Qur'an&Sunnah

Gazâlî — el-Müstasfâ (usûlü'l-fıkh)

Bagian V01/P137–V01/P138

المسلك الثاني وهو الأقوى التمسك بقوله صلى الله عليه وسلم لا تجتمع أمتي على الخطأ وهذا من حيث اللفظ أقوى وأدل على المقصود ولكن ليس بالمتواتر كالكتاب والكتاب متواتر لكن ليس بنص فطريق تقرير الدليل أن نقول تظاهرت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بألفاظ مختلفة مع اتفاق المعنى في عصمة هذه الأمة من الخطأ واشتهر على لسان المرموقين والثقات من الصحابة كعمر وابن مسعود وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وابن عمر وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان وغيرهم ممن يطول ذكره من نحو قوله صلى الله عليه وسلم لا تجتمع أمتي على الضلالة ولم يكن الله ليجمع أمتي على الضلالة وسألت الله تعالى أن لا يجمع أمتي على الضلالة فأعطانيها ومن سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من ورائهم وإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد وقوله صلى الله عليه وسلم يد الله مع الجماعة ولا يبالي الله بشذوذ من شذ ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم وروي لا يضرهم خلاف من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء ومن خرج عن الجماعة أو فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ومن فارق الجماعة ومات فميتته جاهلية وهذه الأخبار لم تزل ظاهرة في الصحابة والتابعين إلى زماننا هذا لم يدفعها أحد من أهل النقل من سلف الأمة وخلفها بل هي مقبولة من موافقي الأمة ومخالفيها ولم تزل الأمة تحتج بها في أصول الدين وفروعه فإن قيل فما وجه الحجة ودعوى التواتر في آحاد هذه الأخبار غير ممكن ونقل الآحاد لا يفيد العلم قلنا في تقرير وجه الحجة طريقان أحدهما أن ندعي العلم الضروري بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عظم شأن هذه الأمة وأخبر عن عصمتها عن الخطأ بمجموع هذه الأخبار المتفرقة وإن لم تتواتر آحادها وبمثل ذلك نجد أنفسنا مضطرين إلى العلم بشجاعة علي وسخاوة حاتم وفقه الشافعي وخطابة الحجاج وميل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عائشة من نسائه وتعظيمه صحابته وثنائه عليهم وإن لم تكن آحاد الأخبار فيها متواترة بل يجوز الكذب على كل واحد منها لو جردنا النظر إليه ولا يجوز على المجموع وذلك يشبه ما يعلم من مجموع قرائن آحادها لا ينفك عن الاحتمال ولكن ينتفي الاحتمال عن مجموعها حتى يحصل العلم الضروري الطريق الثاني أن لا ندعي علم الاضطرار بل علم الاستدلال من وجهين الأول أن هذه الأحاديث لم تزل مشهورة بين الصحابة والتابعين يتمسكون بها في إثبات الإجماع ولا يظهر أحد فيها خلافا وإنكارا إلى زمان النظام ويستحيل في مستقر العادة توافق الأمم في أعصار متكررة على التسليم لما لم تقم الحجة بصحته مع اختلاف الطباع وتفاوت الهمم والمذاهب في الرد والقبول ولذلك لم ينفك حكم ثبت بأخبار الآحاد عن خلاف مخالف وإبداء تردد فيه الوجه الثاني أن المحتجين بهذه الأخبار أثبتوا بها أصلا مقطوعا به وهو الإجماع الذي يحكم به على كتاب الله تعالى وعلى السنة المتواترة ويستحيل في العادة التسليم لخبر يرفع به الكتاب المقطوع به إلا إذا استند إلى مستند مقطوع به فأما رفع المقطوع بما ليس بمقطوع فليس معلوما حتى لا يتعجب متعجب ولا يقول قائل كيف ترفعون الكتاب القاطع بإجماع مستند إلى خبر غير معلوم الصحة وكيف تذهل عنه جميع الأمة إلى زمان النظام فيختص بالتنبه له هذا وجه الاستدلال وللمنكرين في معارضته ثلاثة مقامات الرد والتأويل والمعارضة المقام الأول في الرد

Bagian V01/P138–V01/P140

وفيه أربعة أسئلة السؤال الأول قولهم لعل واحدا خالف هذه الأخبار وردها ولم ينقل إلينا قلنا هذا أيضا تحيله العادة إذ الإجماع أعظم أصول الدين فلو خالف فيه مخالف لعظم الأمر فيه واشتهر الخلاف إذ لم يندرس خلاف الصحابة في دية الجنين ومسألة الحرام وحد الشرب فكيف اندرس الخلاف في أصل عظيم يلزم فيه التضليل والتبديع لمن أخطأ في نفيه وإثباته وكيف اشتهر خلاف النظام مع سقوط قدره وخسة رتبته وخفي خلاف أكابر الصحابة والتابعين هذا مما لا يتسع له عقل أصلا السؤال الثاني قالوا قد استدللتم بالخبر على الإجماع ثم استدللتم بالإجماع على صحة الخبر فهب أنهم أجمعوا على الصحة فما الدليل على أن ما أجمعوا على صحته فهو صحيح وهل النزاع إلا فيه قلنا لا بل استدللنا على الإجماع بالخبر وعلى صحة الخبر بخلو الإعصار عن المدافعة والمخالفة له مع أن العادة تقتضي إنكار إثبات أصل قاطع يحكم به على القواطع بخبر غير معلوم الصحة فعلمنا بالعادة كون الخبر مقطوعا به لا بالإجماع والعادة أصل يستفاد منها معارف فإن بها يعلم بطلان دعوى معارضة القرآن واندراسها وبها يعلم بطلان دعوى نص الإمامة وإيجاب صلاة الضحى وصوم شوال وإن ذلك لو كان لاستحال في العادة الكسوت عنه السؤال الثالث قالوا بم تنكرون على من يقول لعلهم أثبتوا الإجماع لا بهذه الأخبار بل بدليل آخر قلنا قد ظهر منهم الاحتجاج بهذه الأخبار في المنع من مخالفة الجماعة وتهديد من يفارق الجماعة ويخالفها وهذا أولى من أن يقال لو كان لهم فيه مستند لظهر وانتشر فإنه قد نقل تمسكهم أيضا بالآيات السؤال الرابع قولهم لما علمت الصحابة صحة هذه الأخبار لم لم يذكروا طريق صحتها للتابعين حتى كان ينقطع الارتياب ويشاركونهم في العلم قلنا لأنهم علموا تعريفه عليه السلام عصمة هذه الأمة بمجموع قرائن وأمارات وتكريرات ألفاظ وأسباب دلت ضرورة على قصده إلى بيان نفي الخطأ عن هذه الأمة وتلك القرائن لا تدخل تحت الحكاية ولا تحيط بها العبارات ولو حكوها لتطرق إلى آحادها احتمالات فاكتفوا بعلم التابعين بأن الخبر المشكوك فيه لا يثبت به أصل مقطوع به ويقع التسليم في العادة به فكانت العادة في حق التابعين أقوى من الحكاية المقام الثاني في التأويل ولهم تأويلات ثلاثة الأول قوله صلى الله عليه وسلم لا تجتمع أمتي على ضلالة ينبىء عن الكفر والبدعة فلعله أراد عصمة جميعهم عن الكفر بالتأويل والشبهة وقوله على الخطأ لم يتواتر وإن صح فالخطأ عام يمكن حمله على الكفر قلنا الضلال في وضع اللسان لا يناسب الكفر قال الله تعالى ووجدك ضالا فهدى الضحى 7 وقال تعالى إخبارا عن موسى عليه السلام فعلتها إذا وأنا من الضالين الشعراء 20 وما أراد من الكافرين بل أراد من المخطئين يقال ضل فلان عن الطريق وضل سعي فلان كل ذلك الخطأ كيف وقد فهم ضرورة من هذه الألفاظ تعظيم شأن هذه الأمة وتخصيصها بهذه الفضيلة أما العصمة عن الكفر فقد أنعم بها في حق علي وابن مسعود وأبي وزيد على مذهب النظام لأنهم ماتوا على الحق وكم من آحاد عصموا عن الكفر حتى ماتوا فأي خاصية للأمة فدل أنه أراد ما لم يعصم عنه الآحاد من سهو وخطأ وكذب ويعصم عنه الأمة تنزيلا لجميع الأمة منزلة النبي صلى الله عليه وسلم في العصمة عن الخطأ في الدين أما في غير الدين من إنشاء حرب وصلح وعمارة بلدة فالعموم يقتضي العصمة للأمة عنه أيضا ولكن ذلك مشكوك فيه وأمر الدين مقطوع بوجوب العصمة فيه كما في حق النبي صلى الله عليه وسلم فإنه أخطأ في أمر تأبير النخل ثم قال أنتم أعرف بأمر دنياكم وأنا أعرف بأمر دينكم

Bagian V01/P140–V01/P141

التأويل الثاني قولهم غاية هذا أن يكون عاما يوجب العصمة عن كل خطأ ويحتمل أن يكون المراد به بعض أنواع الخطأ من الشهادة في الآخرة أو ما يوافق النص المتواتر أو يوافق دليل العقل دون ما يكون بالاجتهاد والقياس قلنا لا ذاهب من الأمة إلى هذا التفصيل إذ ما دل من العقل على تجويز الخطأ عليهم في شيء دل على تجويزه في شيء آخر وإذا لم يكن فارق لم يكن تخصيص بالتحكم دون دليل ولم يكن تخصيص أولى من تخصيص وقد ذم من خالف الجماعة وأمر بالموافقة فلو لم يكن ما فيه العصمة معلوما استحال الاتباع إلا أن ثبت العصمة مطلقا وبه ثبتت فضيلة الأمة وشرفها فأما العصمة عن البعض دون البعض فهذا يثبت لكل كافر فضلا عن المسلم إذ ما من شخص يخطىء في كل شيء بل كل إنسان فإنه يعصم عن الخطأ في بعض الأشياء التأويل الثالث أن أمته صلى الله عليه وسلم كل من آمن به إلى يوم القيامة فجملة هؤلاء من أول الإسلام إلى آخر عمر الدنيا لا يجتمعون على خطأ بل كل حكم انقضى على اتفاق أهل الأعصار كلها بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فهو حق إذ الأمة عبارة عن الجميع كيف والذين ماتوا في زماننا هم من الأمة وإجماع من بعدهم ليس إجماع جميع الأمة بدليل أنهم لو كانوا قد خالفوا ثم ماتوا لم ينعقد بعدهم إجماع وقبلنا من الأمة من خالف وإن كان قد مات فكذلك إذا لم يوافقوا قلنا كما لا يجوز أن يراد بالأمة المجانين والأطفال والسقط والمجتن وإن كانوا من الأمة فلا يجوز أن يراد به الميت والذي لم يخلق بعد بل الذي يفهم قوم يتصور منهم اختلاف واجتماع ولا يتصور الاجتماع والاختلاف من المعدوم والميت والدليل عليه أنه أمر باتباع الجماعة وذم من شذ عن الموافقة فإن كان المراد به ما ذكروه فإنما يتصور الاتباع والمخالفة في القيامة لا في الدنيا فيعلم قطعا أن المراد به إجماع يمكن خرقه ومخالفته في الدنيا وذلك هم الموجودن في كل عصر أما إذا مات فيبقى أثر خلافه فإن مذهبه لا يموت بموته وسيأتي فيه كلام شاف إن شاء الله تعالى المقام الثالث المعارضة بالآيات والأخبار أما الآيات فكل ما فيها منع من الكفر والردة والفعل الباطل فهو عام مع الجميع فإن لم يكن ذلك ممكنا فكيف نهوا عنه كقوله تعالى وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون الأعراف 33 ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر البقرة 217 ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل البقرة 188 وأمثال ذلك قلنا ليس هذا نهيا لهم عن الاجتماع بل نهي للآحاد وإن كان كل واحد على حياله داخلا في النهي وإن سلم فليس من شرط النهي وقوع المنهي عنه ولا جواز وقوعه فإن الله تعالى علم أن جميع المعاصي لا تقع منهم ونهاهم عن الجميع وخلاف المعلوم غير واقع وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم لئن أشركت ليحبطن عملك الزمر 65 وقال فلا تكونن من الجاهلين الأنعام وقد علم أنه قد عصمه منهم وأن ذلك لا يقع وأما الأخبار فقوله عليه السلام بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ وقوله عليه السلام خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى إن الرجل ليحلف وما يستحلف ويشهد وما يستشهد وكقوله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة إلا على شرار أمتي قلنا هذا وأمثاله يدل على كثرة العصيان والكذب ولا يدل على أنه لا يبقى متمسك بالحق ولا يناقض قوله صلى الله عليه وسلم لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله وحتى يظهر الدجال كيف ولا تجري هذه الأخبار في الصحة والظهور مجرى الأحاديث التي تمسكنا بها

Bagian V01/P141–V01/P142

المسلك الثالث التمسك بالطريق المعنوي وبيانه أن الصحابة إذا قضوا بقضية وزعموا أنهم قاطعون بها فلا يقطعون بها إلا عن مستند قاطع وإذا كثروا كثرة تنتهي إلى حد التواتر فالعادة تحيل عليهم قصد الكذب وتحيل عليهم الغلط حتى لا يتنبه واحد منهم للمحق في ذلك وإلى أن القطع بغير دليل قاطع خطأ فقطعهم في غير محل القطع محال في العادة فإن قضوا عن اجتهاد واتفقوا عليه فيعلم أن التابعين كانوا يشددون النكير على مخالفيهم ويقطعون به وقطعهم بذلك قطع في غير محل القطع فلا يكون ذلك أيضا إلا عن قاطع وإلا فيستحيل في العادة أن يشذ عن جميعهم الحق مع كثرتهم حتى لا يتنبه واحد منهم للحق وكذلك نعلم أن التابعين لو أجمعوا على شيء أنكر تابعوا التابعين على المخالف وقطعوا بالإنكار وهو قطع في غير محل القطع فالعادة تحيل ذلك إلا عن قاطع وعلى مساق هذا قالوا لو رجع أهل الحل والعقد إلى عدد ينقص عن عدد التواتر فلا يستحيل عليهم الخطأ في العادة ولا تعمد الكذب لباعث عليه فلا حجة فيه وهذه الطريقة ضعيفة عندنا لأن منشأ الخطأ إما تعمد الكذب وإما ظنهم ما ليس بقاطع قاطعا والأول غير جائز على عدد التواتر وأما الثاني فجائز فقد قطع اليهود ببطلان نبوة عيسى ومحمد عليهما السلام وهم أكثر من عدد التواتر وهو قطع في غير محل القطع لكن ظنوا ما ليس بقاطع قاطعا والمنكرون لحدوث العالم والنبوات والمرتكبون لسائر أنواع البدع والضلالات عددهم بالغ مبلغ عدد التواتر ويحصل الصدق بإخبارهم ولكن أخطؤوا بالقطع في غير محل القطع وهذا القائل يلزمه أن يجعل إجماع اليهود والنصارى حجة ولا تخصيص لهذه الأمة وقد أجمعوا على بطلان دين الإسلام فإن قيل هذا تمسك بالعادة وأنتم في نصرة المسلك الثاني استروحتم إلى العادة وهذا عين الأول قلنا العادة لا تحيل على عدد التواتر أن يظنوا ما ليس بقاطع قاطعا وعن هذا قلنا شرط خبر التواتر أن يستند إلى محسوس والعادة تحيل الانقياد والسكوت عمن دفع الكتاب والسنة المتواترة بإجماع دليله خبر مظنون غير مقطوع به وكل ما هو ضروري يعلم بالحس أو بقرينة الحال أو بالبديهة فمنهاجه واحد ويتفق الناس على دركه والعادة تحيل الذهول عنه على أهل التواتر وما هو نظري فطرقه مختلفة فلا يستحيل في العادة أن يجتمع أهل التواتر على الغلط فيه فهذا هو الفرق بين المسلكين فإن قيل اعتمادكم في هذا المسلك الثاني أن ما أجمعوا عليه حق وليس بخطأ فما الدليل على وجوب اتباعه وكل مجتهد مصيب للحق ولا يجب على مجتهد آخر اتباعه والشاهد المزور مبطل ويجب على القاضي اتباعه فوجوب الاتباع شيء وكون الشيء حقا غيره قلنا أجمعت الأمة على وجوب اتباع الإجماع وأنه من الحق الذي يجب اتباعه وبحسب كونهم محقين في قولهم يجب اتباع الإجماع ثم نقول كل حق علم كونه حقا فالأصل فيه وجوب الاتباع والمجتهد يجب اتباعه إلا على المجتهد الذي هو محق أيضا فقدم حق حصل باجتهاده على ما حصل باجتهاد غيره في حقه والشاهد المزور لو علم كونه مزورا لم يتبع ويدل عليه أيضا ذمة من خالف الجماعة وأنه ذكر هذا في معرض الثناء على الأمة ولا يتحقق ذلك إلا بوجوب الاتباع وإلا فلا يبقى له معنى إلا أنهم محقون إذا أصابوا دليل الحق وذلك جائز في حق كل واحد من أفراد المؤمنين فليس فيه مدح وتخصيص البتة الباب الثاني في بيان أركان الإجماع

Bagian V01/P142–V01/P143

وله ركنان المجمعون ونفس الإجماع الركن الأول المجمعون وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وظاهر هذا يتناول كل مسلم لكن لكل ظاهر طرفان واضحان في النفي والإثبات وأوساط متشابهة أما الواضح في الإثبات فهو كل مجتهد مقبول الفتوى فهو أهل الحل والعقد قطعا ولا بد من موافقته في الإجماع وأما الواضح في النفي فالأطفال والمجانين والأجنة فإنهم وإن كانوا من الأمة فنعلم أنه عليه الصلاة والسلام ما أراد بقوله لا تجتمع أمتي على الخطأ إلا من يتصور منه الوفاق والخلاف في المسألة بعد فهمهما فلا يدخل فيه من لا يفهمها وبين الدرجتين العوام المكلفون والفقيه الذي ليس بأصولي والأصولي الذي ليس بفقيه والمجتهد الفاسق والمبتدع والناشىء من التابعين مثلا إذا قارب رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة فنرسم في كل واحد مسألة 61 مسألة ( إجماع أهل الحل والعقد ) يتصور دخول العوام في الإجماع فإن الشريعة تنقسم إلى ما يشترك في دركه العوام والخواص كالصلوات الخمس ووجوب الصوم والزكاة والحج فهذا مجمع عليه والعوام وافقوا الخواص في الإجماع وإلى ما يختص بدركه الخواص كتفصيل أحكام الصلاة والبيع والتدبير والاستيلاد فما أجمع عليه الخواص فالعوام متفقون على أن الحق فيه ما أجمع عليه أهل الحل والعقد لا يضمرون فيه خلافا أصلا فهم موافقون أيضا فيه ويحسن تسمية ذلك إجماع الأمة قاطبة كما أن الجند إذا حكموا جماعة من أهل الرأي والتدبير في مصالحة أهل قلعة فصالحوهم على شيء يقال هذا باتفاق جميع الجند فإذا كل مجمع عليه من المجتهدين فهو مجموع عليه من جهة العوام وبه يتم إجماع الأمة فإن قيل فلو خالف عامي في واقعة أجمع عليها الخواص من أهل العصر فهل ينعقد الإجماع دونه إن كان ينعقد فكيف خرج العامي من الأمة وإن لم ينعقد فكيف يعتد بقول العامي قلنا قد اختلف الناس فيه فقال قوم لا ينعقد لأنه من الأمة فلا بد من تسليمه بالجملة أو بالتفصيل وقال آخرون وهو الأصح إنه ينعقد بدليلين أحدهما أن العامي ليس أهلا لطلب الصواب إذ ليس له آلة هذا الشأن فهو كالصبي والمجنون في نقصان الآلة ولا يفهم من عصمة الأمة من الخطأ إلا عصمة من يتصور منه الإصابة لأهليته والثاني وهو الأقوى أن العصر الأول من الصحابة قد أجمعوا على أنه لا عبرة بالعوام في هذا الباب أعني خواص الصحابة وعوامهم ولأن العامي إذا قال قولا علم أنه يقوله عن جهل وأنه ليس يدري ما يقول وأنه ليس أهلا للوفاق والخلاف فيه وعن هذا لا يتصور صدور هذا من عامي عاقل لأن العاقل يفوض ما لا يدري إلى من يدري فهذه صورة فرضت ولا وقوع لها أصلا ويدل على انعقاد الإجماع أن العامي يعصي بمخالفته العلماء ويحرم ذلك عليه ويدل على عصيانه ما ورد من ذم الرؤساء الجهال إذا ضلوا وأضلوا بغير علم وقوله تعالى 4 لعلمه الذين يستنبطونه منهم النساء 83 فردهم عن النزاع إلى أهل الاستنباط وقد وردت أخبار كثيرة بإيجاب المراجعة للعلماء وتحريم فتوى العامة بالجهل والهوى وهذا لا يدل على انعقاد الإجماع دونهم فإنه يجوز أن يعصي بالمخالفة كما يعصي من يخالف خبر الواحد ولكن يمتنع وجود الإجماع لمخالفته والحجة في الإجماع فإذا امتنع بمعصية أو بما ليس بمعصية فلا حجة وإنما الدليل ما ذكرنا من قبل مسألة ( يعتد بقول الأصولي والفقيه المبرز )

Bagian V01/P143–V01/P144

إذا قلنا لا يعتبر قول العوام لقصور آلتهم فرب متكلم ونحوي ومفسر ومحدث هو ناقض الآلة في درك الأحكام فقال قوم لا يعتد إلا بقول أئمة المذاهب المستقلين بالفتوى كالشافعي ومالك وأبي حنيفة وأمثالهم من الصحابة والتابعين ومنهم من ضم إلى الأئمة الفقهاء الحافظين لأحكام الفروع الناهضين بها لكن أخرج الأصولي الذي لا يعرف تفاصيل الفروع ولا يحفظها والصحيح أن الأصولي العارف بمدارك الأحكام وكيفية تلقيها من المفهوم والمنظوم وصيغة الأمر والنهي والعموم وكيفية تفهيم النصوص والتعليل أولى بالاعتداد بقوله من الفقيه الحافظ للفروع بل ذو الآلة من هو متمكن من درك الأحكام إذا أراد وإن لم يحفظ الفروع والأصولي قادر عليه والفقيه الحافظ للفروع لا يتمكن منه وآية أنه لا يعتبر حفظ الفروع أن العباس والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأبا عبيدة بن الجراح وأمثالهم ممن لم ينصب نفسه للفتوى ولم يتظاهر بها تظاهر العبادلة وتظاهر علي وزيد بن ثابت ومعاذ كانوا يعتدون بخلافهم لو خالفوا وكيف لا وكانوا صالحين للإمامة العظمى ولا سيما لكون أكثرهم في الشورى وما كانوا يحفظون الفروع بل لم تكن الفروع موضوعة بعد لكن عرفوا الكتاب والسنة وكانوا أهلا لفهمهما والحافظ لفروع قد لا يحفظ دقائق فروع الحيض والوصايا فأصل هذه الفروع كهذه الدقائق فلا يشترط حفظها فينبغي أن يعتد بخلاف الأصولي وبخلاف الفقيه المبرز لأنهما ذوا آلة على الجملة يقولان ما يقولان عن دليل أما النحوي والمتكلم فلا يعتد بهما لأنهما من العوام في حق هذا العلم إلا أن يقع الكلام في مسألة تنبني على النحو أو على الكلام فإن قيل فهذه المسألة قطعية أم اجتهادية قلنا هي اجتهادية ولكن إذا جوزنا أن يكون قوله معتبرا صار الإجماع مشكوكا فيه عند مخالفته فلا يصير حجة قاطعة إنما يكون حجة قاطعة إذا لم يخالف هؤلاء أما خلاف العوام فلا يقع ولو وقع فهو قول باللسان وهو معترف بكونه جاهلا بما يقول فبطلان قوله مقطوع به كقول الصبي فأما هذا فليس كذلك فإن قيل فإذا قلد الأصولي الفقهاء فيما اتفقوا عليه في الفروع وأقر بأنه حق هل ينعقد الإجماع قلنا نعم لأنه لا مخالفة وقد وافق الأصولي جملة وإن لم يعرف التفصيل كما أن الفقهاء اتفقوا على أن ما أجمع عليه المتكلمون في باب الاستطاعة والعجز والأجسام والأعراض والضد والخلاف فهو صواب فيحصل الإجماع بالموافقة الجملية كما يحصل من العوام لأن كل فريق كالعامي بالإضافة إلى ما لم يحصل علمه وإن حصل علما آخر مسألة ( عدم انعقاد الإجماع بالمجتهد الفاسق المبتدع ) إذا خالف لم ينعقد الإجماع دونه إذا لم يكفر بل هو كمجتهد فاسق وخلاف المجتهد الفاسق معتبر فإن قيل لعله يكذب في إظهار الخلاف وهو لا يعتقده

Bagian V01/P144–V01/P145

قلنا لعله يصدق ولا بد من موافقته ولو لم نتحقق موافقته كيف وقد نعلم اعتقاد الفاسق بقرائن أحواله في مناظراته واستدلالاته والمبتدع ثقة يقبل قوله فإنه ليس يدري أنه فاسق أما إذا كفر ببدعته فعند ذلك لا يعتبر خلافه وإن كان يصلي إلى القبلة ويعتقد نفسه مسلما لأن الأمة ليست عبارة عن المصلين إلى القبلة بل عن المؤمنين وهو كافر وإن كان لا يدري أنه كافر نعم لو قال بالتشبيه والتجسيم وكفرناه فلا يستدل على بطلان مذهبه بإجماع مخالفيه على بطلان التجسيم مصيرا إلى أنهم كل الأمة دونه لأن كونهم كل الأمة موقوف على إخراج هذا من الأمة والإخراج من الأمة موقوف على دليل التكفير فلا يجوز أن يكون دليل تكفيره ما هو موقوف على تكفيره فيؤدي إلى إثبات الشيء بنفسه نعم بعد أن كفرناه بدليل عقلي لو خالف في مسألة أخرى لم يلتفت إليه فلو تاب وهو مصر على المخالفة في تلك المسألة التي أجمعوا عليها في حال كفره فلا يلتفت إلى خلافه بعد الإسلام لأنه مسبوق بإجماع كل الأمة وكان المجمعون في ذلك الوقت كل الأمة دونه فصار كما لو خالف كافر كافة الأمة ثم أسلم وهو مصر على ذلك الخلاف فإن ذلك لا يلتفت إليه إلا على قول من يشترط انقراض العصر في الإجماع فإن قيل فلو ترك بعض الفقهاء الإجماع بخلاف المبتدع المكفر إذا لم يعلم أن بدعته توجب الكفر وظن أن الإجماع لا ينعقد دونه فهل يعذر من حيث أن الفقهاء لا يطلعون على معرفة ما يكفر به من التأويلات قلنا للمسألة صورتان إحداهما أن يقول الفقهاء نحن لا ندري أن بدعته توجب الكفر أم لا ففي هذه الصورة لا يعذرون فيه إذ يلزمهم مراجعة علماء الأصول ويجب على العلماء تعريفهم فإذا أفتوا بكفره فعليهم التقليد فإن لم يقنعهم التقليد فعليهم السؤال عن الدليل حتى إذا ذكر لهم دليله فهموه لا محالة لأن دليله قاطع فإن لم يدركه فلا يكون معذورا كمن لا يدرك دليل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لا عذر مع نصب الله تعالى الأدلة القاطعة الصورة الثانية أن لا يكون قد بلغته بدعته وعقيدته فترك الإجماع لمخالفته فهو معذور في خطئه وغير مؤاخذ به وكان الإجماع لم ينتهض حجة في حقه كما إذا لم يبلغه الدليل الناسخ لأنه غير منسوب إلى تقصير بخلاف الصورة الأولى فإنه قادر على المراجعة والبحث فلا عذر له في تركه فهو كمن قبل شهادة الخوارج وحكم بها فهو مخطىء لأن الدليل على تكفير الخوارج على علي عثمان رضي الله عنهما والقائلين بكفرهما المعتقدين استباحة دمهما ومالهما ظاهر يدرك على القرب فلا يعذر من لا يعرفه بخلاف من حكم بشهادة الزور وهو لا يعرف لأنه لا طريق له إلى معرفة صدق الشاهد وله طريق إلى معرفة كفره فإن قيل وما الذي يكفر به قلنا الخطب في ذلك طويل وقد أشرنا إلى شيء منه في كتاب فصل التفرقة بين الإسلام والزندقة والقدر الذي نذكره الآن أنه يرجع إلى ثلاثة أقسام الأول ما يكون نفس اعتقاده كفرا كإنكار الصانع وصفاته وجحد النبوة الثاني ما يمنعه اعتقاده من الاعتراف بالصانع وصفاته وتصديق رسله ويلزمه إنكار ذلك من حيث التناقض الثالث ما ورد التوقيف بأنه لا يصدر إلا من كافر كعبادة النيران والسجود للصنم وجحد سورة من القرآن وتكذيب بعض الرسل واستحلال الزنا والخمر وترك الصلاة وبالجملة إنكار ما عرف بالتواتر والضرورة من الشريعة مسألة ( هل ينعقد إجماع غير الصحابة )

Bagian V01/P145–V01/P146

قال قوم لا يعتد بإجماع غير الصحابة وسنبطله وقال قوم يعتد بإجماع التابعين بعد الصحابة ولكن لا يعتد بخلاف التابعي في زمان الصحابة ولا يندفع إجماع الصحابة بخلافه وهذا فاسد مهما بلغ التابعي رتبة الاجتهاد قبل تمام الإجماع لأنه من الأمة فإجماع غيره لا يكون إجماع جميع الأمة بل إجماع البعض والحجة في إجماع الكل نعم لو أجمعوا ثم بلغ رتبة الاجتهاد بعد إجماعهم فهو مسبوق بالإجماع فليس له الآن أن يخالف كمن أسلم بعد تمام الإجماع ويدل عليه قوله تعالى وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله الشورى 10 وهذا مختلف فيه ويدل عليه إجماع الصحابة على تسويغ الخلاف للتابعي وعدم إنكارهم عليه فهو إجماع منهم على جواز الخلاف كيف وقد علم أن كثيرا من أصحاب عبد الله كعلقمة والأسود وغيرهما كانوا يفتون في عصر الصحابة وكذا الحسن البصري وسعيد بن المسيب فكيف لا يعتد بخلافهم وعلى الجملة فلا يفضل الصحابي التابعي إلا بفضيلة الصحبة ولو كانت هذه الفضيلة تخصص الإجماع لسقط قول الأنصار بقول المهاجرين وقول المهاجرين بقول العشرة وقول العشرة بقول الخلفاء الأربعة وقولهم بقول أبي بكر وعمر رضي الله عنهم فإن قيل روي عن عائشة رضي الله عنها أنها أنكرت على أبي سلمة بن عبد الرحمن مجاراة الصحابة وقالت فروج يصقع مع الديكة قلنا ما ذكرناه مقطوع به ولم يثبت عن عائشة ما ذكرتم إلا بقول الآحاد وإن ثبت فهو مذهبها ولا حجة فيه ثم لعلها أرادت منعه من مخالفتهم فيما سبق إجماعهم عليه أو لعلها أنكرت عليه خلافه في مسألة لا تحتمل الاجتهاد في اعتقادها كما أنكرت على زيد بن أرقم في مسألة العينة وظنت أن وجوب حسم الذريعة قطعي واعلم أن هذه المسألة يتصور الخلاف فيها مع من يوافق على أن إجماع الصحابة يندفع بمخالفة واحد من الصحابة أما من ذهب إلى أنه لا يندفع خلاف الأكثر بالأقل كيفما كان فلا يختص كلامه بالتابعي مسألة ( هل ينعقد إجماع الأكثر أم لا ) الإجماع من الأكثر ليس بحجة مخالفة الأقل وقال قوم إن بلغ عدد الأقل عدد التواتر اندفع الإجماع وإن نقص فلا يندفع والمعتمد عندنا أن العصمة إنما تثبت للأمة بكليتها وليس هذا إجماع الجميع بل هو مختلف فيه وقد قال تعالى وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله الشورى 10 فإن قيل قد تطلق الأمة ويراد بها الأكثر كما يقال بنو تميم يحمون الجار ويكرمون الضيف ويراد الأكثر قلنا من يقول بصيغة العموم يحمل ذلك على الجميع ولا يجوز التخصيص بالتحكم بل بدليل وضرورة ولا ضرورة ههنا ومن لا يقول به فيجوز أن يريد به الأقل وعند ذلك لا يتميز البعض المراد عما ليس بمراد ولا بد من إجماع الجميع ليعلم أن البعض المراد داخل فيه كيف وقد وردت أخبار تدل على قلة أهل الحق حيث قال صلى الله عليه وسلم وهم يومئذ الأقلون وقال صلى الله عليه وسلم سيعود الدين غريبا كما بدا غريبا وقال تعالى أكثرهم لا يعقلون المائدة 103 وقال تعالى وقليل من عبادي الشكور سبأ 13 وقال تعالى كم من فئة قليلة البقرة 249 الآية وإذا لم يكن ضابط ولا مرد فلا خاص إلا باعتبار قول الجميع الدليل الثاني إجماع الصحابة على تجويز الخلاف للآحاد فكم من مسألة قد انفرد فيها الآحاد بمذهب كانفراد ابن عباس بالعول فإنه أنكره فإن قيل لا بل أنكروا على ابن عباس القول بتحليل المتعة وأن الربا في النسيئة وأنكرت عائشة على ابن أرقم مسألة العينة وأنكروا على أبي موسى الأشعري قوله النوم لا ينقض الوضوء وعلى أبي طلحة القول بأن أكل البرد لا يفطر وذلك لانفرادهم به قلنا لا بل لمخالفتهم السنة الواردة فيه المشهورة بينهم أو لمخالفتهم أدلة ظاهرة قامت عندهم ثم نقول هب أنهم أنكروا انفراد المنفرد والمنكر منكر عليهم إنكارهم ولا ينعقد الإجماع فلا حجة في إنكارهم مع مخالفة الواحد

Bagian V01/P146–V01/P147

ولهم شبهتان الشبهة الأولى قولهم قول الواحد فيما يخبر عن نفسه لا يورث العلم فكيف يندفع به قول عدد حصل العلم بإخبارهم عن أنفسهم لبلوغهم عدد التواتر وعن هذا قال قوم عدد الأقل إلى أن يبلغ مبلغ التواتر يدفع الإجماع وهذا فاسد من ثلاثة أوجه الأول إن صدق الأكثر وإن علم فليس ذلك صدق جميع الأمة واتفاقهم والحجة في اتفاق الجميع فسقطت الحجة لأنهم ليسوا كل الأمة الثاني إن كذب الواحد ليس بمعلوم فلعله صادق فلا تكون المسألة اتفاقا من جميع الصادقين إن كان صادقا الثالث إنه لا نظر إلى ما يضمرون بل التعبد متعلق بما يظهرون فهو مذهبهم وسبيلهم لا ما أضمروه فإن قيل فهل يجوز أن تضمر الأمة خلاف ما تظهر قلنا ذلك إن كان إنما يكون عن تقية وإلجاء وذلك يظهر ويشتهر وإن لم يشتهر فهو محال لأنه يؤدي إلى اجتماع الأمة على ضلالة وباطل وهو ممتنع بدليل السمع الشبهة الثانية إن مخالفة الواحد شذوذ عن الجماعة وهو منهي عنه فقد ورد ذم الشاذ وأنه كالشاذ من الغنم عن القطيع قلنا الشاذ عبارة عن الخارج عن الجماعة بعد الدخول فيها ومن دخل في الإجماع لا يقبل خلافه بعده وهو الشذوذ أما الذي لم يدخل أصلا فلا يسمى شاذا فإن قيل فقد قال عليه السلام عليكم بالسواد الأعظم فإن الشيطان مع الواحد وهو عن الاثنين أبعد قلنا أراد به الشاذ الخارج على الإمام بمخالفة الأكثر على وجه يثير الفتنة وقوله وهو عن الاثنين أبعد أراد به الحث على طلب الرفيق في الطريق ولهذا قال عليه السلام والثلاثة ركب وقد قال بعضهم قول الأكثر حجة وليس بإجماع وهو متحكم بقوله أنه حجة إذ لا دليل عليه وقال بعضهم مرادي به أن اتباع الأكثر أولى قلنا هذا يستقيم في الأخبار وفي حق المقلد إذا لم يجد ترجيحا بين المجتهدين سوى الكثرة وأما المجتهد فعليه اتباع الدليل دون الأكثر لأنه إن خالفه واحد لم يلزمه اتباعه وإن انضم إليه مخالف آخر لم يلزمه الاتباع مسألة ( إجماع أهل المدينة عند مالك ) قالمالك الحجة في إجماع أهل المدينة فقط وقال قوم المعتبر إجماع أهل الحرمين مكة والمدينة والمصرين الكوفة والبصرة وما أراد المحصلون بهذا إلا أن هذه البقاع قد جمعت في زمن الصحابة أهل الحل والعقد فإن أراد مالك أن المدينة هي الجامعة لهم فمسلم له ذلك لو جمعت وعند ذلك لا يكون للمكان فيه تأثير وليس ذلك بمسلم بل لم تجمع المدينة جميع العلماء لا قبل الهجرة ولا بعدها بل ما زالوا متفرقين في الأسفار والغزوات والأمصار فلا وجه لكلام مالك إلا أن يقول عمل أهل المدينة حجة لأنهم الأكثرون والعبرة بقول الأكثرين وقد أفسدناه أو يقول يدل اتفاقهم في قول أو عمل أنهم استندوا إلى سماع قاطع فإن الوحي الناسخ نزل فيهم فلا تشذ عنهم مدارك الشريعة وهذا تحكم إذ لا يستحيل أن يسمع غيرهم حديثا من رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر أو في المدينة لكن يخرج منها قبل نقله فالحجة في الإجماع ولا إجماع وقد تكلف لمالك تأويلات ومعاذير استقصيناها في كتاب تهذيب الأصول ولا حاجة إليها هاهنا وربما احتجوا بثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة وعلى أهلها وذلك يدل على فضيلتهم وكثرة ثوابهم لسكناهم المدينة ولا يدل على تخصيص الإجماع بهم وقد قال قوم الحجة في اتفاق الخلفاء الأربعة وهو تحكم لا دليل عليه إلا ما تخيله جماعة في أن قول الصحابي حجة وسيأتي في موضعه مسألة ( هل يشترط التواتر في الإجماع )

Bagian V01/P147–V01/P148

اختلفوا في أنه هل يشترط أن يبلغ أهل الإجماع عدد التواتر أما من أخذه من دليل العقل واستحالة الخطأ بحكم العادة فيلزمه الاشتراط والذين أخذوه من السمع اختلفوا فمنهم من شرط ذلك لأنه إذا نقص عددهم فنحن لا نعلم إيمانهم بقولهم فضلا عن غيره وهذا فاسد من وجهين أحدهما أنه يعلم إيمانهم لا بقولهم لكن بقوله صلى الله عليه وسلم لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله وحتى يظهر الدجال فإذا لم يكن على وجه الأرض مسلم سواهم فهم على الحق الثاني أنا لم نتعبد بالباطن وإنما أمة محمد من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ظاهرا إذ لا وقوف على الباطن وإذا ظهر أنا متعبدون باتباعهم فيجوز أن يستدل بهذا على أنهم صادقون لأن الله تعالى لا يتعبدنا باتباع الكاذب وتعظيمه والاقتداء به فإن قيل كيف يتصور رجوع عدد المسلمين إلى ما دون عدد التواتر وذلك يؤدي إلى انقطاع التكليف فإن التكليف يدوم بدوام الحجة والحجة تقوم بخبر التواتر عن أعلام النبوة وعن وجود محمد صلى الله عليه وسلم وتحديه بالنبوة والكفار لا يقومون بنشر أعلام النبوة بل يجتهدون في طمسها والسلف من الأئمة مجمعون على دوام التكليف إلى القيامة وفي ضمنه الإجماع على استحالة اندراس الأعلام وفي نقصان عدد التواتر ما يؤدي إلى الاندراس وإذا لم يتصور وجود هذه الحادثة فكيف نخوض في حكمها قلنا يحتمل أن يقال ذلك ممتنع لهذه الأدلة وإنما معنى تصور هذه المسألة رجوع عدد أهل الحل والعقد إلى ما دون عدد التواتر وإن قطعنا بأن قول العوام لا يعتبر فتدوم أعلام الشرع بتواتر العوام ويحتمل أن يقال يتصور وقوعها والله تعالى يديم الأعلام بالتواتر الحاصل من جهة المسلمين والكفار فيتحدثون بوجود محمد صلى الله عليه وسلم ووجود معجزته وإن لم يعترفوا بكونها معجزة أو يخرق الله تعالى العادة فيحصل العلم بقول القليل حتى تدوم الحجة بل نقول قول القليل مع القرائن المعلومة في مناظرته وتسديده قد يحصل العلم من غير خرق عادة فبجميع هذه الوجوه يبقى الشرع محفوظا فإن قيل فإذا جاز أن يقل عدد أهل الحل والعقد فلو رجع إلى واحد فهل يكون مجرد قوله حجة قاطعة قلنا إن اعتبرنا موافقة العوام فإذا قال قولا وساعده عليه العوام ولم يخالفوه فيه فهو إجماع الأمة فيكون حجة إذ لو لم يكن لكان قد اجتمعت الأمة على الضلالة والخطأ وإن لم نلتفت إلى قول العوام فلم يوجد ما يتحقق به اسم الاجتماع والإجماع إذ يستدعي ذلك عددا بالضرورة حتى يسمى إجماعا ولا أقل من اثنين أو ثلاثة وهذا كله يتصور على مذهب من يعتبر إجماع من بعد الصحابة فأما من لا يقول إلا بإجماع الصحابة فلا يلزمه شيء من ذلك لأن الصحابة قد جاوز عددهم عدد التواتر مسألة ( مذهب الظاهرية )

Bagian V01/P148

ذهب داود وشيعته من أهل الظاهر إلى أنه لا حجة في إجماع من بعد الصحابة وهو فاسد لأن الأدلة الثلاثة على كون الإجماع حجة أعني الكتاب والسنة والعقل لا تفرق بين عصر وعصر فالتابعون إذا أجمعوا فهو إجماع من جميع الأمة ومن خالفهم فهو سالك غير سبيل المؤمنين ويستحيل بحكم العادة أن يشذ الحق عنهم مع كثرتهم عند من يأخذه من العادة ولهم شبهتان أضعفهما قولهم الاعتماد على الخبر والآية وهو قوله تعالى ويتبع غير سبيل المؤمنين النساء 115 يتناول الذين نعتوا بالإيمان وهم الموجودون وقت نزول الآية فإن المعدوم لا يوصف بالإيمان ولا يكون له سبيل وقوله عليه السلام لا تجتمع أمتي على الخطأ يتناول أمته الذين آمنوا به وتصور إجماعهم واختلافهم وهم الموجودون وهذا باطل إذ يلزم على مساقه أن لا ينعقد إجماع بعد موت سعد بن معاذ وحمزة ومن استشهد من المهاجرين والأنصار ممن كانوا موجودين عند نزول الآية فإن إجماع من وراءهم ليس إجماع جميع المؤمنين وكل الأمة ويلزم أن لا يعتد بخلاف من أسلم بعد نزول الآية وكملت آلته بعد ذلك وقد أجمعنا وإياهم والصحابة على أن موت واحد من الصحابة لا يحسم باب الإجماع بل إجماع الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم حجة بالاتفاق وكم من صحابي استشهد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية

Bagian V01/P148–V01/P150

الشبهة الثانية أن الواجب اتباع سبيل جميع المؤمنين وإجماع جميع الأمة وليس التابعون جميع الأمة فإن الصحابة وإن ماتوا لم يخرجوا بموتهم عن الأمة ولذلك لو خالف واحد من الصحابة إجماع التابعين لا يكون قول جميع الأمة ولا يحرم الأخذ بقول الصحابي فإذا كان خلاف بعض الصحابة يدفع إجماع التابعين فعدم وفاقهم أيضا يدفع لأنهم بالموت لم يخرجوا عن كونهم من الأمة قالوا وقياس هذا يقتضي أن لا يثبت وصف الكلية أيضا للصحابة بل ينتظر لحوق التابعين وموافقتهم من بعدهم إلى القيامة فإنهم كل الأمة لكن لو اعتبر ذلك لم ينتفع بالإجماع إلا في القيامة فثبت أن وصف الكلية إنما هو لمن دخل في الوجود دون من لم يدخل فلا سبيل إلى إخراج الصحابة من الجملة وعند ذلك لا يثبت وصف كلية الأمة للتابعين والجواب أنه كما بطل على القطع الالتفات إلى اللاحقين بطل الالتفات إلى الماضين ولولا ذلك لما تصور إجماع بعد موت واحد من المسلمين في زمان الصحابة والتابعين ولا بعد أن استشهد حمزة وقد اعترفوا بصحة إجماع الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد موت من مات بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس ذلك إلا لأن الماضي لا يعتبر والمستقبل لا ينتظر وأن وصف كلية الأمة حاصل لكل من الموجودين في كل وقت وأما إجماع التابعين على خلاف قول واحد من الصحابة فقد قال قوم يصير قول الصحابي مهجورا لأنهم كل الأمة وإن سلمنا وهو الصحيح فنقول إن اتفقوا على وفق قوله انعقد الإجماع إذ موافقته إن لم تقو الإجماع فلا تقدح فيه وإن أجمعوا على خلاف قوله فلا يصير ذلك القول عندنا مهجورا حتى يحرم على تابعي التابعين موافقته لأنه بعد أن أفتى في المسألة فليس فتوى التابعين فيها فتوى جميع الأمة بل فتوى البعض فإن قيل إن ثبت نعت الكلية للتابعين فليكن خلاف قولهم بعدهم حراما وإن قال به صحابي قبلهم وإن لم يكونوا كل الأمة فينبغي أن لا تقوم الحجة بإجماعهم ولا يحرم خلافهم إذ خلاف بعض الأمة ليس بحرام أما أن تكون كلية الأمة في شيء دون شيء فهذا متناقض وجمع بين النفي والإثبات قلنا ليس بمتناقض لأن الكلية إنما تثبت بالإضافة إلى المسألة التي خاضوا فيها فإذا نزلت مسألة بعد الصحابة فالتابعون فيها كل الأمة إذا أجمعوا فيها أما ما أفتى فيها الصحابي ففتواه ومذهبه لا ينقطع بموته وهذا كالصحابي إذا مات بعد الفتوى وأجمع الباقون على خلافه لا يكون ذلك إجماعا من الأمة ولو مات ثم نزلت واقعة بعده انعقد الإجماع على كل مذهب وتكون الكلية حاصلة بالإضافة فإن قيل إن كان في الأمة غائب لا ينعقد الإجماع دونه وإن لم يكن لذلك الغائب خبر من الواقعة ولا فتوى فيها لكن نقول لو كان حاضرا لكان له قول فيها فلا بد من موافقته فليكن الميت قبل التابعين كالغائب قلنا يبطل بالميت الأول من الصحابة فإن الإجماع انعقد دونه ولو كان غائبا لم ينعقد لأن الغائب في الحال ذو مذهب ورأي بالقوة فتمكن موافقته ومخالفته فيحتمل أن يوافق أو يخالف إذا عرضت المسألة عليه بخلاف الميت فإنه لا يتصور في حقه خلاف أو وفاق لا بالقوة ولا بالفعل بل المجنون والمريض الزائل العقل والطفل لا ينتظر لأنه بطل منه إمكان الوفاق والخلاف فإن قيل فما أجمع عليه التابعون يندفع بخلاف واحد من الصحابة إذا نقل فإن لم ينقل فلعله خالف ولكن لم ينقل إلينا فلا يستيقن إجماع كل الأمة قلنا يبطل بالميت الأول من الصحابة فإن إمكان خلافه لا يكون كحقيقة خلافه وهذا التحقيق وهو أنه لو فتح باب الاحتمال لبطلت الحجج إذ ما من حكم إلا ويتصور تقدير نسخه وانفراد الواحد بنقله وموته قبل أن ينقل إلينا فيبطل إجماع الصحابة لاحتمال أن واحدا منهم أضمر المخالفة وإنما أظهر الموافقة لسبب ويرد خبر الواحد لاحتمال أن يكون كاذبا وإذا عرف الإجماع وانقرض العصر أمكن رجوع واحد منهم قبل الموت وإن لم ينقل إلينا فيبطل الإجماع على مذهب من يشترط انقراض العصر فإن قيل إن الأصل عدم النسخ وعدم الرجوع قلنا والأصل عدم خوضه في الواقعة وعدم الخلاف والوفاق جميعا ومع أن الأصل العدم فالاحتمال لا ينتفي وإذا ثبت الاحتمال حصل الشك فيصير الإجماع غير مستيقن مع الشك ولكن يقال لا يندفع الإجماع بكل شك فإن قيل في مسألة تجويز النسخ وتجويز الرجوع شك بعد استيقان أصل الحجة وإنما الشك في دوامها وهاهنا الشك في أصل الإجماع لأن الإجماع موقوف على حصول نعت الكلية لهم ونعت الكلية موقوف على معرفة انتفاء الخلاف فإذا شككنا في انتفاء الخلاف شككنا في الكلية فشككنا في الإجماع قلنا لا بل نعت الكلية حاصل للتابعين وإنما ينتفي بمعرفة الخلاف فإذا لم يعرف بقيت الكلية وما ذكروه يضاهي قول القائل الحجة في نص مات الرسول عليه السلام قبل نسخه فإذا لم يعرف موته قبل نسخه شككنا في الحجة والحجة الإجماع المنقرض عليه العصر فإذا شككنا في الرجوع فقد شككنا في الحجة وكذلك القول في قول الميت الأول من الصحابة فإنا لا نقول صار كلية الباقين مشكوكا فيها هذا تمام الكلام في الركن الأول

Bagian V01/P150–V01/P151

الركن الثاني في نفس الإجماع ونعني به اتفاق فتاوى الأمة في المسألة في لحظة واحدة انقرض عليه العصر أو لم ينقرض أفتوا عن اجتهاد أو عن نص مهما كانت الفتوى نطقا صريحا وتمام النظر في هذا الركن ببيان أن السكوت ليس كالنطق وأن انقراض العصر ليس بشرط وأن الإجماع قد ينعقد عن اجتهاد فهذه ثلاث مسائل مسألة ( الإجماع السكوتي ) إذا أفتى بعض الصحابة بفتوى وسكت الآخرون لم ينعقد الإجماع ولا ينسب إلى ساكت قول وقال قوم إذا انتشر وسكتوا فسكوتهم كالنطق حتى يتم به الإجماع وشرط قوم انقراض العصر على السكوت وقال قوم هو حجة وليس بإجماع وقال قوم ليس بحجة ولا إجماع ولكنه دليل تجويزهم الاجتهاد في المسألة والمختار أنه ليس بإجماع ولا حجة ولا هو دليل على تجويز الاجتهاد في المسألة إلا إذا دلت قرائن الأحوال على أنهم سكتوا مضمرين الرضا وجواز الأخذ به عند السكوت والدليل عليه أن فتواه إنما تعلم بقوله الصريح الذي لا يتطرق إليه احتمال وتردد والسكوت متردد فقد يسكت من غير إضمار الرضا لسبعة أسباب الأول أن يكون في باطنه مانع من إظهار القول ونحن لا نطلع عليه وقد تظهر قرائن السخط عليه مع سكوته الثاني أن يسكت لأنه يراه قولا سائغا لمن أداه إليه اجتهاده وإن لم يكن هو موافقا عليه بل كان يعتقد خطأه الثالث أن يعتقد أن كل مجتهد مصيب فلا يرى الإنكار في المجتهدات أصلا ولا يرى الجواب إلا فرض كفاية فإذا كفاه من هو مصيب سكت وإن خالف اجتهاده الرابع أن يسكت وهو منكر لكن ينتظر فرصة الإنكار ولا يرى البدار مصلحة لعارض من العوارض ينتظر زواله ثم يموت قبل زوال ذلك العارض أو يشتغل عنه الخامس أن يعلم أنه لو أنكر لم يلتفت إليه وناله ذل وهوان كما قال ابن عباس في سكوته عن إنكار العول في حياة عمر كان رجلا مهيبا فهبته السادس أن يسكت لأنه متوقف في المسألة لأنه بعد في مهلة النظر السابع أن يسكت لظنه أن غيره قد كفاه الإنكار وأغناه عن الإظهار ثم يكون قد غلط فيه فترك الإنكار عن توهم إذا رأى الإنكار فرض كفاية وظن أنه قد كفى وهو مخطىء في وهمه فإن قيل لو كان فيه خلاف لظهر قلنا لو كان فيه وفاق لظهر فإن تصور عارض يمنع من ظهور الوفاق تصور مثله في ظهور الخلاف وبهذا يبطل قول الجبائي حيث شرط انقراض العصر في السكوت إذ من العوارض المذكورة ما يدوم إلى آخر العصر أما من قال هو حجة وإن لم يكن إجماعا فهو تحكم لأنه قول بعض الأمة والعصمة إنما تثبت للكل فقط فإن قيل نعلم قطعا أن التابعين كانوا إذا أشكل عليهم مسألة فنقل إليهم مذهب بعض الصحابة مع انتشاره وسكوت الباقين كانوا لا يجوزون العدول عنه فهو إجماع منهم على كونه حجة قلنا هذا إجماع غير مسلم بل لم يزل العلماء مختلفين في هذه المسألة ويعلم المحصلون أن السكوت متردد وأن قول بعض الأمة لا حجة فيه مسألة ( انعقاد الإجماع باتفاق الأمة )

Bagian V01/P151–V01/P152

إذا اتفقت كلمة الأمة ولو في لحظة انعقد الإجماع ووجبت عصمتهم عن الخطأ وقال قوم لا بد من انقراض العصر وموت الجميع وهذا فاسد لأن الحجة في اتفاقهم لا في موتهم وقد حصل قبل الموت فلا يزيده الموت تأكيدا وحجة الإجماع الآية والخبر وذلك لا يوجب اعتبار العصر فإن قيل ما داموا في الأحياء فرجوعهم متوقع وفتواهم غير مستقرة قلنا والكلام في رجوعهم فإنا لا نجوز الرجوع من جميعهم إذ يكون أحد الإجماعين خطأ وهو محال أما بعضهم فلا يحل له الرجوع لأنه برجوعه خالف إجماع الأمة التي وجبت عصمتها عن الخطأ نعم يمكن أن يقع الرجوع من بعضهم ويكون به عاصيا فاسقا والمعصية تجوز على بعض الأمة ولا تجوز على الجميع فإن قيل كيف يكون مخالفا للإجماع وبعد ما تم الإجماع وإنما يتم بانقراض العصر قلنا إن عنيتم به أنه لا يسمى إجماعا فهو بهت على اللغة والعرف وإن عنيتم أن حقيقته لم تتحقق فما حده وما الإجماع إلا اتفاق فتاويهم والاتفاق قد حصل وما بعد ذلك استدامة للاتفاق لا إتمام للاتفاق ثم نقول كيف يدعي ذلك ونحن نعلم أن التابعين في زمان بقاء أنس بن مالك وأواخر الصحابة كانوا يحتجون بإجماع الصحابة ولم يكن جواز الاحتجاج بالإجماع مؤقتا بموت آخر الصحابة ولهذا قال بعضهم يكفي موت الأكثر وهو تحكم آخر لا مستند له ثم نقول هذا يؤدي إلى تعذر الإجماع فإنه إن بقي واحد من الصحابة جاز للتابعي أن يخالف إذ لم يتم الإجماع وما دام واحد من عصر التابعين أيضا لا يستقر الإجماع منهم فيجوز لتابعي التابعين الخلاف وهذا خبط لا أصل له ولهم شبه الشبهة الأولى قولهم إنه ربما قال بعضهم ما قاله عن وهم وغلط فيتنبه له فكيف يحجر عليه في الرجوع عن الغلط وكيف يؤمن ذلك باتفاق يجري في ساعة واحدة قلنا وبأن يموت من أين يحصل أمان من غلطه وهل يؤمن من الغلط إلا دلالة النص على وجوب عصمة الأمة وأما إذا رجع وقال تبينت أني غلطت فنقول إنما يتوهم عليك الغلط إذا انفردت وأما ما قلته في موافقة الأمة فلا يحتمل الخطأ فإن قال تحققت أني قلت ما قلته عن دليل كذا وقد انكشف لي خلافه قطعا فنقول إنما أخطأت في الطريق لا في نفس المسألة بل موافقة الأمة تدل على أن الحكم حق وإن كنت في طريق الاستدلال مخطئا الشبهة الثانية إنهم ربما قالوا عن اجتهاد وظن ولا حجر على المجتهد إذا تغير اجتهاده أن يرجع وإذا جاز الرجوع دل أن الإجماع لم يتم قلنا لا حجر على المجتهد في الرجوع إذا انفرد باجتهاده أما ما وافق فيه اجتهاده اجتهاد الأمة فلا يجوز الخطأ فيه ويجب كونه حقا والرجوع عن الحق ممنوع الشبهة الثالثة أنه لو مات المخالف لم تصر المسألة إجماعا بموته والباقون هم كل الأمة لكنهم في بعض العصر فلذلك لا يصير مذهب المخالف مهجورا فإن كان العصر لا يعتبر فليبطل مذهب المخالف قلنا قال قوم يبطل مذهبه ويصير مهجروا لأن الباقين هم كل الأمة في ذلك الوقت وهو غير صحيح عندنا بل الصحيح أنهم ليسوا كل الأمة بالإضافة إلى تلك المسألة التي أفتى فيها الميت فإن فتواه لا ينقطع حكمها بموته وليس هذا للعصر فإنه جار في الصحابي الواحد إذا قال قولا وأجمع التابعون في جميع عصرهم على خلافه فقد بينا أنه لا يبطل مذهبه لأنهم ليسوا كل الأمة بالإضافة إلى هذه المسألة

Bagian V01/P152–V01/P153

الشبهة الرابعة ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال اجتمع رأيي ورأي عمر على منع بيع أمهات الأولاد وأنا الآن أرى بيعهن فقال عبيدة السلماني رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك في الفرقة قلنا لو صح إجماع الصحابة قاطبة لما كان هذا يدل من مذهب علي على اشتراط انقراض العصر ولو ذهب إلى هذا صريحا لم يجب تقليده كيف ولم يجتمع إلا رأيه ورأي عمر كما قال وأما قول عبيدة رأيك في الجماعة ما أراد به موافقة الجماعة إجماعا وإنما أراد به أن رأيك في زمان الألفة والجماعة والاتفاق والطاعة للإمام أحب إلينا من رأيك في الفتنة والفرقة وتفرق الكلمة وتطرق التهمة إلى علي في البراءة من الشيخين رضي الله عنهم فلا حجة فيما ليس صريحا في نفسه مسألة ( كيفية انعقاد الإجماع ) يجوز انعقاد الإجماع عن اجتهاد وقياس ويكون حجة وقال قوم الخلق الكثير لا يتصور اتفاقهم في مظنة الظن ولو تصور لكان حجة وإليه ذهب ابن جرير الطبري وقال قوم هو متصور وليس بحجة لأن القول بالاجتهاد يفتح باب الاجتهاد ولا يحرمه والمختار أنه متصور وأنه حجة وقولهم أن الخلق الكثير كيف يتفقون على حكم واحد في مظنة الظن قلنا هذا إنما يستنكر فيما يتساوى فيه الاحتمال وأما الظن الأغلب فيميل إليه كل واحد فأي بعد في أن يتفقوا على أن النبيذ في معنى الخمر في الاسكار فهو في معناه في التحريم كيف وأكثر الإجماعات مستندة إلى عمومات وظواهر وأخبار آحاد صحت عند المحدثين والاحتمال يتطرق إليها كيف وقد أجمعوا على التوحيد والنبوة وفيهما من الشبهة ما هو أعظم جذبا لأكثر الطباع من الاحتمال الذي في مقابلة الظن الأظهر وقد أجمعت على إبطال النبوة مذاهب باطلة ليس لها دليل قطعي ولا ظني فكيف لا يجوز الاتفاق على دليل ظاهر وظن غالب ويدل عليه جواز الاتفاق عن اجتهاد لا بطريق القياس كالاتفاق على جزاء الصيد ومقدار أرش الجناية وتقدير النفقة وعدالة الأئمة والقضاة وكل ذلك مظنون وإن لم يكن قياسا ولهم شبه الأولى قولهم كيف تتفق الأمة على اختلاف طباعها وتفاوت أفهامها في الذكاء والبلادة على مظنون قلنا إنما يمتنع مثل هذا الاتفاق في زمان واحد وساعة معينة لأنهم في مهلة النظر قد يختلفون أما في أزمنة متمادية فلا يبعد أن يسبق الأذكياء إلى الدلالة الظاهرة ويقررون ذلك عند ذوي البلادة فيقبلونه منهم ويساعدون عليه وأهل هذا المذهب قد جوزوا الإجماع على نفي القياس وإبطاله مع ظهور أدلة صحته فكيف يمتنع الإجماع على هذا الشبهة الثانية قولهم كيف تجتمع الأمة على قياس وأصل القياس مختلف فيه قلنا إنما يفرض ذلك من الصحابة وهم متفقون عليه والخلاف حدث بعدهم وإن فرض بعد حدوث الخلاف فيستند القائلون بالقياس إلى القياس والمنكرون له إلى اجتهاد ظنوا أنه ليس بقياس وهو على التحقيق قياس إذ قد يتوهم غير العموم عموما وغير الأمر أمرا وغير القياس قياسا وكذا عكسه الشبهة الثالثة قولهم إن الخطأ في الاجتهاد جائز فكيف تجتمع الأمة على ما يجوز فيه الخطأ وربما قالوا الإجماع منعقد على جواز مخالفة المجتهد فلو انعقد الإجماع عن قياس لحرمت المخالفة التي هي جائز بالإجماع ولتناقض الإجماعان قلنا إنما يجوز الخطأ في اجتهاد ينفرد به الآحاد أما اجتهاد الأمة المعصومة فلا يحتمل الخطأ كاجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقياسه فإنه لا يجوز خلافه لثبوت عصمته فكذا عصمة الأمة من غير فرق الباب الثالث في حكم الإجماع وحكمه وجوب الاتباع وتحريم المخالفة والامتناع عن كل ما ينسب الأمة إلى تضييع الحق والنظر فيما هو خرق ومخالفة وما ليس بمخالفة يتهذب برسم مسائل مسألة ( الإجماع على رأيين )

Bagian V01/P153–V01/P154

إذا اجتمعت الأمة في المسألة على قولين كحكمهم مثلا في الجارية المشتراة إذا وطئها المشتري ثم وجد بها عيبا فقد ذهب بعضهم إلى أنها ترد مع العقر وذهب بعضهم إلى منع الرد فلو اتفقوا على هذين المذهبين كان المصير إلى الرد مجانا خرقا للإجماع عند الجماهير إلا عند شذوذ من أهل الظاهر والشافعي إنما ذهب إلى الرد مجانا لأن الصحابة بجملتهم لم يخوضوا في المسألة وإنما نقل فيها مذهب بعضهم فلو خاضوا فيها بجملتهم واستقر رأي جميعهم على مذهبين لم يجز إحداث مذهب ثالث ودليله أنه يوجب نسبة الأمة إلى تضييع الحق إذ لا بد لمذهب الثالث من دليل ولا بد من نسبة الأمة إلى تضييعه والغفلة عنه وذلك محال ولهم شبه الشبهة الأولى قولهم إنهم خاضوا خوض مجتهدين ولم يصرحوا بتحريم قول ثالث قلنا وإذا اتفقوا على قول واحد عن اجتهاد فهو كذلك ولم يجز خلافهم لأنه يوجب نسبتهم إلى تضييح الحق والغفلة عن دليله فكذلك هاهنا الشبهة الثانية قولهم إنه لو استدل الصحابة بدليل أو علة لجاز الاستدلال بعلة أخرى لأنهم لم يصرحوا ببطلانها فكذلك القول الثالث لم يصرحوا ببطلانه قلنا فليجز خلافهم إذا اتفقوا عن اجتهاد إذ يجوز التعليل بعلة أخرى فيما اتفقوا عليه لكن الجواب أنه ليس من فرض دينهم الاطلاع على جميع الأدلة بل يكفيهم معرفة الحق بدليل واحد فليس في إحداث علة أخرى واستنباطها نسبة إلى تضييع الحق وفي مخالفتهم في الحكم إذا اتفقوا نسبة إلى التضييع فكذلك إذا اختلفوا على قولين الشبهة الثالثة إنه لو ذهب بعض الصحابة إلى أن اللمس والمس ينقضان الوضوء وبعضهم إلى أنهما لا ينقضان الوضوء ولم يفرق واحد بينهما فقال تابعي ينقض أحدهما دون الآخر كان هذا جائزا وإن كان قولا ثالثا قلنا لأن حكمه في كل مسألة يوافق مذهب طائفة وليس في المسألتين حكم واحد وليست التسوية مقصودة ولو قصدوها وقالوا لا فرق واتفقوا عليه لم يجز الفرق وإذا فرقوا بين المسألتين واتفقوا على الفرق قصدا امتنع الجمع أما إذا لم يجمعوا ولم يفرقوا فلا يلتئم حكم واحد من مسألتين بل نقول صريحا لا يخلو إنسان عن معصية وخطأ في مسألة فالأمة مجتمعة على المعصية والخطأ وكل ذلك ليس بمحال إنما يستحيل الخطأ بحيث يضيع الحق حتى لا يقوم به طائفة مع قوله عليه السلام لا تزال طائفة من أمتي على الحق فلهذا نقول يجوز أن تنقسم الأمة في مسألتين إلى فرقتين وتخطىء فرقة في مسألة والفرقة الأخرى تقوم بالحق فيها والقائمون بالحق يخطئون في المسألة الأخرى ويقوم بالحق فيها المخطئون في المسألة الأولى حتى يقول مثلا أحد شطري الأمة القياس ليس بحجة والخوارج مبطلون ويقول فريق آخر القياس حجة والخوارج محقون فيشملهم الخطأ ولكن في مسألتين فلا يكون الحق في مسألتين مضيعا بين الأمة في كل واحد منهما الشبهة الرابعة إن مسروقا أحدث في مسألة الحرام قولا ثالثا ولم ينكر عليه منكر قلنا لم يثبت استقرار كافة الصحابة على رأيين في مسألة الحرام بل ربما كان بعضهم فيها في مهلة النظر أو لم يخض فيها أو لعل مسروقا خالف الصحابة في ذلك الوقت ولم ينطق بوفاقهم وكان أهلا للاجتهاد في وقت وقوع هذه المسألة كيف ولم يصح هذا عن مسروق إلا بإخبار الآحاد فلا يدفع بها ما ذكرنا مسألة ( خلاف القليل للإجماع )

Bagian V01/P154–V01/P155

إذا خالف واحد من الأمة أو اثنان لم ينعقد الإجماع دونه فلو مات لم تصر المسألة إجماعا خلافا لبعضهم ودليلنا أن المحرم مخالفة الأمة كافة ومن ذهب إلى مذهب الميت بعد عصره لا يمكن أن يقال مذهبه خلاف كافة الأمة لأن الميت من الأمة لا ينقطع مذهبه بموته ولذلك يقال فلان وافق الشافعي أو خالفه وذلك بعد موت الشافعي فمذهب الميت لا يصير مهجورا بموته ولو صار مهجورا لصار مذهب الجميع كالمنعدم عند موتهم حتى يجوز لمن بعدهم أن يخالفهم فإن قيل فلو مات في مهلة النظر وهو بعد متوقف فماذا تقولون فيه قلنا نقطع في طرفين واضحين إحداهما أن يموت قبل الخوض في المسألة وقبل أن تعرض عليه فالباقون بعده كل الأمة وإن خاض وأفتى فالباقون بعض الأمة وإن مات في مهلة النظر فهذا محتمل فإنه كما لم يخالفهم لم يوافقهم أيضا بل المتوقف مخالف للجازم لكنه بصدد الموافقة فهذه المسألة محتملة عندنا والله أعلم مسألة ( إجماع التابعين على أحد قولي الصحابة ) إذا اتفق التابعون على أحد قولي الصحابة لم يصر القول الآخر مهجورا ولم يكن الذاهب إليه خارقا للإجماع خلافا للكرخي وجماعة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وكثير من القدرية كالجبائي وابنه لأنه ليس مخالفا لجميع الأمة فإن الذين ماتوا على ذلك المذهب هم من الأمة والتابعون في تلك المسألة بعض الأمة وإن كانوا كل الأمة فمذهبهم باختيار أحد القولين لايحرم القول الآخر فإن صرحوا بتحريم القول الآخر فنحن بين أمرين إما أن نقول هذا محال وقوعه لأنه يؤدي إلى تناقض الإجماعين إذ مضت الصحابة مصرحة بتجويز الخلاف وهؤلاء اتفقوا على تحريم ما سوغوه وإما أن نقول أن ذلك ممكن ولكنهم بعض الأمة في هذه المسألة والمعصية من بعض الأمة جائزة وإن كانوا كل الأمة في كل مسألة لم يخض الصحابة فيها لكن هذا يخالف قوله صلى الله عليه وسلم لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين إذ يكون الحق قد ضاع في هذا الزمان فلعل من يميل إلى هذا المذهب يجعل الحديث من أخبار الآحاد فإن قيل بم تنكرون على من يقول هذا إجماع يجب اتباعه وأما الصحابة فقد اتفقوا على قولين بشرط أن لا يعثر من بعدهم على دليل يعين الحق في أحدهما قلنا هذا تحكم واختراع عليهم فإنهم لم يشترطوا هذا الشرط والإجماع حجة قاطعة فلا يمكن الشرط في الحجة القاطعة إذ يتطرق الاحتمال إليه ويخرج عن كونه قاطعا ولو جاز هذا لجاز أن يقال إذا أجمعوا على قول واحد عن اجتهاد فقد اتفقوا بشرط أن لا يعثر من بعدهم على دليل يعين الحق في خلافه وقد مضت الصحابة متفقة على تسويغ كل واحد من القولين فلا يجوز خرق إجماعهم مسألة ( الرجوع إلى أحد الرأيين )

Bagian V01/P155–V01/P156

إذا اختلفت الأمة على قولين ثم رجوا إلى قول واحد صار ما اتفقوا عليه إجماعا قاطعا عند من شرط انقراض العصر ويخلص من الأشكال أما نحن إذا لم نشترط فالإجماع الأول ولو في لحظة قد تم على تسويغ الخلاف فإذا رجعوا إلى أحد القولين فلا يمكننا في هذه الصورة أن نقول هم بعض الأمة في هذه المسألة كما ذكرناه في اتفاق التابعين على أحد قولي الصحابة فيعظم الإشكال وطرق الخلاص عنه خمسة أحدها أن نقول هذا محال وقوعه وهو كفرض إجماعهم على شيء ثم رجوعهم بأجمعهم إلى خلافه أو اتفاق التابعين على خلافه والشارطون لانقراض العصر يتخذون هذه المسألة عمدة لهم ويقولون مثلا إذا اختلفوا في مسألة النكاح بلا ولي فمن ذهب إلى بطلانه جاز له أن يصر عليه فلم لا يجوز للآخرين أن يوافقوه مهما ظهر لهم دليل البطلان وكيف يحجز على المجتهد إذا تغير اجتهاده أن يوافق مخالفه قلنا هذا استبعاد محض ونحن نحيل ذلك لأنه يؤدي إلى تناقض الإجماعين فإن الإجماع الأول قد دل على تسويغ الخلاف وعلى إيجاب التقليد على كل عامي لمن شاء من المجتهدين ولا يكون الاتفاق على تسويغ ذلك إلا عن دليل قاطع أو كالقاطع في تجويزه وكيف يتصور رفعه وإحالة وقوع هذا التناقض في الإجماعين أقرب من التحكم باشتراط العصر ثم يبقى الإشكال في اتفاق التابعين بعد انقراض العصر الأول على اختلاف قولين ثم لا خلاف في أنه يجوز الرجوع إلى أحدهما في القطعيات كما رجعوا إلى قتال المانعين للزكاة بعد الخلاف وإلى أن الأئمة من قريش لأن كل فريق يؤثم مخالفه ولا يجوز مذهبه بخلاف المجتهدات فإن الخلاف فيها مقرون بتجويز الخلاف وتسويغ الأخذ بكل مذهب أدى إليه الاجتهاد من المذهبين والمخلص الثاني اشتراط انقراض العصر وهو مشكل فإن اشتراطه تحكم والمخلص الثالث اشتراط كون الإجماع مستندا إلى قاطع لا إلى قياس واجتهاد فإن من شرط هذا يقول لا يحصل من اختلافهم إجماع على جواز كل مذهب بل ذلك أيضا مستند إلى اجتهاد فإذا رجعوا إلى واحد فالنظر إلى ما اتفقوا عليه لتعين الحق بدليل قاطع في أحد المذهبين وهو مشكل لأنه لو فتح هذا الباب لم يكن التعلق بالإجماع إذ ما من إجماع إلا ويتصور أن يكون عن اجتهاد فإذا انقسم الإجماع إلى ما هو حجة وإلى ما ليس بحجة ولا فاصل سقط التمسك به وخرج عن كونه حجة فإنه إن ظهر لنا القاطع الذي هو مستندهم فيكون الحكم مستقلا بذلك القاطع ومستندا إليه لا إلى الإجماع ولأن قوله عليه السلام لا تجتمع أمتي على الخطأ لم يفرق بين إجماع وإجماع ولا يتخلص من هذا إلا من أنكر تصور الإجماع عن اجتهاد وعند ذلك يناقض آخر كلامه أوله حيث قال اتفاقهم على تسويغ الخلاف مستنده الاجتهاد المخلص الرابع أن يقال النظر إلى الاتفاق الأخير فأما في الابتداء فإنما جوز الخلاف بشرط أن لا ينعقد إجماع على تعيين الحق في واحد وهذا مشكل فإنه زيادة شرط في الإجماع والحجج القاطعة لا تقبل الشرط الذي يمكن أن يكون وأن لا يكون ولو جاز هذا لجاز أن يقال الإجماع الثاني ليس بحجة بل إنما يكون حجة بشرط أن لا يكون اتفاقا بعد اختلاف وهذا أولى لأنه يقطع عن الإجماع الشرط المحتمل

Bagian V01/P156–V01/P157

المخلص الخامس هذا وهو أن الأخير ليس بحجة ولا يحرم القول المهجور لأن الإجماع إنما يكون حجة بشرط أن لا يتقدم اختلاف فإذا تقدم لم يكن حجة وهذا أيضا مشكل لأن قوله عليه السلام لا تجتمع أمتي على الخطأ يحسم باب الشرط ويوجب كون كل إجماع حجة كيف ما كان فيكون كل واحد من الإجماعين حجة ويتناقض فلعل الأولى الطريق الأول وهو أن هذا لا يتصور لأنه يؤدي إلى التناقض وتصويره كتصوير رجوع أهل الإجماع عما أجمعوا عليه وكتصوير اتفاق التابعين على خلاف إجماع الصحابة وذلك مما يمتنع وقوعه بدليل السمع فكذلك هذا فإن قيل فإذا ذهب جميع الأمة من الصحابة إلى العول إلا ابن عباس وإلى منع بيع أمهات الأولاد إلا عليا فإذا ظهر لهما الدليل على العول وعلى منع البيع فلم يحرم عليهما الرجوع إلى موافقة سائر الأمة وكيف يستحيل أن يظهر لهما ما ظهر للأمة ومذهبكم يؤدي إلى هذه الإحالة عند سلوك الطريق الأول قلنا لا إشكال على الطريق الأول إلا هذا وسبيل قطعه أن يقال لا يحرم عليهما الرجوع لو ظهر لهما وجه ذلك ولكنا نقول يستحيل أن يظهر لهما وجه أو يرجعا لا لامتناعه في ذاته لكن لإفضائه إلى ما هو ممتنع سمعا والشيء تارة يمتنع لذاته وتارة لغيره كاتفاق التابعين على إبطال القياس وخبر الواحد فإنه محال لا لذاته لكن لإفضائه إلى تخطئة الصحابة أو تخطئة التابعين كافة وهو ممتنع سمعا والله أعلم مسألة ( ظهور حديث يخالف إجماع الصحابة ) فإن قال قائل إذا أجمعت الصحابة على حكم ثم ذكر واحد منهم حديثا على خلافه ورواه فإن رجعوا إليه كان الإجماع الأول باطلا وإن أصروا على خلاف الخبر فهو محال لا سيما في حق من يذكره تحقيقا وإذا رجع هو كان مخالفا للإجماع وإن لم يرجع كان مخالفا للخبر وهذا لا مخلص عنه إلا باعتبار انقراض العصر فليعتبر قلنا عنه مخلصان أحدهما أن هذا فرض محال فإن الله يعصم الأمة عن الإجماع على نقيض الخبر أو يعصم الراوي عن النسيان إلى أن يتم الإجماع الثاني أنا ننظر إلى أهل الإجماع فإن أصروا تبين أنه حق وأن الخبر إما أن يكون غلط فيه الراوي فسمعه من غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وظن أنه سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم أو تطرق إليه نسخ لم يسمعه الراوي وعرفه أهل الإجماع وإن لم ينكشف لنا فإن رجع الراوي كان مخطئا لأنه خالف الإجماع وهو حجة قاطعة وإن رجع أهل الإجماع إلى الخبر قلنا كان ما أجمعوا عليه حقا في ذلك الزمان إذ لم يكلفهم الله ما لم يبلغهم كما يكون الحكم المنسوخ حقا قبل بلوغ النسخ وكما لو تغير الاجتهاد أو يكون كل واحد من الرأيين حقا عند من صوب قول كل مجتهد فإن قيل فإن جاز هذا فلم لا يجوز أن يقال إذا أجمعت الأمة عن اجتهاد جاز لمن بعدهم الخلاف بل جاز لهم الرجوع فإن ما قالوه كان حقا ما دام ذلك الاجتهاد باقيا فإذا تغير تغير الفرض والكل حق لا سيما إذا اختلفوا عن اجتهاد ثم رجعوا إلى قول واحد وهلا قلتم إن ذلك جائز لأنهم كانوا يجوزون للذاهب إلى إنكار العول وبيع أم الولد القول به ما غلب ذلك على ظنه فإذا تغير ظنه تغير فرضه وحرم عليه ما كان سائغا له ولا يكون هذا رفعا للإجماع بل تجويزا للمصير إلى مذهب بشرط غلبة الظن فإذا تغير الظن لم يكن مجوزا ويكون هذا مخلصا سادسا في المسألة التي قبل هذه المسألة قلنا ما أجمعوا عليه عن اجتهاد لا يجوز خلافه بعده لا لأنه حق فقط لكن لأنه حق اجتمعت الأمة عليه وقد أجمعت الأمة على أن كل ما أجمعت الأمة عليه يحرم خلافه لا كالحق الذي يذهب إليه الآحاد وأما إذا اختلفوا عن اجتهاد فقد اتفقوا على جواز القول الثاني فيصير جواز المصير إليه أمرا متفقا عليه ولا يجوز أن يقيد بشرط بقاء الاجتهاد كما لو اتفقوا على قول واحد بالاجتهاد فإنه لا يشترط فيه أن لا يتغير الاجتهاد بل يحرم خلافه مطلقا من غير شرط فكذلك هذا فإن قيل فلو ظهر للتابعين ذلك الخبر على خلاف ما أجمعت الصحابة عليه ونقله إليهم من كان حاضرا عند إجماع أهل الحل والعقد ولم يكن الراوي من أهل الحل والعقد قلنا يحرم على التابعين موافقته ويجب عليه اتباع الإجماع القاطع فإن خبر الواحد يحتمل النسخ والسهو والإجماع لا يحتمل ذلك

Bagian V01/P157–V01/P158

مسألة ( هل يثبت الإجماع بخبر الواحد ) الإجماع لا يثبت بخبر الواحد خلافا لبعض الفقهاء والسر فيه أن الإجماع دليل قاطع يحكم به على الكتاب والسنة المتواترة وخبر الواحد لا يقطع به فكيف يثبت به قاطع وليس يستحيل التعبد به عقلا لو ورد كما ذكرناه في نسخ القرآن بخبر الواحد لكن لم يرد فإن قيل فليثبت في حق وجوب العمل به إن لم يكن العمل به مخالفا لكتاب ولا سنة متواترة إذ الإجماع كالنص في وجوب العمل والعمل بما ينقله الراوي من النص واجب وإن لم يحصل القطع به لصحة النص فكذا الإجماع قلنا إنما يثبت العمل بخبر الواحد اقتداء بالصحابة وإجماعهم عليه وذلك فيما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ما روي عن الأمة من اتفاق أو إجماع فلم يثبت فيه نقل وإجماع ولو أثبتناه لكان ذلك بالقياس ولم يثبت لنا صحة القياس في إثبات أصول الشريعة هذا هو الأظهر ولسنا نقطع ببطلان مذهب من يتمسك به في حق العمل خاصة والله أعلم مسألة ( ليست من الإجماع الأخذ بالأقل ) الأخذ بأقل ما قيل ليس تمسكا بالإجماع خلافا لبعض الفقهاء ومثاله إن الناس اختلفوا في دية اليهودي فقيل إنها مثل دية المسلم وقيل إنها مثل نصفها وقيل إنها ثلثها فأخذ الشافعي بالثلث الذي هو الأقل وظن ظانون أنه تمسك بالإجماع وهو سوء ظن بالشافعي رحمه الله فإن المجمع عليه وجوب هذا القدر فلا مخالف فيه وإنما المختلف فيه سقوط الزيادة ولا إجماع فيه بل لو كان الإجماع على الثلث إجماعا على سقوط الزيادة لكان موجب الزيادة خارقا للإجماع ولكان مذهبه باطلا على القطع لكن الشافعي أوجب ما أجمعوا عليه وبحث عن مدارك الأدلة فلم يصح عنده دليل على إيجاب الزيادة فرجع إلى استصحاب الحال في البراءة الأصلية التي يدل عليها العقل فهو تمسك بالاستصحاب ودليل العقل لا بدليل الإجماع كما سيأتي معناه إن شاء الله تعالى وهذا تمام الكلام في الإجماع الذي هو الأصل الثالث الأصل الرابع دليل العقل والاستصحاب اعلم أن الأحكام السمعية لا تدرك بالعقل لكن دل العقل على براءة الذمة عن الواجبات وسقوط الحرج عن الخلق في الحركات والسكنات قبل بعثة الرسل عليهم السلام وتأييدهم بالمعجزات وانتفاء الأحكام معلوم بدليل العقل قبل ورود السمع ونحن على استصحاب ذلك إلى أن يرد السمع فإذا ورد نبي وأوجب خمس صلوات فتبقى الصلاة السادسة غير واجبة لا بتصريح النبي بنفيها لكن كان وجوبها منتفيا إذ لا مثبت للوجوب فبقي على النفي الأصلي لأن نطقه بالإيجاب قاصر على الخمسة فبقي على النفي في حق السادسة وكأن السمع لم يرد وكذلك إذا أوجب صوم رمضان بقي صوم شوال على النفي الأصلي وإذا أوجب عبادة في وقت بقيت الذمة بعد انقضاء الوقت على البراءة الأصلية وإذا أوجب على القادر بقي العاجز على ما كان عليه فإذا النظر في الأحكام إما أن يكون في إثباتها أو في نفيها أما إثباتها فالعقل قاصر عن الدلالة عليه وأم النفي فالعقل قد دل عليه إلى أن يرد الدليل السمعي بالمعنى الناقل من النفي الأصلي فانتهض دليلا على أحد الشطرين وهو النفي فإن قيل إذا كان العقل دليلا بشرط أن لا يرد سمع فبعد بعثة الرسل ووضع الشرع لا يعلم نفي السمع فلا يكون انتفاء الحكم معلوما ومنتهاكم عدم العلم بورود السمع وعدم العلم لا يكون حجة قلنا انتفاء الدليل السمعي قد يعلم وقد يظن فإنا نعلم أنه لا دليل على وجوب صوم شوال ولا على وجوب صلاة سادسة إذ نعلم أنه لو كان لنقل وانتشر ولما خفي على جميع الأمة وهذا علم بعدم الدليل وليس هو عدم العلم بالدليل فإن عدم العلم بالدليل ليس بحجة والعلم بعدم الدليل حجة