Qur'an&Sunnah

Teftâzânî — Şerhu'l-Makâsıd (Mâtürîdî/Eş'arî kelam)

Bölüm V02/P203–V02/P204

الخامس وهو في الإخبار عن المغيبات قوله تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ) خص الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب فلا يطلع غيرهم وإن كانوا أولياء مرتضين فما يشاهد من الكهنة إلقاء الجن والشياطين ومن أصحاب التعبير والنجوم ظنون واستدلالات ربما تقع وربما لا تقع ليس من اطلاع الله تعالى في شيء والجواب أن الغيب ههنا ليس للعموم بل مطلق أو معين هو وقت وقوع القيمة بقرينة السياق ولا يبعد أن يطلع عليه بعض الرسل من الملائكة أو البشر فيصح الاستثناء وإن جعل منقطعا فلا خفاء بل لا امتناع حينئذ في جعل الغيب للعموم لكون اسم الجنس المضاف بمنزلة المعرف باللام سيما وقد كان في الأصل مصدرا ويكون الكلام لسلب العموم أي لا يطلع على كل غيبه أحد أو هو لا ينافي اطلاع البعض على البعض وكذا لا إشكال إن خص الاطلاع بطريق الوحي وبالجملة فالاستدلال مبني على أن الكلام لعموم السلب أي لا يطلع على شيء من غيبه أحدا من الأفراد نوعا من الاطلاع وذلك ليس بلازم قال خاتمة

Bölüm V02/P204–V02/P208

حكي عن بعض الكرامية أن الولي قد يبلغ درجة النبي بل أعلى وعن بعض الصوفية أن الولاية أفضل من النبوة لأنها تنبىء عن القرب والكرامة كما هو شأن خواص الملك والمقربين منه والنبوة عن الإنباء والتبليغ كما هو حال من أرسله الملك إلى الرعايا لتبليغ أحكامه إلا أن الولي لا يبلغ درجة النبي لأن النبوة لا تكون بدون الولاية وعن أهل الإباحة والإلحاد أن الولي إذا بلغ الغاية في المحبة وصفاء القلب وكمال الإخلاص سقط عنه الأمر والنهي ولم يضره الذنب ولا يدخل النار بارتكاب الكبيرة والكل فاسد بإجماع المسلمين والأول خاصة بأن النبي مع ماله من شرف الولاية معصوم عن المعاصي مأمون عن سوء العاقبة بحكم النصوص القاطعة مشرف بالوحي ومشاهدة الملك مبعوث لإصلاح حال العالم ونظام أمر المعاش والمعاد إلى غير ذلك من الكمالات والثاني بأن النبوة تنبىء عن البعثة والتبليغ من الحق إلى الخلق ففيها ملاحظة للجانبين ويتضمن قرب الولاية وشرفها لا محالة فلا تقصر عن مرتبة ولاية غير الأنبياء لأنها لا تكون على غاية الكمال لأن علامة ذلك نيل مرتبة النبوة نعم قد يقع تردد في أن نبوة النبي أفضل أم ولايته فمن قائل بالأول لما في النبوة من معنى الوساطة بين الجانبين والقيام بمصالح الخلق في الدارين مع شرف مشاهدة الملك ومن مائل إلى الثاني لما في الولاية من معنى القرب والاختصاص الذي يكون في النبي في غاية الكمال بخلاف ولاية غير النبي وفي كلام بعض العرفاء أن ما قيل الولاية أفضل من النبوة لا يصح مطلقا وليس من الأدب إطلاق القول به بل لا بد من التقييد وهو أن ولاية النبي أفضل من نبوته لأن نبوة التشريع متعلقة بمصلحة الوقت والولاية لا تعلق لها بوقت دون وقت بل قام سلطانها إلى قيام الساعة بخلاف النبوة فإنها مختومة بمحمد صلى الله عليه وسلم من حيث ظاهرها الذي هو الإنباء وإن كانت دائمة من حيث باطنها الذي هو الولاية أعني التصرف في الخلق بالحق فإن الأولياء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم حملة تصرف ولايته بهم يتصرف في الخلق بالحق إلى قيام الساعة ولهذا كانت علامتهم المتابعة إذ ليس الولي إلا مظهر تصرف النبي وإما بطلان القول بسقوط الأمر والنهي فلعموم الخطابات ولأن أكمل الناس في المحبة والإخلاص هم الأنبياء سيما حبيب الله مع أن التكاليف في حقهم أتم وأكمل حتى يعاتبون بأدنى زلة بل بترك الأفضل نعم حكي عن بعض الأولياء أنه استعفى الله عن التكاليف وسأله الإعتاق عن ظواهر العبادات فأجابه إلى ذلك بأن سلبه العقل الذي هو مناط التكليف ومع ذلك كان من علو المرتبة على ما كان وأنت خبير بأن العارف لا يسأم من العبادة ولا يفتر في الطاعة ولا يسأل الهبوط من أوج الكمال إلى حضيص النقصان والنزول من معارج الملك إلى منازل الحيوان بل ربما يحصل له كمال الانجذاب إلى عالم القدس والاستغراق في ملاحظة جناب الحق بحيث يذهل عن هذا العالم ويخل بالتكاليف من غير تأثم بذلك لكونه في حكم غير المكلف كالنائم وذلك لعجزه عن مراعاة الأمرين وملاحظة الجانبين فربما يسأل دوام تلك الحالة وعدم العود إلى عالم الظاهر وهذا الذهول هو الجنون الذي ربما يترجح على بعض العقول والمتسمون به هم المسمون بمجانين العقلاء وبهذا يظهر فضل الأنبياء على الأولياء فإنهم مع أن استغراقهم أكمل وانجذابهم أشمل لا يخلون بأدنى طاعة ولا يذهلون من هذا الجانب ساعة لأن قوتهم القدسية من الكمال بحيث لا يشغلها شاغل عن ذلك الجناب ولهذا ينعى عليهم أدنى زلة عن منهج الصواب قال المبحث التاسع السحر إظهار أمر خارق للعادة من نفس شريرة خبيثة بمباشرة أعمال مخصوصة يجري فيها التعلم والتلمذ وبهذين الاعتبارين يفارق المعجزة والكرامة وبأنه لا يكون بحسب اقتراح المقترحين وبأنه يختص ببعض الأزمنة أو الأمكنة أو الشرائط وبأنه قد يتصدى بمعارضته وببذل الجهد في الإتيان بمثله وبأن صاحبه ربما يعلن بالفسق ويتصف بالرجس في الظاهر والباطن والخزي في الدنيا والآخرة إلى غير ذلك من وجوه المفارقة وهو عند أهل الحق جائز عقلا ثابت سمعا وكذلك الإصابة بالعين وقالت المعتزلة بل هو مجرد إراءة ما لا حقيقة له بمنزلة الشعبذة التي سببها خفة حركات اليد أو إخفاء وجه الحيلة فيه لنا على الجواز ما مر في الإعجاز من إمكان الأمر في نفسه وشمول قدرة الله تعالى فإنه هو الخالق وإنما الساحر فاعل وكاسب وأيضا إجماع الفقهاء وإنما اختلفوا في الحكم وعلى الوقوع وجوه منها قوله تعالى يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت إلى قوله فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله وفيه إشعار بأنه ثابت حقيقة ليس مجرد إراءة وتمويه وبأن المؤثر والخالق هو الله وحده ومنها سورة الفلق فقد اتفق جمهور المسلمين على أنها نزلت فيما كانت من سحر لبيد بن أعصم اليهودي لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مرض ثلاث ليال ومنها ما روى أن جارية سحرت عائشة رضي الله تعالى عنها وأنه سحر ابن عمر رضي الله تعالى عنه فتكوعت يده فإن قيل لو صح السحر لأضرت السحرة بجميع الأنبياء والصالحين ولحصلوا لأنفسهم الملك العظيم وكيف يصح أن يسحر النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى والله يعصمك من الناس ولا يفلح الساحر حيث أتى وكان الكفرة يعيبون النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مسحور مع القطع بأنهم كاذبون قلنا ليس الساحر يوجد في كل عصر وزمان وبكل قطر ومكان ولا ينفذ حكمه كل أوان ولا له يد في كل شان والنبي معصوم من أن يهلكه الناس أو يوقع خللا في نبوته لا أن يوصل ضررا وألما إلى بدنه ومراد الكفار بكونه مسحورا أنه مجنون أزيل عقله بالسحر حيث ترك دينهم فإن قيل قوله تعالى في قصة موسى صلى الله تعالى عليه وسلم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى يدل على أنه لا حقيقة للسحر وإنما هو تخيل وتمويه قلنا يجوز أن يكون سحرهم هو إيقاع ذلك التخييل وقد تحقق ولو سلم فيكون أثره في تلك الصورة هو التحييل لا يدل على أنه لا حقيقة له أصلا وأما الإصابة بالعين وهو أن يكون لبعض النفوس خاصية أنها إذا استحسنت شيئا لحقته الآفة فثبوتها يكاد يجري مجرى المشاهدات التي لا تفتقر إلى حجة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم العين حق وقال العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر وذهب كثير من المفسرين إلى أن قوله تعالى وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم الآية نزل في ذلك وقالوا إن كان العين في بني أسد وكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام فلا يمر به شيء يقول فيه لم أر كاليوم الإعانة فالتمس الكفار من بعض من كانت له هذه الصفة أن يقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فعصمه الله واعترض الجبائي بأن القوم ما كانوا ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم نظراستحسان بل مقت وبغض والجواب أنهم كانوا يستحسنون منه الفصاحة وكثيرا من الصفات وإن كانوا يبغضونه من جهة الدين ثم للقائلين بالسحر والعين اختلاف في جواز الاستعانة بالرقى والعوذ وفي جواز تعليق التمايم وفي جواز النفث والمسح ولكل من الطرفين أخبار وآثار والجواز هو الأرجح والمسئلة بالفقهيات أشبه ولله علم قال الفصل الثاني في المعاد وفيه مباحث وهو مصدر أو مكان وحقيقة العود توجه الشيء إلى ما كان عليه والمراد ههنا الرجوع إلى الوجود بعد الفناء أو رجوع أجزاء البدن إلى الاجتماع بعد التفرق وإلى الحياة بعد الموت والأرواح إلى الأبدان بعد المفارقة وأما المعاد الروحاني المحض على ما يراه الفلاسفة فمعناه رجوع الأرواح إلى ما كانت عليه من التجرد عن علاقة البدن واستعمال الآلات أو التبرىء عما ابتليت به من الظلمات قال المبحث الأول كثير من مباحث المتكلمين يرى في الظاهر أجنبية عن العلم بالعقائد الدينية ويعلم عند تحقيق المقاصد الأصلية أنها نافعة في إيراد الحجج عليها أو دفع الشبه عنها وذلك كإعادة المعدوم وثبوت الجزء والخلاء وصحة الفناء على العالم وجواز الخرق على الأفلاك وعدم اشتراط الحياة بالبنية وعدم لزوم تناهي القوى الجسمانية ونحو ذلك في إثبات الحشر وعذاب القبر والخلود في الجنة أو النار وغير ذلك على اختلاف الآراء وإنما آخر بحث إعادة المعدوم خاصة إلى ههنا لمالها من زيادة الاختصاص بأمر المعاد حيث لا يفتقر إليها إلا في إثبات المعاد بطريق الوجود بعد الفناء اتفق جمهور المتكلمين على جوازها والحكماء على امتناعها وأما المعتزلة فذهب غير البصري إلى جواز إعادة الجواهر لكن بناء على بقاء ذواتها في العدم حتى لو بطلت لاستحالت إعادتها واختلفوا في الأعراض فقال بعضهم يمتنع إعادتها مطلقا لأن المعاد إنما يعاد معنى فيلزم قيام المعنى بالمعنى وإلى هذا ذهب بعض أصحابنا وقال الأكثرون منهم بامتناع إعادة الأعراض التي لا تبقى كالأصوات والإرادات لاختصاصها عندهم بالأوقات وقسموا الباقية إلى ما يكون مقدورا للعبد وحكموا بأنه لا يجوز إعادتها لا للعبد ولا للرب وإلى مالا يكون مقدورا للعبد وجوزوا إعادتها لنا إقناعا أن الأصل فيما لا دليل وجه على وجوبه وامتناعه هو الإمكان على ما قالت الحكماء أن كل ما قرع سمعك من الغرايب فذره في بقعة الإمكان ما لم يدل عليه قائم البرهان فمن ادعى عدم إعادة المعدوم فعليه الدليل وإلزاما أن المعاد مثل المبدأ بل عينه لأن الكلام في إعادة المعدوم بعينه ويستحيل كون الشيء ممكنا في وقت ممتنعا في وقت للقطع بأنه لا أثر للأوقات فيما هو بالذات وعلى هذا لا يرد ما يقال أن العود وهو الوجود ثانيا أخص من مطلق الوجود ولا يلزم من إمكان الأعم إمكان الأخص وقريب من هذا ما يقال أن المعدوم الممكن قابل للوجود ضرورة استحالة الانقلاب فالوجود الأول إن أفادة زيادة استعداد لقبول الوجود على ما هو شأن سائرالقوابل بناء على اكتساب ملكة الإتصاف بالفعل فقد صار قابليته للوجود ثانيا أقرب وإعادته على الفاعل أهون ويشبه أن يكون هذا هو الحق والمراد بقوله تعالى وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وإن لم يفده زيادة الاستعداد فمعلوم بالضرورة أنه لا ينقص عما هو عليه بالذات من قابلية الوجود في جميع الأوقات هذا ولكن الأقرب أن تحمل الإعادة التي جعلت أهون على إعادة الأجزاء وما تفتتت من المواد إلى ما كانت عليه من الصور والتأليفات على ما يشير إليه قوله تعالى قل يحييها الذي أنشأها أول مرة لا على إعادة المعدوم لأنه لم يبق هناك القابل والمستعد فضلا عن الاستعداد القائم به فإن قيل ما معنى كون الإعادة أهون على الله تعالى وقدرته قديمة لا تتفاوت المقدورات بالنسبة إليها قلنا كون الفعل أهون تارة يكون من جهة الفاعل بزيادة شرايط الفاعلية وتارة من جهة القابل بزيادة استعدادات القبول وهذا هو المراد ههنا وأما من جهة قدرة الفاعل فالكل على السواء لا يقال غاية ما ذكرتم أن المعدوم ممكن الوجود في الزمان الثاني كما في الزمان الأول نظرا إلى ذاته وهو لا ينافي امتناع وجوده لأمر لازم له كامتناع الحكم عليه والإشارة إليه على أن الكلام ليس في الوجود بل في الإعادة التي هي الإيجاد ثانيا لذلك الشيء بعينه وإمكان الوجود لا يستلزم إمكانها لأنا نقول لو امتنع المعدوم لأمر لازم له لامتنع وجوده أولا كما لو امتنع لذاته ثم إمكان الوجود مستلزم لإمكان الإيجاد سيما بالنظر إلى قدرة واحدة على أن المراد بالإعادة ههنا كونه معادا وهو معنى الوجود ثانيا قال والمنكرون منهم من ادعى الضرورة وقال الحكم بأن الموجود ثانيا ليس بعينه هو الموجود أولا ضروري لا يتردد فيه العقل عند الخلوص عن شوائب التقليد والتعصب واستحسنه الإمام في المباحث العالية حيث قال ونعم ما قال الشيخ من أن كل من رجع إلى فطرته السليمة ورفض عن نفسه الميل والعصبية شهد عقله الصريح بأن إعادة المعدوم ممتنع والرد بالمنع كيف وقد قال بجوازه كثير من العقلاء وقام البرهان عليه ومنهم من تمسك بوجوه

Bölüm V02/P208–V02/P209

الأول أنه لو أعيد المعدوم بعينه لزم تخلل العدم بين الشيء ونفسه واللازم باطل بالضرورة ورد بمنع ذلك بحسب وقتين فإن معناه عند التحقيق تخلل العدم بين زماني وجوده بعينه واتصاف ذلك الشيء بل وجوه السابق واللاحق نظرا إلى الوقتين لا ينافي اتحاده بالشخص ويكفي لصحة تخلل العدم كتحلل الوجود بين العدم السابق واللاحق وجعل صاحب المواقف هذا الوجه بيانا لدعوى الضرورة وهو مخالف لكلام القوم وللتحقيق فإن ضرورية مقدمة الدليل لا توجب ضرورية المدعي الثاني لو جاز إعادة المعدوم بعينه أي بجميع مشخصاته لجاز إعادة وقته الأول لأنه من جملتها ضرورة أن الموجود بقيد كونه في هذا الوقت غير الموجود بقيد كونه في وقت آخر ولأن الوقت أيضا معدوم بجواز إعادته لعدم التمايز أو بطريق الإلزام على من يقول بجواز إعادة الشكل لكن اللازم باطل لإفضائه إلى كون الشيء مبتدأ من حيث أنه معاد إذ لا معنى للمبتدأ لا الموجود في وقته الأول وفي هذا جمع بين المتقابلين حيث صدق على شيء واحد في زمان واحد من جهة واحدة أنه مبتدأ أو معاد لما أشرنا إليه من لزوم كونه مبتدأ من جهة كونه معادا أو منع لكونه معادا لأنه الموجود في الوقت الثاني وهذا قد وجد في الوقت الأول ورفع للتفرقة والامتياز بين المبتدأ والمعاد حيث لم يكن معادا إلا من حيث كونه مبتدأ والامتياز بينهما بحسب العقل ضروري وقد يجعل هذاالوجه ثلاثة أوجه بحسب ما يلزم من الفسادات والجواب أنا لا نسلم كون الوقت من المشخصات فإنا قاطعون بأن هذا الكتاب هو بعينه الذي كان بالأمس حتى أن من زعم خلاف ذلك نسب إلى السفسطة وتغاير الاعتبارات والإضافات لا ينافي الوحدة الشخصية بحسب الخارج ولو سلم فلا نسلم أن ما يوجد في الوقت الأول يكون مبتدأ البتة وإنما يلزم لو لم يكن الوقت أيضا معادا أو لم يكن هو مسبوقا بحدوث آخر وهذا ما يقال أن المبتدأ هو الواقع أولا لا الواقع في الزمان الأول والمعاد هو الواقع ثانيا لا الواقع في الزمان الثاني وبهذا يمكن أن يدفع ما يقال لو أعيد الزمان بعينه لزم التسلسل لأنه لا مغايرة بين المبتدأ والمعاد بالماهية ولا بالوجود ولا بشيء من العوارض وإلا لم يكن إعادة له بعينه بل بالقبلية والبعدية بأن هذا في زمان سابق وذلك في زمان لاحق فيكون للزمان زمان يمكن إعادته بعد العدم وبتسلسل الثالث لو جاز أن يعاد المعدوم بعينه لجاز أن يوجد ابتداء ما يماثله في الماهية وجميع العوارض المشخصة لأن حكم الأمثال واحد ولأن التقديران وجود فرد بهذه الصفات من جملة الممكنات واللازم باطل لعدم التميز بينه وبين المعاد لأن التقدير اشتراكهما في الماهية وجميع العوارض ورد بأن عدم التميز في نفس الأمر غير لازم كيف ولو لم يتميزا لم يكونا شيئين وعند العقل غير مسلم الاستحالة إذ ربما يلتبس وعلى العقل ما هو متميز في نفس الأمر وقد يجاب بأنه لو صح هذا الدليل لجاز وقوع شخصين متماثلين ابتداء بعين ما ذكرتم ويلزم عدم التميز وحاصله أنه لا تعلق لهذا بإعادة المعدوم

Bölüm V02/P209–V02/P212

الرابع أن المعدوم تمتنع الإشارة إليه إذ لم يبق له ثبوت أصلا فيمتنع الحكم عليه بصحة العود لأن الحكم ثبوت شيء لشيء يقتضي تميزه وثبوته في الجملة والجواب عند المعتزلة القائلين بثبوت المعدوم وبقاء ذاته ظاهر وعندنا أن التميز والثبوت عند العقل كاف في صحة الحكم والاحتياج إلى الثبوت العيني إنما هو عند ثبوت الصفة له في الخارج وما يقال أن القضية تكون حينئذ ذهنية لا حقيقية ولا خارجية فلا يفيد إلا صحة العود في الذهن ليس بشيء لأنا نأخذ للقضية مفهوما عاما هو أن ما يصدق عليه الوصف العنواني في الجملة يصدق عليه المحمول فالمعنى ههنا أن ما يصدق عليه أنه معدوم في الخارج يصدق عليه أنه يوجد في الخارج ولو سلم فالذهنية معناها أن الموضوع المأخوذ في الذهن محكوم عليه بالمحمول فالمعنى ههنا أن المعنى الذهني المعدوم في الخارج يصح أن يعاد ويوجد في الخارج وبالجملة فهذا كما يقال المعدوم الممكن يجوز أن يوجد ومن سيولد يجوز أن يتعلم إلى غير ذلك من الحكم على ما ليس بموجود في الخارج حال الحكم وقد يجاب عن جميع الوجوه بأنا نعني بالإعادة أن يوجد ذلك الشيء الذي هو بجميع أجزائه وعوارضه بحيث يقطع كل من يراه بأنه هو ذلك الشيء كما يقال أعد كلامك أي تلك الحروف بتأليفها وهيئاتها ولا يضر كون هذا معادا في زمان وذاك مبتدأ وفي زمان آخر ولا مناقشة في أن هذا نفس الأول أو مثله وهذاالقدر كاف في إثبات الحشر ولا يبطل بشيء من الوجوه قال المبحث الثاني الفلاسفة الطبيعيون الذين لا يعتد بهم في المسئلة ولا في الفلسفة أنه لا معاد للبشر أصلا زعما منهم أنه هذا الهيكل المحسوس بما له من المزاج والقوى والأعراض وأن ذلك يفنى بالموت وزوال الحياة ولا يبقى إلا المواد العنصرية المتفرقة وأنه لا إعادة للمعدوم وفي هذا تكذيب للعقل على ما يراه المحققون من أهل الفلسفة وللشرع على ما يراه المحققون من أهل الملة وتوقف جالينوس في أمر المعاد لتردده في أن النفس هو المزاج فيفنى بالموت فلا يعاد أم جوهر باق بعد الموت فيكون له المعاد واتفق المحققون من الفلاسفة والمليين على حقية المعاد واختلفوا في كيفيته فذهب جمهور المسلمين إلى أنه جسماني فقط لأن الروح عندهم جسم سار في البدن سريان النار في الفحم والماء في الورد وذهب الفلاسفة إلى أنه روحاني فقط لأن البدن ينعدم بصوره وأعراضه فلا يعاد والنفس جوهر مجرد باق لا سبيل إليه للفناء فيعود إلى عالم المجردات بقطع التعلقات وذهب كثير من علماء الإسلام كالإمام الغزالي والكعبي والحلمي والراغب والقاضي أبي زيد الدبوسي إلى القول بالمعاد الروحاني والجسماني جميعا ذهابا إلى أن النفس جوهر مجرد يعود إلى البدن وهذا رأي كثير من الصوفية والشيعة والكرامية وبه يقول جمهورالنصارى والتناسخية قال الإمام الرازي إلا أن الفرق أن المسلمين يقولون بحدوث الأرواح وردها إلى الإبدان لا في هذا العالم بل في الآخرة والتناسخية بقدمها وردها إليها في هذا العالم وينكرون الآخرة والجنة والنار وإنما نبهنا على هذا الفرق لأنه يغلب على الطباع العامية أن هذا المذهب يجب أن يكون كفرا وضلالا لكونه مما ذهب إليه التناسخية والنصارى ولا يعلمون أن التناسخية إنما يكفرون لإنكارهم القيامة والجنة والنار والنصارى لقولهم بالتثليث وأما القول بالنفوس المجردة فلا يرفع أصلا من أصول الدين بل ربما يؤيده ويبين الطريق إلى إثبات المعاد بحيث لا يقدح فيه شبه المنكرين كذا في نهاية العقول وقد بالغ الإمام الغزالي في تحقيق المعاد الروحاني وبيان أنواع الثواب والعقاب بالنسبة إلى الروح حتى سبق إلى كثير من الأوهام ووقع في السنة بعض العوام أنه ينكر حشر الأجساد افتراء عليه كيف وقد صرح به في مواضع من كتاب الأحياء وغيره وذهب إلى أن إنكاره كفر وإنما لم يشرحه في كتبه كثير شرح لما قال أنه ظاهر لا يحتاج إلى زيادة بيان نعم ربما يميل كلامه وكلام كثير من القائلين بالمعادين إلى أن معنى ذلك أن يخلق الله تعالى من الأجزاء المتفرقة لذلك البدن بدنا فيعيد إليه نفسه المجردة الباقية بعد خراب البدن ولا يضرنا كونه غير البدن الأول بحسب الشخص ولا امتناع إعادة المعدوم بعينه وما شهد به النصوص من كون أهل الجنة جردا مرد أو كون ضرس الكافر مثل جبل أحد يعضد ذلك وكذا قوله تعالى كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ولا يبعد أن يكون قوله تعالى أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم إشارة إلى هذا فإن قيل فعلى هذا يكون المثاب والمعاقب باللذات والآلام الجسمانية غير من عمل الطاعة وارتكب المعصية قلنا العبرة في ذلك بالإدراك وإنما هو للروح ولو بواسطة الآلات وهو باق بعينه وكذا الأجزاء الأصلية من البدن ولهذا يقال للشخص من الصبا إلى الشيخوخة أنه هو بعينه وإن تبدلت الصور والهيئات بل كثير من الآلات والأعضاء ولا يقال لمن جنى في الشباب فعوقب في المشيب أنها عقوبة لغير الجاني قال لنا المعتمد في إثبات حشرالأجساد دليل السمع والمفصح عنه غاية الإفصاح من الأديان دين الإسلام ومن الكتب القرآن ومن الأنبياء محمد عليه السلام والمعتزلة يدعون إثباته بل وجوبه بدليل العقل وتقريره أنه يجب على الله ثواب المطيعين وعقاب العاصين وإعواض المستحقين ولا يتأتى ذلك إلا بإعادتهم بأعيانهم فيجب لأن مالا يتأتى الواجب إلا به واجب وربما يتمسكون بهذا في وجوب الإعادة على تقدير الفناء ومبناه على أصلهم الفاسد في الوجود على الله تعالى وفي كون ترك الجزاء ظلما لا يصح صدوره من الله تعالى مع إمكان المناقشة في أن الواجب لا يتم إلا به وأنه لا يكفي المعاد الروحاني ويدفعون ذلك بأن المطيع والعاصي هي هذه الجملة أو الأجزاء الأصلية لا الروح وحده ولا يصل الجزاء إلى مستحقه إلا بإعادتها والجواب أنه إن اعتبر الأمر بحسب الحقيقة فالمستحق هو الروح لأن مبنى الطاعة والعصيان على الإدراكات والإرادات والأفعال والحركات وهو المبدأ للكل وإن اعتبر بحسب الظاهر يلزم أن يعاد جميع الأجزاء الكائنة من أول التكليف إلى الممات ولا يقولون بذلك فالأولى التمسك بدليل السمع وتقريره أن الحشر والإعادة أمر ممكن أخبر به الصادق فيكون واقعا أما الإمكان فلأن الكلام فيما عدم بعد الوجود أو تفرق بعد الاجتماع أو مات بعد الحياة فيكون قابلا لذلك والفاعل هو الله القادر على كل الممكنات العالم بجميع الكليات والجزئيات وأما الأخبار فلما تواتر من الأنبياء سيما نبينا عليه السلام أنهم كانوا يقولون بذلك ولما ورد في القرآن من نصوص لا يحتمل أكثرها التأويل مثل قوله تعالى قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور إلى غير ذلك من الآيات وفي الأحاديث أيضا كثيرة وبالجملة فإثبات الحشر من ضروريات الدين وإنكاره كفر بيقين فإن قيل الآيات المشعرة بالمعاد الجسماني ليست أكثر وأظهر من الآيات المشعرة بالتشبيه والجبر والقدر ونحو ذلك وقد وجب تأويلها قطعا فلنصرف هذه أيضا إلى بيان المعاد الروحاني وأحوال سعادة النفوس وشقاوتها بعد مفارقة الأبدان على وجه يفهمه العوام فإن الأنبياء مبعثون إلى كافة الخلائق لإرشادهم إلى سبيل الحق وتكميل نفوسهم بحسب القوة النظرية والعملية وتبقية النظام المفضي إلى صلاح الكل وذلك بالترغيب والترهيب بالوعد والوعيد والبشارة بما يعتقدونه لذة وكمالا والإنذار عما يعتقدونه ألما ونقصانا وأكثرهم عوام تقصر عقولهم عن فهم الكمالات الحقيقية واللذات العقلية وتقتصر على ما ألفوه من اللذات والآلام الحسية وعرفوه من الكمالات والنقصانات البدنية فوجب أن تخاطبهم الأنبياء بما هو مثال للمعاد الحقيقي ترغيبا وترهيبا للعوام وتتميما لأمر النظام وهذا ما قال أبو نصر الفارابي أن الكلام مثل وخيالات للفلسفة قلنا إنما يجب التأويل عند تعذر الظاهر ولا تعذر ههنا سيما على القول بكون البدن المعاد مثل الأول لا عينه وما ذكرتم من حمل كلام الأنبياء ونصوص الكتاب على الإشارة إلى مثال معاد النفس والرعاية لمصلحة العامة نسبة للأنبياء إلى الكذب فيما يتعلق بالتبليغ والقصد إلى تضليل أكثر الخلائق والتعصب طول العمر لترويج الباطل وإخفاء الحق لأنهم لا يفهمون إلا هذه الظواهر التي لا حقيقة لها عندكم نعم لو قيل أن هذه الظواهر مع إرادتها من الكلام وثبوتها في نفس الأمر مثل للمعاد الروحاني واللذات والآلام العقلية وكذا أكثر ظواهر القرآن على ما يذكره المحققون من علماء الإسلام لكان حقا لا ريب فيه ولا اعتداد بمن ينفيه قال احتج المنكرون بوجوه

Bölüm V02/P212–V02/P213

الأول إن المعاد الجسماني موقوف على إعادة المعدوم وقد بان استحالتها وجه التوقف إما على تقدير كونها إيجادا بعد الفناء فظاهر وإما على تقدير كونها جمعا وإحياء بعد التفرق والموت فللقطع بفناء التأليف والمزاج والحياة وكثير من الأعراض والهيئات والجواب منع امتناع الإعادة وقد تكلمنا على أدلته ولو سلم فالمراد إعادة الأجزاء إلى ما كانت عليه من التأليف والحياة ونحو ذلك ولا يضرنا كون المعاد مثل المبدأ لا عينه الثاني لو أكل إنسان إنسانا وصار غداء له جزأ من بدنه فالأجزاء المأكولة إما أن تعاد في بدن الآكل أو في بدن المأكول وأيا ما كان لا يكون أحدهما بعينه معادا بتمامه على أنه لا أولوية لجعلها جزأ من بدن أحدهما دون الآخر ولا سبيل لجعلها جزأ من كل منهما وأيضا إذا كان الآكل كافرا والمأكول مؤمنا يلزم تنعيم الأجزاء العاصية أو تعذيب الأجزاء المطيعة والجواب أنا نعني بالحشر إعادة الأجزاء الأصلية الباقية من أول العمر إلى آخره لا الحاصلة بالتغذية فالمعاد من كل من الآكل والمأكول الأجزاء الأصلية الحاصلة في أول الفطرة من غير لزوم فساد فإن قيل يجوز أن يصير تلك الأجزاء الغذائية الأصلية في المأكول الفصل في الآكل نطفة وأجزاء أصلية لبدن آخر ويعود المحذور قلنا الفساد إنما هو في وقوع ذلك لا في إمكانه فلعل الله تعالى يحفظها من أن تصير جزأ لبدن آخر فضلا عن أن يصير جزأ أصليا وقد ادعى المعتزلة أنه يجب على الحكيم حفظها عن ذلك ليتمكن من أيصال الجزاء إلى مستحقه ونحن نقول لعله يحفظها عن التفرق فلا يحتاج إلى إعادة الجمع والتأليف بل إنما يعاد إلى الحياة في الصور والهيئات فإن قيل الآيات الواردة في باب الحشر من مثل من يحيي العظام وهي رميم أئذا متنا وكنا ترابا إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد تشعر بأن الأصلية وغير الأصلية ومتنازع المحق والمبطل ومتوارد الإثبات والنفي هي إعادة الأجزاء بأسرها إلى الحياة لا الأصلية وحدها ولا إعادة المعدوم بعينه قلنا ومن الآيات ما هو مسوق لنفس الإعادة مثل وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة وكان المنكرين استبعدوا إحياء ما كانوا يشاهدون من الرميم والتراب فأزيل استبعادهم بتذكير ابتداء الفطرة والتنبيه على كمال العلم والقدرة وأما حديث إعادة المعدوم والأجزاء الأصلية فلعله لم يخطر ببالهم

Bölüm V02/P213–V02/P214

الثالث أن الإعادة لا لغرض عبث لا يليق بالحكيم ولغرض عائد إلى الله تعالى نقص يجب تنزيهه عنه ولغرض عائد إلى العباد أيضا باطل لأنه إما أيصال ألم وهو لا يليق بالحكيم وإما أيصال لذة ولا لذة في الموجود سيما في عالم الحس فكل ما يتخيل لذة فإنما هو خلاص عن الألم ولا ألم في العدم أو الموت ليكون الخلاص عنه لذة مقصودة بالإعادة بل إنما يتصور ذلك بأن يوصل إليه ألما ثم يخلصه عنه فتكون اإلإعادة لإيصال ألم يعقبه خلاص وهو غير لائق بالحكمة والجواب منع لزوم الفرض وقبح الحلو عنه في فعل الله تعالى ثم منع انحصار الغرض في أيصال اللذة والألم إذ يجوز أن يكون نفس إيصال الجزاء إلى من يستحقه غرضا ثم منع كون اللذة دفعا للألم وخلاصا عنه كيف واللذة والألم من الوجدانيات التي لا يشك العاقل في تحققها وقد سبق تحقيق ذلك ثم منع كون اللذات الأخروية من جنس الدنيوية بحسب الحقيقة ليلزم كونها دفعا للألم وخلاصا عنه قال تنبيه القائلون بالمعاد الروحاني فقط أو به وبالجسماني جميعا هم الذين يقولون بالنفوس الناطقة مجردة باقية لا تفنى بخراب البدن لما سبق من الدلائل ويشهد بذلك نصوص من الكتاب والسنة فلا حاجة للأولين إلى زيادة بيان في إثبات المعاد لأنه عبارة عن عود النفس إلى ما كانت عليه من التجرد أو التبرؤ من ظلمات التعلق وبقائها ملتذة بالكمال أو متألمة بالنقصان ولا للآخرين بعد إثبات حشر الأجساد لأن القول بإحياء البدن مع تعلق نفس أخرى به تدبر أمره وبقاء نفسه معطلة أو متعلقة ببدن آخر غير مقبول عند العقل ولا منقول من أحد كيف ونفسها مناسبة لذلك المزاج آلفة به لم تفارقه إلا لانتفاء قابليته لتصرفاتها فحين عادت القابلية عاد التعلق لا محالة وقد يقال أن قوله تعالى فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ورضوان من الله أكبر إشارة إلى المعاد الروحاني وكذا الأحاديث الواردة في حال أرواح المؤمنين وخصوصا الصديقين والشهداء والصالحين وأنها في حواصل طيور خضر في قناديل من نور معلقة تحت العرش وإن كانت ظواهرها مشعرة بأن الأرواح من قبيل الأجسام على ما قال إمام الحرمين أن الأظهر عندنا أن الأرواح أجسام لطيفة مشابكة للأجسام المحسوسة أجرى الله تعالى العادة باستمرار حياة الأجساد ما استمرت مشابكتها بها فإذا فارقها يعقب الموت الحياة في استمرار العادة ثم الروح يعرج به ويرفع في حواصل طيور خضر في الجنة ويهبط به إلى سجين من الكفرة كما وردت فيه الآثار والحياة عرض يحيى به الجوهر والروح يحيى بالحياة أيضا إن قامت به الحياة فهذا قولنا في الروح كذا في الإرشاد قال المبحث الثالث قد سبقت في مباحث الجسم إشارة إلى أن الأجسام باقية غير متزايلة على ما يراه النظام وقابلة للفناء غير دائمة البقاء على ما يراه الفلاسفة قولا بأنها أزلية أبدية والجاحظ وجمع من الكرامية قولا بأنها أبدية غير أزلية وتوقف أصحاب أبي الحسين في صحة الفناء واختلف القائلون بها في أن الفناء بإعدام معدم أو بحدوث ضد أو بانتفاء شرط أما الأول فذهب القاضي وبعض المعتزلة إلى أن الله تعالى يعدم العالم بلا واسطة فيصير معدوما كما أوجده كذلك فصار موجودا وذهب أبو الهذيل إلى أنه تعالى يقول له إفن فيفنى كما قال له كن فكان وأما الثاني فذهب جمهور المعتزلة إلى أن فناء الجوهر بحدوث ضد له هو الفناء ثم اختلفوا فذهب ابن الإخشيد إلى أن الفناء وإن لم يكن متحيزا لكنه يكون حاصلا في جهة معينة فإذا أحدثه الله تعالى فيها عدمت الجواهر بأسرها وذهب ابن شبيب إلى أن الله تعالى يحدث في كل جوهر فناء ثم ذلك الفناء يقتضي عدم الجوهر في الزمان الثاني وذهب أبو علي وأتباعه إلى أنه يخلق بعدد كل جوهر فناء لا في محل فيفنى الجواهر وقال أبو هاشم وأشياعه يخلق فناء واحد لا في محل فتفنى به الجواهر بأسرها

Bölüm V02/P214–V02/P215

وأما الثالث وهو أن فناء الجوهر بانقطاع شرط وجوده فزعم بشر أن ذلك الشرط بقاء يخلقه الله تعالى لا في محل فإذا لم يوجد عدم الجوهر وذهب الأكثرون من أصحابنا والكعبي من المعتزلة إلى أنه بقاء قائم به يخلقه الله تعالى حالا فحالا فإذا لم يخلقه الله تعالى فيه انتفى الجوهر وقال إمام الحرمين بأنها الأعراض التي يجب اتصاف الجسم بها فإذا لم يخلقها الله فيه فني وقال القاضي في أحد قوليه هو الأكوان التي يخلقها الله تعالى في الجسم حالا فحالا فمتى لم يخلقها فيه انعدم وقال النظام أنه ليس بباق بل يخلق حالا فحالا فمتى لم يخلق فني وأكثر هذه الأقاويل من قبيل الأباطيل سيما القول يكون الفناء أمرا محققا في الخارج وضدا للبقاء قائما بنفسه أو بالجوهر وكون البقاء موجود إلا في محل ولعل وجه البطلان غني عن البيان قال المبحث الرابع يعني أن القائلين بصحة الفناء وبحقية حشر الأجساد اختلفوا في أن ذلك بإيجاد بعد الفناء أو بالجمع بعد تفرق الأجزاء والحق التوقف وهو اختيار إمام الحرمين حيث قال يجوز عقلا أن تعدم الجواهر ثم تعاد وأن تبقى وتزول أعراضها المعهودة ثم تعاد بنيتها ولم يدل قاطع سمعي على تعيين أحدهما فلايبعد أن يغير أجسام العباد على صفة أجسام التراب ثم يعاد تركيبها إلى ما عهد ولا تحيل أن يعدم منها شيء ثم يعاد والله أعلم احتج الأولون بوجوه الأول الإجماع على ذلك قبل طهور المخالفين كبعض المتأخرين من المعتزلة وأهل السنة ورد بالمنع كيف وقد أطبقت معتزلة بغداد على خلافه نعم كان الصحابة مجمعين على بقاء الحق وفناء الخلق بمعنى هلاك الأشياء وموت الأحياء وتفرق الأجزاء لا بمعنى انعدام الجواهر بالكلية لأن الظاهر أنهم لم يكونوا يخوضون في هذه التدقيقات الثاني قوله تعالى هو الأول والآخر أي في الوجود ولا يتصور ذلك إلا بانعدام ما سواه وليس بعد القيامة وفاقا فيكون قبلها وأجيب بأنه يجوز أن يكون المعنى هو مبدأ كل موجود وغاية كل مقصود أو هو المتوحد في الألوهية أو صفات الكمال كما إذا أقيل لك هذا أول من زارك وآخرهم فتقول هو الأول والآخر وتريد أنه لا زائر سواه أو هو الأول والآخر بالنسبة إلى كل حي بمعنى أنه يبقى بعد موت جميع الأحياء أو هو الأول خلقا والآخر رزقا كما قال خلقكم ثم رزقكم وبالجملة فليس المراد أنه آخر كل شيء يحسب الزمان للاتفاق على أبدية الجنة ومن فيها الثالث قوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه فإن المراد به الانعدام لا الخروج عن كونه منتفعا به لأن الشيء بعد التفرق يبقى دليلا على الصانع وذلك من أعظم المنافع وأجيب بأن المعنى أنه هالك في حد ذاته لكونه ممكنا لايستحق الوجود إلا بالنظر إلى العلة أو المراد بالهلاك الموت أو الخروج عن الانتفاع المقصود به اللائق بحاله كما يقال هلك الطعام إذا لم يبق صالحا للأكل وإن صلح لمنفعة أخرى ومعلوم أن ليس مقصود الباري تعالى من كل جوهر الدلالة عليه وإن صلح لذلك كما أن من كتب كتابا ليس مقصوده بكل كلمة الدلالة على الكاتب أو المراد الموت كما في قوله تعالى إن امرؤ هلك وقيل معناه كل عمل لم يقصد به وجه الله تعالى فهو هالك أي غير مثاب عليه

Bölüm V02/P215–V02/P216

الرابع قوله تعالى وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده كما بدأنا أول خلق نعيده كما بدأكم تعودون والبدأ من العدم فكذا العود وأيضا إعادة الخلق بعد إبدائه لا تتصور بدون تخلل العدم وأجيب بأنا لا نسلم أن المراد بإبداء الخلق الإيجاد والإخراج عن العدم بل الجمع والتركيب على ما يشعر به قوله وبدأ خلق الإنسان من طين ولهذا يوصف بكونه مرئيا مشاهدا كقوله تعالى أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق وأما القول بأن الخلق حقيقة في التركيب تمسكا بمثل قوله تعالى خلقكم من تراب أي ركبكم ويخلقون إفكا أي يركبونه فلا يكون حقيقة في الإيجاد دفعا للاشتراك فضعيف جدا لإطباق أهل اللغة على أنه إحداث وإيجاد مع تقدير سواء كان عن مادة كما في خلقكم من تراب أو بدونه كما في خلق الله العالم الخامس قوله تعالى كل من عليها فان والفناء هو العدم وأجيب بالمنع بل هو خروج الشيء عن الصفة التي ينتفع به عندها كما يقال فني زاد القوم وفني الطعام والشراب ولهذا يستعمل في الموت مثل أفناهم الحرب وقيل معنى الآية كل من على وجه الأرض من الأحياء فهو ميت قال الإمام الرازي ولو سلم كون الهلاك والفناء بمعنى العدم فلا بد في الآيتين من تأويل إذ لو حملنا على ظاهرهما لزم كون الكل هالكا فانيا في الحال وليس كذلك وليس التأويل بكونه آئلا إلى العدم على ما ذكرتم أولى من التأويل بكونه قابلا له وهذا منه إشارة إلى ما اتفق عليه أئمة العربية من كون اسم الفاعل ونحوه مجازا في الاستقبال وأنه لا بد من الاتصاف بالمعنى المشتق منه وإنما الخلاف في أنه هل يشترط بقاء ذلك المعنى وقد توهم صاحب التلخيص أنه كالمضارع مشترك بين الحال والاستقبال فاعترض بأن حمله على الاستقبال ليس تأويلا وصرفا عن الظاهر قال احتج الآخرون وهم القائلون بأن حشر الأجساد إنما هو بالجمع بعد التفريق لا بالإيجاد بعد الانعدام بوجوه الأول أنه لو عدمت الأجساد لما كان الجزاء واصلا إلى مستحقه واللازم باطل سمعا عندنا بالنصوص الواردة في أن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا وعقلا عند المعتزلة لما سبق من وجوب ثواب المطيع وعقاب العاصي بيان اللزوم أن المعاد لا يكون هو المبدأ بل مثله لامتناع إعادة المعدوم بعينه ورد بالمنع وقد مر بيان ضعف أدلته ولو سلم فلا يقوم على من يقول ببقاء الروح والأجزاء الأصلية وإعدام البواقي ثم إيجادها إن لم يكن الثاني هو الأول بعينه بل مغايرا له في صفة الابتداء والإعادة أو باعتبار آخر ولا شك أن العمدة في الاستحقاق هو الروح على ما مر وقد يقرر بأنها لو عدمت لما علم إيصال الجزاء إلى مستحقه لأنه لا يعلم أن ذلك المحشور هو الأول أعيد بعينه أم مثل له خلق على صفته إما على تقدير الفناء بالكلية فظاهر وإما على تقدير بقاء الروح والأجزاء الأصلية فلانعدام التركيب والهيئات والصفات التي بها تمايز المثلين سيما على قول من يجعل الروح أيضا من قبيل الأجسام واللازم منتف لأن الأدلة قائمة على وصول الجزاء إلى المستحق لا يقال لعل الله تعالى يحفظ الروح والأجزاء الأصلية عن التفرق والانحلال بل الحكمة يقتضي ذلك ليعلم وصول الحق إلى المستحق لأنا نقول المقصود إبطال رأي من يقول بفناء الأجساد بجميع الأجزاء بل أجسام العالم بأسرها ثم الإيحاد وقد حصل ولو سلم فقد علمت أن العمدة في الحشر هو الأجزاء الأصلية لا الفضلية وقد سلمتم أنها لا تفرق فضلا عن الانعدام بالكلية بل الجواب أن المعلوم بالأدلة هو أن الله يوصل الجزاء إلى المستحق ولا دلالة على أنا نعلم ذلك بالإيصال البتة وكفى بالله عليما ولو سلم فلعل الله يخلق علما ضروريا أو طريقا جليا جزئيا أو كليا

Bölüm V02/P216–V02/P218

الثاني وهو للمعتزلة أن فعل الحكيم لا بد أن يكون لغرض لامتناع العبث عليه ولا يتصور له غرض في الإعدام إذ لا منفعة فيه لأحد لأنها إنما تكون مع الوجود بل الحياة وليس أيضا جزاء المستحق كالعذاب والسؤال والحساب ونحو ذلك وهذا ظاهر ورد بمنع انحصار الغرض في المنفعة والجزاء فلعل لله تعالى في ذلك حكما ومصالح لا يعلمها غيره على أن في الإخبار بالإعدام لطفا للمكلفين وإظهار الغاية العظمة والاستغناء والتفرد بالدوام والبقاء ثم الإعدام تحقيق لذلك وتصديق وقد يورد الوجهان على طريق تفريق الأجزاء أما الثاني فظاهر وأما الأول فلانعدام التأليف والهيئات التي بها التمايز فإما أن تمتنع الإعادة أو يلتبس المعاد بالمثل ويجاب بأنه يجوز أن لا تنعدم الصفات التي بها التمايز كاختصاص الجواهر بما لها من الجهات مثلا ولو سلم فالمستحق هو تلك الجواهر الموصوفة الباقية لا مجموع الجواهر والصفات والتعينات كما إذا جنى وهو شاب سمين سليم الأعضاء واقتص منه حين صار هرما عجيفا ساقط الأعضاء وعن الثاني بأن في التفريق منفعة الاعتبار وإمكان اللذة والألم على طريق الجزاء الثالث النصوص الدالة على كون النشور بالإحياء بعد الموت والجمع بعد التفريق لا الإيجاد وبعد العدم كقوله تعالى وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى الآية وكقوله تعالى أو كالذي مر على قرية إلى قوله ثم نكسوها لحما وكقوله كذلك النشور و كذلك تخرجون و كما بدأكم تعودون بعد ما ذكر بدأ الخلق من طين على وجه يرى ويشاهد مثل أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ( وكقوله تعالى يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش إلى غير ذلك من الآيات المشعرة بالتفريق دون الإعدام والجواب أنها لا تنفي الإعدام وإن لم تدل عليه وإنما سيقت بيانا لكيفية الإحياء بعد الموت والجمع بعد التفريق لأن السؤال وقع عن ذلك ولأنه أظهر في بادي النظر والشواهد عليه أكثر ثم هي معارضة بما سبق من الآيات المشعرة بالإعدام والفناء قال المبحث الخامس جمهور المسلمين على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن خلافا لأبي هاشم والقاضي عبدالجبار ومن يجري مجراهما من المعتزلة حيث زعموا أنهما إنما يخلقان يوم الجزاء لنا وجهان الأول قصة آدم وحواء وإسكانهما الجنة ثم إخراجهما عنها بأكل الشجرة وكونهما يخصفان عليهما من ورق الجنة على ما نطق به الكتاب والسنة وانعقد عليه الإجماع قبل ظهور المخالفين وحملها على بستان من بساتين الدنيا يجري مجرى التلاعب بالدين والمراغمة لإجماع المسلمين ثم لا قائل بخلق الجنة دون النار فثبوتها ثبوتها الثاني الآيات الصريحة في ذلك كقوله تعالى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى وكقوله في حق الجنة أعدت للمتقين أعدت للذين آمنوا بالله ورسله وأزلفت الجنة للمتقين وفي حق النار أعدت للكافرين وبرزت الجحيم للغاوين وحملها على التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي مبالغة في تحققه مثل ونفخ في الصور ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار خلاف الظاهر فلا يعدل إليه بدون قرينة تمسك المنكرون بوجوه الأول أن خلقهما قبل يوم الجزاء عبث لا يليق بالحكيم وضعفه ظاهر الثاني أنهما لو خلقتا لهلكتا لقوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه واللازم باطل للإجماع على دوامهما وللنصوص الشاهدة بدوام أكل الجنة وظلها وأجيب بتخصيصها من آية الهلاك جمعا بين الأدلة ويحمل الهلاك على غير الفناء كما مر وبأن الدوام المجمع عليه هو أنه لا انقطاع لبقائهما ولا انتهاء لوجودهما بحيث لا يبقيان على العدم زمانا يعتد به كما في دوام المأكول فإنه على التجدد والانقضاء قطعا وهذا لا ينافي فناء لحظة

Bölüm V02/P218–V02/P224

الثالث أنهما لو وجدتا الآن فإما في هذا العالم أو في عالم آخر وكلاهما باطل أما الأول فلأنه لا يتصور في أفلاكه لامتناع الحرق والالتيام عليها وحصول العنصريات فيها وهبوط آدم منها ولا في عنصرياته لأنها لا تسع جنة عرضها كعرض السماء والأرض ولأنه لا معنى للتناسخ إلا عود الأرواح إلى الأبدان مع بقائها في عالم العناصر وأما الثاني فلأنه لا بد في ذلك العالم أيضا من جهات مختلفة إنما تتحد بالمحيط والمركز فيكون كريا فلا يلاقي هذا العالم إلا بنقطة فيلزم بين العالمين خلاء وقد تبين استحالته ولأنه يشتمل لا محالة على عناصر لها فيه أحياز طبيعية فيكون لعنصر واحد حيزان طبيعيان ويلزم سكون كل عنصر في حيزه الذي في ذلك العالم لكونه طبيعيا له وحركته عنه إلى حيزه الذي في هذا العالم لكونه خارجا عنه واجتماع الحركة والسكون محال وإن لم يلزم الحركة والسكون فلا اقل من لزوم الميل إليه وعنه ولأنه لا محالة يكون في جهة من محدد هذا العالم والمحدد في جهة منه فيلزم تحدد الجهة قبله لا به مع لزوم الترجح بلا مرجح لاستواء الجهات والجواب أن مبني ذلك على أصول فلسفية غير مسلمة عندنا كاستحالة الخلاء وامتناع الخرق والالتيام ونفي القادر المختار الذي بقدرته وإرادته تحديد الجهات وترجيح المتساويات إلى غير ذلك من المقدمات على أن ما ادعوا تحدده بالمحيط والمركز إنما هو من جهة العلو والسفل لا غير ودليلهم على امتناع الخرق إنما قام في المحدد لا غير وكون العالمين في محيط منهما بمنزلة تدويرين في ثخن فلك لا يستلزم الخلاء ولا يمتنع كون عناصر العالمين مختلفة الطبايع ولا كون تحيزهما في أحد العالمين غير طبيعي وليس التناسخ عود الأرواح إلى أبدانها بل تعلقها ببدن آخر في هذا العالم لا يقال هذا الدليل لا يليق بالقائلين بوجود الجنة والنار يوم الجزاء لأنه على تقدير تمامه ينفي وجود جنة يدخلها الناس ويوجد فيها العنصريات لابتناء ذلك على خرق الأفلاك لأنا نقول على تقدير افناء هذا العالم بالكلية وإيجاد عالم آخر فيه الجنة والنار والإنسان وسائر العنصريات لا يلزم الخرق ولا غيره من المحالات فلذا خص هذا الدليل بنفي الجنة والنار مع وجود هذا العالم قال ( خاتمة ) لم يرد نص صريح في تعيين مكان الجنة والنار والأكثرون على أن الجنة فوق السماوات السبع وتحت العرش تشبثا بقوله تعالى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى وقوله عليه السلام سقف الجنة عرش الرحمن والنار تحت الأرضين السبع والحق تفويض ذلك إلى علم العليم الخبير قال المبحث السادس في سؤال القبر وعذابه اتفق الإسلاميون على حقية سؤال منكر ونكير في القبر وعذاب الكفار وبعض العصاة فيه ونسب خلافه إلى بعض المعتزلة قال بعض المتأخرين منهم حكي إنكار ذلك عن ضرار بن عمرو وإنما نسب إلى المعتزلة وهم براء منه لمخالطة ضرار إياهم وتبعه قوم من السفهاء المعاندين للحق لنا الآيات كقوله تعالى في آل فرعون النار يعرضون عليها غدوا وعشيا أي قبل القيامة وذلك في القبر بدليل قوله تعالى ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب وكقوله تعالى في قوم نوح أغرقوا فأدخلوا نارا والفاء للتعقيب وكقوله تعالى ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين وإحدى الحياتين ليست إلا في القبر ولا يكون إلا لأنموذج ثواب أو عقاب بالاتفاق وكقوله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله والأحاديث المتواترة المعنى كقوله صلى الله عليه وسلم القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران وكما روي أنه عليه السلام مر بقبرين فقال إنهما ليعذبان الحديث وكالحديث المعروف في الملكين اللذين هما يدخلان القبر ومعهما مرزبتان فيسألان الميت عن ربه وعن دينه وعن نبيه إلى غير ذلك من الأخبار والآثار المسطورة في الكتب المشهورة وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذته من عذاب القبر واستفاض ذلك في الأدعية المأثورة تمسك المنكرون بالسمع والعقل أما السمع وهو للمعترفين بظواهر الشرايع فقوله تعالى لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ولو كان في القبر حياة ولا محالة يعقبها موت إذ لا خلاف في إحياء الحشر لكان لهم قبل دخول الجنة موتتان لا موتة واحدة فقط فإن قيل ما معنى هذا الاستثناء ومعلوم أن لا موت في الجنة أصلا ولو فرض فلا يتصور ذوق الموتة الأولى فيها قلنا هو منقطع أي لكن ذاقوا الموتة الأولى أو متصل على قصد المبالغة في عدم انقطاع نعيم الجنة بالموت بمنزلة تعليقه بالمحال أي لو أمكنت فيها موتة لكانت الموتة الأولى التي مضت وانقضت لكن ذلك محال فإن قيل وصف الموتة بالأولى يشعر بموتة ثانية وليست إلا بعد إحياء القبر فتكون الآية حجة على المتمسك لا له قلنا المراد بالأولى بالنسبة إلى ما يتوهم في الجنة ويقصد نفيها فإن قيل يجوز ألا يراد الواحد بالعدد بل المتحقق المقابل بهذا المتوهم على ما يتناول موتة الدنيا وموتة القبر قلنا يأباه بناء المرة وتاء الوحدة وكذا قوله تعالى وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ولو كان في القبر إحياء لكانت الإحياآت ثلاثة في الدنيا وفي القبر وفي الحشر وقوله تعالى وما أنت بمسمع من في القبور ولو كان في القبر إحياء لصح إسماع والجواب أن إثبات الواحد أو اثنين لا ينفي وجود الثاني أو الثالث على أن التعليق بأحد المحالين كاف في المبالغة وإثبات الإماتة والإحياء فكقوله تعالى ثم يميتكم ثم يحييكم يمكن حمله على جميع ما يقع بعد حياة الدنيا من الإماتة والإحياء في الدنيا وفي القبر والحشر إذ لا دلالة للفعل على المرة لكن ربما يقال أن في لفظ ثم الثانية بعض نبوة عن ذلك ثم الظاهر أن المراد الإماتة في الدنيا والإحياء في الآخرة ولم يتعرض لما في القبر لخفاء أمره وضعف أثره على ما سيجيء فلا يصلح ذكره في معرض الدلالة على ثبوت الألوهية ووجوب الإيمان والتعجب والتعجيب من الكفر وأما في قولهم أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فالإماتتان في الدنيا وفي القبر وكذا الإحياآن وترك ما في الآخرة لأنه معاين وقيل بل ما في القبر وما في الحشر لأن المراد إحياء تعقبه معرفة ضرورية بالله واعتراف بالذنوب وأما قوله تعالى وما أنت بمسمع من في القبور فتمثيل لحال الكفرة بحال الموتى ولا نزاع في أن الميت لا يسمع وأما العقل فلأن اللذة والألم والمسئلة والتكلم ونحو ذلك لا يتصور بدون العلم والحياة ولا حياة مع فساد البنية وبطلان المزاج ولو سلم فإنا نرى الميت أو المقتول أو المصلوب يبقى مدة من غير تحرك وتكلم ولا أثر تلذذ أو تألم وربما يدفن في صندوق أو لحد ضيق لا يتصور فيه جلوسه على ما ورد في الخبر وربما يذر على صدره كف من الذرة فترى باقية على حالها بل ربما يأكله السباع أو تحرقه النار فيصير رمادا تذروه الرياح في المشارق والمغارب فكيف يعقل حياته وعذابه وسؤاله وجوابه وتجويز ذلك سفسطة وليس بأبعد من تجويز حياة سرير الميت وكلامه وتعذيب خشبة المصلوب واحتراقها ونحن نراها بحالها والجواب إجمالا أن جميع ما ذكرتم استبعادات لا تنفي الإمكان كسائر خوارق العادات وإذ قد أخبر الصادق بها لزم التصديق وتفصيلا أنا لا نسلم اشتراط الحياة بالبنية ولو سلم فيجوز أن يبقى من الأجزاء قدر ما يصلح بنية والتعذيب والمسئلة يجوز أن يكون للروح الذي هو أجسام لطيفة أو للأجزاء الأصلية الباقية فلا يمتنع أن لا يشاهده الناظر ولا أن يخفيه الله تعالى عن الإنس والجن لحكمة لا اطلاع لنا عليها ولا أن يتحقق مع كون الميت في بطون السباع ومن قال بالقادر المختار المحيي المميت لا يستبعد توسيع اللحد والصندوق ولا حفظ الذرة على صدر المتحرك والقول بأن تجويز أمثال ذلك يفضي إلى السفطسة إنما يصح فيما لم يقم عليه الدليل ولم يخبر به الصادق وأما ما يقول به الصالحية والكرامية من جواز التعذيب بدون الحياة لأنها ليست شرطا للإدراك وابن الراوندي من أن الحياة موجودة في كل ميت لأن الموت ليست ضدا للحياة بل هو آفة كلية معجزة عن الأفعال الاختيارية غير منافية للعلم فباطل لا يوافق أصول أهل الحق قال خاتمة اتفق أهل الحق على أن الله يعيد إلى الميت في القبر نوع حياة قدر ما يتألم ويتلذذ ويشهد بذلك الكتاب والأخبار والآثار ولكن توقفوا في أنه هل يعاد الروح إليه أم لا وما يتوهم من امتناع الحياة بدون الروح ممنوع وإنما ذلك في الحياة الكاملة التي يكون معها القدرة والأفعال الاختيارية وقد اتفقوا على أن الله تعالى لم يخلق في الميت القدرة والأفعال الاختيارية فلهذا لا يعرف حياته كمن أصابته سكتة ويشكل هذا بجوابه لمنكر ونكير على ما ورد في الحديث قال المبحث السابع في سائر السمعيات المتعلقة بأمر المعاد وجملة الأمر أنها أمور ممكنة نطق بها الكتاب والسنة وانعقد عليها إجماع الأمة فيكون القول بها حقا والتصديق بها واجبا فمنها المحاسبة المشار إليها بقوله تعالى إن الله سريع الحساب وبقوله عليه الصلاة والسلام حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وأهوالها هول الوقوف قيل ألف سنة وقيل خمسون ألفا وقيل أقل وقيل أكثر والله أعلم قال الله تعالى وقفوهم إنهم مسؤولون يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وهول تطاير الكتب قال الله تعالى فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وقال وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا وهول المسئلة وقفوهم إنهم مسؤولون فوربك لنسألنهم أجمعين وهول شهادة الشهود العشرة الألسنة والأيدي والأرجل والسمع والأبصار والجلود والأرض والليل والنهار والحفظة الكرام قال الله تعالى يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون وقال شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقال عليه الصلاة والسلام ما من يوم وليلة يأتي على ابن آدم إلا قال أنا ليل جديد وأنا فيما يعمل في شهيد وكذا قال في اليوم وقال الله تعالى وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد وهول تغير الألوان قال الله تعالى يوم تبيض وجوه وتسود وجوه وقال وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة وهول المناداة بالسعادة أو الشقاوة وقال عليه السلام يكون عند كل كفة الميزان ملك فإذا ترجح كفة الخير نادى الملك الأول ألا إن فلانا سعد سعادة لا شقاوة بعدها أبدا وإذا ترجح الكفة الأخرى نادى الملك الثاني ألا إن فلانا شقي شقاوة لا سعادة بعدها أبدا والحكمة في هذه المحاسبة والأهوال مع أن المحاسب خبير والناقد بصير ظهور مراتب أرباب الكمال وفضايح أصحاب النقصان على رؤس الأشهاد زيادة في الذات هؤلاء ومسراتهم وآلام أولئك وأحزانهم ثم في هذا ترغيب في الحسنات وزجر عن السيئات وهل يظهر أثر هذه الأهوال في الأنبياء والأولياء والصلحاء والأتقياء فيه تردد والظاهر السلامة لقوله تعالى تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ومنها الصراط وهو جسر ممدود على متن جهنم يرده الأولون والآخرون أدق من الشعر وأحد من السيف على ما ورد في الحديث الصحيح ويشبه أن يكون المرور عليه هو المراد بورود كل أحد النار على ما قال تعالى وإن منكم إلا واردها وأنكره القاضي عبدالجبار وكثير من المعتزلة زعما منهم أنه لا يمكن الحظور عليه ولو أمكن ففيه تعذيب ولا عذاب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة قالوا بل المراد به طريق الجنة المشار إليه بقوله تعالى سيهديهم ويصلح بالهم وطريق النار المشار إليه بقوله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقيل المراد الأدلة الواضحة وقيل العبادات كالصلاة والزكاة ونحوهما وقيل الأعمال الردية التي يسأل عنها ويؤاخذ بها كأنه يمر عليها ويطول المرور بكثرتها ويقصر بقلتها والجواب أن إمكان العبور ظاهر كالمشي على الماء والطيران في الهواء غايته مخالفة العادة ثم الله تعالى يسهل الطريق على من أراد كما جاء في الحديث إن منهم من يمر كالبرق الخاطف ومنهم من يمر كالريح الهابة ومنهم من يمر كالجواد ومنهم من تخور رجلاه وتتعلق يداه ومنهم من يخر على وجهه ومنها الميزان قال الله تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة وقال فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية ذهب كثير من المفسرين إلى أنه ميزان له كفتان ولسان وساقان عملا بالحقيقة لإمكانها وقد ورد في الحديث تفسيره بذلك وأنكره بعض المعتزلة ذهابا إلى أن الأعمال أعراض لا يمكن وزنها فكيف إذا زالت وتلاشت بل المراد به العدل الثابت في كل شيء ولذا ذكره بلفظ الجمع وإلا فالميزان المشهور واحد وقيل هو الإدراك فميزان الألوان البصر والأصوات السمع والطعوم الذوق وكذا سائر الحواس وميزان المعقولات العلم والعقل وأجيب بأنه يوزن صحايف الأعمال وقيل بل تجعل الحسنات أجساما نورانية والسيئات أجساما ظلمانية وأما لفظ الجمع فللاستعظام وقيل لكل مكلف ميزان وإنما الميزان الكبير واحد إظهارا لجلالة الأمر وعظمة المقام ومنها الحوض قال تعالى إنا أعطيناك الكوثر وفي الحديث حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه أكثر من نجوم السماء من شرب منها فلا يظمأ أبدا وقال الصحابة له عليه السلام أين نطلبك يوم الحشر فقال على الصراط فإن لم تجدوا فعلى الميزان فإن لم تجدوا فعلى الحوض قال المبحث الثامن في تقرير مذهب الحكماء في الجنة والنار والثواب والعقاب أما القائلون بعالم المثل فيقولون بالجنة والنار وسائر ما ورد به الشرع من التفاصيل لكن في عالم المثل لا من جنس المحسوسات المحضة على ما يقول به الإسلاميون وأما الأكثرون فيجعلون ذلك من قبيل اللذات والآلام العقلية وذلك أن النفوس البشرية سواء جعلت أزلية كما هو رأي أفلاطون أو لا كما هو رأي أرسطو فهي أبدية عندهم لا تفنى بجراب البدن بل تبقى ملتذة بكمالاتها مبتهجة بإدراكاتها وذلك سعادتها وثوابها وجنانها على اختلاف المراتب وتفاوت الأحوال أو متألمة بفقد الكمالات وفساد الاعتقادات وذلك شقاوتها وعقابها ونيرانها على ما لها من اختلاف التفاصيل وإنما لم تتنبه لذلك في هذا العالم لاستغراقها في تدبير البدن وانغماسها في كدورات عالم الطبيعة لما بها من العلايق والعوايق الزايلة بمفارقة البدن فما ورد في لسان الشرع من تفاصيل الثواب والعقاب وما يتعلق بذلك من السمعيات فهي مجازات وعبارت عن تفاصيل أحوالها في السعادة والشقاوة واختلاف أحوالها في اللذات والآلالم والتدرج مما لها من دركات الشقاوة إلى درجات السعادة فإن الشقاوة السرمدية إنما هي الجهل المركب الراسخ والشرارة المضادة للملكة الفاضلة لا الجهل البسيط والأخلاق الخالية عن غايتي الفضل والشرارة فإن شقاوتها منقطعة بل ربما لا تقتضي الشقاوة أصلا وتفصيل ذلك أن فوات كمالات النفس يكون إما لأمر عدمي كنقصان غريزة العقل أو وجودي كوجود الأمور المضادة للكمالات وهي إما راسخة أو غير راسخة وكل واحد من الأقسام الثلاثة إما أن يكون بحسب القوة النظرية أو العملية يصير ستة فالذي بحسب نقصان الغريزة في القوتين معا فهو غير مجبور بعد الموت ولا عذاب بسببه أصلا والذي بسبب مضاد راسخ في القوة النظرية كالجهل المركب الذي صار صورة للنفس غير مفارقة عنها فغير مجبور أيضا لكن عذابه دايم وأما الثلاثة الباقية أعني النظرية غير الراسخة كاعتقادات العوام والمقلدة والعملية الراسخة وغير الراسخة كالأخلاق والملكات الردية المستحكمة وغير المستحكمة فيزول بعد الموت لعدم رسوخها أو لكونها هيئات مستفادة من الأفعال والأمزجة فيزول بزوالها لكنها تختلف في شدة الرداءة وضعفها وفي سرعة الزوال وبطئه فيختلف العذاب بها في الكم والكيف بحسب الاختلافين وهذا إذا عرفت النفس أن لها كمالا فإنها لاكتسابها ما يضاد الكمال أو لاشتغالها بما يصرفها عن اكتساب الكمال أو لتكاسلها في اقتناء الكمال وعدم اشتغالها بشيء من العلوم وأما النفوس السليمة الخالية عن الكمال وعما يضاده وعن الشوق إلى الكمال فتبقى في سعة من رحمة الله تعالى خالصة من البدن إلى سعادة تليق بها غير متألمة بما يتأذى به الأشقياء إلا أنه ذهب بعض الفلاسفة إلى أنها لا يجوز أن تكون معطلة عن الإدراك فلا بد أن تتعلق بأجسام أخر لما أنها لا تدرك إلا بالآلات الجسمانية وحينئذ إما أن تصير مبادي صور لها وتكون نفوسا لها وهذا هو القول بالتناسخ وإما أن لا تصير وهذا هو الذي مال إليه ابن سينا والفارابي من أنها تتعلق بأجرام سماوية لا على أن تكون نفوسا لها مدبرة لأمورها بل على أن تستعملها لإمكان التخيل ثم تتخيل الصور التي كانت معتقدة عندها وفي وهمها فتشاهد الخيرات الأخروية على حسب ما تتخيلها قالوا ويجوز أن يكون هذا الجرم متولدا من الهواء والأدخنة من غير أن يقارن مزاجا يقتضي فيضان نفس إنسانية ثم إن الحكماء وإن لم يثبتوا المعاد الجسماني والثواب والعقاب المحسوسين فلم ينكروها غاية الإنكار بل جعلوها من الممكنات لا على وجه إعادة المعدوم وجوزوا حمل الآيات الواردة فيها على ظواهرها وصرحوا بأن ذلك ليس مخالفا للأصول الحكمية والقواعد الفلسفية ولا مستبعد الوقوع في الحكمة الإلهية لأن للتبشير والإنذار نفعا ظاهرا في أمر نظام المعاش وصلاح المعاد ثم الإيفاء بذلك التبشير والإنذار بثواب المطيع وعقاب العاصي تأكيد لذلك وموجب لازدياد النفع فيكون خيرا بالقياس إلى الأكثرين وإن كان ضرا في حق المعذب فيكون من جملة الخير الكثير الذي يلزمه شر قليل بمنزلة قطع العضو لإصلاح البدن قال المبحث التاسع الثواب فضل من الله تعالى والعقاب عدل من غير وجوب عليه ولا استحقاق من العبد خلافا للمعتزلة إلا أن الخلف في الوعد نقص لا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى فيثيب المطيع البتة إنجازا لوعده بخلاف الخلف في الوعيد فإنه فضل وكرم يجوز إسناده إليه فيجوز أن لا يعاقب العاصي ووافقنا في ذلك البصريون من المعتزلة وكثير من البغداديين ومعنى كون الثواب أو العقاب غير مستحق أنه ليس له حقا لازما يقبح تركه وأما الاستحقاق بمعنى ترتبهما على الأفعال والتروك وملايمة إضافتهما إليهما في مجاري العقول والعادات فمما لا نزاع فيه كيف وقد ورد بذلك الكتاب والسنة في مواضع لا تحصى وأجمع السلف على أن كلا من فعل الواجب والمندوب ينتهض سببا للثواب ومن فعل الحرام وترك الواجب سببا للعقاب وبنوا أمر الترغيب في اكتساب الحسنات واجتناب السيئات على إفادتهما الثواب والعقاب لنا وجوه

Bölüm V02/P224–V02/P225

الأول وهو العمدة ما مر أنه لا يجب على الله تعالى شيء لا الثواب على الطاعة ولا العقاب على المعصية الثاني أن طاعات العبد وإن كثرت لا تفي بشكر بعض ما أنعم الله عليه فكيف يتصور استحقاق عوض عليها ولو استحق العبد بشكره الواجب عوضا لاستحق الرب على ما يوليه من الثواب عوضا وكذا العبد على خدمته لسيده الذي يقوم بمؤنته وإزاحة علله والولد على خدمته لأبيه الذي يربيه وعلى مراعاته وتوخي مرضاته لا يقال لا يجوز أن تكون الطاعة شكرا للنعمة لأن العقلاء يستقبحون الإحسان إلى الغير لتكليفه الشكر ولأن الشكر يتصور بدون تكليف المشاق والمضار كشكر أهل الجنة فلا بد لتكليف المشاق من عوض ليخرج عن العبث لأنا نقول بعد تسليم قاعدة الحسن والقبح ولزوم العوض وقبح الإحسان لتكليف الشكر فوجوب الشكر على الإحسان لا يوجب كون الإحسان لأجله حتى يقبح وكون تكليف المشاق لغرض لا يوجب كونه لغرض ولو سلم لكفى بترتب التفضل عليه عوضا الثالث أنه لو وجب الثواب والعقاب بطريق الاستحقاق وترتب المسبب على السبب لزم أن يثاب من واظب طول عمره على الطاعات وارتد نعوذ بالله تعالى في آخر الحياة وأن يعاقب من أصر دهرا على كفره وتبرأ وأخلص الإيمان في آخر عمره ضرورة تحقق الوجوب والاستحقاق واللازم باطل بالاتفاق لا يقال يجوز أن يكون موت المطيع على الطاعة والعاصي على المعصية شرطا في استحقاق الثواب والعقاب على ما هو قاعدة الموافاة لأنا نقول لو كان كذلك لم يتحقق الاستحقاق أصلا لعدم الشرط عند تحقق العلة وانقضاء العلة عند تحقق الشرط احتج المخالف بوجوه الأول أن إلزام المشاق من غير منفعة مؤقتة تقابلها تكون ظلما والله منزه عن الظلم وتلك المنفعة هي الثواب ثم أن الفعل لا يجب عقلا لأجل تحصيل المنفعة وإلا لوجب النوافل وإنما يجب لدفع المضرة فلزم استحقاق العقاب بتركه ليحسن إيجابه ورد بعد تسليم لزوم الغرض بأنه يجوز أن يكون شكرا للنعم السابقة أو يكون الغرض أمرا آخر كحصول السرور بالمدح على أداء الواجب واحتمال المشاق في طاعة الخالق على أنه يجوز أن يكون إيجاب الواجبات بناء على أن لها وجه وجوب في أنفسها وما يقال من أنه لو كان كذلك لوجب على الله تعالى أن لا يجعلها شاقة علينا بأن يزيد في قوانا لأن وجه الوجوب لا يتوقف على كونها شاقة كرد الوديعة وترك الظلم يجب سواء كان شاقا أو لا فليس بشيء لجواز أن يكون وجوبها بهذا الوجه ولأن الوجوب وإن لم يتوقف على كونها شاقة لكن لم يكن منافيا لذلك فيجوز أن تجعل شاقة لغرض آخر الثاني أنه لو لم يجب الثواب والعقاب لأفضى ذلك إلى التواني في الطاعات والاجتراء على المعاصي لأن الطاعات مشاق ومخالفات للهوى لا تميل إليها إلا بعد القطع بلذات ومنافع تربى عليها والمعاصي شهوات ومستلذات لا ينزجر عنها النفس إلا مع القطع بآلام ومضار تترتب عليها ورد بأن شمول الوعد والوعيد للكل وغلبة ظن الوفاء بهما وكثرة الأخبار والآثار في ذلك كاف في الترغيب والترهيب ومجرد جواز الترك غير قادح

Bölüm V02/P225–V02/P228

الثالث الآيات والأحاديث الواردة في تحقق الثواب والعقاب يوم الجزاء فلو لم يجب وجاز العدم لزم الخلف والكذب ورد بأن غايته الوقوع البتة وهو لا يستلزم الوجوب على الله والاستحقاق من العبد على ما هو المدعى هذا والمذهب جواز الخلف في الوعيد بأن لا يقع العذاب وحينئذ يتأكد الإشكال وسنتكلم عليه في بحث العفو إن شاء الله تعالى قال خاتمة في فروع للمعتزلة على استحقاق الثواب والعقاب منها أنهم بعد الاتفاق على أنه يستحق الثواب والمدح بفعل الواجب والمندوب وفعل ضد القبيح بشرط أن يكون فعل الواجب لوجوبه كالواجب المعين أو لوجه وجوبه كالواجب المخير وفعل المندوب لندبيته أو لوجه ندبيته وفعل ضد القبيح لكونه تركا للقبيح بأن يفعل المباح لكونه تركا للحرام ويستحق العذاب والذم بفعل القبيح اختلفوا في أنه هل يستحق المدح والثواب بالإخلال بالقبيح لكونه إخلالا به والذم والعقاب على الإخلال بالواجب فقال المتقدمون لا بل إنما يستحق المدح والثواب بفعل عند الإخلال بالقبيح هو ترك القبيح والذم والعقاب على فعل عند الإخلال بالواجب هو ترك الواجب لأن الإخلال عدمي لا يصلح علة للاستحقاق الوجودي ولأن كل أحد يخل كل لحظة بما لا يتناهى من القبايح وقال المتأخرون كأبي هاشم وأبي الحسين وعبدالجبار نعم للنصوص الصريحة في تعليل العقاب بعدم الإتيان بالواجب كقوله تعالى خذوه فغلوه إلى قوله إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين وكقوله حكاية ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين ومنها أنه يجب اقتران الثواب بالتعظيم والعقاب بالإهانة للعلم الضروري باستتحقاقهما وقيل لأنه يحسن التفضل بالمنافع العظيمة ابتداء فإلزام المشاق والمضار لأجلها يكون عبثا بخلاف التعظيم فإنه لا يحسن التفضل به ابتداء من غير استحقاق كتعظيم البهائم والصبيان ومنها أنه يجب دوامهما لكونه لطفا أو يقرب المكلف إلى الطاعة ويبعده عن المعصية ولأن التفضل بالمنافع الدائمة حسن إجماعا فلا يحسن التكليف للثواب المنقطع الذي هو أدنى حالا ومنها أنه يجب خلوصهما عن الشوب لكونه أدخل في الترغيب والترهيب ولأنه واجب في العوض مع كونه أدنى حالا من الثواب لخلوه عن التعظيم فإن قيل ثواب أهل الجنة يشوبه شوق كل ذي مرتبة إلى ما فوقها ومشقة وجوب شكر المنعم وترك القبايح وعقاب أهل النار يشوبه ثواب ترك القبايح فيها أجيب بأن كل ذي مرتبة في الجنة يكون فرحا بما عنده لا يطلب الأعلى ويعد الشكر لذة وسرورا لا يحصى ويكون في شغل شاغل عن القبايح وذكرها والتألم بتركها وأهل النار لا يثابون لكونهم مضطرين إلى ترك القبايح ومنها اختلافهم في وقت استحقاق الثواب والعقاب فعند البصرية حالة الطاعة والمعصية وعند البغدادية في الآخرة وقيل في حال الاحترام وقيل وقت الفعل بشرط الموافاة وهو أن لا تحبط الطاعة والمعصية إلى الموت وليس لأحد تمسك يعول عليه سوى ما قيل بأن المدح والذم يثبتان حال الفعل فكذا الثواب والعقاب لكونهما من موجبات الفعل مثلهما وإنما حسن تأخير تمام الثواب إلى دار الآخرة لمانع وهو لزوم الجمع بين المتنافيين فإن من شرط الثواب الخلوص عن شوب المشاق ومن لوازم التكليف الشوب بها وتمسك الاخرون بالنصوص المقتضية لتأخير الأجزية وبلزوم الجمع بين المتنافيين كما ذكر ولا خفاء في أن ذلك لا ينافي ثبوت الاستحقاق في دارالتكليف والظاهر أن مراد الأولين ثبوت أصل الاستحقاق ومراد الآخرين وجوب الأداء وقال بعضهم الحق أن التكليف لا يجامع كل الجزاء للزوم المحال بخلاف البعض كتعظيم المؤمن ونصرته على الأعداء وكالحدود فإنه يجامع التكليف فلم يجب تأخيره قال المبحث العاشر أجمع المسلمون على خلود أهل الجنة في الجنة وخلود الكفار في النار فإن قيل القوى الجسمانية متناهية فلا تقبل خلود الحياة وأيضا الرطوبة التي هي مادة الحياة تفنى بالحرارة سيما حرارة نار الجحيم فتفضي إلى الفناء ضرورة وأيضا دوام الإحراق مع بقاء الحياة خروج عن قضية العقل قلنا هذه قواعد فلسفية غير مسلمة عند المليين ولا صحيحة عند القائلين بإسناد الحوادث إلى القادر المختار وعلى تقدير تناهي القوى وزوال الحياة يجوز أن يخلق الله البدل فيدوم الثواب والعقاب قال الله تعالى كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب هذا حكم الكافر الجاهل المعاند وكذا من بالغ في الطلب والنظر واستفراغ المجهود ولم ينل المقصود خلافا للجاحظ والعنبري حيث زعما أنه معذور إذ لا يليق بحكمة الحكيم أن يعذبه مع بذل الجهد والطاقة من غير جرم وتقصير كيف وقد قال الله تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا شك أن عجز المتخير أشد وهذا الفرق خرق للإجماع وترك للنصوص الواردة في هذا الباب هذا في حق الكفار عنادا واعتقادا وأما الكفار حكما كأطفال المشركين فكذلك عند الأكثرين لدخولهم في العمومات ولما روي أن خديجة رضي الله عنها سألت النبي عليه السلام عن أطفالها الذين ماتوا في الجاهلية فقال هم في النار وقالت المعتزلة ومن تبعهم لا يعذبون بل هم خدم أهل الجنة على ما ورد في الحديث لأن تعذيب من لا جرم له ظلم ولقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون ونحو ذلك وقيل من علم الله تعالى منه الإيمان والطاعة على تقدير البلوغ ففي الجنة ومن علم منه الكفر والعصيان ففي النار واختلف أهل الإسلام فيمن ارتكب الكبيرة من المؤمنين ومات قبل التوبة فالمذهب عندنا عدم القطع بالعفو ولا بالعقاب بل كلاهما في مشيئة الله تعالى لكن على تقدير التعذيب نقطع بأنه لا يخلد في النار بل يخرج البتة لا بطريق الوجوب على الله تعالى بل بمقتضى ما سبق من الوعد وثبت بالدليل كتخليد أهل الجنة وعند المعتزلة القطع بالعذاب الدايم من غير عفو ولا إخراج من النار ويعبر عن هذا بمسئلة وعيد الفساق وعقوبة العصاة وانقطاع عذاب أهل الكبائر ونحو ذلك وليس في مسئلة الاستحقاق ووجوب العقاب غنى عن ذلك لأن التخليد أمر زايد على التعذيب ولا في مسئلة العفو لأنه بطريق الاحتمال دون القطع ولأنه شاع في ترك العقاب بالكلية وهذا قطع بالخروج بعد الدخول وما وقع في كلام البعض من أن صاحب الكبيرة عند المعتزلة ليس في الجنة ولا في النار فغلط نشأ من قولهم أن له المنزلة بين المنزلتين أي حالة غير الإيمان والكفر وأما ما ذهب إليه مقاتل بن سليمان وبعض المرجئة من أن عصاة المؤمنين لا يعذبون أصلا وإنما النار للكفار تمسكا بالآيات الدالة على اختصاص العذاب بالكفار مثل إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين فجوابه تخصيص ذلك بعذاب لا يكون على سبيل الخلود وأما تمسكهم بمثل قوله عليه السلام من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق فضعيف لأنه إنما ينفي الخلود لا الدخول لنا وجوه

Bölüm V02/P228–V02/P230

الأول وهو العمدة الآيات والأحاديث الدلالة على أن المؤمنين يدخلون الجنة البتة وليس ذلك قبل دخول النار وفاقا فتعين أن يكون بعده وهو مسئلة انقطاع العذاب أو بدونه وهو مسئلة العفو التام قال الله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون وقال النبي عليه السلام من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وقال من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة وإن زنى وإن سرق الثاني النصوص المشعرة بالخروج من النار كقوله تعالى النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وكقوله عليه السلام يخرج من النار قوم بعدما امتحشوا وصاروا فحما وحميما فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل وخبر الواحد وإن لم يكن حجة في الأصول لكن يفيد التأييد والتأكيد بتعاضد النصوص الثالث وهو على قاعدة الاعتزال أن من واظب على الإيمان والعمل الصالح مائة سنة وصدر عنه في أثناء ذلك أو بعده جريمة واحدة كشرب جرعة من الخمر فلا يحسن من الحكيم أن يعذبه على ذلك أبد الآباد ولو لم يكن هذا ظلما فلا ظلم أو لم يستحق بهذا ذما فلا ذم الرابع أن المعصية متناهية زمانا وهو ظاهر وقدرا لما يوجد من معصية أشد منها فجزاؤها يجب أن يكون متناهيا تحقيقا لقاعدة العدل بخلاف الكفر فإنه لا يتناهى قدرا وإن تناهى زمانه وأما التمسك بأن الخلود في النار أشد العذاب وقد جعل جزاء لأشد الجنايات وهو الكفر فلا يصح جعله جزاء بما هو دونه كالمعاصي فربما يدفع بتفاوت مراتب العذاب في الشدة وإن تساوت في عدم الانقطاع الخامس أنه استحق الثواب بالإيمان والطاعات عقلا عندكم ووعدا عندنا ولا يزول ذلك الاستحقاق بارتكاب الكبيرة لما سيجيء فيكون لزوم اتصال الثواب إليه بحالة وما ذاك إلا بالخروج من النار والدخول في الجنة وهو المطلوب واحتجت المعتزلة بوجوه الأول الآيات الدالة على الخلود المتناولة للكافر وغيره كقوله تعالى ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها وقوله ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وقوله وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ومثل هذا مسوق للتأييد ونفي الخروج وقوله وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين وعدم الغيبة عن النار خلود فيها وقوله ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وليس المراد تعدي جميع الحدود بارتكاب الكبائر كلها تركا وإتيانا فإنه محال لما بين البعض من التضاد كاليهودية والنصرانية والمجوسية فيحمل على مورد الآية من حدود المواريث وقوله بلا من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون والجواب بعد تسليم كون الصيغ للعموم أن العموم غير مراد في الآية الأولى للقطع بخروج التائب وأصحاب الصغائر وصاحب الكبيرة الغير المنصوصة إذا أتى بعدها بطاعات يربى ثوابها على عقوباته فليكن مرتكب الكبيرة من المؤمنين أيضا خارجا بما سبق من الآيات والأدلة وبالجلمة فالعام المخرج منه البعض لا يفيد القطع وفاقا ولو سلم فلا نسلم تأبيد الاستحقاق بل هو مغيا بغاية رؤية الوعيد لقوله بعده حتى إذا رأوا ما يوعدون ولو سلم فغايته الدلالة على استحقاق العذاب المؤبد لا على الوقوع كما هو المتنازع لجواز الخروج بالعفو وما يقال من أنا لا نسلم كون حتى للغاية بل هي ابتدائية ولو سلم فغاية لقوله يكونون عليه لبدا أو لمحذوف أي يكونون على ما هم عليه حتى يروا فخارج عن قانون التوجيه وكذا ما يقال أنه لما ثبت الاستحقاق المؤبد جزما وهو مختلف فيه حصل إلزام الخصم ولم يثبت العفو والخروج بالشك وعن الثانية بأن معنى متعمدا مستحلا فعله على ما ذكره ابن عباس رضي الله تعالى عنه إذ التعمد على الحقيقة إنما يكون من المستحل أو بأن التعليق بالوصف يشعر بالحيثية فيخص بمن قتل المؤمن لإيمانه أو بأن الخلود وإن كان ظاهرا في الدوام والمراد ههنا المكث الطويل جمعا بين الأدلة لا يقال الخلود حقيقة في التأبيد لتبادر الفهم إليه ولقوله تعالى وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ولأنه يؤكد بلفظ التأبيد مثل خالدين فيها أبدا وتأكيد الشيء تقوية لمدلوله ولأن العمومات المقرونة بالخلود متناولة للكفار والمراد في حقهم التأبيد وفاقا فكذا في حق الفساق لئلا يلزم إرادة معنيي المشترك أو المعنى الحقيقي والمجازي معا لأنا نقول لا كلام في أن المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق والشايع في الاستعمال هو الدوام لكن قد يستعمل في المكث الطويل المنقطع كسجن مخلد ووقف مخلد فيكون محتملا على أن في جعله لمطلق المكث الطويل نفيا للمجاز والاشتراك فيكون أولى ثم أن المكث الطويل سواء جعل معنى حقيقيا أو مجازيا أعم من أيكون مع دوام كما في حق الكفار أو انقطاع كما في حق الفساق فلا محذور في إرادتهم جميعا وح فلا نسلم أن التأبيد تأكيد بل تقييد ولو سلم فالمراد به تأكيد لطول المكث إذ قد يقال حبس مؤبد ووقف مؤبد وعن الثالثة بأنها في حق الكافرين المنكرين للحشر بقرينة قوله ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون مع ما في دلالتها على الخلود من المناقشة الظاهرة لجواز أن يخرجوا عند عدم إرادتهم الخروج بالبأس أو الذهول أو نحو ذلك وعن الرابعة بعد تسليم إفادتها النفي عن كل فرد ودلالتها على دوام عدم الغيبة إنما يخص بالكفار جمعا بين الأدلة وكذا الخامسة والسادسة حملا للحدود على حدود الإسلام ولإحاطة الخطيئة على غلبتها بحيث لا يبقى معها الإيمان هذا مع ما في الخلود من الاحتمال الثاني أن الفاسق لو دخل الجنة لكان باستحقاق لامتناع دخول غير المستحق كالكافر واللازم منتف لبطلان الاستحقاق بالإحباط أو الموازنة على ما سيجيء ورد بمنع المقدمتين بل إنما يدخل بفضل الله ورحمته ووعده ومغفرته وسنتكلم على الإحباط والموازنة

Bölüm V02/P230

الثالث لو انقطع عذاب الفاسق لانقطع عذاب الكافر قياسا عليه بجامع تناهي المعصية ورد بمنع غلبة التناهي ومنع تناهي الكفر قدرا ومنع اعتبار القياس في مقابلة النص والإجماع وفي الاعتقادات

Bölüm V02/P230–V02/P232

الرابع أن الوعيد بالعقاب الدائم لطف بالعباد لكونه أزجر عن المعاصي فإن منهم من لا يكترث بالعذاب المنقطع عند الميل إلى المستلذات ثم لا بد من تحقيق الوعيد تصديقا للخبر وصونا للقول عن التبديل ورد بمنع وجوب اللطف ومنع انحصاره في الدوام فإن من لا يكترث باللبث في الجحيم أحقابا قلما يستكثر الخلود فيها عقابا وإذ قد كان كل وعيد لطفا ولا شيء من الوعيد يطلق للكل فليكن لطف الخلود في النار مختصا بالكفار وكفى بوعيد النيران بل وعد الجنان لطفا ومزجرة لأهل الإيمان ولو وجب ما هو الغاية في اللطف والزجر لما صح الاكتفاء بوعيد الخلود في النار لإمكان المزيد قال المبحث الحادي عشر لا خلاف في أن من آمن بعد الكفر والمعاصي فهو من أهل الجنة بمنزلة من لا معصية له ومن كفر نعوذ بالله بعد الإيمان والعمل الصالح فهو من أهل النار بمنزلة من لا حسنة له وإنما الكلام فيمن آمن وعمل صالحا وآخر سيئا واستمر على الطاعات والكباير كما يشاهد من الناس فعندنا مآله إلى الجنة ولو بعد النار واستحقاقه للثواب والعقاب بمقتضى الوعد والوعيد ثابت من غير حبوط والمشهور من مذهب المعتزلة أنه من أهل الخلود في النار إذا مات قبل التوبة فأشكل عليهم الأمر في إيمانه وطاعته وما ثبت من استحقاقاته أين طارت وكيف زالت فقالوا بحبوط الطاعات ومالوا إلى أن السيئات يذهبن الحسنات حتى ذهب الجمهور منهم إلى أن الكبيرة الواحدة تحبط ثواب جميع العبادات وفساده ظاهر أما سمعا فللنصوص الدالة على أن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا وأما عقلا فللقطع بأنه لا يحسن من الحكيم الكريم إبطال ثواب إيمان العبد ومواظبته على الطاعات طول العمر يتناول لقمة من الربا وجرعة من الخمر بمنزلة من خدم كريما مائة سنة حق الخدمة ثم بدت منه مخالفة أمر من أوامره فهل يحسن رفض حقوق تلك الخدمات ونقض ما عهد ووعد من الحسنات وتعذيبه عذاب من واظب مدة الحياة على المخالفة والمعاداة وأيضا استحقاق الثواب على الطاعة عندهم إنما هو لكونها حسنة وامتثالا لأمر الباري وهذا متحقق مع الكبيرة فيتحقق أثره وأيضا لو كانت الكبيرة محبطة لثواب الطاعة لكانت منافية لصحتها بمنزلة الردة قالوا استحقاق الثواب والعقاب متنافيان لا يجتمعان لأن الثواب منفعة خالصة دائمة مع التعظيم والعقاب مضرة خالصة دائمة مع الإهانة قلنا لا نسلم لزوم قيد الخلوص والدوام سيما في جانب العقاب وح لا يتنافي الثواب والعقاب بأن يعاقب حينا ثم يثاب ولو سلم فلا يلزم تنافي الاستحقاقين بأن يستحق المنفعة الدائمة من جهة الطاعة والمضرة الدائمة من جهة المعصية ولو سلم فليس إبطال الحسنة بالسيئة أولى من العكس كيف وقد قال الله أن الحسنات يذهبن السيئات وحكم بأن السيئة لا تجزى إلا بمثلها والحسنة تجزى بعشر أمثالها إلى سبعمائة وأكثر قالوا الإحباط مصرح في التنزيل كقوله تعالى ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم أولئك حبطت أعمالهم و لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى قلنا لا بالمعنى الذي قصدتم بل بمعنى أن من عمل عملا صالحا استحق به الذم وكان يمكنه أن يعمله على وجه يستحق به المدح والثواب يقال أنه أحبط عمله كالصدقة مع المن والأذى وبدونهما وأما إحباط الطاعات بالكفر بمعنى أنه لا يثاب عليها البتة فليس من المتنازع في شيء وحين تنبه أبو علي وأبو هاشم لفساد هذا الرأي رجعا عن التمادي بعض الرجوع فقالا إن المعاصي إنما تحبط بالطاعات إذا أذنب عليها وإن إذنب الطاعات أحبطت المعاصي ثم ليس النظر إلى أعداد الطاعات والمعاصي بل إلى مقادير الأوزار والأجور فرب كبيرة يغلب وزرها أجور طاعات كثيرة ولا سبيل إلى ضبط ذلك بل هو مفوض إلى علم الله ثم افترقا فزعم أبو علي أن الأقل يسقط ولا يسقط من الأكثر شيئا وسقوط الأقل يكون عقابا إذا كان الساقط ثوابا وثوابا إذا كان الساقط عقابا وهذا هو الإحباط المحض وقال أبو هاشم الأقل يسقط ويسقط من الأكثر ما يقابله مثلا من له مائة جزء من العقاب واكتسب ألف جزء من الثواب فإنه يسقط عنه العقاب ومائة جزء من الثواب بمقابلته ويبقى له تسعمائة جزء من الثواب ومن له مائة جزء من الثواب واكتسب ألفا من العقاب سقط ثوابه ومائة جزء من عقابه وهذا هو القول بالموازنة لا ما قال في المواقف أنه يوازن بين الطاعات والمعاصي فأيهما رجح أحبط الآخر واختلفت كلمتهم في أن الإحباط والموازنة بين الفعلين أعني الطاعة والمعصية أو المستحقين أعني الثواب والعقاب أو الاستحقاقين مال الجبائي إلى الأول وأبو هاشم إلى الثاني وهو المختار عند الأكثرين وبالجملة لا يخفى على أحد أن القول بما ذهبا إليه من الإحباط والموازنة لا يصح إلا بنص من الشارع صريح ونقل صحيح واستدل الإمام الرازي على بطلانه بأن الأكثر إذا أحبط الأقل فإن لم يحبط منه شيء كما هو رأي أبي علي صارت الطاعة السابقة لغوا محضا لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا وهو باطل إما عقلا فلكونه ظلما ولأنه ليس انتفاء الباقي بطريان الحادث أولى من اندفاع الحادث بوجوه الباقي وأما سمعا فكقوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره وغير ذلك وإن حبط من الأكثر ما يوازن الأقل كما هو رأي أبي هاشم فباطل أيضا أما أولا فلأنهما لما كانا متنافيين كان طريان الحادث مشروطا بزوال السابق فلو كان زواله لأجل طريان الحادث لزم الدور وأما ثانيا فلأن تأثير ذلك الاستحقاق القليل في بعض أجزاء الكثير ليس أولى من تأثيره في الباقي لكون الأجزاء متساوية وحينئذ يلزم أن يفنى بذلك القليل كل ذلك الكثير وهو باطل وفاقا وهذا ما قال في المحصل أنه إذا استحق بالطاعة عشرة أجزاء من الثواب وبالمعصية خمسة أجزاء من العقاب فليس انتفاء استحقاق إحدى الخمستين أولى من انتفاء استحقاق الخمسة الأخرى ليتساوى أجزاء الثواب واستحقاقاتها وأما ثالثا فلأن زوال كل من الاستحقاقين بالآخر إما أن يكون دفعة وهو محال لأنه إذا كان عدم كل منهما لوجود الآخر فلو عدما دفعة لوجدا دفعة لكن العلة موجودة حال حدوث المعلول فيلزم كونهما موجودين حال كونهما معدومين هف وأما أن لا يكون دفعة وهو أيضا باطل لأنه إذا كان سبب زوال الأول حدوث الثاني فما لم يوجد الثاني لا يزول الأول وإذا وجد الثاني وزال الأول استحاله زوال الثاني لأنه لا مزيل له لأن التقدير أن كلا منهما إنما يزول بالآخر وهذا ما يقال أن الثاني كان قاصرا عن الغلبة حين مالم يكن مغلوبا فكيف إذا صار مغلوبا واعترض بوجوه

Bölüm V02/P232–V02/P233

الأول أن الطاري أقوى وبالبقاء أولى لكونه مقارنا لمؤثره الذي يوجده بخلاف السابق فإنه وإن كان موجودا لكن لم يبق معه مؤثره فإذا يجوز على الإحباط أن يفنى السابق بالطاري ويبقى هو بحاله وعلى الموازنة أن يفنى من الطاري ما يقابل السابق ثم يفنى السابق بما بقي من الطاري والجواب المنع بل السابق لاستمرار وجوده وتحقق علة بقائه أقوى وأبقى والطاري لقربه من العدم وعدم تحقق علة بقائه بالفناء أولى على أن الدفع أهون من الرفع ثم هذا على تقدير صحته إنما يتأتى فيما إذا كان الأكثر طاريا بخلاف ما إذا استحق بالطاعة ثوابا كثيرا أو بالمعصية عقابا أقل أو بالعكس الثاني أنه يجوز أن يكون التوقف فيما بين طريان الحادث وزوال السابق توقف معية لا تقدم ليلزم الدور المحال والجواب أن الكلام إنما هو على تقدير جعل طريان الحادث هو السبب في زوال السابق فيتقدمه بالذات ضرورة وهو ينافي اشتراطه به لاستلزامه تأخره عنه بالذات الثالث أن الاستحقاقات ليست أمورا متمايزة بحسب الخارج بمنزلة ما إذا كان لك عند أحد خمستان وديعة فيمكن تسليم هذه أو تلك بل بحسب الذهن فقط بمنزلة ما إذا كان لك عليه خمستان دينا فلا يكون تسليم خمسة أو الإبراء عنها أو مقاصتها بخمسة له عليك إلا إبراء عن النصف وبما ذكرنا من حمل كلام المحصل على ما نقلنا من تقرير نهاية العقول يظهر أن ليس مقصود الإمام ما فهمه المعترض فإن معناه أن الاستحقاقات لما كانت متساوية فالاستحقاق القليل كما يزيل ما يقابله من الكثير كذلك يزيل الباقي لأن حكم المتساويات واحد بل الاعتراض أن تساوي الاستحقاقات لا يوجب إلا جواز زوال كل بما يزول به الآخر لا زوال الكل بما يزول به البعض الرابع أما الطاعات والمعاصي مثبتة عند الحفظة وفي صحايف الكتبة فالطاعات تبطل استحقاق العقاب بالمعاصي والمعاصي تبطل استحقاق الثواب بالطاعات من غير لزوم محال والجواب أن المقصود بيان امتناع زوال أحد الاستحقاقين والمستحقين أعني الثواب والعقاب بالآخر على ما هو المذهب في الإحباط والموازنة وبهذا يندفع اعتراض خامس وهو أنه يجوز أن لا يؤثر أحدهما في عدم الآخر لكن يتمانعان في ظهور حكمهما فيظهر حكم الزيادة فقط

Bölüm V02/P233–V02/P238

السادس أنه يجوز أن يؤثر الطاري في عدم السابق بشرط أن يسقط من الطاري مثل السابق من غير لزوم محذور والجواب أنه يعود الكلام في سقوط ذلك القدر من الطاري ويلزم المحذور نعم يتجه على الوجه الأخير أنه لو جعل زوال كل من الاستحقاقين بالآخر بأن يزيل جزء من هذا جزأ من ذلك وبالعكس إلى أن يفنى الأقل بالكلية ويبقى من الأكثر القدر الزائد لم يلزم شيء من المحالات لأنه يكون مزيلا للجزء الأخير من الأقل إلا أن الإمام إنما أورد هذا البرهان فيما إذا استحق المكلف عشرة أجزاء من الثواب ثم فعل معصية استحق بها عشرة أجزاء من العقاب فلا يرد عليه هذا لكن يتجه أن البيان يختص بما إذا تساوى الاستحقاقات والمعتزلة اضطربوا في مثله وزعم أبو هاشم أنه لا يجوز وقوع ذلك لأن المكلف إما في الجنة أو في النار وأجيب بأنه يجوز أن يرجح جانب الثواب فينزل برحمة الله تعالى منزل الكرامة ويحل بفضله دار المقامة أو يجمع بين الثواب والعقاب من غير خلوص أحدهما أو لا يثاب ولا يعاقب ويكون من أصحاب الأعراف على ما ورد في الحديث ويمكن دفع استدلال الإمام بأن الاستحقاق اعتبار شرعي ليس له تأثير وتأثر حقيقي وفناء بعد وجود بل معنى إحباط الطاعة أو استحقاق الثواب أن الله تعالى لا يثيب عليها ومعنى الموازنة أنه لا يثيب عليها ولا يعاقب على المعصية بقدرها من غير أن يتحقق في الخارج استحقاقات بينها منافاة ومفاناة وأما الثواب والعقاب فلا وجود لهما إلا في الآخرة وحينئذ لا اجتماع بينهما ولا اندفاع بل ذلك إلى حكم الله ومشيئته على وفق حكمته والأقرب ما قال إمام الحرمين أنه ليس بإزاء معرفة الله تعالى كبيرة يرى وزرها على أجرها فكان من حقهم أن يدرؤا بها جميع الكبائر فإذا لم يفعلوا ذلك بطل هذيانهم بتغالب الأعمال وسقوط أقلها بأكثرها ومما يجب التنبيه له أنه لا فرق عندهم بين أن يكون المعاصي طارية على الطاعات أو سابقة عليها أو متخللة بينهما وأن ما يوهم به كلام البعض من اختصاص الحكم بما إذا كانت الكبيرة طارية ليس بشيء قال المبحث الثاني عشر اتفقت الأمة ونطق الكتاب والسنة بأن الله تعالى عفو غفور يعفو عن الصغاير مطلقا وعن الكباير بعد التوبة ولا يعفو عن الكفر قطعا وإن جاز عقلا ومنع بعضهم الجواز العقلي أيضا لأنه مخالف لحكمة التفرقة بين من أحسن غاية الإحسان ومن أساء غاية الإساءة وضعفه ظاهر واختلفوا في العفو عن الكباير بدون التوبة فجوزه الأصحاب بل أثبتوه خلافا للمعتزلة حيث منعوه سمعا وإن جاز عقلا عند الأكثرين منهم حتى صرح بعض المتأخرين منهم بأن القول بعدم حسن العفو عن المستحق للعقاب عقلا قول أبي القاسم الكعبي لنا على الجواز أن العقاب حقه فيحسن إسقاطه مع أن فيه نفعا للعبد من غير ضرر لأحد وعلى الوقوع الآيات والأحاديث الناطقة بالعفو والغفران وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات أو يوبقهن بما كسبوا ويعفو عن كثير إن الله يغفر الذنوب جميعا إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وفي الأحاديث كثرة ومعنى العفو والغفران ترك عقوبة المجرم والستر عليه بعدم المؤاخذة لا يقال يجوز حمل النصوص على العفو عن الصغاير أو عن الكباير بعد التوبة أو على تأخير العقوبات المستحقة أو على عدم شرع الحدود في عامة المعاصي أو على ترك وضع إلا صار عليهم من التكاليف المهلكة كما على الأمم السالفة أو على ترك ما فعل ببعض الأمم من المسخ وكتبة الآثام على الجباه ونحو ذلك بما يفضحهم في الدنيا لأنا نقول هذا مع كونه عدولا عن الظاهر بلا دليل وتقييد للإطلاق بلا قرينة وتخصيصا للعام بلا مخصص ومخالفة لا لأقاويل من يعتد به من المفسرين بلا ضرورة وتفريقا بين الآيات والأحاديث الصحيحة الصريحة في هذا المعنى بلا فارق مما لا يكاد يصح في بعض الآيات كقوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به الآية فإن المغفرة بالتوبة تعم الشرك وما دونه فلا تصح التفرقة بإثباتها لما دونه وكذا تعم كل أحد من العصاة فلا تلائم التعليق بمن يشاء المفيد للبعضية وكذا مغفرة الصغاير على أن في تخصيصها إخلالا بالمقصود أعني تهويل شأن الشرك ببلوغه النهاية في القبح بحيث لا يغفر ويغفر جميع ما سواه ولو كبيرة في الغاية وأما باقي المعاني المذكورة فربما يكون في الشرك أقوى على مالا يخفى فلا معنى للنفي والمشهور في إبطال تقييدهم المغفرة بما بعد التوبة أن قبول التوبة وترك العقاب بعدها واجب عندهم فلا يتعلق بالمشيئة واعترض بأن ترك العقاب على الكبيرة بعد التوبة ليس واجبا كثواب المطيع بل بمقتضى الوعد بمعنى أنه واجب أن يكون كما هو المذهب عندكم ووعده بذلك ووفاؤه بما وعد هو المغفرة والعفو ولو سلم ففعل الله تعالى وإن كان واجبا عليه يكون بمشيئته وإرادته فيصح تعليقه بها والجواب أن المذهب عندهم على ما صرحوا به في كتبهم هو أن العقاب بعد التوبة ظلم يجب على الله تركه ولا يجوز فعله ثم الواجب وإن كان فعله بالإرادة والمشيئة لا يحسن في الإطلاق تعليقه بالمشيئة كقضاء الدين والوفاء بالنذر لأنه إنما يحسن فيما يكون له الخيرة في الفعل والترك على أنك إذا تحققت فليس هذا مجرد تعليق بالمشيئة بمنزلة قولك يغفر ما دونه إن شاء بل تقييدا للمغفور له بمنزلة قولك يغفر لمن يشاء دون من لا يشاء وهذا لا يكون في الواجب البتة بل في المتفضل به كقولك الأمير يخلع على من يشاء بمعنى أنه يفعل ذلك لكن بالنسبة إلى البعض دون البعض وبهذا يندفع إشكال آخر وهو أن المغفرة معلقة بالمشيئة فلا يدل على الوقوع لعدم العلم بوقوع المشيئة بل على مجرد الجواز وليس المتنازع وقد يدفع بأنه لا بد من وقوع المشيئة ليتحقق الفرق بين الشرك وما دونه على ما هو مقصود سوق الآية وهذا الدفع إنما يتم على رأي من يجعل التفرقة بينهما بوقوع العفو ولا وقوعه ويجعل العفو عن الكفر جايزا غير واقع وعليه الأشاعرة وكثير من المتكلمين قال للمانعين عقلا تمسكت الوعيدية القائلون بعدم جواز العفو عن الكبائر عقلا وهم البلخي وأتباعه بأنه إغراء على القبيح لأن المكلف يتكل على العفو ويرتكب القبايح وهذا قبيح يمتنع إسناده إلى الله تعالى وأجيب بعد تسليم قاعدة الحسن والقبح العقليين بأن مجرد احتمال العقوبة يصلح زاجرا للعاقل عن ارتكاب الباطل فكيف مع الآيات القاطعة بالعذاب والوعيدات الشايعة في ذلك الباب فكيف يكون احتمال تركها بل وقوعه في الجملة وبالنسبة إلى من لا يعلمه إلا الله مظنة للإغراء ومفضية إلى الاجتراء ألا ترى أن قبول التوبة مع وجوبه عندكم وعزم كل أحد عليها غالبا ليس بإغراء والتردد في نيل توفيقها لا يزيد على التردد في نيل كرامة العفو قال قيل ترك العفو أدعى إلى الطاعة فيكون لطفا فيجب فيمتنع العفو قلنا منقوض بقبول التوبة وتأخير العقوبة وإن ادعى وجه مفسدة في تركهما منعنا انتفاءه في ترك العفو فإن في العفو لطفا بالعبد في تأدية وظيفة مزيد الثناء على الله تعالى بالعفو والكرم والرأفة قال وسمعا تمسك القائلون بجواز العفو عقلا وامتناعه سمعا وهم البصريون من المعتزلة وبعض البغدادية بالنصوص الواردة في وعيد الفساق وأصحاب الكبائر إما بالخصوص كقوله تعالى في أكل أموال الناس ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وفي التولي عن الزحف ومأواه جهنم وبئس المصير وفي تعدي حدود المواريث يدخله نارا خالدا فيها ) وإما بالدخول في العمومات المذكورة في بحث الخلود وإذا تحقق الوعيد فلو تحقق العفو وترك العقوبة بالنار لزم الخلف في الوعيد والكذب في الأخبار واللازم باطل فكذا الملزوم وأجيب بأنهم داخلون في عمومات الوعد بالثواب ودخول الجنة على ما مر والخلف في الوعد لوم لا يليق بالكريم وفاقا بخلاف الخلف في الوعيد فإنه ربما يعد كرما والقول بالإحباط وبطلان استحقاق الثواب بالمعصية فاسد كما مر فكيف كان ترك عقابهم بالنار خلفا مذموما ولم يكن ترك ثوابهم بالجنة كذلك والدفع بأنه لو صح أن يخلف الوعيد لصح أن يسمى مخلفا ليس بشيء لأن كثيرا من أفعاله بهذه الحيثية أعني لا يصح إطلاق اسم الفاعل ههنا عليه لإيهام النقص كما أنه يتكلم بالمجاز ولا يسمى متجوزا وكذا لا يسمى ماكرا ومستهزئا ونحو ذلك بل مع أنه ينجز وعد الثواب لا يسمى منجزا نعم لزوم الكذب في إخبار الله تعالى مع الإجماع على بطلانه ولزوم تبديل القول مع النص الدال على انتفائه مشكل فالجواب الحق أن من تحقق العفو في حقه يكون خارجا عن عموم اللفظ بمنزلة الثابت فإن قيل صيغة العموم المتعرية عن دليل الخصوص تدل على إرادة كل فرد مما يتناوله اللفظ بمنزلة التنصيص عليه باسمه الخاص فإخراج البعض بدليل متراخ يكون نسخا وهو لا يجري في الخبر للزوم الكذب وإنما التخصيص هو الدلالة على أن المخصوص غير داخل في العموم ولا يكون ذلك إلا بدليل متصل قلنا ممنوع بل إرادة الخصوص من العام والتقييد من المطلق شايع من غير دليل متصل ثم دليل التخصيص والتقييد بعد ذلك وإن كان متراخيا بيان لا نسخ وهذا هو المذهب عند الفقهاء الشافعية والقدماء من الخفية وكانوا ينسبون القول بخلاف ذلك إلى المعتزلة إلا أن المتأخرون منهم لا يعدون ذلك نسخا ويخصون التخصيص بما يكون دليله متصلا ويجوزون الخلف في الوعيد ويقولون الكذب يكون في الماضي دون المستقبل وهذا ظاهر الفساد فإن الإخبار بالشيء على خلاف ما هو كذب سواء كان في الماضي أو في المستقبل قال الله تعالى ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم ثم قال والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم على أن المذهب عندنا أن إخبار الله تعالى أزلي لا يتعلق بالزمان ولا يتغير بتغيير المخبر به على ما سبق في بحث الكلام فإن قيل فعلى ما ذكرتم يكون حكم العام هو التوقف حتى يظهر دليل الخصوص قلنا لا بل يجري على عمومه في حق العمل بل وفي حق وجوب اعتقاد العموم دون فرضيته وهذا البحث مستوفى في أصول الفقه وقد بسط الكلام فيه صاحب التبصرة بعض البسط وللإمام الرازي ههنا جواب إلزامي وهو أن صدق كلامه لما كان عندنا أزليا امتنع كذبه لأن ماثبت قدمه امتنع عدمه وأما عندكم فإن امتنع كذبه لكونه قبيحا فلم قلتم أن هذا الكذب قبيح وقد توقف عليه العفو الذي هو غاية الكرم وهذا كمن أخبر أنه يقتل زيد غدا ظلما ففي الغد إما أن يكون الحسن قتله وهو باطل وإما ترك قتله وهو الحق لكنه لا يوجد إلا عند وجود الكذب ومالا يوجد الحسن إلا عند وجوده حسن قطعا فهذا الكذب حسن قطعا ويمكن دفعه بأن الكذب في إخبار الله تعالى قبيح وإن تضمن وجوها من المصلحة وتوقف عليه أنواع من الحسن لما فيه من مفاسد لا تحصى ومطاعن في الإسلام لا تخفى منها مقال الفلاسفة في المعاد ومجال الملاحدة في العناد وههنا بطلان ما وقع عليه الإجماع من القطع بخلود الكفار في النار فإن غاية الأمر شهادة النصوص القاطعة بذلك وإذا جاز الخلف لم يبق القطع إلا عند شرذمة لا يجوزون العفو عنهم في الحكمة على ما يشعر قوله تعالى أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون وغير ذلك من الآيات ووجه التفرقة أن العاصي قلما يخلو عن خوف عقاب ورجاء رحمة وغير ذلك من خيرات تقابل ما ارتكب من المعصية اتباعا للهوى بخلاف الكافر وأيضا الكفر مذهب والمذهب يعتقد للأبد وحرمته لا تحتمل الارتفاع أصلا فكذلك عقوبته بخلاف المعصية فإنها لوقت الهوى والشهوة وأما من جوز العفو عقلا والكذب في الوعيد إما قولا لجواز الكذب المتضمن الفعل الحسن أو بأنه لا كذب بالنسبة إلى المستقبل فمع صريح إخبار الله تعالى بأنه لا يعفو عن الكافر ويخلده في النار فجواز الخلف وعدم وقوع مضمون هذا الخبر محتمل ولما كان هذا باطلا قطعا علم أن القول بجواز الكذب في إخبار الله تعالى باطل قطعا قال خاتمة قد اشتهر من مذهب المعتزلة أن صاحب الكبيرة بدون التوبة مخلد في النار وإن عاش على الإيمان والطاعة مائة سنة ولم يفرقوا بين أن تكون الكبيرة واحدة أو كثيرة واقعة قبل الطاعات أو بعدها أو بينها وجعلوا عدم القطع بالعقاب وتفويض الأمر إلى أن الله تعالى يغفر إن شاء ويعذب إن شاء على ما هو مذهب أهل الحق إرجاء بمعنى أنه تأخير للأمر وعدم جزم بالعقاب أو الثواب وبهذا الاعتبار جعل أبو حنيفة من المرجئة وقد قيل له من أين أخذت الإرجاء فقال من الملائكة عليهم السلام قالوا لا علم لنا إلا ما علمتنا وإنما المرجئة الخالصة الباطلة هم الذين يحكمون بأن صاحب الكبيرة لا يعذب أصلا وإنما العذاب والنار للكفار وهذا تفريط كما أن قول الوعيدية إفراط والتفويض إلى الله تعالى وسط بينهما كالكسب بين الجبر والقدر ونحن نقول ينبغي أن يكون ما اشتهر منهم مذهب بعضهم والمختار خلافه لأن مذهب الجبائي وأبي هاشم وكثير من المحققين وهو اختيار المتأخرين أن الكبائر إنما تسقط الطاعات وتوجب دخول النار إذا زاد عقابها على ثوابها والعلم بذلك مفوض إلى الله تعالى فمن خلط الحسنات بالسيئات ولم يعلم عليه غلبة الأوزار لم يحكم بدخوله النار بل إذا زاد الثواب يحكم بأنه لا يدخل النار أصلا واضطربوا فيما إذا تساوى الثواب والعقاب وصرحوا بأن هذا بحسب السمع وأما بحسب العقل فيجوز العفو عن الكبائر كلها إلا عند الكعبي وذكر إمام الحرمين في الإرشاد أن مذهب البصريين وبعض البغداديين جواز العفو عقلا أو شرعا ولقد مننا بهذا على المعتزلة إن أدركوا ونهجنا لهم منهاجا إن سلكوا وإلا فمن لهم بعصمة تنجي أو توبة ترجي قال المبحث الثالث عشر في الشفاعة يدل على ثبوتها النص والإجماع إلا أن المعتزلة قصروها على المطيعين والتائبين لرفع الدرجات وزيادة المثوبات وعندنا يجوز لأهل الكبائر أيضا في حط السيئات إما في العرصات وإما بعد دخول النار لما سبق من دلائل العفو عن الكبيرة ولما اشتهر بل تواتر معنى من ادخار الشفاعة لأهل الكبائر كقوله عليه السلام ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي وترك العقاب بعد التوبة واجب عندهم فليس للعفو والشفاعة كثير معنى وقد يستدل بقوله تعالى واستغفر لذنبك وللمؤمنين أي لذنوب المؤمنين فيعم الكبائر وبقوله تعالى في حق الكفار فما تنفعهم شفاعة الشافعين فإن مثل هذا الكلام إنما يساق حيث تنفع الشفاعة غيرهم فيقصد تقبيح حال الكفرة وتخييب رجائهم بأنهم ليسوا كذلك إذ لو لم تنفع الشفاعة أحدا لما كان في تخصيصهم زيادة تخييب وتوبيخ لهم لكنه مع هذا التكلف لا يفيد إلا ثبوت أصل الشفاعة ولا نزاع فيه نعم لو تم ما ذكره بعض أصحابنا من أن الشفاعة لا يجوز أن تكون حقيقة لزيادة المنافع بل لإسقاط المضار فقط والصغاير مكفرة عندكم باجتناب الكبائر فتعين أن تكون لإسقاط الكبائر لكان في إثبات أصل الشفاعة إثبات المطلوب إلا أن غاية متشبثهم في ذلك هو أن الشفاعة لو كانت حقيقة في طلب زيادة المنافع لكنا شافعين في حق النبي عليه السلام حين نسأل الله تعالى زيادة كرامته واللازم باطل وفاقا واعترض بأنه يجوز أن يعتبر فيها زيادة قيد ككون الشفيع أعلى حالا من المشفوع له أو كون زيادة المنافع محصولة البتة لسؤاله وطلبه وأجيب بأن الشفيع قد يشفع لنفسه فلا يكون أعلى وقد يكون غير مطاع فلا يقع المسؤل فضلا عن أن يكون لأجل سؤاله فإن قيل إطلاق الشفاعة على طلب المنافع مما لا سبيل إلى إنكاره كقول الشاعر

Bölüm V02/P238–V02/P239

( فذاك فتى إن تأته في صنيعة إلى ماله لم تأته بشفيع ) وكما في منشور دار الخلافة لسلطان محمود وليناك كورة خراسان ولقيناك بيمين الدولة وأمين الملة بشفاعة أبي حامد الإسفرائني قلنا نعم لكن لو كان حقيقة لا طرد فيما ذكرنا احتجت المعتزلة بوجوه الأول الآيات الدالة على نفي الشفاعة بالكلية فيخص المطيع والتائب بالإجماع فتبقى حجة فيما وراء ذلك مثل قوله تعالى واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا الآية والضمير في لا تقبل منها شفاعة ولا تنفعها شفاعة للنفس المبهمة العامة وكقوله تعالى من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة وكقوله تعالى ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع أي يجاب بمعنى لا شفاعة أصلا على طريقة قوله ولا ترى الضب بها يتحجر وكقوله تعالى وما للظالمين من أنصار الثاني ما يشعر بنفي الشفاعة لصاحب الكبيرة منطوقا كقوله تعالى ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) فإنه ليس بمرتضى أو مفهوما كقوله تعالى حكاية عن حملة العرش ويستغفرون للذين آمنوا فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ولا فارق بين شفاعة الملائكة والأنبياء الثالث ما سبق من الآيات المشعرة بخلود الفساق ولو كانت شفاعة لما كان خلودا

Bölüm V02/P239–V02/P248

الرابع الإجماع على الدعاء بقولنا اللهم اجعلنا من أهل الشفاعة محمد ولو خصت الشفاعة لأهل الكبائر لكان ذلك دعاء يجعله منهم والجواب عن الأول بعد تسليم العموم في الأزمان والأحوال أنها تختص بالكفار جمعا بين الأدلة على أن الظالم على الإطلاق هو الكافر وأن نفي النصرة لا يستلزم نفي الشفاعة لأنها طلب على خضوع والنصرة ربما تنبىء عن مدافعة ومغالبة هذا بعد تسليم كون الكلام لعموم السلب لا لسلب العموم وقد سبق مثل ذلك وعن الثاني بأنا لا نسلم أن من ارتضى لا يتناول الفاسق فإنه مرتضى من جهة الإيمان والعمل الصالح وإن كان مبغوضا من جهة المعصية بخلاف الكافر المتصف بمثل العدل أو الجود فإنه ليس بمرتضى عند الله تعالى أصلا لفوات أصل الحسنات وأساس الكمالات ولا نسلم أن الذين تابوا لا يتناول الفاسق فإن المراد تابوا عن الشرك إذ لا معنى لطلب مغفرة من تاب عن المعاصي وعمل صالحا عندكم لكونه عبثا أو طلبا لترك الظلم بمنع المستحق حقه هذا بعد تسليم دلالة التخصيص بالوصف على نفي الحكم عما عداه وعن الثالث بما سبق في مسئلة انقطاع عذاب صاحب الكبيرة وعن الرابع أن المراد اجعلنا من اهل الشفاعة على تقدير المعاصي كما في قولنا اجعلنا من أهل المغفرة وأهل التوبة وتحقيقه أن المتصف بالصفات إذا اختص بكرامة منشأها بعض تلك الصفات دون البعض لم يكن استدعاء أهلية تلك الكرامة إلا استدعاء الصفة التي هي منشأ تلك الكرامة ألا يرى أن المعالجة وإن لم تكن إلا للمريض لكن قولك اللهم اجعلني من أهل العلاج ليس طلبا للمرض بل لقوة المزاج فكذا ههنا الشفاعة وإن اختصت بأهل الكبائر لكن منشأها الإيمان وبعض الحسنات التي تصير سببا لرضى الشفيع عنه وميله إليه وبهذا يخرج الجواب عما قالوا أن من حلف بالطلاق أن يعمل ما يجعله أهلا للشفاعة أنه يؤمر بالطاعات لا المعاصي قال خاتمة ظاهر قوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم يدل على أن الكبائر متمايزة عن الصغاير بالذات لا كما قيل أن كل سيئة فهي بالنسبة إلى ما فوقها صغيرة وبالنسبة إلى ما دونها كبيرة لأنه لا يتصور حينئذ اجتناب الكبائر إلا بترك جميع المنهيات سوى واحدة هي دون الكل وأنى للبشر ذلك فمن ههنا ذهب بعضهم إلى تفسير الكبيرة بأنها التي تشعر بقلة الاكتراث بالدين أو التي توعد عليها الشارع بخصوصها وبعضهم إلى تعيين الكبائر ففي رواية ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنها الشرك بالله وقتل النفس بغير حق وقذف المحصنة والزنا والفرار من الزحف والسحر وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين المسلمين والإلحاد في الحرم وزاد في رواية أبي هريرة أكل الربا وفي رواية على السرقة وشرب الخمر قال المبحث الرابع عشر في التوبة وهي في اللغة الرجوع يقال تاب وناب أو أناب إذا رجع فإذا أسند إلى العبد أريد رجوعه عن الزلة إلى الندم وإذا أسند إلى الله تعالى أريد رجوع نعمه وإلطافه إلى عباده وفي الشرع هي الندم على المعصية لكونها معصية وقيد بذلك لأن الندم على المعصية لا ضرارها ببدنه أو إخلالها بعرضه أو ماله أو نحو ذلك لا تكون توبة وأما الندم لخوف النار أو طمع الجنة فهل تكون توبة فيه تردد مبني على أن ذلك هل يكون ندما عليها لقبحها ولكونها معصية أم لا وكذا في الندم عليها لقبحها مع غرض آخر والحق أن جهة القبح إن كانت بحيث لو انفردت لتحقق الندم فتوبة وإلا فلا كما إذا كان الغرض مجموع الأمرين لا كل واحد منهما وكذا في التوبة عند مرض مخوف بناء على أن ذلك الندم هل يكون لقبح المعصية أم لا بل للخوف كما في الآخرة عند معاينة النار فيكون بمنزلة إيمان اليأس والظاهر من كلام النبي عليه السلام قبول التوبة مالم تظهر علامات الموت ومعنى الندم تحزن وتوجع على أن فعل وتمنى كونه لم يفعل ولا بد من هذا للقطع بأن مجرد الترك كالماجن إذا مل مجونه فاستروج إلى بعض المباحات ليس بتوبة ولقوله عليه السلام الندم توبة وقد يزاد قيد العزم على ترك المعاودة في المستقبل واعترض بأن فعل المعصية في المستقبل قد لا يخطر بالبال لذهول أو جنون أو موت أو نحو ذلك وقد لا يقتدر عليه لعارض آفة كخرس في القذف وشلل أوجب في الزنا فلا يتصور العزم على الترك لما فيه من الإشعار بالقدرة والاختيار فأجيب بأن المراد العزم على الترك على تقدير الخطور والاقتدار حتى لو سلب القدرة لم يشترط العزم على الترك بهذا يشعر كلام إمام الحرمين حيث قال أن العزم على ترك المعاودة إنما يقارن التوبة في بعض الأحوال ولا يطرد في كل حال إذ العزم إنما يصح فيمن يتمكن من مثل ما قدمه ولا يصح من المجبوب العزم على ترك الزنا ولا من الآخرس العزم على ترك القذف فما ذكر في المواقف من أن قولنا إذا قدر لأن من سلب القدرة على الزنا وانقطع طمعه عن عود القوة إذا عزم على تركه لم يكن ذلك توبة منه ليس على ما ينبغي لإشعاره بأن العزم على الترك يصح مع عدم القدرة على الفعل وبأن الندم على الفعل مع العزم على الترك لا يكفي في التوبة لكن لا بد من أمر ثالث هو بقاء القدرة وكلام الإمام وغيره أن عند عدم القدرة لا يشترط في التوبة العزم بل لا يصح ويكفي مجرد الندم لا يقال مراد المواقف أن مجرد هذ العزم بدون الندم ليس بتوبة لأنا نقول هذا لغو من الكلام لا بيان لفائدة التقييد بالقدرة وقد يتوهم أن تقدير القدرة قيد للترك لا للعزم أي يجب العزم على أن لا يفعل على تقدير القدرة حتى يجب على من عرض له الآفة أن يعزم على أن لا يفعل لو فرض وجود القدرة بهذا يشعر ما قال في المواقف أن الزاني المجبوب إذا ندم وعزم على أن لا يعود على تقدير القدرة فهو توبة عندنا خلافا لأبي هاشم ثم التحقيق إن ذكر العزم إنما هو للتقرير والبيان لا التقييد والاحتراز إذ النادم على المعصية لقبحها لابخ عن ذلك العزم البتة على تقدير الحظور والاقتدار هذا وقد شاع في عرف العوام إطلاق اسم التوبة على الاستئناف وإظهار العزم على ترك المعصية في المستقبل وليس من التوبة في شيء مالم يتحقق الندم والأسف على ما مضى وعلامته طول الحسرة والحزن وانسكاب الدموع ومن نظر في باب التوبة من كتاب الإحياء للإمام حجة الإسلام وتأمل فيما يروى من قصة استغفار داود عليه السلام علم صعوبة أمر التوبة والمعتزلة لما خرجوا بالكبيرة عن الإيمان وجزموا بالدخول بل الخلود في النيران مالم يتوبوا هونوا أمر التوبة حتى اعتقد عوامهم أنه يكفي مجرد قول العاصي تبت ورجعت وخواصهم أنه يكفي أن يعتقد أنه أساء وأنه لو أمكنه رد تلك المعصية لردها ولا حاجة إلى الأسف والحزن لأن أهل الجنة يندمون على تقصيرهم ولا حزن وإنما الحزن لتوقع الضرر ولا ضرر مع الندم ولأن العاصي مكلف بالتوبة في كل وقت ولا يمكنه تحصيل الغم والحزن فيلزم تكليف مالا يطاق قال وهي واجبة لا نزاع في وجوب التوبة أما عندنا فسمعا لقوله تعالى وتوبوا إلى الله جميعا توبوا إلى الله توبة نصوحا ونحو ذلك وأما عند المعتزلة فعقلا لما فيها من دفع ضرر العقاب ولما أن الندم على القبيح من مقتضيات العقل الصحيح وهذا يتناول الصغائر أيضا فيكون حجة على البهشمية القائلين بوجوب التوبة عن الصغائر سمعا لا عقلا لسقوط عقوبتها ثم المصرح في كلام المعتزلة أن وجوب التوبة على الفور حتى يلزمه بتأخير ساعة إثم آخر يجب التوبة عنه وهلم جرا حتى ذكروا أن بتأخير التوبة عن الكبيرة ساعة واحدة تكون له كبيرتان المعصية وترك التوبة وساعتين أربع الأوليان وترك التوبة عن كل منهما وثلاث ساعات ثمان وهكذا وأما قبول التوبة فلا يجب عندنا إذ لا وجوب على الله تعالى وهل ثبت سمعا ووعدا قال إمام الحرمين نعم بدليل ظني إذ لم يثبت في ذلك نص قاطع لا يحتمل التأويل وعند المعتزلة يجب حتى قالوا أن العقاب بعد التوبة ظلم لكن بمقتضى الجود على رأي البغدادية وبمقتضى العدل والحكمة على رأي الجمهور واحتجوا بأن العاصي قد بذل وسعه في التلافي فيسقط عقابه كمن بالغ في الاعتذار إلى من أساء إليه سقط ذمه بالضرورة وبأن التكليف باق وهو تعريض للثواب ولا يتصور إلا بسقوط العقاب فوجب أن يكون له مخلص من العقاب وليس غير التوبة فوجب أن يكون مخلصا وأكثر المقدمات مزخرف بل ربما يدعى القطع بأن من أساء إلى غيره وانتهك حرماته ثم جاء معتذرا لا يجب في حكم العقل قبول اعتذاره بل الخيرة إلى ذلك الغير إن شاء صفح وإن شاء جازاه وأما احتجاجنا بالإجماع على الابتهال إلى الله تعالى في وجوب قبول التوبة وعلى وجوب شكره على ذلك فربما يدفع بأن المسؤل هو استجماعها بشرايط القبول فإن الأمر فيه خطير ووجوب القبول لا ينافي وجوب الشكر لكونه إحسانا في نفسه كتربية الوالد لولده يجب شكرها مع وجوبها ثم اختلفوا في مسقط العقوبة فعند اكثر المعتزلة بنفس التوبة وعند بعضهم بكثرة ثوابها إذ لو كان بنفس التوبة لسقط بتوبة الملجأ ويندم العاصي عند معاينة النار ورد بمنع الندم في صورة الإلجاء وبمنع كونه للقبح في صورة المعاينة واحتج الأكثرون بأنه لو كان بكثرة الثواب لما اختصت التوبة عن معصية معينة بسقوط عقابها دون أخرى لأن نسبة كثرة الثواب إلى الكل على السوية ولما بقي فرق بين التوبة المتقدمة على المعصية والمتأخرة عنها في إسقاط عقابها كسائر الطاعات التي تسقط العقوبات بكثرة ثوابها واللازم باطل للقطع بأن من تاب عن المعاصي كلها ثم شرب الخمر لا يسقط عنه عقاب الشرب وأما عندنا فهو بمحض عفو الله تعالى وكرمه وتوبته الصحيحة عبادة يثاب عليها تفضلا ولا تبطل بمعاودة الذنب ثم إذا تاب عنه ثانيا يكون عبادة أخرى فإن قيل فعندكم حكم المؤمن المواظب على الطاعات المعصوم عن المعاصي والمؤمن المصر على المعاصي طول عمره من غير عبادة أصلا والمؤمن الجامع بين الطاعات والمعاصي من غير توبة والمؤمن التائب عن المعاص واحد وهو التفويض إلى مشيئة الله تعالى من غير قطع بالثواب أو العقاب فلا رجاء من الطاعات والتوبة ولا خوف من المعصية والإصرار وهذه جهالة جاهلة ومكابرة تابهة قلنا حكم الكل واحد في أنه لا يجب على الله تعالى في حقهم شيء لكن يثيب المطيع والتايب البتة بمقتضى الوعد على تفاوت درجات ويعاقب العاصي المصر بمقتضى الوعيد على اختلاف دركات لكن مع احتمال العفو احتمالا مرجوحا فإين التساوي وانقطاع الخوف والرجاء نعم خوفنا لا ينتهي إلى حد اليأس والقنوط إذ لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ثم اختلفت المعتزلة في أنه إذا سقط استحقاق عقاب المعصية بالتوبة هل يعود استحقاق ثواب الطاعة الذي أبطله تلك المعصية فقال أبو على وأبو هاشم لا لأن الطاعة تنعدم في الحال وإنما يبقى استحقاق الثواب وقد سقط والساقط لا يعود وقال الكعبي نعم لأن الكبيرة لا تزيل الطاعة وإنما تمنع حكمها وهو المدح والتعظيم فلا تزيل ثمرتها فإذا صارت بالتوبة كأن لم تكن ظهرت ثمرة الطاعة كنور الشمس إذا زال الغيم وقال بعضهم وهو اختيار المتأخرين لا يعود ثوابه السابق لكن تعود طاعته السالفة مؤثرة في استحقاق ثمراته وهو المدح والثواب في المستقبل بمنزلة شجرة أحرقت بالنار أغصانها وثمارها ثم انطفت النار فإنه يعود أصل الشجرة وعروقها إلى خضرتها وثمرتها قال ولا يلزم تجديد الندم كلما ذكر المعصية لأنه قد أتى بما كلف به وخرج عن عهدته خلافا للقاضي منا وأبي علي من المعتزلة وشبهتهما أنه لو لم يندم كلما ذكرها لكان مشتهيا لها فرحا بها وذلك إبطال للندم ورجوع إلى الإصرار والجواب المنع إذ ربما يضرب عنها صفحا من غير ندم عليها ولا اشتهاء لها وابتهاج بها ولو كان الأمر كما ذكر لزم أن لا تكون التوبة السابقة صحيحة وقال القاضي أنه إن لم يجد ندما كان ذلك معصية جديدة يجب الندم عليها والتوبة الأولى مضت على صحتها إذا لعبادة الماضية لا ينقضها شيء بعد ثبوتها قال ولا تعميمه لتصح المذهب أنه تصح التوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على بعض خلافا لأبي هاشم لنا الإجماع على أن الكافر إذا أسلم وتاب عن كفره مع استدامة بعض المعاصي صحت توبته وإسلامه ولم يعاقب إلا عقوبة تلك المعصية وأيضا ليست التوبة عن تلك المعاصي إلا الرجوع عنها والندم عليها والعزم على أن لا يعاودها وقد وجدت وشبهة أبي هاشم أن الندم عليها يجب أن يكون لقبحها وهو شامل للمعاصي كلها فلا يتحقق الندم على قبيح مع الإصرار على قبيح وأجيب بأن الشامل للكل هو القبح لا قبحها والتحقيق على ما ذكره صاحب التجويد هو أن الدواعي إلى الندم عن القبائح وإن اشتركت في كون الندم على القبيح لقبحه لكن يجوز أن تترجح بعض الدواعي بأمور تنضم إليه كعظم المعصية أو قلة غلبة الهوى فيها فيبعثه ذلك الترجح على الندم عن هذا البعض خاصة دون البعض الآخر لانتفاء ترجيح الداعي بالنسبة إليه ولا يلزم من ذلك ان يكون الندم على البعض الذي تحقق منه الترجيح لا لقبحه إذ لا يخرج الداعي بهذا الترجيح عن الاشتراك في كونه داعيا إلى الندم على القبيح لقبحه وهذا كما في الدواعي إلى الفعل لحسنه قد يترجح البعض فيخصص بعض الأفعال الحسنة بالوقوع ولا يلزم من ترك البعض الآخر كون إيقاع هذا البعض لا لحسنه بل لغرض غاية ما في الباب إنه حصل للداعي إلى هذا الفعل لحسنه رجحان لم يحصل للداعي إلى الفعل الآخر وهذا ما قال أصحابنا أنه كما يجوز الإتيان بواجب لحسنه مع ترك واجب آخر يجوز ترك قبيح لقبحه مع الإصرار على قبيح آخر يقال ويكفي في الإجمال يعني يكفي في التوبة عن المعاصي كلها الإجمال وإن علمت مفصلة لحصول الندم والعزم وذهب بعض المعتزلة إلى أنه لا بد من الندم تفصيلا فيما علم مفصلا ورد بأنه مكلف بالتوبة في كل وقت مع امتناع اجتماع الذنوب الكثيرة في وقت واحد فلو لم يكف الإجمال ألزم تكليف ما لايطاق قالوا ثم إن كانت المعصية في خالص حق الله تعالى كالواجب فقد يكفي الندم كما في ارتكاب الفرار من الزحف وترك الأمر بالمعروف وقد يفتقر إلى أمر زائد كتسليم النفس للحد في الشرب وتسليم ما وجب في ترك الزكاة ومثله في ترك الصلاة وإن تعلقت بحقوق العباد لزم مع الندم إيصال حق العبد أو بدله إليه إن كان الذنب ظلما كما في الغصب والقتل العمد ولزم أرشاده إن كان الذنب إضلالا له والاعتذار إليه إن كان إيذاء كما في الغيبة ولا يلزم تفصيل ما اغتابه به إلا إذا بلغه على وجه أفحش والتحقيق إن هذا الزائد واجب آخر خارج عن التوبة على ما قال إمام الحرمين أن القاتل إذا ندم من غير تسليم نفسه للقصاص صحت توبته في حق الله تعالى وكان منعه القصاص من مستحقه معصية متجددة تستدعي توبة ولا يقدح في التوبة عن القتل ثم قال وربما لا يصح التوبة بدون الخروج من حق العبد كما في الغصب فإنه لا يصح الندم عليه مع إدامة اليد على المغصوب ففرق بين القتل والغصب قال المبحث الخامس عشر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد جرت عادة المتكلمين بإيرادهما في علم الكلام مع أنهما بالفروع أشبه وكأنهما يشبهان التوبة في الزجر عن ارتكاب المعصية والإخلال بالواجب والمراد بالمعروف الواجب وبالمنكر الحرام ولهذا بنوا القول بأنهما واجبان مع القطع بأن الأمر بالمندوب ليس بواجب بل مندوب والدليل على وجوبهما من غير توقف على ظهور الإمام كما يزعم الروافض والكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وقوله تعالى وأمر بالمعروف وانه عن المنكر وأما السنة فقوله عليه السلام مر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك وقوله عليه السلام لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لكم وقوله عليه السلام من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان وأما الإجماع فهو أن المسلمين في الصدر الأول وبعده كانوا يتواصون بذلك ويوبخون تاركه مع الاقتدار عليه فإن استدل على نفي الوجوب بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وقوله تعالى لا إكراه في الدين وبما روى عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت قلنا يا رسول الله متى لا يؤمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر قال إذا كان البخل في خياركم وإذا كان الحكم في رذالكم وإذا كان الإدهان في كباركم وإذا كان الملك في صغاركم أجيب بأن المعنى أصلحوا أنفسكم بأداء الواجبات وترك المعاصي وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يضركم بعد النهي عنادهم وإصرارهم على المعصية أو لا يضر المهتدي إذا نهى ضلال الضال وقوله لا إكراه منسوخ بأيات القتال على أنه ربما يناقش في كون الأمر والنهي إكراها أما الحديث فلا يدل إلا على نفي الوجوب عند فوات الشرط بلزوم المفسدة وانتفاء الفائدة فإن من شرائط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علم الفاعل بوجههما من أنه واجب معين أو مخير مضيق أو موسع عين أو كفاية وكذا في المنهى وبالجملة العلم بما يختلف باختلافه حال الأمر والنهي ليقعا على ما ينبغي ومنها تجويز التأثير بأن لا يعلم عدم التأثير قطعا لئلا يكون عبثا واشتغالا بما لا يعني فإن قيل يجب وإن لم يؤثر إعزازا للدين قلنا ربما تكون ذلك إذلالا ومنها انتفاء مضرة ومفسدة أكثر من ذلك المنكر أو مثله وهذا في حق الوجوب دون الجواز حتى قالوا يجوز وإن ظن أنه يقتل ولا ينكى نكاية بضرب ونحوه لكن يرخص له السكوت بخلاف من يحمل وحده على المشركين ويظن أنه يقتل فإنه إنما يجوز إذا غلب على ظنه أنه ينكى فيهم بقتل أو جرح أو هزيمة قال ولا يختص بالولاة كان المسلمون في الصدر الأول وبعده يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر من غير نكير من أحد ولا توقيف على إذن فعلم أنه لا يختص بالولاة بل يجوز لآحاد الرعية بالقول والفعل لكن إذا انتهى الأمر إلى نصب القتال وشهر السلاح ربط بالسلطان حذرا عن الفتنة كذا ذكر إمام الحرمين وقال أن الحكم الشرعي إذا استوى في إدراكه الخاص والعام ففيه للعالم وغير العالم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإذا اختص مدركه بالاجتهاد فليس للعوام فيه أمر ونهي بل الأمر فيه موكول إلى أهل الاجتهاد ثم ليس لمجتهد أن يتعرض بالردع والزجر على مجتهد آخر في موضع الخلاف إذ كل مجتهد مصيب في الفروع عندنا ومن قال أن المصيب واحد فهو غير متعين عنده وذكر في محيط الحنفية أن للحنفي أن يحتسب على الشافعي في أكل الضبع ومتروك التسمية عمدا وللشافعي أن يحتسب على الحنفي في شرب المثلث والنكاح بلا ولي ثم لا يختص وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن يكون ورعا لا يرتكب مثله بل من رأى منكرا وهو يرتكب مثله فعليه أن ينهى عنه لأن تركه للمنكر ونهيه عنه فرضان متميزان ليس لمن ترك أحدهما ترك الآخر ثم هو فرض كفاية إذا قام به في كل بقعة من فيه غناء سقط الفرض عن الباقين وهذا لا ينافي القول بأنه فرض على الكل لأن المذهب أن فرض الكفاية فرض على الكل ويسقط بفعل البعض نعم إذا نصب لذلك أحد تعين عليه فيحتسب فيما يتعلق بحقوق الله تعالى من غير بحث وتجسس وفيما يتعلق بحقوق العباد لا على وجه العموم كمطل المديون الموسر وتعدي الجار في جدار الجار يحتسب إذا استعداه صاحب الحق وعلى العموم كتعطل شرب البلد وانهدام سورة وترك أهله رعاية أبناء السبيل المحتاجين مع عدم المال في بيت المال يحتسب ويأمر على الإطلاق وينكر على من يغير هيئات العبادات كالجهل في الصلاة السرية وبالعكس وعلى من يزيد في الأذان وعلى من يتصدى الإفتاء أو التدريس أو الوعظ وهو ليس من أهله وعلى القضاة إذا حجبوا الخصوم أو قصروا في النظر في الخصومات وعلى أئمة المساجد المطروقة إذا طولوا في الصلاة وبهذا يعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقتصر على الواجب والحرم وينبغي أن يحتسب برفق وسكون متدرجا إلى الأغلظ فالأغلظ بحسب حال المنكر ذكر في المحيط للحنفية أن من رأى غيره مكشوف الركبة ينكر عليه برفق ولا ينازعه إن لج وفي الفخذ ينكر عليه بعنف ولا يضربه وإن لج وفي السوءة أدبه وإن لج قتله قال الفصل الثالث في الأسماء والأحكام وفيه مباحث هذه الترجمة شايعة في كلام المتقدمين ويعنون بالأسماء اسامي المكلفين في المدح مثل المؤمن والمسلم والمتقي والصالح وفي الذم مثل الكافر والفاسق والمنافق وبالأحكام ما لكل منها في الآخرة من الثواب والعقاب وكيفيتهما قال المبحث الأول الإيمان في للغة التصديق أفعال من الأمن للصيرورة أو التعدية بحسب الأصل كأن المصدق صار ذا أمن من أن يكون مكذوبا أو جعل الغير آمنا من التكذيب والمخالفة ويعدى بالباء لاعتبار معنى الإقرار والاعتراف كقوله تعالى آمن الرسول بما أنزل إليه وباللام لاعتبار معنى الإذعان والقبول كقوله تعالى حكاية وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ولما أنه في التحقيق عايدا إلى أخذ الشيء صادقا والصدق مما يوصف به المتكلم والكلام والحكم يقع تعليقه بالشيء باعتبارات مختلفة مثل آمنت بالله أي بأنه واحد متصف بما يليق منزه عما لا يليق وآمنت بالرسول أي بأنه مبعوث من الله تعالى صادق فيما جاء به وآمنت بملائكته أي بأنهم عباده المكرمون المطيعون المعصومون لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة ليسوا بنات الله ولا شركاءه وآمنت بكتبه وكلماته أي بأنها منزلة من عند الله صادقة فيما تتضمنه من الأحكام وآمنت باليوم الآخر أي بأنه كائن البتة وآمنت بالقدر أي بأن الخير والشر بتقدير الله ومشيئته ومرجع الكل إلى القبول والاعتراف وأما في الشرع فاختلف الآراء في تحقيق الإيمان وفي كونه اسما لفعل القلب فقط أو فعل اللسان فقط أو لفعلهما جميعا وحدهما أو مع سائر الجوارح وهذه طرق أربعة فعلى الأول قد يجعل اسما للتصديق أعني تصديق النبي فيما علم مجيئه به بالضرورة أي فيما اشتهر كونه من الدين بحيث يعلمه العامة من غير افتقار إلى نظر واستدلال كوحدة الصانع ووجوب الصلاة وحرمة الخمر ونحو ذلك ويكفي الإجمال فيما يلاحظ إجمالا ويشترط التفصيل فيما يلاحظ تفصيلا حتى لو لم يصدق بوجوب الصلاة عند السؤال عنه وبحرمة الخمر عند السؤال عنه كان كافرا وهذا هو المشهور وعليه الجمهور وقد يجعل اسما للمعرفة أعني معرفة ما ذكرنا ويتناول معرفة الله تعالى بوحدانيته وسائر ما يليق به وتنزهه عما لا يليق به وهو مذهب الشيعة وجهم بن صفوان وأبي الحسين الصالحي من القدرية وقد يميل إليه الأشعري وستعرف فرقا بين المعرفة والتصديق ومن الناس من يكاد يقول بأنه اسم لمعنى آخر غير المعرفة والتصديق هو التسليم إلا أنه يعود بالآخرة إلى التصديق على ما يراه أهل التحقيق وعلى الثاني وهو أن يجعل اسما لفعل اللسان أعني الإقرار بحقية ما جاء به النبي عليه السلام وقد يشترط معه معرفة القلب حتى لا يكون الإقرار بدونها إيمانا وإليه ذهب الرقاشي زاعما أن المعرفة ضرورية يوجد لا محالة فلا يجعل من الإيمان لكونه اسما لفعل مكتسب لا ضروري وقد يشترط التصديق وإليه ذهب القطان وصرح بأن الإقرار الخالي عن المعرفة والتصديق لا يكون إيمانا وعند اقترانه بهما يكون الإيمان هو الإقرار فقط وقد لا يشترط شيء منهما وإليه ذهب الكرامية حتى أن من أضمر الكفر وأظهر الإيمان يكون مؤمنا إلا أنه يستحق الخلود في النار ومن أضمر الإيمان وأظهر الكفر لا يكون مؤمنا ومن أضمر الإيمان ولم يتفق منه الإظهار والإقرار لم يستحق الجنة وإذا تحققت فليس لهؤلاء الفرق الثلاث كثير خلاف في المعنى وفيما يرجع إلى الأحكام وعلى الثالث وهو أن يكون اسما لفعل القلب واللسان فهو اسم للتصديق المذكور مع الإقرار وعليه كثير من المحققين وهو المحكي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى وكثيرا ما يقع في عبارات التحارير من العلماء مكان التصديق تارة المعرفة وتارة العلم وتارة الإعتقاد فعلى هذا من صدق بقلبه ولم يتفق له الإقرار باللسان في عمره مرة لا يكون مؤمنا عند الله تعالى ولا يستحق دخول الجنة ولا النجاة من الخلود في النار بخلاف ما إذا جعل اسما للتصديق فقط فإن الإقرار حينئذ شرط لإجراء الأحكام عليه في الدنيا من الصلاة عليه وخلفه والدفن في مقابر المسلمين والمطالبة بالعشور والزكوات ونحو ذلك ولا يخفى أن الإقرار بهذا الغرض لا بد أن يكون على وجه الإعلان والإظهار على الإمام وغيره من أهل الإسلام بخلاف ما إذا كان لا تمام الإيمان فإنه يكفي مجرد التكلم وإن لم يظهر على غيره ثم الخلاف فيما إذا كان قادرا وترك التكلم لا على وجه الإباء إذ العاجز كالأخرس مؤمن وفاقا والمصر على عدم الإقرار مع المطالبة به كافر وفاقا لكون ذلك من إمارت عدم التصديق ولهذا أطبقوا على كفر أبي طالب وإن كابرت الروافض غير متألمين في أنه كان أشهر أعمام النبي عليه الصلاة والسلام وأكثرهم اهتماما لشأنه وأوفرهم حرصا من النبي عليه الصلاة والسلام على إيمانه فكيف اشتهر إيمان حمزة والعباس رضي الله عنهما وشاع على رؤس المنابر فيما بين الناس وورد في إيمانهما الأحاديث المشهورة وكثر منهما في الإسلام المساعي المشكورة دون أبي طالب وأما على الرابع وهو أن يكون الإيمان اسما لفعل القلب واللسان والجوارح على ما يقال أنه إقرار باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان فقد يجعل تارك العمل خارجا عن الإيمان داخلا في الكفر وإليه ذهب الخوارج أو غير داخل فيه وهو القول بالمنزلة بين المنزلتين وإليه ذهب المعتزلة إلا أنهم اختلفوا في الأعمال فعند أبي علي وأبي هاشم فعل الواجبات وترك المحظورات وعند أبي الهذيل وعبدالجبار فعل الطاعات واجبة كانت أو مندوبة إلا أن الخروج عن الإيمان وحرمان دخول الجنة بترك المندوب مما لا ينبغي أن يكون مذهبا لعاقل وقد لا يجعل تارك العمل خارجا عن الإيمان بل يقطع بدخول الجنة وعدم خلوده في النار وهو مذهب أكثر السلف وجميع أئمة الحديث وكثير من المتكلمين والمحكي عن مالك والشافعي والأوزاعي رض وعليه إشكال ظاهر وهو أنه كيف لا ينتفي الشيء أعني الإيمان مع انتفاء ركنه أعني الأعمال وكيف يدخل الجنة من لم يتصف بما جعل اسما للإيمان وجوابه أن الإيمان يطلق على ما هو الأصل والأساس في دخول الجنة وهو التصديق وحده أو مع الإقرار وعلى ما هو الكامل المنجي بلا خلاف وهو التصديق مع الإقرار والعمل على ما أشير إليه بقوله تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم إلى قوله أولئك هم المؤمنون حقا وموضع الخلاف أن مطلق الاسم للأول أم الثاني وذكر الإمام في وجه الضبط أن الإيمان إما أن يكون اسما لعمل القلب فقط وهو المعرفة عند الإمامية وجهم والتصديق عندنا وإما لعمل الجوارح فإن كان هو ا لقول فمذهب الكرامية أو سائر الأعمال فمذهب المعتزلة وأما مجموع عمل القلب والجوارح وهو مذهب السلف وفيه اختلال من جهة ترك عمل القلب في مذهب الاعتزال وعدم التعرض لمذهب التصديق والإقرار فإن قيل قد ذكرت من المذاهب ما يبلغ عشرة ونحن قاطعون بأن النبي عليه السلام ومن بعده كانوا يأمرون بأمر معلوم يمتثل من غير افتقار إلى بيان ولا استفسار إلا بحسب المتعلق أعني ما يجب الإيمان به فكيف ذلك قلنا لا خفاء ولا خلاف في أنهم كانوا يأمرون بالتصديق وقبول الأحكام ويكتفون في حق الأحكام الدنيوية بما يدل على ذلك وهو الإقرار إلا أنه وقع اختلاف واجتهاد في أن مناط الأحكام الأخروية مجرد هذا المعنى أم مع الإقرار أم كلاهما مع الأعمال وفي أن ذلك مجرد معرفة واعتقاد أم أمر زائد على ذلك وهذا لا بأس به قال لنا مقامات

Bölüm V02/P248

الأول أن الإيمان فعل القلب دون مجرد فعل اللسان الثاني أنه التصديق دون المعرفة والاعتقاد والثالث أن الأعمال ليست داخلة فيه بحيث ينتفي هو بانتفائها أما المقام الأول فبيانه بنصوص تدل على ذلك حتى أن القول بكون الإيمان مجرد الإقرار يكاد يجري مجرى إنكار النصوص قال الله تعالى أولئك كتب في قلوبهم الإيمان إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن وقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم ثبت قلبي على دينك ومن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان الحديث وقد يستدل بوجهين أحدهما أنه لو كان الإيمان هو القول لما كان المكلف مؤمنا حقيقة إلا حال التلفظ لانقضاء القول بعده بخلاف التصديق فإنه باق في القلب حتى حال النوم والغفلة إلى طريان ضده الذي هو الكفر وأجيب بعد تسليم كون اسم الفاعل حقيقة في الحال دون الماضي بأن المؤمن بحسب الشرع اسم لمن تكلم بما يدل على التصديق إلى أن يطرأ ضده

Sorular