Qur'an&Sunnah

Teftâzânî — Şerhu'l-Makâsıd (Mâtürîdî/Eş'arî kelam)

Bölüm V01/P359–V01/P360

يعني أن ما ذكر في الآثار العلوية أي التي فوق الأرض والسفلية أي التي على وجهها وتحتها إنما هو رأي الفلاسفة لا المتكلمين القائلين باستناد جميع ذلك إلى إرادة القادر المختار ومع ذلك فالفلاسفة معترفون بأنها ظنون مبنية على حدس وتجربة يشاهد أمثالها كما يرى في الحمام من تصاعد الأبخرة وانعقادها وتقاطرها وفي البرد الشديد من تكاثف ما يخرج بالأنفاس كالثلج وفي المرايا من اختلاف الصور والألوان وانعكاس الأضواء على الأنحاء المختلفة إلى غير ذلك فهذا وأمثاله من التجارب والمشاهدات يفيد ظن استناد تلك الآثار إلى ما ذكروا من الأسباب وقد ينضم إليها من قرائن الأحوال ما يفيد اليقين الحدسي ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص فيحصل اليقين للبعض دون البعض واعترفوا أيضا بأنه لا يمتنع استنادها إلى أسباب أخر لجواز أن يكون للواحد بالنوع علل متعددة وأن يكون صدوره عن البعض أقليا وعن البعض أكثريا وبأن في جملة ما ذكر من الأسباب ما يحكم الحدس بأنه غير تام السببية بل يفتقر إلى انضمام قوى روحانية لولاها لما كانت كافية في إيجاب ما هي أسبابه فإن من الرياح ما يقلع الأشجار العظام ويختطف المراكب من البحار وإن من الصواعق ما يقع على الجبل فيدكه وعلى البحر فيغوص فيه ويحرق بعض حيواناته وما ينفذ في التخلخل فلا يحرقه ويذيب ما يصادفه الأجسام الكثيفة الصلبة حتى يذيب الذهب الكيس ولا يحرق الكيس إلا ما يحرق عن الذوب ويذيب ضبة الترس ولا يحرق الترس وإن من الكواكب ذوات الأذناب ما يبقى عدة شهور ويكون لها حركات طولية وعرضية إلى غير ذلك من الأمور الغريبة التي لا يكفي فيها ما ذكر من الأسباب المادية والفاعلية بل لا بد من تأثير من القوى الروحانية وقد تواتر في بلاد الترك ونواحي أرس وبلغار من خواص النباتات والأحجار وفي شأن السحب والرياح والأمطار وغير ذلك ما يجزم العقل بأنه ليس صادرا عن النبات والحجر بل عن خالق القوى والقدر وسمعت غير واحد من الثقاة أنهم إذا سافروا في الصيف أصحبوا واحدا من الكفرة يقوم باستعمال بعض تلك الأحجار مبتهلا متضرعا في أثناء ذلك إلى الخالق سبحانه وتعالى على طريقتهم وله رياضة عظيمة وترك للشهوات ونسب في جماعة مخصوصة مشهورة باستنزال المطر فيحدث سحابة قدر ما يظل أولئك السفر فيها ريح تدفع عنهم البعوض تسير معهم إذا ساروا وتقف إذا وقفوا وترجع إذا رجعوا وربما تستقبلهم فرقة أخرى معهم سحابة تكفيهم وريح إلى خلاف جهة هذه الريح وإنكار هذا عندهم من قبيل إنكار المحسوسات وأما حديث النبات الذي ينفتح به القيد من الحديد على قوائم الفرس عند إصابته فمشهور ولعمري أن النصوص الواردة في استناد أمثال هذه الآثار إلى القادر المختار قاطعة وطرق الهدى إلى ذلك واضحة لكن من لم يجعل الله له نورا فما له من نور ( قال القسم الرابع 7 )

Bölüm V01/P360–V01/P364

شروع في رابع الأقسام التي رتب عليها الكلام في فصل مباحث الأجسام على التفصيل وهو في المركبات التي لها مزاج وفيه مقدمة لبيان حقيقة المزاج وأقسامه وثلاثة مباحث للإشارة إلى الأقسام الثلاثة للممتزج أعني المعدن والنبات والحيوان وقد سبق أن الكلام في ذلك مبني على قانون الفلسفة وإنما آثر في تفسيره المزاج طريق التفريع على طريق التعريف بأن يقول هو كيفية متوسطة متشابهة حادثة من تفاعل العناصر المجتمعة المتصغرة الأجزاء بقواها المنكسرة سورة كل من كيفياتها الأربع لأن ذكر المتوسطة والمتشابهة إنما يحس بعد ذكر أجزاء العناصر واجتماعها وكيفياتها وفي راعية ذلك فوات حسن انتظام اللفظ ووضوح المعني فإن قيل أي حاجة إلى ذكر المتوسطة قلنا الاحتراز عن توابع المزاج كالألوان والطعوم والروائح لأن معنى التوسط أن يكون أقرب إلى كل من الكيفيتين المتضادتين مما يقابلها بمعنى أن يستحر بالقياء إلى الجزء البارد ويستبرد بالقياس إلى الجزء الحار وكذا في الرطوبة واليبوسة وأما ذكر التشابه على ما سيجيء من معناه فللتحقيق دون الاحتراز ولو ذكر بدلهما الملموسة لكفى وحسن التحديد وعبارة ابن سينا في القانون خارج عن القانون جدا وذلك أنه قال المزاج كيفية تحدث عن تفاعل كيفيات متضادة موجودة في عناصر متصغرة الأجزاء لتماس أكثر كل واحد منها أكثر الأجزاء إذا تفاعلت بقواها بعضها في بعض حدثت عن جملتها كيفية متشابهة في جميعها هي المزاج فسلك طريق التعريف منحرفا إلى طريق التفريع وحينئذ فالشرطية أعني قوله إذا تفاعلت الخ إن كانت صفة العناصر وقع تكرار لا حاجة إليه وكان قوله هي المزاج أجنبيا لا يرتبط بما سبق إلا بأن يجعل صفة كيفية متشابهة فيذكر المحدود في الحد وإن جعل الظرف متعلقا بقوله يحدث كان الواقع في معرض الجزاء أجنبيا لا معنى له والظاهر أن قوله إذا تفاعلت الخ أخذ في طريق التفريع بعد تمام التعريف وأسند التفاعل في التعريف إلى الكيفيات على ما هو ظاهر نظر الصناعة وفي التفريع إلى العناصر بواسطة القوى التي هي الكيفيات أو الصور النوعية على ما هو أقرب إلى التحقيق الفلسفي فإن قيل فيدخل في التعريف توابع المزاج قلنا وكذلك إذا جعلنا الشرطية من تمام التعريف لأن إخراجها بقيد المتشابهة تفسيرا لها بما فسروا به المتوسطة تعسف على ما سيجيء إن شاء الله تعالى ثم لا بد لتوضيح المقام من الكلام في مواضع الأول أنه اعتبر في المزاج تصغر أجزاء العناصر لأن تأثير الجسم وإن أمكن بدون المماسة كما في تسخين الشمس للأرض وجذب المغناطيس للحديد لكن لا خفاء في أنه في الامتزاج إنما هو بطريق المماسة وهي تتكثر بتكثر السطوح الحاصل بتكثر الأجزاء الحاصل لتصغرها وكلما كان تصغر الأجزاء أكثر كان الامتزاج أتم ومنهم من جعل المماسة شرطا في تأثير الجسم لأنه إن لم يشترط وضع أصلا فباطل للقطع بأن نار الحجاز لا تحرض حطب العراق وإن اشترط المجاورة ولو بوسط أو وسائط فالبعيد لا ينفعل إلا بعد انفعال القريب القابل للانفعال وحينئذ فالمؤثر في البعيد هو المتوسط بما استفاد من الأثر للقطع بأن سخونة الجسم المجاور للهواء المجاور للنار إنما هو بسخونة الهواء فلا يكون التأثير بدون المماسة والجواب أنه يجوز أن يكون القابل هو البعيد دون القريب فيتأثر بدون المماسة كما في تسخين الشمس للأرض وجذب المغناطيس للحديد الثاني أنه لا بد في حدوث المزاج من العناصر الأربعة لأن في كل منها فائدة لا يتم بدونها الكسر والانكسار وحدوث الكيفية المتوسطة المتشابهة ولهذا يرى المركب من الماء والتراب لا تترتب عليه آثار الأمزجة إلا بعد تخلخل في الأجزاء وحرارة فوق ما في الهواء فعلى هذا لا بد في تحصيل الجزء الناري من الكون والفساد إذ لا ينزل من الأثير إلا بالقاسر ولا قاسر وبعضهم على أنه يجوز حدوث المزاج من اجتماع بعض العناصر فإنها إذا تصفرت أجزاؤها جدا واختلطت تفاعلت لا محالة وحدثت الكيفية المتوسطة الثالث أن عند امتزاج العناصر الفاعل والمنفعل هي الكيفيات الأربع في نظر الطبيب إذ لا ثبت عنده للصورة النوعية وأما الفلاسفة فلما أثبتوها بما سبق من الأدلة جعلوا الفاعل هو الصورة بتوسط الكيفية التي لمادتها بالذات كحرارة النار أو بالعرض كحرارة الماء ومعنى فاعليتها أن تخيل مادة العنصر الآخر إلى كيفيتها فتكسر سورة كيفية الآخر بمعنى أن تزول تلك المرتبة من مراتب تلك الكيفية وتحدث مرتبة أخرى أضعف منها أما كون الفاعل هو الصورة فلأنه لا يجوز أن تكون هو المادة لأن شأنها القبول والانفعال ولا الكيفية لأن تفاعل الكيفيتين أي كسر كل منهما سورة الأخرى إن كان معا لزم أن يكون الشيء مغلوبا عن شيء حال كونه غالبا عليه وإن كان على التعاقب بأن تكسر سورة الأخرى ثم ينكسر عنها لزم أن يصير المغلوب عن الشيء غالبا عليه والغالب على الشيء مغلوبا عنه وذلك أن المنكسر عندما كان قويا لم يقو على كسر الآخر فلما انكسر وضعفت قوته قوى على كسر الآخر وهذا مح وأما توسط الكيفية فلأن منشأ الكسر والانكسار هو التضاد وذلك في الكيفيات ولهذا لا تكسر سورة الهواء البارد برودة الأرض ولا سورة الماء الحار حرارة الهواء ونحو ذلك واعترض بأن ما ذكر مشترك الإلزام لأن تفاعل الصورتين بواسطة الكيفيتين إما أن يكون معا فيلزم كون الشيء غالبا مغلوبا معا لأن الكيفية كما أنها غالبة إذا فرضناها الكاسرة فكذا إذا كان لها دخل في ذلك بل يلزم اجتماع الكيفية الشديدة التي بها الكسر والضعيفة الحادثة بالانكسار في آن واحد وهو محال لأنهما مرتبتان مختلفتان وأما أن يكون على التعاقب فتلزم صيرورة المغلوب غالبا وبالعكس ولظهور بطلان هذا ولزوم كون المعلول مقارنا للعلة وشرطها اقتصر في المواقف على الشق الأول فقال الصورة إنما تعقل بواسطة الكيفية فتكون الكيفية شرطا في التأثير فيلزم اجتماع الكيفية الكاسرة أي التي بواسطتها الكسر مع الحادثة أي الضعيفة التي تحدث بعد الانكسار لا يقال الاعتراض مدفوع بوجهين أحدهما أن القول بفاعلية الصورة تجوز والحقيقة أن الصور والكيفيات معدات لفيضان الكيفية المتوسطة من المبدأ المفارق بطريق اللزوم عند الفلاسفة لتمام الفاعل والقابل وبطريق العادة عند غيرهم لكون الفاعل مختارا وح يبطل حديث الغالب والمغلوب وثانيهما أن المنكسر عند الامتزاج من كل كيفية سورتها لأنفسها والكاسر نفس الكيفية المضادة لا سورتها للقطع بأن سورة الماء الشديد الحرارة تنكسر بالماء البارد وإن لم يكن في الغاية بل بالماء الفاتر بل بماء حار هو أقل حرارة وإذا كان كذلك فلا يمتنع أن تكون الكيفية المنكسرة كاسرة لسورة الكيفية المضادة ولا يكون هذا من اجتماع الغالبية والمغلوبية في شيء لأنا نقول فح يصح القول بتفاعل الكيفيات من غير اعتبار للصور وههنا اعتراض آخر وهو أنا نجد حدوث الكيفية المتوسطة بمجرد تفاعل الكيفيات من غير اعتبار أن يكون هناك صورة توجب انكسار سورة الكيفية المضادة كما في امتزاج الماء الحار بالماء البارد للقطع بأن الصورة المائية لا تكسر البرودة فإن زعموا أن ليس ههنا فعل وانفعال أي كسر وانكسار ليلزم وجود صورة كاسرة بل تستمد المادة بواسطة اجتماع المائين لزوال كيفيتهما وحدوث كيفية متوسطة من المبدأ الفياض قلنا فليكن الأمر في المزاج أيضا كذلك فإنه لا معنى لاشتداد الكيفية وضعفها إلا بطلان كيفية وحدوث أخرى أشد منها أو أضعف بحسب اختلاف الاستعداد وإنما النزاع في الفاعل وإن زعموا أن الكاسر لسورة برودة الماء هو الصورة النارية التي أحدثت الحرارة في الماء الحار قلنا فقد ظهر أنه ليس بلازم أن يكون الكاسر للكيفية صورة بسيط هو أحد أجزاء المركب فبطل قولكم في المزاج بأن انكسار الكيفيات إنما هو بصور عناصر الممتزج ثم الأشبه أن يقال الكاسر لسورة برودة الماء البارد المختلط بالماء الحار هو الصورة المائية بتوسط الحرارة العارضة لأن من قواعدهم أن صورة كل عنصر تفعل في مادته بالذات وفي مجاوره بواسطة الكيفية ذاتية كانت كبرودة الماء أو عرضية كحرارته فعلية كالحرارة والبرودة أو انفعالية كالرطوبة واليبوسة ومادة كل عنصر تنفعل بالذات عن صورته وبكيفيته الذاتية أو العرضية الفعلية أو الانفعالية عن مجاوره وعلى هذا لا يرد على القائلين بكون الفاعل هو الصورة ما يرد على القائلين بكونه هو الكيفية من لزوم انفعال الكيفية الفعلية فيما إذا كان الكسر والانكسار بين الفعليتين أعني الحرارة والبرودة ولزوم فعلية الكيفية الانفعالية فيما إذا كان الكسر والانكسار بين الانفعاليين أعني الرطوبة واليبوسة فإن قيل إن كان في الفاعلية خفاء فلا خفاء في أن المنفعل عند الامتزاج هو الكيفيات كحرارة النار وبرودة الماء وكذا البواقي قلنا نعم بمعنى أنها تزول وتحدث الكيفية المتوسطة وأما الذي يتأثر ويتغير من حال إلى حال فهو المادة لا غير وكما لا يمتنع انفعالها في الكيفية الفعلية كالحرارة والبرودة لا يمتنع فعل الصورة بالكيفية الانفعالية كالرطوبة واليبوسة للقطع بأن صورة الماء مثلا إنما تكسر يبوسة النار برطوبته لا ببرودته وصورة النار تكسر رطوبة الماء بيبوستها لا بحرارتها الرابع أن معنى تشابه الكيفية المزاجية في الكل أن الحاصل في كل جزء من أجزاء المركبة أو البسيطة للمتزج تماثل الحاصل في الجزء الآخر أي تساويه في الحقيقة النوعية من غير تفاوت إلا بالمحل حتى إن الجزء الناري كالجزء المائي في الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وكذا الهوائي والأرض إذ لو اختلفت الكيفيات في أجزاء الممتزج وكان التشابه في الحس لشدة امتزاج الكيفيات العنصرية الباقية على حالها بحيث لا تتميز عند الحس لما كان هناك فعل وانفعال ولم تتحقق كيفية وجدانية بها يستعد الممتزج لفيضان صورة معدنية أو نباتية أو حيوانية أو نفس إنسانية عليه بل كان هذا مجرد تركيب ومجاورة بين العناصر لا امتزاج لأن الامتزاج هو اجتماع العناصر بحيث تحدث منه الكيفية المتوسطة المتشابهة والتركيب أعم من ذلك وكذا الاختلاط وقد يجعل مرادفا للامتزاج كذا في الشفاء وما ذكر في شرح القانون من أن معنى التشابه في جميع الأجزاء أن يستحر بالقياس إلى البارد ويستبرد بالقياس إلى الحار وكذا في الرطوبة واليبوسة قصدا إلى دفع اعتراض الإمام بدخول توابع المزاج في تعريفه فمخالفة لصريح العقل وصحيح النقل وما ذكرنا هو المفهوم من اللفظ والمذكور في كلام القوم

Bölüm V01/P364–V01/P365

( قال فلا بد من استحالة العناصر في كيفياتها جميعا ) قد عرفت فيما مضى أن الكون والفساد تبدل في الصورة النوعية للعناصر بأن تبطل صورة وتحدث أخرى مع بقاء المادة والاستحالة تبدل في الكيفيات بأن تزول كيفية وتحدث أخرى مع بقاء الصورة ولا خفاء في أن القول بالمزاج بالمعنى المذكور أعني حدوث كيفية متوسطة متشابهة في كل جزء بحسب الحقيقة مبني على جواز استحالة كل عنصر في كيفية الفعلية والانفعالية حتى يكون الجزء الناري من الممتزج في الكيفية المتوسطة بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة كالجزء المائي والهوائي والأرضي على السواء وزعم الإمام أنهم لم يثبتوا ذلك إلا في الماء حيث يستحيل برودة إلى الحر من غير تكون وبروز ولا ورود عليه من خارج وهو لا يستلزم جواز استحالة الكل في الكل وكان الأطباء تركوا بيان هذا الأصل إلى الحكماء لكونه من مبادىء علم الطب والحكماء إلى الأطباء لكونه من فروع الطبيعي وأصول الطب فبقي مهملا ورد بأن جواز الاستحالة من لوازم جواز الكون والفساد فبيانه في كل بيان لجواز الاستحالة في الكل وتقريره على ما أشير إليه في النجاة أن زوال صورة وحدوث أخرى إنما يكون عند تمام استعداد المادة وهو أمر حادث يفتقر إلى زمان فلا بد من تغير واقع على التدريج وليس ذلك في نفس الصورة لأن وجودها وعدمها دفعي فتعين أن يكون في الكيفية بأن تتغير فتضعف الكيفية التي تناسب الصورة التي تفسد وتشتد التي تناسب الصورة التي تكون ولا نعني بالاستحالة إلا تغير الكيفية مع بقاء الصورة وما ذكر في المتن استدلال على ثبوت الاستح الة بوجة آخر وهو أنه لما ثبت فيضان الصور والنفوس لزم حدوث كيفية متوسطة متشابهه في جميع اجزاء الممتزج لتستعد المادة بذلك لقبولها وهذا نفس الاستحالة أعني زوال الكيفيات الصرفة في الأجزاء العنصرية وحصول الكيفية المتوسطة وفيه نظر لجواز أن يحصل الاستعداد بمجرد اختلاط الأجزاء المتصغرة بحيث تحصل الكيفية المتوسطة بحسب الحس مع كون كل من الأجزاء البسيطة على صرافة كيفيتها ( قال ثم التعريف يتناول المزاج الثاني 3 ) أعني الحاصل من امتزاج الأجزاء المتصغرة للمركبات كمزاج الذهب الحاصل من امتزاج الزئبق والكبريت أن جعلناه حادثا من انكسار الكيفيات بصور البسايط العنصرية المحفوظة في الممتزج على ما يظهر بالقرع والأنبيق فإنا إذا وضعنا فيه قطعة من اللحم مثلا تميز إلى جسم مائي قاطر وأرضي متكلس وأما إذا جعلنا حدوثه بواسطة الصور النوعية للمركبات بأن تعد الكيفية المزاجية الأجزاء الممتزجة لفيضان صورة نوعية عليها غير صور العناصر ثم تتفاعل الممتزجات المختلفة بواسطة صورها وكيفياتها فتحدث كيفية متوسطة متشابهة في الشكل كما في الذهب بواسطة الصورة الزئبقية والكبريتية فلا يدخل في التعريف لأنها لم تحدث من تفاعل العناصر بقواها أي صورها أو كيفياتها ( قال فالمزاج نوع آخر 2 )

Bölüm V01/P365–V01/P366

قد علم مما سبق أن المزاج كيفية ملموسة مغايرة بالنوع لما في العناصر من الكيفيات الصرفة حاصلة في كل جزء من الأجزاء الممتزج حتى الأجزاء البسيطة العنصرية وهي باقية على صورها النوعية وإنما استحالت من كيفياتها الصرفة إلى الكيفية المتوسطة وهذا رأي جمهور المشائين فإن قيل لو كانت صور العناصر باقية والصورة الحادثة بعد المزاج سارية في جميع أجزاء الممتزج لزم أن تكون النار مثلا مع الصورة النارية متصفة بالصورة الذهبية وح جاز أن تكون المواليد من عنصر واحد قلنا يجوز أن تكون الصورة الحادثة إنما تسري في الأجزاء المركبة دون البسيطة أو يكون قبول البسيط إياها مشروطا بالامتزاج ثم ههنا مذاهب أخر فاسدة الأولى أن العناصر باقية على صورها وصرافة كيفياتها وإنما تحس بالكيفية المتوسطة لفرط الاختلاط وعدم الامتياز عند الحس ورد بأن عدم بقاء العناصر على صرافة كيفياتها عند تماسها معلوم قطعا الثاني أن امتزاج العناصر وتفاعلها قد أد ى بها إلى أن تخلع صورها ولا تكون لواحد منها صورتها الخاصة وتلبس حينئذ صورة واحدة فيصير لها هيولي واحدة وصورة واحدة ثم منهم من جعل تلك الصورة أمرا متوسطا بين الصور المتضادة للبسائط ومنهم من جعلها صورة أخرى للنوعيات أي صورة توجد لبعض الأنواع الموجودة في الأعيان ورد بوجهين أحدهما أن تفاسد الصور سواء كان على وجه الانكسار أو الزوال بالكلية إما أن يكون معا أو على التعاقب وكلاهما فاسد لما مر في الكيفيات ولا يجوز أن يجعل الفاعل ههنا هو الكيفية كالصورة في انكسار الكيفيات لأن في فساد الصورة فساد آثارها أعني الكيفيات وثانيهما أنه لو كان كذا لما اختلفت أجزاء الممتزج بالتبخر والتقاطر والترمد واللازم باطل بحكم الفرع والأنبيق ( قال ثم المزاج 6 ) بين حقيقة المزاج وكيفية حصوله وهذا بيان أقسامه بحسب الاعتدال الحقيقي أو الفرضي والخارج عنه بكيفية أو أكثر وقد سبق أن المزاج كيفية متوسطة بين الكيفيات الأربع أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وسميت قوى باعتبار كونها مبادىء التغيرات على ما هو ظاهر نظر صناعة الطب والقوة اسم لما هو مبدأ التغير من آخر في آخر من حيث هو آخر فالمزاج إن كان على حد التساوي في مقادير القوى الأربع شدة وضعفا فمعتدل حقيقي وإلا فغير معتدل والتساوي في مقادير القوى لا يستلزم التساوي في مقادير العناصر لجواز أن يكون عنصرا مغلوبا في الكمية قويا في الكيفية وبالعكس وأكد صاحب القانون التساوي بالتقادم حيث قال الاعتدال أن تكون مقادير الكيفيات المتضادة متساوية متقاومة فزعم الشارح أن تساوي مقادير الكيفيات إشارة إلى تساوي مقادير العناصر فإن تساوي السوادين مثلا في القذر عبارة عن تساوي محلهما والتقادم إشارة إلى تساوي الكيفيات شدة وضعفا وذلك لأنه حكم بامتناع وجود هذا المعتدل التساوي هيولي عناصره إلى أحيازها فلا يتحقق الاجتماع ريثما يحصل الفعل والانفعال وتساوي الميول لا يمكن بدون تساوي مقادير أجرام العناصر حجما وتساوي كيفياتها قوة وضعفا أما الأول فلأنه ذكر أن الغالب في الكم يغلب في الميل لا محالة وأما الثاني فلأن الميول تختلف باختلاف الكيفيات أيضا فإنها قد تعاون الصورة النوعية في أحداث الميل وقد تعاوقها عنه فإن الماء المبرد بالثلج أميل إلى مكانه من الماء المسخن بالنار فلا بد في المعتدل الذي يمتنع وجوده لتساوي ميوله من تساوي عناصره كما وكيفا ثم قال والخارج عن هذا الاعتدال لا ينحصر في ثمانية ولم يدع أحد هذا الانحصار كيف والمعتدل الفرضي والخارج عنه وهما تسعة على ما سيجيء خارج عن هذا الاعتدال وفيه نظر أما أولا فلأن المفهوم من مقادير الكيفيات مراتبها في الشدة والضعف لامتداداتها بحسب المسافة لتكون بحسب مقادير أجرام العناصر وأما ثانيا فلأن كيفيات العناصر مختلفة في الشدة والضعف حتى جعلوا حرارة النار أضعاف برودة الماء مثلا فكيف يتصور تساوي أجرام العناصر مع تساوي كيفياتها حتى يكون الحكم بامتناع وجوده بناء على تداعي الأجزاء إلى الافتراق بسبب اختلاف الميول وأما ثالثا فلأن ادعاء انحصار الخارج عن هذا الاعتدال في الثمانية صريح في كلام القانون متصلا بكلامه في هذا الاعتدال وجعل الاعتدال الفرضي مع الأقسام الثمانية للخارج عنه قادحا في هذا الانحصار وهم إذ ربما يكون جميع ذلك أحد الأقسام الثمانية للخارج عن هذا الاعتدال أعني الحقيقي

Bölüm V01/P366

( قال وهو ممنوع 9 ) يعني يجوز أن يكون الاجتماع المؤدي إلى الفعل والانفعال حاصلا بأسباب أخر غير علية الكيفيات كان يكون حدوث الجزء الناري تحت الأرضي مثلا فيمتنع كل منهما صاحبه عن الميل إلى حيز نفسه ( قال أو كيفيتين غير متضادتين فينحصر في ثمانية ) يشير إلى أنه لا يمكن الخروج عن الاعتدال بالحرارة والبرودة جميعا أو بالرطوبة واليبوسة جميعا لأن الميل عن حاق الوسط إلى الحرارة مثلا معناه زيادة الحرارة على البرودة فكيف يتصور مع ذلك زيادة البرودة على الحرارة وبهذا يبطل ما قيل يجوز الخروج بكيفيات ثلاث فيزيد على الأقسام الثمانية أربعة أخرى هي المزاج الحار البارد والرطب أو اليابس والمزاج الرطب اليابس الحار أو البارد نعم يتصور ذلك لو اشترط في المعتدل تساوي أجرام العناصر أيضا بأن يزيد جرم الحار والبارد جميعا أو الرطب واليابس جميعا ( قال وقد يقال المعتدل 8 )

Bölüm V01/P366–V01/P368

ما مر كان هو المعتدل الحقيقي مشتقا من التعادل بمعنى التساوي وهذا هو المعتدل الفرضي والطبي المستعمل في صناعة الطب مشتقا من العدل في القسمة ومعناه المزاج الذي قد توفر فيه على الممتزج من كميات العناصر وكيفياتها القسط الذي ينبغي له ويليق بحاله ويكون أنسب بأفعاله مثلا شأن الأسد الجرأة والإقدام وشأن الأرنب الخوف والجبن فيليق بالأول غلبة الحرارة وبالثاني غلبة البرودة وهذا الاعتدال يعرض له ثمانية اعتبارات لأن أليقية المزاج للممتزج أما أن تكون بحسب الأفعال المطلوبة من النوع أو من الصنف أو من الشخص أو من العضو وكل من ذلك يعتبر إما بالقياس إلى الخارج أعني للنوع إلى سائر الأنواع وللصنف إلى سائر الأصناف من ذلك النوع وللشخص إلى سائر الأشخاص من ذلك الصنف وللعضو إلى سائر الأعضاء من ذلك البدن وإما بالقياس إلى الداخل أعني للنوع إلى ماله من الأصناف وللصنف إلى ماله من الأشخاص وللشخص إلى ما يعرض له من الأحوال وكذا للعضو مثلا للبدن الإنساني مزاج هو أليق به من حيث أنه إنسان من مزاج أي نوع فرض بحيث إذا تغير أو فسد اختلت الأفعال المختصة بهذا النوع وله مراتب يتردد فيها بين طرفي إفراط وتفريط يعبر عنها بسعة المزاج للقطع بأن ليس جميع أفراد الإنسان على مزاج واحد وليس أيضا كل مزاج صالحا للصورة الإنسانية فلنفرض أن حرارته لا تزيد على عشرين ولا تنقص من عشرة بل تتردد بينهما فإذا زادت على عشرين لم يكن الممتزج إنسانا بل فرسا وإذا نقصت من عشرة لم يكن إنسانا بل أرنبا ثم لا محالة تكون هناك واسطة بين هذين الطرفين أعني الإفراط والتفريط هي أليق به من حيث أنه إنسان من مزاج أي فرد فرض من أفراد الإنسان ويكون أفضل أمزجة الإنسان وأقربها إلى الاعتدال الحقيقي ويوجد في شخص في غاية الاعتدال من صنف في غاية الاعتدال في سن بلغ فيه النشو غايته وهو وإن لم يكن الاعتدال الحقيقي الذي حكموا بامتناع وجوده لكنه يعز وجوده إذ لا يوجد إلا في شخص واحد تجعله الأطباء دستورا يقاس إليه سائر الأشخاص وكذا للتركي مزاج خاص هو أليق به من حيث أنه تركي من أمزجة سائر أصناف الإنسان له عرض أي سعة لو خرج الشخص عنها لم يكن تركيا بل صنفا آخر وله واسطة هي أليق به من أي فرد فرض من أفراد التركي هي أفضل أمزجة الصنف وإن لم يلزم أن تكون أفضل أمزجة النوع وكذا لزيد مزاج هو أليق به من حيث هو هذا الشخص المعين أي أنسب بالصفات المختصة به من أمزجة أفراد ذلك الصنف وهو المزاج الذي يجب أن يكون زيد عليه ليكون موجودا حيا صحيحا ثم لا خفاء في أن له سعة ضرورة أن مزاجه وهو شاب غير مزاجه وهو شيخ أو صبي أو كهل ولها طرفا إفراط وتفريط لا تتعداهما ضرورة أن ليس كل مزاج صالحا له مع اختصاصه بمزاج معين وبينهما واسطة إذا حصلت لزيد كان على أفضل ما ينبغي أن يكون عليه بمعنى أن المزاج الذي له في ذلك الوقت أصلح لأفعاله من المزاج الذي له في سائر أوقاته وكذا للقلب مزاج هو أليق به من أمزجة سائر أعضاء البدن عريض له طرفان إذا تجاوزهما لم يكن القلب وواسطة إذا حصلت للقلب كان على أفضل ما ينبغي أن يكون عليه فظهر أن عرض مزاج النوع يشتمل على أمزجة أصنافه لأن عرض الصنف بعض عرض النوع وعرض مزاج الصنف يشتمل على أمزجة أشخاصه وعرض مزاج الشخص على أمزجته في حالاته وليس مزاج العضو داخلا في العروض المتقدمة لأنها مأخوذة باعتبار مجموع البدن من حيث هو مجموع إذا تكافأت الأعضاء الحارة بالباردة والرطبة باليابسة فيستحيل أن يكون مزاج مجموع البدن مزاج عضو واحد فإن قيل العضو نوع من أنواع الكائنات مشتمل على أصناف مشتملة على أشخاص فينبغي أن يعتبر له اعتدال نوعي وصنفي وشخصي كل منها بالقياس إلى الداخل والخارج دون أن يجعل قسما برأسه مقابلا لها قلنا نعم إلا أنهم نظروا إلى أن الطب ينظر في أحوال بدن الإنسان وأعضائه من حيث كونها على اعتدالها أو خارجة عنه واعتبار مزاج البدن إنما هو باعتبار تكافىء أعضائه وتعادلها في المزاج بأن تكون حرارة ما هو حار منها كالقلب تعادل برودة ما هو بارد منها كالدماغ ويبوسة ما هو يابس منها كالعظم تعادل رطوبة ما هو رطب منها كالكبد بحيث إذا نسب جميع ما في البدن من الحرارة إلى جميع ما فيه من البرودة كان قريبا من التساوي وكذا الرطوبة مع اليبوسة وبالجملة يكون الحاصل من المجموع قريبا من الاعتدال الحقيقي ثم لا خفاء في أنه ليس ههنا أعني في مزاج جملة البدن المعبر عنه بالمزاج الشخصي اختلاط أجزاء الأعضاء وتصغرها وتماسها وكأنه مجرد وضع وإضافة للبعض إلى البعض أو كيفيات تحصل لجميع الأعضاء من جهة تأثر بعضها من البعض بمجرد المجاورة من غير امتزاج واختلاط للأجزاء

Bölüm V01/P368–V01/P369

( قال والخارج عن هذا الاعتدال 9 ) يعني الاعتدال الفرضي المعتبر بحسب الطب ينحصر في ثمانية لأنه إما أن يكون بكيفية واحدة من الأربع فيكون أحر مما ينبغي أو أبرد أو أرطب أو أيبس وإما بكيفيتين غير متضادتين فيكون أحر وأرطب أو أيبس أو أبرد وأرطب أو أيبس واعترض الكاتبي في شرح الملخص بأن الخروج عن هذا الاعتدال بكيفيتين متضادتين ممكن بأن تزيد الحرارة والبرودة جميعا على القدر اللايق بالممتزج أو تنقصا عنه وكذا الرطوبة واليبوسة ولا يلزم من ذلك كون المتضادتين غالبتين ومغلوبتين معا في الخارج عن الاعتدال الحقيقي لأن المعتبر ثمة زيادة كل على الأخرى وههنا على القدر اللايق لا على الأخرى وإذا جاز ذلك فالخروج إما أن يكون بكيفية أو كيفيتين أو ثلاث كيفيات أو الكيفيات الأربع جميعا والأول ثمانية أقسام حاصلة من ضرب أربعة أعني الكيفيات في اثنين أعني الزيادة والنقصان والثاني أربعة وعشرون قسما لأن الكيفيتين الخارجتين أما الحرارة مع البرودة أو مع الرطوبة أو مع اليبوسة وأما البرودة مع الرطوبة أو مع اليبوسة وأما الرطوبة مع اليبوسة فهذه ستة نضربها في أربع حالات هي زيادة الكيفيتين ونقصانهما وزيادة الأولى مع نقصان الثانية وبالعكس والثالث اثنان وثلاثون قسما لأن الخروج إما بالحرارة مع البرودة والرطوبة أو مع البرودة واليبوسة أي مع الرطوبة واليبوسة وإما بالبرودة مع الرطوبة واليبوسة يصير أربعة نضربها في ثمان حالات هي زيادة الكيفيات الثلاث ونقصانها وزيادة كل من الثلاث مع نقصان الأخريين ونقصان كل مع زيادة الأخريين والرابع ستة عشر قسما على عدد الحالات الممكنة أعني زيادة الكيفيات الأربع ونقصانها وزيادة كل منها مع نقصان الثلاث الباقية وبالعكس فهذه عشرة وزيادة كل اثنتين مع نقصان الأخريين وهذه ستة لأن الاثنتين إما الفاعلتان وأما المنفعلتان وإما كل من الفاعلتين مع كل من المنفعلتين والمعترض قد أخل ببعض هذه الأقسام فجعل الأقسام الممكنة ثلاثة وستين فاستوفاها العلامة الشيرازي ثمانين ثم أجاب بأن معنى هذا الاعتدال هو أن يتوفر على الممتزج من كميات العناصر وكيفياتها القسط الذي هو أليق بحاله وأنسب بأفعاله أعني أن تكون الحرارة والبرودة فيه على نسبة تلائم أفعاله على الوجه الأفضل الأليق وكذا الرطوبة واليبوسة فأدامت هذه النسبة محفوظة كان الاعتدال باقيا وإن فرض زيادة أو نقصان في مقادير الكيفيات مثلا إذا كان اللايق بالممتزج أن يكون الحار ضعف البارد كان يكون الحار من عشرة إلى عشرين والبارد من خمسة إلى عشرة فإذا زادت الفاعلتان فصارت الحرارة اثنتي عشرة والبرودة ستة أو انتقصتا فصارت الحرارة ثمانية والبرودة أربعة فإن الاعتدال باق لبقاء النسبة وإن صارت البرودة ستة مع كون الحرارة أحد عشر فليس هذا خروجا عن الاعتدال بالكيفيتين بل بالبرودة فقط إذ المزاج صار أبرد مما ينبغي لا أحر ومع كون الحرارة ثلاثة عشر فليس إلا خروجا عن الاعتدال بالحرارة حيث صار آخر مما ينبغي وكذا في الرطوبة واليبوسة والحاصل أنه إذا كانت النسبة الفاضلة بأن تكون الحرارة ضعف البرودة مثلا فتغير النسبة أما أن يكون بزيادة الحرارة على الضعف أو نقصانها أو زيادة البرودة عن النصف ولا مع نقصانها عن الضعف زيادة البرودة على النصف وكذا الكلام في كميات العناصر فلا يرد ههنا ما يرد عن الاعتدال الحقيقي من أنه لما اعتبر فيه تساوي العناصر في الكم أيضا جاز الخروج عنه بالعنصر الحار والبارد جميعا بأن يزيد آخر ما على الآخرين وذلك لأن المعتبر ههنا نسبة بين كميات العناصر كالضعف والنصف مثلا فتغير النسبة لا يتصور إلا مثل ما ذكر في الكيفيتين فليتأمل نعم لا يبعد الخروج بالكيفيتين المتضادتين عن الاعتدال الشخصي بالنسبة إلى الداخل بأن يصير مزاج قلب زيد أحر وأيبس من أعدل أحواله ومزاج دماغه أبرد وأرطب أو بالعكس وذلك لأنه ليس هناك كيفية متوسطة بحكم ببقائها ما دامت النسبة محفوظة وإن كانت المقادير مختلفة ( قال واختلفوا في أعدل البقاع 7 )

Bölüm V01/P369–V01/P371

قد اتفقوا على أنه إذا اعتبرت الأنواع كان أعدل الأمزجة أي أقربها إلى الاعتدال الحقيقي مزاج نوع الإنسان لأن متعلق للنفس الناطقة الأشرف فلا بد أن يكون أشرف أي أقرب إلى الوحدة الحقيقية وأبعد عن التضاد والكثرة ولأنه أحوج الأنواع إلى الأفعال المتقنة التي تعين على بعضها الحرارة كالهضم وعلى بعضها البرودة كالإمساك وعلى بعضها اليبوسة كالحفظ وعلى بعضها الرطوبة كالإدراك واختلفوا في أعدل الأصناف بالنظر إلى أوضاع العلويات فقال ابن سينا سكان خط الاستواء أي الموضع الموازي لمعدل النهار وذلك لتشابه أحوالهم في الحر والبرد لتساوي ليلهم ونهارهم دائما ولأنه ليس صيفهم شديد الحر لأن الشمس تزول عن سمت رأسهم بسرعة لما تقرر في موضعه من أن حركتها في الميل أعني البعد عن معدل النهار أسرع عند الاعتدالين وأبطأ عند الانقلابين ولا شتاؤهم شديد البرد لأن الشمس لا تبعد عن سمتهم كثيرا فلا يعظم التفاوت بين صيفه وشتائه ومع ذلك فمدة كل منهما قصيرة وهي شهر ونصف لما مر من كون الفصول هناك ثمانية فالشمس لا تسامتهم عن بعد كثير بل عن قرب من المسامتة فهم دائما متنقلون من حالة متوسطة إلى ما يشابهها فكأنهم في الربيع دائما واستدل بعضهم على فساد هذا الرأي بوجهين أحدهما أن الشمس تسامت رؤسهم في السنة مرتين ثم لا تبعد عن المسامتة بأكثر من ثلاثة وعشرين جزأ ونصفا على ما هو غاية الميل الكلي فهم دائما في المسامتة أو في القرب منها فتكون حرارتهم مفرطة لأن قرب المسامتة في زمان يسير كما في الصيف عندنا مع تقدم برد الشتاء المخرج للهواء عن استعداد التسخن مسخن جدا فهذا أولى وجوابه أن مسامتتهم لسرعة زوالها أقل نكاية وتسخينا للهواء من المسامتة أو القرب منها في البلاد ذوات العروض لأن قرب المسامتة يبقى هناك أياما كثيرة ويكون النهار أطول من الليل طولا ظاهرا والسبب الدائم وإن ضعف قد يكون أكثر تأثيرا من غير الدائم وإن قوي كالحديد في نار لينة مدة وفي نار قوية لحظة وثانيهما أن زمان وصول الشمس إلى أول السرطان شتاء لخط الاستواء لكون الشمس على غاية البعد عن سمت رأسهم وصيف لبقعة عرضها سبعة وأربعون ضعف الميل الكلي كبلدة سراي لكونها على غاية القرب عنها مع أن بعدها عن سمت رأس البقعتين على السواء فيكون حر شتاء خط الاستواء كحر صيف هذه البلدة بل أكثر إذا تأملت لأن ما قبل هذه الحالة لهم من أسباب السخونة ولأهل البلدة من أسباب البرودة وإذا كان حر شتائهم هذا فأظنك بحر صيفهم وجوابه منع تشابه حر الفصلين في البقعتين وإنما يلزم لو انحصر سبب الحر في قرب الشمس من سمت الرأس وهو محال فيجوز أن يشتد حر صيف البلدة المفروضة بسبب تزايد طول النهار على الليل إلى الضعف تقريبا لأن طول نهارها يبلغ ست عشرة ساعة تقريبا وقصر ليلها ثماني ساعات كذلك بخلاف خط الاستواء فإن الليل والنهار فيه دائما على السواء فيتعادل الحر والبرد وأيضا المألوف لا يؤثر فلعل أهل خط الاستواء لا يفهم بالحر لا تتأثر أمزجتهم ولا تتسخن من حر مسامتة الشمس ويستبر دون الهواء عند بعد المسامتة أعني كون الشمس في الانقلابين فيبقى الاعتدال بخلاف البلدة المفروضة فإن الحر يشتد على جسمهم ويؤثر فيهم لعدم الفهم به ولانتقالهم إليه من شدة البرد وإن كان على التدريج ولا يخفى على المنصف ضعف هذا الجواب وكذا إسناد حر البلدة إلى الأسباب الأرضية وأما الجواب عن احتجاج ابن سينا على كون سكان الاستواء أقرب الأصناف إلى الاعتدال الحقيقي بالنظر إلى أوضاع العلويات فهو أن تشابه الأحوال بمعنى أنه لا يطرأ عليهم تغير يعتد به ولا تلحقهم نكاية من حر أو برد لا يفيد المطلوب أعني قربهم من الاعتدال الحقيقي الذي تساوى فيه الكيفيات لجواز أن يكون البالغ في الحرارة والبرودة المألوفة كذلك وذهب جمع من الأوائل وكثير من المتأخرين إلى أن أعدل الأصناف سكان الإقليم الرابع استدلالا بالآثار كما هو مذكور في المتن غني عن الشرح وفيه إشارة إلى دفع اعتراضين أحدهما أن كثرة التوالد والتناسل وتوفر العمارات وغير ذلك من الكمالات إنما يتبع الاعتدال العرضي الذي هو توفر القسط الأليق من الكيفيات لا الحقيقي الذي هو تساويها وفيه النزاع ودفعه أن المعتدل الفرضي كلما كان إلى المعتدل الحقيقي أقرب وبالواحد المبدأ أنسب كان بإفاضة الكمال أجدر فيتم الاستدلال بزيادة الكمال على زيادة القرب من الاعتدال الحقيقي على ما هو المطلوب وثانيهما أن قلة الكمالات في خط الاستواء وكثرتها في الإقليم الرابع يجوز أن يكون عائدة إلى الأسباب الأرضية دون أوضاع العلويات ودفعه أن الحدس يشهد بما ذكرنا ويحكم ببطلان أن لا يوجد في خط الاستواء وهو أربعة آلاف فرسخ بقعة خالية عن الموانع الأرضية ولا في الإقليم الرابع على كثرة بلادها بلدة خالصة للأسباب العلوية فإن قيل إذا صح الاستدلال على اعتدال الإقليم الرابع بكونه وسطا بين الأقاليم بعيدا عن الفجاجة الشمالية والاحتراق الجنوبي فأولى أن يستدل على اعتدال خط الاستواء بكونه على حاق الوسط من الشمال والجنوب قلنا التوسط ههنا توسط بين ما هو من أسباب الحر والبرد أعني قرب المسامتة وبعدها بخلاف التوسط بين القطبين فإن نسبة الشمس إليهما على السواء وأهل ذلك الوسط دائما في المسامتة أو القرب منها وإنما يصح الاستدلال لو كان غاية الحر والبرد تحت نقطتي الجنوب والشمال وليس كذلك

Bölüm V01/P371–V01/P373

( قال وأما المباحث 8 ) بعد الفراغ من مقدمة القسم الرابع من الأقسام الأربعة المرتب عليها الكلام فيما يتعلق بالأجسام على التفصيل وهو في المركبات التي لها مزاج شرع في مباحثه وهي ثلاثة حسب أقسام الممتزج المسماة بالمواليد الثلاثة أعني المعادن والنبات والحيوان ووجه الحصر أن الممتزج أن تحقق فيه مبدأ التغذية والتنمية فإما مع تحقق مبدأ الحس والحركة الإرادية وهو الحيوان أو بدونه وهو النبات وإن لم يتحقق ذلك فيه فالمعادن وإنما قلنا مع تحقق مبدأ الحس والحركة لأنه لا قطع بعدمهما في النبات والمعدن بل ربما يدعى حصول الشعور والإرادة للنبات لأمارات تدل على ذلك مثل ما نشاهد من ميل النخلة الأنثى إلى الذكر وتعشقها به بحيث لو لم تلقح منه لم تثمر وميل عروق الأشجار إلى جهة الماء وميل أغصانها في الصعود من جانب الموانع إلى القضاء ثم ليس هذا ببعيد عن القواعد الفلسفية فإن تباعد الأمزجة عن الاعتدال الحقيقي إنما هو على غاية من التدريج فانتقاص استحقاق الصور الحيوانية وخواصها لا بد أن تبلغ قبل الانتفاء إلى حد الضعف والخفاء وكذا النباتية ولهذا اتفقوا على أن من المعدنيات ما وصل إلى أفق النباتية ومن النباتات ما وصل إلى أفق الحيوانية كالنحلة وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام أكرموا عمتكم النخلة ( قال والمراد بالحيوان 9 ) إشارة إلى دفع ما يورد على حصر الأجناس في الثلاثة حيث يوجد أشياء ليس فيها مبدأ الحس والحركة مع القطع بأنها ليست من النبات أو المعدن كبعض أجزاء الحيوان ومتولداته كالعظم والشعر واللبن والعسل واللؤلؤ والأبريسم وما أشبه ذلك وأشياء لا يطلق عليها اسم النبات والمعدن كالثمار وما يتخذ منها وكالزنجار والسنجرف ونحو ذلك ( قال المبحث الأول 7 ) أقسام المعدني خمسة ذائب منطرق ذائب مشتعل ذائب غير منطرق ولا مشتعل غير ذائب لفرط الرطوبة غير ذائب لفرط اليبوسة فالأول أي الذائب المنطرق هو الجسم الذي انجمد فيه الرطب واليابس بحيث لا تقدر النار على تفريقهما مع بقاء دهنية قوية بسببها يقبل ذلك الجسم الانطراق وهو الاندفاع في العمق بانبساط يعرض للجسم في الطول والعرض قليلا قليلا دون انفصال شيء والذوبان سيلان الجسم بسبب تلازم رطبه ويابسه والمشهور من أنواع الذائب المنطرق سبعة الذهب والفضة والرصاص والأسرب والحديد والنحاس والخارصيني قيل هو جوهر شبيه بالنحاس يتخذ منه مرايا لها خواص وذكر الحازني أنه لا يوجد في عهدنا والذي يتخذ منه المرايا ويسمى بالحديد الصيني والانقنجوش فجوهر مركب من بعض الفلزات وليس بالخارصيني والذوبان في غير الحديد ظاهر وأما في الحديد فيكون بالحيلة على ما يعرفه أرباب الصنعة وشهدت الأمارات بأن مادة الأجساد السبعة هي الزئبق والكبريت واختلاف الأنواع والأصناف عائد إلى اختلاف صفاتهما واختلاطهما وتأثر أحدهما عن الآخر أما الأمارات فهي أنها سيما الرصاص تذوب إلى مثل الزئبق والزئبق ينعقد برائحة الكبريت إلى مثل الرصاص والزئبق يتعلق بهذه الأجساد ثم الزئبق مركب من مائية وكبريتية وامتحان علم الصنعة أيضا يشهد بذلك واعتراض أبي البركات بأنه لو كان كذلك لوجد كل من الزئبق والكبريت في معدن الآخر وفي معادن هذه الأجساد مدفوع بأنه يجوز أن يكون عدم الوجدان لتغيرهما بالامتزاج أو لعدم الإحساس بواسطة تصغر الأجزاء وأما كيفية تكونها فهي أنه إذا كان الزئبق والكبريت صافيين وكان انطباخ أحدهما بالآخر تاما فإن كان الكبريت مع بقائه أبيض غير محترق تكونت الفضة وإن كان أحمر وفيه قوة صباغة لطيفة غير محرقة تكون الذهب وإن كانا نقيين وفي الكبريت قوة صباغة لكن وصل إليه قبل كمال النضج برد مجمد عاقد يكون الخارصيني وإن كان الزئبق نقيا والكبريت رديا فإن كان مع الرداءة فيه قوة إحراقية تكون النحاس وإن كان غير شديد المخالطة بالزئبق بل متداخلا إياه ساقا فساقا تولد الرصاص وإن كان الزئبق والكبريت رديين فإن قوى التركيب وفي الزئبق تخلخل أرضي وفي الكبريت إحراق تكون الحديد وإن ضعف التركيب تكون الأسرب وأصحاب الصنعة يصححون هذه الدعاوي بعقد الزئبق بالكبريت انعقادا محسوسا يحصل لهم بذلك غلبة الظن بأن الأحوال الطبيعية تقارب الأحوال الصناعية وأما القطع فلا يدعيه أحد

Bölüm V01/P373–V01/P374

( قال وتكونها بالصنعة 7 ) يعني أن الكثير من العقلاء ذهبوا إلى أن تكون الذهب والفضة بالصنعة واقع وذهب ابن سينا إلى أنه لم يظهر له إمكانه فضلا عن الوقوع لأن الفصول الذاتية التي بها تصير هذه الأجساد أنواعا أمور مجهولة والمجهول لا يمكن إيجاده نعم يمكن أن يصبغ النحاس بصيغ الفضة والفضة بصيغ الذهب وأن يزال عن الرصاص أكثر ما فيه من النقص لكن هذه الأمور المحسوسة يجوز أن لا تكون هي الفصول بل عوارض ولوازم وأجيب بأنا لا تم اختلاف الأجسام بالفصول والصور النوعية بل هي متماثلة لا تختلف إلا بالعوارض التي يمكن زوالها بالتدبير ولو سلم فإن أريد لمجهولية الصور النوعية والفصول الذاتية أنها مجهولة من كل وجه فممنوع كيف وقد علم أنها مبادي لهذه الخواص والأعراض وإن أريد أنها مجهولة بحقائقها وتفاصيلها فلأتم أن الإيجاد موقوف على العلم بذلك وأنه لا يكفي العلم بجميع المواد على وجه حصل الظن بفيضان الصور عنده لأسباب لا تعلم على التفصيل كالحبة من الشعر والعقرب من البازروج ونحو ذلك وكفى بصنعة الترياق وما فيه من الخواص والآثار شاهدا على إمكان ذلك نعم الكلام في الوقوع وفي العلم بجميع المواد وتحصيل الاستعداد ولهذا جعل الكيمياء كالعنقاء مثلا في اسم بلا مسمى ( قال والثاني 8 ) أي الذائب المشتعل هو الجسم الذي فيه رطوبة دهنية مع يبوسة غير مستحكم المزاج ولذلك تقوى النار على تفريق رطبه عن يابسه وهو الاشتعال وذلك كالكبريت المتولد من مائية تخمرت بالأرضية والهوائية تخمرا شديدا بالحرارة حتى صارت تلك المائية دهنية وانعقدت بالبرد وكالزرنيخ وهو كذلك إلا أن الدهنية فيه أقل ( قال والثالث 3 ) أي الذائب الذي لا ينطرق ولا يشتعل ما ضعف امتزاج رطبه ويابسه وكثرت رطوبته المنعقدة بالحر واليبس كالزاجات وتولدها من ملحية وكبريتية وحجارة وفيها قوة بعض الأجساد الذائبة وكالأملاح وتولدها من ماء خالطه دخان حار لطيف كثير النازية وانعقد باليبس مع غلبة الأرضية الدخانية ولذا يتخذ الملح من الرماد المحترق بالطبخ والتصفية ( قال والرابع 6 ) أي الذي لا يذوب ولا ينطرق لرطوبته ما استحكم الامتزاج بين أجزائه الرطبة الغالبة والأجزاء اليابسة بحيث لا تقوى النار على تفريقهما كالزئبق وتولده من مائية خالطته أجزاء أرضية كبريتية بالغة في اللطافة ( قال والخامس 9 ) أي الذي لا يذوب ولا ينطرق ليبوسة ما اشتد الامتزاج بين أجزائه الرطبة والأجزاء اليابسة المستولية بحيث لا تقدر النار على تفريقهما مع إحالة البرد للمائية إلى الأرضية بحيث لا تبقى رطوبة حبة دهنية ولذا لا ينطرق ولما أن عقده باليبس لا يذوب إلا بالحيلة بحيث لا يبقى ذلك الجوهر بخلاف الحديد المذاب وذلك كالياقوت واللعل والزبرجد ونحو ذلك من الأحجار ( قال ومرجع المعدنيات إلى الأبخرة والأدخنة 6 ) فإنها إذا لم تكن كثيرة قوية بحيث تفجر الأرض فتخرج عيونا أو زلازل بل ضعفية تحتبس في باطن الأرض وتمتزج بالقوى المودعة في الأجسام التي هناك على ضروب مختلفة فقد بعد تلك الأجسام لقبول قوى أخرى وصور تكون بها أنواعا هي الجواهر المعدنية ويختص كل نوع ببقعة لمناسبة له معها فإذا زرع في بقعة أخرى لم يتولد منه شيء لأن القوة المولدة له إنما هي في تلك الأرض ولا خفاء في أن بعضها مما يتولد بالصنعة بتهيئة المواد وتكميل الاستعداد كالنوشادر والملح ولا في أن مثل الذهب والفضة واللعل وكثير من الأحجار قد يعمل له شبه بعسر التمييز بينه وبين ذلك الجوهر في بادي النظر وإنما الكلام في عمل حقيقة ذلك الجوهر ( قال واتفقوا 7 )

Bölüm V01/P374–V02/P001

يريد أن المزاج الثاني ليس كالأول في بقاء الأجزاء أعني البسائط العنصرية على صورها النوعية بل المراد المركبة كالزئبق والكبريت المتكون منهما الذهب لا تبقى على صورها لكونها تابعة للمزاج المتقدم عند تصغر الأجزاء جدا فالتركيب المفضي إلى حصول المزاج التابع لتصغر الأجزاء لا كتركيب الشخص من الأعضاء لا يكون عند التحقيق إلا من البسائط العنصرية ولهذا لا يكون حجم الذهب ووزنه بين حجم الزئبق والكبريت ووزنيهما على ما هو قياس المركب من الأجسام المختلفة في الثقل الباقية على صورها بل حجمه أقل منها بكثير ووزنه أكثر على ما سيأتي ( قال خاتمة 4 ) هذا بحث شريف يتفرع عليه أحكام كثيرة في باب الفلزات والأحجار ومعرفة مقدار كل منهما في المركب مع بقاء التركيب وفي عمل الموازين القريبة جعله خاتمة بحث المعدنيات لأن أمره فيها أظهر واحتياجها إليه أكثر وقد سبقت إشارة إلى أن اختلاف الأجسام في الخفة والثقل عائد إلى اختلافها في الصور والاستعدادات لا إلى كثرة الأجزاء وقلتها مع تخلل الخلاء وبحسب تفاوتها في الخفة والثقل تتفاوت فيما يتبع ذلك من الحجم والحيز والطفو على الماء والرسوب فيه ومن اختلاف أوزانها في الماء بعد التساوي في الهواء مثلا حجم الأخف يكون أعظم من حجم الأثقل مع التساوي في الوزن كمائة مثقال من الفضة ومائة من الذهب وحيز الأخف يكون إلى صوب المحيط والأثقل إلى صوب المركز وإن تساويا وزنا أو حجما والأخف قد يعلو الماء وإلا ثقل يرسب فيه كالخشب والحديد وإن كان وزن الخشب أضعاف وزن الحديد وإذا كان في إحدى كفتي الميزان مائة مثقال من الحجر وفي الأخرى مائة مثقال من الذهب أو الفضة أو غيرهما من الأجساد التي جوهرها أثقل من جوهر الحجر ولا محالة يقوم الميزان مستويا في الهواء فإذا أرسلنا الكفتين في الماء لم يبق الاستواء بل يميل العمود إلى جانب الجوهر الأثقل وكلما كان من جوهر أثقل كان الميل أكثر ويفتقر الاستواء إلى زيادة في الحجر حسب زيادة الثقل مع أن وزن الجوهر ليس إلا مائة مثقال مثلا وذلك لأن الأثقل أقدر على خرق القوام الأغلظ وأما إذا أرسلنا أحدهما فقط في الماء فالعمود يميل إلى جانب الهواء لكونه أرق قواما وقد حاول أبو ريحان تعيين مقدار تفاوت ما بين الفلزات وبعض الأحجار في الحجم وفي الخفة والثقل بأن عمل إناء على شكل الطبرزد مركبا على عنقه شبه ميزات منحني كما يكون حال الأباريق وملأ ماء وأرسل فيه مائة مثقال من الذهب مثلا وجعل تحت رأس الميزاب كفة الميزان الذي يريد به معرفة مقدار الماء الذي يخرج من الإناء وهكذا كل من الفلزات والأحجار بعد ما يلغ في تنقية الفلزات من الغش وفي تصفية الماء وكان ذلك من ماء جيحون في خوارزم في فصل الخريف ولا شك أن الحكم يختلف باختلاف المياه واختلاف أحوالها بحسب البلدان والفصول فتحصل معرفة مقدار الماء الذي يخرج من الإناء بمائة مثقال من كل من الفلزات والأحجار وعرف بذلك مقدار تفاوتها في الحجم والثقل فإن ما يكون ماؤه أكثر يكون حجمه أكبر وثقله أقل بنسبة تفاوت المائتين وإذا أسقط ماء كل من وزنه في الهواء كان الباقي وزنه في الماء مثلا لما كان ماء مائة مثقال من الذهب خمسة مثاقيل وربع مثقال كان وزنه في الماء أربعة وتسعين مثقالا وثلاثة أرباع مثقال والماء الذي يخرج من الإناء بإلقاء الجسم فيه إن كان أقل من وزن الجسم فالجسم يرسب في الماء وإن كان أكثر منه فيطفو وإن كان مساويا له فالجسم ينزل في الماء بحيث يماس أعلاه سطح الماء وقد وضع أبو ريحان ومن تبعه جدولا جامعا لمقدار الماء الذي يخرج من الإناء بمائة مثقال من الذهب والفضة وغيرهما ولمقدار أوزانهما عند كون الفلزات التسعة في حجم مائة مثقال من الذهب والجواهر في حجم مائة مثقال من الياقوت الاسمانجوني ولمقدار أوزانها في الماء بعد ما يكون مائة مثقال في الهواء وهو هذا الجدول والله أعلم 2 بسم الله الرحمن الرحيم

Bölüm V02/P001

قال المبحث الثاني بعد الفراغ من المعادن شرع في النبات ترقيا إلى الأكمل فالأكمل والأعدل فالأعدل ولاختصاص النبات بزيادة اعتدال لا يوجد في المعدني وتقارب ما يوجد في الحيوان صار له شبه بالحيوان في بعض الأعضاء والقوى وذلك أن له مواضع تقوم مقام الرحم والذكر كعقد الأغصان والزرع وفي البزور مواضع متميزة منها تتولد الأغصان وله عروق بها يتغذى ولحاء به يستحفظ وأجزاء كمالية بمنزلة الشعر والظفر كالورق والزهر وله فصول تدر كالصموغ والألبان وله قوى لحفظ الشخص كالغاذية وحوادمها ولتكميل المقدار كالنامية ولتحصيل المثل إبقاء للنوع كالمولدة قال فمنها الغاذية المحققون على أنها قوة مغايرة للجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة وإن كان ظاهر كلام البعض يشعر بأنها نفس الهاضمة والبعض بأنها عبارة عن مجموع الأربع وحاصل الفرق أن الهاضمة هي التي تتصرف فيما يرد على البدن من حين المضغ إلى أن يحصل له كمال الاستعداد لصيرورته جزأ من المغتذي وهذا معنى إحالة الغذاء إلى ما يليق بجوهر المغتذي والغاذية هي التي تتصرف فيما حصل له كمال الاستعداد إلى أن تجعله جزأ بالفعل وهذا معنى إحالة الغذاء إلى مشاكلة المغتذي ففي تفسير الهاضمة أريد بالغذاء ما هو بالقوة كاللحم والخبز وبالإحالة التغير في الكيف كتغير الطعام إلى الكيلوس أو في الجوهر كتغيير الكيلوس إلى الدم والدم إلى اللحم وفي تفسير الغاذية أريد بالغذاء ما هو بالفعل أعني حين ما يصير جزأ من العضو وبالإحالة التغيير في الجوهر ومن المشاكلة المماثلة في الجوهر واللون والقوام واللصوق ثم ههنا مقامان أحدهما بيان وجود هذه القوى

Bölüm V02/P001–V02/P005

وثانيهما بيان تغايرهما أما الأول فيدل على وجود الجاذبة في المعدة حركة الغذاء من الفم إليها حركة صاعدة كما في البهائم والإنسان المعلق برجليه فإنها قسرية لكونها على خلاف الطبع وعدم الشعور من المتحرك أعني الغذاء وليس القاسر أمرا من خارج للقطع بانتفائه ولا إرادة من الحيوان لوقوعها حيث لا إرادة بل مع إرادة المنع كما إذا كان في الغذاء شعرة أو عظم مثلا فينقلب إلى المعدة لفرط شوقها إليه وإن كنت تريد إخراجه من الفم وأيضا قد ترى المعدة عند شدة شوقها إلى الطعام تصعد وتجذبه ويظهر ذلك بينا في الحيوان الواسع الفم القصير الرقبة كالتمساح فتعين كونها بقوة من المعدة وما ذكر في المواقف من أن هذه الحركة ليست إرادية أما من الغذاء فلعدم شعوره وإما من المغتذي فلوقوعها بلا إرادته فمبني على أنه أراد بالإرادية ما ينسب إلى الإرادة على ما يعم الواقعة بإرادة المتحرك والتابعة لإرادة القاسر نفيا للقسمين بأخصر عبارة ويدل على وجودها في الرحم أنه إذا كان خاليا عن الفضول بعيد العهد بالجماع يشتد شوقه إلى المني حتى يحس المجامع بأنه يجذب الإحليل إلى داخل جذب المحجمة للدم وفي باقي الأعضاء أن الكبد يتولد فيه مع الدم الصفراء والسوداء ثم تجد كل واحد منها يتميز عن صاحبه وينصب إلى عضو مخصوص ويجري الدم في طريق العروق إلى جميع الأعضاء ولا يتصور ذلك إلا بما فيها من الجواذب ويدل على وجود الماسكة أن الغذاء وإن كان في غاية الرقة والسيلان يبقى في المعدة إلى الانهضام والمني مع اقتضائه الحركة إلى أسفل يبقى في الرحم وكذا الدم في سائر الأعضاء وعلى وجود الدافعة أنا نجد المعدة عند القيء ودفع ما فيها تتحرك إلى فوق بحيث يحس بتزعزعها وبحركة الأحشاء تبعا لها وكذا الأمعاء عند دفع ما فيها بالإسهال والرحم عند دفع الجنين وأما في سائر الأعضاء فلا شك أن الدم الوارد عليها مخلوط بغيره من الأخلاط فلو لم يكن فيها ما يدفع غير الملائم لما حصل الاغتذاء على ما ينبغي ويدل على الهاضمة تغير الغذاء في المعدة وظهور طعم الحموضة في الأحشاء ثم تمام الاستحالة ثم تبدل الصورة إلى صورة الأخلاط وأما الثاني وهو بيان تغاير هذه القوى فمبني على ما تقرر عندهم من استحالة صدور الأفعال المختلفة عن قوة واحدة طبيعية ولهذا ترى بعض الأعضاء ضعيفا في بعض هذه الأفعال وقويا في الباقي ولا يخفى أنه لا يدل على تعدد القوى بالذات لجواز أن يكون الاختلاف عائدا إلى اختلاف الآلات والاستعدادات قال وتوجد الأربع يعني الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة في كل عضو لأنه يفتقر في البقاء إلى الاغتذاء المفتقر إلى الأفعال المستندة إلى القوى الأربع وقد يتضاعف في بعض الأعضاء أعني التي هي آلات الغذاء كالمعدة فإن فيها جاذبة للغذاء من الفم وماسكة له فيها ومغيرة إلى ما يصلح أن يصير دما في الكبد ودافعة للفضلات إلى الأمعاء ثم جاذبة للدم التي يصير غذاء لجوهر المعدة كسائر الأعضاء وماسكة له ريثما يغير إلى مشاكلة جوهر المعدة وهاضمة تفعل ذلك ودافعة لما يخالط ذلك من غير الملائم وكذا الكبد والعروق قال ولاحصر لمراتب الهضم يعني أن الغذاء من ابتداء المضغ إلى حين تصير جزأ من العضو يعرض له في كل آن تغير واستحالة من غير أن يكون ذلك محصورا في عدد إلا أنهم نظروا إلى أعضاء الغذاء والعضو المغتذي وإلى ظهور التغيرات في الغاية فقالوا هضم الغذاء إما أن لا يلزمه خلع صورته وذلك هو الذي به يتغير إلى أن يصير كيلوسا وهو هضم المعدة وابتداؤه من الفم أو يلزمه خلع صورته فأما أن يلزم من كمال ذلك النضج حصول الصورة العضوية وهو الهضم الرابع ويكون في كل عضو أو لا يلزمه حصول الصورة العضوية فإما أن يلزمه حصول التشبه بها في المزاج وذلك هو الذي به يصير رطوبة ثانية وهو أن يكون في العروق أو لا يلزمه ذلك وهو الذي به تصير خلطا ويكون هذا في الكبد ويستدل على كون ابتداء الهضم المغذي في الفم بأن الحنطة الممضوغة تفعل في إنضاج الدماميل مالا تفعل المدقوقة المبلولة بالماء أو المطبوخة فيه وبأن ما يبقى من الطعام بين الأسنان يتغير وتنتن رائحته ويصير له كيفية مثل كيفية لحم الفم والسبب في ذلك أن سطح الفم متصل بسطح المعدة بل كأنهما سطح واحد بشهادة التشريح ولذلك يجعل ما في الفم والمعدة هضما واحدا لا كما سبق إلى بعض الأوهام من أن أول الهضوم في الفم والثاني في المعدة والثالث في الكبد والرابع في العروق حطا لما هو العمدة والغاية في الهضم أعني التغيير إلى جوهر العضو عن درجة الاعتبار وأما جعل الهضم الكبدي واحدا مع أن ابتداءه في الماساريقا أعني العروق الدقيقة الصلبة الواصلة بين الكبد وبين أواخر المعدة وجميع الأمعاء وليس لها اتحاد بالكبد فلأنه لا يظهر فيها للطيف الكيلوس المنجذب إليها تغيير يعتد به وحالة متميزة عن الكيلوسية التي حصلت في المعدة والخلطية التي تحصل في الكبد ثم لكل من هذه الهضوم فضل تندفع ضرورة أن الهاضمة لا يمكنها إحالة جميع ما يرد إليها من الغذاء إما لكثرته وإما لأن من أجزائه مالا يصلح أن يصير جزأ من المغتذي فالهضم الأول له فضل كثير لأنه يفعل في الغذاء وهو باق على طبيعته وأجزائه الصالحة وغير الصالحة وعلى كثرته الواردة على المعدة باختيار من الحيوان سيما الإنسان المفتقر باعتدال مزاجه إلى تنويع الأغذية وتكثيرها بالتركيب وغيره لا بمجرد انجذاب طبيعي للنافع وحده كما في باقي الهضوم وكما في غذاء النبات فلذا احتاج إلى منفذ يسع كثرة الفضلات وهو المخرج والهضم الثاني تكون فضلاته قليلة لطيفة لأن الغذاء يرد إليه بجذب طبيعي ومن منافذ ضيقة جدا فيخرج أكثرها بالبول والباقي من طريق الطحال والمرارة وأما الهضم الثالث والرابع فاندفاع فضولهما إما إن يكون خروجا طبيعيا أو لا والثاني إما أن يكون باقيا على خلطيته من غير تصرف للهضم الثالث كدم البواسير والدم الفاسد الخارج بالرعاف وغيره وإما أن يكون قد استحال استحالة غير تامة كالصديد والقيح أو تامة إما إلى حالة تصلح للتغذية كالثقل النضيج الخارج في البول في حالة الصحة مما فات القوة الغاذية أو لا كالمدة الخارجة من الأورام المنفجرة والأول وهو ما يكون خروجه طبيعيا إما أن يجمع إلى منفعة الانتقاص منفعة أخرى أو لا فالأول إما أن يكون تلك المنفعة توليد جسم متصل بالبدن من جنس الأعضاء وهو مادة الظفر أو لا وهو مادة الشعر أو غير متصل وهو مادة الولد أعني المني أو يكون غير توليد جسم آخر وحينئذ فتلك المنفعة قد تتعلق بالمني كالودي الحافظ لرطوبة المني المسهل لخروجه وقد يتعلق بالجنين حال تكونه كالطمث أو حال خروجه كالرطوبات الكائنة حالة الولادة أو بعد ذلك كاللبن وقد لا تتعلق بهما أو ذلك إما لدفع ضرر شيء يخرج من البدن كالودي الكاسر بلعابيته لحدة البول أو يدخل فيه كوسخ الأذن القاتل بمرارته لما يدخل فيها من الذباب ونحوه وإما لا لدفع ضرر شيء كاللعاب المعين على الكلام بترطيبه اللسان والثاني وهو مالا يجمع إلى منفعة الانتقاص منفعة أخرى إما أن يتكون عنه جسم آخر منفصل كمادة القمل أو غير منفصل كمادة الحصا وإما أن لا يتكون وهو إما أن لا يكون محسوسا البتة كالبخار المتحلل أو يكون محسوسا أحيانا كوسخ البدن الكائن من فضل خذائه فإنه لا يحس إلا أن يجمع أو دائما وخروجه إما أن يكون من منفذ محسوس كالمخاط أو غير محسوس كالعرق قال فتصير الأخلاط الأربعة يعني الدم والبلغم والصفراء والسوداء وذلك بحكم الاستقراء فإن الحيوان سواء كان صحيحا أو مريضا يجد دمه مخالطا لشيء كالرغوة وهو الصفراء أو لشيء كالرسوب وهو السوداء أو لشيء كبياض البيض وهو البلغم وما عدا هذه الثلاثة فهو الدم وقد يقال أن الكيلوس إذا انطبخ فإن كان معتدلا فالدم وإن كان قاصرا فالبلغم والسوداء وإن كان مفرطا فالصفراء وأيضا فإن الأخلاط تتكون من الأغذية المركبة من الأسطقسات الأربعة فبحسب غلبة قوة واحد واحد منها يوجد خلط خلط وايضا الغذاء شبيه بالمغتذي وإن في البدن عضوا باردا يابسا كالعظم وباردا رطبا كالدماغ وحارا رطبا كالكبد وحارا يابسا كالقلب فيجب أن تكون الأخلاط كذلك ليغتذي كل عضو بما يناسبه هذا والحق أن الغازية بالحقيقة هو الدم وباقي الأخلاط كالأبازير المصلحة ولهذا كان أفضل الأخلاط وأعدلها مزاجا وقواما وألذها طعما وفسروا الخلط بأنه جسم رطب سيال يستحيل إليه الغذاء أو لا واحترز بالرطب أي سهل القبول للتشكل عند عدم مانع من خارج عن مثل العظم والغضروف وبالسيال أي ما من شأنه أن ينبسط أجزاء متسفلة بالطبع حيث لا مانع عن مثل اللحم والشحم إن قلنا بكونهما رطبين والمراد بالاستحالة التغير في الجوهر بحرارة البدن وتصرف الغاذية بقرينة التعدية بإلى إذ يقال في العرف استحال الماء إلى الهواء وقلما يقال استحال الماء الحار إلى البارد بل باردا وبه احترز عن الكيلوس الذي يستحيل إليه الغذاء أو لا في كيفيته والمراد بالغذاء ما هو المتعارف من مثل اللحم والخبز وسائر ما يرد على البدن فيغذوه واحترز بقيد الأولية عن الرطوبات الثانية وعن المني فإن الغذاء إنما يستحيل إليهما بعد الاستحالة إلى الخلط وقد يرد عليه إشكال بالخلط المتولد من الخلط كالدم من البلغم ويدفع بأن المراد استحالة الغذاء أو لا في الجملة وكل خلط فرض فإن من شأنه أن الغذاء يستحيل إليه أو لا ثم لا خفاء في أن مثل اللحم والعظم وجميع ما عدا الخلط يخرج بهذا القيد فذكر الرطب والسيال يكون مستدركا بل مخلا بالانعكاس إذ يخرج البلغم الحصى والسوداء الرمادية فإنهما غير سيالين بحكم المشاهدة والقول بأن عدم السيلان لمانع ليس بقادح ضعيف قال ثم يتشبه به أي يصير ما يليق بالعضو ويرشح عليه شبيها به في المزاج والقوام واللون والالتصاق أعني صيرورته جزأ من العضو على النسبة الطبيعية من غير أن يبقى متميزا عنه مترهلا كما في الاستسقاء اللحمي فإن ذلك إخلال بفعل الالتصاق كما أن البرص والبهق إخلال بالتشبه في اللون وأما الذبول فإخلال بتحصيل جوهر الغذاء ومن الإخلال بالفعل ما وقع في المواقف أن الاستسقاء اللحمي إخلال بالقوام والذبول إخلال بالالتصاق ولا أدري كيف يقع مثله لمثله واعلم أنه إذا لم يكمل القوام فهي رطوبة رذاذية طلية قد التصقت بالعضو وانعقدت واستحالت إليه من جهة المزاج لكن لقرب عهدها بالانعقاد لم تصلب بعد ولم يحصل لها قوام العضو واعترض بأنها حينئذ لا تكون على مزاج العضو لما فيها من زيادة مائية لا بد من تحللها ورد بأنه يجوز أن تكون الاستحالة إلى قوام العضو لا بتحلل المائية بل بمجرد الانعقاد كاللحم يتولد من منتن الدم ويعقده الحر والشحم من مائيته ودسميه ويعقده البرر قال والمشاكلة المعتبرة بين الغذاء والمغتذى فيه إشارة إلى أمرين

Bölüm V02/P005

أحدهما أن الغذاء قد يطلق على ما هو بالفعل أعني الجسم الذي ورد على البدن واستحال إلى الصورة العضوية وصارت جزأ منه شبيها به لكن لم يحصل له القوام التام الذي للعضو للقطع بأنه لا يقال للأجزاء الكاملة من العضو أنها غذاء له وقد يطلق على ما هو بالقوة البعيدة أعني الجسم الذي من شأنه إذا ورد على البدن وانفعل عن حرارته أن يستحيل إلى الغذاء بالفعل كالخبز واللحم أو القريبة أعني الجسم المعد في البدن لأن يصير غذاء بالفعل كالأخلاط وبعض الرطوبات الثانية أعني التي تستحيل إليها الأخلاط وهل تطلق على الكيلوس منعه بعضهم

Bölüm V02/P005–V02/P012

وثانيهما أن المراد بالمشاكلة في قولهم حفظ الصحة تكون بالمشاكل كما أن علاج المريض يكون بالمضاد موافقة مزاج الغذاء حين ما هو غذاء بالفعل لمزاج المغتذي حتى أن غذاء صاحب المزاج الحار ينبغي أن يكون باردا بحيث إذا تصرف فيه طبيعته فصار غذاء بالفعل استحال عن البرد وصار حارا مشاكلا لجوهر بدنه إلا أن يكون حارا مثل مزاجه وإلا لصار عند الهضم أحر مما ينبغي وأسقمه وربما صار من قبيل الأدوية بل السموم وكذا غذاء بارد المزاج ينبغي أن يكون حارا ليصير عند الهضم في بدنه البارد باردا مثله وبهذا يندفع الاعتراض بأنه لو كان حفظ الصحة بالمشاكل لزم أن يكون غذاء من هو حار المزاج جدا بالمسخنات مثل العسل والفلفل وبارد المزاج بالمبردات وبطلانه ظاهر قال ومنها أي ومن القوى الطبيعية النامية وهي القوة التي تزيد في أقطار الجسم أعني الطول والعرض والعمق على التناسب الطبيعي بما تدخل في أجزائه من الغذاء فخرج ما يفيد السمن لأنه لا يكون زيادة في الطول وفيه نظر والورم لأنه لا يكون على التناسب الطبيعي أي النسبة التي تقتضيها طبيعة ذلك الشخص والتخلخل لأنه لا يكون بما يدخل في الجسم بل بانبساط جرمه وأما التخلخل بمعنى الانتفاش أعني مداخلة الأجزاء الهوائية فلو سلم تناول الجنس أعني القوة الطبيعية لما يفيده لخرج بقيد الغذاء لظهور أن الأجزاء الهوائية ليست غذاء للمتنفس والأكثرون على أن قيد مداخلة الغذاء في أجزاء الجسم يخرج السمن أيضا لأنه لا يدخل في جوهر الأعضاء الأصلية المتولدة عن المني بل في الأعضاء المتولدة عن الدم ومائيته كاللحم والشحم والسمن وما ذكره الإمام من أن قيد الأقطار يخرج الزيادات الصناعية كما إذا أخذت شمعة وشكلتها بشكل فإنك متى نقصت من طولها زدت في عرضها كلام قليل الجدوى لأن الكلام في القوى الطبيعية وفي أن تكون الزيادة بمداخلة الغذاء وإلا فلا خفاء في أنك إذا ضممت ومزجت بالشمعة قدرا آخر من الشمع حصلت الزيادة في الأقطار وإنما قدمنا في المتن قيد المداخلة نظرا إلى الوجود وفي الشرح قيد الزيادة نظرا إلى الظهور ولا يخفى أن إطلاق النامية على القوة بالنظر إلى الوضع اللغوي من قبيل سيل مفعم على لفظ اسم المفعول وذلك لأن فعلها إنما هو الإنماء والنامي إنما هو الجسم قبل الزيادة التي بها يحصل النمو ليست في الجسم الأصلي ولا الوارد لأن كلا منهما على حاله فإذن كل منهما كما كان وإنما انضاف جسم إلى جسم فصار المجموع أعظم من كل منهما وهذا المجموع لم يكن قبل ذلك صغيرا ثم عظم فإذن ليس ههنا جسم نام وأجيب بمنع المقدمة الأولى على ما قال ابن سينا أن القوة النامية تفرق أجزاء الجسم بل اتصال العضو وتدخل في تلك المسام الأجزاء الغذائية ولا يلزمه الإيلام لأن ذلك إنما هو في التفريق الغير الطبيعي وبالجملة لما كان معنى النمو صيرورة الجسم أعظم مما كان بالطريق المخصوص كان النامي هو ذلك الجسم الذي ورد عليه الغذاء وهو في أول الأمر الجسم الأصلي ثم الحاصل بالتغذية والتنمية وهكذا إلى أن يبلغ كمال النشو قوله وقد يقال إشارة إلى ما ذكره الإمام من أن فعل النامية إيراد الغذاء إلى العضو وتشبيهه به وإلصاقه كالغاذية إلا أن الغاذية تفعل هذه الأفعال بحيث يكون الوارد مساويا للمتحلل والنامية تفعل أزيد من المتحلل ولا شك أن القادر على الشيء قادر على مثله والجزء الزائد مشابه للأصل فإذا قويت الغاذية على تحصيل الأصل قويت على تحصيل الزايد وتكون هي النامية إلا أنها في الابتداء تكون قوية على إيراد بدل الأصل والزايد معا لشدة القوة على الفعل وكثرة المادة أعني الرطوبة وقلة الحاجة بواسطة صغر العضو وبعد ذلك يعود الأمر إلى النقصان لضعف في القوة وقلة في المادة وعظم في العضو واعترض بأن التغذية والتنمية فعلان مختلفان فلا يستندان إلى مبدأ واحد حتى أن أمر التغذية والتنمية لما كان بإيراد البدل والتشبيه والإلصاق أسندوه إلى قوي ثلاث وهذا ما قال في الشفاء إن شأن الغاذية أن تؤتى كل عضو من الغذاء بقدر عظمه وصغره وتلصق به من الغذاء بمقداره الذي له على السواء وأما النامية فتسلب جانبا من البدن من الغذاء ما يحتاج إليه الزيادة في جهة أخرى فتلصقه بتلك الجهة لتزيد تلك الجهة فوق زيادة جهة أخرى بيان ذلك ان الغاذية إذا انفردت وقوي فعلها وكان ما تورده أكثر مما يتحلل فإنها تزيد في عرض الأعضاء وعمقها زيادة ظاهرة بالتسمين ولا تزيد في الطول زيادة يعتد بها والنامية تزيد في الطول أكثر كثيرا مما تزيد في العرض ( قال ولهذا لما أدى الضعف ) إشارة إلى ما ذكروا في ضرورة الموت من جهة القوى الفاعلية وفسروا الموت بتعطيل القوى عن الأفعال لانطفاء الحرارة الغريزية التي هي آلتها فإن كان ذلك لانتهاء الرطوبة الغريزية إلى حد لا يفي ما يقوم بها من الحرارة الغريزية بأمر القوى وأفعالها فموت طبيعي وإلا فغير طبيعي وحاصل الكلام أن لبطلان الرطوبة الغريزية أسبابا ضرورية فيكون ضروريا فيكون انطفاء الحرارة ضروريا لبطلان مادته فيكون تعطل القوى ضروريا لبطلان آلتها وتلك الأسباب مثل انتشاق الهواء المحيط للرطوبة من الخارج ومعاونة الحرارة الغريزية من الداخل ومعاضدة الحركات البدنية والنفسانية الضرورية في ذلك مع عجز الطبيعة عن مقاومة تلك المخللات بإيراد البدل دائما لما سبق من تناهي القوى الجسمانية على أن هناك أمرا آخر يعين على إطفاء الحرارة الغريزية بطريق الغمر لغلبته في الكم وبطريق القمر لمضادته في الكيف وهو ما يستولي من الرطوبة الغريبة الباردة البلغمية بواسطة قصور الهضم هذا ولو فرضنا فعل الغاذية أعني إيراد البدل دائما غير متناه فليس التحلل دائما على حد واحد بل يزداد يوما فيوما لدوام المؤثر أعني المحللات المذكورة في متأثر واحد هو الرطوبة الغريزية فالبدل لا يقاومه فبالضرورة يتأدى الأمر إلى إفناء التحلل للرطوبة بل لو فرضنا البدل دائما على مقدار المتحلل فلا خفاء في أنه لا يقاومه لقصوره بحسب الكيفية لأن الرطوبة الغريزية تخمرت ونضجت في أوعية الغذاء ثم في أوعية المني ثم في الرحم والبدل لم يتخمر إلا في الأولى فيكون إبراده بدلا منها كإبراد الماء بدلا من الدهن في السراج قال ومنها المولدة وهي قوة شأنها تحصيل البذر وتفصيله إلى أجزاء مختلفة وهيئات مناسبة وذلك بأن تفرز جزأ من الغذاء بعد الهضم التام ليصير مبدأ لشخص آخر من نوع المغتذي أو جنسه ثم تفصل ما فيه من الكيفيات المزاجية فتمزجها تمزيجات بحسب عضو عضو ثم تفيده بعد الاستحالات الصور والقوى والأعراض الحاصلة للنوع الذي انفصل عنه البذر أو لجنسه كما في البقل والمحققون على أن هذه الأفعال مستندة إلى قوى ثلاث بينوا حالها على ما عرف في الإنسان وكثير من الحيوانات الأولى التي تجذب الدم إلى الأنثيين وتتصرف فيه إلى أن يصير منيا وهي لا تفارق الأنثيين وتخص باسم المحصلة والثانية التي تتصرف في المني فتفصل كيفياتها المزاجية وتمزجها تمزيجات بحسب عضو عضو فتعين مثلا للعصب مزاجا خاصا وللشريان مزاجا خاصا وللعظم مزاجا خاصا وبالجملة تعد مواد الأعضاء وتخص هذه باسم المفصلة والمغيرة الأولى تمييزا عن المغيرة التي هي من جملة الغاذية أعني التي تغير الغذاء الوارد على البدن إلى مشاكلة أعضائه فإنها إنما تكون بعد تصرف المغيرة الأولى وحصول البدن بأعضائه والثالثة التي تفيد تمييز الأجزاء وتشكيلها على مقاديرها وأوضاع بعضها عند بعض وكيفياتها وسائر ما يتعلق بنهايات مقاديرها وبالجملة تلبس كل عضو صورته الخاصة به فيكمل وجود الأعضاء وهذه تخص باسم المصورة ومحلها المني كالمفصلة وفعلهما إنما يكون في الرحم وكلام القوم متردد في أن المولدة اسم للقوى الثلاث جميعا أو للمحصلة وحدها أولها وللمفصلة معا والأول هو المفهوم من الشفاء والإشارات حيث حصر القوى الطبيعية في الغاذية والنامية والمولدة من غير تعرض للمصورة ولذا قال الشارح الإشارات أن المولدة للمثل تنقسم إلى نوعين مولدة ومصورة والمولدة إلى نوعين محصلة ومفصلة فأراد بالمولدة أو لا المتصرفة لحفظ النوع ليعم الأقسام وثانيا المتصرف لا على وجه التصوير ليكون أخص بل كلام الشفاء صريح فيما ذكرنا لأنه قال المولدة قوة تأخذ من الجسم الذي هي فيه جزأ هو شبيه بالقوة فتفعل فيه باستمداد أجسام أخرى تشبه به من التحليق والتمزيج ما يصيره شبيها به بالفعل وقال للمولدة فعلان أحدهما تخليق البذر وتشكيله وتطبيعه والثاني إفادة أجزائه في الاستحالة الثانية صورها من القوى والمقادير والأعداد والأشكال والخشونة والملاسة وما يتصل بذلك متسخرة تحت قدرة المنفرد بالجبروت عز شأنه والثاني أعني كون المولدة اسما للمحصلة مذهب بعض الأقدمين وبه يشعر ما نقل عن ابن سينا أن القوة المولدة تخدمها القوتان اللتان إحداهما المفصلة والأخرى المصورة والثالث أعني كونها اسما لما يعم المحصلة والمفصلة مذهب الجمهور والمصرح به في القانون حيث قال أن القوة المتصرفة لبقاء النوع تنقسم إلى نوعين إلى المولدة والمصورة والمولدة نوعان نوع يولد المني في الذكر والأنثى ونوع يفصل القوى التي في المني فيمزجها تمزيجات بحسب عضو عضو قال ونفاها بعضهم إشارة إلى ما ذكره الإمام واختاره بعض الحكماء المتأخرين وهو أن العقل قاطع بامتناع صدور هذه الأفعال المختلفة والتركيبات العجيبة الدالة على غاية القدرة والحكمة على قوة بسيطة ليس لها شعور أصلا مع أنها حالة في جسم متشابه الأجزاء أو متشابه الامتزاج على اختلاف الرأيين إذ عند أرسطو جزء المني كالكل في الاسم والحد من غير اختلاف في الحقيقة لكونه منفصلا عن الأنثيين فقط وعند بقراط أجزاء المني مختلفة بالحقائق متمايزة في نفس الأمر إذ يخرج من اللحم جزء شبيه به ومن العظم جزء شبيه به وكذا سائر الأعضاء غاية الأمر أنها غير متمايزة في الحس وهذا معنى تشابه الامتزاج ولكل من الفريقين احتجاجات مذكورة في موضعها فعلى الأول يلزم أن يكون الشكل الحادث من فعل المصورة في المني هو الكرة على ما هو شأن فعل القوة الغير الشاعرة في المادة المتشابهة وعلى الثاني يلزم أن يكون الحاصل كرات مصمونة بعضها إلى بعض وأن لا يبقى وضع الأعضاء وترتيبها على نسبة واحدة لكون المني رطوبة سيالة لا يحفظ الوضع والترتيب فإن قيل إنما يمتنع اختلاف آثار القوة العديمة الشعور في المادة الواحدة لو لم تفد القوة المفصلة فيها تمييزا أجزاء واختلاف مواد للأعضاء قلنا فيعود الكلام إلى القوة المفصلة فإن اعترفوا بأن القوى في مرتبة الوسائط والآلات لا الفواعل والمؤثرات والمؤثر إنما هو خالقها القادر المختار الفعال لما يشاء فقد اهتدوا ولم يبق سبيل إلى إثبات القوى والحاصل أن ما يدرك بعلم التشريح من الصور والكيفيات والأوضاع في بدن الإنسان يمتنع أن يجعل فعل القوة المصورة في مادة المني إما من جهة الفاعل فلكونه عديم الشعور وإما من جهة القابل فلكونه متشابها وقد يجاب عن الأول بأنه استبعاد وإنما يمتنع لو لم يكن ذلك بإذن خالقها بمعنى أنه خلقها لذلك وأوجدها كذلك وعن الثاني بأنه لو سلم بساطة القوة المصورة وتشابه أجزاء المني فلا خفاء في أنه من أجسام مختلفة الطبائع وحينئذ لا يلزم أن يكون الحيوان كرة أو كرات إذ لا يلزم أن يكون فعل القوة في المركب فعلها في واحد واحد من الأجزاء قال وأما الاعتراض قد يورد ههنا سؤال وهو أن الفلاسفة يجعلون المولدة والمصورة وغيرهما قوى للنفس وآلات لها والنفس حادثة بعد حدوث المزاج وتمام صور الأعضاء فالقول باستناد صور الأعضاء إلى المصورة قول بحدوث الآلة قبل ذي الآلة وفعلها بنفسها من غير مستعمل إياها وهو باطل وجوابه بعد تسليم أن النفس ليست بقديمة كما هو رأي بعض الفلاسفة ولا حادثة قبل حدوث البدن كما هو رأي بعض المليين أن ذلك إنما يرد لو جعلت المصورة من قوى النفس الناطقة للمولود وأما لو جعلت من قوى نفسه النباتية المغايرة بالذات لنفسه الناطقة كما هو رأي البعض أو من قوى النفس الناطقة للأم فلا إشكال إلا أن كلامهم مضطرب في ذلك على يشعر به اضطرابهم في أن الجامع لأجزاء البدن هل هو الحافظ لها أم لا وفي أنه نفس المولود أم غيرها فذكر الإمام أن الجامع لأجزاء النطفة نفس الوالدين ثم أنه يبقى ذلك المزاج في تدبير نفس الأم إلى أن يستعد لقبول نفس ثم أنها تصير بعد حدوثها حافظة له وجامعة لسائر الأجزاء بطريق إيراد الغذاء ونقل عن ابن سينا أن الجامع لأجزاء بدن الجنين نفس الوالدين والحافظة لذلك الاجتماع أو لا القوة المصورة لذلك البدن ثم نفسه الناطقة وتلك القوة ليست واحدة في جميع الأحوال بل هي قوى متعاقبة بحسب الاستعدادات المختلفة لمادة الجنين وذكر في الشفاء أن النفس التي لكل حيوان هي جامعة اسطقسات بدنه ومؤلفتها ومركبتها على نحو يصلح معه أن يكون بدنا لها وهي حافظة لهذا البدن على النظام الذي ينبغي والأشبه بمقتضى قواعدهم ما ذكر في شرح الإشارات وهو أن نفس الأبوين تجمع بالقوة الجاذبة أجزاء غذائية ثم تجعلها أخلاطا وتفرد منها بالقوة المولدة مادة المني وتجعلها مستعدة لقبول قوة من شأنها إعداد المادة لصيرورتها إنسانا فتصير بتلك القوة منيا وتلك القوة تكون صورة حافظة لمزاج المني كالصورة المعدنية ثم إن المني يتزايد كما لاقى الرحم بحسب استعدادات يكتسبها هناك إلى أن يصير مستعد القبول نفس اكمل يصدر عنها مع حفظ المادة الأفعال النباتية فيحدث الغذاء ويضيفها إلى تلك المادة فيتمها وتتكامل المادة بتربيتها إياها فتصير تلك الصورة مصدرا مع ما كان يصدر عنها بهذه الأفاعيل وهكذا إلى أن تصير مستعدة لقبول نفس اكمل يصدر عنها مع جميع ما تقدم الأفعال الحيوانية أيضا فيصدر عنها تلك الأفعال أيضا فيتم البدن ويتكامل إلى أن يصير مستعد القبول نفس ناطقة يصدر عنها مع جميع ما تقدم النطق وتبقى مدبرة في البدن إلى أن يحل الأجل وقد شبهوا تلك القوى في أحوالها من مبدأ حدوثها إلى استكمالها نفسا مجردة بحرارة تحدث في فحم من نار مشتعلة مجاورة ثم تشتد فإن الفحم بتلك الحرارة يستعد لأن يتجمر وبالتجمر يستعد لأن يشتعل نارا شبيهة بالنار المجاورة فمبدأ الحرارة الحادثة في الفحم كتلك الصورة الحافظة واشتدادها كمبدأ الأفعال النباتية وتجمرها كمبدأ الأفعال الحيوانية واشتعالها نارا كالناطقة وظاهر أن كل ما يتأخر يصدر عنه مثل ما صدر عن المتقدم وزيادة فجميع هذه القوى كشيء واحد متوجه من حد ما من النقصان إلى حد ما من الكمال واسم النفس واقع منها على الثلاث الأخيرة فهي على اختلاف مراتبها نفس البدن المولود وتبين من ذلك أن الجامع للأجزاء الغذائية الواقعة في المنيين هو نفس الأبوين وهو غير حافظها والجامع للأجزاء المضافة إليها إلى أن يتم البدن وإلى آخر العمر والحافظ للمزاج هو نفس المولود قال ثم لهم تردد يعني لما كان كلامهم في باب القوى مبنيا على الحدس والتخمين دون القطع واليقين وقع مترددا في عدة مواضع منها أن الغاذية والنامية والمولدة قوى متعددة بحسب الذات أم بمجرد الاعتبار ويكون اختلاف الأفعال والآثار راجعا إلى اختلاف الآلات والاستعدادات مثلا تفعل الغاذية النمو فيما إذا كان الوارد زائدا على المتحلل والتوليد فيما إذا صار صالحا لأن يصير منيا وحاصلا في الأنثيين ويعرض لأفعالها قوة أو ضعف في بعض الأحوال لأسباب عائدة إلى المواد والآلات وزيادة الحرارة الغريزية ونقصانها وكذا تفاوت في الحدوث بأن يحدث التوليد بعد التغذية والتنمية ويبقى اليد دون التنمية وتبقى التغذية دون التنمية والتوليد وما تقرر عندهم من أن أثر الواحد لا يكون إلا واحدا فإنما هو في الواحد بجميع الجهات ومنها أن النفس النباتية اسم لهذه القوى في النبات وكذا الحيوانية في الحيوان أم هي صورة جوهرية مبدأ لهذه القوى في النبات وللحس والحركة أيضا في الحيوان ولإدراك المعقولات ايضا في الإنسان ومنها أن الغاذية هل هي مغايرة بالذات للجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة أم لا بل هي عبارة عنها كما يشعر به كلام جالينوس وغيره وأيضا ذهب بعضهم إلى أن الأربعة واحدة بالذات متغايرة بالاعتبار بمعنى أن هناك قوة واحدة فعلها جذب عند الإدرار إمساك بعد الإدرار هضم بعد الإمساك دفع بعد الانهضام ومنها أن الغاذية على تقدير مغايرتها للبواقي هل هي قوة واحدة فعلها التحصيل والتشبيه والإلصاق أم قوى ثلاث متغايرة بالذات مبادي للأفعال الثلاثة وميل ابن سينا إلى الثاني وهو الظاهر من قواعدهم ثم أنها نفس القوى الثلاث لا قوة أخرى تستخدمها لأنه ليس هناك فعل آخر غير إيراد البدل والتشبيه والإلصاق ومنها أنه كيف تصدر هذه الأفعال المتقنة المحكمة على النظام المخصوص عن القوى التي هي أعراض قائمة بالأعضاء لا يتصور لها قدرة وإرادة أو علم خصوصا إذا تؤمل في الصور العجيبة والأشكال الغريبة والنقوش المؤتلفة والألوان المختلفة الموجودة في أنواع النبات والحيوان فإن العقل لا يكاد يذعن لصدورها عن القوة التي سموها مصورة وإن فرضنا كونها مركبة وكون المواد مختلفة كيف وقد ورد الكتاب الإلهي في عدة مواضع باستناد جميع ذلك إلى الله سبحانه وتعالى وأشار إلى دلالتها على كونه قادرا حكيما وصانعا قديما والفلاسفة أيضا لما رجعوا إلى الفطرة السليمة صرحوا بأن هذه القوى إنما تفعل ذلك بإذن خالقها القدير وموجدها الحكيم الخبير ومنهم من قال نحن نعلم قطعا أن ما في التغذية والتنمية والتوليد من الحركات إلى الجهات المختلفة ومن الإلصاقات ومن التشكيلات لا يصح بدون الإدراك وأن هذا الإدراك ليس للنفس الإنسانية فإن هذه الأفعال دائمة في البدن والنفس غافلة عنها وتحدس حدسا موجبا لليقين أن الحيوانات العجم أيضا لا تدرك أفعال هذه القوى في أبدانها فإذن هو إدراك موجود آخر له اعتبار بهذه الأنواع ( قال خاتمة ) لا خلاف في أن النبات ليس بحيوان لأن المراد به ما علم فيه تحقق الحس والحركة وإنما الخلاف في حياته فقيل هو حي لأن الحياة صفة هي مبدأ التغذية والتنمية وقيل لا إذا الحياة صفة هي مبدأ الحس والحركة الإرادية واعترض بأنا لا نسلم انتفاء ذلك في النبات غاية الأمر انتفاء العلم بتحققه فيه ومنهم من ادعى تحققه فيه مستشهدا بالإمارات على ما سبق ومنهم من بالغ في اتصافه بالإدراك حتى أثبت له إدراك الكليات وهو المعنى بالعقل زعما منه أن ما يشاهد من ميل إناث التخيل إلى بعض الذكور دون البعض وميل عروقها إلى الصوب الذي فيه الماء وانحرافها في صعودها عن الجدار المجاور لا يتأتى بدون ذلك وهذا ينسب إلى جمع من قدماء الحكماء قال المبحث الثالث لا خفاء في اشتراك القوى الطبيعية بين النبات والحيوان وإن كان اشتراكا بمجرد المفهوم دون الحقيقة للقطع بأن غاذية الحيوان تخالف بالنوع غاذية النبات بل صرح ابن سينا بأن غاذية كل عضو تخالف بالنوع غاذية عضو آخر ثم الحيوان يختص بقوى أخرى مدركة ومحركة تسمى نفسانية نسبة إلى النفس الحيوانية أو إلى النفس الناطقة لكونها في الإنسان أكمل منها في سائر الحيوانات وذلك لأن الحيوان لزيادة اعتداله قد يختص بما ينفعه ويلائمه وبما يضره وينافيه فاحتاج إلى طلب للنافع وهرب من الضار وذلك بإدراكهما والاقتدار على الحركة إلى النافع وعن الضار بخلاف النبات فإنه ليس في ذلك الاعتدال ولو كان فإنه مركوز في موضعه لا يمكنه التحرك عن شيء إلى شيء فيكون قوة الإدراك والتحريك فيه ضايعا بل ربما يكون ضائرا ثم كلامهم متردد في أن القوى النفسانية جنس للمدركة والمحركة أو بمنزلة الجنس وكذا في انقسام كل منهما إلى ما له من الأقسام بل في جميع الانقسامات الواقعة في باب القوى وذلك لأن معرفة الأجناس والفصول وتمييز الذاتيات والعرضيات عسيرة جدا في الحقائق المدركة بالعيان فكيف فيما لا يعرف إلا من جهة الآثار ولا يعقل إلا بحسب الإضافات والاعتبارات ككون الشيء مبدأ التغير في آخر قال وقد يثبت يعني أن الأطباء يثبتون جنسا آخر من القوى تسمونها القوة الحيوانية ويجعلونها مبدأ القوى النفسانية حيث يفسرونها بالقوة التي إذا حصلت في الأعضاء هيأتها لقبول الحس والحركة وأفعال الحياة كجعل الغذاء بحيث يصلح لتغذية بدن الحيوان وكحركات الانبساط عند الغضب والفرح والانقباض عند الخوف والغم ويستدلون على ذلك بأن في العضو المفلوج أو الذابل قوة تحفظ عليه الحياة وتمنعه النقض والفساد وليست هي قوة الحس والحركة لفقدها في المفلوج ولا قوة التغذية لفقدها في الذابل فهي التي تسميها القوة الحيوانية واعترض عليه من وجهين

Bölüm V02/P012–V02/P014

أحدهما أنا لانم انتفاء قوة الحس والحركة في المفلوج وقوة التغذية في الذابل لجواز أن توجد القوة ولا يترتب عليها الفعل لفقد شرط أو وجود مانع فإن قيل لو انتفى الشرط أو وجد المانع لما ترتب حفظ الحياة قلنا يجوز أن يكون لبعض الشروط والموانع اختصاص ببعض الأفعال دون البعض فإن قيل القوة الواحدة لا تكون مبدأ إلا لفعل واحد قلنا فأي حاجة إلى ما ذكر من المقدمات والجواب أن الفلاسفة معترفون بانتفاء القوتين في المفلوج والذابل وثانيهما أن الحافظ يجوز أن يكون المزاج الخاص أو تعلق النفس بالبدن والجواب أن الكلام فيما يحفظ المزاج الخاص الذي به قوام الحياة في الحيوان الناطق وغيره وفيه نظر لأنهم لا يعنون بالنفس الجوهر المجرد بل مبدأ الحركات والأفاعيل المختلفة أو مبدأ الإدراك والتحريك الإرادي قال أما المدركة فالحواس الظاهرة والباطنه لأن الكلام في القوى التي يشترك فيها الإنسان وغيره من الحيوانات وأما القوة النطقية المدركة للكليات فستأتي في بحث النفس وكل منهما أي من قسمي القوة المدركة جنس أو بمنزلة الجنس لقوى خمسة كما أن المدركة جنس أو بمنزلة الجنس للقسمين وذلك ظاهر في الحواس الظاهرة لما أن كل أحد يجد من نفسه تلك الإدراكات ويعلقها بما يخصها من الآلات وأما الباطنة فتثبت بالبرهان كما سيأتي على التفصيل ثم لا جزم للعقل بامتناع حاسة سادسة من الظاهرة أو الباطنة إذ الممكن قد لا يوجد لانتفاء شرط من شرائط الوجود وما يقال أن الطبيعة لا تنتقل من درجة الحيوان إلى درجة فوقها إلا وقد استكملت جميع ما في تلك الدرجة فلو كان في الإمكان حس آخر لكان حاصلا للإنسان لأنه أعدل ما في هذا العالم ضعيف وكذا ما يقال ان الإدراك كمال للنفس وهي مستعدة لحصول الكمال ولا ضنة من جانب الواهب فلو أمكن وجود قوة أخرى إدراكية لكانت حاصلة للنفس ومنهم من زعم أن مدرك اللذة والألم حاسة أخرى غير العشر فإن من التذ أو تألم يجد من نفسه حالة إدراكية مغايرة لتعقل اللذة والألم وتحيلهما ويشبه أن تكون جميع الوجدانيات من الجوع والعطش والخوف والغضب وغيرهما بهذه المثابة فإنا نجد عند تحقق هذه المعاني حالة إدراكية مغايرة لحالة تعقلها بصورها الكلية أو تخيلها بصورها الجزئية والجواب أن اللذة مثلا من قبيل الإدراكات لأنها إدراك حسي أو عقلي ونيل لما هو عند المدرك كمال وخير لا من قبيل المدركات ليطلب لها حاسة تدركها وفيه نظر وأما المحسوسات المشتركة مثل المقادير والأعداد والأوضاع والحركات والسكنات والأشكال والقرب والبعد والمماسة ونحو ذلك فليست كما يظن أن مدركها حس آخر بل إدراكها إنما هو بالحواس الظاهرة وإن كان بعضها قد يستعين بالبعض أو بضرب من القياس والتعقل قال أما الحواس الظاهرة فمنها اللمس هي قوة تأتي في الأعصاب إلى جميع الجلد وأكثر اللحم والغشاء من شأنها إدراك الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والخشونة والملاسة ونحو ذلك بأن ينفعل عنها العضو اللامس عند المماسة بحكم الاستقراء ولأنها لو أدركت البعيد أيضا لم يحصل التمييز بين ما يجب دفعه ومالا يجب فيفوت الغرض من خلق اللامسة أعني دفع الضارب وجلب النافع واللامسة للحيوان في محل الضرورة كالغاذية للنبات قال ابن سينا أول الحواس الذي يصير به الحيوان حيوانا هو اللمس فإنه كما أنه للنبات قوة غاذية يجوز أن تفقد سائر القوى دونها كذلك حال اللامسة للحيوان لأن مزاجه من الكيفيات الملموسة وفساده باختلافها والحس طليعة للنفس فيجب أن تكون الطليعة الأولى هو ما يدل على ما يقع به الفساد ويحفظ به الصلاح وأن يكون قبل الطلائع التي تدل على أمور تتعلق ببعضها منفعة خارجة عن القوام أو مضرة خارجة عن الفساد والذوق وإن كان دالا على الشيء الذي به تستبقى الحياة من المطعومات فقد يجوز أن يبقى الحيوان بدونه بإرشاد الحواس الآخر على الغذاء الموافق واجتناب المضاد وليس شيء منها يعين على أن الهواء المحيط بالبدن محرق أو مجمد وبالجملة فالجوع شهوة الحار اليابس والعطش شهوة البارد الرطب والغذاء ما يتكيف بهذه الكيفيات اللمسية وأما الطعوم فتطييبات فلذلك كثيرا ما يبطل حس الذوق أو غيره ويبقى الحيوان حيوانا بخلاف اللمس ولشدة الاحتياج إليه كان بمعونة الأعصاب ساريا في جميع الأعضاء إلا ما يكون عدم الحس أنفع له كالكبد والطحال والكلية لئلا يتأذى بما يلاقيها من الحاد اللذاع فإن الكبد مولد للصفراء والسوداء والطحال والكلية معينان لما فيه لذع وكالرئة فإنها دائمة الحركة فتتألم باصطكاك بعضها ببعض ومولد للأبخرة الحادة ومصيب ومصعد للمواد فيتأذى بذلك وكالعظام فإنها أساس البدن ودعامة الحركات بمعنى أنها تجعل الحركات أشد بجعل أعضائها أقوى فلو احست لتألمت بالضغط والمزاجة وبما يرد عليه من المصاكات قال وأثبتها أي القوة اللامسة بعضهم للفلكيات زعما منهم أنها من توابع الحياة وللأملاك حياة لكون حركاتها نفسانية فيكون لها شعور ولمس بالضرورة والقول بأنها إنما تكون بجذب الملائم ودفع المنافي فيكون وجودها في الفلك الممتنع عليه الكون والفساد معطلا مردود بأن ذلك إنما هو في الأرضيات وأما في الفلكيات فيجوز أن توجد لغرض آخر كتلذذها بالملامسة والاصطكاك والجواب منع كونها من لوازم الحياة على الإطلاق وأما ما ذهب إليه البعض من وجود الملامسة للعنصريات بناء على أن الأرض تهرب من العلو إلى السفل على نهج واحد والنار بالعكس وذلك يدل على شعورهما بالملائم وغير الملائم ففي غاية الضعف قال ومال ابن سينا إلى تعددها الجمهور على أن اللامسة قوة واحدة بها تدرك جميع الملموسات كسائر الحواس فإن اختلاف المدركات لا يوجب اختلاف الإدراكات ليستدل بذلك على تعدد مباديها وذكر ابن سينا في القانون أن أكثر المحصلين على أن اللمس قوى كثيرة بل قوى أربع وقال في الشفاء يشبه أن تكون اللامسة عند قوم لا نوعا أخيرا بل جنسا لقوى أربع أو فوقها منبثا معافى الجلد كله

Bölüm V02/P014

إحداها حاكمة في التضاد الذي بين الحار والبارد والثانية في التضاد الذي بين الرطب واليابس والثالثة في الذي بين الصلب واللين

Bölüm V02/P014–V02/P017

والرابعة في الذي بين الخشن والأملس إلا أن اجتماعها في آلة واحدة يوهم تا حدها في الذات وقال أيضا يشبه أن تكون قوى اللمس قوى كثيرة تختص كل واحدة منها بمضادة فيكون ما يدرك به المضادة التي بين الثقيل والخفيف غير ما يدرك به المضادة التي بين الحار والبارد فإن هذه أفعال أولية للحس يجب أن يكون لكل جنس منها قوة خاصة إلا أن هذه القوى لما انتشرت في جميع الآلات بالسوية ظنت قوة واحدة كما لو كان اللمس والذوق منتشرين في البدن كله انتشارهما في اللسان لظن مبدؤهما قوة واحدة فلما تميزا عرف اختلافهما وليس يجب أن يكون لكل واحدة من هذه القوى آلة تخصها يجوز أن تكون آلة واحدة مشتركة لها ويجوز أن يكون هناك انقسام في الآلات غير محسوس ثم قال فإن قيل فالسمع أيضا يدرك المضادة التي بين الصوت الثقيل والحاد والتي بين الصوت الخافت والجهير وغير ذلك فلم لم تجعل قوى كثيرة فالجواب أن محسوسة الأول هو الصوت وهذه أعراض لها وتوابع بخلاف اللمس فإن كل واحدة من المتضادات تحس لذاتها لا بسبب الآخر ولما كان السؤال في الذوق المدرك للطعوم المتضادة ظاهر أجاب الإمام بأن الطعوم وإن كثرت فبينها مضادة واحدة بخلاف الملموسات فإن بين الحرارة والبرودة نوعا من التضاد غير النوع الذي بين الرطوبة واليبوسة والحكماء أوجبوا أن يكون الحاكم على كل نوع من أنواع التضاد قوة واحدة تسمى بالشعور والتمييز وأنت خبير بأن دعوى تنوع التضاد في الملموسات إن كانت من جهة أن تنوع المعروضات يوجب تنوع الإضافات العارضة فالكل سواء وإن كانت بالنظر إلى نفس التضاد العارض فلا يتم بدون برهان وتفرقة ومن سخيف الكلام ما قيل أن تباين الكيفيات الأول أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة أشد من تباين الكيفيات الثواني الحادثة من تفاعلها كالروائح والألوان والطعوم فلذلك تعددت قوى اللمس دون باقي الحواس وههنا بحث آخر وهو أن المدرك بالحس هو المتضادات كالحرارة والبرودة دون التضاد فإنه من المعاني العقلية فكيف جعلوا مبنى تعدد اللامسة تعدد أنواع التضاد وجوزوا إدراك القوة الواحدة للمدركات المتضادة كالباصرة للسواد والبياض ولم يجعلوا ذلك أفعالا مختلفة من مبدأ واحد بالذات والاعتبار قال ومنها الذوق هو تال للمس في المنفعة بحيث يفعل ما به يتقوم البدن وهو تشهية الغذاء واختياره ويوافقه في الاحتياج إلى الملامسة ويفارقه في أن نفس الملامسة لا تؤدي الطعم كما أن نفس ملامسة الحار تؤدي الحرارة بل لا بد من توسط الرطوبة اللعابية المنبعثة من الآلة المسماة بالملعبة بشرط خلوها عن طعم والألم تؤد الطعم لصحة كما في بعض الأمراض واختلفوا في أن توسطها بأن يخالطها أجزاء ذي الطعم مخالطة ينتشر فيها ثم ينفذ فيغوص في اللسان حتى يخالط اللسان فيحسه أو بأن يستحيل نفس الرطوبة إلى كيفية المطعوم ويقبل الطعم منه من غير مخالطة فعلى الأول تكون الرطوبة واسطة تسهل وصول جوهر المحسوس الحامل للكيفية إلى الخاص ويكون الإحساس بملامسة الحاس للمحسوس بلا واسطة وعلى الثاني يكون المحسوس بالحقيقة هو الرطوبة ويكون بلا واسطة قال وما في اللسان يعني أن المطعومات كما تفيد ذوقا فقد يفيد بعضها لمسا إما مع تميزه في الحس كما في الحلو الحار وإما بدونه وحينئذ يتركب من الكيفية الطعمية ومن التأثير اللمسي شيء واحد يصير كطعم محض مثل الحرافة فإنها طعم مع تفريق وإسخان وكالحموضة فإنها طعم مع تفريق بلا إسخان وكالعفوصة فإنها طعم مع تجفيف أو تكثيف قال ومنها الشم الجمهور على أن إدراك الروائح بوصول الهواء المتكيف بكيفية ذي الرائحة إلى آلة الشم وقيل بتبخر وانفصال أجزاء من ذي الرائحة تخالطه الأجزاء الهوائية فتصل إلى الشامة وقيل بفعل ذي الرائحة في الشامة من غير استحالة في الهواء ولا تبخر وانفصال أجزاء ورد الثاني بأن القليل من المسك يشم على طول الأزمنة وكثرة الأمكنة من غير نقصان في وزنه وحجمه فلو كان الشم بالتبخر وانفصال الأجزاء لما أمكن ذلك والثالث بأن المسك قد يذهب به إلى مسافة بعيدة جدا أو يحرق ويفنى بالكلية مع أن رائحته تدرك في الهواء الأول أزمنة متطاولة تمسك الفريق الثاني بأن الشم لو لم يكن بالتبخر وتحلل الأجزاء اللطيفة وانفصالها من ذي الرائحة لما كانت الحرارة وما يهيجها من الدلك والتبخر تذكي الروائح ولما كان البرد الشديد يخفيها ولما ذبلت التفاحة بكثرة التشمم واللازم باطل بحكم المشاهدة والجواب منع الملازمة لجواز أن يكون ذلك من جهة أن التبخر وتحلل الأجزاء يعين على تكيف الهواء بكيفية ذي الرائحة وكثرة اللمس والتشمم على ذبول التفاحة وتحلل رطوباتها وتمسك الآخرون بأن النار مع شدة إحالتها لما يجاورها لا تسخن لا مسافة قريبة منها فكيف يحيل الجسم ذو الرائحة الهواء على مسافة بعيدة ربما تبلغ مسيرة أيام على ما حكى أرسطو أنه وقع ملحمة ببلاد يونان التي لا رخم فيها فسافرت الرخم إليها لروائح الجيف من مسيرة أيام والجواب أنه استبعاد ولا دليل على الامتناع سلمنا لكن وصول الهواء المتكيف إلى المسافات البعيدة على ما حكي يجوز أن يكون بهبوب رياح قوية ( وقال ومن الفلاسفة ) نقل عن أفلاطون وفيثاغورس وهرمس وغيرهم أن الأفلاك والكواكب لها شم وفيها روائح ورد عليهم المشاؤون بأنه لا هواء هنالك يتكيف ولا بخار يتحلل وأجيب بأن اشتراط ذلك إنما هو في العنصريات ومن كلمات بعض المتأخرين أنا عند اتصالنا بالفلكيات في نوم أو يقظة نشم منها روائح أطيب من المسك والعنبر بل لا نسبة لما عندنا إلى ما هناك ولهذا اتفق أرباب العلوم الروحانية على أن لكل كوكب بخورا مخصوصا ولكل روحاني رائحة معروفة يستنشقونها ويتلذذون بها وبروائح الأطعمة المصنوعة لهم فيفيضون على من يرتب ذلك ما هو مستعد له قال ومنها السمع قد سبق في بحث الصوت ما يغني عن شرح هذا الموضع والمراد بالهواء المتوسط هو المتموج الحامل للصوت سواء كان معلولا للقرع أو للقلع ومعنى توسطه بين القارع والمقروع كونه بين الجزء الذي يفعل للصدم بعد الصدم وبين تجويف الصماخ وهذا ظاهر وإنما الإشكال في عبارة الشفاء وهو أن السامعة قوة مرتبة في العصب المتفرق سطح الصماخ يدرك صورة ما يتأدى إليه من تموج الهواء المنضغط بين قارع ومقروع مقاوم له انضغاطا بعنف يحدث منه صوت فيتأدى تموجه إلى الهواء المحصور الراكد في تجويف الصماخ ويحركه بشكل حركته حيث اقتصر في سبب الصوت على القرع مع تصريحه بأنه قد يكون بالقلع قال ولا يمتنع إشارة إلى دفع إشكالين

Bölüm V02/P017–V02/P019

أحدهما أن الهواء المتموج يمتنع أن يبقى على هيئته من تقطيعات الحروف وتشكيلاتها عند دخوله في المنافذ الضيقة ومصادماته للجدران الصلبة وثانيهما أن الهواء الحامل للصوت إن قام الصوت بمجموعه لزم أن لا يسمعه إلا واحد من الحاضرين لأنه بمجموعه لا يصل إلا إلى صماخ واحد وإن قال بكل جزء منه لزم أن يسمعه كل سامع مرارا بعدد ما يتأدى إليه من أجزاء الهواء المتموج قال فما يحكى يعني إن كان حدوث الصوت وسماعه مشروطين بالهواء لم يكن لتماس الأفلاك صوت ولو فرض لم يكن وصوله إلينا لامتناع النفوذ في جرم الفلك لكن نسب إلى القدماء من الأساطين أنهم يثبتون للفلكيات أصواتا عجيبة ونغمات غريبة يتحير من سماعها العقل وتتعجب منها النفس وحكي عن فيثاغورس أنه عرج بنفسه إلى العالم العلوي فسمع بصفاء جوهر نفسه وذكاء قلبه نغمات الأفلاك وأصوات حركات الكواكب ثم رجع إلى استعمال القوى البدنية ورتب عليها الألحان والنغمات وكمل علم الموسيقى قال ومنها البصر وقد تقرر في علم التشريح أنه يثبت من الدماغ أزواج سبعة من العصب فالزوج الأول مبدؤه من غور البطنين المقدمين من الدماغ عند جواز الزائدتين الشبيهتين بحلمتي الثدي وهو صغير مجوف يتيامن الثابت منهما يسارا ويتياسر الثابت منهما يمينا ثم يلتقيان على تقاطع صليبين ثم ينفذ النابت يمينا إلى الحدقة اليمنى والثابت يسارا إلى الحدقة اليسرى والدليل على كون القوى المدركة في المحال المذكورة هو أن الآفة فيها توجب الآفة في تلك القوى واختلفوا في كيفية الإبصار فقيل إنه بانطباع شبح المرئي في جزء من الرطوبة الجليدية التي تشبه البرد والجمد فإنها مثل مرآة فإذا قابلها متلون مضيء انطبع مثل صورته فيها كما ينطبع صورة الإنسان في المرآة لا بأن ينفصل من المتلون شيء ويمتد إلى العين بل بأن يحدث مثل صورته في المرآة وفي عين الناظر ويكون استعداد حصوله بالمقابلة المخصوصة مع توسط الهواء المشف ولما اعترض على هذا بوجهين أحدهما أن المرئي حينئذ يكون صورة الشيء وشبحه لا نفسه ونحن قاطعون بأنا نرى نفس هذا الملون وثانيهما أن شبح الشيء مساو له في المقدار وإلا لم يكن صورة له ومثالا وحينئذ يلزم أن لا نرى ما هو أعظم من الجليدية لأن امتناع انطباع العظيم في الصغير معلوم بالضرورة أشار إلى الجواب بأنه إذا كان رؤية الشيء بانطباع شبحه كان المرئي هو الذي انطبع شبحه لا نفس الشبح كما مر في العلم وبأن شبح الشيء لا يلزم أن يساويه في المقدار كما يشاهد من صورة الوجه في المرآة الصغيرة إذ المراد به ما يناسب الشيء في الشكل واللون دون المقدار غاية الأمر أنا لا نعرف لمبة إبصار الشيء العظيم وإدرك البعد بينه وبين المرئي بمجرد انطباع صورة صغيرة منه في الجليدية ومادتها بواسطة الروح المصبوب في العصبتين إلى الباصرة وقيل أن الإبصار بخروج شعاع من العين على هيئة مخروطه رأسه عند العين وقاعدته عند المرئي ثم اختلفوا في أن ذلك المخروط مصمت أو مؤتلف من خطوط مجتمعة في الجانب الذي يلي الرأس متفرقة في الجانب الذي يلي القاعدة وقيل لا على هيئة المخروط بل على استواء لكن يثبت طرفه الذي يلي العين ويضطرب طرفه الآخر على المرئي وقيل الشعاع الذي في العين يكيف الهواء يكيفيته ويصير الكل آلة في الإبصار وقيل لا شعاع ولا انطباع وإنما الإبصار بمقابلة المستنير للعضو الباصر الذي فيه رطوبة صقيلة فإذا وجدت هذه الشروط مع زوال الموانع يقع للنفس علم إشراقي حضوري على المبصر فتدركه النفس مشاهدة ظاهرة جلية والحق أن الإبصار بمحض خلق الله تعالى عند فتح العين قال والمشهور من آراء الفلاسفة الانطباع والشعاع أي القول بانطباع شبح المرئي في الرطوبة الجليدية والقول بخروج الشعاع من العين على هيئة المخروط تمسك الأولون بوجوه أحدها وهو العمدة أن العين جسم صقيل نوراني وكل جسم كذلك إذا قابله كثيف ملون انطبع فيه شبحه كالمرآة أما الكبرى فظاهرة وأما الصغرى فلما يشاهد من النور في الظلمة إذا حك المنتبه من النوم عينه وكذا عند إمرار اليد على ظهر الهرة السوداء ولأن الإنسان إذا نظر نحو أنفه قد يرى عليه دائرة من الضياء وإذا انتبه من النوم قد يبصر ما قرب منه زمانا ثم يفقده وذلك لامتلاء العين من النور في ذلك الوقت وإذا غمض إحدى العينين يتسع ثقبة العين الأخرى وما ذاك إلا لأن جوهرا نورانيا يملؤه ولأنه لولا انصباب الأرواح النورانية من الدماغ إلى العين لما جعلت ثقبتا الإبصار مجوفتين وهذا بعد تمامه إنما يفيد انطباع الشبح لا كون الإبصار به وثانيها أن سائر الحواس إنما تدرك بأن يأتي صورة المحسوس إليها لا بأن يخرج منها شيء إلى المحسوس فكذا الإبصار ورد بأنه تمثيل بلا جامع وثالثها أن من نظر إلى الشمس طويلا ثم أعرض عنها تبقى صورتها في عينه زمانا ورد بأن الصورة في خياله لا عينه كما إذا غمض العين ورابعها أن الشيء بعينه إذا قرب من الرائي يرى أكبر مما إذا بعد عنه وذاك إلا لأن الانطباع على مخروط من الهواء المشف رأسه متصل بالحدقة وقاعدته سطح المرئي حتى أنه وتر لزاوية المخروط ومعلوم أن وترا بعينه كلما قرب من الزاوية كان الساق أقصر والزاوية أعظم وكلما بعد فبالعكس والشبح الذي في الزاوية الكبرى أعظم من الذي في الصغرى وهذا إنما يستقيم إذا جعلنا موضع الإبصار هو الزاوية على ما هو رأي الانطباع لا القاعدة على ما هو رأي خروج الشعاع فإنها لا تتفاوت ورد بأنا لا نسلم أنه لا سبب سوى ذلك كيف وأصحاب الشعاع أيضا يثبتون سببه على أن استلزام عظم زاوية الرؤية عظم المرئي وصغرها صغره محل نظر وإلى ما ذكرنا من وجوه الرد أشار بقوله وهو ضعيف تمسك القائلون بالشعاع أيضا بوجوه

Bölüm V02/P019

أحدها أن من قل شعاع بصره كان إدراكه للقريب أصح من إدراكه للبعيد لتفرق الشعاع في البعيد ومن كثر شعاع بصره مع غلظه كان إدراكه للبعيد أصح لأن الحركة في المسافة الطويلة تفيده رقة وصفاء ولو كان الإبصار بالانطباع لما تفاوت الحال وثانيها أن الأجهر يبصر بالليل دون النهار لأن شعاع بصره لقلته يتحلل نهارا بشعاع الشمس فلا يبصر ويجتمع ليلا فيقوى على الإبصار والأعشى بالعكس لأن شعاع بصره لغلظه لا يقوى على الإبصار إلا إذا أفادته الشمس رقة وصفاء وثالثها أن الإنسان إذا نظر إلى ورقة قرأها كلها لم يظهر له منها إلا السطر الذي يحدق نحوه البصر وما ذاك إلا بسبب أن مسقط سهم مخروط الشعاع أصح إدراكا من جوانبه

Sorular