإن كان مبعوثا إلى الكافة فلا يلزم تساويهم في الأحكام فهو مبعوث إلى الحر والعبد والحائض والطاهر والمريض والصحيح ليعرفهم أحكامهم المختلفة وكذلك قوله تعالى لأنذركم به ومن بلغ الأنعام 19 أي ينذر كل قوم بل كل شخص بحكمه فيكون شرعه عاما وقوله حكمي على الواحد حكمي على الجماعة لا يتناول إلا عصره فإن الجماعة عبارة عن الموجودين فلا يتناول من بعده فإن قيل فهل يدل على عموم الحكم أنه كان إذا أراد التخصيص خصص وقال تجزىء عنك ولا تجزىء عن أحد بعدك وحلل الحرير لعبد الرحمن بن عوف خاصة قلنا لا لأنه ذكره حيث قدم عموما أو حيث توهم أنهم يلحقون غيره به للتعبد بالقياس وكذلك قوله تعالى خالصة لك من دون المؤمنين الأحزاب 50 لا يدل على أن الخطاب معه خطاب مع الأمة لمثل ما ذكرناه

Bagian V01/P241–V01/P242

مسألة ( التفريق بين العام والمجمل ) من الصيغ ما يظن عموما وهي إلى الإجمال أقرب مثل من يتمسك في إيجاب الوتر بقوله وافعلوا الخير الحج 77 مصيرا إلى أن ظاهر الأمر الوجوب والخير اسم عام وإخراج ما قام الدليل على نفي وجوبه لا يمنع التمسك به وكمن يستدل على منع قتل المسلم بالذمي بقوله تعالى الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا النساء 141 وأن ذلك يفيد منع السلطنة إلا ما دل عليه الدليل من الدية والضمان والشركة وطلب الثمن وغيره أو يستدل بقوله لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ( الحشر 20 ) وأن إيجاب القصاص تسوية وهذا كله مجمل ولفظ الخير ولفظ السبيل ولفظ الاستواء إلى الإجمال أقرب وينضم إليه أن المستثنى من هذه العمومات ليس داخلا تحت الحصر وليس مضبوطا بضابط واحد ولا بضوابط محصورة وإن لم ينحصر المستثنى كان المستثني مجهولا وليس من هذا القبيل قوله فيما سقت السماء العشر وقد قال قوم لا يتمسك بعمومه لأن المقصود ذكر الفصل بين العشر ونصف العشر وهذا فاسد لأن صيغة ما صيغة شرط وضع للعموم بخلاف لفظ السبيل والخير والاستواء نعم تردد الشافعي في قوله تعالى وأحل الله البيع البقرة 275 في أنه عام أو مجمل من حيث أن الألف واللام احتمل أن يكون فيه للتعريف ومعناه وأحل الله البيع الذي عرف الشرع بشرطه مسألة ( هل المخاطب يندرج تحت العموم ) المخاطب يندرج تحت الخطاب العام وقال قوم لا يندرج تحت خطابه بدليل قوله تعالى وهو بكل شيء عليم البقرة 29 ولا يدخل هو تحته وبدليل قول القائل لغلامه من دخل الدار فأعطه درهما فإنه لا يحسن أن يعطي السيد وهذا فاسد لأن الخطاب عام والقرينة هي التي أخرجت المخاطب مما ذكروه ويعارضه قوله وهو بكل شيء عليم البقرة 29 وهو عالم بذاته ويتناوله اللفظ ومجرد كونه مخاطبا ليس قرينة قاضية بالخروج عن العموم في كل خطاب بل القرائن فيه تتعارض والأصل اتباع العموم في اللفظ مسألة ( فائدة العموم للاسم المفرد ) اسم الفرد وإن لم يكن على صيغة الجمع يفيد فائدة العموم في ثلاثة مواضع أحدها أن يدخل عليه الألف واللام كقوله لا تبيعوا البر بالبر والثاني النفي في النكرة لأن النكرة في النفي تعم كقولك ما رأيت رجلا لأن النفي لا خصوص له بل هو مطلق فإذا أضيف إلى منكر لم يتخصص بخلاف قوله رأيت رجلا فإنه إثبات والإثبات يتخصص في الوجود فإذا أخبر عنه لم يتصور عمومه وإذا أضيف إلى مفرد اختص به الثالث أن يضاف إليه أمر أو مصدر والفعل بعد غير واقع بل منتظر كقوله أعتق رقبة وقوله تعالى فتحرير رقبة المجادلة 3 فإنه ما من رقبة إلا وهو ممتثل باعتاقها والاسم متناول للكل فنزل منزلة العموم بخلاف قوله أعتقت رقبة فإنه إخبار عن ماض قد تم وجوده ولا يدخل في الوجود إلا فعل خاص مسألة ( أقل عدد الجمع )

Bagian V01/P242–V01/P243

صرف العموم إلى غير الاستغراق جائز وهو معتاد أما رده إلى ما دون أقل الجمع فغير جائز ولا بد من بيان أقل الجمع وقد اختلفوا فيه فقال عمر وزيد بن ثابت إنه اثنان وبه قالمالك وجماعة وقال ابن عباس والشافعي وأبو حنيفة ثلاثة حتى قال ابن عباس لعثمان حين رد الأم من الثلث إلى السدس بأخوين ليس الأخوان أخوة في لغة قومك فقال حجبها قومك يا غلام وقال ابن مسعود إذا اقتدى بالإمام ثلاثة اصطفوا خلفه وإذا اقتدى اثنان وقف كل واحد عن جانب وهذا يشعر من مذهبه بأنه يرى أقل الجمع ثلاثة وليس من حقيقة هذا الخلاف منع جمع الاثنين بلفظ يعمهما فإن ذلك جائز ومعتاد لكن الخلاف في أن لفظ الناس والرجال والفقراء وأمثاله يطلق على ثلاثة فما زاد حقيقة وهل يطلق على الاثنين حقيقة أم لا واختار القاضي أن أقل الجمع اثنان واستدل بإجماع أهل اللغة على جواز إطلاق اسم الجمع على اثنين في قولهم فعلتم وفعلنا وتفعلون وقد ورد به القرآن قال الله تعالى في قصة موسى وهارون إنا معكم مستمعون الشعراء 15 وقال فررتم ( يوسف 83 ) وهما يوسف وأخوه وقال فقد صغت قلوبكما التحريم 4 ولهما قلبان وقال وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث الأنبياء 78 إلى قوله وكنا لحكمهم شاهدين الأنبياء 78 وهما اثنان وقال وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما الحجرات 9 وهما طائفتان وقال وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ص 21 وهما ملكان فإن قيل عن كل واحد من هذا جواب فقوله إنا معكم مستمعون الشعراء 15 يعني هارون وموسى وفرعون وقومه وهم جماعة وقوله قلوبكما التحريم 4 لضرورة استثقال الجمع بين اثنتين مع أن القلوب على وزن الواحد في بعض الألفاظ وقوله عسى الله أن يأتيني بهم جميعا يوسف 83 أراد به يوسف وأخاه والأخ الأكبر الذي تخلف عن الأخوة وقوله تعالى وكنا لحكمهم شاهدين الأنبياء 78 أي حكمهما مع الجمع المحكوم عليهم وقوله وإن طائفتان الحجرات 9 كل طائفة جمع قلنا هذه تعسفات وتكلفات إنما يحوج إليها ضرورة نقل من أهل اللغة في استحالة إطلاق اسم الجمع على الإثنين وإذا لم يكن نقل صريح فيحمل خلافهم على الحقيقة كما ورد فإن قيل ههنا أدلة أربعة الأول أن الإثنين لو كانا جمعا لكان قولنا فعلا اسم جمع فليجز إطلاقه على الثلاثة فصاعدا كقوله فعلوا فإنه لما كان اسم جمع جاز على الثلاثة فما فوقها قلنا فعلوا اسم جمع مشترك بين سائر أعداد الجمع وفعلا اسم جمع خاص لأن الجمع لا يستدعي إلا الانضمام وذلك يحصل في الاثنين وهو كالعشرة فإنه اسم جمع لكن جمع خاص فلا يصلح لغيره وكيف ينكر كون الاثنين جمعا ويقول الرجلان نحن فعلنا فإن قيل قد يقول الواحد ذلك كقوله إنا أنزلناه في ليلة القدر القدر 1 قلنا ذلك مجاز بالاتفاق وهذا ليس بمجاز الثاني قولهم أجمع أهل اللغة على أن الأسماء ثلاثة أضرب توحيد وتثنية وجمع وهو رجل ورجلان ورجال فلتكن هذه الثلاثة متباينة قلنا ما قالوا الرجلان ليس اسم جمع لكن وضعوا البعض أعداد الجمع اسما خاصا كالعشرة وجعلوا اسم الرجال مشتركا الثالث قولهم فرق في اللسان بين الرجال والرجلين وما ذكرتموه رفع للفرق قلنا الفرق أن الرجلين اسم جمع خاص وهو للإثنين والرجال اسم جمع مشترك لكل جمع من الإثنين والثلاثة فما زاد

Bagian V01/P243–V01/P245

الرابع قولهم لو صح هذا لجاز أن يقال رأيت اثنين رجال كما يقال رأيت ثلاثة رجال قلنا هذا ممتنع لأن العرب لم تستعمله على هذا الوجه ولا يمكن تعدي عرفهم وعلى الجملة فمن يرد لفظ الجمع إلى الاثنين ربما يفتقر إلى دليل أظهر ممن يرده إلى الثلاثة وإذا رده إلى الواحد فقد غير اللفظ النص بقرينة فإن قيل فقد يقول لامرأته أتخرجين وتكلمين الرجال وربما يريد رجلا واحدا قلنا ذلك استعمال لفظ الجمع بدلا عن لفظ الواحد لتعلق غرض الزوج لجنس الرجال لا أنه عنى بلفظ الرجال رجلا واحدا أما إذا أراد رجلين أو ثلاثة فقد ترك اللفظ على حقيقته الباب الثالث في الأدلة التي يخص بها العموم لا نعرف خلافا بين القائلين بالعموم في جواز تخصيصه بالدليل إما بدليل العقل أو السمع أو غيرهما وكيف ينكر ذلك مع الاتفاق على تخصيص قوله تعالى خالق كل شيء الأنعام 102 فلله القصص 57 و تدمر كل شيء الأحقاف 25 و وأوتيت من كل شيء النمل 23 وقوله فاقتلوا المشركين التوبة 5 والسارق والسارقة المائدة 38 الزانية والزاني النور 2 وورثه أبواه النساء 11 و يشرك النساء 11 وفيما سقت السماء العشر فإن جميع عمومات الشرع مخصصة بشروط في الأصل والمحل والسبب وقلما يوجد عام لا يخصص مثل قوله تعالى وهو بكل شيء عليم البقرة 29 فإنه باق على العموم والأدلة التي يخص بها العموم أنواع عشرة الأول دليل الحس وبه خصص قوله تعالى وأوتيت من كل شيء النمل 23 فإن ما كان في يد سليمان لم يكن في يدها وهو شيء وقوله تعالى تدمر كل شيء بأمر ربها الأحقاف 25 خرج منه السماء والأرض وأمور كثيرة بالحس الثاني دليل العقل وبه خصص قوله تعالى خالق كل شيء الأنعام 102 إذ خرج عنه ذاته وصفاته إذ القديم يستحيل تعلق القدرة به وكذلك قوله تعالى ولله على الناس حج البيت آل عمران 97 خرج منه الصبي والمجنون لأن العقل قد دل على استحالة تكليف من لا يفهم فإن قيل كيف يكون العقل مخصصا وهو سابق على أدلة السمع والمخصص ينبغي أن يكون متأخرا ولأن التخصيص إخراج ما يمكن دخوله تحت اللفظ وخلاف المعقول لا يمكن أن يتناوله اللفظ قلنا قال قائلون لا يسمى دليل العقل مخصصا لهذا الحال وهو نزاع في عبارة فإن تسمية الأدلة مخصصة تجوز فقد بينا أن تخصيص العام محال لكن الدليل يعرف إرادة المتكلم وأنه أراد باللفظ الموضوع للعموم معنى خاصا ودليل العقل يجوز أن يبين لنا أن الله تعالى ما أراد بقوله خالق كل شيء الأنعام 102 نفسه وذاته فإنه وإن تقدم دليل العقل فهو موجود أيضا عند نزول اللفظ وإنما يسمى مخصصا بعد نزول الآية لا قبله وأما قولهم لا يجوز دخوله تحت اللفظ فليس كذلك بل يدخل تحت اللفظ من حيث اللسان ولكن يكون قائله كاذبا ولما وجب الصدق في كلام الله تعالى تبين أنه يمتنع دخوله تحت الإرادة مع شمول اللفظ له من حيث الوضع الثالث دليل الإجماع ويخصص به العام لأن الإجماع قاطع لا يمكن الخطأ فيه والعام يتطرق إليه الاحتمال ولا تقضي الأمة في بعض مسميات العموم بخلاف موجب العموم إلا عن قاطع بلغهم في نسخ اللفظ الذي كان قد أريد به العموم أو في عدم دخوله تحت الإرادة عند ذكر العموم والإجماع أقوى من النص الخاص لأن النص الخاص محتمل نسخه والإجماع لا ينسخ فإنه إنما ينعقد بعد انقطاع الوحي الرابع النص الخاص يخصص اللفظ العام فقوله فيما سقت السماء العشر يعم ما دون النصاب وقد خصصه قوله عليه السلام لا زكاة فيما دون خمسة أوسق وقوله تعالى والسارق والسارقة المائدة 38 يعم كل مال وخرج ما دون النصاب بقوله لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا وقوله فتحرير رقبة المجادلة 3 يعم الكافرة فلو ورد مرة أخرى

Bagian V01/P245–V01/P246

فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 في الظهار بعينة لتبين لنا أن المراد بالرقبة المطلبة العامة هي المؤمنة على الخصوص وقد ذهب قوم إلى أن الخاص والعام يتعارضان ويتدافعان فيجوز أن يكون الخاص سابقا وقد ورد العام بعده لأرادة العموم فنسخ الخاص ويجوز أن يكون العام سابقا وقد أريد به العموم ثم نسخ باللفظ الخاص بعده فعموم الرقبة مثلا يقتضي أجزاء الكافرة مهما أريد به العموم والتقييد بالمؤمنة يقتضي منع أجزاء الكافرة فهما متعارضان وإذا أمكن النسخ والبيان جميعا فلم يتحكم بحمله على البيان دون النسخ ولم يقطع بالحكم على العام بالخاص ولعل العام هو المتأخر الذي أريد به العموم وينسخ به الخاص وهذا هو الذي اختاره القاضي والأصح عندنا تقديم الخاص وإن كان ما ذكره القاضي ممكنا ولكن تقدير النسخ محتاج إلى الحكم بدخول الكافرة تحت اللفظ ثم خروجه عنه فهو إثبات وضع ورفع بالتوهم وإرادة الخاص باللفظ العام غالب معتاد بل هو الأكثر والنسخ كالنادر فلا سبيل إلى تقديره بالتوهم ويكاد يشهد لما ذكرناه من سير الصحابة والتابعين كثير فإنهم كانوا يسارعون إلى الحكم بالخاص على العام وما اشتغلوا بطلب التاريخ والتقدم والتأخر الخامس المفهوم بالفحوى كتحريم ضرب الأب حيث فهم من النهي عن التأفيف فهو قاطع كالنص وإن لم يكن مستندا إلى لفظ ولسنا نريد اللفظ بعينه بل لدلالته فكل دليل سمعي قاطع فهو كالنص والمفهوم عند القائلين به أيضا كالمنطوق حتى إذا ورد عام في إيجاب الزكاة في الغنم ثم قال الشارع في سائمة الغنم زكاة أخرجت المعلوفة من مفهوم هذا اللفظ عن عموم اسم الغنم والنعم السادس فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو دليل على ما سيأتي بشرطه عند ذكر دلالة الأفعال وإنما يكون دليلا إذا عرف من قوله أنه قصد به بيان الأحكام كقوله عليه السلام صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم فإن لم يتبين أنه أراد به البيان فإذا ناقض فعله لحكمه الذي حكم به فلا يرفع أصل الحكم بفعله المخالف لكن قد يدل على التخصيص ونذكر له ثلاثة أمثلة المثال الأول إنه نهى عن الوصال ثم واصل فقيل له نهيت عن الوصال ونراك تواصل فقال إني لست كأحدكم إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني فبين أنه ليس يريد بفعله بيان الحكم ثم تحريم الوصال إن كان بقوله لا تواصلوا أو نهيتكم عن الوصال فلا يدخل فيه الرسول عليه السلام لأنه مخاطب غيره والمخاطب إنما يدخل تحت خطاب نفسه إذا أثبت الحكم بلفظ عام كقوله حرم الوصال على كل عبد أو على كل مكلف أو على كل إنسان أو كل مؤمن أو ما يجري مجراه وإن كان بلفظ عام فيكون فعله تخصيصا المثال الثاني أنه نهى عن استقبال القبلة في قضاء الحاجة ثم رآه ابن عمر مستقبلا بيت المقدس على سطح فيحتمل أنه تخصيص لأنه كان وراء سترة والنهي كان مطلقا وأريد به ما إذا لم يكن ساتر ويحتمل أنه كان مستثنى ومخصوصا فهو دليل على خروجه عن العموم إن كان اللفظ المحرم عاما له ولا يصلح هذا لأن ينسخ به تحريم الاستقبال لأنه فعل يكون في خلوة وخفية فلا يصلح لأن يراد به البيان فإن ما أريد به البيان يلزمه إظهاره عند أهل التواتر أن تعبد فيه الخلق بالعلم وإن لم يتعبدوا إلا بالظن والعمل فلا بد من إظهاره لعدل أو لعدلين المثال الثالث أنه نهى عن كشف العورة ثم كشف فخذه بحضرة أبي بكر وعمر ثم دخل عثمان رضي الله عنهم فستره فعجبوا منه فقال ألا أستحي ممن تستحي منه ملائكة السماء فهذا لا يرفع النهي لاحتمال أنه لم يكن داخلا فيه أو لعله كشفه لعارض وعذر فإنه حكاية حال أو أريد بالفخذ ما يقرب منه وليس داخلا في حده أو إباحته خاصة له أو نسخ تحريم كشف العورة وإذا تعارضت الاحتمالات فلا يرتفع التحريم في حق غيره بالوهم

Bagian V01/P246–V01/P247

السابع تقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من أمته على خلاف موجب العموم وسكوته عليه السلام عليه يحتمل نسخ أصل الحكم أو تخصيص ذلك الشخص بالنسخ في حقه خاصة له أو تخصيص وصف وحال ووقت ذلك الشخص ملابس له فيشاركه في الخصوص من شاركه في ذلك المعنى فإن كان قد ثبت ذلك الحكم في كل وقت وفي كل حال تعين تقرير لكونه نسخا إما على الجملة وإما في حقه خاصة والمستيقن حقه خاصة لكن لو كان من خاصيته لوجب على النبي عليه السلام أن يبين اختصاصه بعد أن عرف أمته أن حكمه في الواحد كحكمه في الجماعة فيدل من هذا الوجه على النسخ المطلق ولما أقر عليه السلام أصحابه على ترك زكاة الخيل مع كثرتها في أيديهم دل على سقوط زكاة الخيل إذ ترك الفرض منكر يجب إنكاره فإن قيل فلعلهم أخرجوا ولم ينقل إلينا أو لعله لم يكن في خيلهم سائمة قلنا العادة تحيل اندراس إخراجهم الزكاة طول أعمارهم والسوم قريب من الأمكان ويجب شرح ما يقرب وقوعه فلو وجب لذكره فهذه سبع مخصصات ووراءها ثلاثة تظن مخصصات وليست منها فننظمها في سلك المخصصات الثامن عادة المخاطبين فإذا قال لجماعة من أمته حرمت عليكم الطعام والشراب مثلا وكانت عادتهم تناولهم جنسا من الطعام فلا يقتصر بالنهي على معتادهم بل يدخل فيه لحم السمك والطير وما لا يعتاد في أرضهم لأن الحجة في لفظه وهو عام وألفاظه غير مبنية على عادة الناس في معاملاتهم حتى يدخل فيه شرب البول وأكل التراب وابتلاع الحصاة والنواة وهذا بخلاف لفظ الدابة فإنها تحمل على ذوات الأربع خاصة لعرف أهل اللسان في تخصيص اللفظ وأكل النواة والحصاة يسمى أكلا في العادة وإن كان لا يعتاد فعله ففرق بين أن لا يعتاد الفعل وبين أن يعتاد إطلاق الاسم على الشيء وعلى الجملة فعادة الناس تؤثر في تعريف مرادهم من ألفاظهم حتى أن الجالس على المائدة يطلب الماء يفهم منه العذب البارد لكن لا تؤثر في تغيير خطاب الشارع إياهم التاسع مذهب الصحابي إذا كان بخلاف العموم فيجعل مخصصا عند من يرى قول الصحابي حجة يجب تقليده وقد أفسدناه وكذلك تخصيص الراوي يرفع العموم عند من يرى أن مذهب الراوي إذا خالف روايته يقدم مذهبه على روايته وهذا أيضا مما أفسدناه بل الحجة في الحديث ومخالفته وتأويله وتخصيصه يجوز أن تكون عن اجتهاد ونظر لا نرتضيه فلا نترك الحجة بما ليس بحجة بل لو كان اللفظ محتملا وأخذ الراوي بأحد محتملاته واحتمل أن يكون ذلك عن توقيف فلا تجب متابعته ما لم يقل إني عرفته من التوقيف بدليل أنه لو رواه روايان وأخذ كل واحد باحتمال آخر فلا يمكننا أن نتبعهما أصلا العاشر خروج العام على سبب خاص جعل دليلا على تخصصه عند قوم وهو غير مرضي عندنا كما سبق تقريره واختتام هذا الكتاب بذكر مسألتين في تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وبالقياس مسألة ( تخصيص العموم بخبر الواحد ) خبر الواحد إذا ورد مخصصا لعموم القرآن اتفقوا على جواز التعبد به لتقديم أحدهما على الآخر لكن اختلفوا في وقوعه على أربعة مذاهب فقال بتقديم العموم قوم وبتقديم الخبر قوم وبتقابلهما والتوقف إلى ظهور دليل آخر قوم وقال قوم إن كان العموم مما دخله التخصيص بدليل قاطع فقد ضعف وصار مجازا فالخبر أولى منه وإلا فالعموم أولى وإليه ذهب عيسى بن أبان احتج القائلون بترجيح العموم بمسلكين الأول أن عموم الكتاب مقطوع به وخبر الواحد مظنون فكيف يقدم عليه الاعتراض من أوجه الأول أن دخول أصل محل الخصوص في العموم وكونه مراد به مظنون ظنا ضعيفا يستند إلى صيغة العموم وقد أنكره الواقفية وزعموا أنه مجمل فكيف ينفع كون أصل الكتاب مقطوعاته فيما لا يقطع بكونه مرادا بلفظه

Bagian V01/P247–V01/P248

الثاني أنه لو كان مقطوعا به للزم تكذيب الراوي قطعا ولا شك في إمكان صدقه فإن قيل فلو نقل النسخ فصدقه أيضا ممكن ولا يقبل قلنا لا جرم لا يعلل رده بكون الآية مقطوعا بها لأن دوام حكمها إنما يقطع به بشرط أن الإيراد ناسخ فلا يبقى القطع مع وروده لكن الإجماع منع من نسخ القرآن بخبر الواحد ولا مانع من التخصيص الثالث أن براءة الذمة قبل ورود السمع مقطوع بها ثم ترفع بخبر الواحد لأنه مقطوع بها بشرط أن لا يرد سمع وماء البحر مقطوع بطهارته إذا جعل في كوز لكن بشرط أن لا يرد سمع بأن يخبر عدل بوقوع النجاسة فيه وكذلك العموم ظاهر في الاستغراق بشرط أن لا يرد خاص الرابع أن وجوب العمل بخبر الواحد مقطوع به بالإجماع وإنما الاحتمال في صدق الراوي ولا تكليف علينا في اعتقاد صدقه فإن سفك الدم وتحليل البضع واجب بقول عدلين قطعا مع أنا لا نقطع بصدقهما فوجوب العمل بالخبر مقطوع به وكون العموم مستغرقا غير مقطوع به فإن قيل إنما يجب العمل بخبر لا يقابل عموم القرآن قلنا يقابله أنه إنما يجب العمل بعموم لا يخصصه حديث نص ينقله عدل ولا فصل بين الكلامين المسلك الثاني قولهم إن الحديث إما أن يكون نسخا أو بيانا والنسخ لا يثبت بخبر الواحد إتفاقا وإن كان بيانا فعال إذا البيان ما يقترن بالمبين وما يعرفه الشارع أهل التواتر حتى تقوم الحجة به قلنا هو بيان ولا يجب اقتران البيان بل يجوز تأخيره عندنا وما يدريهم أنه وقع متراخيا فلعله كان مقترنا والراوي لم يرو اقترانه كيف ويجوز أن يقول بعد ورود آية السرقة لا قطع إلا في ربع دينار من الحرز وأما قولهم ينبغي أن يلقيه إلى عدد التواتر فتحكم بل إذا لم يكلفهم العلم بل العمل جاز تكليفهم بقول عدل واحد ثم ما يدر بهم فلعله ألقاه إلى عدد التواتر فماتوا قبل النقل أو نسوا أو هم في الأحياء لكنا ما لقينا منهم إلا واحدا حجة القائلين بتقديم الخبر أن الصحابة ذهبت إليه إذ روى أبو هريرة أن المرأة لا تنكح على عمتها وخالتها فخصصوا به قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم النساء 24 وخصصوا عموم آية المواريث برواية أبي هريرة أنه لا يرث القاتل والعبد ولا أهل ملتين ورفعوا عموم آية الوصية بقوله لا وصية لوارث ورفعوا عموم قوله تعالى حتى تنكح زوجا غيره البقرة 23 برواية من روى حتى تذوق عسيلتها إلى نظائر لذلك كثيرة لا تحصى الاعتراض إن هذا ليس قاطعا بأنهم رفعوا العموم بمجرد قول الراوي بل ربما قامت الحجة عندهم على صحة قوله بأمور وقرائن وأدلة سوى مجرد قوله كما نقل أن أهل قباء تحولوا عن القبلة بخبر واحد وهو نسخ لكنهم لعلهم عرفوا صدقه برفع صوته في جوار النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه وأن ذلك لا يمكن الكذب فيه حجة القائلين بالتوقف وهو اختيار القاضي أن العموم وحده دليل مقطوع الأصل مظنون الشمول والخبر وحده مظنون الأصل مقطوع به في اللفظ والمعنى وهما متقابلان ولا دليل على الترجيح فيتعارضان والرجوع إلى دليل آخر والمختار أن خبر العدل أولى لأن سكون النفس إلى عدل واحد في الرواية لما هو نص كسكونها إلى عدلين في الشهادة أما اقتضاء آية المواريث الحكم في حق القاتل والكافر ضعيف وكلام من يدعي إجمال العموم قوي واقع وكلام من ينكر خبر الواحد ولا يجعله حجة في غاية الضعف ولذلك ترك توريث فاطمة رضي الله عنها بقول أبي بكر نحن معاشر الأنبياء لا نورث الحديث فنحن نعلم أن تقدير كذب أبي بكر وكذب كل عدل أبعد في النفس من تقدير كون آية المواريث مسوقة لتقدير المواريث لا للقصد إلى بيان حكم النبي عليه الصلاة والسلام والقاتل والعبد والكافر وهذه النوادر مسألة ( تعارض القياس مع العموم )

Bagian V01/P248–V01/P249

قياس نص خاص إذا قابل عموم نص آخر فالذاهبون إلى أن العموم حجة لو انفرد والقياس حجة لو انفرد اختلفوا فيه على خمسة مذاهب فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأبو الحسن الأشعري إلى تقديم القياس على العموم ذهب الجبائي وابنه وطائفة من المتكلمين والفقهاء إلى تقديم العموم وذهب القاضي وجماعة إلى التوقف لحصول التعارض وقال قوم يقدم على العموم جلى القياس دون خفيه وقال عيسى بن أبان يقدم القياس على عموم دخله التخصيص دون ما لم يدخله حجاج من قدم العموم ثلاث الأولى أن القياس فرع والعموم أصل فكيف يقدم فرع على أصل الاعتراض من وجوه الأول أن القياس فرع نص آخر لا فرع النص المخصوص به والنص تارة يخصص بنص آخر وتارة بمعقول نص آخر ولا معنى للقياس إلا معقول النص وهو الذي يفهم المراد من النص والله هو الواضع لإضافة الحكم إلى معنى النص إلا أنه مظنون نص كما أن العموم وتناوله للمسمى الخاص مظنون نص آخر فهما ظنان في نصين مختلفين وإذا خصصنا بقياس الأرز على البر عموم قوله وأحل الله البيع وحرم الربا البقرة 275 ) لم نخصص الأصل بفرعه فإن الأرز فرع حديث البر لا فرع آية إحلال البيع الثاني أنه يلزم أن لا يخصص القرآن بخبر الواحد لأنه فرع فإنه يثبت بأصل من كتاب وسنة فيكون فرعا له فقد سلم التخصيص بخبر الواحد من لا يسلم التخصيص بالقياس فهذا لازم لهم فإن قيل خبر الواحد ثبت بالإجماع لا بالظاهر والنص قلنا وكون القياس حجة ثبت أيضا بالإجماع ثم لا مستند للإجماع سوى النص فهو فرع الإجماع والإجماع فرع النص الحجة الثانية أنه إنما يطلب القياس حكم ما ليس منطوقا به فما هو منطوق به كيف يثبت بالقياس الاعتراض أنه ليس منطوقا به كالنطق بالعين الواحدة لأن زيدا في قوله فاقتلوا المشركين التوبة 5 ليس كقوله اقتلوا زيدا والأرز في قوله وأحل الله البيع وحرم الربا البقرة 275 ليس كقوله يحل بيع الأرز بالأرز متفاضلا ومتماثلا فإذا كان كونه مرادا بآية إحلال البيع مشكوكا فيه كان كونه منطوقا به مشكوكا فيه لأن العام إذا أريد به الخاص كان ذلك نطقا بذلك القدر ولم يكن نطقا بما ليس بمراد والدليل عليه جواز تخصيصه بدليل العقل القاطع ودليل العقل لا يجوز أن يقابل النطق الصريح من الشارع لأن الأدلة لا تتعارض فإن قيل ما أخرجه العقل عرف أنه لم يدخل تحت العموم قلنا تحت لفظه أو تحت الارادة فإن قلتم تحت اللفظ فإن الله تعالى شيء وهو داخل تحت اللفظ من قوله تعالى خالق كل شيء الأنعام 102 وإن قلتم لا يدخل تحت الإرادة فكذلك دليل القياس يعرفنا ذلك ولا فرق الحجة الثالثة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لمعاذ بم تحكم فقال بكتاب الله قال فإن لم تجد قال بسنة رسول الله قال فإن لم تجد قال أجتهد رأيي فجعل الاجتهاد مؤخرا فكيف يقدم على الكتاب قلنا كونه مذكورا في الكتاب مبني على كونه مرادا بالعموم وهو مشكوك فيه فكونه في الكتاب مشكوك فيه ولذلك جاز لمعاذ ترك العموم بالخبر المتواتر وخبر الواحد ونص الكتاب لا يترك بالسنة إلا أن تكون السنة بيانا لمعنى الكتاب والكتاب يبين الكتاب والسنة تبين السنة تارة بلفظ وتارة بمعقول لفظ ثم نقول حكم العقل الأصلي في براءة الذمة يترك بخبر الواحد وبقياس خبر الواحد لأنه ليس يحكم به العقل مع ورود الخبر فيصير مشكوكا فيه معه فكذلك العموم حجاج القائلين بتقديم القياس اثنتان الأولى أن العموم يحتمل المجاز والخصوص والاستعمال في غير ما وضع له والقياس لا يحتمل شيئا من ذلك ولأنه يخصص العموم بالنص الخاص مع إمكان كونه مجازا ومؤولا فالقياس أولى

Bagian V01/P249–V01/P251

الاعتراض أن احتمال الغلط في القياس ليس بأقل من احتمال ما ذكر في العموم من احتمال الخصوص والمجاز بل ذلك موجود في أصل القياس وزيادة ضعف ما يختص به من احتمال الخصوص والمجاز إذ القياس ربما يكون منتزعا من خبر واحد فيتطرق الاحتمال إلى أصله وربما استنبطه من ليس أهلا للاجتهاد فظن أنه من أهله ولا حكم لاجتهاد غير الأهل والعموم لا يستند إلى اجتهاد وربما يستدل على إثبات العلة بما يظنه دليلا وليس بدليل وربما لا يستوفي جميع أوصاف الأصل فيشذ عنه وصف داخل في الاعتبار وربما يغلط في إلحاق الفرع به لفرق دقيق بينهما لم يتنبه له فمظنة الاحتمال والغلط في القياس أكثر الحجة الثانية قولهم تخصيص العموم بالقياس جمع بين القياس وبين الكتاب فهو أولى من تعطيل أحدهما أو تعطيلهما وهذا فاسد لأن القدر الذي وقع فيه التقابل ليس فيه جمع بل هو رفع للعموم وتجريد للعمل بالقياس حجة الواقفية قالوا إذا بطل كلام المرجحين كما سبق وكل واحد من القياس والعموم دليل لو انفرد وقد تقابلا ولا ترجيح فهل يبقى إلا التوقف لأن الترجيح إما أن يدرك بعقل أو نقل والعقل إما نظري أو ضروري والنقل إما تواتر أو آحاد ولم يتحقق شيء من ذلك فيجب طلب دليل آخر فإن قيل هذا يخالف الإجماع لأن الأمة مجمعة على تقديم أحدهما وإن اختلفوا في التعيين ولم يذهب أحد قبل القاضي إلى التوقف أجاب القاضي بأنهم لم يصرحوا ببطلان التوقف قطعا ولم يجمعوا عليه لكن كل واحد رأى ترجيحا والإجماع لا يثبت بمثل ذلك كيف ومن لا يقطع ببطلان مذهب مخالفه في ترجيح القياس كيف يقطع بخطئه إن توقف حجة من فرق بين جلى القياس وخفيه وهي أن جلي القياس قوي وهو أقوى من العموم والخفي ضعيف ثم حكي عنهم أنهم فسروا الجلي بقياس العلة والخفي بقياس الشبه وعن بعضهم أن الجلي مثل قوله عليه السلام لا يقض القاضي وهو غضبان وتعليل ذلك بما يدهش العقل عن تمام الفكر حتى يجري في الجائع والحاقن خفي والمختار أن ما ذكروه غير بعيد فإن العموم يفيد ظنا والقياس يفيد ظنا وقد يكون أحدهما أقوى في نفس المجتهد فيلزمه اتباع الأقوى والعموم تارة يضعف بأن لا يظهر منه قصد التعميم ويظهر ذلك بأن يكثر المخرج منه ويتطرق إليه تخصيصات كثيرة كقوله تعالى وأحل الله البيع البقرة 275 فإن دلالة قوله عليه السلام لا تبيعوا البر بالبر على تحريم الأرز والتمر أظهر من دلالة هذا العموم على تحليله وقد دل الكتاب على تحريم الخمر وخصص به قوله تعالى مبعوثون الأنعام 145 وإذا ظهر منه التعليل بالإسكار فلو لو يرد خبر في تحريم كل مسكر لكان إلحاق النبيذ بالخمر بقياس الإسكار أغلب على الظن من بقائه تحت عموم قوله يقصون الأنعام 145 وهذا ظاهر في هذه الآية وآية احلال البيع لكثرة ما أخرج منهما ولضعف قصد العموم فيهما ولذلك جوزه عيسى بن أبان في أمثاله دون ما بقي على العموم ولكن لا يبعد ذلك عندنا أيضا فيما بقي عاما لأنا لا نشك في أن العمومات بالإضافة إلى بعض المسميات تختلف في القوة لاختلافها في ظهور إرادة قصد ذلك المسمى بها فإن تقابلا وجب تقديم أقوى العمومين وكذلك أقوى القياسين إذا تقابلا قدمنا أجلاهما وأقواهما فكذلك العموم والقياس إذا تقابلا فلا يبعد أن يكون قياس قوي أغلب على الظن من عموم ضعيف أو عموم قوي أغلب على الظن من قياس ضعيف فنقدم الأقوى وإن تعادلا فيجب التوقف كما قاله القاضي إذ ليس كون هذا عموما أو كون ذلك قياسا مما يوجب ترجيحا لعينهما بل لقوة دلالتهما فمذهب القاضي صحيح بهذا الشرط فإن قيل فهذا الخلاف الذي في تخصيص بقياس مستنبط من الكتاب إذا خصص به عموم الكتاب فهل يجري في قياس مستنبط من الأخبار قلنا نسبة قياس الكتاب إلى عموم الكتاب كنسبة قياس الخبر المتواتر إلى عموم الخبر المتواتر وكنسبة قياس خبر الواحد إلى عموم خبر الواحد والخلاف جار في الكل وكذا قياس الخبر المتواتر بالنسبة إلى عموم الكتاب وقياس نص الكتاب بالإضافة إلى عموم الخبر المتواتر أما قياس خبر الواحد إذا عارض عموم القرآن فلا يخفي ترجيح الكتاب عند من لا يقدم خبر الواحد على عموم القرآن أما من يقدم الخبر فيجوز أن يتوقف في قياس الخبر فإنه ازداد ضعفا وبعدا وما في معنى الأصل والمعلوم بالنظر الجلي قريب من الأصل فلا يبعد أن يكون أقوى في النفس في بعض الأحوال من ظن العموم فالنظر فيه إلى المجتهد فإن قيل الخلاف في هذه المسألة من جنس الخلاف في القطعيات أو في المجتهدات قلنا يدل سياق كلام القاضي على أن القول في تقديم خبر الواحد على عموم الكتاب وفي تقديم القياس على العموم مما يجب القطع بخطأ المخالف فيه لأنه من مسائل الأصول وعندي أن إلحاق هذا بالمجتهدات أولى فإن الأدلة من سائر الجوانب فيه متقاربة غير بالغة مبلغ القطع

Bagian V01/P251–V01/P252

الباب الرابع في تعارض العمومين ووقت جواز الحكم بالعموم وفيه فصول الفصل الأول في التعارض اعلم أن المهم الأول معرفة محل التعارض فنقول كل ما دل العقل فيه على أحد الجانبين فليس للتعارض فيه مجال إذ الأدلة العقلية يستحيل نسخها وتكاذبها فإن ورد دليل سمي على خلاف العقل فأما لا يكون متواترا فيعلم أنه غير صحيح وإما أن يكون متواترا فيكون مؤولا ولا يكون متعارضا وأما نص متواتر لا يحتمل الخطأ والتأويل وهو على خلاف دليل العقل فذلك محال لأن دليل العقل لا يقبل النسخ والبصلان مثال ذلك المؤول في العقليات قوله تعالى خالق كل شيء الأنعام 102 إذ خرج بدليل العقل ذات القديم وصفاته وقوله وهو بكل شيء عليم البقرة 29 دل العقل على عمومه ولا يعارضه قوله تعالى قل أتنبئون الله بما لا يعلم يونس 18 إذ معناه ما لا يعلم له أصلا أي يعلم أنه لا أصل له ولا يعارضه قوله تعالى حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم محمد 31 إذا معناه أنه يعلم المجاهدة كائنة وحاصلة وفي الأزل لا يوصف علمه بتعلقه بحصول المجاهدة قبل حصولها وكذلك قوله تعالى وتخلقون إفكا العنكبوت 17 لا يعارض قوله خالق كل شيء لأن المعنى به الكذب دون الايجاد وكذلك قوله تعالى وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير المائدة 110 لأن معناه تقدر والخلق هو التقدير وكذلك قوله أحسن الخالقين المؤمنون 14 أي المقدرين وهكذا أبدا تأويل ما خالف دليل العقل أو خالف دليلا شرعا دل العقل على عمومه أما الشرعيات فإذا تعارض فيها دليلان فأما أن يستحيل الجمع أو يمكن فإن امتنع الجمع لكونهما متناقضين كقوله مثلا من بدل دينه فاقتلوه من بدل دينه فلا تقتلوه لا يصح نكاح بغير ولي يصح نكاح بغير ولي فمثل هذا لا بد أن يكون أحدهما ناسخا والآخر منسوخا فإن أشكل التاريخ فيطلب الحكم من دليل آخر ويقدر تدافع النصين فإن عجزنا عن دليل آخر فنتخير العمل بأيهما شئنا لأن الممكنات أربعة العمل بهما وهو متناقض أو اطراحهما وهو إخلاء الواقعة عن الحكم وهو متناقض أو استعمال واحد بغير مرجح وهو تحكم فلا يبقى إلا التخير الذي يجوز ورود التعبدية ابتداء فإن الله تعالى لو كلفنا واحدا بعينه لنصب عليه دليلا ولجعل لنا إليه سبيلا إذ لا يجوز تكليف بالمحال وفي التخيير بين الدليلين المتعارضين مزيد غور سنذكره في كتاب الاجتهاد عند تخير المجتهد وتحيره أما إذا أمكن الجمع بوجه ما فهو على مراتب المرتبة الأولى عام وخاص كقوله عليه السلام فيما سقت السماء العشر مع قوله لا صدقة فيما دون خمسة أوسق فقد ذكرنا من مذهب القاضي أن التعارض واقع لإمكان كون أحدهما نسخا بتقدير إرادة العموم بالعام والمختار أن يجعل بيانا ولا يقدر النسخ إلا لضرورة فإن فيه تقدير دخول ما دون النصاب تحت وجوب العشر ثم خروجه منه وذلك لا سبيل إلى إثباته بالتوهم من غير ضرورة