Gazâlî — el-Müstasfâ (usûlü'l-fıkh)
المرتبة الثانية وهي قريبة من الأولى أن يكون اللفظ المؤول قويا في الظهور بعيدا عن التأويل لا ينقدح تأويله إلا بقرينة فكلام القاضي فيه أوجه ومثاله قوله عليه السلام إنما الربا في النسيئة كما رواه ابن عباس فإنه كالصريح في نفي ربا الفضل ورواية عبادة بن الصامت في قوله الحنطة بالحنطة مثلا بمثل صريح في إثبات ربا الفضل فيمكن أن يكون أحدهما ناسخا للآخر ويمكن أن يكون قوله إنما الربا في النسيئة أي في مختلفي الجنس ويكون قد خرج على سؤال خاص عن المختلفين أو حاجة خاصة حتى ينقدح الاحتمال والجمع بهذا التقدير ممكن والمختار أنه وإن بعد أولى من تقدير النسخ وللقاضي أن يقول قطعكم بأنه أراد به الجنسين تحكم لا يدل عليه قاطع ويخالف ظاهر اللفظ المفيد للظن والتحكم بتقدير ليس يعضده دليل قطعي ولا ظني لا وجه له قلنا يحملنا عليه ضرورة الاحتراز عن النسخ فيقول فما المانع من تقدير النسخ وليس في إثباته اتركاب محال ولا مخالفة دليل قطعي ولا ظني وفيما ذكرتم مخالفة صيغة العموم ودلالة اللفظ وهو دليل ظني فما هو الخوف والحذر من النسخ وإمكانه كإمكان البيان فليس أحدهما بأولى من الآخر فإن قلنا البيان أغلب على عادة الرسول عليه السلام من النسخ وهو أكثر وقوعا فله أن يقول وما الدليل على جواز الأخذ بالاحتمال الأكثر وإذا اشتبهت رضيعة بعشر نسوة فالأكثر حلال وإذا اشتبه إناء نجس بعشر أوان طاهرة فلا ترجيح للأكثر بل لا بد من الاجتهاد والدليل ولا يجوز أن يأخذوا واحدا ويقدر حله أو طهارته لأن جنسه أكثر لكنا نقول الظن عبارة عن أغلب الاحتمالين ولكن لا يجوز إتباعه إلا بدليل فخبر الواحد لا يورث إلا غلبة الظن من حيث إن صدق العدل أكثر وأغلب من كذبه وصيغة العموم تتبع لأن إرادة ما يدل عليه الظاهر أغلب وأكثر من وقوع غيره والفرق بين الفرع والأصل ممكن غير مقطوع ببطلائه في الأقيسة الظنية لكن الجمع أغلب على الظن واتباع الظن في هذه الأصول لا لكونه ظنا لكن لعمل الصحابة به واتفاقاتهم عليه فكذا نعلم من سيرة الصحابة إنهم ما اعتقدوا كون غير القرآن منسوخا من أوله إلى آخره ولم يبق فيه عام لم يخصص إلا قوله تعالى وهو بكل شيء عليم البقرة 29 وألفاظ نادرة بل قدروا جملة ذلك بيانا وورد العام والخاص في الأخبار ولا يتطرق النسخ إلى الخبر كقوله تعالى فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون القلم 30 وتخصيصا لقوله تعالى هذا يوم لا ينطقون المرسلات 35 وتخصيص قوله تعالى وأوتيت من كل شيء النمل 23 و تدمر كل شيء بأمر ربها الأحقاف 25 و فلله القصص 57 وكانوا لا ينسخون إلا بنص وضرورة أما بالتوهم فلا ولعل السبب أن في جعلهما متضادين إسقاطهما ذا لم يظهر التاريخ وفي جعله بيانا استعمالها وإذا تخيرنا بين الاستعمال والإسقاط فالاستعمال هو الأصل ولا يجوز الإسقاط إلا لضرورة تنبيه أعلم أن القاضي أيضا إنما يقدر النسخ بشرط أن لا يظهر دلالة على إرادة البيان مثاله قوله لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب عام يعارضه خصوص قوله صلى الله عليه وسلم أيما إهاب دبغ فقد طهر لكن القاضي يقدره نسخا بشرطين أحدهما أن لا ينبت في اللسان اختصاص اسم الإهاب بغير المدبوغ فقد قيل ما لم يدبغ الجلد يسمى إهابا فإذا دبغ فأديم وصرم وغيره فإن صح هذا فلا تعارض بين اللفظين الثاني أنه روي عن ابن عباس أنه عليه السلام مر بشاة لميمونة ميتة فقال ألا أخذوا إهابها فدبغوه وانتفعوا به وكانوا قد تركوها لكونها ميتة ثم كتب لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب فساق الحديث سياقا يشعر بأنه جرى متصلا فيكون بيانا ناسخا لأن شرط النسخ التراخي
المرتبة الثالثة من التعارض أن يتعارض عمومان فيزيد أحدهما على الآخر من وجه وينقص عنه من وجه مثاله قوله عليه السلام من بدل دينه فاقتلوه فإنه يعم النساء مع قوله نهيت عن قتل النساء فإنه يعم المرتدات وكذلك قوله نهيت عن الصلاة بعد العصر فإنه يعم الفائتة أيضا مع قوله من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإنه يعم المستيقظ بعد العصر وكذلك قوله تعلمون النساء 23 فإنه يشمل جمع الأختين في ملك اليمين أيضا مع قوله أو ما ملكت أيمانكم النساء 3 فإنه يحل الجمع بين الأختين بعمومه فيمكن أن يخصص قوله وأن تجمعوا بين الأختين النساء 23 بجمع الأختين في النكاح دون ملك اليمين لعموم قوله أو ما ملكت أيمانكم فهو على مذهب القاضي تعارض وتدافع بتقدير النسخ ويشهد له قول علي وعثمان رضي الله عنهما لما سئلا عن هذه المسألة أعني جمع أختين في ملك اليمين فقالا حرمتهما آية وحللتهما آية أما على مذهبنا في حمله على البيان ما أمكن ليس أيضا أحدهما بأولى من الآخر ما لم يظهر ترجيح وقد ظهر فنقول حفظ عموم قوله وأن تجمعوا بين الأختين أولى لمعنيين أحدهما إنه عموم لم يتطرق إليه تخصيص متفق عليه فهو أقوى من عموم تطرق إليه التخصيص بالإتفاق إذ قد استثنى عن تحليل ملك اليمن المشتركة والمستبرأة والمجوسية والأخت من الرضاع والنسب وسائر المحرمات أما الجمع بين الأختين فحرام على العموم الثاني أن قوله وأن تجمعوا بين الأختين النساء 23 سيق بعد ذكر المحرمات وعدها على الاستقصاء إلحاق لمحرمات تعم الحرائر والإماء وقوله أو ما ملكت أيمانكم النساء 3 ما سيق لبيان المحللات قصدا بل في معرض الثناء على أهل التقوى الحافظين فروجهم عن غير الزوجات والسراري فلا يظهر منه قصد البيان فإن قيل هل يجوز أن يتعارض عمومان ويخلوا عن دليل الترجيح قلنا قال قوم لا يجوز ذلك لأنه يؤدي إلى التهمة ووقوع الشبهة لتناقض الكلامين وهو منفر عن الطاعة والإتباع والتصديق وهذا فاسد بل ذلك جائز ويكون ذلك مبينا لأهل العصر الأول وإنما خفي علينا لطول المدة واندراس القرائن والأدلة ويكون ذلك محنة وتكليفا علينا لنطلب الدليل من وجه آخر من ترجيح أو نتخير ولا تكليف في حقنا إلا بما بلغنا فليس فيه محال وأما ما ذكروه من التنفير والتهمة فباطل فإن ذلك قد نفر طائفة من الكفار في ورود النسخ حتى قال تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر النحل 101 الآية ثم ذلك لم يدل على استحالة النسخ
الفصل الثاني في جواز إسماع العموم من لم يسمع الخصوص وقد اختلفوا في جوازه فقيل لا يجوز ذلك لأن فيه الباسا وتجهيلا ونحن نقول يجب على الشارع أن يذكر دليل الخصوص إما مقترنا وإما متراخيا على ما ذكرناه من تأخير البيان وليس من ضرورة كل مجتهد بلغه العموم أن يبلغه دليل الخصوص بل يجوز أن يغفل عنه ويكون حكم الله عليه والعمل بالعموم وهذا القدر الذي بلغه لا يكلف ما لم يبلغه ودليل جوازه وقوعه بالإجماع فإن من الأدلة المخصصة ما هي عقلية غامضة عجز عنها الأكثرون إلا الراسخون في العلم وغلطوا فيها فالألفاظ المتشابهة في القرآن الموهمة للتشبيه بلغت الجميع والأدلة العقلية الغامضة لم ينتبه لها الجميع ولم يرد الشرع صريحا بنفي التشبيه وقطع الوهم وذلك سبب للجهل والدليل عليه وقوع الجهل للمشبهة فإن قيل العقل الذي يدل على التخصيص عتيد لكل عاقل فالحوالة عليه ليس بتجهيل قلنا وأي شيء ينفع كونه عتيدا ولم يزل به جهل الأكثرين وكان يزول بالتصريح والنص الذي لا يوهم التشبيه أصلا احتجوا بشبهتين الأولى إنه لو جاز ذلك لجاز أن يسمعهم المنسوخ دون الناسخ والمستثنى دون الاستثناء قلنا ذلك جائز في النسخ وعليه العمل بالمنسوخ إلى أن يبلغه الناسخ وليس عليه إلا تجويز النسخ والتصفح عن دليله فإذا لم يبلغه فلا تكليف عليه بما لم يبلغه كما إذا عجز من معرفة التخصيص بعد البحث عمل بالعموم وأما الاستثناء فيشترط إتصاله فكيف لا يبلغه نعم يجوز أن يسمعه الأول فينزعج عن المكان لعارض قبل سماع الاستثناء فلا يسمعه فلا يكون مكلفا بما لم يبلغه الشبهة الثانية قولهم تبليغ العام دون دليل الخصوص تجهيل فإنه يعتقد العموم وهو جهل قلنا جهل من جهته إن اعتقد جزما عمومه بل ينبغي أن يعتقد أن ظاهره العموم وهو محتمل للخصوص ومكلف بطلب دليل الخصوص إلى أن يبلغه أو يظهر له انتفاؤه لأنه إن اعتقد أنه عام قطعا أو خاص قطعا أو لا عام ولا خاص أو هو عام وخاص معا فكل ذلك جهل فإذا بطل الكل لم يبق إلا اعتقاد أنه ظاهر في العموم محتمل للخصوص وبهذا يتبين بطلان مذهب أبي حنيفة حيث قال قوله فتحرير رقبة المجادلة 3 يجب أن يعتقد عمومه قطعا حتى يكون إخراج الكافرة نسخا وقوله وليطوفوا بالبيت العتيق الحج 29 يجب اعتقاد إجزائه قطعا حتى يكون اشتراط الطهارة بدليل آخر نسخا وهو خطأ بل يعتقده ظاهرا محتملا أو يتوقف عن القطع والجزم نفيا وإثباتا فإنه ليس بقاطع
الفصل الثالث في الوقت الذي يجوز للمجتهد الحكم بالعموم فيه فإن قال قائل إذا لم يجز الحكم بالعموم ما لم يتبين انتفاء دليل الخصوص فمتى يتبين له ذلك وهل يشترط أن يعلم انتفاء المخصص قطعا أو يظنه ظنا قلنا لا خلاف في أنه لا يجوز المبادرة إلى الحكم بالعموم قبل البحث عن الأدلة العشرة التي أوردناها في المخصصات لأن العموم دليل بشرط انتفاء المخصص والشرط بعد لم يظهر وكذلك كل دليل يمكن أن يعارضه دليل فهو دليل بشرط السلامة عن المعارضة فلا بد من معرفة الشرط وكذلك الجمع بعلة مخيلة بين الفرع والأصل دليل بشرط أن لا ينقدح فرق فعليه أن يبحث عن الفوارق جهده أو ينفيها ثم يحكم بالقياس وهذا الشرط لا يحصل إلا بالبحث ولكن المشكل أنه إلى متى يجب البحث فإن المجتهد وإن استقصى أمكن أن يشذ عنه دليل لم يعثر عليه فكيف يحكم مع إمكانه أو كيف ينحسم سبيل إمكانه وقد انقسم الناس في هذا على ثلاثة مذاهب فقال قوم يكفيه أن يحصل غلبة الظن بالإنتفاء عند الاستقصاء في البحث كالذي يبحث عن متاع في بيت فيه أمتعة كثيرة فلا يجده فيغلب على ظنه عدمه وقائل يقول لا بد من اعتقاد جازم وسكون نفس بأنه لا دليل أما إذا كان يشعر بجواز دليل يشذ عنه ويحيك في صدره إمكانه فكيف يحكم بدليل يجوز أن يكون الحكم به حراما نعم إذا اعتقد جزما وسكنت نفسه إلى الدليل جاز له الحكم كان مخطئا عند الله أو مصيبا كما لو سكنت نفسه إلى القبلة فصلى إليها وقال قوم لا بد أن يقطع بانتفاء الأدلة وإليه ذهب القاضي لأن الإعتقاد الجزم من غير دليل قاطع سلامة قلب وجهل بل العالم الكامل يشعر نفسه بالاحتمال حيث لا قاطع ولا تسكن نفسه والمشكل على هذا طريق تحصيل القطع بالنفي وقد ذكر فيه القاضي مسلكين أحدهما إنه إذا بحث في مسألة قتل المسلم بالذمي عن مخصصات قوله لا يقتل مؤمن بكافر مثلا فقال هذه مسألة طال فيها خوض العلماء وكثر بحثهم فيستحيل في العادة أن يشذ عن جميعهم مدركها وهذه المدارك المنقولة عنهم علمت بطلانها فأقطع بأن لا مخصص لها وهذا فاسد من وجهين أحدهما إنه حجر على الصحابة أن يتمسكوا بالعموم في كل واقعة لم يكثر الخوض فيها ولم يطل البحث عنها ولا شك في عملهم مع جواز التخصيص بل مع جواز نسخ لم يبلغهم كما حكموا بصحة المخابرة بدليل عموم إحلال البيع حتى روى رافع بن خديج النهي عنها الثاني أنه بعد طول الخوض لا يحصل اليقين بل إن سلم إنه لا يشذ المخصص عن جميع العلماء فمن أين لقي جميع العلماء ومن أين عرف أنه بلغه كلام جميعهم فلعل منهم من تنبه لدليله وما كتبه في تصنيفه ولا نقل عنه وإن أورده في تصنيفه فلعله لم يبلغه وعلى الجملة لا يظن بالصحابة فعل المخابرة مع اليقين بانتفاء النهي وكان النهي حاصلا ولم يبلغهم بل كان الحاصل إما ظنا وإما سكون نفس
المسلك الثاني قال القاضي لا يبعد أن يدعي المجتهد اليقين وإن لم يدع الإحاطة بجميع المدارك إذ يقول لو كان الحكم خاصا لنصب الله تعالى عليه دليلا للمكلفين ولبلغهم ذلك وما خفي عليهم وهذا أيضا من الطراز الأول فإنه لو اجتمعت الأمة على شيء أمكن القطع بأن لا دليل يخالفه إذ يستحيل إجماعهم على الخطأ أما في مسألة الخلاف كيف يتصور ذلك والمختار عندنا أن تيقن الإنتفاء إلى هذا الحد لا يشترط وأن المبادرة قبل البحث لا تجوز بل عليه تحصيل علم وظن باستقصاء البحث أما الظن فبانتفاء الدليل في نفسه وأما القطع فبانتفائه في حقه بتحقق عجز نفسه عن الوصول إليه بعد بذل غاية وسعه فيأتي بالبحث الممكن إلى حد يعلم أن بحثه بعد ذلك سعي ضائع ويحس من نفسه بالعجز يقينا فيكون العجز عن العثور على الدليل في حقه يقينا وانتفاء الدليل في نفسه مظنون وهو الظن بالصحابة في المخابرة ونظائرها وكذلك الواجب في القياس والاستصحاب وكل ما هو مشروط بنفي دليل آخر الباب الخامس في الاستثناء والشرط والتقييد بعد الإطلاق الكلام في الاستثناء والنظر في حقيقته وحده ثم في شرطه ثم في تعقب الجمل المترادفة فهذه ثلاثة فصول الفصل الأول في حقيقة الاستثناء وصيغه معرفة وهي إلا وعدا وحاشا وسوى وما جرى مجراها وأم الباب لا وحده أنه قول ذو صيغ مخصوصة محصورة دال على أن المذكور فيه لم يرد بالقول الأول ففيه احتراز عن أدلة التخصيص لأنها قد لا تكون قولا وتكون فعلا وقرينة ودليل عقل فإن كان قولا فلا تنحصر صيغه واحترزنا بقولنا ذو صيغ محصورة عن قوله رأيت المؤمنين ولم أر زيدا فإن العرب لا تسميه استثناء وإن أفاد ما يفيده قوله إلا زيدا ويفارق الاستثناء التخصيص في أنه يشترط اتصاله وأنه يتطرق إلى الظاهر والنص جميعا إذ يجوز أن يقول عشرة إلا ثلاثة كما يقول اقتلوا المشركين إلا زيدا والتخصيص لا يتطرق إلى النص أصلا وفيه احتراز عن النسخ إذ هو رفع وقطع وفرق بين النسخ والاستثناء والتخصيص أن النسخ رفع لما دخل تحت اللفظ والاستثناء يدخل على الكلام فيمنع أن يدخل تحت اللفظ ما كان يدخل لولاه والتخصيص يبين كون اللفظ قاصرا عن البعض فالنسخ قطع ورفع والاستثناء رفع والتخصيص بيان وسيأتي لهذا مزيد تحقيق في فصل الشرط إن شاء الله الفصل الثاني في الشروط وهي ثلاثة الأول الاتصال فمن قال اضرب المشركين ثم قال بعد ساعة إلا زيدا لم يعد هذا كلاما بخلاف ما لو قال أردت بالمشركين قوما ما دون قوم ونقل عن ابن عباس أنه جوز تأخير الاستثناء ولعله لا يصح عنه النقل إذ لا يليق ذلك بمنصبه وأن صح فلعله أراد به إذا نوى الاستثناء أولا ثم أظهر نيته بعده فيدين بينه وبين الله فيما نواه ومذهبه أن ما يدين فيه العبد فيقبل ظاهرا أيضا فهذا له وجه أما تجويز التأخير لو أجيز عليه دون هذا التأويل فيرد عليه اتفاق أهل اللغة على خلافه لأنه جزء من الكلام يحصل به الاتمام فإذا انفصل لم يكن إتماما كالشرط وخبر المبتدأ فإنه لو قال اضرب زيدا إذا قام فهذا شرط فلو أخر ثم قال بعد شهر إذا قام لم يفهم هذا الكلام فضلا عن أن يصير شرطا وكذلك قوله إلا زيدا بعد شهر لا يفهم وكذلك لو قال زيد ثم قال بعد شهر قام لم يعد هذا خبرا أصلا ومن ههنا قال قوم يجوز التأخير لكن بشرط أن يذكر عند قوله إلا زيدا أني أريد الاستثناء حتى يفهم وهذا أيضا لا يغني فإن هذا لا يسمى استثناء احتجوا بجواز تأخير النسخ وأدلة التخصيص وتأخير البيان فنقول إن جاز القياس في اللغة فينبغي أن يقاس عليه الشرط والخبر ولا ذاهب إليه لأنه لا قياس في اللغات وكيف يشبه بأدلة التخصيص وقوله إلا زيدا يخرج عن كونه مفهوما فضلا عن أن يكون إتماما للكلام الأول
والشرط الثاني أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه كقوله رأيت الناس إلا زيدا ولا تقول رأيت الناس إلا حمارا أو تستثنى جزءا مما دخل تحت اللفظ كقوله رأيت الدار إلا بابها ورأيت زيدا إلا وجهه وهذا استثناء من غير الجنس لأن اسم الدار لا ينطلق على الباب ولا اسم زيد على وجهه بخلاف قوله مائة ثوب إلا ثوبا وعن هذا قال قوم ليس من شرط الاستثناء أن يكون من الجنس قال الشافعي لو قال علي مائة درهم إلا ثوبا صح ويكون معناه إلا قيمة ثوب ولكن إذا رد إلى القيمة فكأنه تكلف رده إلى الجنس وقد ورد الاستثناء من غير الجنس كقوله تعالى فسجد الملائكة كلهم أجمعون كيف الحجر 30 31 ولم يكن من الملائكة فإنه قال إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه الكهف 50 وقال تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ النساء 92 استثنى الخطأ من العمد وقال تعالى فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الشعراء 77 وقال لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة النساء وقال تعالى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى الليل 19 20 وهذا الاستثناء ليس فيه معنى التخصيص والإخراج إذ المستثنى ما كان ليدخل تحت اللفظ أصلا ومن معتاد كلام العرب ما في الدار رجل إلا امرأة وما له ابن إلا ابنة وما رأيت أحدا إلا ثورا وقال شاعرهم وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس وقال آخر ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وقد تكلف قوم عن هذا كله جوابا فقالوا ليس هذا استثناء حقيقة بل هو مجاز وهذا خلاف اللغة فإن إلا في اللغة للاستثناء والعرب تسمى هذا استثناء ولكن تقول هو استثناء من غير الجنس وأبو جنيفة رحمه الله جوز استثناء المكيل من الموزون وعكسه ولم يجوز استثناء غير المكيل والموزون منهما في الأقارير وجوزه الشافعي رحمه الله والأولى التجويز في الأقارير لأنه إذا صار معتادا في كلام العرب وجب قبوله لانتظامه نعم اسم الاستثناء عليه مجاز أو حقيقة وهذا فيه نظر واختار القاضي رحمه الله أنه حقيقة والأظهر عندي أنه مجاز لأن الاستثناء من الثني تقول ثنيت زيدا عن رأيه وثنيت العنان فيشعر الاستثناء بصرف الكلام عن صوبه الذي كان يقتضيه سياقه فإذا ذكر ما لا دخول له في الكلام الأول لولا الاستثناء أيضا فما صرف الكلام ولا ثناه عن وجه استرساله فتسميته استثناء تجوز باللفظ عن موضعه فتكون إلا في هذا الموضع بمعنى لكن الشرط الثالث أن لا يكون مستغرقا فلو قال لفلان علي عشرة إلا عشرة لزمته العشرة لأنه رفع الإقرار والإقرار لا يجوز رفعه وكذلك كل منطوق به لا يرفع ولكن يتمم بما يجري مجرى الجزء من الكلام وكما أن الشرط جزء من الكلام فالاستثناء جزء وإنما لا يكون رفعا بشرط أن يبقى للكلام معنى أما استثناء الأكثر فقد اختلفوا فيه والأكثرون على جوازه
قال القاضي رحمه الله وقد نظرنا في مواضع جوازه والأشبه أن لا يجوز لأن العرب تستقبح استثناء الأكثر وتستمحق قول القائل رأيت ألفا إلا تسعمائة وتسعة وتسعين بل قال كثير من أهل اللغة لا يستحسن استثناء عقد صحيح بأن يقول عندي مائة إلا عشرة أو عشرة إلا درهم بل مائة إلا خمسة وعشرة إلا دانقا كما قال تعالى فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما العنكبوت 14 فلو بلغ المائة لقال فلبث فيهم تسعمائة ولكن لما كان كسرا استثناه قال ولا وجه لقول من قال لا ندري استقباحهم أطراح لهذا الكلام عن لغتهم أو هو كراهة واستثقال لأنه إذا ثبت كراهتهم وإنكارهم ثبت أنه ليس من لغتهم ولو جاز في هذا لجاز في كل ما أنكروه وقبحوه من كلامهم احتجوا بأنه لما جاز استثناء الأقل جاز استثناء الأكثر وهذا قياس فاسد كقول القائل إذا جاز استثناء البعض جاز استثناء الكل ولا قياس في اللغة ثم كيف يقاس ما كرهوه وأنكروه على استحسنوه واحتجوا بقوله تعالى قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا فلملقيات المزمل ولا فرق بين استثناء النصف والأكثر فإنه ليس بأقل وقال الشاعر أدوا التي نقصت تسعين من مائة ثم ابعثوا حكما بالحق قوالا والجواب أن قوله تعالى قم الليل إلا قليلا نصفه أي قم نصفه وليس باستثناء وقول الشاعر ليس باستثناء إذ يجوز أن تقول أسقطت تسعين من جملة المائة هذا ما ذكره القاضي والأولى عندنا أن هذا استثناء صحيح وإن كان مستكرها فإذا قال علي عشرة إلا تسعة فلا يلزمه باتفاق الفقهاء إلا درهم ولا سبب له إلا أنه استثناء صحيح وإن كان قبيحا كقوله علي عشرة إلا تسع سدس ربع درهم فإن هذا قبيح لكن يصح وإنما المستحسن استثناء الكسر وأما قوله عشرة إلا أربعة فليس بمستحسن بل ربما يستنكر أيضا لكن الاستنكار على الأكثر أشد وكلما ازداد قلة ازداد حسنا الفصل الثالث في تعقب الجمل بالاستثناء فإذا قال القائل من قذف زيدا فأضر به وأرد شهادته واحكم بفسقه إلا أن يتوب أو إلا الذين تابوا ومن دخل الدار وأفحش الكلام وأكل الطعام عاقبه إلا من تاب فقال قوم يرجع إلى الجميع وقال قوم يقصر على الأخير وقال قوم يحتمل كليهما فيجب التوقف إلى قيام دليل وحجج القائلين بالشمول ثلاث الأولى أنه لا فرق بين أن يقول اضرب الجماعة التي منها قتلة وسراق وزناة إلا من تاب وبين قوله عاقب من قتل وزنى وسرق إلا من تاب في رجوع الاستثناء إلى الجميع الاعتراض أن هذا قياس ولا مجال للقياس في اللغة فلم قلتم أن اللفظ المتفاضل المتعدد كاللفظ المتحد الثانية قولهم أهل اللغة مطبقون على أن تكرار الاستثناء عقيب كل جملة نوع من العي واللكنة كقوله إن دخل الدار فأضربه إلا أن يتوب وإن أكل فاضربه إلا أن يتوب وإن تكلم فاضربه إلا أن يتوب وهذا ما لا يستنكر الخصم استقباحه بل يقول ذلك واجب لتعرف شمول الاستثناء الثالثة أنه لو قال والله لا أكلت الطعام ولا دخلت الدار ولا كلمت زيدا إن شاء الله تعالى يرجع الاستثناء إلى الجميع وكذلك الشرط عقيب الجمل يرجع إليها كقوله أعط العلوية والعلماء إن كانوا فقراء وهذا مما لا تسلمه الواقفية بل يقولون هو متردد بين الشمول والاقتصار والشك كاف في استصحاب الأصل من براءة الذمة في اليمن ومنع الاعطاء إلا عند الأذن المستيقن ومن سلم من المخصصة ذلك فهو مشكل عليه إلا أن يجيب بإظهار دليل فقهي يقضي في الشرط خاصة دون الاستثناء وحجة المخصصة اثنتان الأولى قولهم أن المعممين عمموا لأن كل جملة غير مستقلة فصارت جملة واحدة بالواو والعاطفة ونحن إذا خصصنا بالأخير جعلناها مستقلة وهذا تقرير علة للخصم واعتراض عليهم ولعلهم لا يعللون بذلك ثم علة عدم الاستقلال أنه لو اقتصر عليه لم يغد وهذا لا يندفع بتخصيص الاستثناء به
الثانية قولهم إطلاق الكلام الأول معلوم ودخوله تحت الاستثناء مشكوك فيه فلا ينبغي أن يخرج منه ما دخل فيه إلا بيقين وهذا فاسد من أوجه الأول أنا لا نسلم إطلاق الأول قبل تمام الكلام وما تم الكلام حتى أردف باستثناء يرجع إليه عند المعمم ويحتمل الرجوع إليه عند المتوقف الثاني أنه لا يتعين رجوعه إلى الأخير بل يجوز رجوعه إلى الأول فقط فكيف نسلم اليقين الثالث أنه لا يسلم ما ذكروه في الشرط والصفة ويسلم أكثرهم عموم ذلك ويلزمهم قصر لفظ الجمع على الاثنين أو الثلاثة لأنه المستيقن حجة الواقفية أنه إذا بطل التعميم والتخصيص لأن كل واحد تحكم ورأينا العرب تستعمل كل واحد منهما لا يمكن الحكم بأن أحدهما حقيقة والآخر مجاز فيجب التوقف لا محالة إلا أن يثبت نقل متواتر من أهل اللغة أنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخرة وهذا هو الأحق وإن لم يكن بد من رفع التوقف فمذهب المعممين أولى لأن الواو ظاهرة في العطف وذلك يوجب نوعا من الاتحاديين بين المعطوف والمعطوف عليه لكن الواو محتمل أيضا للابتداء كقوله تعالى يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج الحج 5 وقوله عز وجل فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل الشورى 24 والذي يدل على أن التوقف أولى أنه ورد في القرآن الأقسام كلها من الشمول والاقتصار على الأخير والرجوع إلى بعض الجمل السابقة كقوله تعالى في النور 4 فقوله تعالى إلا الذين تابوا النور 5 لا يرجع إلى الجلد ويرجع إلى الفسق وهل يرجع إلى الشهادة فيه خلاف وقوله تعالى فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا النساء 92 يرجع إلى الأخير وهو الدية لأن التصدق لا يؤثر في الإعتاق وقوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون المائدة 89 فقوله فمن لم يجد يرجع إلى الخصال الثلاثة وقوله تعالى وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه إلى قوله إلا قليلا النساء 83 فهذا يبعد حمله على الذي يليه لأنه يؤذي إلى أن لا يتبع الشيطان بعض من لم يشمله فضل الله ورحمته فقيل أنه محمول على قوله لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا منهم لتقصير وإهمال وغلط وقيل إنه يرجع إلى قوله أذاعوا به ولا يبعد أن يرجع إلى الأخير ومعناه ولولا فصل الله عليكم ورحمته ببعثة محمد عليه السلام لأتبعتم الشيطان إلا قليلا قد كان تفضل عليهم بالعصمة من الكفر قبل البعثة كأويس القرني وزيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة وغيرهم ممن تفضل الله عليهم بتوحيده واتباع رسوله قبله القول في دخول الشرط على الكلام اعلم أن الشرط عبارة عما لا يوجد المشروط مع عدمه لكن لا يلزم أن يوجد عند وجوده وبه يفارق العلة إذ العلة يلزم وجودها وجود المعلول والشرط يلزم من عدمه عدم المشروط ولا يلزم من وجوده وجوده والشرط عقلي وشرعي ولغوي والعقلي كالحياة للعلم والعلم للإرادة والمحل للحياة إذ الحياة تنتفي بانتفاء المحل فإنه لا بد لها من محل ولا يلزم وجودها بوجود المحل والشرعي كالطهارة للصلاة والإحصان للرجم
واللغوي كقوله إن دخلت الدار فأنت طالق وإن جئتني أكرمتك فإن مقتضاه في اللسان باتفاق أهل اللغة اختصاص الإكرام بالمجيء فإنه إن كان يكرمه دون المجيء لم يكن كلامه اشتراطا فنزل الشرط منزلة تخصيص العموم ومنزلة الاستثناء إذ لا فرق بين قوله فاقتلوا المشركين التوبة 5 إلا أن يكونوا أهل عهد وبين أن يقول اقتلوا المشركين إن كانوا حربيين وكل واحد من الشرط والاستثناء يدخل على الكلام فيغيره عما كان يقتضيه لولا الشرط والاستثناء حتى يجعله متكلما بالباقي لا إنه مخرج من كلامه ما دخل فيه فإنه لو دخل فيه لما خرج نعم كان يقبل القطع في الدوام بطريق النسخ فأما رفع ما سبق دخوله في الكلام فمحال فإذا قال أنت طالق إن دخلت الدار فمعناه أنك عند الدخول طالق فكأنه لم يتكلم بالطلاق إلا بالإضافة إلى حال الدخول أما أن نقول تكلم بالطلاق عاما مطلقا دخل أو لم يدخل ثم أخرج ما قبل الدخول فليس هذا بصحيح فإن قيل قوله فاقتلوا المشركين إلا أهل الذمة أو إن لم يكونوا ذميين فلفظ المشركين متناول للجميع ولأهل الذمة لكن خرج أهل الذمة بإخراجه بالشرط والاستثناء قلنا هو كذلك لو اقتصر عليه ولذلك يمتنع الإخراج بالشرط والاستثناء منفصلا ولو قدر على الإخراج لم يفرق بين المنفصل والمتصل ولكن إذا لم يقتصر وألحق به ما هو جزء منه وإتمام له غير موضوع الكلام فجعله كالناطق بالباقي ودفع دخول البعض ومعنى الدفع أنه كان يدخل لولا الشرط والاستثناء فإذا لحقا قبل الوقوف دفعا فقوله تعالى فويل للمصلين الماعون 4 لا حكم له قبل إتمام الكلام فإذا تم الكلام كان الويل مقصورا على من وجد فيه شرط السهو والرياء لا أنه دخل فيه كل مصل ثم خرج البعض فهكذا ينبغي أن يفهم حقيقة الاستثناء والشرط فاعلموه ترشدوا القول في المطلق والمقيد اعلم أن التقييد اشتراط والمطلق محمول على المقيد إن اتحد الموجب والموجب كما لو قال لا نكاح إلا بولي وشهود وقال لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل فيحمل المطلق على المقيد فلو قال في كفارة القتل فتحرير رقبة ثم قال فيها مرة أخرى فتحرير رقبة النساء 92 فيكون هذا اشتراطا ينزل عليه الاطلاق وهذا صحيح ولكن على مذهب من لا يرى بين الخاص والعام تقابل الناسخ والمنسوخ كما نقلناه عن القاضي والقاضي مع مصيره إلى التعارض نقل الإتفاق عن العلماء على تنزيل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم أما إذا اختلف الحكم كالظهار والقتل فقال قوم يحمل المطلق على المقيد من غير حاجة إلى دليل كما لو اتحدت الواقعة وهذا تحكم محض يخالف وضع اللغة إذ لا يتعرض القتل للظهار فكيف يرفع الإطلاق الذي فيه والأسباب المختلفة تختلف في الأكثر شروط واجباتها كيف ويلزم من هذا تناقض فإن الصوم مقيد بالتتابع في الظهار والتفريق في الحج حيث قال تعالى ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم البقرة 196 ومطلق في اليمين فليت شعري على أي المقيدين يحمل فقال قوم لا يحمل على المقيد أصلا وإن قام دليل القياس لأنه نسخ ولا سبيل إلى نسخ الكتاب بالقياس وإلى هذا ذهب أبو حنيفة إذا جعل الزيادة على النص نسخا وقد بينا فساد هذا في كتاب النسخ وأن قوله تعالى فتحرير رقبة المجادلة 3 ليس هو نصا في أجزاء الكافرة بل هو عام يعتقد ظهوره مع تجويز قيام الدليل على خصوصه أما أن يعتقد عمومه قطعا فهذا خطأ في اللغة وقال الشافعي رحمه الله إن قام دليل حمل عليه ولم يكن فيه إلا تخصيص العموم وهذا هو الطريق الصحيح فإن قيل إنما يطلب بالقياس حكم مما ليس منطوقا به في كفارة الظهار ومقتضاها أجزاء الكافرة قلنا بينا أن كون الكافرة منطوقا بها مشكوك فيه إذ ليس تناول عموم الرقبة له كالتنصيص على الكافرة وقد كشفنا الغطاء في مسألة تخصيص عموم القرآن بالقياس
هذا تمام القول في العموم والخصوص ولواحقه من الاستثناء والشرط والتقييد وبه تم الكلام في الفن الأول وهو دلالة اللفظ على معناه من حيث الصيغة والوضع الفن الثاني فيما يقتبس من الألفاظ لا من حيث صيغتها بل من حيث فحواها وإشارتها وهي خمسة أضرب الضرب الأول ما يسمى اقتضاء وهو الذي لا يدل عليه اللفظ ولا يكون منطوقا به ولكن يكون من ضرورة اللفظ إما من حيث لا يمكن كون المتكلم صادقا إلا به أو من حيث يمتنع وجود الملفوظ شرعا إلا به أو من حيث يمتنع نبوته عقلا إلا به أما المقتضى الذي هو ضرورة صدق المتكلم فكقوله عليه السلام لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل فإنه نفى الصوم والصوم لا ينتفي بصورته فمعناه لا صيام صحيح أو كامل فيكون حكم الصوم هو المنفي لا نفسه والحكم غير منطوق به لكن لا بد منه لتحقيق صدق الكلام فعن هذا قلنا لا عموم له لأنه ثبت اقتضاء لا لفظا وهذا يصح على مذهب من ينكر الأسماء الشرعية ويقول لفظ الصوم باق على مقتضى اللغة فيفتقر فيه إلى إضمار الحكم أما من جعله عبارة عن الصوم الشرعي فيكون انتفاؤه بطريق النطق لا بطريق الاقتضاء بل مثاله لا عمل إلا بنية ورفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما سبقت أمثلته في باب المجمل وأما مثال ما ثبت اقتضاء لتصور المنطوق به شرعا فقول القائل أعتق عبدك عني فإنه يتضمن الملك ويقتضيه ولم ينطق به لكن العتق المنطوق به شرط نفوذه شرعا تقدم الملك فكان ذلك مقتضى اللفظ وكذلك لو أشار إلى عبد الغير وقال والله لأعتقن هذا العبد يلزمه تحصيل الملك فيه إن أراد البرد وإن لم يتعرض له لضرورة الملتزم وأما مثال ما ثبت اقتضاء لتصور المنطوق به عقلا فقوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم النساء 23 فإنه يقتضي إضمار الوطء أي حرم عليكم وطء أمهاتكم لأن الأمهات عبارة عن الأعيان والأحكام لا تتعلق بالأعيان بل لا يعقل تعلقها إلا بأفعال المكلفين فاقتضى اللفظ فعلا وصار ذلك هو الوطء من بين سائر الأفعال بعرف الاستعمال وكذلك قوله حرمت عليكم الميتة والدم المائدة 3 أحلت لكم بهيمة الأنعام المائدة 1 أي الأكل ويقرب منه واسأل القرية يوسف 82 أي أهل القرية لأنه لا بد من الأهل حتى يعقل السؤال فلا بد من إضماره ويجوز أن يلقب هذا بالإضمار دون الاقتضاء والقول في هذا قريب الضرب الثاني ما يؤخذ من إشارة اللفظ لا من اللفظ ونعني به ما يتسع اللفظ من غير تجريد قصد إليه فكما أن المتكلم قد يفهم بإشارته وحركته في أثناء كلامه ما لا يدل عليه نفس اللفظ فيسمى إشارة فكذلك قد يتبع اللفظ ما لم يقصد به ويبني عليه ومثال ذلك تمسك العلماء في تقدير أقل الطهر وأكثر الحيض بخمسة عشر يوما بقوله عليه السلام إنهن ناقصات عقل ودين فقيل ما نقصان دينهن فقال تقعد إحداهن في قعر بيتها شطر دهرها لا تصلي ولا تصوم فهذا إنما سيق لبيان نقصان الدين وما وقع المنطق قصدا إلا به لكن حصل به إشارة إلى أكثر الحيض وأقل الطهر وأنه لا يكون فوق شطر الدهر وهو خمسة عشر يوما من الشهر إذ لو تصور الزيادة لتعرض لها عند قصد المبالغة في نقصان دينها ومثاله استدلال الشافعي رحمه الله في تنجس الماء القليل بنجاسة لا تغيره بقوله عليه السلام إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في لإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده إذ قال لولا أن يقين النجاسة ينجس لكان توهمها لا يوجب الاستحباب
ومثاله تقدير أقل مدة الحمل بستة أشهر أخذا من قوله وحمله وفصاله ثلاثون شهرا الأحقاف 15 وقد قال في موضع آخر وفصاله في عامين لقمان 14 ومثاله المصير إلى من وطىء بالليل في رمضان فأصبح جنبا لم يفسد صومه لأنه قال وكلوا واشربوا حتى يتبين البقرة 187 وقال فالآن باشروهن البقرة 187 ثم مد الرخصة إلى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر فتشعر الآية بجواز الأكل والشرب والجماع في جميع الليل ومن فعل ذلك في آخر الليل استأخر غسله إلى النهار وإلا وجب إن يحرم الوطء في آخر جزء من الليل بمقدار ما يتسع للغسل فهذا وأمثاله مما يكثر ويسمى إشارة اللفظ الضرب الثالث فهم التعليل من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب كقوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما المائدة 38 و الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما النور 2 فإنه كما فهم وجوب القطع والجلد على السارق والزاني وهو المنطوق به فهم كون السرقة والزنا علة للحكم وكونه علة غير منطوق به لكن يسبق إلى الفهم من فحوى الكلام وقوله تعالى إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم الانفطار 13 14 أي لبرهم وفجورهم وكذلك كل ما خرج مخرج الذم والمدح والترغيب والترهيب وكذلك إذا قال ذم الفاجر وامدح المطيع وعظم العالم فجميع ذلك يفهم منه التعليل من غير نطق به وهذا قد يسمى إيماء وإشارة كما يسمى فحوى الكلام ولحنه وإليك الخيرة في تسميته بعد الوقوف على جنسه وحقيقته الضرب الرابع فهم غير المنطوق به من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده كفهم تحريم الشتم والقتل والضرب من قوله تعالى فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما الإسراء 23 وفهم تحريم مال اليتيم وإحراقه وإهلاكه من قوله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما النساء 10 وفهم ما وراء الذرة والدينار من قوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الزلزلة 7 وقوله ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك آل عمران 75 وكذلك قول القائل ما أكلت له برة ولا شربت له شربة ولا أخذت من ماله حبة فإنه يدل على ما وراءه فإن قيل هذا من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى قلنا لا حجر في هذه التسمية لكن يشترط أن يفهم أن مجرد ذكر الأدنى لا يحصل هذا التنبيه ما لم يفهم الكلام وما سيق له فلولا معرفتنا بأن الآية سيقت لتعظيم الوالدين واحترامهما لما فهمنا منع الضرب والقتل من منع التأفيف إذ قد يقول السلطان إذا أمر بقتل ملك لا تقل له أف لكن اقتله وقد يقول والله ما أكلت مال فلان ويكون قد أحرق ماله فلا يحنث فإن قيل الضرب حرام قياسا على التأفيف لأن التأفيف إنما حرم للإيذاء وهذا الإيذاء فوقه قلنا إن أردت بكونه قياسا أنه محتاج إلى تأمل واستنباط علة فهو خطأ وإن أردت أنه مسكوت فهم من منطوق فهو صحيح بشرط أن يفهم أنه أسبق إلى الفهم من المنطوق أو هو معه وليس متأخرا عنه وهذا قد يسمى مفهوم الموافقة وقد يسمى فحوى اللفظ ولكل فريق اصطلاح آخر فلا تلتفت إلى الألفاظ واجتهد في إدراك حقيقة هذا الجنس
الضرب الخامس هو المفهوم ومعناه الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي الحكم عما عداه ويسمى مفهوما لأنه مفهوم مجرد لا يستند إلى منطوق وإلا فما دل عليه المنطوق أيضا مفهوم وربما سمي هذا دليل الخطاب ولا التفات إلى الأسامي وحقيقته أن تعليق الحكم بأحد وصفي الشيء هل يدل على نفيه عما يخالفه في الصفة كقوله تعالى ومن قتله منكم متعمدا المائدة 95 وكقوله عليه السلام في سائمة الغنم الزكاة والثيب أحق بنفسها من وليها ومن باع نخلة مؤبرة فثمرتها للبائع فتخصيص العمد والسوم والثيوبة والتأبير بهذه الأحكام هل يدل على نفي الحكم عما عداها فقال الشافعي وما لك والأكثرون من أصحابهما أنه يدل وإليه ذهب الأشعري إذا احتج في إثبات خبر الواحد بقوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا الحجرات 6 قال هذا يدل على أن العدل بخلافه واحتج في مسألة الرؤية بقوله تعالى كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون المطففين 15 قال وهذا يدل على أن المؤمنين بخلافهم وقال جماعة من المتكلمين ومنهم القاضي وجماعة من حذاق الفقهاء ومنهم ابن شريح إن ذلك لا دلالة له وهو الأوجه عندنا ويدل عليه مسالك الأول أن إثبات زكاة السائمة مفهوم أما نفيها عن المعلوفة اقتباسا من مجرد الإثبات لا يعلم إلا بنقل من أهل اللغة متواترا وجار مجرى المتواتر والجاري مجرى المتواتر كعلمنا بأن قولهم ضروب وقتول وأمثاله للتكثير وأن قولهم عليم وأعلم وقدير وأقدر للمبالغة أعني الأفعل أما نقل الآحاد فلا يكفي إذ الحكم على لغة ينزل عليها كلام الله تعالى بقول الآحاد مع جواز الغلط لا سبيل إليه فإن قيل فمن نفي المفهوم افتقر إلى نقل متواترا أيضا قلنا لا حاجة إلى حجة فيما لم يضعوه فإن ذلك لا يناهي إنما الحجة على من يدعي الوضع الثاني حسن الاستفهام فإن من قال إن ضربك زيد عامدا فاضربه حسن أن يقول فإن ضربني خاطئا أفأضربه وإذا قال أخرج الزكاة من ما شيتك السائمة حسن أن يقول هل أخرجها من المعلوفة وحسن الاستفهام يدل على أن ذلك غير مفهوم فإنه لا يحسن في المنطوق وحسن في المسكوت عنه فإن قيل حسن لأنه قد لا يراد به النفي مجازا قلنا الأصل أنه إذا احتمل ذلك كان حقيقة وإنما يرد إلى المجاز بضرورة دليل ولا دليل المسلك الثالث أنا نجدهم يعلقون الحكم على الصفة تارة مع مساواة المسكوت عنه للمنطوق وتارة مع المخالفة فالثبوت للموصوف معلوم منطوق والنفي عن المسكوت محتمل فليكن على الوقف إلى البيان بقرينة زائدة ودليل آخر أما دعوى كونه مجازا عند الموافقة حقيقة عند المخالفة فتحكم بغير دليل يعارضه عكسه من غير ترجيح المسلك الرابع أن الخبر عن ذي الصفة لا ينفي غير الموصوف فإذا قال قام الأسود أو خرج أو قعد لم يدل على نفيه عن الأبيض بل هو سكوت عن الأبيض وإن منع ذلك مانع وقد قيل به لزمه تخصيص اللقب والاسم العلم حتى يكون قولك رأيت زيدا نفيا للرؤية عن غيره وإذا قال ركب زيد دل على نفي الركوب عن غيره وقد تبع هذا بعضهم وهو بهت واختراع على اللغات كلها فإن قولنا رأيت زيدا لا يوجب نفي رؤيته عن ثوب زيد ودابته وخادمه ولا عن غيره إذ يلزم أن يكون قوله زيد عالم كفرا لأنه نفي للعلم عن الله وملائكته ورسله وقوله عيسى نبي الله كفرا لأنه نفي النبوة عن محمد عليه السلام وعن غيره من الأنبياء فإن قيل هذا قياس الوصف على اللقب ولا قياس في اللغة قلنا ما قصدنا به إلا ضرب مثال ليتنببه به حتى يعلم أن الصفة لتعريف الموصوف فقط كما أن أسماء الأعلام لتعريف الأشخاص ولا فرق بين قوله في الغنم زكاة في نفي الزكاة عن البقر والإبل وبين قوله في سائمة الغنم زكاة في نفي الزكاة عن المعلوفة
المسلك الخامس أنا كما أنا لا نشك في أن للعرب طريقا إلى الخبر عن مخبر واحد واثنين وثلاثة اقتصارا عليه مع السكوت عن الباقي فلها طريق أيضا في الخبر عن الموصوف بصفة فتقول رأيت الظريف وقام الطويل ونكحت الثيب واشتريت السائمة وبعت النخلة المؤبرة فلو قال بعد ذلك نكحت البكر أيضا واشتريت المعلوفة أيضا لم يكن هذا مناقضا للأول ورفعا له وتكذيبا لنفسه كما لو قال ما نكحت الثيب وما اشتريت السائمة ولو فهم النفي كما فهم الإثبات لكان الإثبات بعده تكذيبا ومضادا لما سبق وقد احتج القائلون بالمفهوم بمسالك الأول أن الشافعي رحمه الله من جملة العرب ومن علماء اللغة وقد قال بدليل الخطاب وكذلك أبو عبيدة من أئمة اللغة وقد قال في قوله عليه السلام لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته فقال دليله أن من ليس بواجد لا يحل ذلك منه وفي قوله لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا حتى يريه خيرمن أن يمتلىء شعرا فقيل أنه أراد الهجاء والسب أو هجو الرسول عليه السلام فقال ذلك حرام قليله وكثيره امتلأ به الجوف أو قصر فتخصيصه بالامتلاء يدل على أن ما دونه بخلافه وأن من لم يتجرد للشعر ليس مرادا بهذا الوعيد والجواب أنهما ما إن قالاه عن اجتهاد فلا يجب تقليدهما وقد صرحا بالاجتهاد إذ قالا لو لم يدل على النفي لما كان للتخصيص بالذكر فائدة وهذا الاستدلال معرض للاعتراض كما سيأتي فليس على المجتهد قبول قول من لم يثبت عصمته عن الخطأ فيما يظنه بأهل اللغة أو بالرسول وإن كان ما قالاه عن نقل فلا يثبت هذا بقول الآحاد ويعارضه أقوال جماعة أنكروه وقد قال قوم لا تثبت اللغة بنقل أرباب المذاهب والآراء فإنهم يميلون إلى نصرة مذاهبهم فلا تحصل الثقة بقولهم المسلك الثاني أن الله تعالى قال إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم التوبة 80 فقال عليه السلام لأزيدن على السبعين فهذا يدل على أن حكم ما عدا السبعين بخلافه والجواب من أوجه الأول أن هذا خبر واحد لا تقوم به الحجة في إثبات اللغة والأظهر أنه غير صحيح لأنه عليه السلام أعرف الخلق بمعاني الكلام وذكر السبعين جرى مبالغة في اليأس وقطع الطمع عن الغفران كقول القائل أشفع أو لا تشفع وإن شفعت لهم سبعين مرة لم أقبل منك شفاعتك الثاني أنه قال لأزيدن على السبعين ولم يقل ليغفر لهم فما كان ذلك لانتظار الغفران بل لعله كان لاستمالة قلوب الأحياء منهم لما رأى من المصلحة فيهم ولترغيبهم في الدين لا لانتظار غفران الله تعالى للموتى مع المبالغة في اليأس وقطع الطمع الجواب الثالث أن تخصيص نفي المغفرة بالسبعين أدل على جواز المغفرة بعد السبعين أو على وقوعه فإن قلتم على وقوعه فهو خلاف الإجماع وإن قلتم على جوازه فقد كان الجواز ثابتا بالعقل قبل الآية فانتفى الجواز المقدر بالسبعين والزيادة ثبت جوازها بدليل العقل لا بالمفهوم المسلك الثالث أن الصحابة قالوا الماء من الماء منسوخ بقول عائشة رضي الله عنهاإذا التقى الختانان فقد وجب الغسل فلو لم يتضمن نفي الماء عن غير الماء لما كان وجوبه بسبب آخر نسخا له فإنه لم ينسخ وجوبه بالماء بل انحصاره عليه واختصاصه به والجواب من أوجه الأول أن هذا نقل آحاد ولا تثبت به اللغة الثاني أنه إنما يصح عن قوم مخصوصين لا عن كافة الصحابة فيكون ذلك مذهبا لهم بطريق الاجتهاد ولا يجب تقليدهم الثالث أنه يحتمل أنهم فهموا منه أن كل الماء من الماء ففهموا من لفظ الماء المذكور أولا العموم والاستغراق لجنس استعمال الماء وفهموا أخيرا كون خبر التقاء الختانين نسخا لعموم الأول لا لمفهومه ودليل خطابه وكل عام أريد به الاستغراق فالخاص بعده يكون نسخا لبعضه ويتقابلان إن اتحدث الواقعة
الرابع أنه نقل عنه عليه السلام أنه قال لا ماء إلا من الماء وهذا تصريح بطرفي النفي والإثبات كقوله عليه السلام لا نكاح إلا بولي ولا صلاة إلا بطهور وروي أنه أتى باب رجل من الأنصار فصاح به فلم يخرج ساعة ثم خرج ورأسه يقطر ماء فقال عليه السلام عجلت عجلت ولم تنزل فلا تغتسل فالماء من الماء وهذا تصريح بالنفي فرأوا خبر التقاء الختانين ناسخا لما فهم من هذه الأدلة الخامس أنه قال في رواية إنما الماء من الماء وقد قال بعض منكري المفوم أن هذا للحصر والنفي والإثبات ولا مفهوم للقب والماء اسم لقب فدل أنه مأخوذ من الحصر الذي دل عليه الألف واللام وقوله إنما ولم يقل أحد من الصحابة أن المنسوخ مفهوم هذا اللفظ فلعل المنسوخ عمومه أو حصره المعلوم لا بمجرد التخصيص والكلام في مجرد التخصيص المسلك الرابع قولهم أن يعلى بن أمية قال لعمر رضي الله عنه ما بالنا نقصر وقد أمنا فقال تعجبت مما تعجبت منه فسألت النبي عليه الصلاة والسلام فقال هي صدقة تصدق الله بها عليكم أو على عباده فاقبلوا صدقته وتعجبهما من بطلان مفهوم تخصيص قوله تعالى إن خفتم النساء 101 قلنا لأن الأصل الإتمام واستثنى حالة الخوف فكان الإتمام واجبا عند عدم الخوف بحكم الأصل لا بالتخصيص المسلك الخامس أن ابن عباس رضي الله عنهما فهم من قوله إنما الربا في النسيئة نفي ربا الفضل وكذلك عقل من قوله تعالى فإن كان له إخوة فلأمه السدس النساء 11 إنه إن كان له إخوان فلأمه الثلث وكذلك قال الأخوات لا يرثن مع الأولاد لقوله تعالى وعيسى النساء 176 فإنه لما جعل لها النصف بشرط عدم الولد دل على انتفائه عند وجود الولد والجواب عن هذا من أوجه الأول أن هذا غايته أن يكون مذهب ابن عباس ولا حجة فيه الثاني أن جميع الصحابة خالفوه في ذلك فإن دل مذهبه عليه دل مذهبهم على نقيضه الثالث أنه لم يثبت أنه دفع ربا الفضل بمجرد هذا اللفظ بل ربما دفعه بدليل آخر وقرينة أخرى الرابع أنه لعله اعتقد أن البيع أصله على الإباحة بدليل العقل أو عموم قوله تعالى 2 وأحل الله البيع وحرم الربا البقرة 275 فإذا كان النهي قاصرا على النسيئة كان الباقي حلالا بالعموم ودليل العقل لا بالمفهوم الخامس أنه روي أنه قال لا ربا إلا في النسيئة وهذا نص في النفي والإثبات وقوله إنما الربا في النسيئة أيضا قد أقربه بعض منكري المفهوم لما فيه من الحصر
المسلك السادس أنه إذا قال اشتر لي عبدا أسود يفهم نفي الأبيض وإذا قال أضربه إذا قام يفهم المنع إذا لم يقم قلنا هذا باطل بل الأصل منع الشراء والشرب إلا فيما أذن والأذن قاصر فبقي الباقي على النفي وتولد منه درك الفرق بين الأبيض والأسود وعماد الفرق إثبات ونفي ومستندا لنفي الأصل ومستند الإثبات الأذن القاصر والذهن إنما ينتبه للفرق عند الإذن القاصر على الأسود فإنه يذكر الأبيض فيسبق إلى الأوهام العامية أن إدراك الذهن هذا الاختصاص والفرق من الذكر القاصر لا بل هو عند الذكر القاصر لكن أحد طرفي الفرق حصل من الذكر والآخر كان حاصلا في الأصل فيذكره عند التخصيص فكان حصول الفرق عنده لا به فهذا مزلة القدم وهو دقيق ولأجله غلط الأكثرون ويدل عليه أيضا أنه لو عرض على البيع شاة وبقرة وغانما وسالما وقال اشتر غانما والشاة لسبق إلى الفهم الفرق بين غانم وسالم وبين البقرة والشاة واللقب لا مفهوم له بالإتفاق عند كل محصل إذ قوله لا تبيعوا البر بالبر لم يدل على نفي الربا من غير الأشياء الستة بالإتفاق ولو دل لا نحسم باب القياس وإن القياس فائدته إبطال التخصيص وتعدية الحكم من المنصوص إلى غيره لكن مزلة القدم ما ذكرناه وهو جار في كل ما يتضمن الاقتطاع من أصل ثابت كقوله أنت طالق إن دخلت الدار فإن لم تدخل لم تطلق لأن الأصل عدم الطلاق لا لتخصيص الدخول بدليل أنه لو قال إن دخلت فلست بطالق فلا يقع إذا لم تدخل لأنه ليس الأصل وقوع الطلاق حتى يكون تخصيص النفي بالدخول موجبا للرجوع إلى الأصل عند عدم الدخول وهذا واضح المسلك الرابع وعليه تعويل الأكثرين وهو السبب الأعظم في وقوع هذا الوهم أن تخصيص الشيء بالذكر لا بد أن تكون له فائدة فإن استوت السائمة والمعلوفة والثيب والبكر والعمد والخطأ فلم خصص البعض بالذكر والحكم شامل والحاجة إلى البيان تعم القسمين فلا داعي له إلى اختصاص الحكم وإلا صار الكلام لغوا والجواب من أربعة أوجه الأول أن هذا عكس الواجب فإنكم جعلتم طلب الفائدة طريقا إلى معرفة وضع اللفظ وينبغي أن يفهم أولا الوضع ثم ترتب الفائدة عليه والعلم بالفائدة ثمرة معرفة الوضع أما أن يكون الوضع تبع معرفة الفائدة فلا الثاني وأن عماد هذا الكلام أصلان أحدهما أنه لا بد من فائدة التخصيص والثاني أنه لا فائدة إلا اختصاص الحكم والنتيجة أنه الفائدة إذا ومسلم أنه لا بد من فائدة لكن الأصل الثاني وهو أنه لا فائدة إلا هذا فغير مسلم فلعل فيه فائدة فليست الفائدة محصورة في هذا بل البواعث على التخصيص كثرة واختصاص الحكم أحد البواعث فإن قيل فلو كان له فائدة أو عليه باعث سوى اختصاص الحكم لعرفناه قلنا ولم قلتم أن كل فائدة ينبغي أن تكون معلومة لكم فلعلها حاضرة ولم تعثروا عليها فكأنكم جعلتم عدم علم الفائدة علما بعدم الفائدة وهذا خطأ فعماد هذا الدليل هو الجهل بفائدة أخرى الثالث وهو قاصمة الظهر على هذا المسلك أن تخصيص اللقب لا يقول به محصل فلم لم تطلبوا الفائدة فيه فإذا خصص الأشياء الستة في الربا وعمم الحكم في المكيلات والمطعومات كلها وخصص الغنم بالزكاة مع وجوبها في الإبل والبقر فما سببه مع استواء الحكم فيقال لعل إليه داعيا من سؤال أو حاجة أو سبب لا نعرفه فليكن كذلك في تخصيص الوصف الرابع أن في تخصيص الحكم بالصفة الخاصة فوائد الأولى أنه لو استوعب جميع محل الحكم لم يبق للاجتهاد مجال فأراد بتخصيص بعض الألقاب والأوصاف بالذكر أن يعرض المجتهدين لثواب جزيل في الاجتهاد إذ بذلك تتوفر دواعيهم على العلم ويدوم العلم محفوظا بإقبالهم ونشاطهم في الفكر والاستنباط ولولا هذا لذكر لكل حكم رابطة عامة جامعة لجميع مجاري الحكم حتى لا يبقى للقياس مجال
الثانية أنه لو قال في الغنم زكاة ولم يخصص السائمة لجاز للمجتهد إخراج السائمة عن العموم بالاجتهاد الذي ينقدح له فخص السائمة بالذكر لتقاس المعلوفة عليها إن رأى أنها في معناها أو لا تلحق بها فتبقى السائمة بمعزل عن محل الاجتهاد وكذلك لو قال لا تبيعوا الطعام بالطعام ربما أدى اجتهاد مجتهد إلى إخراج البر والتمر فنص على ما لا وجه لإخراجه وترك ما هو موكول إلى الاجتهاد لا سيما ولو ذكر الطعام أو الغنم وهو لفظ عام لصار عند الواقفية محتملا للعموم وللبر خاصة أو التمر خاصة وللمعلوفة خاصة وللسائمة خاصة فأخرج المخصوص عن محل الوقف والشك ورد الباقي إلى الاجتهاد لما رأى فيه من اللطف والصلاح الثالثة أن يكون الباعث على التخصيص للأشياء الستة عموم وقوع أو خصوص سؤال أو وقوع واقعة أو اتفاق معاملة فيها خاصة أو غير ذلك من أسباب لا نطلع عليها فعدم علمنا بذلك لا ينزل بمنزلة علمنا بعدم ذلك بل نقول لعل إليه داعيا لم نعرفه فكذلك في الأوصاف المسلك الثامن قولهم إن التعليق بالصفة كالتعليق بالعلة وذلك يوجب الثبوت بثبوت العلة والانتفاء بانتفائها والجواب أن الخلاف في العلة والصفة واحد فتعليق الحكم بالعلة يوجب ثبوته بثبوتها أما انتفاؤه بانتفائها فلا بل يبقى بعد انتفاء العلة على ما يقتضيه الأصل وكيف ونحن نجوز تعليل الحكم بعلتين فلو كان إيجاب القتل بالردة نافيا للقتل عند انتفائها لكان إيجاب القصاص نسخا لذلك النفي بل فائدة ذكر العلة معرفة الرابطة فقط وليس من فائدته أيضا تعدية العلة من محلها إلى غير محلها فإن ذلك عرف بورود التعبد بالقياس ولولاه لكان قوله حرمت عليكم الخمر لشدتها لا يوجب تحريم النبيذ المشتد بل يجوز أن تكون العلة شدة الخمر خاصة إلى أن يرد دليل وتعبد باتباع العلة وترك الالتفات إلى المحل المسلك التاسع استدلالهم بتخصيصات في الكتاب والسنة خالف الموصوف فيها غير الموصوف بتلك الصفات وسبيل الجواب عن جميعها إما لبقائها على الأصل أو معرفتها بدليل آخر أو بقرينة ولو دل ما ذكروه لدلت تخصيصات في الكتاب والسنة لا أثر لها على نقيضه كقوله تعالى ومن قتله منكم متعمدا المائدة 95 في جزاء الصيد إذ يجب على الخاطىء وقوله تعالى 4 ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 إذ تجب على العامد عند الشافعي رحمه الله وقوله فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم النساء 101 الآية وقوله في الخلع وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها النساء 35 وقوله عليه السلام أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها إلى أمثال له لا تحصى القول في درجات دليل الخطاب اعلم أن توهم النفي من الإثبات على مراتب ودرجات وهي ثمانية الأولى وهي أبعدها وقد أقر ببطلانها كل محصل من القائلين بالمفهوم وهو مفهوم اللقب كتخصيص الأشياء الستة في الربا الثانية الاسم المشتق الدال على جنس كقوله لا تبيعوا الطعام بالطعام وهذا أيضا يظهر إلحاقه باللقب لأن الطعام لقب لجنسه وإن كان مشتقا مما يطعم إذ لا تدرك تفرقة بين قوله في الغنم زكاة وفي الماشية زكاة وإن كانت الماشية مشتقة مثلا الثالث تخصيص الأوصاف التي تطرأ وتزول كقوله الثيب أحق بنفسها والسائمة تجب فيها الزكاة فلأجل أن السوم يطرأ ويزول ربما يتقاضى الذهن طلب سبب التخصيص وإذا لم يجد حمله على انتفاء الحكم وهو أيضا ضعيف ومنشؤه الجهل بمعرفة الباعث على التخصيص
الرابعة أن يذكر الاسم العام ثم تذكر الصفة الخاصة في معرض الاستدراك والبيان كما لو قال في الغنم السائمة زكاة وكقوله من باع نخلة مؤبرة فثمرها للبائع واقتلوا المشركين الحربيين فإنه ذكر الغنم والنخلة والمشركين وهي عامة فلو كان الحكم يعمها لما أنشأ بعده استدراكا لكن الصحيح أن مجرد هذا التخصيص من غير قرينة لا مفهوم له فيرجع حاصل الكلام إلى طلب سبب الاستدراك ويجوز أن يكون له سبب سوى اختصاص الحكم لم نعرفه ووجه التفاوت بين هذه الصور أن تخصيص اللقب يمكن حمله على أنه لم يحضره ذكر المسكوت عنه ولذلك ذكر الأشياء الستة فهذا احتمال وهو الغفلة عن غير المنطوق به والغفلة عن البكر عند التعرض للثيب أبعد لأن ذكر الصفة بذكر ضدها يضعف هذا الاحتمال فصار احتمال المفهوم أظهر وعند الاستدراك بعد التعميم انقطع هذا الاحتمال بالكلية فظهر احتمال المفهوم لانحسام أحد الاحتمالات الباعثة على التخصيص لكن وراء هذه احتمالات داعية إلى التخصيص وإن لم نعرفها فلا يحتج بما لا يعلم فينظر إلى لفظه ومن تعرض للغنم السائمة والنخلة المؤبرة فهو ساكت عن المعلوفة وغير المؤبرة كما لو قال في السائمة وفي المؤبرة وكما قال في سائمة الغنم زكاة الخامسة الشرط وذلك أن يقول إن كان كذا فافعل كذا وإن جاءكم كريم قوم فأكرموه وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن وقد ذهب ابن شريح وجماعة من المنكرين للمفهوم إلى أن هذا يدل على النفي والذي ذهب إليه القاضي إنكاره وهو الصحيح عندنا على قياس ما سبق لأن الشرط يدل على ثبوت الحكم عند وجود الشرط فقط فيقصر عن الدلالة على الحكم عند عدم الشرط يدل على ثبوت الحكم عند وجود الشرط فقط فيقصر عن الدلالة على الحكم عند عدم الشرط أما أن يدل على عدمه عند العدم فلا وفرق بين أن لا يدل على الوجود فيبقى على ما كان قبل الذكر وبين أن يدل على النفي فيتغير عما كان والدليل عليه أنه يجوز تعليق الحكم بشرطين كما يجوز بعلتين فإذا قال احكم بالمال للمدعي إن كانت له بينة واحكم له بالمال إن شهد له شاهدان لا يدل على نفي الحكم بالإقرار واليمين والشاهد ولا يكون الأمر بالحكم بالإقرار والشاهد واليمين نسخا له ورفعا للنص أصلا ولهذا المعنى جوزناه بخبر الواحد وقوله تعالى وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن الطلاق 6 أنكر أبو حنيفة مفهومه لما ذكرناه ويجوز أن نوافق الشافعي في هذه المسألة وإن خالفناه في المفهوم من حيث أن انقطاع ملك النكاح يوجب سقوط النفقة إلا ما استثنى والحامل هي المستثنى فيبقى الحائل على أصل النفي وانتفت نفقتها إلا بالشرط لكن بانتفاء النكاح الذي كان علة النفقة
السادسة قوله عليه السلام إنما الماء من الماء وإنما الشفعة فيما لم يقسم وإنما الولاء لمن أعتق وإنما الربا بالنسيئة إنما الأعمال بالنيات وهذا قد أصر أصحاب أبي حنيفة وبعض المنكرين للمفهوم على إنكاره وقالوا إنه إثبات فقط ولا يدل على الحصر وأقر القاضي بأنه ظاهر في الحصر محتمل للتأكيد إذ قوله تعالى إنما الله إله واحد النساء 171 و إنما يخشى الله من عباده العلماء فاطر 28 يشعر بالحصر ولكن قد يقول إنما النبي محمد وإنما العالم في البلد زيد يريد به الكمال والتأكيد وهذا هو المختار عندنا أيضا ولكن خصص القاضي هذا بقوله إنما ولم يطرده في قوله الأعمال بالنيات والشفعة فيما لم يقسم وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم والعالم في البلد زيد وعندنا أن هذا يلحق بقوله إنما وإن كان دونه في القوة لكنه ظاهر في الحصر أيضا فإنا ندرك التفرقة بين قول القائل زيد صديقي وبين قوله صديقي زيد وبين قوله زيد عالم وبين قوله العالم زيد وهذا التحقيق وهو أن الخبر لا يجوز أن يكون أخص من المبتدأ بل ينبغي أن يكون أعم منه أو مساويا له فلا يجوز أن تقول الحيوان إنسان ويجوز أن تقول الإنسان حيوان فإذا جعل زيدا مبتدأ وقال زيد صديقي جاز أن تكون الصداقة أعم من زيد وزيد أخص من الصديق لأن المبتدأ يجوز أن يكون أخص من الخبر أما إذا جعل الصديق مبتدأ فقال صديقي زيد فلو كان له صديق آخر كان المبتدأ أعم من الخبر والخبر أخص وكان كقوله اللون سواد والحيوان إنسان وذلك ممتنع وإن كان عكسه جائزا فإن قيل يجوز أن يقول صديقي زيد وعمرو أيضا والولاء لمن أعتق ولمن كاتب ولمن باع بشرط العتق ولو كان للحصر لكان هذا نقضا له قلنا هو للحصر بشرط أن لا يقترن به قبل الفراغ من الكلام ما يغيره كما أن العشرة لمعناها بشرط أن لا يتصل بها الاستثناء وقوله فاقتلوا المشركين التوبة 5 ظاهر في الجميع بشرط أن لا يقول إلا زيدا السابعة مد الحكم إلى غاية بصيغة إلى وحتى كقوله تعالى 2 ولا تقربوهن حتى يطهرن البقرة 222 فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره البقرة 230 وقوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد التوبة 9 وقد أصر على إنكار هذا أصحاب أبي حنيفة وبعض المنكرين للمفهوم وقالوا هذا نطق بما قبل الغاية وسكوت عما بعد الغاية فيبقى على ما كان قبل النطق وأقر القاضي بهذا لأن قوله تعالى حتى تنكح زوجا غيره و حتى يطهرن ليس كلاما مستقلا فإن لم يتعلق بقوله ولا تقربوهن وقوله فلا تحل له فيكون لغوا من الكلام وإنما صح لما فيه من إضمار وهو قوله حتى يطهرن فأقربوهن وحتى تنكح فتحل ولهذا يقبح الاستفهام إذا قال لا تعط زيدا حتى يقوم ولو قال أعطه إذا قام فلا يحسن إذ معناه أعطه إذا قام ولأن الغاية نهاية ونهاية الشيء مقطعة فإن لم يكن مقطع فلا يكون نهاية فإنه إذا قال اضربه حتى يتوب فلا يحسن معه أن يقول وهل أضربه وإن تاب وهذا وإن كان له ظهور ما ولكن لا ينفك عن نظر إذ يحتمل أن يقال كل ماله ابتداء فغايته مقطع لبدايته فيرجع الحكم بعد الغاية إلى ما كان قبل البداية فيكون الإثبات مقصورا أو ممدودا إلى الغاية المذكورة ويكون ما بعد الغاية كما قبل البداية فإذا هذه الرتبة أضعف في الدلالة على النفي مما قبلها
الرتبة الثامنة لا عالم في البلد إلا زيد وهذا قد أنكره غلاة منكري المفهوم وقالوا هذا نطق بالمستثنى عنه وسكوت عن المستثنى فما خرج بقوله إلا فمعناه أنه لم يدخل في الكلام فصار الكلام مقصورا على الباقي وهذا ظاهر البطلان لأن هذا صريح في النفي والإثبات فمن قال لا إله إلا الله لم يقتصر على النفي بل أثبت لله تعالى الألوهية ونفاها عن غيره ومن قال لا عالم إلا زيد ولا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار فقد نفى وأثبت قطعا وليس كذلك قوله لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بولي ولا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء هذا صيغة الشرط ومقتضاها نفي المنفى عند انتفاء الشرط فليس منطوقا به بل تفسد الصلاة مع الطهارة لسبب آخر وكذلك النكاح مع الولي والبيع مع المساواة وهذا على وفق قاعدة المفهوم فإن إثبات الحكم عند ثبوت وصف لا يدل على إبطاله عند انتفائه بل يبقى على ما كان قبل النطق وكذلك نفيه عند انتفاء شيء لا يدل على إثباته عند ثبوت ذلك الشيء بل يبقى على ما كان قبل النطق ويكون المنطوق به النفي عند الانتفاء فقط بخلاف قوله لا إله إلا الله ولا عالم إلا زيد لأنه إثبات ورد على النفي والاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي وقوله لا صلاة ليس فيه تعرض للطهارة بل للصلاة فقط وقوله إلا بطهور ليس إثباتا للصلاة بل للطهور الذي لم يتعرض له في الكلام فلا يفهم منه إلا الشرط مسألة ( مفهوم اللقب ) القائلون بالمفهوم أقروا بأنه لا مفهوم لقوله وإن خفتم شقاق بينهما النساء 35 ولا لقوله إيما امرأة نكحت بغير إذن وليها لأن الباعث على التخصيص العادة لأن الخلع لا يجري إلا عند الشقاق والمرأة لا تنكح نفسها إلا إذا أبى الولي وكذلك القائلون بمفهوم اللقب قالوا لا مفهوم لقوله صبوا عليه ذنوبا من ماء وليستنج بثلاثة أحجار لأنه ذكرهما لكونهما غالبين وإذا كان يسقط المفهوم بمثل هذا الباعث فحيث لم يظهر لنا الباعث احتمل أن يكون ثم باعث لم يظهر لنا فكيف يبني الحكم على عدم ظهور الباعث لنا فإن قيل فلو انتفى الباعث المخصص في علم اللهتعالى واستوت الحاجة في المذكور والمسكوت واستويا في الذكر ولم يكن أحدهما منسيا فهل يجوز للنبي عليه السلام أن يخص أحدهما بالذكر فإن جوزتم فهو نسبة له إلى اللغو والعبث وكان كقوله يجب الصوم على الطويل والأبيض فقلنا وهل يجب على القصير والأسود فقال نعم قلنا فلم خصصت هذا بالذكر فقال بالتشهي والتحكم فلا شك أنه ينسب إلى خلاف الجد ويصلح ذلك لأن يلقب به ليضحك منه كما يقول القائل اليهودي إذا مات لا يبصر فيكون ذلك هزؤا فثبت بهذا أن هذا دليل إن لم يكن باعث فإذا لم يظهر فالأصل عدمه أما إسقاط دلالته لتوهم باعث على التخصيص سوى اختصاص الحكم به فهو رفع للدلالة بالتوهم قلنا ما ذكرتموه مسلم وهو أيضا جار في تخصيص اللقب واليهودي اسم لقب ويستقبح تخصيصه
ولا مفهوم للقب لأن ذلك يحسم سبيل القياس وإنما أسقط مفهوم اللقب لأنه ليس فيه دلالة من حيث اللفظ بل هو نطق بشيء وسكوت عن شيء فينبغي أن يقال فلم سكت عن البعض ونطق بالبعض فنقول لا ندري فإن ذلك يحتمل أن يكون بسبب اختصاص الحكم ويحتمل أن يكون بسبب آخر فلا يثبت الاختصاص بمجرد احتمال ووهم وكذلك تخصيص الوصف ولا فرق فإذا لسنا ندرأ الدليل بالوهم بل الخصم يبني الدليل على الوهم فإنه ما لم ينتف سائر البواعث لا يتعين باعث اختصاص الحكم وتقدير انتفاء البواعث وهم مجرد وأما قول القائل اليهودي إذا مات لا يبصر فليس استقباحه للتخصيص بل لأنه ذكر ما هو جلي فإنه لو قال الإنسان إذا مات لم يبصر أو الحيوان إذا مات لا يبصر استقبح ذلك لأنه تعرض لما هو واضح في نفسه فإن تعرض لمشكل فلا يستقبح التخصيص في كل مقام كقوله العبد إذا وقع في الحج لزمته الكفارة فهذا لا يستقبح وإن شاركه الحر وكقوله الإنسان لا يتحرك إلا بالإرادة ولا يريد إلا بعد الإدراك فلا يستقبح وإن كان سائر الحيوان شاركه فيهما هذا تمام التحقيق في المفهوم وبه تمام النظر في الفن الثاني وهو اقتباس الحكم من اللفظ لا من حيث صيغته ووضعه بل من حيث فحواه وإشارته ولم يبق إلا الفن الثالث وهو اقتباس الحكم من حيث معناه ومعقوله وهو القياس والقول فيه طويل ونرى أن نلحق بآخر الفن الثاني القول في فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسكوته ووجه دلالته على الأحكام فإنه قد يظن أنه نازل منزلة القول في الدلالة ثم بعد الفراغ منه نخوض في الفن الثالث وهو شرح القياس القول في دلالة أفعال النبي عليه السلام وسكوته واستبشاره وفيه فصول الفصل الأول في دلالة الفعل ونقدم عليه مقدمة في عصمة الأنبياء فنقول لما ثبت ببرهان العقل صدق الأنبياء وتصديق الله تعالى إياهم بالمعجزات فكل ما يناقض مدلول المعجزة فهو محال عليهم بدليل العقل ويناقض مدلول المعجزة جواز الكفر والجهل بالله تعالى وكتمان رسالة الله والكذب والخطأ والغلط فيما يبلغ والتقصير في التبليغ والجهل بتفاصيل الشرع الذي أمر بالدعوة إليه أما ما يرجع إلى مقارفة الذنب فيما يخصه ولا يتعلق بالرسالة فلا يدل على عصمتهم عنه عندنا دليل العقل بل دليل التوقيف والإجماع قد دل على عصمتهم عن الكبائر وعصمتهم أيضا عما يصغر أقدارهم من القاذورات كالزنا والسرقة واللواط أما الصغائر فقد أنكرها جماعة وقالوا الذنوب كلها كبائر فأوجبوا عصمتهم عنها والصحيح أن من الذنوب صغائر وهي التي تكفرها الصلوات الخمس واجتناب الكبائر كما ورد في الخبر وكما قررنا حقيقته في كتاب التوبة من كتاب إحياء علوم الدين فإن قيل لم لم تثبت عصمتهم بدليل العقل لأنهم لو لم يعصموا لنفرت قلوب الخلق عنهم قلنا لا يجب عندنا عصمتهم من جميع ما ينفر فقد كانت الحرب سجالا بينه وبين الكفار وكان ذلك ينفر قلوب قوم عن الإيمان ولم يعصم عنه وإن ارتاب المبطلون مع أنه حفظ عن الخط والكتابة كي لا يرتاب المبطلون وقد ارتاب جماعة بسبب النسخ كما قال تعالى 61 وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر النحل 102 وجماعة بسبب المتشابهات فقالوا كان يقدر على كشف الغطاء لو كان نبيا لخلص الخلق من كلمات الجهل والخلاف كما قال تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب آل عمران 7 وهذا لأن نفي المنفرات ليس بشرط دلالة المعجزة هذا حكم الذنوب أما النسيان والسهو فلا خلاف في جوازه عليهم فيما يخصهم من العبادات ولا خلاف في عصمتهم بما يتعلق بتبليغ الشرع والرسالة فإنهم كلفوا تصديقه جزما ولا يمكن التصديق مع تجويز الغلط وقد قال قوم يجوز عليه الغلط فيما شرعه بالاجتهاد لكن لا يقر عليه وهذا على مذهب من يقول المصيب واحد من المجتهدين أما من قال كل مجتهد مصيب فلا يتصور الخطأ عنده في اجتهاد غيره فكيف في اجتهاده