Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
والثاني أنه يردها لان لبنها يقصد لتربية الولد ولم يسلم له ذلك فثبت له الرد ولا يرد بدله لانه لا يباع ولا يقصد بالعوض والثالث لا يردها لان الجارية لا يقصد في العادة إلا عينها دون لبنها والرابع لا يردها ويرجع بالأرش لانه لا يمكن ردها مع عوض اللبن لانه ليس للبنها عوض مقصود ولا يمكن ردها من غير عوض لانه يؤدي إلى إسقاط حق البائع من لبنها من غير بدل ولا يمكن إجبار المبتاع على إمساكها بالثمن المسمى لانه لم يبذل الثمن إلا ليسلم له ما دلس به من اللبن فوجب أن يرجع على البائع بالأرش كما لو وجد بالمبيع عيبا وحدث عنده عيب فصل في حكم الأتان المصراة وإن اشترى أتانا مصراة فإن قلنا بقول الإصطخري أن لبنها طاهر ردها ورد معها بدل اللبن كالشاة وإن قلنا بالمنصوص أنه نجس ففيه وجهان أحدهما أنه يردها ولا يرد بدل اللبن لانه لا قيمة له فلا يقابل ببدل والثاني يمسكها ويأخذ الأرش لانه لا يمكن ردها مع البدل لانه لا بدل له ولا ردها من غير بدل لما فيه من إسقاط حق البائع من لبنها ولا إمساكها بالثمن لانه لم يبذل الثمن إلا لتسلم له الأتان مع اللبن ولم تسلم فوجب أن تمسك ويأخذ الأرش فصل إذا ابتاع شاة بشرط أن تحلب كل يوم خمسة أرطال ففيه وجهان بناء على القولين فيمن باع شاة وشرط حملها أحدهما لا يصح لانه شرط مجهول فلم يصح والثاني أنه يصح لانه يعلم بالعادة فصح شرطه فعلى هذا إذا لم تحلب المشروط فهو بالخيار بين الإمساك والرد فصل في حكم بيع الجارية المعيبية إذا ابتاع جارية قد جعد شعرها ثم بان أنها سبطة الشعر أو سود شعرها ثم بان بياض شعرها أو حمر وجهها ثم بان صفرة وجهها ثبت له الرد لانه تدليس بما يختلف به الثمن فثبت به الخيار كالتصرية وإن سبط شعرها ثم بان أنها جعدة ففيه وجهان أحدهما لا خيار له لان الجعدة أكمل وأكثر ثمنا والثاني أنه يثبت له الخيار لانه قد تكون السبطة أحب إليه وأحسن عنده وهذا لا يصح لانه لا اعتبار به وإنما الاعتبار بما يزيد في الثمن والجعدة أكثر ثمنا من السبطة وإن ابتاع صبرة ثم بان أنها كانت على صخرة أو بان أن باطنها دون ظاهرها في الجودة ثبت له الرد لما ذكرناه من العلة في المسألة قبلها فصل في حكم التدليس بالعيب ومن ملك عينا وعلم بها عيبا لم يجز أن يبيعها حتى يبين عيبها لما روى عقبة بن عامر رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول المسلم أخو المسلم فلا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا يعلم فيه عيبا إلا بينه له فإن علم غير المالك بالعيب لزمه أن يبين ذلك لمن يشتريه لما روى أبو سباع قال اشتريت ناقة من دار واثلة بن الأسقع فلما خرجت بها أدركنا عقبة بن عامر فقال هل بين لك ما فيها قلت وما فيها إنها لسمينة ظاهرة الصحة فقال أردت بها سفرا أم أردت بها لحما قلت أردت عليها الحج قال إن بخفها نقبا قال صاحبها أصلحك الله ما تريد إلى هذا تفسد علي قال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحل لاحد يبيع شيئا إلا بين ما فيه ولا يحل لمن يعلم ذلك إلا بينه فإن باع ولم يبين العيب صح البيع لان النبي صلى الله عليه وسلم صحح البيع في المصراة مع التدليس بالتصرية فصل في ثبوت خيار العيب فإن لم يعلم بالعيب واشتراه ثم علم بالعيب فهو بالخيار بين أن يمسك وبين أن يرد لانه بذل الثمن ليسلم له مبيع سليم ولم يسلم له ذلك فثبت له الرجوع بالثمن كما قلنا في المصراة
فإن ابتاع شيئا ولا عيب به ثم حدث به عيب في ملكه نظرت فإن كان حدث قبل القبض ثبت له الرد لان المبيع مضمون على البائع فثبت له الرد بما يحدث فيه من العيب كما قبل العقد وإن حدث العيب بعد القبض نظرت فإن لم يستند إلى سبب قبل القبض لم يثبت له الرد لانه دخل المبيع في ضمانه فلم يرد بالعيب الحادث وإن استند إلى ما قبل القبض بأن كان عبدا فسرق أو قطع يدا قبل القبض فقطعت يده بعد القبض ففيه وجهان أحدهما أنه يرد وهو قول أبى إسحاق لانه قطع بسبب كان قبل القبض فصار كما لو قطع قبل القبض والثاني أنه لا يرد وهو قول أبي علي بن أبي هريرة لان القطع وجد في يد المشتري فلم يرد كما لو لم يستند إلى سبب قبله فصل ثبوت الخيار على الفور إذا وجد المشتري بالمبيع عيبا لم يخل إما أن يكون المبيع باقيا على جهته أو زاد أو نقص فإن كان باقيا على جهته وأراد الرد لم يؤخره فإن أخره من غير عذر سقط الخيار لانه خيار ثبت بالشرع لدفع الضرر عن المال فكان على الفور كخيار الشفعة فإن كان المبيع دابة فساقها ليردها فركبها في الطريق أو علفها أو سقاها لم يسقط حقه من الرد لانه لم يرض بالعيب ولم يوجد منه أكثر من الركوب والعلف والسقي وذلك حق له إلى أن يرد فلم يمنع الرد وله أن يرد بغير رضى البائع ومن غير حضوره لانه رفع عقد جعل إليه فلا يعتبر فيه رضى صاحبه ولا حضوره كالطلاق فإن اشترى ثوبا بجارية فوجد بالثوب عيبا فوطىء الجارية ففيه وجهان أحدهما أنه ينفسخ البيع كما ينفسخ البيع في مدة خيار الشرط بالوطء والثاني لا ينفسخ لان الملك قد استقر للمشتري فلا يجوز فسخه إلا بالقول فإن زال العيب قبل الرد ففيه وجهان بناء على القولين في الأمة إذا أعتقت تحت عبد ثم أعتق العبد قبل أن تختار الأمة الفسخ أحدهما يسقط الخيار لان الخيار ثبت لدفع الضرر وقد زال الضرر والثاني لا يسقط لان الخيار ثبت بوجود العيب فلا يسقط من غير رضاه وإن قال البائع أنا أزيل العيب مثل أن يبيع أرضا فيها حجارة مدفونة يضر تركها بالأرض فقال البائع أنا أقلع ذلك في مدة لا أجرة لمثلها سقط حق المشتري من الرد لان ضرر العيب يزول من غير إضرار وإن قال البائع أمسك المبيع وأنا أعطيك أرش العيب لم يجبر المشتري على قبوله لانه لم يرض إلا بمبيع سليم بجميع الثمن فلم يجبر على إمساك معيب ببعض الثمن وإن قال المشتري أعطني الأرش لامسك المبيع لم يجبر البائع على دفع الأرش لانه لم يبذل المبيع إلا بجميع الثمن فلم يجبر على تسليمه ببعض الثمن فإن تراضيا على دفع الأرش لاسقاط الخيار ففيه وجهان أحدهما يجوز وهو قول أبي العباس لان خيار الرد يجوز أن يسقط إلى المال وهو إذا حدث عند المشتري عيب فجاز إسقاطه إلى المال بالتراضي كالخيار في القصاص والثاني لا يجوز وهو المذهب لانه خيار فسخ فلم يجز إسقاطه بمال كخيار الشرط وخيار الشفعة فإن تراضيا على ذلك وقلنا إنه لا يجوز فهل يسقط خياره فيه وجهان أحدهما أنه يسقط لانه رضي بإمساك العين مع العيب والثاني لا يسقط وهو المذهب لانه رضي بإسقاط الخيار بعوض ولم يسلم له العوض فبقي الخيار وإن أراد أن يرد بعضه لم يجز لان على البائع ضررا في تبعيض الصفقة عليه فلم يجز من غير رضاه وإن اشترى عبدين فوجد بأحدهما عيبا فهل له أن يفرده بالرد فيه قولان أحدهما لا يجوز لانه تبعيض صفقة على البائع فلم يجز من غير رضاه والثاني يجوز لان العيب اختص بأحدهما فجاز أن يفرده بالرد
وإن ابتاع اثنان عبدا فأراد أحدهما أن يمسك حصته وأراد الآخر أن يرد حصته جاز لان البائع فرق الملك في الإيجاب لهما فجاز أن يرد عليه أحدهما دون الآخر كما لو باع منهما في صفقتين فإن مات من له الخيار انتقل إلى وارثه لانه حق لازم يختص بالمبيع فانتقل بالموت إلى الوارث كحبس المبيع إلى أن يحضر الثمن فإن كان له وارثان فاختار أحدهما أن يرد نصيبه دون الآخر لم يجز لانه تبعيض صفقة في الرد فلم يجز من غير رضا البائع كما لو أراد المشتري أن يرد بعض المبيع فصل في زيادة العيب علا ما فيه وإن وجد العيب وقد زاد المبيع نظرت فإن كانت الزيادة لا تتميز كالسمن واختار الرد رد مع الزيادة لانها لا تنفرد عن الأصل في الملك فلا يجوز أن ترد دونها وإن كانت زيادة منفصلة كأكساب العبد فله أن يرد ويمسك الكسب لما روت عائشة رضي الله عنها أن رجلا ابتاع غلاما فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم به ثم وجد به عيبا فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورد عليه فقال الرجل يا رسول الله قد استغل غلامي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخراج بالضمان وإن كان المبيع بهيمة فحملت عنده وولدت أو شجرة فأثمرت عنده رد الأصل وأمسك الولد والثمرة لانه نماء منفصل حدث في ملكه فجاز أن يمسكه ويرد الأصل كغلة العبد وإن كان المبيع جارية فحملت عنده وولدت ثم علم بالعيب ردها وأمسك الولد لما ذكرناه ومن أصحابنا من قال لا يرد الأم بل يرجع بالأرش لان التفريق بين الأم والولد فيما دون سبع سنين لا يجوز وهذا لا يصح لان التفريق بينهما يجوز عند الضرورة ولهذا قال الشافعي رحمه الله في الجارية المرهونة إنها تباع دون الولد فإن اشتراها وهي حامل فولدت عنده فإن قلنا إن الحمل له حكم رد الجميع وإن قلنا لا حكم للحمل رد الأم دون الولد وإن كان المبيع جارية ثيبا فوطئها ثم علم بالعيب فله أن يردها لانه انتفاع لا يتضمن نقصا فلم يمنع الرد كالاستخدام وإن وجد العيب وقد نقص المبيع نظرت فإن كان النقص بمعنى لا يقف استعلام العيب على جنسه كوطء البكر وقطع الثوب وتزويج الأمة لم يجز له الرد بالعيب لانه أخذه من البائع وبه عيب فلا يجوز رده وبه عيبان من غير رضاه وينتقل حقه إلى الأرش لانه فات جزء من المبيع وتعذر الفسخ بالرد فوجب أن يرجع إلى بدل الجزء الفائت وهو الأرش فإن قال البائع أنا آخذ المبيع مع العيب الحادث لم يلزمه دفع الأرش لانه لم يكن له غير الرد وإنما امتنع من الرد للعيب الحادث في يده فإذا رضي به صار كأنه لم يحدث عنده عيب فلم يكن له غير الرد وإن قال المشتري أرده وأعطي معه أرش العيب الحادث عندي لم يلزم البائع قبوله كما إذا حدث العيب به عند البائع فقال خذه وأنا أعطيك معه أرش العيب لم يلزم المشتري قبوله فصل تقويم المبيع في الرد وإذا أراد الرجوع بالأرش قوم المبيع بلا عيب فيقال قيمته مائة ثم يقوم مع العيب فيقال قيمته تسعون فيعلم أنه قد نقص العشر من بدله فيرجع على البائع بعشر الثمن ولا يرجع بما نقص من قيمته لان الأرش بدل عن الجزء الفائت ولو فات المبيع كله رجع على البائع بجميع الثمن فإذا فات قدر العشر منه رجع بعشر الثمن كالجزء لما ضمن جميعه بالدية ضمن الجزء منه بجزء من الدية ولانا لو قلنا إنه يرجع بما نقص من قيمته أدى إلى أن يجتمع الثمن والمثمن للمشتري فإنه قد يشتري ما يساوي مائة بعشرة فإذا رجع بالعشرة رجع جميع الثمن إليه فيجتمع له الثمن والمثمن وهذا لا يجوز
وإن اختلفت قيمة المبيع من حال العقد إلى حال القبض قوم بأقل القيمتين لانه إن كانت قيمته وقت العقد أكثر ثم نقص كان ما نقص في يده مضمونا عليه وما كان نقصانه من ضمانه فلا يجوز أن يقوم على البائع وإن كانت قيمته وقت العقد أقل ثم زادت في يده فإنها زيادة حدثت في ملك المشتري لا حق للبائع فيها فلا يجوز إدخالها في التقويم فإن كان المبيع إناء من فضة وزنه ألف وقيمته ألفان فكسره ثم علم به عيبا لم يجز له الرجوع بأرش العيب لان ذلك رجوع بجزء من الثمن فيصير الألف بدون الألف وذلك لا يجوز فيفسخ البيع ويسترجع الثمن ثم يغرم أرش الكسر وحكى أبو القاسم الداركي وجها آخر أنه يرجع بالأرش لان ما ظهر من الفضل في الرجوع بالأرش لا اعتبار به والدليل عليه أنه يجوز الرجوع بالأرش في غير هذا ولا يقال إن هذا لا يجوز لانه يصير الثمن مجهولا فصل وجد العيب ونقص المبيع وإن وجد العيب وقد نقص المبيع بمعنى يقف استعلام العيب على جنسه بأن كان جوزا أو بيضا أو غير ذلك مما لا يوقف على عيبه إلا بكسره فينظر فيه فإن كسره فوجده لا قيمة للباقى كالبيض المذر والرمان العفن فالبيع باطل لان ما لا قيمة له لا يصح بيعه فيجب رد الثمن فإن كان له قيمة كبيض النعامة والبطيخ الحامض وما دود بعضه من المأكول نظرت فإن كسر منه قدرا لا يوقف على العيب بما دونه ففيه قولان أحدهما أنه لا يرد وهو قول المزني لانه نقص حدث في يد المشتري فمنع الرد كقطع الثوب والثاني لا يمنع الرد لانه معنى لا يوقف على العيب إلا به فلم يمنع الرد كنشر الثوب فإن قلنا لا يرد رجع بأرش العيب على ما ذكرناه وإن قلنا يرد فهل يلزمه أن يدفع معه أرش الكسر فيه قولان أحدهما يلزمه كما يلزمه بدل لبن الشاة المصراة والثاني لا يلزمه لان الكسر الذى يتوصل به إلى معرفة العيب مستحق له فلا يلزمه لاجله أرش فإن قلنا يلزمه الأرش قوم معيبا صحيحا ومعيبا مكسورا ثم يرجع عليه بما بين القيمتين لانه لما رد انفسخ العقد فيه فصار كالمقبوض بالسوم والمقبوض بالسوم مضمون بالقيمة فضمن نقصانه بما نقص من القيمة ويخالف الأرش مع بقاء العقد لان المبيع مع بقاء العقد مضمون بالثمن فضمن نقصانه بجزء من الثمن وإن كسر منه قدرا يمكنه الوقوف على العيب بأقل منه ففيه طريقان أحدهما لا يجوز الرد قولا واحدا لانه نقص حدث بمعنى لا يحتاج إليه لمعرفة العيب فمنع الرد كقطع الثوب والثاني أنه على القولين لانه يشق التمييز بين القدر الذي يحتاج إليه في معرفة العيب وبين ما زاد عليه فسوي بين القليل والكثير فصل حكم جهله بعيب المبيع حتى الهلاك وإن لم يعلم بالعيب حتى هلك المبيع أو أعتقه أو وقفه ثبت له أرش العيب لانه أيس من الرد فثبت له الرجوع بأرش العيب وإن لم يعلم بالعيب حتى أبق العبد لم يطالب بالأرش لانه لم ييأس من الرد فإن رجع رده بالعيب وإن هلك أخذ عنه الأرش فإن لم يعلم بالعيب حتى باعه لم يجز له المطالبة بالأرش قال أبو إسحاق العلة فيه أنه استدرك الظلامة فغبن كما غبن فزال عنه ضرر العيب وقال أكثر أصحابنا العلة فيه أنه لم ييأس من الرد لانه قد يرجع إليه فيرد عليه فإن رد المشتري الثاني بالعيب على المشتري الأول رده على البائع لانه أمكنه الرد ولم يستدرك الظلامة وإن حدث عند الثاني عيب فرجع على الأول بالأرش رجع هو على بائعه لانه أيس من الرد ولم يستدرك الظلامة وإن تلف في يد الثاني وقلنا بتعليل أبي إسحاق لم يرجع لانه استدرك الظلامة وإن قلنا بتعليل غيره رجع بالأرش لانه قد أيس من الرد وإن رجع المبيع إليه ببيع أو هبة أو إرث لم يرد على تعليل أبي إسحاق لانه استدرك الظلامة وعلى تعليل غيره يرد لانه أمكنه الرد
فإن لم يعلم بالعيب حتى وهبه من غيره فإن كان بعوض فهو كالبيع وقد بيناه وإن وهبه بغير عوض لم يرجع بالأرش لانه لم ييأس من الرد فإن رجع إليه ببيع أو هبة أو إرث فله الرد بلا خلاف لانه أمكنه الرد ولم يستدرك الظلامة فصل في تفسير العيب والعيب الذي يرد به المبيع ما يعده الناس عيبا فإن خفي منه شيء رجع فيه إلى أهل الخبرة بذلك الجنس فإن اشترى عبدا فوجده أعمى أو أعرج أو أصم أو أخرس أو مجذوما أو أبرص أو مريضا أو أبخر أو مقطوعا أو أقرع أو زانيا أو سارقا أو آبقا ثبت له الرد لان هذه عاهات يقتضي مطلق العقد السلامة منها فلا يلزمه العقد مع وجودها وإن وجده يبول في الفراش فإن كان صغيرا لم يرد لان بول الصغير معتاد فلا يعد عيبا وإن كان كبيرا رد لان ذلك عاهة ونقص وإن وجده خصيا ثبت له الرد لان العقد يقتضي سلامة الأعضاء وهذا ناقص وإن وجده غير مختون فإن كان صغيرا لم يثبت له الرد لانه لا يعد ذلك نقصا في الصغير لانه لا يخاف عليه منه وإن كان كبيرا ثبت له الرد لانه يعد نقصا ( في الكبير ) لانه يخاف عليه منه وإن كانت جارية لم ترد صغيرة كانت أو كبيرة لان ختانها سليم لا يخاف عليها منه وإن اشترى جارية فوجدها مغنية لم ترد لانه لا تنقص به العين ولا القيمة فلم يعد ذلك عيبا وإن وجدها ثيبا أو مسنة لم يثبت له الرد لان الثيوبة والكبر ليس بنقص وإنما هو عدم فضيلة فإن وجد المملوك مرتدا أو وثنيا ثبت له الرد لانه لا يقر على دينه وإن وجده كتابيا لم يثبت له الرد لان كفره لا ينقص من عينه ولا من ثمنه وإن اشترى أمة فوجدها مزوجة أو عبدا فوجده مستأجرا ثبت له الرد لان إطلاق البيع يقتضي سلامة المنافع للمشتري ولم يسلم له ذلك فثبت له الرد وإن اشترى شيئا فتبين أنه غبن في ثمنه لم يثبت له الرد لما روي أن حبان بن منقذ كان يخدع في البيع فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال إذا بعت فقل لا خلابة ولك الخيار ثلاثا ولم يثبت له خيار الغبن ولان المبيع سليم ولم يوجد من جهة البائع تدليس وإنما فرط المشتري في ترك الاستظهار فلم يجز له الرد فصل في شراء العبد بشرط وإن اشترى عبدا بشرط أنه كاتب فوجده غير كاتب أو على أنه يحسن صنعة فوجده لا يحسن ثبت له الرد لانه أنقص مما شرط فجاز له الرد وإن اشتراه على أنه فحل فوجده خصيا ثبت له الرد لان الخصي أنقص من الفحل في الخلقة والبطش والقوة وإن شرط أنه خصي فوجده فحلا ثبت له الرد لان الفحل دون الخصي في الثمن والدخول إلى الحرم وإن اشتراه على أنه مسلم فوجده كافرا ثبت له الرد لان الكافر دون المسلم في الدين وإن اشتراه على أنه كافر فوجده مسلما ثبت له الرد وقال المزني لا يثبت له الرد لان المسلم أفضل من الكافر وهذا لا يصح لان المسلم أفضل في الدين إلا أن الكافر أكثر ثمنا لانه يرغب فيه المسلم والكافر والمسلم لا يشتريه الكافر وإن اشترى جارية على أنها بكر فوجدها ثيبا ثبت له الرد لان الثيب دون البكر وإن اشتراها على أنها ثيب فوجدها بكرا لم يثبت له الرد لان البكر أفضل من الثيب ومن أصحابنا من قال يثبت له الرد لانه قد يكون ضعيفا لا يطيق وطء البكر فكانت الثيب أحب إليه والمذهب الأول لانه لا اعتبار بما عنده وإنما الاعتبار بما يزيد في الثمن والبكر أفضل من الثيب في الثمن وإن باعه حيوانا على أنه بغل فوجده حمارا أو على أنه حمار فوجده بغلا ففيه وجهان أحدهما أن البيع صحيح لان العقد وقع على العين والعين موجودة فصح البيع وثبت له الرد لانه لم يجده على ما شرط
والثاني أن البيع باطل لان العقد وقع على جنس فلا ينعقد في جنس آخر وإن اشترى ثوبا أو أرضا على أنه عشرة أذرع فوجده تسعة فهو بالخيار بين أن يأخذه بجميع الثمن بين أن يرده لانه دخل في العقد على أن تسلم له العشرة ولم تسلم له فثبت له الخيار كما لو وجد بالمبيع عيبا وإن وجده أحد عشر ذراعا ففيه وجهان أحدهما أن البائع بالخيار بين أن يفسخ البيع وبين أن يسلمه بالثمن ويجبر المشتري على قبوله كما أجبرنا البائع إذا كان دون العشرة والثاني أن البيع باطل لانه لا يمكن إجبار البائع على تسليم ما زاد على عشرة ولا إجبار المشتري على الرضا بما دون الثوب والساحة من الأرض لانه لم يرض بالشركة والتبعيض فوجب أن يبطل العقد فإن اشترى صبرة على أنها مائة قفيز فوجدها دون المائة فهو بالخيار بين أن يفسخ لانه لم يسلم له ما شرط وبين أن يأخذ الموجود بحصته من الثمن لانه يمكن قسمة الثمن على الأجزاء لتساويها في القيمة ويخالف الثوب والأرض لان أجزاءها مختلفة فلا يمكن قسمة الثمن على أجزائها لانا لا نعلم كم قيمة الذراع الناقصة لو كانت موجودة لنسقطها من الثمن وإن وجد الصبرة أكثر من مائة قفيز أخذ المائة بالثمن وترك الزيادة لانه يمكن أخذ ما عقد عليه من غير إضرار فصل بيع العبد الجاني وإن باع عبدا جانيا ففيه قولان أحدهما أن البيع صحيح وهو اختيار المزني لانه إن كانت الجناية عمدا فهو عبد تعلق برقبته قتل فصح بيعه كالعبد المرتد أو يخشى هلاكه وترجى سلامته فجاز بيعه كالمريض وإن كان خطأ فلانه عبد تعلق برقبته حق بغير اختياره فلا يمنع من بيعه والقول الثاني أن البيع باطل لانه عبد تعلق برقبته دين آدمي فلا يصح بيعه كالمرهون وفي موضع القولين ثلاث طرق أحدها أن القولين في العمد والخطأ لان القصاص حق آدمي فهو كالمال ولانه يسقط إلى مال بالعفو فكان كالمال والثاني أن القولين في جناية لا توجب القصاص فأما فيما توجب القصاص فلا تمنع البيع قولا واحدا لانه كالمرتد والثالث أن القولين فيما يوجب القصاص فأما فيما يوجب المال فلا يجوز قولا واحدا لانه كالمرهون فإذا قلنا إن البيع صحيح في قتل العمد فقتل العبد في يد المشتري ففيه وجهان قال أبو العباس وأبو علي بن أبي هريرة إن علم المشتري بالجناية في حال العقد لم يرجع عليه بالأرش وإن لم يعلم رجع بأرش العيب لان تعلق القتل برقبته كالعيب لانه ترجى سلامته ويخشى هلاكه فهو كالمريض وإذا اشترى المريض ومات وكان قد علم بمرضه لم يرجع بالإرش وإن لم يعلم رجع فكذلك ههنا فعلى هذا إذا لم يعلم بحاله وقتل قوم وهو جان وقوم غير جان فيرجع بما بينهما من الثمن وقال أبو إسحاق وجود القتل بمنزلة الاستحقاق وهو المنصوص فإذا قتل انفسخ البيع ورجع بالثمن على البائع علم بالجناية حال العقد أو لم يعلم لانه أزيلت يده عن الرقبة بسبب كان في يد البائع فأشبه إذا استحق ويخالف المريض فإنه لم يمت بالمرض الذي كان في يد البائع وإنما مات بزيادة مرض حدث في يد المشتري فلم يرجع بجميع الثمن وإن اشترى عبدا مرتدا فقتل في يده ففيه وجهان في قول أبي إسحاق ينفسخ البيع ويرجع بالثمن وعلى قول أبي العباس وأبي علي بن أبي هريرة إن كان قد علم بالردة لم يرجع بالأرش وإن لم يعلم رجع بالأرش ووجههما ما ذكرناه في الجاني عمدا وإن قتل العبد في المحاربة وانحتم قتله فقد ذكر الشيخ أبو حامد الإسفراييني رحمه الله في التعليق أن البيع باطل لانه لا منفعة فيه لانه مستحق القتل فلا يصح بيعه كالحشرات وقال شيخنا القاضي أبو الطيب يصح بيعه لان فيه منفعة وهو أن يعتقه فصح بيعه كالزمن فعلى هذا إذا قتل في يد المشتري فحكمه حكم القاتل عمدا في غير المحاربة وقد بيناه فصل البيع بشرط البراءة من العيوب
إذا باع عينا بشرط البراءة من العيب ففيه طريقان أحدهما وهو قول أبي سعيد الإصطخري أن المسألة على ثلاثة أقوال أحدها أنه يبرأ من كل عيب لانه عيب رضي به المشتري فبرىء منه البائع كما لو أوقفه عليه والثاني لا يبرأ من شيء من العيوب لانه شرط يرتفق به أحد المتبايعين فلم يصح مع الجهالة كالأجل المجهول والرهن المجهول والثالث أنه لا يبرأ إلا من عيب واحد وهو العيب الباطن في الحيوان الذي لا يعلم به البائع لما روى سالم أن أباه باع غلاما بثمانمائة بالبراءة من كل آفة فوجد الرجل به عيبا فخاصمه إلى عثمان رضي الله عنه فقال عثمان لابن عمر احلف لقد بعته وما به داء تعلمه فأبى ابن عمر أن يحلف وقبل الغلام فباعه بعد ذلك بألف وخمسمائة فدل على أنه يبرأ مما لم يعلم ولا يبرأ مما علمه قال الشافعي رحمه الله ولان الحيوان يفارق ما سواه لانه يغتذي بالصحة والسقم وتحول طبائعه وقلما يبرأ من عيب يظهر أو يخفى فدعت الحاجة إلى التبري من العيب الباطن فيه لانه لا سبيل إلى معرفته وتوقيف المشتري عليه وهذا المعنى لا يوجد في العيب الظاهر ولا في العيب الباطن في غير الحيوان فلم يجز التبري منه مع الجهالة والطريق الثاني أن المسألة على قول واحد وهو أنه يبرأ من عيب باطن في الحيوان لم يعلم به ولا يبرأ من غيره وتأول هذا القائل ما أشار إليه الشافعي من القولين الآخرين على أنه حكى ذلك عن غيره ولم يختره لنفسه فإن قلنا إن الشرط باطل فهل يبطل البيع فيه وجهان أحدهما لا يبطل البيع ويرد المبيع لحديث عثمان رضي الله عنه فإنه أمضى البيع والثاني أنه يبطل البيع لان هذا الشرط يقتضي جزءا من الثمن تركه البائع لاجل الشرط فإذا سقط وجب أن يرد الجزء الذي تركه بسبب الشرط وذلك مجهول والمجهول إذا أضيف إلى معلوم صار الجميع مجهولا فيصير الثمن مجهولا ففسد العقد والله أعلم باب بيع المرابحة من اشترى سلعة جاز له بيعها برأس المال وبأقل منه وبأكثر منه لقوله صلى الله عليه وسلم إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم ويجوز أن يبيعها مرابحة وهو أن يبين رأس المال وقدر الربح بأن يقول ثمنها مائة وقد بعتكها برأس مالها وربح درهم في كل عشرة لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان لا يرى بأسا ب ده يازده وده دواز ده ولانه ثمن معلوم فجاز البيع به كما لو قال بعتك بمائة وعشرة ويجوز أن يبيعها مواضعة بأن يقول رأس مالها مائة وقد بعتك برأس مالها ووضع درهم من كل عشرة لانه ثمن معلوم فجاز البيع به كما لو قال بعتك بمائة إلا عشرة ويجوز أن يبيع بعضه مرابحة فإن كان مما لا تختلف أجزاؤه كالطعام والعبد الواحد قسم الثمن على أجزائه وباع ما يريد بيعه منه بحصته وإن كان مما يختلف ( أجزاؤه ) كالثوبين والعبدين قومهما وقسم الثمن عليهما على قدر قيمتهما ثم باع ما شاء منهما بحصته من الثمن لان الثمن ينقسم على المبيعين على قدر قيمتهما ولهذا لو اشترى سيفا وشقصا بألف قسم الثمن عليهما على قدر قيمتهما ثم أخذ الشفيع الشقص بما يخصه من الثمن على قدر قيمته فصل لا يخبر إلا بالثمن الذي لزم به البيع ولا يخبر إلا بالثمن الذي لزم به البيع فإن اشترى بثمن ثم حط البائع عنه ( بعض الثمن ) أو ألحق به زيادة نظرت فإن كان بعد لزوم العقد لم يلحق ذلك بالعقد ولم يحط في بيع المرابحة ما حط عنه ولا يخبر بالزيادة فيما زاد لان البيع استقر بالثمن الأول فالحط والزيادة تبرع لا يقابله عوض فلم يتغير به الثمن وإن كان ذلك في مدة الخيار لحق بالعقد وجعل الثمن ما تقرر بعد الحط والزيادة وقال أبو علي الطبري إن قلنا إن المبيع ينتقل بنفس العقد لم يلحق به لان المبيع قد ملكه بالثمن الأول فلم يتغير بما بعده
والمذهب الأول لانه وإن كان قد انتقل المبيع إلا أن البيع لم يستقر فجاز أن يتغير الثمن بما يلحق به وإن اشترى ثوبا بعشرة وقصره بدرهم ورفاه بدرهم وطرزه بدرهم قال هو علي بثلاثة عشر أو قام علي بثلاثة عشر وما أشبه ذلك ولا يقول ( اشتريته ) بثلاثة عشر ولا يقول ثمنه ثلاثة عشر لان ذلك كذب وإن قال رأس مالي ثلاثة عشر ففيه وجهان أحدهما لا يجوز أن يقول لان رأس المال هو الثمن والثمن عشرة والثاني يجوز لان رأس المال ما وزن فيه وقد وزن فيه ثلاثة عشر وإن عمل فيه ذلك بيده قال اشتريته بعشرة وعملت فيه ما يساوي ثلاثة ولا يقول هو علي بثلاثة عشر لان عمله لنفسه لا أجرة له ولا يتقوم عليه وإن اشترى عينا بمائة ووجد بها عيبا وحدث عنده عيب آخر فرجع بالأرش وهو عشرة دراهم قال هي علي بتسعين أو تقوم علي بتسعين ولا يجوز أن يقول الثمن مائة لان الرجوع بالأرش استرجاع جزء من الثمن فخرج عن أن يكون الثمن مائة ولا يقول اشتريتها بتسعين لانه كذب وإن كان المبيع عبدا فجنى ففداه بأرش الجناية لم يضف ما فداه به إلى الثمن لان الفداء جعل لاستبقاء الملك فلم يضف إلى الثمن كعلف البهيمة وإن جنى عليه فأخذ الأرش ففيه وجهان أحدهما أنه لا يحط من الثمن قدر الأرش لانه كما لا يضيف ما فدى به الجناية إلى الثمن لا يحط ما أخذ عن أرش الجناية عن الثمن والثاني أنه يحط لانه عوض عن جزء تناوله البيع فحط من الثمن كأرش العيب وإن حدثت من العين فوائد في ملكه كالولد واللبن والثمرة لم يحط ذلك من الثمن لان العقد لم يتناوله وإن أخذ ثمرة كانت موجودة عند العقد أو لبنا كان موجودا حال العقد حط من الثمن لان العقد تناوله وقابله قسط من الثمن فأسقط ما قابله وإن أخذ ولدا كان موجودا حال العقد فإن قلنا إن الحمل له حكم فهو كاللبن والثمرة وإن قلنا لا حكم له لم يحط من الثمن شيئا وإن ابتاع بثمن مؤجل لم يخبر بثمن مطلق لان الأجل يأخذ جزءا من الثمن فإن باعه مرابحة ولم يخبره بالأجل ثم علم المشتري بذلك ثبت له الخيار لانه دلس عليه بما يأخذ جزءا من الثمن فثبت له الخيار كما لو باعه شيئا وبه عيب ولم يعلمه بعيبه وإن اشترى شيئا بعشرة وباعه بخمسة ثم اشتراه بعشرة أخبر بعشرة ولا يضم ما خسر فيه إلى الثمن فإن اشترى بعشرة وباع بخمسة عشر ثم اشتراه بعشرة أخبر بعشرة ولا يحط ما ربح من الثمن لان الثمن ما ابتاع به في العقد الذي هو مالك به وذلك عشرة وإن اشترى بعشرة ثم واطأ غلامه فباع منه ثم اشتراه منه بعشرين ليخبر بما اشتراه من الغلام كره ما فعله لانه لو صرح بذلك في العقد فسد العقد فإذا قصده كره فإن أخبر بالعشرين في بيع المرابحة جاز لان بيعه من الغلام كبيعه من الأجنبي في الصحة فجاز أن يخبر بما اشترى به منه فإن علم بذلك المشتري لم يثبت له الخيار لان شراءه بعشرين صحيح فصل في بيان إذا قال رأس المال مائة إذا قال رأس المال مائة وقد بعتكه برأس المال وربح درهم في كل عشرة أو بربح ده ياز ده فالثمن مائة وعشرة وإن قال بعتك برأس المال ووضع ده ياز ده فالثمن أحد وتسعون درهما إلا جزءا من أحد عشر جزءا من درهم لان معناه بعتك بمائة على أن أضع درهما من كل أحد عشر درهما فسقط من تسعة وتسعين درهما تسعة دراهم لانها تسع مرات أحد عشر ويبقى من رأس المال درهم فيسقط منه جزء من أحد عشر جزءا فيكون الباقي أحدا وتسعين درهما إلا جزءا من أحد عشر جزءا من درهم
وإن قال بعتك على وضع درهم من كل عشرة ففي الثمن وجهان أحدهما أن الثمن أحد وتسعون درهما إلا جزءا من أحد عشر جزءا من درهم وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفراييني رحمه الله والثاني أن الثمن تسعون درهما وهو قول شيخنا القاضي أبي الطيب الطبري رحمه الله وهو الصحيح لان المائة عشر مرات عشرة فإذا وضع من كل عشرة درهما بقي تسعون فصل إذا علم أن رأس المال مائة وباع على ربح درهم إذا أخبر أن رأس المال مائة وباع على ربح درهم في كل عشرة ثم قال أخطأت أو قامت البينة أن الثمن كان تسعين فالبيع صحيح وحكى القاضي أبو حامد وجها آخر أن البيع باطل لانه بان أن الثمن كان تسعين وأن ربحها تسعة وهذا كان مجهولا حال العقد فكان العقد باطلا والمذهب الأول لان البيع عقد على ثمن معلوم وإنما سقط بعضه بالتدليس وسقوط بعض الثمن لا يفسد البيع كسقوط بعض الثمن بالرجوع بأرش العيب وأما الثمن الذي يأخذه به ففيه قولان أحدهما أنه مائة وعشرة لان المسمى في العقد مائة وعشرة فإذا بان تدليس من جهة البائع لم يسقط من الثمن شيء كما لو باعه شيئا بثمن فوجد به عيبا والثاني أن الثمن تسعة وتسعون وهو الصحيح لانه نقل ملك يعتبر فيه الثمن الأول فإذا أخبر بزيادة وجب حط الزيادة كالشفعة والتولية ويخالف العيب فإن هناك الثمن هو المسمى في العقد وههنا الثمن هو رأس المال وقدر الربح وقد بان أن رأس المال تسعون والربح تسعة فإن قلنا إن الثمن مائة وعشرة فهو بالخيار بين أن يمسك المبيع بالثمن وبين أن يفسخ لانه دخل على أن يأخذ المبيع برأس المال وهذا أكثر من رأس المال فثبت له الخيار وإن قلنا إن الثمن تسعة وتسعون فهل يثبت له الخيار اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال فيه قولان أحدهما أن له الخيار لانه إن كان قد أخطأ في الخبر الأول لم يأمن أن يكون قد أخطأ في الثاني وأن الثمن غيره وإن كان قد خان في الأول فلا يأمن أن يكون قد خان في الثاني فثبت له الخيار والقول الثاني وهو الصحيح أنه لا خيار له لان الخيار إنما يثبت لنقص وضرر وهذا زيادة ونفع لانه دخل على أن الثمن مائة وعشرة وقد رجع إلى تسعة وتسعين فلا وجه للخيار ومنهم من قال إن ثبتت الخيانة بإقرار البائع لزم المشتري تسعة وتسعون ولا خيار له وإن ثبتت بالبينة فهل له الخيار أم لا فيه قولان لانه إذا ثبتت بالإقرار دل على أمانته فلم يتهم في خيانة أخرى وإذا ثبتت بالبينة كان متهما في خيانة أخرى فثبت له الخيار قال أصحابنا القولان إذا كانت العين باقية فأما إذا تلفت العين فإنه يلزم البيع بتسعة وتسعين قولا واحدا لانا لو جوزنا ( له ) فسخ البيع مع تلف العين رفعنا الضرر عنه وألحقناه بالبائع والضرر لا يزال بالضرر ولهذا لو هلك المبيع عنده ثم علم به عيبا لم يملك الفسخ فإن قلنا لا خيار له أو قلنا له الخيار فاختار البيع فهل يثبت للبائع الخيار فيه وجهان أحدهما يثبت له الخيار لانه لم يرض إلا بالثمن المسمى وهو مائة وعشرة ولم يسلم له ذلك والثاني لا خيار له لانه رضي برأس المال وربحه وقد حصل له ذلك فصل إذا أخبر أن الثمن مائة وربحه عشرة وإن أخبر أن الثمن مائة وربحه عشرة ثم قال أخطأت والثمن مائة وعشرة لم يقبل قوله لانه رجوع عن إقرار متعلق به حق آدمي فلم يقبل كما لو أقر له بدين وإن قال لي بينة على ذلك لم تسمع لانه كذب بالإقرار السابق بينته فلم تقبل فإن قال أحلفوا لي المشتري أنه لا يعلم أن الثمن مائة وعشرة ففيه طريقان أحدهما أنه إن قال ابتعته بنفسي لم يحلف المشتري لان إقراره يكذبه وإن قال ابتاعه وكيل لي فظنتت أنه ابتاع بمائة وقد بان لي أنه ابتاع بمائة وعشرة حلف لانه الآن لا يكذبه إقراره
والثاني أنه يبنى على القولين في يمين المدعي مع نكول المدعى عليه فإن قلنا إنه كالبينة لم يعرض اليمين لانه إذا نكل حصلنا على بينة والبينة لا تسمع وإن قلنا إنه كالإقرار عرضنا اليمين لانه إذا نكل حصلنا على الإقرار وإقراره مقبول باب النجش والبيع على بيع أخيه وبيع الحاضر للبادي وتلقي الركبان والتسعير والاحتكار ويحرم النجس وهو أن يزيد في الثمن ليغر غيره والدليل عليه ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النجش ولانه خديعة ومكر فإن اغتر الرجل بمن ينجش فابتاع فالبيع صحيح لان النهي لا يعود إلى البيع فلم يمنع صحته كالبيع في حال النداء فإن علم المبتاع بذلك نظرت فإن لم يكن للبائع فيه صنع لم يكن للمبتاع الخيار لانه ليس من جهة البائع تدليس وإن كان النجش بمواطأة من البائع ففيه قولان أحدهما أن له الخيار بين الإمساك والرد لانه دلس عليه فثبت له الرد كما لو دلس عليه بعيب والثاني لا خيار له لان المشتري فرط في ترك التأمل وترك التفويض إلى من يعرف ثمن المتاع فصل في بيع الرجل على بيع أخيه ويحرم أن يبيع على بيع أخيه وهو أن يجىء إلى من اشترى شيئا في مدة الخيار فيقول افسخ فإنى أبيعك أجود منه بهذا الثمن أو أبيعك مثله بدون هذا الثمن لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لا يبع الرجل على بيع أخيه ولان في هذا إفسادا وإنجاشا فلم يحل فإن قبل منه وفسخ البيع واشترى منه صح البيع لما ذكرناه في النجش فصل في حرمة السوم على أخيه ويحرم أن يدخل على سوم أخيه وهو أن يجىء إلى رجل أنعم لغيره في بيع سلعة بثمن فيزيده ليبيع منه أو يجىء إلى المشتري فيعرض عليه مثل السلعة بدون ثمنها أو أجود منها بذلك الثمن لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ولا يسم على سوم أخيه ولان في ذلك إفسادا أيضا وإنجاشا فلم يحل فأما إذا جاء إليه فطلب منه متاعا فلم ينعم له جاز لغيره أن يطلبه لانه لم يدخل على سومه وإن طلبه منه فسكت ولم يظهر منه رد ولا إجابة ففيه قولان أحدهما يحرم والثاني لا يحرم كالقولين في الخطبة على خطبة أخيه وأما إذا عرضت السلعة في النداء جاز لمن شاء أن يطلبها ويزيد في ثمنها لما روى أنس رضي الله عنه عن رجل من الأنصار أنه أصابه جهد شديد هو وأهل بيته فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له فقال ما عندى شيء اذهب فأتني بما كان عندك فذهب فجاء بحلس وقدح فقال يا رسول الله هذا الحلس والقدح فقال من يشتري هذا الحلس والقدح فقال رجل أنا آخذهما بدرهم فقال من يزيد على درهم فسكت القوم قال من يزيد على درهم فقال رجل أنا آخذهما بدرهمين قال هما لك ثم قال إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة لذى دم موجع أو فقر مدقع أو غرم مفظع ولان في النداء لا يقصد رجلا بعينيه فلا يؤدى إلى النجش والإفساد فصل في بيع حاضر لباد ويحرم أن يبيع حاضر لباد وهو أن يقدم رجل ومعه متاع يريد بيعه ويحتاج الناس إليه في البلد فإذا باع اتسع وإذا لم يبع ضاق فيجىء إليه سمسار فيقول لا تبع حتى أبيع لك قليلا وأزيد في ثمنها لما روى ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بيع حاضر لباد قلت ما لا يبع حاضر لباد قال لا يكون له سمسارا
وروى جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض فإن خالف وباع له صح البيع لما ذكرناه في النجش فإن كان البلد كبيرا لا يضيق على أهله بترك البيع ففيه وجهان أحدهما لا يجوز للخبر والثاني يجوز لان المنع لخوف الإضرار بالناس ولا ضرر ههنا فصل في تلقى الركبان ويحرم تلقى الركبان وهو أن يتلقى القافلة ويخبرهم بكساد ما معهم من المتاع ليغبنهم لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تتلقى السلع حتى يهبط بها الأسواق ولان هذا تدليس وغرر فلم يحل فلم يحل فإن خالف واشترى صح البيع لما ذكرناه في النجش فإن دخلوا البلد فبان لهم الغبن كان لهم الخيار لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تلقوا الجلب فمن تلقاها واشترى منهم فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق ولانه غرهم ودلس عليهم فثبت لهم الخيار كما لو دلس عليهم بعيب وإن بان لهم أنه لم يغبنهم ففيه وجهان أحدهما أن لهم الخيار للخبر والثاني لا خيار لهم لانه ما غر ولا دلس عليهم وإن خرج إلى خارج البلد لحاجة غير التلقي فرأى القافلة فهل يجوز أن يبتاع منهم فيه وجهان أحدهما يجوز لانه لم يقصد التلقي والثاني لا يجوز لان المنع من التلقى للبيع وهذا المعنى موجود وإن لم يقصد التلقى فلم يجز فصل في التسعير ولا يحل للسلطان التسعير لما روى أنس رضي الله عنه قال غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الناس يا رسول الله سعر لنا فقال عليه السلام إن الله هو القابض والباسط والرازق والمسعر وإني لارجو أن ألقى الله وليس أحد يطالبني بمظلمة في نفس ولا مال فصل في الاحتكار ويحرم الاحتكار في الأقوات وهو أن يبتاع في وقت الغلاء ويمسكه ليزداد في ثمنه ومن أصحابنا من قال يكره ولا يحرم وليس بشيء لما روى عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجالب مرزوق والمحتكر ملعون وروى معمر العدوي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحتكر إلا خاطىء فدل على أنه حرام فأما إذا ابتاع في وقت الرخص أو جاءه من ضيعته طعام فأمسكه ليبيعه إذا غلا فلا يحرم ذلك لانه في معنى الجالب وقد روى عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الجالب مرزوق والمحتكر ملعون وروى أبو الزناد قال قلت لسعيد بن المسيب بلغني عنك أنك قلت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يحتكر بالمدينة إلا خاطىء وأنت تحتكر قال ليس هذا الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي الرجل السلعة عند غلائها فيغالي بها فأما أن يأتي الشيء وقد اتضع فيشتريه ثم يضعه فإن احتاج الناس إليه أخرجه فذلك خير وأما غير الأقوات فيجوز احتكاره لما روى أبو أمامة رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتكر الطعام فدل على أن غيره يجوز ولانه لا ضرر في احتكار غير الأقوات فلم يمنع منه باب اختلاف المتبايعين وهلاك المبيع إذا اختلف المتبايعان في مقدار الثمن ولم تكن بينة تحالفا لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو أن الناس أعطوا بدعاويهم لادعى ناس من الناس دماء ناس وأموالهم لكن اليمين على المدعى عليه فجعل اليمين على المدعى عليه والبائع مدعى عليه بيع بألف والمشتري مدعى عليه بيع بألفين فوجب أن يكون على كل واحد منهما اليمين لان كل واحد منهما مدعى عليه ولا بينة فتحالفا كما لو ادعى رجل على رجل دينارا وادعى الآخر على المدعي درهما فصل اختلاف المتبايعين
قال الشافعي رحمه الله في البيوع يبدأ بيمين البائع وقال في الصداق ( إذا اختلف الزوجان ) يبدأ بيمين الزوج والزوج كالمشتري وقال في الدعوى والبينات إن بدأ بالبائع خير المشتري وإن بدأ بالمشتري خير البائع وهذا يدل على أنه مخير بين أن يبدأ بالبائع وبين أن يبدأ بالمشتري فمن أصحابنا من قال فيها ثلاثة أقوال أحدها يبدأ بالمشتري لان جنبته أقوى لان المبيع على ملكه فكان بالبداية أولى والثاني يبدأ بمن شاء منهما لانه لا مزية لاحدهما على الآخر في الدعوى فتساويا كما لو تداعيا شيئا في يديهما والثالث أنه يبدأ بالبائع وهو الصحيح لما روى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا اختلف البيعان فالقول ما قال البائع والمبتاع بالخيار فبدأ بالبائع ثم خير المبتاع ولان جنبته أقوى لانه إذا تحالفا رجع المبيع إليه فكانت البداية به أولى ومن أصحابنا من قال هي على قول واحد أنه يبدأ بالبائع ويخالف الزوج في الصداق لان جنبته أقوى من جنبة الزوجة لان البضع بعد التحالف على ملك الزوج فكان بالتقديم أولى وها هنا جنبة البائع أقوى لان المبيع بعد التحالف على ملك البائع فكان البائع بالتقديم أولى والذي قال في الدعوى والبينات ليس بمذهب له وإنما حكى ما يفعله الحاكم باجتهاده لانه موضع اجتهاد فقال إن حلف الحاكم البائع باجتهاده خير المشتري وإن حلف المشتري خير البائع فصل الجمع في اليمين بين النفي والإثبات ويجب أن يجمع كل واحد منهما في اليمين بين النفي والإثبات لانه يدعي عقدا وينكر عقدا فوجب أن يحلف عليهما ويجب أن يقدم النفي على الإثبات وقال أبو سعيد الإصطخري يقدم الإثبات على النفي كما قدمنا الإثبات على النفي في اللعان والمذهب الأول لان الأصل في اليمين أن يبدأ بالنفي وهي يمين المدعى عليه فوجب أن يبدأ ههنا أيضا بالنفي ويخالف اللعان فإنه لا أصل له في البداية بالنفي وهل يجمع بين النفي والإثبات بيمين واحدة أم لا فيه وجهان أحدهما يجمع بينهما بيمين واحدة وهو المنصوص في الأم لانه أقرب إلى فصل القضاء فعلى هذا يحلف البائع أنه لم يبع بألف ولقد باع بألفين ويحلف المشتري أنه ما اشترى بألفين ولقد اشترى بألف فإن نكل المشتري قضى للبائع وإن حلف فقد تحالفا والثاني أنه يفرد النفي بيمين والإثبات بيمين لانه دعوى عقد وإنكار عقد فافتقر إلى يمينين ولانا إذا جمعنا بينهما بيمين واحدة حلفنا البائع على الإثبات قبل نكول المشتري عن يمين النفي وذلك لا يجوز فعلى هذا يحلف البائع أنه ما باع بألف ثم يحلف المشتري أنه ما ابتاع بألفين فإن نكل المشتري حلف البائع أنه باع بألفين وقضى له فإن حلف المشتري حلف البائع أنه باع بألفين ثم يحلف المشترى أنه ابتاع بألف فإن نكل قضى للبائع وإن حلف فقد تحالفا فصل فسخ البيع إذا تحالفا وإذا تحالفا وجب فسخ البيع لانه لا يمكن إمضاء العقد مع التحالف وهل ينفسخ بنفس التحالف أم لا فيه وجهان أحدهما أنه ينفسخ بنفس التحالف كما ينفسخ النكاح في اللعان بنفس التحالف ولان بالتحالف صار الثمن مجهولا والبيع لا يثبت مع جهالة العوض فوجب أن ينفسخ والثاني أنه لا ينفسخ إلا بالفسخ بعد التحالف وهو المنصوص لان العقد في الباطن صحيح لانه وقع على ثمن معلوم فلا ينفسخ بتحالفهما ولان البينة أقوى من اليمين ثم لو أقام كل واحد منهما بينة على ما يدعيه لم ينفسخ البيع فلان لا ينفسخ باليمين أولى وفي الذي يفسخه وجهان أحدهما أنه يفسخه الحاكم لانه مجتهد فيه فافتقر إلى الحاكم كفسخ النكاح بالعيب والثاني أنه ينفسخ بالمتعاقدين لانه فسخ لاستدراك الظلامة فصح من المتبايعين كالرد بالعيب فصل الفسخ هل ينفسخ ظاهرا وباطنا وإذا فسخ أو انفسخ فهل ينفسخ ظاهرا وباطنا أم لا فيه ثلاثة أوجه أحدها ينفسخ ظاهرا وباطنا لانه فسخ بالتحالف فوقع ظاهرا وباطنا كفسخ النكاح باللعان ولانه فسخ بيع لاستدراك الظلامة فصح ظاهرا وباطنا كالرد بالعيب
والثاني أنه ينفسخ في الظاهر دون الباطن لان سبب الفسخ هو الجهل بالثمن والثمن معلوم في الباطن مجهول في الظاهر فلما اختصت الجهالة بالظاهر دون الباطن اختص البطلان بالظاهر دون الباطن والثالث أنه إن كان البائع هو الظالم وقع الفسخ في الظاهر دون الباطن لانه يمكنه أن يصدق المشتري ويأخذ منه الثمن ويسلم إليه المبيع فإذا لم يفعل كان ممتنعا من تسليم المبيع بظلم فلم ينفسخ البيع وإن كان البائع مظلوما انفسخ ظاهرا وباطنا لانه تعذر عليه أخذ الثمن ووجد عين ماله فجاز له أن يفسخ ويأخذ عين ماله كما لو أفلس المشتري ووجد البائع عين ماله فإن قلنا إن الفسخ يقع في الظاهر والباطن عاد المبيع إلى ملك البائع وإلى تصرفه وإن قلنا إن الفسخ في الظاهر دون الباطن نظرت فإن كان البائع هو الظالم لم يجز له قبض المبيع والتصرف فيه بل يلزمه أن يأخذ ما أقر به المشتري من الثمن ويسلم المبيع إليه وإن كان مظلوما لم يجز له التصرف في المبيع بالوطء والهبة لانه على ملك المشتري ولكن يستحق البائع الثمن في ذمة المشتري ولا يقدر على أخذه منه فيبيع من المبيع بقدر حقه كما تقول فيمن له على رجل دين لا يقدر على أخذه منه ووجد شيئا من ماله فصل اختلف المتبايعين في الثمن وإن اختلفا في الثمن بعد هلاك السلعة في يد المشتري تحالفا وفسخ البيع بينهما لان التحالف يثبت لرفع الضرر واستدراك الظلامة وهذا المعنى موجود بعد هلاك السلعة فوجب أن يثبت التحالف فإذا تحالفا رجع بقيمته ومتى تعتبر قيمته فيه وجهان أحدهما تجب قيمته يوم التلف والثاني تجب قيمته أكثر ما كانت من يوم القبض إلى يوم التلف وقد ذكرنا دليل الوجهين في هلاك السلعة في البيع الفاسد فإن زادت القيمة على ما ادعاه البائع من الثمن وجب ذلك وحكي عن أبي علي بن خيران أنه قال ما زاد على الثمن لا يجب لان البائع لا يدعيه فلم يجب كما لو أقر لرجل بما لا يدعيه والمذهب الأول لانه بالفسخ سقط اعتبار السلعة فالقول قول المشتري لانه غارم فكان القول قوله كالغاصب فإن تقايلا أو وجد بالمبيع عيبا فرده واختلفا في الثمن فقال البائع الثمن ألف وقال المشتري الثمن ألفان فالقول قول البائع لان البيع قد انفسخ والمشتري مدع والبائع منكر فكان القول قوله فصل اختلف الورثة في المبيع وإن مات المتبايعان فاختلف ورثتهما تحالفوا لانه يمين في المال فقام الوارث فيها مقام الموروث كاليمين في دعوى المال وإن كان البيع بين وكيلين واختلفا في الثمن ففيه وجهان أحدهما يتحالفان لانهما عاقدان فتحالفا كالمالكين والثاني لا يتحالفان لان اليمين تعرض حتى يخاف الظالم منهما فيرجع والوكيل إذا أقر ثم رجع لم يقبل رجوعه فلا تثبت اليمين في حقه فصل في اختلافهم في قدر البيع وإن اختلف المتبايعان في قدر المبيع تحالفا لما ذكرنا في الثمن وإن اختلفا في عين المبيع بأن قال البائع بعتك هذا العبد بألف وقال المشتري بل اشتريت هذه الجارية بألف ففيه وجهان أحدهما يتحالفان لان كل واحد منهما يدعي عقدا ينكره الآخر فأشبه إذا اختلفا في قدر المبيع والثاني أنهما لا يتحالفان بل يحلف البائع أنه ما باعه الجارية ويحلف المشتري أنه ما اشترى العبد وهو اختيار الشيخ أبي حامد الإسفراييني رحمه الله لانهما اختلفا في أصل العقد في العبد والجارية فكان القول فيه قول من ينكر كما لو ادعى أحدهما على الآخر عبدا والآخر جارية من غير عقد فإن أقام البائع بينة أنه باعه العبد وجب على المشتري الثمن فإن كان العبد في يده أقر في يده وإن كان في يد البائع ففيه وجهان أحدهما يجبر المشتري على قبضه لان البينة قد شهدت له بالملك والثاني لا يجبر لان البينة شهدت له بما لا يدعيه فلم يسلم إليه فعلى هذا يسلم إلى الحاكم ليحفظه فصل اختلافهم في الخيار والأجل وإن اختلفا في شرط الخيار أو الأجل أو الرهن أو في قدرها تحالفا لما ذكرناه في الثمن
فإن اختلفا في شرط يفسد البيع ففيه وجهان بناء على القولين في شرط الخيار في الكفالة أحدهما أن القول قول من يدعي الصحة لان الأصل عدم ما يفسد والثاني أن القول قول من يدعي الفساد لان الأصل عدم العقد فكان القول قول من يدعي ذلك فإن اختلفا في الصرف بعد التفرق فقال أحدهما تفرقنا قبل القبض وقال الآخر تفرقنا بعد القبض ففيه وجهان أحدهما أن القول قول من يدعي التفرق قبل القبض لان الأصل عدم القبض والثاني أن القول قول من يدعي التفرق بعد القبض لان الأصل صحة العقد وإن اختلفا بعد التفرق فقال أحدهما تفرقنا عن تراض وقال الآخر تفرقنا عن فسخ البيع ففيه وجهان أحدهما أن القول قول من يدعي التراضي لان الأصل عدم الفسخ وبقاء العقد والثاني أن القول قول من يدعى الفسخ لان الأصل عدم اللزوم ومنع المشتري من التصرف فأما إذا اختلفا في عيب المبيع ومثله يجوز أن يحدث فقال البائع عندك حدث العيب وقال المشتري بل حدث عندك فالقول قول البائع لان الأصل عدم العيب فإن اختلفا في المردود بالعيب فقال المشتري هو المبيع وقال البائع الذي بعتك غير هذا فالقول قول البائع لان الأصل سلامة المبيع وبقاء العقد فكان القول قوله فإن اشترى عبدين فتلف أحدهما ووجد بالآخر عيبا فرده وقلنا إنه يجوز ( له ) أن يرد أحدهما واختلفا في قيمة التالف ففيه قولان أحدهما وهو الصحيح أن القول قول البائع لانه ملك جميع الثمن فلا يزال ملكه إلا عن القدر الذى يقر به كالمشترى والشفيع إذا اختلفا في الثمن فإن القول قول المشتري لانه ملك الشقص فلا يزال إلا بما يقر به والثاني أن القول قول المشترى لانه كالغارم فكان القول قوله فإن باعه عشرة أقفزة من صبرة وسلمها بالكيل فادعى المشتري أنها دون حقه ففيه قولان أحدهما أن القول قول المشتري لان الأصل أنه لم يقبض جميعه والثاني أن القول قول البائع لان العادة فيمن يقبض حقه بالكيل أن يستوفي جميعه فجعل القول قول البائع فصل إذا باعه سلعة بثمن فى الذمة ثم اختلفا إذا باعه سلعة بثمن في الذمة ثم اختلفا فقال البائع لا أسلم المبيع حتى أقبض وقال المشتري لا أسلم الثمن حتى أقبض المبيع فقد اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال فيه ثلاثة أقوال أحدها يجبر البائع على إحضار المبيع والمشتري على إحضار الثمن ثم يسلم إلى كل واحد منهما ماله دفعة واحدة لان التسليم واجب على كل واحد منهما فإذا امتنعا أجبرا كما لو كان لاحدهما على الآخر دراهم وللآخر عليه دنانير والثاني لا يجبر واحد منهما بل يقال من يسلم منكما ما عليه أجبر الآخر على تسليم ما عليه لان على كل واحد منهما حقا في مقابلة حق له فإذا تمانعا لم يجبر واحد منهما كما لو نكل المدعى عليه فردت اليمين على المدعي فنكل والثالث أنه يجبر البائع على تسليم المبيع ثم يجبر المشتري وهو الصحيح لان حق المشتري متعلق بعين وحق البائع في الذمة فقدم ما تعلق بعين كأرش الجناية مع غيرها من الديون ولان البائع يتصرف في الثمن في الذمة فوجب أن يجبر البائع على التسليم ليتصرف المشتري في المبيع ومن أصحابنا من قال المسألة على قول واحد وهو أنه يجبر البائع على تسليم المبيع كما ذكرناه وما سواه من الأقوال ذكره الشافعي عن غيره ولم يختره فعلى هذا ينظر فيه فإن كان المشتري موسرا نظرت فإن كان ماله حاضرا أجبر على تسليمه في الحال وإن كان في داره أو دكانه حجر عليه في المبيع وفي سائر أمواله إلى أن يدفع الثمن لانه إذا لم يحجر عليه لم نأمن أن يتصرف فيه فيضر بالبائع وإن كان غائبا منه على مسافة يقصر فيها الصلاة فللبائع أن يفسخ البيع ويرجع إلى عين ماله لان عليه ضررا في تأخير الثمن فجاز له الرجوع إلى عين ماله كما لو أفلس المشتري
وإن كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة ففيه وجهان أحدهما ليس له أن يختار عين ماله لانه في حكم الحاضر والثانى ( له أن ) يختار عين ماله لانه يخاف عليه الهلاك فيما قرب كما يخاف عليه فيما بعد وإن كان المشتري معسرا ففيه وجهان أحدهما تباع السلعة ويقضى دينه من ثمنها والمنصوص أنه يرجع إلى عين ماله لانه تعذر الثمن بالإعسار فثبت له الرجوع إلى عين ماله كما لو أفلس ( المشتري ) بالثمن وإن كان الثمن معينا ففيه قولان أحدهما يجبران والثاني لا يجبر واحد منهما ويسقط القول الثالث أنه يجبر البائع لان الثمن المعين كالمبيع في تعلق الحق بالعين والمنع من التصرف فيه قبل القبض فصل إن باع من رجل عينا وإن باع من رجل عينا فأحضر المشتري نصف الثمن ففيه وجهان أحدهما لا يجبر البائع على تسليم شيء من المبيع لانه محبوس بدين فلا ( يسلم ) شيء منه بحضور بعض الدين كالرهن والثاني أنه يجبر على تسليم نصف المبيع لان كل واحد منهما عوض عن الآخر وكل جزء من المبيع في مقابلة جزء من الثمن فإذا سلم بعض الثمن وجب تسليم ما في مقابلته ويخالف الرهن في الدين فإن الرهن ليس بعوض من الدين وإنما هو وثيقة به فجاز له حبسه إلى أن يستوفي جميع الدين وإن باع من اثنين عبدا بثمن فأحضر أحدهما نصف الثمن وجب تسليم حصته إليه لانه أحضر جميع ما عليه من الثمن فوجب تسليم ما في مقابلته من المبيع كما لو اشترى عينا وأحضر ثمنها والله أعلم فصل إذا تلف المبيع قبل التسليم إذا تلف المبيع في يد البائع قبل التسليم لم يخل إما أن يكون ثمرة أو غيرها فإن كان غير الثمرة نظرت فإن كان تلفه بآفة سماوية انفسخ البيع لانه فات التسليم المستحق بالعقد فانفسخ البيع كما لو اصطرفا وتفرقا قبل القبض فإن كان المبيع عبدا فذهبت يده بآكلة فالمبتاع بالخيار بين أن يرد وبين أن يمسك فإن اختار الرد رجع بجميع الثمن وإن اختار الإمساك أمسك بجميع الثمن لان الثمن لا ينقسم على الأعضاء فلم يسقط بتلفها شيء من الثمن وإن أتلفه أجنبي ففيه قولان أحدهما أنه ينفسخ البيع لانه فات التسليم المستحق بالعقد فانفسخ البيع كما لو تلف بآفة سماوية والثاني أن المشتري بالخيار بين أن يفسخ البيع ويرجع بالثمن وبين أن يقر البيع ويرجع على الأجنبي بالقيمة لان القيمة عوض عن المبيع فقامت مقامه في القبض فإن كان عبدا فقطع الأجنبي يده فهو بالخيار بين أن يفسخ البيع ويرجع بالثمن وبين أن يجيزه ويرجع على الجاني بنصف قيمته فإن أتلفه البائع ففيه طريقان قال أبو العباس فيه قولان كالأجنبي وقال أكثر أصحابنا ينفسخ البيع قولا واحدا لانه لا يمكن الرجوع على البائع بالقيمة لان المبيع مضمون عليه بالثمن فلا يجوز أن يكون مضمونا عليه بالقيمة بخلاف الأجنبي فإن المبيع غير مضمون عليه بالثمن فجاز أن يضمنه بالقيمة فإن كان عبدا فقطع البائع يده ففيه وجهان قال أبو العباس المبتاع بالخيار إن شاء فسخ البيع ورجع بالثمن وإن شاء أجازه ورجع على البائع بنصف القيمة وقال أكثر أصحابنا هو بالخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أجازه ولا شيء له لانه جزء من المبيع فلا يضمنه البائع بالقيمة قبل القبض كما لو ذهب بآكلة فإن أتلفه المشتري استقر عليه الثمن لان الإتلاف كالقبض ولهذا لو أعتقه جعل إعتاقه كالقبض فكذلك إذا أتلفه فإن كان عبدا فقطع يده لم يجز له أن يفسخ لانه نقص بفعله فإن اندمل ثم تلف في يد البائع رجع البائع على المشتري بأرش النقص فيقوم مع اليد ويقوم بلا يد ثم يرجع بما نقص من الثمن ولا يرجع بما نقص من القيمة لان المبيع مضمون على المشتري بالثمن فلا يجوز أن يرجع عليه بما نقص من القيمة
وإن كان المبيع ثمرة فإن كان على الأرض فهو كغير الثمرة وقد بيناه وإن كانت على الشجر نظرت فإن تلفت قبل التخلية فهي كغير الثمرة إذا هلك قبل أن يقبض وقد بيناه فإن تلفت بعد التخلية ففيه قولان أحدهما أنها تتلف من ضمان المشتري لان التخلية قبض يتعلق به جواز التصرف فدخل في ضمانه كالنقل فيما ينقل والثاني أنها تتلف من ضمان البائع لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن بعت من أخيك تمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم تأخذ مال أخيك بغير حق وروى جابر أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح فإن قلنا بهذا فاختلفا في الهالك فقال البائع الثلث وقال المشتري النصف فالقول قول البائع لان الأصل عدم الهلاك وإن بلغت الثمار وقت الجداد فلم ينقل حتى هلكت كان هلاكها من ضمان المشتري لانه وجب عليه النقل فلم يلزم البائع ضمانها والله أعلم باب السلم السلم جائز لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه قال ابن عباس أشهد أن السلف المضمون إلى أجل قد أحله الله في كتابه وأذن فيه فقال يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه فصل السلم لا يصح إلا من مطلق التصرف ولا يصح السلم إلا من مطلق التصرف في المال لانه عقد على مال فلا يصح إلا من جائز التصرف ( في المال ) كالبيع قال الشافعي رحمه الله ويصح السلم من الأعمى قال المزني رحمه الله أعلم من نطقه أنه أراد الأعمى الذي عرف الصفات قبل أن يعمى قال أبو العباس هذا الذى قاله المزني حسن فأما الأكمه الذي لا يعرف الصفات فلا يصح سلمه لانه يعقد على مجهول وبيع المجهول لا يصح وقال أبو إسحاق يصح السلم من الأعمى وإن كان أكمه لانه يعرف الصفات بالسماع فصل ألفاظ السلم وينعقد بلفظ السلف والسلم وفي لفظ البيع وجهان من أصحابنا من قال لا ينعقد السلم بلفظ البيع فإذا عقد بلفظ البيع كان بيعا ولا يشترط فيه قبض العوض في المجلس لان السلم غير البيع فلا ينعقد بلفظه ومنهم من قال ينعقد لانه نوع بيع يقتضي القبض في المجلس فانعقد بلفظ البيع كالصرف فصل ويثبت فيه خيار المجلس لقوله صلى الله عليه وسلم المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا ولا يثبت فيه خيار الشرط لانه لا يجوز أن يتفرقا قبل تمامه ولهذا لا يجوز أن يتفرقا قبل قبض العوض فلو أثبتنا فيه خيار الشرط أدى إلى أن يتفرقا قبل تمامه فصل التأجيل في السلم ويجوز مؤجلا للآية ويجوز حالا لانه إذا جاز مؤجلا فلان يجوز حالا وهو من الغرر أبعد أولى ويجوز في المعدوم إذا كان موجودا عند المحل لما روى ابن عباس رضي الله عنه قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمرة السنتين والثلاث فقال أسلفوا في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم فلو لم يجز السلم في المعدوم لنهاهم عن السلم في الثمار السنتين والثلاث ويجوز السلم في الموجود لانه إذا جاز السلم في المعدوم فلان يجوز في الموجود أولى لانه أبعد من الغرر فصل فيما يجوز فيه السلم ويجوز السلم في كل مال يجوز بيعه وتضبط صفاته كالأثمان والحبوب والثمار والثياب والدواب والعبيد والجواري والأصواف والأشعار والأخشاب والأحجار والطين والفخار والحديد والرصاص والبلور والزجاج وغير ذلك من الأموال التي تباع وتضبط بالصفات والدليل عليه حديث ابن عباس في الثمار وروى عبد الله بن أبي أوفى قال كنا نسلف ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا في الزيت والحنطة وروى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشا فنفدت الإبل فأمره أن يأخذ على قلاص الصدقة وكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في السلم في الكرابيس إذا كان ذرعا معلوما إلى أجل معلوم فلا بأس وعن أبى النضر قال سئل ابن عمر رضي الله عنهما عن السلم في السرق قال لا بأس والسرق الحرير فثبت جواز السلم فيما رويناه بالأخبار وثبت فيما سواه مما يباع ويضبط بالصفات بالقياس على ما ثبت بالأخبار لانه في معناه فصل فيما لا يجوز فيه السلم وأما ما لا يضبط بالصفة فلا يجوز السلم فيه لانه يقع البيع فيه على مجهول وبيع المجهول لا يجوز قال الشافعي رحمه الله ولا يجوز السلم في النبل لان دقته وغلظه مقصود وذلك لا يضبط ولا يجوز في الجواهر كاللؤلؤ والعقيق والياقوت والفيروزج والمرجان لان صفاءها مقصود وعلى قدر صفائها يكون ثمنها وذلك لا يضبط بالوصف ولا يجوز السلم في الجلود لان جلد الأوراك غليظ وجلد البطن رقيق ولا يضبط قدر رقته وغلظه ولانه مجهول المقدار لانه لا يمكن ذرعه لاختلاف أطرافه ولا يجوز في الرق لانه لا يضبط رقته وغلظه ويجوز في الورق لانه معلوم القدر معلوم الصفة فصل ما عملت فيه النار لا يجوز فيه السلم ولا يجوز فيما عملت فيه النار كالخبز والشواء لان عمل النار فيه يختلف فلا يضبط واختلف أصحابنا في اللبإ المطبوخ فقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني رحمه الله لا يجوز لان النار تعقد أجزاءه فلا يضبط وقال القاضي أبو الطيب الطبري رحمه الله يجوز لان ناره لينة فصل صفات السلم ولا يجوز فيما يجمع أجناسا مقصودة لا تتميز كالغالية والند والمعجون والقوس والخف والحنطة التي فيها الشعير لانه لا يعرف قدر كل جنس منه ولا يجوز فيما خالطه ما ليس بمقصود من غير حاجة كاللبن المشوب بالماء والحنطة التى فيها الزوان لان ذلك يمنع من العلم بمقدار المقصود وذلك غرر من غير حاجة فمنع صحة العقد ويجوز فيما خالطه غيره للحاجة كخل التمر وفيه الماء والجبن وفيه الإنفحة والسمك المملوح وفيه الملح لان ذلك من مصلحته فلم يمنع جواز العقد ويجوز في الأدهان المطيبة لان الطيب لا يخالطه وإنما تعبق به رائحته ولا يجوز في ثوب نسج ثم صبغ لانه سلم في ثوب وصبغ مجهول ويجوز فيما صبغ غزله ثم نسج لانه بمنزلة صبغ الأصل ولا يجوز في ثوب عمل فيه من غير غزله كالقرقوبى لان ذلك لا يضبط واختلف أصحابنا في الثوب المعمول من غزلين فمنهم من قال لا يجوز لانهما جنسان مقصودان لا تتميز أحدهما عن الآخر فأشبه الغالية ومنهم من قال يجوز لانهما جنسان يعرف قدر كل واحد منهما وفي السلم في الرؤوس قولان أحدهما يجوز لانه لحم وعظم فهو كسائر اللحوم والثاني لا يجوز لانه يجمع أجناسا مقصودة لا تضبط بالوصف ولان معظمه العظم وهو غير مقصود فصل السلم في الطير وغيره ولا يجوز السلم في الطير لانه لا يضبط بالسن ولا يعرف قدره بالذرع ولا يجوز السلم في جارية وولدها ولا في جارية وأختها لانه يتعذر وجود جارية وولدها أو جارية وأختها على ما وصف وفي الجارية الحامل طريقان أحدهما لا يجوز السلم فيها لان الحمل مجهول والثاني يجوز لان الجهل بالحمل لا حكم له مع الأم كما نقول في بيع الجارية الحامل وفي السلم في شاة لبون قولان أحدهما لا يجوز لانه سلم في شاة ولبن مجهول والثاني يجوز لان الجهل باللبن لا حكم له مع الشاة كما نقول في بيع شاة لبون فصل وفي السلم في الأوانى المختلفة الأعلى والأسفل كالإبريق والمنارة والكراز وجهان أحدهما لا يجوز لانها مختلفة الأجزاء فلم يجز السلم فيها كالجلود والثاني يجوز لانها يمكن وصفها فجاز السلم فيها كالأسطال المربعة والصحاف الواسعة واختلف أصحابنا في السلم في الدقيق فمنهم من قال لا يجوز وهو قول أبي القاسم الداركي رحمه الله لانه لا يضبط والثاني يجوز لانه يذكر النوع والنعومة والجودة فيصير معلوما ولا يجوز السلم في العقار لان المكان فيه مقصود والثمن يختلف باختلافه فلا بد من تعيينه والعين لا تثبت في الذمة
فصل السلم لا يكون إلا في عام الوجود ولا يجوز السلم إلا في شيء عام الوجود مأمون الانقطاع في المحل فإن أسلم فيما لا يعم كالصيد في موضع لا يكثر فيه أو ثمرة ضيعة بعينها أو جعل المحل وقتا لا يأمن انقطاعه فيه لم يصح لما روى عبد الله بن سلام رضي الله عنه أن زيد بن سعنة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا محمد هل لك أن تبيعني تمرا معلوما إلى أجل معلوم من حائط بني فلان فقال لا يا يهودي ولكن أبيعك تمرا معلوما إلى كذا وكذا من الأجل ولانه لا يؤمن أن يتعذر المسلم فيه وذلك غرر من غير حاجة فمنع صحة العقد فصل السلم لا بد أن يكون في قدر معلوم ولا يجوز السلم إلا في قدر معلوم لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أسلفوا في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم فإن كان في مكيل ذكر كيلا معروفا وإن كان في موزون ذكر وزنا معروفا وإن كان في مذروع ذكر ذرعا معروفا فإن علق العقد على كيل غير معروف كملء زبيل لا يعرف ما يسع أو ملء جرة لا يعرف ما تسع أو زنة صخرة لا يعرف وزنها أو ذراع رجل بعينه لم يجز لان المعقود عليه غير معلوم في الحال لانه لا يؤمن أن يهلك ما علق عليه العقد فلا يعرف قدر المسلم فيه وذلك غرر من غير حاجة فمنع صحة العقد كما لو علقه على ثمرة حائط بعينه وإن أسلم فيما يكال بالوزن وفيما يوزن بالكيل جاز لان القصد أن يكون معلوما والعلم يحصل بذلك وإن أسلم فيما لا يكال ولا يوزن كالجوز والبيض والقثاء والبطيخ والبقل والرؤوس إذا جوزنا السلم فيها أسلم فيها بالوزن وقال أبو إسحاق يجوز أن يسلم في الجوز كيلا لانه لا يتجافى في المكيال والمنصوص هو الأول فصل وجوب وصف المسلم فيه ولا يجوز حتى يصف المسلم فيه بالصفات التي تختلف بها الأثمان كالصغر والكبر والطول والعرض والدور والسمك والنعومة والخشونة واللين والصلابة والرقة والصفاقة والدكورية والأنوثية والثيوبة والبكارة والبياض والحمرة والسواد والسمرة والرطوبة واليبوسة والجودة والرداءة وغير ذلك من الصفات التي تختلف بها الأثمان ويرجع فيما لا يعلم من ذلك إلى نفسين من أهل الخبرة وإن شرط الأجود لم يصح العقد لانه ما من جيد إلا ويجوز أن يكون فوقه ما هو أجود منه فيطالب به فلا يقدر عليه وإن شرط الأردأ ففيه قولان أحدهما لا يصح لانه ما من رديء إلا ويجوز أن يكون دونه ما هو أردأ منه فيصير كالأجود والثاني أنه يصح لانه إن كان ما يحضره هو الأردأ فهو الذي أسلم فيه وإن كان دونه أردأ منه فقد تبرع بما أحضره فوجب قبوله فلا يتعذر التسليم وإن أسلم في ثوب بالصفات التي يختلف بها الثمن وشرط أن يكون وزنه قدرا معلوما ففيه وجهان أحدهما لا يصح وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفراييني لانه لا يتفق ثوب على هذه الصفات مع الوزن المشروط إلا نادرا فيصير كالسلم في جارية وولدها وكالسلم فيما لا يعم وجوده والثاني أنه يجوز لان الشافعي رحمه الله نص على أنه إذا أسلم في آنية وشرط وزنا معلوما جاز فكذلك ههنا فصل في بيان الأجل ومقداره فإن أسلم في مؤجل وجب بيان أجل معلوم لحديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أسلفوا في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ولان الثمن يختلف باختلافه فوجب بيانه كالكيل والوزن وسائر الصفات والأجل المعلوم ما يعرفه الناس كشهور العرب وشهور الفرس وشهور الروم وأعياد المسلمين والنيروز والمهرجان فإن أسلم إلى الحصاد أو إلى العطاء أو إلى عيد اليهود والنصارى لم يصح لان ذلك غير معلوم لانه يتقدم ويتأخر وإن جعله إلى شهر ربيع أو جمادى صح وحمل على الأول منهما
ومن أصحابنا من قال لا يصح حتى يبين والمذهب الأول لانه نص على أنه إذا جعل إلى النفر حمل على النفر الأول فإن قال إلى يوم كذا كان المحل إذا طلع الفجر فإن قال إلى شهر كذا كان المحل إذا غربت الشمس من الليلة التي يرى فيها الهلال فإن قال محله في يوم كذا أو شهر كذا أو سنة كذا ففيه وجهان قال أبو علي بن أبى هريرة يجوز ويحمل على أوله كما لو قال لامرأته أنت طالق في يوم كذا أو شهر كذا أو سنة كذا فإن الطلاق يقع في أولها والثاني لا يجوز وهو الصحيح لان ذلك يقع على جميع أجزاء اليوم والشهر والسنة فإذا لم يبين كان مجهولا ويخالف الطلاق فإنه يجوز إلى أجل مجهول وإذا صح تعلق بأوله بخلاف السلم فإن ذكر شهورا مطلقة حمل على شهور الأهلة لان الشهور في عرف الشرع شهور الأهلة فحمل العقد عليها فإن كان العقد في الليلة التي رئي فيها الهلال اعتبر الجميع بالأهلة وإن كان العقد في أثناء الشهر اعتبر شهرا بالعدد وجعل الباقي بالأهلة فإن أسلم في حال وشرط أنه حال صح العقد وإن أطلق ففيه وجهان أحدهما لا يصح لانه أحد محلي السلم فوجب بيانه كالمؤجل والثاني أنه يصح ويكون حالا لان ما جاز حالا ومؤجلا حمل إطلاقه على الحال كالثمن في المبيع وإن عقد السلم حالا ثم جعله مؤجلا أو مؤجلا فجعله حالا أو زاد في أجله أو نقص نظرت فإن كان ذلك بعد التفرق لم يلحق بالعقد لان العقد استقر فلا يتغير وإن كان قبل التفرق لحق بالعقد وقال أبو علي الطبري إن قلنا إن المبيع انتقل بنفس العقد لم يلحق به والصحيح هو الأول وقد ذكرناه في الزيادة في الثمن فصل حكم إذا أسلم فى جنسين إلى أجل وإن أسلم في جنسين إلى أجل أو في جنس إلى أجلين ففيه قولان أحدهما أنه لا يصح لان ما يقابل أحد الجنسين أقل مما يقابل الآخر وما يقابل أحدهما أجلا أقل مما يقابل الآخر وذلك مجهول فلم يجز والثاني أنه يصح وهو الصحيح لان كل بيع جاز في جنس واحد وأجل واحد جاز في جنسين وفي أجلين كبيع الأعيان ودليل القول الأول يبطل ببيع الأعيان فإنه يجوز إلى أجلين وفي جنسين مع الجهل بما يقابل كل واحد منهما فصل في موضع التسليم وأما بيان موضع التسليم فإنه إن كان العقد في موضع لا يصلح للتسليم كالصحراء وجب بيانه وإن كان في موضع يصلح للتسليم ففيه ثلاثة أوجه أحدها يجب بيانه لانه يختلف الغرض باختلافه فوجب بيانه كالصفات والثاني لا يجب بل يحمل على موضع العقد كما نقول في بيع الأعيان والثالث أنه إن كان لحمله مؤنة وجب بيانه لانه يختلف الثمن باختلافه فوجب بيانه كالصفات التي يختلف الثمن باختلافها فإن لم يكن لحمله مؤنة لم يجب بيانه لانه لا يختلف الثمن باختلافها فلم يجب بيانه كالصفات التي لا يختلف الثمن باختلافها فصل تأخير قبض رأس المال عن المجلس ولا يجوز تأخير قبض رأس المال عن المجلس لقوله صلى الله عليه وسلم أسلفوا في كيل معلوم والإسلاف هو التقديم ولانه إنما سمي سلما لما فيه من تسليم رأس المال فإذا تأخر لم يكن سلما فلم يصح ويجوز أن يكون رأس المال في الذمة ثم يعينه في المجلس ويسلمه ويجوز أن يكون معينا فإن كان في الذمة نظرت فإن كان من الأثمان حمل على نقد البلد وإن كان في البلد نقود حمل على الغالب منها وإن لم يكن في البلد نقد غالب وجب بيان نقد معلوم وإن كان رأس المال عرضا وجب بيان الصفات التي تختلف بها الأثمان لانه عوض في الذمة غير معلوم بالعرف فوجب بيان صفاته كالمسلم فيه وإن كان رأس المال معينا ففيه قولان أحدهما يجب ذكر صفاته ومقداره لانه لا يؤمن أن ينفسخ السلم بانقطاع المسلم فيه فإذا لم يعرف مقداره وصفته لم يعرف ما يرده
والثاني لا يجب ذكر صفاته ومقداره لانه عوض فى عقد لا يقتضي رد المثل فوجب أن تغني المشاهدة عن ذكر صفاته ومقداره كالمهر والثمن في البيع وإن كان رأس المال مما لا يضبط بالصفة كالجواهر وغيرها فعلى القولين إن قلنا يجب ذكر صفاته لم يجز أن يجعل ذلك رأس المال لانه لا يمكن ذكر صفاته وإن قلنا لا يجب جاز أن يجعل ذلك رأس المال لانه معلوم بالمشاهدة والله أعلم باب تسليم المسلم فيه إذا حل دين السلم وجب على المسلم إليه تسليم المسلم فيه على ما اقتضاه العقد فإن كان المسلم فيه تمرا لزمه ما يقع عليه اسم التمر على الإطلاق فإن أحضر حشفا أو رطبا لم يقبل منه فإن كان رطبا لزمه ما يقع عليه اسم الرطب على الإطلاق ولا يقبل منه بسر ولا منصف ولا مذنب ولا مشدخ وإن كان طعاما لزمه ما نقي من التبن فإن كان فيه قليل تراب نظرت فإن كان أسلم فيه كيلا قبل منه لان القليل من التراب لا يظهر في الكيل وإن كان أسلم فيه وزنا لم يقبل منه لانه يظهر في الوزن فيكون المأخوذ من الطعام دون حقه وإن كان عسلا لزمه ما صفى من الشمع فإن أسلم إليه في ثوب فأحضر ثوبا أجود منه لزمه قبوله لانه أحضر المسلم فيه وفيه زيادة صفة لا تتميز فلزمه قبوله فإن جاءه بالأجود وطلب عن الزيادة عوضا لم يجز لانه بيع صفة والصفة لا تفرد بالبيع فإن أتاه بثوب ردىء لم يجبر على قبوله لانه دون حقه فإن قال خذه وأعطيك للجودة درهما لم يجز لانه بيع صفة ولانه بيع جزء من المسلم فيه قبل قبضه فإن أسلم في نوع من جنس فجاءه بنوع آخر من ذلك الجنس كالمعقلي عن البرني والهروي عن المروي ففيه وجهان قال أبو إسحاق لا يجوز لانه غير الصنف الذي أسلم فيه فلم يجز أخذه عنه كالزبيب عن التمر وقال أبو على بن أبى هريرة يجوز لان النوعين من جنس واحد بمنزلة النوع الواحد ولهذا يحرم التفاضل في بيع أحدهما بالآخر وبضم أحدهما إلى الآخر في إكمال النصاب في الزكاة فإن اتفق أن يكون رأس المال على صفة المسلم فيه فأحضره ففيه وجهان أحدهما لا يجوز قبوله لانه يصير الثمن هو المثمن والعقد يقتضي أن يكون الثمن غير المثمن والثاني أنه يجوز لان الثمن هو الذي سلم إليه والمثمن هو الموصوف وإن أسلم إلى محل فأحضر المسلم فيه قبله أو شرط أن يسلم إليه في مكان فأحضر المسلم فيه في غير ذلك المكان فامتنع المسلم من أخذه نظرت فإن كان له غرض صحيح في الامتناع من أخذه بأن يلزمه في حفظه مؤن أو عليه في حمله مشقة أو يخاف عليه أن يهلك أو يؤخذ لم يلزمه أخذه وإن لم يكن له غرض صحيح في الامتناع ( من أخذه ) لزمه أخذه فإن لم يأخذه رفع إلى الحاكم ليأخذه عنه والدليل عليه ما روي أن أنسا رضي الله عنه كاتب عبدا له على مال إلى أجل فجاءه بمال قبل الأجل فأبى أن يأخذه فأتى عمر رضي الله عنه فأخذه منه وقال له اذهب فقد عتقت ولانه زاده بالتقديم خيرا فلزمه قبوله وإن سأله المسلم أن يقدمه قبل المحل فقال أنقصني من الدين حتى أقدمه ففعل لم يجز لانه بيع أجل والأجل لا يفرد بالبيع ولان هذا في معنى ربا الجاهلية فإنه كان في الجاهلية يقول من عليه الدين زدني في الأجل أزدك في الدين فصل وإن أسلم إليه في طعام بالكيل أو اشترى منه طعاما بالكيل فدفع إليه الطعام من غير كيل لم يصح القبض لان المستحق قبض بالكيل فلا يصح قبض بغير الكيل فإن كان المقبوض باقيا رده على البائع ليكيله له