Qur'an&Sunnah

Gazâlî — el-Müstasfâ (usûlü'l-fıkh)

Bagian V01/P158–V01/P159

أما الظن فالمجتهد إذا بحث عن مدارك الأدلة في وجوب الوتر والأضحية وأمثالهما فرآها ضعيفة ولم يظهر له دليل مع شدة بحثه وعنايته بالبحث غلب على ظنه انتفاء الدليل فنزل ذلك منزلة العلم في حق العمل لأنه ظن استند إلى بحث واجتهاد وهو غاية الواجب على المجتهد فإن قيل ولم يستحيل أن يكون واجبا ولا يكون عليه دليل أو يكون عليه دليل لم يبلغنا قلنا أما إيجاب ما لا دليل عليه فمحال لأنه تكليف بما لا يطاق ولذلك نفينا الأحكام قبل ورود السمع وأما إن كان عليه دليل ولم يبلغنا فليس دليلا في حقنا إذ لا تكليف علينا إلا فيما بلغنا فإن قيل فيقدر كل عامي أن ينفي مستندا إلى أنه لم يبلغه الدليل قلنا هذا إنما يجوز للباحث المجتهد المطلع على مدارك الأدلة القادر على الاستقصاء كالذي يقدر على التردد في بيته لطلب متاع إذا فتش وبالغ أمكنه أن يقطع بنفي المتاع أو يدعي غلبة الظن أما الأعمى الذي لا يعرف البيت ولا يبصر ما فيه فليس له أن يدعي نفي المتاع من البيت فإن قيل وهل للاستصحاب معنى سوى ما ذكرتموه قلنا يطلق الاستصحاب على أربعة أوجه يصح ثلاثة منها الأول ما ذكرناه والثاني استصحاب العموم إلى أن يرد تخصيص واستصحاب النص إلى أن يرد نسخ أما العموم فهو دليل عند القائلين به وأما النص فهو دليل على دوام الحكم بشرط أن لا يرد نسخ كما دل العقل على البراءة الأصلية بشرط أن لا يرد سمع مغير الثالث استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه كالملك عند جريان العقد المملك وكشغل الذمة عند جريان إتلاف أو التزام فإن هذا وإن لم يكن حكما أصليا فهو حكم شرعي دل الشرع على ثبوته ودوامه جميعا ولولا دلالة الشرع على دوامه إلى حصول براءة الذمة لما جاز استصحابه فالاستصحاب ليس بحجة إلا فيما دل الدليل على ثبوته ودوامه بشرط عدم المغير كما دل على البراءة العقل وعلى الشغل السمعي وعلى الملك الشرعي ومن هذا القبيل الحكم بتكرر اللزوم والوجوب إذا تكررت أسبابها كتكرر شهر رمضان وأوقات الصلوات ونفقات الأقارب عند تكرر الحاجات إذا أفهم انتصاب هذه المعاني أسبابا لهذه الأحكام من أدلة الشرع إما بمجرد العموم عند القائلين به أو بالعموم وجملة من القرائن عند الجميع وتلك القرائن تكريرات وتأكيدات وإمارات عرف حملة الشريعة قصد الشارع إلى نصبها أسبابا إذا لم يمنع مانع فلولا دلالة الدليل على كونها أسبابا لم يجز استصحابها فإذن الاستصحاب عبارة عن التمسك بدليل عقلي أو شرعي وليس راجعا إلى عدم العلم بالدليل بل إلى دليل مع العلم بانتفاء المغير أو مع ظن انتفاء المغير عند بذل الجهد في البحث والطلب الرابع استصحاب الإجماع في محل الخلاف وهو غير صحيح ولنرسم فيه وفي افتقار النافي إلى دليل مسألتين مسألة ( استصحاب الإجماع )

Bagian V01/P159–V01/P160

لا حجة في استصحاب الإجماع في محل الخلاف خلافا لبعض الفقهاء ومثاله المتيمم إذا رأى الماء في خلال الصلاة مضى في الصلاة لأن الإجماع منعقد على صحة صلاته ودوامها فطريان وجود الماء كطريان هبوب الريح وطلوع الفجر وسائر الحوادث فنحن نستصحب دوام الصلاة إلى أن يدل دليل على كون رؤية الماء قاطعا للصلاة وهذا فاسد لأن هذا المستصحب لا يخلو إما أن يقر بأنه لم يقم دليلا في المسألة لكن قال أنا ناف ولا دليل على النافي وأما أن يظن أنه أقام دليلا فإن أقر بأنه لم يدل فسنبين وجوب الدليل على النافي وإن ظن أنه أقام دليلا فقد أخطأ فإنا نقول إنما يستدام الحكم الذي دل الدليل على دوامه فالدليل على دوام الصلاة ههنا لفظ الشارع أو إجماع فإن كان لفظا فلا بد من بيان لذلك اللفظ فلعله يدل على دوامها عند العدم لا عند الوجود فإن دل بعمومه على دوامها عند العدم والوجود جميعا كان ذلك تمسكا بعموم عند القائلين به فيجب إظهار دليل التخصيص وإن كان ذلك بإجماع فالإجماع منعقد على دوام الصلاة عند العدم أما حال الوجود فهو مختلف فيه ولا إجماع مع الخلاف ولو كان الإجماع شاملا حال الوجود لكان المخالف خارقا للإجماع كما أن المخالف في انقطاع الصلاة عند هبوب الرياح وطلوع الفجر خارق للإجماع لأن الإجماع لم ينعقد مشروطا بعدم الهبوب وانعقد مشروطا بعدم الماء فإذا وجد فلا إجماع فيجب أن يقاس حال الوجود على حال العدم المجمع عليه بعلة جامعة فأما أن يستصحب الإجماع عند انتفاء الإجماع فهو محال وهذا كما أن العقل دل على البراءة الأصلية بشرط أن لا يدل دليل السمع فلا يبقى له دلالة مع وجود دليل السمع وههنا انعقد الإجماع بشرط العدم وانتفى الإجماع عند الوجوب أيضا فهذه الدقيقة وهي أن كل دليل يضاد نفس الخلاف فلا يمكن استصحابه مع الخلاف والإجماع يضاده نفس الخلاف إذ لا إجماع مع الخلاف بخلاف العموم والنص ودليل العقل فإن الخلاف لا يضاده فإن المخالف مقر بأن العموم مقر بأن العموم تناول بصيغته محل الخلاف إذ قوله صلى الله عليه وسلم لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل شامل بصيغته صوم رمضان مع خلاف الخصم فيه فيقول أسلم شمول الصيغة لكني أخصصه بدليل فعليه الدليل وهاهنا المخالف لا يسلم شمول الإجماع محل الخلاف إذ يستحيل الإجماع مع الخلاف ولا يستحيل شمول الصيغة مع الدليل فهذه الدقيقة لا بد من التنبه لها فإن قيل الإجماع يحرم الخلاف فكيف يرتفع بالخلاف قلنا هذا الخلاف غير محرم بالإجماع وإنما لم يكن المخالف خارقا للإجماع لأن الإجماع إنما انعقد على حالة العدم لا على حالة الوجود فمن ألحق الوجود بالعدم فعليه الدليل فإن قيل فالدليل الدال على صحة الشروع دال على دوامه إلى أن يقوم دليل على انقطاعه قلنا فلينظر في ذلك الدليل أهو عموم أو نص يتناول حالة الوجود أم لا فإن كان هو الإجماع مشروط بالعدم فلا يكون دليلا عند الوجود فإن قيل بم تنكرون على من يقول الأصل أن كل ما ثبت دام إلى وجود قاطع فلا يحتاج الدوام إلى دليل في نفسه بل الثبوت هو الذي يحتاج إلى الدليل كما أنه إذا ثبت موت زيد وثبت بناء دار أو بلد كان دوامه بنفسه لا بسبب قلنا هذا وهم باطل لأن كل ما ثبت جاز أن يدوم فلا بد لدوامه من سبب ودليل سوى دليل الثبوت ولولا دليل العادة على أن من مات لا يحيا والدار إذا بنيت لا تنهدم ما لم تهدم أو يطول الزمان لما عرفنا دوامه بمجرد ثبوته كما إذا أخبر عن قعود الأمير وأكله ودخوله الدار ولم تدل العادة على دوام هذه الأحوال فإنا لا نقضي بدوام هذه الأحوال أصلا فكذلك خبر الشرع عن دوام الصلاة مع عدم الماء ليس خبرا عن دوامها مع الوجود فيفتقر دوامها إلى دليل آخر

Bagian V01/P160–V01/P161

فإن قيل ليس هو مأمورا بالشروع فقط بل بالشروع مع الإتمام قلنا نعم هو مأمور بالشروع مع العدم وبالإتمام مع العدم أما مع وجود فهو محل الخلاف فما الدليل على أنه مأمور في حالة الوجود بالإتمام فإن قيل لأنه منهي عن إبطال العمل وفي استعمال الماء إبطال العمل قلنا هذا الأمر إنجرار إلى ما جررناكم إليه وانقياد للحاجة إلى الدليل وهذا الدليل وإن كان ضعيفا فبيان ضعفه ليس من حظ الأصولي ثم هو ضعيف لأنه إن أردتم بالبطلان إحباط ثوابه فلا نسلم أنه لا يثاب على فعله وإن أردتم أنه أوجب عليه مثله فليس الصحة عبارة عما لا يجب فعل مثله على ما قررناه من قبل فإن قيل الأصل أنه لا يجب شيء بالشك ووجوب استئناف الصلاة مشكوك فيه فلا يرتفع به اليقين قلنا هذا يعارضه أن وجوب المضي في هذه الصلاة مشكوك فيه وبراءة الذمة بهذه الصلاة مع وجود الماء مشكوك فيه فلا يرتفع به اليقين ثم نقول من يوجب الاستئناف يوجبه بدليل يغلب على الظن كما يرفع البراءة الأصلية بدليل يغلب على الظن كيف واليقين قد يرفع بالشك في بعض المواضع فالمسائل فيه متعارضة وذلك إذا اشتبهت ميتة بمذكاة ورضيعة بأجنبية وماء طاهر بماء نجس ومن نسي صلاة من خمس صلوات احتجوا بأن الله تعالى صوب الكفار في مطالبتهم للرسل بالبرهان حين قال تعالى تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين إبراهيم 10 فقد اشتغل الناس بالبراهين المغيرة للاستصحاب قلنا لأنهم لم يستصحبوا الإجماع بل النفي الأصلي الذي دل العقل عليه إذ الأصل في فطرة الآدمي أن لا يكون نبيا وإنما يعرف ذلك بآيات وعلامات فهم مصيبون في طلب البرهان ومخطئون في المقام على دين آبائهم بمجرد الجهل من غير برهان مسألة ( النافي هل عليه دليل ) اختلفوا في أن النافي هل عليه دليل فقال قوم لا دليل عليه وقال قوم لا بد من الدليل وفرق فريق ثالث بين العقليات والشرعيات فأوجبوا الدليل في العقليات دون الشرعيات والمختار أن ما ليس بضروري فلا يعرف إلا بدليل والنفي فيه كالإثبات وتحقيقه أن يقال للنافي ما ادعيت نفيه عرفت انتفاءه أو أنت شاك فيه فإن أقر بالشك فلا يطالب الشاك بالدليل فإنه يعترف بالجهل وعدم المعرفة وإن قال أنا متيقن للنفي قيل يقينك هذا حصل عن ضرورة أو عن دليل ولا تعد معرفة النفي ضرورة فإنا نعلم أنا لسنا في لجة بحر أو على جناح نسر وليس بين أيدينا نيل ولا تعد معرفة النفي ضرورة وإن لم يعرفه ضرورة فإنما عرفه عن تقليد أو عن نظر فالتقليد لا يفيد العلم فإن الخطأ جائز على المقلد والمقلد معترف بعمى نفسه وإنما يدعي البصيرة لغيره وإن كان عن نظر فلا بد من بيانه فهذا أصل الدليل ويتأيد بلزوم إشكالين بشعين على إسقاط الدليل عن النافي وهو أن لا يجب الدليل على نافي حدوث العالم ونافي الصانع ونافي حدوث العالم ونافي الصانع ونافي النبوات ونافي تحريم الزنا والخمر والميتة ونكاح المحارم وهو محال والثاني أن الدليل إذا سقط عن هؤلاء لم يعجز أن يعبر المثبت عن مقصود إثباته بالنفي فيقول بدل قوله محدث إنه ليس بقديم وبدل قوله قادر إنه ليس بعاجز وما يجري مجراه

Bagian V01/P161–V01/P162

ولهم في المسألة شبهتان الشبهة الأولى قولهم أنه لا دليل على المدعى عليه بالدين لأنه ناف والجواب من أربعة أوجه ( الأول ) أن ذلك ليس لكونه نافيا ولا لدلالة العقل على سقوط الدليل عن النافي بل ذلك بحكم الشرع لقوله صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على من أنكر ولا يجوز أن يقاس عليه غيره لأن الشرع إنما قضى به للضرورة إذ لا سبيل إلى إقامة دليل على النفي فإن ذلك إنما يعرف بأن يلازمه عدد التواتر من أول وجوده إلى وقت الدعوى فيعلم انتفاء سبب اللزوم قولا وفعلا بمراقبة اللحظات فكيف يكلف إقامة البرهان على ما يستحيل إقامة البرهان عليه بل المدعي أيضا لا دليل عليه لأن قول الشاهدين لا يحصل المعرفة بل الظن بجريان سبب اللزوم من إتلاف أو دين وذلك في الماضي أما في الحال فلا يعلم الشاهد شغل الذمة فإنه يجوز براءتها بأداء أو إبراء ولا سبيل للخلق إلى معرفة شغل الذمة وبراءتها إلا بقول الله تعالى وقول الرسول المعصوم ولا ينبغي أن يظن أن على المدعي أيضا دليلا فإن قول الشاهد إنما صار دليلا بحكم الشرع فإن جاز ذلك فيمين المدعى عليه أيضا لازم فليكن ذلك دليلا ( والجواب الثاني ) أن المدعى عليه يدعي علم الضرورة ببراءة ذمة نفسه إذ يتيقن أنه لم يتلف ولم يلتزم ويعجز الخلق كلهم من معرفته فإنه لا يعرفه إلا الله تعالى فالنافي في العقليات إن ادعى معرفة إن ادعى معرفة النفي ضرورة فهو محال وإن أقر بأنه مختص بمعرفته اختصاصا لا يمكن أن يشاركه فيه إلا الله فعند ذلك لا يطالب بالدليل وكذلك أنه إذا أخبر عن نفسه بنفي الجوع ونفي الخوف وما جرى مجراه وعند ذلك يستوي الإثبات والنفي فإنه لو ادعى وجود الجوع والخوف كان ذلك معلوما له ضرورة ويعسر على غيره معرفته والعقليات مشتركة النفي منها والإثبات والمحسوسات أيضا يستوي فيها النفي والإثبات ( الثالث ) أن النافي في مجلس الحكم عليه دليل وهي اليمين كما على المدعي دليل وهو البينة وهذا ضعيف إذ اليمين يجوز أن تكون فاجرة فأي دلالة لها من حيث العقل لولا حكم الشرع نعم هو كالبينة فإن قول الشاهدين أيضا يجوز أن يكون غلطا وزورا فاستعماله من هذا الوجه صحيح كما سبق أو يقال كما وجب على النافي في مجلس القضاء أن يعضد جانبه بزيادة على دعوى النفي فليجب ذلك في الأحكام فهذا أيضا له وجه ( الرابع ) أن يد المدعى عليه دليل على نفي ملك المدعي وهو ضعيف لأن اليد تسقط دعوى المدعي شرعا وإلا فاليد قد تكون عن غصب وعارية فأي دلالة لها ( الشبهة الثانية ) وهي أنه كيف يكلف الدليل على النفي وهو متعذر كإقامة الدليل على براءة الذمة فنقول تعذره غير مسلم فإن النزاع إما في العقليات وإما في الشرعيات أما العقليات فيمكن أن يدل على نفيها بأن إثباتها يفضي إلى المحال وما أفضى إلى المحال فهو محال لقوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا الأنبياء 22 ومعلوم أنهما لم تفسدا فدل ذلك على نفي الثاني ويمكن إثباته بالقياس الشرطي الذي سميناه في المقدمة طريق التلازم فإن كل إثبات له لوازم فانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم وكذلك المتحدي ليس نبيا إذ لو كان نبيا لكان معه معجزة إذ تكليف المحال محال فهذا طريق وهو الصحيح

Bagian V01/P162–V01/P163

الطريق الثاني أن يقال للمثبت لو ثبت ما ادعيته لعلم ذلك بضرورة أو دليل ولا ضرورة مع الخلاف ولا دليل فيدل ذلك على الانتفاء وهذا فاسد فإنه ينقلب على النافي فيقال له لو انتفى الحكم لعلم انتفاؤه بضرورة أو بدليل ولا ضرورة ولا دليل ولا يمكنه أن يتمسك بالاستصحاب بأن يقول مثلا الأصل عدم إله ثان فمن ادعاه فعليه الدليل إذ لا يسلم له أن الأصل العدم بخلاف البراءة الأصلية فإن العقل قد دل على نفي الحكم قبل السمع من حيث دل على أن الحكم هو التكليف والخطاب من الله تعالى وتكليف المحال محال ولو كلفناه من غير رسول مصدق بالمعجزة يبلغ إلينا تكليفه كان ذلك تكليف محال فاستندت البراءة الأصلية إلى دليل عقلي بخلاف عدم الإله الثاني وأما قولهم لو ثبت إله ثان لكان لله تعالى عليه دليل فهو تحكم من وجهين ( أحدهما ) أنه يجوز أن لا ينصب الله تعالى على بعض الأشياء دليلا ويستأثر بعلمه ( الثاني ) إنه يجوز أن ينصب عليه دليلا ونحن لا نتنبه له ويتنبه له بعض الخواص أو بعض الأنبياء ومن خصص بحاسة سادسة وذوق أخر بل الذي يقطع به أن الأنبياء يدركون أمورا نحن لا ندركها وأن في مقدورات الله أمورا ليس في قوة البشر معرفتها ويجوز أن يكون لله تعالى صفات لا تدرك بهذه الحواس ولا بهذا العقل بل بحاسة سادسة أو سابعة بل لا يستحيل أن تكون اليدوالوجه عبارة عن صفات لا نفهمها ولا دليل عليها ولو لم يرد السمع بها لكان نفيها خطأ فلعل من الصفات من هذا القبيل ما لم يرد السمع بالتعبير عنه ولا فينا قوة إدراكها بل لو لم يخلق لنا السمع لأنكرنا الأصوات ولم نفهمها ولو لم يخلق لنا ذوق الشعر لأنكرنا تفرقة صاحب العروض بين الموزون وغير الموزون فما يدرينا أن في قدرة الله تعالى أنواعا من الحواس لو خلقها لنا لأدركنا بها أمورا أخر نحن ننفيها فكان هذا إنكارا بالجهل ورميا في العماية أما الشرعيات فقد تصادف الدليل عليها من الإجماع كنفي وجوب صوم شوال وصلاة الضحى أو النص كقوله صلى الله عليه وسلم لا زكاة في الحلى ولا زكاة في المعلوفة أو من القياس كقياس الخضراوات على الرمان والبطيخ المنصوص على نفي الزكاة عنه كقول الراوي لا زكاة في الرمان والبطيخ بل هو عفو عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لا يساعد مثل هذا الدليل فنبحث عن مدارك الإثبات فإذا لم نجد رجعنا إلى الاستصحاب للنفي الأصلي الثابت بدليل العقل وهو دليل عند عدم ورود السمع وحيث أوردنا في تصانيف الخلاف أن النافي لا دليل عليه أردنا به أنه ليس عليه دليل سمعي إذ يكفيه استصحاب البراءة الأصلية التي كنا نحكم بها لولا بعثة الرسول وورود السمع فإن قيل دليل العقل مشروط بانتفاء السمع وانتفاء السمع غير معلوم وعدم العلم به لا يدل على عدمه ولا سبيل إلى دعوى العلم بانتفائه فإن ذلك لا يعلم قلنا قد بينا أن انتفاءه تارة يعلم كما في انتفاء وجوب صوم شوال وصلاة الضحى وتارة يظن بأن يبحث من هو من أهل البحث عن مدارك الشرع والظن فيه كالعلم لأنه صادر عن اجتهاد إذ قد يقول لو كان لوجدته فإذا لم أجده مع شدة بحثي دل على أنه ليس بكائن كطالب المتاع في البيت إذا استقصى فإن قيل أليس للاستقصاء غاية محدودة بل للبحث بداية ووسط ونهاية فمتى يحل له أن ينفي الدليل السمعي المغير قلنا مهما رجع رجع إلى نفسه فعلم أنه بذل غاية وسعه في الطلب كطالب المتاع في البيت فإن قيل البيت محصور وطلب اليقين فيه ممكن ومدارك الشرع غير محصورة فإن الكتاب وإن كان محصورا فالأخبار غير محصورة وربما كان راوي الحديث مجهولا قلنا إن كان ذلك في ابتداء الإسلام قبل انتشار الأخبار ففرض كل مجتهد ما هو جهد رأيه إلى أن يبلغه الخبر وإن كان بعد أن رويت الأخبار وصنفت الصحاح فما دخل فيها محصور عند أهلها وقد انتهى إلى المجتهدين وأوردوها في مسائل الخلاف

Bagian V01/P163–V01/P165

وعلى الجملة فدلالة العقل على النفي الأصلي مشروطة بنفي المغير كما أن دلالة العموم مشروطة بنفي المخصص وكل واحد من المخصص والمغير تارة يعلم انتفاؤه وتارة يظن وكل واحد دليل في الشرع هذا تمام الكلام في الأصل الرابع وهو منتهى الكلام في القطب الثاني المشتمل على أصول الأدلة المثمرة التي هي الكتاب والسنة والإجماع والعقل خاتمة لهذا القطب ببيان أن ثم ما يظن أنه من أصول الأدلة وليس منها وهو أيضا أربعة شرع من قبلنا وقول الصحابي والاستحسان والاستصلاح فهذه أيضا لا بد من شرحها الأصل الأول من الأصول الموهومة شرع من قبلنا من الأنبياء فيما لم يصرح شرعنا بنسخه ونقدم على هذا الأصل مسألة وهي أنه صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه هل كان متعبدا بشرع أحد من الأنبياء منهم من قال لم يكن متعبدا ومنهم من قال كان متعبدا ثم منهم من نسبه إلى نوح عليه السلام وقوم نسبوه إلى إبراهيم عليه السلام وقوم نسبوه إلى موسى وقوم إلى عيسى عليهما السلام والمختار أن جميع هذه الأقسام جائز عقلا لكن الواقع منه غير معلوم بطريق قاطع ورجم الظن فيما لا يتعلق به الآن تعبد عملي لا معنى له فإن قيل الدليل القاطع على أنه لم يكن على ملة أنه لو كان لافتخر به أولئك القوم ونسبوه إلى أنفسهم ولكان يشتهر تلبسه بشعارهم وتتوفر الدواعي على نقله قلنا هذا يعارضه أنه لو كان منسلخا عن التكليف والتعبد بالشرائع لظهر مخالفته أصناف الخلق وتوفرت الدواعي على نقله ويشبه أن يكون اختفاء حاله قبل البعث معجزة خارقة للعادة وذلك من عجائب أموروه وللمخالف شبهتان الأولي أن موسى وعيسى دعوا إلى دينهما كافة المكلفين من عباد الله تعالى فكان هو داخلا تحت العموم وهذا باطل من وجهين أحدهما أنه لم ينقل إلينا على التواتر عنهما عموم صيغة حتى ننظر في فحواه فلا مستند لهذه الدعوى إلا المقايسة بدين نبينا صلى الله عليه وسلم والمقايسة في مثل هذا باطل وإن كان عموم فلعله استثنى عنه من ينسخ شريعتهما الثاني أنه ربما كان زمانه زمان فترة الشرائع واندراسها وتعذر القيام بها ولأجله بعث صلى الله عليه وسلم فمن أين يعلم قيام الحجة على تفصيل شريعتهما الثانية من شبههم أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي ويحج ويعتمر ويتصدق ويذبح الحيوان ويجتنب الميتة وذلك لا يرشد إليه العقل قلنا هذا فاسد من وجهين ( أحدهما ) أن شيئا من ذلك لم يتواتر بنقل مقطوع به ولا سبيل إلى إثباته بالظن ( الثاني ) أنه ربما ذبح الحيوان بناء على أنه لا تحريم إلا بالسمع ولا حكم قبل ورود الشرع وترك الميتة عيافة بالطبع كما ترك أكل الضب عيافة والحج والصلاة إن صح فلعله فعله تبركا بما نقل جملته من أنبياء السلف وإن اندرس تفصيله ونرجع الآن إلى الأصل المقصود وهو أنه بعد بعثته هل كان متعبدا بشريعة من قبله والقول في الجواز العقلي والوقوع السمعي أما الجواز العقلي فهو حاصل إذ لله تعالى أن يتعبد عباده بما شاء من شريعة سابقة أو مستأنفة أو بعضها سابقة وبعضها مستأنفة ولا يستحيل منه شيء لذاته ولا لمفسدة فيه وزعم بعض القدرية أنه لا يجوز بعثة نبي إلا بشرع مستأنف فإنه إن لم يجدد أمرا فلا فائدة في بعثته ولا يرسل الله تعالى رسولا بغير فائدة ويلزمهم على هذا تجويز بعثته بمثل تلك الشريعة إذا كانت قد اندرست وإرساله بمثلها إذا كانت قد اشتملت على زوائد وأن يكون الأول مبعوثا إلى قوم والثاني مبعوثا إليهم وإلى غيرهم ولعلهم يخالفون إذا كانت الأولى غضة طرية ولم تشتمل الثانية على مزيد فنقول يدل على جوازه ما يدل على جواز نصب دليلين وبعثة رسولين معا كما قال تعالى إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث يس 14 وكما أرسل موسى وهارون وداود وسليمان بل كخلق العينين مع الاكتفاء في الإبصار بإحداهما ثم كلامهم بناء على طلب الفائدة في أفعال الله تعالى وهو تحكم

Bagian V01/P165–V01/P166

أما الوقوع السمعي فلا خلاف في أن شرعنا ليس بناسخ جميع الشرائع بالكية إذ لم ينسخ وجوب الإيمان وتحريم الزنا والسرقة والقتل والكفر ولكن حرم عليه صلى الله عليه وسلم هذه المحظورات بخطاب مستأنف أو بالخطاب الذي نزل إلى غيره وتعبد باستدامته ولم ينزل عليه الخطاب إلا بما خالف شرعهم فإذا نزلت واقعة لزمه اتباع دينهم إلا إذا أنزل عليه وحي مخالف لما سبق فإلى هذا يرجع الخلاف والمختار أنه لم يتعبد صلى الله عليه وسلم بشريعة من قبله ويدل عليه أربعة مسالك المسلك الأول أنه صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له بم تحكم قال بالكتاب والسنة والاجتهاد ولم يذكر التوراة والإنجيل وشرع من قبلنا فزكاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصوبه ولو كان ذلك من مدارك الأحكام لما جاز العدول إلى الاجتهاد إلا بعد العجز عنه فإن قيل إنما لم يذكر التوراة والإنجيل لأن في الكتاب آيات تدل على الرجوع إليهما قلنا سنبين سقوط تمسكهم بتلك الآيات بل فيه قوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا المائدة 48 وقال صلى الله عليه وسلم لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي ثم نقول في الكتاب ما يدل على اتباع السنة والقياس فكان ينبغي أن يقتصر على ذكر الكتاب فإن شرع في التفصيل كانت الشريعة السابقة أهم مذكور فإن قيل اندرجت التوراة والإنجيل تحت الكتاب فإنه اسم يعم كل كتاب قلنا إذا ذكر الكتاب والسنة لم يسبق إلى فهم المسلمين شيء سوى القرآن وكيف يفهم غيره ولم يعهد من معاذ قط تعلم التوراة والإنجيل والعناية بتمييز المحرف عن غيره كما عهد منه تعلم القرآن ولو وجب ذلك لتعلمه جميع الصحابة لأنه كتاب منزل لم ينسخ إلا بعضه وهو مدرك بعض الأحكام ولم يتعهد حفظ القرآن إلا لهذه العلة وكيف وطالع عمر رضي الله عنه ورقة من التوراة فغضب صلى الله عليه وسلم حتى احمرت عيناه وقال لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي المسلك الثاني أنه صلى الله عليه وسلم لو كان متعبدا بها للزمه مراجعتها والبحث عنها ولكان لا ينتظر الوحي ولا يتوقف في الظهار ورمي المحصنات والمواريث ولكان يرجع أولا إليها لا سيما أحكام هي ضرورة كل أمة فلا تخلو التوراة عنها فإن لم يراجعها لاندراسها وتحريفها فهذا يمنع التعبد وإن كان ممكنا فهذا يوجب البحث والتعلم ولم يراجع قط إلا في رجم اليهود ليعرفهم أن ذلك ليس مخالفا لدينهم المسلك الثالث أن ذلك لو كان مدركا لكان تعلمها ونقلها وحفظها من فروض الكفايات كالقرآن والأخبار ولوجب على الصحابة مراجعتها في تعرف الأحكام كما وجب عليهم المناشدة في نقل الأخبار ولرجعوا إليها في مواضع اختلافهم حيث أشكل عليهم كمسألة العول وميراث الجد والمفوضة وبيع أم الولد وحد الشرب والربا في غير النسيئة ومتعة النساء ودية الجنين وحكم المكاتب إذا كان عليه شيء من النجوم والرد بالعيب بعد الوطء والتقاء الختانين وغير ذلك من أحكام لا تنفك الأديان والكتب عنها ولم ينقل عن واحد منهم مع طول أعمارهم وكثرة وقائعهم واختلافاتهم مراجعة التوراة لا سيما وقد أسلم من أخبارهم من تقوم الحجة بقولهم كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار ووهب وغيرهم ولا يجوز القياس إلا بعد اليأس من الكتاب فكيف يحصل القياس قبل العلم المسلك الرابع إطباق الأمة قاطبة على أن هذه الشريعة ناسخة وأنها شريعة رسولنا صلى الله عليه وسلم بجملتها ولو تعبد بشرع غيرها لكان مخبرا لا شارعا ولكان صاحب نقل لا صاحب شرع إلا أن هذا ضعيف لأنه إضافة تحتمل المجاز وأن معلوما بواسطته وإن لم يكن هو شارعا لجميعه وللمخالف التمسك بخمس آيات وثلاثة أحاديث ( الآية الأولى ) أنه تعالى لما ذكر الأنبياء قال أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده الأنعام 90

Bagian V01/P166–V01/P167

قلنا أراد بالهدى التوحيد ودلالة الأدلة العقلية على وجدانيته وصفاته بدليلين أحدهما أنه قال فبهداهم اقتده الأنعام 90 ولم يقل بهم وإنما هداهم الأدلة التي ليست منسوبة إليهم أما الشرع فمنسوب إليهم فيكون اتباعهم فيه اقتداء بهم الثاني أنه كيف أمر بجميع شرائعهم وهي مختلفة وناسخة ومنسوخة ومتى بحث عن جميع ذلك وشرائعهم كثيرة فدل على أنه أراد الهدى المشترك بين جميعهم وهو التوحيد ( الآية الثانية ) قوله تعالى هذا النحل 123 وهذا يتمسك به من نسبه إلى إبراهيم عليهالسلام وتعارضه الآية الأولى ثم لا حجة فيها إذ قال أوحينا إليك فوجب بما أوحي إليه لا بما أوحي إلى غيره وقوله إن أتبع أي افعل مثل فعله وليس معناه كن متبعا له وواحدا من أمته كيف والملة عبارة عن أصل الدين والتوحيد والتقديس الذي تتفق فيه جميع الشرائع ولذلك قال تعالى ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه البقرة 130 ولا يجوز تسفيه الأنبياء المخالفين له ويدل عليه أنه لم يبحث عن ملة إبراهيم وكيف كان يبحث مع اندراس كتابه وأسناد أخباره ( الآية الثالثة ) قوله تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا الشورى 13 وهذا يتمسك به من نسبه إلى نوح عليه السلام وهو فاسد إذا تعارضه الآيتان السابقتان ثم الدين عبارة عن أصل التوحيد وإنما خصص نوحا بالذكر تشريفا له وتخصيصا ومتى راجع رسول الله صلى الله عليه وسلم تفصيل شرع نوح وكيف أمكن ذلك مع أنه أقدم الأنبياء وأشد الشرائع اندراسا كيف وقد قال تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا فلو قال شرع لنوح ما وصاكم به لكان ربما دل هذا على غرضهم وأما هذا فيصرح بضده ( الآية الرابعة ) قوله تعالى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون المائدة 44 الآية وهو أحد الأنبياء فليحكم بها واستدل بهذا من نسبه إلى موسى عليه السلام وتعارضه الآيات السابقة ثم المراد بالنور والهدى أصل التوحيد وما يشترك فيه النبيون دون الأحكام المعرضة للنسخ ثم لعله أراد النبيين في زمانه دون من بعدهم ثم هو على صيغة الخبر لا على صيغة الأمر فلا حجة فيه ثم يجوز أن يكون المراد حكم النبيين بها بأمر ابتدأهم به الله تعالى وحيا إليهم لا بوحي موسى عليه السلام ( الآية الخامسة ) قوله تعالى بعد ذكر التوراة وأحكامها ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون المائدة 44 قلنا المراد به ومن لم يحكم بما أنزل الله مكذبا به وجاحدا له لا من حكم بما أنزل الله عليه خاصة أو من لم يحكم به ممن أوجب عليه الحكم به من أمته وأمة كل نبي إذا خالفت ما أنزل على نبيهم أو يكون المراد به يحكم بمثلها النبيون وإن كان بوحي خاص إليهم لا بطريق التبعية وأما الأحاديث فأولها أنه صلى الله عليه وسلم طلب منه القصاص في سن كسرت فقال كتاب الله يقضي بالقصاص وليس في القرآن قصاص السن إلا ما حكي عن التوراة في قوله تعالى والسن بالسن المائدة 45 قلنا بل فيه فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم البقرة 194 ? < فدخل السن تحت عمومه ( الحديث الثاني ) قوله صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها وقرأ قوله تعالى > ? وأقم الصلاة لذكري طه وهذا خطاب مع موسى عليه السلام قلنا ما ذكره صلى الله عليه وسلم تعليلا للإيجاب لكن أوجب بما أوحي إليه ونبه على أنهم أمروا كما أمر موسى وقوله لذكري أي لذكر إيجابي للصلاة ولولا الخبر لكان السابق إلى الفهم أنه لذكر الله تعالى بالقلب أو لذكر الصلاة بالإيجاب الحديث الثالث مراجعته صلى الله عليه وسلم التوراة في رجم اليهوديين وكان ذلك تكذيبا لهم في إنكار الرجم إذ كان يجب أن يراجع الإنجيل فإنه آخر ما أنزل الله فلذلك لم يراجع في واقعة سوى هذه والله أعلم

Bagian V01/P167–V01/P168

الأصل الثاني من الأصول الموهومة قول الصحابي وقد ذهب قوم إلى أن مذهب الصحابي حجة مطلقا وقوم إلى أنه حجة إن خالف القياس وقوم إلى أن الحجة في قول أبي بكر وعمر خاصة لقوله صلى الله عليه وسلم اقتدوا باللذين من بعدي وقوم إلى أن الحجة في قول الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا والكل باطل عندنا فإن من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجة في قوله فكيف يحتج بقولهم مع جواز الخطأ وكيف تدعى عصمتهم من غير حجة متواترة وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف وكيف يختلف المعصومان كيف وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كل مجتهد أن يتبع اجتهاد نفسه فانتفاء الدليل على العصمة ووقوع الإختلاف بينهم وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه ثلاثة أدلة قاطعة وللمخالف خمس شبه الشبهة الأولى قولهم وإن لم تثبت عصمتهم فإذا تعبدنا باتباعهم لزم الاتباع كما أن الراوي الواحد لم تثبت عصمتهم لكن لزم اتباعه للتعبد به وقد قال صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم والجواب أن هذا خطاب مع عوام أهل عصره صلى الله عليه وسلم بتعريف درجة الفتوى لأصحابه حتى يلزم اتباعهم وهو تخيير لهم في الاقتداء بمن شاؤوا منهم بدليل أن الصحابي غير داخل فيه إذ له أن يخالف صحابيا آخر فكما خرج الصحابة بدليل فكذلك خرج العلماء بدليل وكيف وهذا لا يدل على وجوب الاتباع بل على الاهتداء إذا اتبع فلعله يدل على مذهب من يجوز للعالم تقليد العالم أو من يخير العامي في تقليد الأئمة من غير تعيين الأفضل الشبهة الثانية أن دعوى وجوب الاتباع إن لم تصح لجميع الصحابة فتصح للخلفاء الأربعة لقوله صلى الله عليه وسلم عليكم سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وظاهر قوله عليكم للإيجاب وهو عام قلنا فيلزمكم على هذا تحريم الاجتهاد على سائر الصحابة رضي الله عنهم إذا اتفق الخلفاء ولم يكن كذلك بل كانوا يخالفون وكانوا يصرحون بجواز الاجتهاد فيما ظهر لهم وظاهر هذا تحريم مخالفة كل واحد من الصحابة وإن انفرد فليس في الحديث شرط الاتفاق وما اجتمعوا في الخلافة حتى يكون اتفاقهم اتفاق الخلفاء وإيجاب اتباع كل واحد منهم محال مع اختلافهم في مسائل لكن المراد بالحديث إما أمر الخلق بالانقياد وبذل الطاعة لهم أي عليكم بقبول إمارتهم وسنتهم أو أمر الأمة بأن ينهجوا منهجهم في العدل والإنصاف والإعراض عن الدنيا وملازمة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفقر والمسكنة والشفقة على الرعية أو أراد منع من بعدهم عن نقض أحكامهم فهذه احتمالات ثلاثة تعضدها الأدلة التي ذكرناها الشبهة الثالثة قولهم إنه إن لم يجب اتباع الخلفاء فيجب اتباع أبي بكر وعمر بقوله صلى الله عليه وسلم اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر قلنا تعارضه الأخبار السابقة فيتطرق إليه الاحتمالات الثلاثة ثم نقول بموجبه فيجب الاقتداء بهما في تجويزهما لغيرهما مخالفتهما بموجب الاجتهاد ثم ليت شعري لو اختلفا كما اختلفا في التسوية في العطاء فأيهما يتبع الشبهة الرابعة أن عبد الرحمن بن عوف ولى عليا الخلافة بشرط الاقتداء بالشيخين فأبى وولى عثمان فقبل ولم ينكر عليه قلنا لعله اعتقد بقوله عليه السلام من بعدي جواز تقليد العالم للعالم وعلي رضي الله عنه لم يعتقد أو اعتقد أن قوله صلى الله عليه وسلم اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر إيجاب التقليد ولا حجة في مجرد مذهبه ويعارضه مذهب علي إذ فهم أنه إنما أراد عبد الرحمن اتباعهما في السيرة والعدل وفهم على إيجاب التقليد

Bagian V01/P168–V01/P169

الشبهة الخامسة أنه إذا قال الصحابي قولا يخالف القياس فلا محمل له إلا سماع خبر فيه قلنا فهذا إقرار بأن قوله ليس بحجة وإنما الحجة الخبر إلا أنكم أثبتم الخبر بالتوهم المجرد ومستندنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم في قبول خبر الواحد وهم إنما عملوا بالخبر المصرح بروايته دون الموهوم المقدر الذي لا يعرف لفظه ومورده فقوله ليس بنص صريح في سماع خبر بل ربما قاله عن دليل ضعيف ظنه دليلا وأخطأ فيه والخطأ جائز عليه وربما يتمسك الصحابي بدليل ضعيف وظاهر موهوم ولو قاله عن نص قاطع لصرح به نعم لو تعارض قياسان وقول الصحابي مع أحدهما فيجوز للمجتهد إن غلب على ظنه الترجيح بقول الصحابي أن يرجح وكذلك نوع من المعنى يقتضي تغليظ الدية بسبب الجرم وقياس أظهر منه يقتضي نفي التغليظ فربما يغلب على ظن المجتهد أن ذلك المعنى الأخفى الذي ذهب إليه الصحابي يترجح به ولكن يختلف ذلك باختلاف المجتهدين أما وجوب اتباعه ولم يصرح بنقل خبر فلا وجه له وكيف وجميع ما ذكروه أخبار آحاد ونحن أثبتنا القياس والإجماع وخبر الواحد بطرق قاطعة لا بخبر الواحد وجعل قول الصحابي حجة كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وخبره إثبات أصل من أصول الأحكام ومداركه فلا يثبت إلا بقاطع كسائر الأصول مسألة ( هل يجوز تقليد الصحابي ) إن قال قائل إن لم يجب تقليدهم فهل يجوز تقليدهم قلنا أما العامي فيقلدهم وأما العالم فإنه إن جاز له تقليد العالم جاز له تقليدهم وإن حرمنا تقليد العالم للعالم فقد اختلف قول الشافعي رحمه الله في تقليد الصحابة فقال في القديم يجوز تقليد الصحابي إذا قال قولا وانتشر قوله ولم يخالف وقال في موضع آخر يقلد وإن لم ينتشر ورجع في الجديد إلى أنه لا يقلد العالم صحابيا كما لا يقلد عالما آخر ونقل المزني عنه ذلك وأن العمل على الأدلة التي بها يجوز للصحابة الفتوى وهو الصحيح المختار عندنا إذ كل ما دل على تحريم تقليد العالم للعالم كما سيأتي في كتاب ( الاجتهاد ) لا يفرق فيه بين الصحابي وغيره فإن قيل كيف لا يفرق بينهم مع ثناء الله تعالى وثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم النساء 59 وقال تعالى لقد رضي الله عن المؤمنين الفتح 18 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الناس قرني وقال صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم إلى غير ذلك قلنا هذا كله ثناء يوجب حسن الإعتقاد في علمهم ودينهم ومحلهم عند الله تعالى ولا يوجب تقليدهم لا جوازا ولا وجوبا فإنه صلى الله عليه وسلم أثنى أيضا على آحاد الصحابة ولا يتميزون عن بقية الصحابة بجواز التقليد أو وجوبه كقوله صلى الله عليه وسلم لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالمين لرجح وقال صلى الله عليه وسلم إن الله قد ضرب بالحق على لسان عمر وقلبه يقول الحق وإن كان مرا وقال لعمر والله ما سلكت فجا إلا سلك الشيطان فجا غير فجك وقال صلى الله عليه وسلم في قصة أسارى بدر حيث نزلت الآية على وفق رأي عمر لو نزل بلاء من السماء ما نجا منه إلا عمر وقال صلوات الله عليه إن منكم لمحدثين وإن عمر لمنهم وكان علي رضي الله عنه وغيره من الصحابة يقولون ما كنا نظن إلا أن ملكا بين عينيه يسدده وأن ملكا ينطق على لسانه وقال صلى الله عليه وسلم في حق علي اللهم أدر الحق مع علي حيث دار وقال صلى الله عليه وسلم أقضاكم علي وأفرضكم زيد وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وقال عليه السلام رضيت لأمتي ما رضي ابن أم عبد وقال عليه السلام لأبي بكر وعمر لو اجتمعا على شيء ما خالفتهما وأراد في مصالح الحرب وكل ذلك ثناء لا يوجب الاقتداء أصلا فصل في تفريع الشافعي في القديم على تقليد الصحابة ونصوصه

Bagian V01/P169–V01/P170

قال في كتاب اختلاف الحديث إنه روي عن علي أنه صلى في ليلة ست ركعات في كل ركعة ست سجدات قال لو ثبت ذلك عن علي لقلت به وهذا لأنه رأى أنه لا يقول ذلك إلا عن توقيف إذ لا مجال للقياس فيه وهذا غير مرضي لأنه لم ينقل فيه حديثا حتى يتأمل لفظه ومورده وقرائنه وفحواه وما يدل عليه ولم نتعبد إلا بقبول خبر يرويه صحابي مكشوفا يمكن النظر فيه كما كان الصحابة يكتفون بذكر مذهب مخالف للقياس ويقدرون ذلك حديثا من غير تصريح به وقد نص في موضع أن قول الصحابي إذا انتشر ولم يخالف فهو حجة وهو ضعيف لأن السكوت ليس بقول فأي فرق بين أن ينتشر أو لا ينتشر وقد نص على أنه إذا اختلفت الصحابة فالأئمة أولى فإن اختلف الأئمة فقول أبي بكر وعمر أولى لمزيد فضلهما وقال في موضع آخر يجب الترجيح بقول الأعلم والأكثر قياسا لكثرة القائلين على كثرة الرواة وكثرة الأشباه وإنما يجب ترجيح الأعلم لأن زيادة علمه تقوي اجتهاده وتبعده عن الإهمال والتقصير والخطأ وإن اختلف الحكم والفتوى من الصحابة فقد اختلف قول الشافعي فيه فقال مرة الحكم أولى لأن العناية به أشد والمشورة فيه أبلغ وقال مرة الفتوى أولى لأن سكوتهم على الحكم يحمل على الطاعة للوالي وكل هذا مرجوع عنه فإن قيل فما قولكم في ترجيح أحد القياسين بقول الصحابي قلنا قال القاضي لا ترجيح إلا بقوة الدليل ولا يقوى الدليل بمصير مجتهد إليه والمختار أن هذا في محل الاجتهاد فربما يتعارض ظنان والصحابي في أحد الجانبين فتميل نفس المجتهد إلى موافقة الصحابي ويكون ذلك أغلب على ظنه ويختلف ذلك باختلاف المجتهدين وقال قوم إنما يجوز ترجيح قياس المصير إذا كان أصل القياس في واقعة شاهدها الصحابي وإلا فلا فرق بينه وبين غيره وهذا قريب ولكن مع هذا يحتمل أن يكون مصيره إليه لا لاختصاصه بمشاهدة ما يدل عليه بل بمجرد الظن أما إذا حمل الصحابي لفظ الخبر على أحد محتمليه فمنهم من رجح ومنهم من قال إذا لم يقل علمت ذلك من لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم بقرينة شاهدتها فلا ترجيح به وهذا اختيار القاضي فإن قيل فقد ترك الشافعي في الجديد القياس في تغليظ الدية في الحرم بقول عثمان وكذلك فرق بين الحيوان وغيره في شرط البراءة بقول علي قلنا له في مسألة شرط البراءة أقوال فلعل هذا مرجوع عنه وفي مسألة التغليظ الظن به أنه قوي القياس بموافقة الصحابة فإن لم يكن كذلك فمذهبه في الأصول أن لا يقلد والله أعلم الأصل الثالث من الأصول الموهومة الاستحسان وقد قال به أبو حنيفة وقال الشافعي من استحسن فقد شرع ورد الشيء قبل فهمه محال فلا بد أولا من فهم الاستحسان وله ثلاثة معان الأول وهو الذي يسبق إلى الفهم ما يستحسنه المجتهد بعقله ولا شك في أنا نجوز ورود التعبد باتباعه عقلا بل لو ورد الشرع بأن ما سبق إلى أوهامكم أو استحسنتموه بعقولكم أو سبق إلى أوهام العوام مثلا فهو حكم الله عليكم لجوزناه ولكن وقوع التعبد لا يعرف من ضرورة العقل ونظره بل من السمع ولم يرد فيه سمع متواتر ولا نقل آحاد ولو ورد لكان لا يثبت بخبر الواحد فإن جعل الاستحسان مدركا من مدارك أحكام الله تعالى ينزل منزلة الكتاب والسنة والإجماع وأصلا من الأصول لا يثبت بخبر الواحد ومهما انتفى الدليل وجب النفي

Bagian V01/P170–V01/P172

المسلك الثاني أنا نعلم قطعا إجماع الأمة قبلهم على أن العالم ليس له أن يحكم بهواه وشهوته من غير نظر في دلالة الأدلة والاستحسان من غير نظر في أدلة الشرع حكم بالهوى المجرد وهو كاستحسان العامي ومن لا يحسن النظر فإنه إنما جوز الاجتهاد للعالم دون العامي لأنه يفارقه في معرفة أدلة الشريعة وتمييز صحيحها من فاسدها وإلا فالعامي أيضا يستحسن ولكن يقال لعل مستند استحسانك وهم وخيال لا أصل له ونحن نعلم أن النفس لا تميل إلى الشيء إلا بسبب مميل إليه لكن السبب ينقسم إلى ما هو وهم وخيال إذا عرض على الأدلة لم يتحصل منه طائل وإلى ما هو مشهور من أدلة الشرع فلم يميز المستحسن ميله عن الأوهام وسوابق الرأي إذا لم ينظر في الأدلة ولم يأخذ منها ولهم شبه ثلاث الشبهة الأولى قوله تعالى واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم الزمر 55 وقال الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه الزمر 18 قلنا اتباع أحسن ما أنزل إلينا هو اتباع الأدلة فبينوا أن هذا مما أنزل إلينا فضلا عن أن يكون من أحسنه وهو كقوله تعالى واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم الزمر 55 ثم نقول نحن نستحسن إبطال الاستحسان وأن لا يكون لنا شرع سوى المصدق بالمعجزة فليكن هذا حجة عليهم الجواب الثاني أن يلزم من ظاهر هذا اتباع استحسان العامي والطفل والمعتوه لعموم اللفظ فإن قلتم المراد بعض الاستحسانات وهو استحسان من هو من أهل النظر فكذلك نقول المراد كل استحسان صدر عن أدلة الشرع وإلا فأي وجه لاعتبار أهلية النظر في الأدلة مع الاستغناء عن النظر الشبهة الثانية قوله صلى الله عليه وسلم ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ولا حجة من أوجه الأول أنه خبر واحد لا تثبت به الأصول الثاني أن المراد به ما رآه جميع المسلمين لأنه لا يخلو أن يريد به جميع المسلمين أو آحادهم فإن أراد الجميع فهو صحيح إذ الأمة لا تجتمع على حسن شيء إلا عن دليل والإجماع حجة وهو مراد الخبر وإن أراد الآحاد لزم استحسان العوام فإن فرق بأنهم ليسوا أهلا للنظر قلنا إذا كان لا ينظر في الأدلة فأي فائدة لأهلية النظر الثالث أن الصحابة أجمعوا على استحسان منع الحكم بغير دليل ولا حجة لأنهم مع كثرة وقائعهم تمسكوا بالظواهر والأشباه وما قال واحد حكمت بكذا وكذا لأني استحسنته ولو قال ذلك لشددوا الإنكار عليه وقالوا من أنت حتى يكون استحسانك شرعا وتكون شارعا لنا وما قال معاذ حيث بعثه إلى اليمن أني أستحسن بل ذكر الكتاب والسنة والاجتهاد فقط الشبهة الثالثة إن الأمة استحسنت دخول الحمام من غير تقدير أجرة وعوض الماء ولا تقدير مدة السكون واللبث فيه وكذلك شرب الماء من يد السقاء بغير تقدير العوض ولا مبلغ الماء المشروب لأن التقدير في مثل هذا قبيح في العادات فاستحسنوا ترك المضايقة فيه ولا يحتمل ذلك في إجارة ولا بيع والجواب من وجهين الأول أنهم من أين عرفوا أن الأمة فعلت ذلك من غير حجة ولا دليل ولعل الدليل جريان ذلك في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع معرفته به وتقريره عليه لأجل المشقة في تقدير الماء المشروب والمصبوب في الحمام وتقدير مدة المقام والمشقة سبب الرخصة الثاني أن نقول شرب الماء بتسليم السقاء مباح وإذا أتلف ماءه فعليه ثمن المثل إذ قرينة حاله تدل على طلب العوض فيما بذله في الغالب وما يبذل له في الغالب يكون ثمن المثل فيقبله السقاء فإن منع فعليه مطالبته فليس في هذا إلا الاكتفاء في معرفة الإباحة بالمعاطاة والقرينة وترك المماسكة في العوض وهذا مدلول عليه من الشرع وكذلك داخل الحمام مستبيح بالقرينة ومتلف بشرط العوض بقرينة حال الحمامي ثم ما يبذله إن ارتضى به الحمامي واكتفى به عوضا أخذه وإلا طالبه بالمزيد إن شاء فليس هذا أمرا مبدعا ولكنه منقاس والقياس حجة

Bagian V01/P172–V01/P173

التأويل الثاني للاستحسان قولهم المراد به دليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعده العبارة عنه ولا يقدر على إبرازه وإظهاره وهذا هوس لأن ما لا يقدر على التعبير عنه لا يدري أنه وهم وخيال أو تحقيق ولا بد من ظهوره ليعتبر بأدلة الشريعة لتصححه الأدلة أو تزيفه أما الحكم بما لا يدري ما هو فمن أين يعلم جوازه أبضرورة العقل أو نظره أو بسمع متواتر أو آحاد ولا وجه لدعوى شيء من ذلك كيف وقد قال أبو حنيفة إذا شهد أربعة على زنا شخص لكن عين كل واحد منهم زاوية من زوايا البيت وقال زنى فيها فالقياس أن لا حد عليه لكنا نستحسن حده فيقول له لم يستحسن سفك دم مسلم من غير حجة إذ لم تجتمع شهادة الأربعة على زنا واحد وغايته أن يقول تكذيب المسلمين قبيح وتصديقهم وهم عدول حسن فنصدقهم ونقدر دورانه في زنية واحدة على جميع الزوايا بخلاف ما لو شهدوا في أربعة بيوت فإن تقدير التزاحف بعيد وهذا هوس لأنا نصدقهم ولا نرجم المشهود عليه كما لو شهد ثلاثة وكما لو شهدوا في دور وندرأ الرجم من حيث لم نعلم يقينا اجتماع الأربعة على شهادة واحدة فدرء الحد بالشبهة أحسن كيف وإن كان هذا دليلا فلا ننكر الحكم بالدليل ولكن لا ينبغي أن يسمى بعض الأدلة استحسانا التأويل الثالث للاستحسان ذكره الكرخي وبعض أصحاب أبي حنيفة ممن عجز عن نصرة الاستحسان وقال ليس هو عبارة عن قول بغير دليل بل هو بدليل وهو أجناس منها العدول بحكم المسألة عن نظائرها بدليل خاص من القرآن مثل قوله مالي صدقة أو لله علي أن أتصدق بمالي فالقياس لزوم التصدق بكل ما يسمى مالا لكن استحسن أبو حنيفة التخصيص بمال الزكاة لقوله تعالى خذ من أموالهم صدقة التوبة 103 ولم يرد إلا مال الزكاة ومنها أن يعدل بها عن نظائرها بدليل السنة كالفرق في سبق الحدث والبناء على الصلاة بين السبق والتعمد على خلاف قياس الأحداث وهذا مما لا ينكر وإنما يرجع الاستنكار إلى اللفظ وتخصيص هذا النوع من الدليل بتسميته استحسانا من بين سائر الأدلة والله أعلم الأصل الرابع من الأصول الموهومة الاستصلاح وقد اختلف العلماء في جواز اتباع المصلحة المرسلة ولا بد من كشف معنى المصلحة وأقسامها فنقول المصلحة بالإضافة إلى شهادة الشرع ثلاثة أقسام قسم شهد الشرع لاعتبارها وقسم شهد لبطلانها وقسم لم يشهد الشرع لا لبطلانها ولا لاعتبارها أما ما شهد الشرع لاعتبارها فهي حجة ويرجع حاصلها إلى القياس وهو اقتباس الحكم من معقول النص والإجماع وسنقيم الدليل عليه في القطب الرابع فإنه نظر في كيفية استثمار الأحكام من الأصول المثمرة ومثاله حكمنا أن كل ما أسكر من مشروب أو مأكول فيحرم قياسا على الخمر لأنها حرمت لحفظ العقل الذي هو مناط التكليف فتحريم الشرع الخمر دليل على ملاحظة هذه المصلحة القسم الثاني ما شهد الشرع لبطلانها مثاله قول بعض العلماء لبعض الملوك لما جامع في نهار رمضان إن عليك صوم شهرين متتابعين فلما أنكر عليه حيث لم يأمره بإعتاق رقبة مع اتساع ماله قال لو أمرته بذلك لسهل عليه واستحقر إعتاق رقبة في جنب قضاء شهوته فكانت المصلحة في إيجاب الصوم لينزجر به فهذا قول باطل ومخالف لنص الكتاب بالمصلحة وفتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصها بسبب تغير الأحوال ثم إذا عرف ذلك من صنيع العلماء لم تحصل الثقة للملوك بفتواهم وظنوا أن كل ما يفتون به فهو تحريف من جهتهم بالرأي

Bagian V01/P173–V01/P174

القسم الثالث ما لم يشهد له من الشرع بالبطلان ولا بالاعتبار نص معين وهذا في محل النظر فلنقدم على تمثيله تقسيما آخر وهو أن المصلحة باعتبار قوتها في ذاتها تنقسم إلى ما هي في رتبة الضرورات وإلى ما هي في رتبة الحاجات وإلى ما يتعلق بالتحسينات والتزيينات وتتقاعد أيضا عن رتبة الحاجات ويتعلق بأذيال كل قسم من الأقسام ما يجري منها مجرى التكملة والتتمة لها ولنفهم أولا معنى المصلحة ثم أمثلة مراتبها أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة ولسنا نعني به ذلك فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة وإذا أطلقنا المعنى المخيل والمناسب في كتاب القياس أردنا به هذا الجنس وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات فهي أقوى المراتب في المصالح ومثاله قضاء الشرع بقتل الكافر المضل وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته فإن هذا يفوت على الخلق دينهم وقضاؤه بإيجاب القصاص أدبه حفظ النفوس وإيجاب حد الشرب إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف وإيجاب حد الزنا إذ به حفظ النسل والأنساب وإيجاب زجر الغصاب والسراق إذ به يحصل حفظ الأموال التي هي معاش الخلق وهم مضطرون إليها وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل أن لا تشتمل عليه ملة من الملل وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر والقتال والزنا والسرقة وشرب المسكر أما ما يجري مجرى التكملة والتتمة لهذه المرتبة فكقولنا المماثلة مرعية في استيفاء القصاص لأنه مشروع للزجر والتشفي ولا يحصل ذلك إلا بالمثل وكقولنا القليل من الخمر إنما حرم لأنه يدعو إلى الكثير فيقاس عليه النبيذ فهذا دون الأول ولذلك اختلفت فيه الشرائع أما تحريم السكر فلا تنفك عنه شريعة لأن السكر يسد باب التكليف والتعبد الرتبة الثانية ما يقع في رتبة الحاجات من المصالح والمناسبات كتسليط الولي على تزويج الصغيرة والصغير فذلك لا ضرورة إليه لكنه محتاج إليه في اقتناء المصالح وتقييد الأكفاء خيفة من الفوات واستغناما للصلاح المنتظر في المآل وليس هذا كتسليط الولي على تربيته وإرضاعه وشراء الملبوس والمطعوم لأجله فإن ذلك ضرورة لا يتصور فيها اختلاف الشرائع المطلوب بها مصالح الخلق أما النكاح في حال الصغر فلا يرهق إليه توقان شهوة ولا حاجة تناسل بل يحتاج إليه لصلاح المعيشة باشتباك العشائر والتظاهر بالإصهار وأمور من هذا الجنس لا ضرورة إليها أما ما يجري مجرى التتمة لهذه الرتبة فهو كقولنا لا تزوج الصغيرة إلا من كفؤ وبمهر مثل فإنه أيضا مناسب ولكنه دون أصل الحاجة إلى النكاح ولهذا اختلف العلماء فيه

Bagian V01/P174–V01/P176

الرتبة الثالثة ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة ولكن يقع موقع التحسين والتزيين والتيسير للمزايا والمزائد ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات مثاله سلب العبد أهلية الشهادة مع قبول فتواه وروايته من حيث أن العبد نازل القدر والرتبة ضعيف الحال والمنزلة باستسخار المالك إياه فلا يليق بمنصبه التصدي للشهادة أما سلب ولايته فهو من مرتبة الحاجات لأن ذلك مناسب للمصلحة إذ ولاية الأطفال تستدعي استغراقا وفراغا والعبد مستغرق بالخدمة فتفويض أمر الطفل إليه إضرار بالطفل أما الشهادة فتتفق أحيانا كالرواية والفتوى ولكن قول القائل سلب منصب الشهادة لخسة قدره ليس كقوله سلب ذلك لسقوط الجمعة عنه فإن ذلك لا يشم منه رائحة مناسبة أصلا وهذا لا ينفك عن الانتظام لو صرح به الشرع ولكن تنتفي مناسبته بالرواية والفتوى بل ذلك ينقص عن المناسب إلى أن يعتذر عنه والمناسب قد يكون منقوصا فيترك أو يحترز عنه بعذر أو تقييد كتقييد النكاح بالولي لو أمكن تعليله بفتور رأيها في انتقاء الأزواج وسرعة الاغترار بالظواهر لكان واقعا في الرتبة الثانية ولكن لا يصح ذلك في سلب عبارتها وفي نكاح الكفؤ فهو في الرتبة الثالثة لأن ألأليق بمحاسن العادات استحياء النساء عن مباشرة العقد لأن ذلك يشعر بتوقان نفسها إلى الرجال ولا يليق ذلك بالمروءة ففوض الشرع ذلك إلى الولي حملا للخلق على أحسن المناهج وكذلك تقييد النكاح بالشهادة لو أمكن تعليله بالإثبات عند النزاع لكان من قبيل الحاجات ولكن سقوط الشهادة على رضاها يضعف هذا المعنى فهو لتفخيم أمر النكاح وتمييزه عن السفاح بالأعلان والإظهار عند من له رتبة ومنزلة على الجملة فليلحق برتبة التحسينات فإذا عرفت هذه الأقسام فنقول الواقع في الرتبتين الأخيرتين لا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل إلا أنه يجري مجرى وضع الضرورات فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد وإن لم يشهد الشرع بالرأي فهو كالاستحسان فإن اعتضد بأصل فذاك قياس وسيأتي أما الواقع في رتبة الضرورات فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد وإن لم يشهد له أصل معين ومثاله إن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين فلو كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الإسلام وقتلوا كافة المسلمين ولو رمينا الترس لقتلنا مسلما معصوما لم يذنب ذنبا وهذا لا عهد به في الشرع ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارى أيضا فيجوز أن يقول قائل هذا الأسير مقتول بكل حال فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع لأنا نعلم قطعا أن مقصود الشرع تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل وكان هذا التفاتا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصود الشرع لا بدليل واحد وأصل معين بل بأدلة خارجة عن الحصر لكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له أصل معين فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة بطريق القياس على أصل معين وانقدح اعتبارها باعتبار ثلاثة أوصاف أنها ضرورة قطعية كلية وليس في معناها ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم إذ لا يحل رمي الترس إذ لا ضرورة فينا غنية عن القلعة فنعدل عنها إذ لم نقطع بظفرنا بها لأنها ليست قطعية بل ظنية وليس في معناها جماعة في سفينة لو طرحوا واحدا منهم لنجوا وإلا غرقوا بجملتهم لأنها ليست كلية إذ يحصل بها هلاك عدد محصور وليس ذلك كاستئصال كافة المسلمين ولأنه ليس يتعين واحد للإغراق إلا أن يتعين بالقرعة ولا أصل لها وكذلك جماعة في مخمصة لو أكلوا واحدا بالقرعة لنجوا فلا رخصة فيه لأن المصلحة ليست كلية وليس في معناها قطع اليد للأكلة حفظا للروح فإنه تنقدح الرخصة فيه لأنه إضرار به لمصلحته وقد شهد الشرع للأضرار بشخص في قصد صلاحه كالفصد والحجامة وغيرهما وكذا قطع المضطر قطعة من فخذه إلى أن يجد الطعام فهو كقطع اليد لكن ربما يكون القطع سببا ظاهرا في الهلاك فيمنع منه لأنه ليس فيه يقين الخلاص فلا تكون المصحلة قطعية فإن قيل فالضرب بالتهمة للاستنطاق بالسرقة مصلحة فهل تقولون بها قلنا قد قال بها مالك رحمه الله ولا نقول به لا لإبطال النظر إلى جنس المصلحة لكن لأن هذه مصلحة تعارضها أخرى وهي مصلحة المضروب فإنه ربما يكون بريئا من الذنب وترك الضرب في مذنب أهون من ضرب بريء فإن كان فيه فتح باب يعسر معه انتزاع الأموال ففي الضرب فتح باب إلى تعذيب البريء فإن قيل فالزنديق المتستر إذا تاب فالمصلحة في قتله وأن لا تقبل توبته وقد قال صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فماذا ترون قلنا هذه المسألة في محل الاجتهاد ولا يبعد قتله إذ وجب بالزندقة قتله وإنما كلمة الشهادة تسقط القتل في اليهود والنصارى لأنهم يعتقدون ترك دينهم بالنطق بكلمة الشهادة والزنديق يرى التقية عين الزندقة فهذا لو قضينا به فحاصله استعمال مصلحة في تخصيص عموم وذلك لا ينكره أحد فإن قيل رب ساع في الأرض بالفساد بالدعوة إلى البدعة أو بإغراء الظلمة بأموال الناس وحرمهم وسفك دمائهم بإثارة الفتنة والمصلحة قتله لكف شره فماذا ترون فيه قلنا إذا لم يقتحم جريمة موجبة لسفك الدم فلا يسفك دمه إذ في تخليد الحبس عليه كفاية شره فلا حاجة إلى القتل فلا تكون هذه المصلحة ضرورية فإن قيل إذا كان الزمان زمان فتنة ولم يقدر على تخليد الحبس فيه مع تبدل الولايات على قرب فليس في إبقائه وحبسه إلا إيغار صدره وتحريك داعيته ليزداد في الفساد والإغراء جدا عند الإفلات قلنا هذا الآن رجم بالظن وحكم بالوهم فربما لا يفلت ولا تتبدل الولاية والقتل بتوهم المصلحة لا سبيل إليه فإن قيل فإذا تترس الكفار بالمسلمين فلا نقطع بتسلطهم على استئصال الإسلام لو لم يقصد الترس بل يدرك ذلك بغلبة الظن قلنا لا جرم ذكر العراقيون في المذهب وجهين في تلك المسألة وعللوا بأن ذلك مظنون

Bagian V01/P176–V01/P178

ونحن إنما نجوز ذلك عند القطع أو ظن قريب من القطع والظن القريب من القطع إذا صار كليا وعظم الخطر فيه فتحتقر الأشخاص الجزئية بالإضافة إليه فإن قيل إن في توقفنا عن الساعي في الأرض بالفساد ضررا كليا بتعريض أموال المسلمين ودمائهم للهلاك وغلب ذلك على الظن بما عرف من طبيعته وعادته المجربة طول عمره قلنا لا يبعد أن يؤدي اجتهاد مجتهد إلى قتله إذا كان كذلك بل هو أولى من الترس فإنه لم يذنب ذنبا وهذا قد ظهرت منه جرائم توجب العقوبة وإن لم توجب القتل وكأنه التحق بالحيوانات الضارية لما عرف من طبيعته وسجيته فإن قيل كيف يجوز المصير إلى هذا في هذه المسألة وفي مسألة الترس وقد قدمتم أن المصلحة إذا خالفت النص لم تتبع كإيجاب صوم شهرين على الملوك إذا جامعوا في نهار رمضان وهذا يخالف قوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا النساء 93 وقوله تعالى ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق الأنعام 151 وأي ذنب لمسلم يتترس به كافر فإن زعمتم أنا نخصص العموم بصورة ليس فيها خطر كلي فلنخصص العتق بصورة يحصل بها الانزجار عن الجناية حتى يخرج عنها الملوك فإذا غاية الأمر في مسألة الترس أن يقطع باستئصال أهل الإسلام فما بالنا نقتل من لم يذنب قصدا ونجعله فداء للمسلمين ونخالف النص في قتل النفس التي حرم الله تعالى قلنا لهذا نرى المسألة في محل الاجتهاد ولا يبعد المنع من ذلك ويتأيد بمثله السفينة وأنه يلزم منه قتل ثلث الأمة لاستصلاح ثلثيها ترجيحا للكثرة إذ لا خلاف في أن كافرا لو قصد قتل عدد محصور كعشرة مثلا وتترس بمسلم فلا يجوز لهم قتل الترس في الدفع بل حكمهم كحكم عشرة أكرهوا على قتل أو اضطروا في مخمصة إلى أكل واحد وإنما نشأ هذا من الكثرة ومن كونه كليا لكن للكلي الذي لا يحصر حكم آخر أقوى من الترجيح بكثرة العدد وكذلك لو اشتبهت أخته بنساء بلدة حل له النكاح ولو اشتبهت بعشرة وعشرين لم يحل ولا خلاف أنهم لو تترسوا بنسائهم وذراريهم قاتلناهم وإن كان التحريم عاما لكن تخصصه بغير هذه الصورة فكذلك هاهنا التخصيص ممكن وقول القائل هذا سفك دم محرم معصوم يعارضه أن في الكف عنه إهلاك دماء معصومة لا حصر لها ونحن نعلم أن الشرع يؤثر الكلي على الجزئي فإن حفظ أهل الإسلام عن اصطلام الكفار أهم في مقصود الشرع من حفظ دم مسلم واحد فهذا مقطوع به من مقصود الشرع والمقطوع به لا يحتاج إلى شهادة أصل فإن قيل فتوظيف الخراج من المصالح فهل إليه سبيل أم لا قلنا لا سبيل إليه مع كثرة الأموال في أيدي الجنود أما إذا خلت الأيدي من الأموال ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام أو خيف ثوران الفتنة من أهل العرامنة في بلاد الإسلام فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند ثم إن رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج لأنا نعلم أنه إذا تعارض شران أو ضرران قصد الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين وما يؤديه كل واحد منهم قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله لو خلت خطة الإسلام عن ذي شوكة يحفظ نظام الأمور ويقطع مادة الشرور وكان هذا لا يخلو عن شهادة أصول معينة فإن لولي الطفل عمارة القنوات وإخراج أجرة الفصاد وثمن الأدوية وكل ذلك تنجيز خسران لتوقع ما هو أكثر منه وهذا أيضا يؤيد مسلك الترجيح في مسألة الترس لكن هذا تصرف في الأموال والأموال مبتذلة يجوز ابتذالها في الأغراض التي هي أهم منها وإنما لمحظور سفك دم معصوم من غير ذنب سافك فإن قيل فبأي طريق بلغ الصحابة حد الشرب إلى ثمانين فإن كان حد الشرب مقدرا فكيف زادوا بالمصلحة وإن لم يكون مقدرا وكان تعزيرا فلم افتقروا إلى الشبه بحد القذف قلنا الصحيح أنه لم يكن مقدرا لكن ضرب الشارب في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنعال وأطراف الثياب فقدر ذلك على سبيل التعديل والتقويم بأربعين فرأوا المصلحة في الزيادة فزادوا والتعزيرات مفوضة إلى رأي الأئمة فكأنه ثبت الإجماع أنهم أمروا بمراعاة المصلحة وقيل لهم اعملوا بما رأيتموه أصوب بعد أن صدرت الجناية الموجبة للعقوبة ومع هذا فلم يريدوا الزيادة على تعزير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بتقريب من منصوصات الشرع فرأوا الشرب مظنة القذف لأن من سكر هذى ومن هذى افترى ورأوا الشرع يقيم مظنة الشيء مقام نفس الشيء كما أقام النوم مقام الحدث وأقام الوطء مقام شغل الرحم والبلوغ مقام نفس العقل لأن هذه الأسباب مظان هذه المعاني فليس ما ذكروه مخالفة للنص بالمصلحة أصلا فإن قيل فما قولكم في المصالح الجزئية المتعلقة بالأشخاص مثل المفقود زوجها إذا اندرس خبر موته وحياته وقد انتظرت سنين وتضررت بالعزوبة أيفسخ نكاحها للمصلحة أم لا وكذلك إذا عقد وليان أو وكيلان نكاحين أحدهما سابق واستبهم الأمر ووقع اليأس عن البيان بقيت المرأة محبوسة طول العمر عن الأزواج ومحرمة على زوجها المالك لها في علم الله تعالى وكذلك المرأة إذا تباعد حيضها عشر سنين وتعوقت عدتها وبقيت ممنوعة من النكاح هل يجوز لها الاعتداد بالأشهر أو تكتفي بتربص أربع سنين وكل ذلك مصلحة ودفع ضرر ونحن نعلم أن دفع الضرر مقصود شرعا قلنا المسألتان الأوليان مختلف فيهما فهما في محل الاجتهاد فقد قال عمر تنكح زوجة المفقود بعد أربع سنين من انقطاع الخبر وبه قال الشافعي في القديم وقال في الجديد تصبر إلى قيام البينة على موته أو انقضاء مدة يعلم أنه لا يعيش إليها لأنا إن حكمنا بموته بغير بينة فهو بعيد إذ لا تدارس الأخبار أسباب سوى الموت لا سيما في حق الخامل الذكر النازل القدر وإن فسخنا فالفسخ إنما يثبت بنص أو قياس على منصوص والمنصوص أعذار وعيوب من جهة الزوج من أعسار وجب وعنة فإذا كانت النفقة دائمة فغايته الامتناع من الوطء وذلك في الحضرة لا يؤثر فكذلك في الغيبة فإن قيل سبب الفسخ دفع الضرر عنها ورعاية جانبها فيعارضه أن رعاية جانبه أيضا مهم ودفع الضرر عنه واجب وفي تسليم زوجته إلى غيره في غيبته ولعله محبوس أو مريض معذور إضرار به فقد تقابل الضرران وما من ساعة إلا وقدوم الزوج فيها ممكن فليس تصفو هذه المصلحة عن معارض وكذلك اختلف قول الشافعي في مسألة الوليين ولو قيل بالفسخ من حيث تعذر إمضاء العقد فليس ذلك حكما بمجرد مصلحة لا يعتضد بأصل معين بل تشهد له الأصول المعينة أما تباعد الحيضة فلا خلاف فيها في مذهب الشافعي ولم يبلغنا خلاف عن العلماء وقد أوجب الله تعالى التربص بالأقراء إلا على اللائي يئسن من المحيض وليست هذه من الآيسات وما من لحظة إلا ويتوقع فيها هجوم الحيض وهي شابة فمثل هذا القدر النادر لا يسلطنا على تخصيص النص فإنا لم نر الشرع يلتفت إلى النوادر في أكثر الأحوال وكان لا يبعد عندي لو اكتفي بأقصى مدة الحمل وهو أربع سنين لكن لما أوجبت العدة مع تعليق الطلاق على يقين البراءة غلب التعبد فإن قيل فقد ملتم في أكثر هذه المسائل إلى القول بالمصالح ثم أوردتم هذا الأصل في جملة الأصول الموهومة فليلحق هذا بالأصول الصحيحة ليصير أصلا خامسا بعد الكتاب والسنة والإجماع والعقل قلنا هذا من الأصول الموهومة إذ من ظن أنه أصل خامس فقد أخطأ لأنا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسنة والإجماع وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع فهي باطلة مطرحة ومن صار إليها فقد شرع كما أن من استحسن فقد شرع وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودا بالكتاب والسنة والإجماع فليس خارجا من هذه الأصول لكنه لا يسمى قياسا بل مصلحة مرسلة إذ القياس أصل معين وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الإمارات تسمى لذلك مصلحة مرسلة وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها بل يجب القطع بكونها حجة وحيث ذكرنا خلافا فذلك عند تعارض مصلحتين ومقصودين وعند ذلك يجب ترجيح الأقوى ولذلك قطعنا بكون الإكراه مبيحا لكلمة الردة وشرب الخمر وأكل مال الغير وترك الصوم والصلاة لأن الحذر من سفك الدم أشد من هذه الأمور ولا يباح به الزنا لأنه مثل محذور الإكراه فإذا منشأ الخلاف في مسألة الترس الترجيح إذ الشرع ما رجح الكثير على القليل في مسألة السفينة ورجح الكل على الجزء في قطع اليد المتأكلة وهل يرجح الكلي على الجزئي في مسألة الترس فيه خلاف ولذلك يمكن إظهار هذه المصالح في صيغة البرهان إذ تقول في مسألة الترس مخالفة مقصود الشرع حرام وفي الكف عن قتال الكفار مخالفة لمقصود الشرع

Bagian V01/P178–V01/P180

فإن قيل لا ننكر أن مخالفة مقصود الشرع حرام ولكن لا نسلم أن هذه مخالفة قلنا قهر الكفار واستعلاء الإسلام مقصود وفي هذا استئصال الإسلام واستعلاء الكفر فإن قيل فالكف عن المسلم الذي لم يذنب مقصود وفي هذا مخالفة المقصود قلنا هذا مقصود وقد اضطررنا إلى مخالفة أحد المقصودين ولا بد من الترجيح والجزئي محتقر بالإضافة إلى الكلي وهذا جزئي بالإضافة فلا يعارض بالكلي فإن قيل مسلم أن هذا جزئي ولكن لا يسلم أن الجزئي محتقر بالإضافة إلى الكلي فاحتقار الشرع له يعرف بنص أو قياس على منصوص قلنا قد عرفنا ذلك لا بنص واحد معين بل بتفاريق أحكام واقتران دلالات لم يبق معها شك في أن حفظ خطة الإسلام ورقاب المسلمين أهم في مقاصد الشرع من حفظ شخص معين في ساعة أو نهار وسيعود الكفار عليه بالقتل فهذا مما لا يشك فيه كما أبحنا أكل مال الغير بالإكراه لعلمنا بأن المال حقير في ميزان الشرع بالإضافة إلى الدم وعرف ذلك بأدلة كثيرة فإن قيل فهلا فهمتم أن حفظ الكثير أهم من حفظ القليل في مسألة السفينة وفي الإكراه وفي المخمصة قلنا لم نفهم ذلك إذ أجمعت الأمة على أنه لو أكره شخصان على قتل شخص لا يحل لهما قتله وأنه لا يحل لمسلمين أكل مسلم في المخمصة فمنع الإجماع من ترجيح الكثرة أما ترجيح الكلي فمعلوم إما على القطع وإما بظن قريب من القطع يجب اتباع مثله في الشرع ولم يرد نص على خلافه بخلاف الكثرة إذ الإجماع في الإكراه وفي المخمصة منع منه فبهذه الشروط التي ذكرناها يجوز اتباع المصالح وتبين أن الاستصلاح ليس أصلا خامسا برأسه بل من استصلح فقد شرع كما أن من استحسن فقد شرع وتبين به أن الاستصلاح على ما ذكرنا وهذا تمام الكلام في القطب الثاني من الأصول القطب الثالث في كيفية استثمار الأحكام من مثمرات الأصول ويشتمل هذا القطب على صدر ومقدمة وثلاثة فنون صدر القطب الثالث اعلم أن هذا القطب هو عمدة علم الأصول لأن ميدان سعي المجتهدين في اقتباس الأحكام من أصولها واجتنائها من أغصانها إذ نفس الأحكام ليست ترتبط باختيار المجتهدين ورفعها ووضعها والأصول الأربعة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل لا مدخل لاختيار العباد في تأسيسها وتأصيلها وإنما مجال اضطراب المجتهد واكتسابه استعمال الفكر في استنباط الأحكام واقتباسها من مداركها والمدارك هي الأدلة السمعية ومرجعها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إذ منه يسمع الكتاب أيضا وبه يعرف الإجماع والصادر منه من مدارك الأحكام ثلاثة إما لفظ وإما فعل وإما سكوت وتقرير ونرى أن نؤخر الكلام في الفعل والسكوت لأن الكلام فيهما أوجز واللفظ إما أن يدل على الحكم بصيغته ومنظومه أو بفحواه ومفهومه أو بمعناه ومعقوله وهو الاقتباس الذي يسمى قياسا فهذه ثلاثة فنون المنظوم والمفهوم والمعقول الفن الأول في المنظوم وكيفية الاستدلال بالصيغة من حيث اللغة والوضع ويشتمل هذا الفن على مقدمة وأربعة أقسام القسم الأول في المجمل والمبين القسم الثاني في الظاهر والمؤول القسم الثالث في الأمر والنهي القسم الرابع في العام والخاص فهذا صدر هذا القطب أما المقدمة فتشتمل على سبعة فصول الفصل الأول في مبدأ اللغات أنه اصطلاح أم توقيف الفصل الثاني في أن اللغة هل تثبت قياسا الفصل الثالث في الأسماء العرفية الفصل الرابع في الأسماء الشرعية الفصل الخامس في اللفظ المفيد وغير المفيد الفصل السادس في طريق فهم المراد من الخطاب على الجملة الفصل السابع في المجاز والحقيقة الفصل الأول في مبدأ اللغات وقد ذهب قوم إلى أنها اصطلاحية إذ كيف تكون توقيفا ولا يفهم التوقيف إذا لم يكن لفظ صاحب التوقيف معروفا للمخاطب باصطلاح سابق وقال قوم إنها توقيفية إذ الاصطلاح لا يتم إلا بخطاب ومناداة ودعوة إلى الوضع ولا يكون ذلك إلا بلفظ معروف قبل الاجتماع للاصطلاح وقال قوم القدر الذي يحصل به التنبيه والبعث على الاصطلاح يكون بالتوقيف وما بعده يكون بالاصطلاح والمختار أن النظر في هذا إما أن يقع في الجواز أو في الوقوع

Bagian V01/P180–V01/P181

أما الجواز العقلي فشامل للمذاهب الثلاثة والكل في حيز الإمكان أما التوقيف فبأن يخلق الأصوات والحروف بحيث يسمعها واحد أو جمع ويخلق لهم العلم بأنها قصدت للدلالة على المسميات والقدرة الأزلية لا تقصر عن ذلك وأما الاصطلاح فبأن يجمع الله دواعي جمع من العقلاء للاشتغال بما هو مهمهم وحاجتهم من تعريف الأمور الغائبة التي لا يمكن الإنسان أن يصل إليها فيبتدىء واحد ويتبعه الآخر حتى يتم الاصطلاح بل العاقل الواحد ربما ينقدح له وجه الحاجة وإمكان التعريف بتأليف الحروف فيتولى الوضع ثم يعرف الآخرين بالإشارة والتكرير معها للفظ مرة بعد أخرى كما يفعل الوالدان بالولد الصغير وكما يعرف الأخرس ما في ضميره بالإشارة وإذا أمكن كل واحد من القسمين أمكن التركيب منهما جميعا أما الواقع من هذه الأقسام فلا مطمع في معرفته يقينا إلا ببرهان عقلي أو بتواتر خبر أو سمع قاطع ولا مجال لبرهان العقل في هذا ولم ينقل تواتر ولا فيه سمع قاطع فلا يبقى إلا رجم الظن في أمر لا يرتبط به تعبد عملي ولا ترهق إلى اعتقاده حاجة فالخوض فيه إذا فصول لا أصل له فإن قيل قال الله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها البقرة 31 وهذا يدل على أنه كان بوحي وتوقيف فيدل على الوقوع وإن لم يدل على استحالة خلافه قلنا وليس ذلك دليلا قاطعا على الوقوع أيضا إذ يتطرق إليه أربعة احتمالات أحدها أنه ربما ألهمه الله تعالى الحاجة إلى الوضع فوضع بتدبيره وفكره ونسب ذلك إلى تعليم الله تعالى لأنه الهادي والملهم ومحرك الداعية كما تنسب جميع أفعالنا إلى الله تعالى الثاني أن الأسماء ربما كانت موضوعة باصطلاح من خلق الله تعالى قبل آدم من الجن أو فريق من الملائكة فعلمه الله تعالى ما تواضع عليه غيره الثالث أن الأسماء صيغة عموم فلعله أراد به أسماء السماء والأرض وما في الجنة والنار دون الأسامي التي حدثت مسمياتها بعد آدم عليه السلام من الحرف والصناعات والآلات وتخصيص قوله تعالى كلها كتخصيص قوله تعالى وأوتيت من كل شيء النمل 23 وقوله تعالى تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم الأحقاف 25 إذ يخرج عنه ذاته وصفاته الرابع أنه ربما علمه ثم نسيه أو لم يعلم غيره ثم اصطلح بعده أولاده على هذه اللغات المعهودة الآن والغالب أن أكثرها حادثة بعده الفصل الثاني في أن الأسماء اللغوية هل تثبت قاسا وقد اختلفوا فيه فقال بعضهم سموا الخمر من العنب خمرا لأنها تخمر العقل فيسمى النبيذ خمرا لتحقق ذلك المعنى فيه قياسا عليه حتى يدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم حرمت الخمر لعينها وسمي الزاني زانيا لأنه مولج فرجه في فرج محرم فيقاس عليه اللائط في إثبات اسم الزاني حتى يدخل في عموم قوله تعالى 42 الزانية والزاني النور 2 ) وسمي السارق سارقا لأنه أخذ مال الغير في خفية وهذه العلة موجودة في النباش فيثبت له اسم السارق قياسا حتى يدخل تحت عموم قوله تعالى 5 والسارق والسارقة المائدة 38 وهذا غير مرضي عندنا لأن العرب إن عرفتنا بتوقيفها أنا وضعنا الاسم للمسكر المعتصر من العنب خاصة فوضعه لغيره تقول عليهم واختراع فلا يكون لغتهم بل يكون وضعا من جهتنا وإن عرفتنا أنها وضعته لكل ما يخامر العقل أو يخمره فكيفما كان قاسم الخمر ثابت للنبيذ بتوقيفهم لا بقياسنا كما أنهم عرفونا أن كل مصدر فله فاعل فإذا سمينا فاعل الضرب ضاربا كان ذلك عن توقيف لا عن قياس وإن سكتوا عن الأمرين احتمل أن يكون الخمر اسم ما يعتصر من العنب خاصة واحتمل غيره فلم نتهكم عليهم ونقول لغتهم هذا وقد رأيناهم يضعون الاسم لمعاني ويخصصونها بالمحل كما يسمون الفرس أدهم لسواده كميتا لحمرته والثوب المتلون بذلك اللون بل الآدمي المتلون بالسواد لا يسمونه بذلك الاسم لأنهم ما وضعوا الأدهم والكميت للأسود والأحمر بل لفرس أسود وأحمر وكما سموا الزجاج الذي تقر فيه المائعات قارورة أخذا من القرار ولا يسمون الكوز والحوض قارورة وإن قر الماء فيه فإذا كل ما ليس على قياس التصريف الذي عرف منهم بالتوقيف فلا سبيل إلى إثباته ووضعه بالقياس وقد أطنبنا في شرح هذه المسألة في كتاب أساس القياس فثبت بهذا أن اللغة وضع كلها وتوقيف ليس فيها قياس أصلا

Bagian V01/P181–V01/P182

الفصل الثالث في الأسماء العرفية اعلم أن الأسماء اللغوية تنقسم إلى وضعية وعرفية والاسم يسمى عرفيا باعتبارين أحدهما أن يوضع الاسم لمعنى عام ثم يخصص عرف الاستعمال من أهل اللغة ذلك الاسم ببعض مسمياته كاختصاص اسم الدابة بذوات الأربع مع أن الوضع لكل ما يدب واختصاص اسم المتكلم بالعالم بعلم الكلام مع أن كل قائل ومتلفظ متكلم وكاختصاص اسم الفقيه والمتعلم ببعض العلماء وبعض المتعلمين مع أن الوضع عام قال الله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها البقرة 31 وقال تعالى خلق الإنسان علمه البيان الرحمن 3 4 وقال عز وجل فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا النساء 78 الاعتبار الثاني أن يصير الاسم شائعا في غير ما وضع له أولا بل فيما هو مجاز فيه كالغائط المطمئن من الأرض والعذرة البناء الذي يستتر به وتقضى الحاجة من ورائه فصار أصل الوضع منسيا والمجاز معروفا سابقا إلى الفهم بعرف الاستعمال وذلك بالوضع الأول فالأسامي اللغوية إما وضعية وإما عرفية أما ما انفرد المحترفون وأرباب الصناعات بوضعه لأدواتهم فلا يجوز أن يسمى عرفيا لأن مبادىء اللغات والوضع الأصلي كلها كانت كذلك فيلزم أن يكون جميع الأسامي اللغوية عرفية الفصل الرابع في الأسماء الشرعية قالت المعتزلة والخوارج وطائفة من الفقهاء الأسماء لغوية ودينية وشرعية أما اللغوية فظاهرة وأما الدينية فما نقلته الشريعة إلى أصل الدين كلفظ الإيمان والكفر والفسق وأما الشرعية فكالصلاة والصوم والحج والزكاة واستدل القاضي على إفساد مذهبهم بمسلكين الأول أن هذه الألفاظ يشتمل عليها القرآن والقرآن نزل بلغة العرب قال الله تعالى إنا أنزلناه قرآنا عربيا ( يوسف 2 ) بلسان عربي مبين وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه إبراه 4 ولو قال أطعموا العلماء وأراد الفقراء لم يكن هذا بلسانهم وإن كان اللفظ المنقول عربيا فكذلك إذا نقل اللفظ عن موضوعه إلى غير موضوعه أو جعل عبارة عن بعض موضوعه أو متناولا لموضوعه وغير موضوعه فكل ذلك ليس من لسان العرب الثاني أن الشارع لو فعل ذلك للزمه تعريف الأمة بالتوقيف نقل تلك الأسامي فإنه إذا خاطبهم بلغتهم لم يفهموا إلا موضوعها ولو ورد فيه توقيف لكان متواترا فإن الحجة لا تقوم بالآحاد احتجوا بقوله تعالى صلى الله عليه وسلم وما كان الله ليضيع إيمانكم البقرة 143 وأراد به الصلاة نحو بيت المقدس وقال صلى الله عليه وسلم نهيت عن قتل المصلين وأراد به المؤمنين وهو خلاف اللغة قلنا أراد بالإيمان التصديق بالصلاة والقبلة وأراد بالمصلين المصدقين بالصلاة وسمي التصديق بالصلاة صلاة على سبيل التجوز وعادة العرب تسمية الشيء بما يتعلق به نوعا من التعلق والتجوز من نفس اللغة احتجوا بقوله الإيمان بضع وسبعون بابا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق وتسمية الإماطة إيمانا خلاف الوضع قلنا هذا من أخبار الآحاد فلا يثبت به مثل هذه القاعدة وإن ثبتت فهي دلالة الإيمان فيتجوز بتسميته أيمانا احتجوا بأن الشرع وضع عبادات لم تكن معهودة فافتقرت إلى أسام وكان استعارتها من اللغة أقرب من نقلها من لغة أخرى أو إبداع أسام لها قلنا لا نسلم أنه حدث في الشريعة عبادة لم يكن لها اسم في اللغة فإن قيل فالصلاة في اللغة ليست عبارة عن الركوع والسجود ولا الحج عبارة عن الطواف والسعي قلنا عنه جوابان الأول أنه ليست الصلاة في الشرع أيضا عبارة عنه بل الصلاة عبارة عن الدعاء كما في اللغة والحج عبارة عن القصد والصوم عبارة عن الإمساك والزكاة عبارة عن النمو لكن الشرع شرط في أجزاء هذه الأمور أمورا أخر تنضم إليها فشرط في الاعتداد بالدعاء الواجب انضمام الركوع والسجود إليه وفي قصد البيت أن ينضم إليه الوقوف والطواف والاسم غير متناول له لكنه شرط الاعتداد بما ينطلق عليه الاسم فالشرع تصرف بوضع الشرط لا بتغيير الوضع

Bagian V01/P182–V01/P183

الثاني أنه يمكن أن يقال سميت جميع الأفعال صلاة لكونها متبعا بها فعل الإمام فإن التالي للسابق في الخيل يسمى مصليا لكونه متبعا هذا كلام القاضي رحمه الله والمختار عندنا أنه لا سبيل إلى إنكار تصرف الشرع في هذه الأسامي ولا سبيل إلى دعوى كونها منقولة عن اللغة بالكلية كما ظنه قوم ولكن عرف اللغة تصرف في الأسامي من وجهين أحدهما التخصيص ببعض المسميات كما في الدابة فتصرف الشرع في الحج والصوم والإيمان من هذا الجنس إذ للشرع عرف في الاستعمال كما للعرب والثاني في إطلاقهم الاسم على ما يتعلق به الشيء ويتصل به كتسميتهم الخمر محرمة والمحرم شربها والأم محرمة والمحرم وطؤها فتصرفه في الصلاة كذلك لأن الركوع والسجود شرطه الشرع في تمام الصلاة فشمله الاسم بعرف استعمال الشرع إذ إنكار كون الركوع والسجود ركن الصلاة ومن نفسها بعيد فتسليم هذا القدر من التصرف بتعارف الاستعمال للشرع أهون من إخراج السجود والركوع من نفس الصلاة وهو كالمهم المحتاج إليه إذ ما يصوره الشرع من العبادات ينبغي أن يكون لها أسام معروفة ولا يوجد ذلك في اللغة إلا بنوع تصرف فيه وأما ما استدل به من أن القرآن عربي فهذا لا يخرج هذه الأسامي عن أن تكون عربية ولا يسلب اسم العربي عن القرآن فإنه لو اشتمل على مثل هذه الكلمات بالعجمية لكان لا يخرجه عن كونه عربيا أيضا كما ذكرناه في القطب الأول من الكتاب وأما قوله إنه كان يجب عليه التوقيف على تصرفه فهذا أيضا إنما يجب إذا لم يفهم مقصوده من هذه الألفاظ بالتكرير والقرائن مرة بعد أخرى فإذا فهم هذا فقد حصل الغرض فهذا أقرب عندنا بما ذكره القاضي رحمه الله الفصل الخامس في الكلام المفيد اعلم أن الأمور منقسمة إلى ما يدل على غيره وإلى ما لا يدل فأما ما يدل فينقسم إلى ما يدل بذاته وهو الأدلة العقلية وقد ذكرنا مجامع أقسامها في مدارك العقول من مقدمة الكتاب وإلى ما يدل بالوضع وهو ينقسم إلى صوت وغير صوت كالإشارة والرمز والصوت ينقسم في دلالته إلى مفيد وغير مفيد والمفيد كقولك زيد قائم وزيد خرج راكبا وغير المفيد كقولك زيد لا وعمرو في فإن هذا لا يحصل منه معنى وإن كان آحاد كلماته موضوعة للدلالة وقد اختلف في تسمية هذا كلاما فمنهم من قال هو كمقلوب رجل وزيد لجر وديز فإن هذا لا يسمى كلاما ومنهم من سماه كلاما لأن آحاده وضعت للإفادة واعلم أن المفيد من الكلام ثلاثة أقسام اسم وفعل وحرف كما في علم النحو وهذا لا يكون مفيدا حتى يشتمل على اسمين أسند أحدهما إلى الآخر نحو زيد أخوك والله ربك أو اسم أسند إلى فعل نحو قولك ضرب زيد وقام عمرو وأما الاسم والحرف كقولك زيد من وعمرو في فلا يفيد حتى تقول من مضر وفي الدار وكذلك قولك ضرب قام لا يفيد إذ لم يتخلله اسم وكذلك قولك من في قد على واعلم أن المركب من الاسم والفعل والحرف تركيبا مفيدا ينقسم إلى مستقل بالإفادة من كل وجه وإلى ما لا يستقل بالإفادة إلا بقرينة وإلى ما يستقل بالإفادة من وجه دون وجه مثال الأول قوله تعالى ذلك الإسراء 32 ولا تقتلوا أنفسكم النساء 29 وذلك يسمى نصا لظهوره والنص في السير هو الظهور فيه ومنه منصة العروس للكرسي الذي تظهر عليه والنص ضربان ضرب هو نص بلفظه ومنظومه كما ذكرناه وضرب هو نص بفحواه ومفهومه نحو قوله تعالى فلا تقل لهما أف الإسراء 23 ولا تظلمون فتيلا النساء 77 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الزلزلة 7 ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون آل عمران 75