Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
وأما اليوم الذي يدخل فيه ويخرج فلا يحتسب به لانه مسافر فيه فإقامته في بعضه لا تمنعه من كونه مسافرا لانه ما من مسافر إلا ويقيم بعض اليوم ولان مشقة السفر لا تزول إلا بإقامة يوم فإن نوى إقامة أربعة أيام على حرب ففيه قولان أحدهما يقصر لما روى أنس رضي الله عنه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاموا برام هرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة والثاني لا يقصر لانه نوى إقامة أربعة أيام لا سفر فيها فلا يقصر كما لو نوى الإقامة في غير حرب وأما إذا أقام في بلد على حاجة إذا تنجزت رحل ولم ينو مدة ففيه قولان أحدهما يقصر سبعة عشر يوما لان الأصل التمام إلا فيما وردت فيه الرخصة وقد روى ابن عباس رضي الله عنه قال سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام سبعة عشر يوما يقصر الصلاة وبقي فيما زاد على حكم الأصل والثاني يقصر أبدا لانها إقامة على تنجز حاجة يرحل بعدها فلم يمنع القصر كالإقامة في سبعة عشر يوما وخرج أبو إسحق قولا ثالثا أنه يقصر إلى أربعة أيام لان الإقامة أبلغ من نية الإقامة لان الإقامة لا يلحقها الفسخ والنية يلحقها الفسخ ثم ثبت أنه لو نوى إقامة أربعة أيام لم يقصر فلان لا يقصر إذا أقام أولى فصل في قضاء فائتة السفر إذا فاتته صلاة في السفر فقضاها في الحضر ففيه قولان قال في القديم له أن يقصر لانها صلاة سفر فكان قضاؤها كأدائها في العدد كما لو فاتته في الحضر فقضاها في السفر وقال في الجديد لا يجوز له القصر وهو الأصح لانه تخفيف تعلق بعذر فزال بزوال ذلك العذر كالقعود في صلاة المريض وإن فاتته في السفر فقضاها في السفر ففيه قولان أحدهما لا يقصر لانها صلاة ردت من أربع إلى ركعتين فكان من شرطها الوقت كصلاة الجمعة والثاني له أن يقصر وهو الأصح لانه تخفيف تعلق بعذر والعذر باق فكان التخفيف باقيا كالقعود في صلاة المريض وإن فاتته في الحضر صلاة فأراد قضاءها في السفر لم يجز له القصر لانه ثبت في ذمته صلاة تامة فلم يجز له القصر كما لو نذر أن يصلي أربع ركعات وقال المزني له أن يقصر كما لو فاته صوم يوم في الحضر فذكره في السفر فإن له أن يفطر وهذا لا يصح لان الصوم تركه في حال الأداء وقد كان له تركه وههنا تركه في حال الأداء لم يكن له أن يقصر فوزانه من الصوم أن يتركه من غير عذر فلا يجوز له تركه في السفر فأما إذا دخل عليه وقت الصلاة وتمكن من فعلها ثم سافر فإن له أن يقصر وقال المزني لا يجوز له أن يقصر ووافقه عليه أبو العباس لان السفر يؤثر في الصلاة كما يؤثر في الحيض ثم لو طرأ الحيض بعد الوجوب والقدرة على فعلها لم يؤثر ذلك فكذلك السفر والمذهب الأول لأن لاعتبار في صفة الصلاة بحال الأداء لا بحال الوجوب والدليل عليه أنه لو دخل عليه وقت الظهر وهو عبد فلم يصل حتى عتق صار فرضه الجمعة وهذا في حال الأداء مسافر فوجب أن يقصر ويفارق الحيض لانه يؤثر في إسقاط الفرض فلو أثر ما طرأ منه بعد القدرة على الأداء أفضى إلى إسقاط الفرض بعد الوجوب والقدرة والسفر يؤثر في العدد فلا يفضي إلى إسقاط الفرض بعد الوجوب ولان الحائض تفعل القضاء والقضاء يتعلق بالوجوب والقدرة عليه والمسافر يفعل الأداء وكيفية الأداء تعتبر بحال الأداء والأداء في حال السفر وإن سافر بعد ما ضاق الوقت كان له أن يقصر
وقال أبو الطيب بن سلمة لا يقصر لانه تعينت عليه صلاة حضر فلا يجوز له القصر والمذهب الأول لما ذكرناه مع المزني وأبي العباس وقوله تعينت عليه صلاة حضر يبطل بالعبد إذا عتق في وقت الظهر وإن سافر وقد بقي من الوقت أقل من قدر الصلاة فإن قلنا إنه مود لجميع الصلاة جاز له القصر وإن قلنا إنه مؤد لما فعل في الوقت قاض لما فعل بعد الوقت لم يجز له القصر فصل في الجمع بين الصلاتين في السفر يجوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في السفر الذي تقصر فيه الصلاة لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء وروى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الظهر والعصر في السفر وفي السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة قولان أحدهما يجوز لانه سفر يجوز فيه التنفل على الراحلة فجاز فيه الجمع كالسفر الطويل والثاني لا يجوز وهو الأصح لانه إخراج عبادة عن وقتها فلم يجز في السفر القصير كالفطر في الصوم فصل في وقت الجمع ويجوز الجمع بينهما في وقت الأولى منهما وفي وقت الثانية غير أنه إن كان نازلا في وقت الأولى فالأفضل أن يقدم الثانية وإن كان سائرا فالأفضل أن يؤخر الأولى إلى وقت الثانية لما روى ابن عباس رضي الله عنه قال ألا أخبركم عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس وهو في المنزل قدم العصر إلى وقت الظهر وجمع بينهما في الزوال وإذا سافر قبل الزوال أخر الظهر إلى وقت العصر ثم جمع بينهما في وقت العصر ولان هذا أرفق بالمسافر فكان أفضل وإن أراد الجمع في وقت الأولى لم يجز إلا بثلاثة شروط أحدها أن ينوي الجمع وقال المزني يجوز الجمع من غير نية الجمع وهذا خطأ لانه جمع فلا يجوز من غير نية كالجمع في وقت الثانية ولان العصر قد يفعل في وقت الظهر على وجه الخطإ فلا بد من نية الجمع ليتميز التقديم المشروع من غيره وفي وقت النية قولان أحدهما يلزمه أن ينوي عند ابتداء الأولى لانها نية واجبة للصلاة فلا يجوز تأخيرها عن الإحرام كنية الصلاة ونية القصر والثاني يجوز أن ينوي قبل الفراغ من الأولى وهو الأصح لان النية تقدمت على حال الجمع فأشبه إذا نوى عند الإحرام والشرط الثاني الترتيب وهو أن يقدم الأولى ثم يصلي الثانية لان الوقت للأولى وإنما يفعل الثانية تبعا للأولى فلا بد من تقديم المتبوع والشرط الثالث التتابع وهو ألا يفرق بينهما والدليل عليه أنهما كالصلاة الواحدة فلا يجوز أن يفرق بينهما كما لا يجوز أن يفرق بين الركعات في صلاة واحدة فإن فصل بينهما بفصل طويل بطل الجمع وإن فصل بينهما بفصل يسير لم يضر وإن أخر الأولى إلى الثانية لم يصح إلا بالنية لانه قد يؤخر للجمع وقد يؤخر لغيره فلا بد من نية يتميز بها التأخير المشروع عن غيره ويجب أن ينوي في وقت الأولى وأما الترتيب فليس بواجب لان وقت الثانية وقت الأولى فجاز البداية بما شاء منهما وأما التتابع فلا يجب لان الأولى مع الثانية كصلاة فائتة مع صلاة حاضرة فجاز التفريق بينهما فصل في الجمع بين الصلاتين بعذر المطر ويجوز الجمع بين الصلاتين في المطر في وقت الأولى منهما لما روى ابن عباس رضي الله عنه قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء جمعا من غير خوف ولا سفر قال مالك رحمه الله أرى ذلك في وقت المطر وهل يجوز أن يجمع بينهما في وقت الثانية فيه قولان قال في الإملاء يجوز لانه عذر يجوز الجمع به في وقت الأولى فجاز الجمع في وقت الثانية كالسفر وقال في الأم لا يجوز لانه إذا أخر ربما انقطع المطر فجمع من غير عذر فصل في اشتراط المطر قبل الجمع
فإذا دخل في الظهر من غير مطر ثم جاء المطر لم يجز له الجمع لان سبب الرخصة حدث بعد الدخول فلم يتعلق به كما لو دخل في صلاة ثم سافر فإن أحرم بالأولى مع المطر ثم انقطع في أثنائها ثم عاد قبل أن يسلم ودام حتى أحرم بالثانية جاز الجمع لان العذر موجود في حال الجمع وإن عدم فيما سواها من الأحوال لم يضر لانه ليس بحال الدخول ولا بحال الجمع فصل في صفة المطر ولا يجوز الجمع إلا في مطر يبل منه الثياب وأما المطر الذي لا يبل الثياب فلا يجوز الجمع لاجله لانه لا يتأذى به وأما الثلج فإن كان يبل الثياب فهو كالمطر وإن لم يبل الثياب لم يجز الجمع ( لاجله ) فأما الوحل والريح والظلمة والمرض فلا يجوز الجمع لاجلها فإنها قد كانت في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينقل أنه جمع لاجلها وإن كان يصلي في بيته أو في مسجد ليس في طريقه إليه مطر ففيه قولان قال في القديم لا يجوز لانه لا مشقة عليه في فعل الصلاة في وقتها وقال في الإملاء يجوز لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع في المسجد وبيوت أزواجه إلى المسجد وبجنب المسجد باب صلاة الخوف تجوز صلاة الخوف في قتال الكفار لقوله عز وجل وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم وكذلك يجوز في كل قتال مباح كقتال أهل البغي وقتال قطاع الطريق لانه قتال جائز فهو كقتال الكفار وأما في القتال المحظور كقتال أهل العدل وقتال أصحاب الأموال لاخذ أموالهم فلا يجوز فيه صلاة الخوف لان ذلك رحمة وتخفيف فلا يجوز أن يتعلق بالمعاصي ولان فيه إعانة على المعصية وهذا لا يجوز فصل في كيف الصلاة في مقابلة العدو وإذا أراد الصلاة لم يخل إما أن يكون العدو في جهة القبلة أو في غيرها فإن كان في غير جهة القبلة ولم يؤمنوا وفي المسلمين كثرة جعل الإمام الناس طائفتين طائفة في وجه العدو وطائفة تصلي معه ويجوز أن يصلي بالطائفة التي معه جميع الصلاة ثم تخرج إلى وجه العدو ثم تجيء الطائفة الأخرى فيصلي بهم فيكون متنفلا بالثانية وهم مفترضون والدليل عليه ما روى أبو بكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بالذين خلفه ركعتين وبالذين جاءوا ركعتين فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم أربعا ولهؤلاء ركعتين ويجوز أن يصلي بإحدى الطائفتين بعض الصلاة وبالأخرى البعض وهو أفضل من أن يصلي بكل واحدة منهم جميع الصلاة لانه أخف فإن كانت الصلاة ركعتين صلى بالطائفة التي معه ركعة ويثبت قائما وأتمت الطائفة لانفسهم وتنصرف إلى وجه العدو وتجيء الطائفة الأخرى ويصلي معهم الركعة التي بقيت من صلاته ويثبت جالسا وأتمت الطائفة الأخرى ( بأنفسهم ) ثم يسلم بهم والدليل عليه ما روى صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف فذكر مثل ما قلنا فصل في مفارقة الطائفة الأولى للإمام وتفارق الطائفة الأولى الإمام حكما وفعلا فإن لحقها سهو بعد المفارقة لم يتحمل عنهم الإمام وإن سها الإمام لم يلزمهم سهوه وهل يقرأ الإمام في نتظاره قال في موضع إذا جاءت الطائفة الثانية قرأ وقال في موضع يطيل القراءة حتى تدركه الطائفة الثانية فمن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما لا يقرأ حتى تجيء الطائفة الثانية فيقرأ معها لانه قرأ مع الطائفة الأولى قراءة تامة فيجب أن يقرأ مع الثانية أيضا قراءة تامة والقول الثاني أنه يقرأ وهو الأصح لان أفعال الصلاة لا تخلو من ذكر والقيام لا يصلح لذكر غير القراءة فوجب أن يقرأ ومن أصحابنا من قال إن أراد أن يقرأ سورة قصيرة لم يقرأ حتى لا يفوت القراءة على الطائفة الثانية وإن أراد أن يقرأ سورة طويلة قرأ لانه لا يفوت عليهم القراءة وحمل القولين على هذين الحالين
وأما الطائفة الثانية فإنهم يفارقون الإمام فعلا ولا يفارقونه حكما فإن سهوا تحمل عنهم الإمام وإن سها الإمام لزمهم سهوه ومتى يفارقونه قال الشافعي رحمه الله في سجود السهو يفارقونه بعد التشهد لان المسبوق لا يفارق الإمام إلا بعد التشهد وقال في الأم يفارقونه عقيب السجود في الثانية وهو الأصح لان ذلك أخف ويفارق المسبوق لان المسبوق لا يفارق حتى يسلم الإمام وهذا يفارق قبل التسليم فإذا قلنا بهذا فهل يتشهد الإمام في حال الانتظار فيه طريقان من أصحابنا من قال فيه قولان كالقراءة ومنهم من قال يتشهد قولا واحدا أو يخالف القراءة فإن في القراءة قد قرأ مع الطائفة الأولى فلم يقرأ حتى تدركه الطائفة الثانية فيقرأ معها والتشهد لم يفعله مع الطائفة الأولى فلا ينتظر فصل في كون صلاة الخوف مغربا وإن كانت الصلاة مغربا صلى بإحدى الطائفتين ركعة وبالأخرى ركعتين وفي الأفضل قولان قال فى الإملاء الأفضل أن يصلي بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين لما روي أن عليا رضي الله عنه صلى ليلة الهرير هكذا وقال في الأم الأفضل أن يصلي بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة وهو الأصح لان ذلك أخف لانه تتشهد كل طائفة تشهدين وعلى القول الآخر تتشهد الطائفة الثانية ثلاث تشهدات فإن قلنا بقوله في الإملاء فارقته الطائفة الأولى في القيام في الركعة الثانية لان ذلك موضع قيامها وإذا قلنا بقوله في الأم فارقته بعد التشهد لانه موضع تشهدها وكيف ينتظر الإمام الطائفة الثانية فيه قولان قال في المختصر ينتظرهم جالسا حتى يدركوا معه القيام من أول الركعة لانه إذا انتظرهم قائما فاتهم معه بعض القيام وقال في الأم إن انتظرهم قائما فحسن وإن انتظرهم جالسا فجائز فجعل الانتظار قائما أفضل وهو الأصح لان القيام أفضل من القعود ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم فصل في كيف الصلاة الرباعية في الخوف وإن كانت الصلاة ظهرا أو عصرا أو عشاء وكان في الحضر صلى بكل طائفة ركعتين وإن جعلهم أربع فرق وصلى بكل طائفة ركعة ففي صلاة الإمام قولان أحدهما أنها تبطل لان الرخصة وردت بانتظارين فلا تجوز الزيادة عليهما والثاني أنها لا تبطل وهو الأصح لانه قد يحتاج إلى أربع انتظارات بأن يكون المسلمون أربعمائة والعدو ستمائة فيحتاج أن يقف بإزاء العدو ثلثمائة ويصلي بمائة مائة ولان الانتظار الثالث والرابع بالقيام والقراءة والجلوس والذكر وذلك لا يبطل الصلاة فإن قلنا إن صلاة الإمام لا تبطل صحت صلاة الطائفة الأخيرة لانهم لم يفارقوا الإمام والطائفة الأولى والثانية والثالثة فارقوه بغير عذر ومن فارق الإمام بغير عذر ففي بطلان صلاته قولان فإن قلنا إن صلاة الإمام تبطل ففي وقت بطلانها وجهان قال أبو العباس تبطل بالانتظار الثالث فتصح صلاة الطائفة الأولى والثانية والثالثة وأما الرابعة فإن علموا ببطلان صلاته بطلت صلاتهم وإن لم يعلموا لم تبطل وقال أبو إسحق المنصوص أنه تبطل صلاة الإمام بالانتظار الثاني لان النبي صلى الله عليه وسلم انتظر الطائفة الأولى حتى فرغت ورجعت إلى وجه العدو وجاءت الطائفة الأخرى وانتظر ( الثانية ) بقدر ما أتمت صلاتها وهذا قد زاد على ذلك لانه انتظر الطائفة الأولى حتى أتمت صلاتها ومضت إلى وجه العدو ( وانتظر الثانية حتى أتمت صلاتها ومضت إلى وجه العدو ) وجاءت الطائفة الثالثة وهذا زائد على انتظار رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى هذا إن علمت الطائفة الثالثة بطلت صلاتهم وإن لم يعلموا لم تبطل فصل في إذا كان العدو قبل القبلة وإن كان العدو من ناحية القبلة لا يسترهم عنهم شيء وفي المسلمين كثرة صلى بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان فيحرم بالطائفتين ويسجد معه الصف الذي يليه فإذا رفعوا سجد الصف الآخر فإذا سجد في الثانية حرس الصف الذي سجد في الأولى وسجد الصف الآخر فإذا رفعوا سجد الصف الآخر لما روى جابر وابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى هكذا فصل في فيما يدع حمله في الصلاة
ولا يحمل في الصلاة سلاحا نجسا ولا ما يتأذى به الناس من الرمح في وسط الناس وهل يجب حمل ما سواه قال في الأم يستحب وقال بعده يجب قال أبو إسحاق المروزي فيه قولان أحدهما يجب لقوله عز وجل ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم فدل على أن عليهم جناحا إذا وضعوا من غير أذى ولا مرض والثاني لا يجب لان السلاح إنما يجب حمله للقتال وهو غير مقاتل في حال الصلاة فلم يجب حمله ومن أصحابنا من قال إن كان السلاح يدفع به عن نفسه كالسيف والسكين وجب حمله وإن كان يدفع به عن نفسه وعن غيره كالرمح والسنان لم يجب وحمل القولين على هذين الحالين والصحيح ما قال أبو إسحاق فصل في كيف الصلاة إذا اشتد الخوف وإن اشتد الخوف ولم يتمكن من تفريق الجيش صلوا رجالا وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها لقوله عز وجل فإن خفتم فرجالا أو ركبانا قال ابن عمر مستقبلي القبلة وغير مستقبليها وروى نافع عن ابن عمر رضي الله عنه إذا كان الخوف أكثر من ذلك صلى راكبا وقائما يومىء إيماء قال الشافعي رحمه الله ولا بأس أن يضرب الضربة ويطعن الطعنة فإن تابع أو عمل ما يطول بطلت صلاته وحكى الشيخ أبو حامد الإسفراييني عن أبي العباس رحمهما الله أنه قال إن لم يكن مضطرا إليه بطلت صلاته وإن كان مضطرا إليه لم تبطل كالمشي وحكى عن بعض أصحابنا أنه قال إن اضطر إليه فعل ولكن تلزمه الإعادة كما نقول فيمن لم يجد ماء ولا ترابا إنه يصلي ويعيد فإن استفتح الصلاة راكبا ثم أمن فنزل فإن استدبر القبلة في النزول بطلت صلاته لانه ترك القبلة من غير خوف وإن لم يستدبر قال الشافعي رحمه الله بنى على صلاته لانه عمل قليل فلم يمنع البناء وإن استفتحها راجلا فخاف فركب قال الشافعي ابتدأ الصلاة وقال أبو العباس إن لم يكن مضطرا إليه ابتدأ لانه عمل كثير لا ضررورة به إليه وإن كان مضطرا لم تبطل لانه مضطر إليه فلم تبطل كالمشي وقول أبي العباس أقيس والأول أشبه بظاهر النص فصل في إعادة صلاة الخوف إذا رأوا سوادا فظنوه عدوا وصلوا صلاة شدة الخوف ثم بان أنه لم يكن عدوا ففيه قولان أحدهما تجب الإعادة لانه فرض فلم يسقط بالخطإ كما لو ظن أنه أتى بفرض ثم علم أنه لم يأت به والثاني لا إعادة عليه وهو الأصح لان العلة في جواز الصلاة شدة الخوف والعلة موجودة في حال الصلاة فوجب أن يجزئه كما لو رأى عدوا فظن أنهم على قصده فصلى بالإيماء ثم علم أنهم لم يكونوا على قصده فأما إذا رأى العدو فخافهم فصلى صلاة شدة الخوف ثم بان أنه كان بينهم حاجز من خندق أو ماء ففيه طريقان من أصحابنا من قال على قولين كالتى قبلها ومنهم من قال تجب الإعادة ههنا قولا واحدا لانه فرط في ترك تأمل المانع فلزمه الإعادة فأما إذا غشيه سيل أو طلبه سبع جاز أن يصلي صلاة شدة الخوف فإذا أمن لم تلزمه الإعادة قال المزني قياس قول الشافعي رحمه الله أن الإعادة عليه لانه عذر نادر والمذهب الأول لان جنس الخوف معتاد فسقط الفرض بجميعه باب ما يكره لبسه وما لا يكره يحرم على الرجل استعمال الديباج والحرير في اللبس والجلوس وغيرهما لما روى حذيفة قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه وقال هو لهم في الدنيا ولكم في الآخرة فإن كان بعض الثوب إبريسما وبعضه قطنا فإن كان الإبريسم أكثر لم يحل وإن كان أقل كالخز لحمته صوف وسداه إبريسم حل لما روي عن ابن عباس قال إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت من الحرير فأما العلم وسدا الثوب فليس به بأس ولان السرف يظهر بالأكثر دون الأقل وإن كان نصفين ففيه وجهان أحدهما أنه يحرم لانه ليس الغالب الحلال
والثاني أنه يحل وهو الأصح لان التحريم يثبت بغلبة المحرم والمحرم ليس بغالب إن كان في الثوب قليل من الحرير والديباج كالجبة المكفوفة بالحرير والمجيب بالديباج وما أشبههما لم يحرم ذلك لما روى علي رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحرير إلا في موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع وروي أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم جبة مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج فإن كان له جبة محشوة بالإبريسم لم يحرم لبسها لان السرف فيها غير ظاهر فصل في توقى لبس الديباج قال في الأم وإن توقى المحارب لبس الديباج كان أحب إلي فإن لبسه فلا بأس والدليل عليه أنه يحصنه ويمنع من وصول السلاح إليه وإن احتاج إلى لبس الحرير للحكة جاز لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله عنهما في لبس الحرير من الحكة فصل في حرمة الذهب على الرجال فأما الذهب فلا يحل للرجال استعماله لما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحرير والذهب إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لاناثها ولا فرق في الذهب بين القليل والكثير لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التختم بالذهب فحرم الخاتم مع قلته ولان السرف في الجميع ظاهر وإن كان في الثوب ذهب قد صدىء وتغير بحيث لا يبين لم يحرم لبسه لانه ليس فيه سرف ظاهر وإن كان له درع منسوج بالذهب أو بيضة مطلية بالذهب وأراد لبسها في الحرب فإن وجد ما يقوم مقامه لم يجز وإن لم يجد وفاجأته الحرب جاز لانه موضع ضرورة فإن اضطر إلى استعمال الذهب جاز لما روي أن عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من فضة فأنتن عليه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفا من ذهب ويحل للنساء لبس الحرير ولبس الحلي من الذهب لحديث علي كرم الله وجهه فصل فيما يجوز من الجلود ويجوز أن يلبس دابته وأداته جلد ما سوى الكلب والخنزير لانه إن كان مدبوغا فهو طاهر وإن كان غير مدبوغ فالمنع من استعماله للنجاسة ولا تعبد على الدابة والأداة وأما جلد الكلب والخنزير فلا يجوز استعماله في شيء من ذلك لان الخنزير لا يحل الانتفاع به والكلب لا يحل إلا لحاجة وهو الصيد وحفظ الماشية والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان ولا حاجة إلى الانتفاع بجلده بعد الدباغ فلم يحل وبالله التوفيق باب صلاة الجمعة صلاة الجمعة واجبة لما روى جابر رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اعلموا أن الله تعالى فرض عليكم الجمعة فمن تركها في حياتي أو بعد موتي وله إمام عادل أو جائر استخفافا أو جحودا فلا جمع الله له شمله ولا بارك له في أمره فصل فيمن لا تجب عليه الجمعة ولا تجب الجمعة على صبي ولا مجنون لانه لا تجب عليهما سائر الصلوات فالجمعة أولى ولا تجب على المرأة لما روى جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا على امرأة أو مسافر أو عبد أو مريض ولانها تختلط بالرجال وذلك لا يجوز ولا تجب على المسافر للخبر ولانه مشغول بالسفر وأسبابه فلو أوجبنا عليه انقطع عنه ولا تجب على العبد للخبر ولانه ينقطع عن خدمة مولاه ولا تجب على المريض للخبر ولانه يشق عليه القصد
وأما الأعمى فإنه إن كان له قائد لزمه وإن لم يكن له قائد لم تلزمه لانه يخاف الضرر مع عدم القائد ولا يخاف مع القائد ولا تجب على المقيم في موضع لا يسمع النداء من البلد الذي تقام فيه الجمعة أو القرية التي تقام فيها الجمعة لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الجمعة على من سمع النداء والاعتبار في سماع النداء أن يقف المؤذن في طرف البلد والأصوات هادئة والريح ساكنة وهو مستمع فإذا سمع لزمه وإن لم يسمع لم تلزمه ولا تجب على خائف على نفسه أو ماله لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر قالوا يا رسول الله وما العذر قال خوف أو مرض ولا تجب على من في طريقه إلى المسجد مطر يبل ثيابه لانه يتأذى بالقصد ولا تجب على من له مريض يخاف ضياعه لان حق المسلم آكد من فرض الجمعة ولا تجب على من له قريب أو صهر أو ذو ود يخاف موته لما روي أنه استصرخ على سعيد بن زيد وابن عمر يسعى إلى الجمعة فترك الجمعة ومضى إليه وذلك لما بينهما من القرابة فإنه ابن عمه ولانه يلحقه بفوات ذلك من الألم أكثر مما يلحقه من مرض أو أخذ مال فصل فيمن لا جمعة عليه إذا حضر المسجد ومن لا جمعة عليه لا تجب عليه وإن حضر الجامع إلا المريض ومن في طريقه مطر لانه إنما لم تجب عليهما للمشقة وقد زالت بالحضور وإن اتفق يوم عيد ويوم جمعة فحضر أهل السواد فصلوا العيد جاز أن ينصرفوا ويتركوا الجمعة لما روي أن عثمان رضي الله عنه قال في خطبته أيها الناس قد اجتمع عيدان في يومكم هذا فمن أراد من أهل العالية أن يصلي معنا الجمعة فليصل ومن أراد أن ينصرف فلينصرف ولم ينكر عليه أحد ولانهم إذا قعدوا في البلد لم يتهيأوا بالعيد فإن خرجوا ثم رجعوا للجمعة كان عليهم في ذلك مشقة والجمعة تسقط بالمشقة ومن أصحابنا من قال تجب عليهم الجمعة لان من لزمته الجمعة في غير يوم العيد وجبت عليه في يوم العيد كأهل البلد والمنصوص في الأم هو الأول فصل في التخيير بين الظهر والجمعة ومن لا جمعة عليه مخير بين الظهر والجمعة فإن صلى الجمعة أجزأه عن الظهر لان الجمعة إنما سقطت عنه لعذر فإذا حمل على نفسه وفعل أجزأه كالمريض إذا حمل على نفسه فصلى من قيام وإذا أراد أن يصلي الظهر جاز لانه فرضه غير أن المستحب ألا يصلي حتى يعلم أن الجمعة قد فاتت لانه ربما زال العذر فيصلى الجمعة فإن صلى في أول الوقت ثم زال عذره والوقت باق لم تجب عليه الجمعة وقال أبو بكر بن الحداد المصري إذا صلى الصبي الظهر ثم بلغ والوقت باق لزمه الجمعة وإن صلى غيره من المعذورين لم تلزمه الجمعة لان ما صلى الصبي ليس بفرض وما صلى غيره فرض والمذهب الأول لان الشافعي نص على أن الصبي إذا صلى في غير يوم الجمعة الظهر ثم بلغ والوقت باق لم تجب عليه إعادة الظهر فكذلك الجمعة وإن صلى المعذور الظهر ثم صلى الجمعة سقط الفرض بالظهر وكانت الجمعة نافلة وحكى أبو إسحاق المروزي أنه قال في القديم يحتسب الله له بأيتهما شاء والصحيح هو الأول وإن أخر المعذور الصلاة حتى فاتت الجمعة صلى الظهر في الجماعة قال الشافعي رحمه الله وأحب إخفاء الجماعة لئلا يتهموا في الدين قال أصحابنا فإن كان عذرهم ظاهرا لم يكره إظهار الجماعة لانهم لا يتهمون مع ظهور العذر وأما من تجب عليه الجمعة فلا يجوز له أن يصلي الظهر قبل فوات الجمعة فإنه مخاطب بالسعي إلى الجمعة فإن صلى الظهر قبل صلاة الإمام ففيه قولان قال في القديم يجزئه لان الفرض هو الظهر لانه لو كان الفرض هو الجمعة لوجب قضاؤها كسائر الصلوات
وقال في الجديد لا يجزئه ويلزمه إعادتها وهو الصحيح لان الفرض هو الجمعة لانه لو كان الفرض هو الظهر والجمعة بدل عنه لما أثم بترك الجمعة إلى الظهر كما لا يأثم بترك الصوم إلى العتق في الكفارة وقال أبو إسحاق أن اتفق أهل بلد على فعل الظهر أثموا بترك الجمعة إلا أنه يجزئهم لان كل واحد منهم لا تنعقد به الجمعة والصحيح أنه لا يجزئهم على قوله الجديد لانهم صلوا الظهر وفرض الجمعة متوجه عليهم فصل في السفر قبيل الجمعة ومن لزمته الجمعة وهو يريد السفر فإن كان يخاف فوت السفر جاز له ترك الجمعة لانه ينقطع عن الصحبة فينتظر وإن لم يخف الفوت لم يجز أن يسافر بعد الزوال لان الفرض قد توجه عليه فلا يجوز تفويته بالسفر وهل يجوز قبل الزوال فيه قولان أحدهما يجوز لانه لم تجب عليه فلم يحرم التفويت كبيع المال قبل الحول والثاني لا يجوز وهو الأصح لانه وقت لوجوب التسبب بدليل أن من كان داره على بعد لزمه القصد قبل الزوال ووجوب التسبب كوجوب الفعل فإذا لم يجز السفر بعد وجوب الفعل لم يجز بعد وجوب التسبب فصل في البيع قبيل الجمعة وأما البيع فينظر فيه فإن كان قبل الزوال لم يكره له وإن كان بعد الزوال وقبل ظهور الإمام كره فإن ظهر الإمام وأذن المؤذن حرم لقوله تعالى إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع فإن تبايع رجلان أحدهما من أهل فرض الجمعة والآخر ليس من أهل الفرض أثما جميعا لان أحدهما توجه عليه الفرض وقد اشتغل عنه والآخر شغله عن الفرض ولا يبطل البيع لان النهي لا يختص بالعقد فلم يمنع الصحة كالصلاة في أرض مغصوبة فصل في اشتراط الأبنية المجتمعة ولا تصح الجمعة إلا في أبنية مجتمعة يستوطنها من تنعقد بهم الجمعة في بلد أو قرية لانه لم تقم الجمعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في أيام الخلفاء إلا في بلد أو قرية ولم ينقل أنها أقيمت في بدو فإن خرج أهل البلد إلى خارج البلد فصلوا الجمعة لم يجز لانه ليس بوطن فلم تصح فيه الجمعة كالبدو وإن انهدم البلد فأقام أهله على عمارته فحضرت الجمعة لزمهم إقامتها لانهم في موضع الاستيطان فصل في اشتراط العدد للجمعة ولا تصح الجمعة إلا بأربعين نفسا لما روى جابر رضي الله عنه قال مضت السنة أن في كل ثلاثة إماما وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطر ومن شرط العدد أن يكونوا رجالا أحرارا عقلاء مقيمين في الموضع فأما النساء والعبيد والمسافرون فلا تنعقد بهم الجمعة لانه لا تجب عليهم الجمعة فلا تنعقد بهم كالصبيان وهل تنعقد بمقيمين غير مستوطنين فيه وجهان قال أبو علي بن أبي هريرة تنعقد بهم لانه تلزمهم الجمعة فانعقدت بهم كالمستوطنين وقال أبو إسحاق لا تنعقد بهم لان النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى عرفات وكان معه أهل مكة وهم في ذلك الموضع مقيمون غير مستوطنين فلو انعقدت بهم الجمعة لاقامها فإن أحرم بالعدد ثم انفضوا عنه ففيه ثلاثة أقوال أحدهما إن نقص العدد عن أربعين لم تصح الجمعة لانه شرط في الجمعة فشرط في جميعها كالوقت والثاني إن بقي معه اثنان أتم الجمعة لانهم يصيرون ثلاثة وذلك جمع مطلق فأشبه الأربعين والثالث إن بقي معه واحد أتم الجمعة لان الاثنين جماعة وخرج المزني رحمه الله قولين آخرين أحدهما إن بقي وحده جاز أن يتم الجمعة كما قال الشافعي رحمه الله في إمام أحرم بالجمعة ثم أحدث أنهم يتمون صلاتهم وحدانا ركعتين والثاني إن كان قد صلى ركعة ثم انفضوا أتم الجمعة وإن انفضوا قبل الركعة لم يتم الجمعة كما قال في المسبوق إذا أدرك مع الإمام ركعة أتم الجمعة وإن لم يدرك ركعة أتم الظهر فمن أصحابنا من أثبت القولين وجعل في المسألة خمسة أقوال
ومنهم من لم يثبت فقال إذا أحدث الإمام يبنون على صلاتهم لان الاستخلاف لا يجوز على هذا القول فيبنون على صلاتهم على حكم الجماعة مع الإمام وههنا الإمام لا تتعلق صلاته بصلاة من خلفه وأما المسبوق فإنه يبني على جمعة تمت شروطها وههنا لم تتم جمعة فيبني الإمام عليها فصل في وقت الجمعة ولا تصح الجمعة إلا في وقت الظهر لانهما فرضا وقت واحد فلم يختلف وقتهما كصلاة السفر وصلاة الحضر فإن خطب قبل دخول الوقت لم تصح لان الجمعة ردت إلى ركعتين بالخطبة فإذا لم تجز الصلاة قبل الوقت لم تجز الخطبة فإن دخل فيها في وقتها ثم خرج الوقت لم يجز فعل الجمعة لانه لا يجوز ابتداؤها بعد خروج الوقت فلا يجوز إتمامها كالحج ويتم الظهر لانه فرض رد من أربع إلى ركعتين بشرط يختص به فإذا زال الشرط أتم كالمسافر إذا دخل في الصلاة ثم قدم قبل أن يتم وإن أحرم بها في الوقت ثم شك هل خرج الوقت أتم الجمعة لان الأصل بقاء الوقت وصحة الفرض فلا يبطل بالشك وإن ضاق وقت الصلاة ورأى أنه إن خطب خطبتين خفيفتين وصلى ركعتين لم يذهب الوقت لزمهم الجمعة وإذا رأى أنه لا يمكن ذلك صلى الظهر فصل في خطبتى الجمعة ولا تصح الجمعة حتى يتقدمها خطبتان لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلوا كما رأيتموني أصلي ولم يصل الجمعة إلا بخطبتين وروي ابن عمر رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة خطبتين يجلس بينهما ولان السلف قالوا إنما قصرت الجمعة لاجل الخطبة فإذا لم يخطب رجع إلى الأصل ومن شرط الخطبة العدد الذي تنعقد به الجمعة لقوله تعالى إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله والذكر الذي يفعل بعد النداء هو الخطبة ولانه ذكر شرط في صحة الجمعة فشرط فيه العدد كتكبيرة الإحرام فإن خطب بالعدد ثم انفضوا وعادوا قبل الإحرام فإن لم يطل الفصل صلى الجمعة لانه ليس بأكثر من الصلاتين المجموعتين ثم الفصل اليسير لا يمنع الجمع فكذلك لا يمنع الجمع بين الخطبة والصلاة وإن طال الفصل قال الشافعي رحمه الله أحببت أن يبتدىء الخطبة ثم يصلي بعدها الجمعة فإن لم يفعل صلى الظهر واختلف أصحابنا فيه فقال أبو العباس تجب إعادة الخطبة ثم يصلي بعدها الجمعة لان الخطبة مع الصلاة كالصلاتين المجموعتين فكما لا يجوز الفصل الطويل بين الصلاتين لم يجز بين الخطبة والصلاة وما نقله المزني لا يعرف وقال أبو إسحاق يستحب أن يعيد الخطبة لانه لا يأمن أن ينفضوا مرة أخرى فجعل ذلك عذرا في جواز البناء وأما الصلاة فإنها واجبة لانه يقدر على فعلها فإن صلى بهم الظهر جاز بناء على أصله إذا اجتمع أهل بلد على ترك الجمعة ثم صلوا الظهر أجزأهم وقال بعض أصحابنا يستحب إعادة الخطبة والصلاة على ظاهر النص لانهم انفضوا عنه مرة فلا يأمن أن ينفضوا عنه ثانيا فصار ذلك عذرا في ترك الجمعة ومن شرطهما القيام مع القدرة والفصل بينهما بالجلسة لما روى جابر بن سمرة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم فيقرأ آيات ويذكر الله عز وجل ولانه إحدى فرضي الجمعة فوجب فيه القيام والقعود كالصلاة وهل تشترط فيها الطهارة فيه قولان قال في القديم تصح من غير طهارة لانه لو افتقر إلى الطهارة لافتقر إلى استقبال القبلة كالصلاة وقال في الجديد لا تصح من غير طهارة لانه ذكر شرط في الجمعة فشرط فيه الطهارة كتكبيرة الإحرام وفرضها أربعة أشياء
أحدها أن يحمد الله تعالى لما روى جابر ( بن سمرة ) أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم الجمعة فحمد الله وأثنى عليه ثم يقول على أثر ذلك وقد علا صوته واشتد غضبه واحمرت وجنتاه كأنه منذر جيش ثم يقول بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام ثم يقول إن أفضل الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة من ترك مالا فلاهله ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي والثاني أن يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم لان كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله عز وجل افتقرت إلى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم كالأذان والصلاة والثالث الوصية بتقوى الله عز وجل لحديث جابر ولان القصد من الخطبة الموعظة فلا يجوز الإخلال بها والرابع أن يقرأ آية من القرآن لحديث جابر بن سمرة ولانه أحد فرضي الجمعة فوجب فيه القراءة كالصلاة ويجب ذكر الله تعالى وذكر رسوله صلى الله عليه وسلم والوصية في الخطبتين وفي قراءة القرآن وجهان أحدهما أنها تجب في الخطبتين لان ما وجب في أحد الخطبتين وجب في الأخرى كذكر الله تعالى وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والوصية والثاني لا تجب إلا في إحدى الخطبتين وهو المنصوص لانه لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أنه قرأ في الخطبة وهذا لا يقتضي أكثر من مرة ويستحب أن يقرأ سورة ق لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها في الخطبة فإن قرأ آية فيها سجدة فنزل وسجد جاز لان النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ثم فعل عمر رضي الله عنه بعده فإن فعل هذا وأطال الفصل ففيه قولان قال في القديم يبني وقال في الجديد يستأنف وهل يجب الدعاء فيه وجهان أحدهما يجب رواه المزني في أقل ما يقع عليه اسم الخطبة ومن أصحابنا من قال يستحب وأما الدعاء للسلطان فلا يستحب لما روي أنه سئل عطاء عن ذلك فقال إنه محدث وإنما كانت الخطبة تذكيرا فصل في سنن الخطبة وسننها أن تكون على منبر لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب على المنبر ولانه أبلغ في الإعلام ومن سننها إذا صعد على المنبر ثم أقبل على الناس أن يسلم عليهم لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر يوم الجمعة واستقبل الناس قال السلام عليكم ولانه استدبر الناس في صعوده فإذا أقبل عليهم يسلم ومن سننها أن يجلس إذا سلم حتى يؤذن المؤذن لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج يوم الجمعة جلس يعني على المنبر حتى يسكت المؤذن ثم قام فخطب ويقف على الدرجة التي تلي المستراح ( لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقف على هذه الدرجة ) ولان ذلك أمكن ويستحب أن يعتمد على قوس أو عصا لما روى الحكم بن حزن قال وفدت على النبي صلى الله عليه وسلم فشهدت معه الجمعة فقام متوكئا على قوس أو عصا فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات ولان ذلك أمكن له فإن لم يكن معه شيء سكن يديه ومن سننها أن يقبل على الناس ولا يلتفت يمينا ولا شمالا لما روى سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطبنا استقبلناه بوجوهنا واستقبلنا بوجهه ويستحب أن يرفع صوته لحديث جابر علا صوته واشتد غضبه ولانه أبلغ في الإعلام قال الشافعي رحمه الله ويكون كلامه مترسلا مبينا معربا من غير تغن ولا تمطيط لان ذلك أحسن وأبلغ ويستحب أن يقصر الخطبة لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه خطب وأوجز فقيل له لو كنت تنفست فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول قصر خطبة الرجل مئنة ( من ) فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة فصل في الجمعة ركعتان
والجمعة ركعتان لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم وقد خاب من افترى ولانه نقل الخلف عن السلف والسنة أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة سورة الجمعة وفي الثانية المنافقون لما روى عبد الله بن أبي رافع قال استخلف مروان أبا هريرة على المدينة فصلى بالناس الجمعة فقرأ بالجمعة والمنافقين فقلت يا أبا هريرة قرأت سورتين سمعت عليا قرأهما قال سمعت حبيبي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم قرأهما والسنة أن تجهر فيهما بالقراءة لانه نقل الخلف عن السلف باب هيئة الجمعة والتبكير السنة لمن أراد الجمعة أن يغتسل لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من جاء منكم الجمعة فليغتسل ووقته ما بعد طلوع الفجر إلى أن يدخل في الصلاة فإن اغتسل قبل طلوع الفجر لم يجزه لقوله صلى الله عليه وسلم غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم فعلقه على اليوم والأفضل أن يغتسل عند الرواح لحديث ابن عمر رضي الله عنهما ولانه إنما يراد لقطع الروائح فإذا فعله عند الرواح كان أبلغ في المقصود فإن ترك الغسل جاز لما روى سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من توضأ فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل فإن كان جنبا فنوى بالغسل الجنابة والجمعة أجزأه عنهما كما لو اغتسلت المرأة فنوت الجنابة والحيض وإن نوى الجنابة ولم ينو الجمعة أجزأه عن الجنابة وفي الجمعة قولان أحدهما يجزئه لانه يراد للتنظيف وقد حصل ذلك والثاني لا يجزئه لانه لم ينوه فأشبه إذا اغتسل من غير نية وإن نوى الجمعة ولم ينو الجنابة لم يجزئه عن الجنابة وفي الجمعة وجهان أحدهما وهو المذهب أنه يجزئه عنها لانه نواها والثاني لا يجزئه لان غسل الجمعة يراد للتنظيف والتنظيف لا يحصل مع بقاء الجنابة ويستحب أن يتنظف بسواك وأخذ الظفر والشعر وقطع الروائح ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه لما روى أبو سعيد الخدري وأبو هريرة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من اغتسل يوم الجمعة واستن ومس من طيب إن كان عنده ولبس أحسن ثيابه وخرج حتى يأتي المسجد ولم يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء الله أن يركع وأنصت إذا خرج الإمام كانت كفارة ما بينها وبين الجمعة وأفضل الثياب البياض لما روى سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البسوا الثياب البيض فإنها أطهر وأطيب ويستحب للإمام من الزينة أكثر مما يستحب لغيره لانه يقتدى به والأفضل أن يعتم ويرتدي ببرد لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك فصل في فضل التبكير للجمعة ويستحب أن يبكر إلى الجمعة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر وطويت الصحف وتعتبر الساعات من حين طلوع الفجر لانه أول اليوم وبه يتعلق جواز الغسل ومن أصحابنا من قال تعتبر من حين طلوع الشمس وليس بشيء ويستحب أن يمشي إليها وعليه السكينة والوقار لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ولكن ائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا
ويستحب ألا يركب من غير عذر لما روى أوس بن أوس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من غسل واغتسل يوم الجمعة وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة أجر عمل سنة صيامها وقيامها ولا يشبك بين أصابعه لقوله صلى الله عليه وسلم إن أحدكم في الصلاة ما دام يعمد إلى الصلاة ويستحب أن يدنو من الإمام لحديث أوس ولا يتخطى رقاب الناس لحديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قال الشافعي رحمه الله وإذا لم يكن للإمام طريق لم يكره له أن يتخطى رقاب الناس فإن دخل رجل وليس له موضع وبين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بأن يتخطى رجلا أو رجلين لم يكره له لانه يسير وإن كان بين يديه خلق كثير فإن رجا إذا قاموا إلى الصلاة أن يتقدموا جلس حتى يقوموا وإن لم يرج أن يتقدموا جاز أن يتخطى ليصل إلى الفرجة ولا يجوز أن يقيم رجلا من موضعه ليجلس فيه لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن يقول تفسحوا أو توسعوا فإن قام رجل وأجلسه مكانه باختياره جاز له أن يجلس وأما صاحب الموضع فإنه إن كان الموضع الذي ينتقل إليه دون الموضع الذي كان فيه في القرب من الإمام كره له ذلك لانه آثر غيره في القربة وإن فرش لرجل ثوب فجاء آخر لم يجلس عليه فإن أراد أن ينحيه ويجلس مكانه جاز وإن قام رجل من موضعه لحاجة فجلس رجل مكانه ثم عاد فالمستحب أن يرد الموضع إليه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع فهو أحق به قال الشافعي رحمه الله وأحب إذا نعس ووجد موضعا لا يتخطى فيه غيره أن يتحول لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة فليتحول إلى غيره فصل فيما يفعله قبل الجمعة وإن حضر قبل الخطبة اشتغل بذكر الله والصلاة ويستحب أن يقرأ يوم الجمعة سورة الكهف لما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة ويكثر من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة وليلتها لما روى أوس بن أوس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي ويكثر من الدعاء لان فيه ساعة يستجاب فيها الدعوة فلعله يصادف ذلك وإذا جلس الإمام على المنبر انقطع التنفل لما روي عن ثعلبة بن أبي مالك قال قعود الإمام يقطع السبحة وكلامه يقطع الكلام وإنهم كانوا لا يزالون يتحدثون يوم الجمعة وعمر بن الخطاب رضي الله عنه جالس على المنبر فإذا سكت المؤذن قام عمر فلم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبتين فإذا أقيمت الصلاة ونزل عمر تكلموا ولان النفل في هذه الحالة يمنع الاستماع إلى ابتداء الخطبة فكره فإن دخل رجل والإمام على المنبر صلى تحية المسجد لما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليصل ركعتين فإن دخل والإمام في آخر الخطبة لم يصل لانه يفوته أول الصلاة مع الإمام وهو فرض فلا يجوز أن يشتغل عنها بالنفل فصل في الكلام قبل الخطبة والإنصات أثناءها
ويجوز الكلام قبل أن يبتدىء الخطبة لما رويناه من حديث ثعلبة بن أبي مالك ويجوز إذا جلس الإمام بين الخطبتين وإذا نزل من المنبر قبل أن يدخل في الصلاة لما روى أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل من المنبر يوم الجمعة فيقوم معه الرجل فيكلمه في الحاجة ثم ينتهي إلى مصلاه فيصلي ولانه ليس بحال صلاة ولا حال إسماع فلم يمنع من الكلام وإذا بدأ بالخطبة أنصت لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من توضأ فأحسن الوضوء ثم أنصت للإمام يوم الجمعة حتى يفرغ من صلاته كفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام وهل يجب الإنصات فيه قولان أحدهما يجب لما روى جابر قال دخل ابن مسعود والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس إلى أبي فسأله عن شيء فلم يرد عليه فسكت حتى صلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ما منعك أن ترد علي فقال إنك لم تشهد معنا الجمعة قال ولم قال لانك تكلمت والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقام ابن مسعود فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له فقال صدق أبي وأطع أبيا والثاني يستحب وهو الأصح لما روى أنس رضي الله عنه قال دخل رجل والنبي صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يوم الجمعة فقال متى الساعة فأشار الناس إليه أن اسكت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الثالثة ما أعددت لها قال حب الله ورسوله قال إنك مع من أحببت فإن رأى رجلا ضريرا يقع في بئر أو رأى عقربا تدب إليه لم يحرم عليه كلامه قولا واحدا لان الإنذار يجب لحق الآدمي والإنصات لحق الله تعالى ومبناه على المسامحة وإن سلم عليه رجل أو عطس فإن قلنا يستحب الإنصات رد السلام وشمت العاطس وإن قلنا يجب الإنصات لم يرد السلام ولم يشمت العاطس لان المسلم سلم في غير موضعه فلم يرد عليه وتشميت العاطس سنة فلا يترك له الإنصات الواجب ومن أصحابنا من قال لا يرد السلام لان المسلم مفرط ويشمت العاطس لان العاطس غير مفرط في العطاس وليس بشيء فصل متى يدرك الجمعة ومن دخل والإمام في الصلاة أحرم بها فإن أدرك معه الركوع من الثانية فقد أدرك الجمعة فإذا سلم الإمام أضاف إليها أخرى وإن لم يدرك الركوع فقد فاتت الجمعة فإذا سلم الإمام أتم الظهر لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها أخرى فصل في المزاحمة في السجود فإن زوحم المأموم عن السجود في الجمعة نظرت فإن قدر أن يسجد على ظهر إنسان لزمه أن يسجد لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه وقال بعض أصحابنا فيه قول آخر قاله في القديم أنه بالخيار إن شاء سجد على ظهر إنسان وإن شاء ترك حتى يزول الزحام لانه إذا سجد حصلت له فضيلة المتابعة وإذا انتظر زوال الزحمة حصلت له فضيلة السجود على الأرض فخير بين الفضيلتين والأول أصح لان ذلك يبطل بالمريض إذا عجز عن السجود على الأرض فإنه يسجد على حسب حاله ولا يؤخر وإن كان في التأخير فضيلة السجود على الأرض وإن لم يقدر على السجود بحال انتظر حتى يزول الزحام فإن زال الزحام لم يخل إما أن يدرك الإمام قائما أو راكعا أو رافعا من الركوع أو ساجدا فإن أدركه قائما سجد ثم تبعه لان النبي صلى الله عليه وسلم أجاز ذلك بعسفان للعذر والعذر ههنا موجود فوجب أن يجوز فإن فرغ من السجود فأدرك الإمام راكعا في الثانية ففيه وجهان أحدهما يتبعه في الركوع ولا يقرأ كمن حضر والإمام راكع والثاني أنه يشتغل بما عليه من القراءة لانه أدرك مع الإمام محل القراءة بخلاف من حضر والإمام راكع فصل فيمن يدرك الإمام بعد الزحام
فإن زال الزحام فأدرك الإمام رافعا من الركوع أو ساجدا سجد معه لان هذا موضع سجوده وحصلت له ركعة ملفقة وهل يدرك بها الجمعة فيه وجهان قال أبو إسحاق يدرك لقوله صلى الله عليه وسلم من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى وقال أبو علي بن أبي هريرة لا يدرك لان الجمعة صلاة كاملة فلا تدرك إلا بركعة كاملة وهذه ركعة ملفقة فصل في إذا أدركه راكعا وإن زال الزحام وأدرك الإمام راكعا ففيه قولان أحدهما يشتغل بقضاء ما فاته ثم يركع لانه شارك الإمام في جزء من الركوع فوجب أن يسجد كما لو زالت الزحمة فأدركه قائما والثاني يتبع الإمام في الركوع لانه أدرك الإمام راكعا فلزمه متابعته كمن دخل في صلاة والإمام فيها راكع فإن قلنا إنه يركع معه نظرت فإن فعل ما قلناه وركع حصل له ركوعان وبأيهما يحتسب فيه قولان أحدهما أنه يحتسب بالثاني كالمسبوق إذا أدرك الإمام راكعا فركع معه والثاني يحتسب بالأول لانه قد صح الأول فلم يبطل بترك ما بعده كما لو ركع ونسي السجود فقام وقرأ وركع ثم سجد فإن قلنا إنه يحتسب بالثاني حصل له مع الإمام ركعة فإذا سلم أضاف إليها أخرى وسلم وإذا قلنا يحتسب بالأول حصل له ركعة ملفقة لان القيام والقراءة والركوع حصل له من الركعة الأولى وحصل له السجود من الثانية وهل يصير مدركا للجمعة فيه وجهان قال أبو إسحاق يكون مدركا وقال ابن أبي هريرة لا يكون مدركا فإذا قلنا بقول أبي إسحاق أضاف إليها أخرى وسلم وإذا قلنا بقول ابن أبي هريرة قام وصلى ثلاث ركعات وجعلها ظهرا ومن أصحابنا من قال يجب أن يكون فيه وجهان بناء على القولين فيمن صلى الظهر قبل أن يصلي الإمام الجمعة وهذا قد صلى ركعة من الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة فلزمه أن يستأنف الظهر بعد فراغه وقال شيخنا القاضي أبو الطيب الطبري الصحيح هو الأول والبناء على القولين لا يصح لان القولين فيمن صلى الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة من غير عذر والمزحوم معذور فلم تجب عليه إعادة الركعة التي صلاها قبل فراغ الإمام ولان القولين فيمن ترك الجمعة وصلى الظهر منفردا وهذا قد دخل مع الإمام في الجمعة فلم تجب عليه إعادة ما فعل كما لو أدرك الإمام ساجدا في الركعة الأخيرة فإنه يتابعه ثم يبنى الظهر على ذلك الإحرام ولا يلزمه الاستئناف وإن خالف ما قلناه واشتغل بقضاء ما فاته فإن اعتقد أن السجود فرضه لم يعد سجوده لانه سجد في موضع الركوع ولا تبطل صلاته لانه زاد فيها زيادة من جنسها جاهلا فهو كمن زاد في صلاته من جنسها ساهيا وإن اعتقد أن فرضه المتابعة فإن لم ينو مفارقته بطلت صلاته لانه سجد في موضع الركوع عامدا وإن نوى مفارقة الإمام ففيه قولان أحدهما تبطل صلاته والثاني لا تبطل ويكون فرضه الظهر وهل يبني أو يستأنف الإحرام بعد فراغ الإمام على القولين في غير المعذور إذا صلى الظهر قبل صلاة الإمام وأما إذا قلنا إن فرضه الاشتغال بما فاته نظرت فإن فعل ما قلناه وأدرك الإمام راكعا تبعه فيه ويكون مدركا للركعتين وإن أدركه ساجدا فهل يشتغل بقضاء ما فاته أو يتبعه في السجود فيه وجهان أحدهما يشتغل بقضاء ما فاته لان على هذا القول الاشتغال بالقضاء أولى من المتابعة ومنهم من قال يتبعه في السجود وهو الأصح لان هذه الركعة لم يدرك منها شيئا يحتسب له به فهو كالمسبوق إذا أدرك الإمام ساجدا بخلاف الركعة الأولى فإن هناك أدرك الركوع وما قبله فلزمه أن يفعل ما بعده من السجود فإذا قلنا يسجد كان مدركا للركعة الأولى إلا أن بعضها أدركه فعلا وبعضها أدركه حكما لانه تابعه إلى السجود ثم انفرد بفعل السجدتين وهل يدرك بهذه الركعة الجمعة على وجهين لانه إدراك ناقص فهو كالتلفيق في الركعة وإن سلم الإمام قبل أن يسجد المأموم السجدتين لم يكن مدركا للجمعة قولا واحدا
وهل يستأنف الإحرام أو يبني على ما ذكرناه من الطريقين فإن خالف ما قلناه وتبعه في الركوع فإن كان معتقدا أن فرضه الاشتغال بالسجود بطلت صلاته لانه ركع في موضع السجود عامدا وإن اعتقد أن فرضه المتابعة لم تبطل صلاته لانه زاد في الصلاة من جنسها جاهلا ويحتسب بهذا السجود ويحصل له ركعة ملفقة وهل يصير مدركا للجمعة على الوجهين وإن ( زحم عن السجود ) وزالت الزحمة والإمام قائم في الثانية وقضى ما عليه وأدركه قائما أو راكعا فتابعه فلما سجد في الثانية زحم عن السجود فزال الزحام وسجد ورفع رأسه وأدرك الإمام في التشهد فقد أدرك الركعتين بعضهما فعلا وبعضهما حكما وهل يكون مدركا للجمعة على ما ذكرنا من الوجهين وإن ركع مع الإمام ( في ) الركعة الأولى ثم سها حتى صلى الإمام هذه الركعة وحصل في الركوع في الثانية قال القاضي أبو حامد يجب أن يكون على قولين كالزحام ومن أصحابنا من قال يتبعه قولا واحدا لانه مفرط في السهو فلم يعذر في الانفراد عن الانفراد عن الإمام وفي الزحام غير مفرط فعذر في الانفراد عن الإمام فصل في الاستخلاف في الصلاة إذا أحدث الإمام في الصلاة ففيه قولان قال في القديم لا يستخلف وقال في الجديد يستخلف وقد بينا وجه القولين في باب صلاة الجماعة فإن قلنا لا يستخلف نظرت فإن أحدث بعد الخطبة وقبل الإحرام لم يجز أن يستخلف لان الخطبتين مع الركعتين كالصلاة الواحدة فلما لم يجز أن يستخلف في صلاة الظهر بعد الركعتين لم يجز أن يستخلف في الجمعة بعد الخطبتين وإن أحدث بعد الإحرام ففيه قولان أحدهما يتمون الجمعة فرادى لانه لما لم يجز الاستخلاف بقوا على حكم الجماعة فجاز لهم أن يصلوا فرادى والثاني أنه إذا كان الحدث قبل أن يصلي بهم ركعة صلوا الظهر وإن كان بعد الركعة صلوا ركعة أخرى فرادى كالمسبوق إذا لم يدرك ركعة أتم الظهر وإن أدرك ركعة أتم الجمعة وإن قلنا بقوله الجديد فإن كان الحدث بعد الخطبتين وقبل الإحرام فاستخلف من حضر الخطبة جاز وإن استخلف من لم يحضر الخطبة لم يجز لان من حضر كمل بالسماع فانعقدت به الجمعة ومن لم يحضر لم يكمل فلم تنعقد به الجمعة ولهذا لو خطب بأربعين فقاموا وصلوا الجمعة جاز ولو حضر أربعون لم يحضروا الخطبة فصلوا الجمعة لم يجز وإن كان الحدث بعد الإحرام فإن كان في الركعة الأولى فاستخلف من كان معه قبل الحدث جاز له لانه من أهل الجمعة وإن استخلف من لم يكن معه قبل الحدث لم يجز لانه ليس من أهل الجمعة ولهذا لو صلى بانفراده الجمعة لم تصح وإن كان الحدث في الركعة الثانية فإن كان قبل الركوع فاستخلف من كان معه قبل الحدث جاز وإن استخلف من لم يكن معه قبل الحدث لم يجز لما ذكرناه وإن كان بعد الركوع ( فاستخلف من لم يحضر معه قبل الحدث لم يجز لما ذكرناه ) وإن كان معه قبل الحدث ولم يكن معه قبل الركوع فإن فرضه الظهر وفي جواز الجمعة خلف من يصلي الظهر وجهان فإن قلنا يجوز جاز أن يستخلفه وإن قلنا لا يجوز لم يجز أن يستخلفه فصل إذن السلطان بالجمعة والسنة ألا تقام الجمعة بغير إذن السلطان فإن فيه افتياتا عليه فإن أقيمت الجمعة من غير إذنه جاز لما روي أن عليا رضي الله عنه صلى العيد وعثمان رضي الله عنه محصور ولانه فرض لله تعالى لا يختص بفعل الإمام فلم يفتقر إلى إذنه كسائر العبادات فصل الجمعة في المسجد الجامع قال الشافعي رحمه الله ولا يجمع في مصر وإن عظم وكثرت مساجده إلا في مسجد واحد والدليل عليه أنه لم يقمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء من بعده في أكثر من موضع واختلف أصحابنا في بغداد فقال أبو العباس يجوز في مواضع لانه بلد عظيم ويشق الاجتماع في موضع واحد
وقال أبو الطيب بن سلمة يجوز في كل جانب جمعة لانه كالبلدين ولا يجوز أكثر من ذلك وقال بعضهم كانت قرى متفرقة في كل موضع منها جمعة ثم اتصلت العمارة فبقيت على حكم الأصل فصل حكم تعدد الجمعات في البلد الواحد وإن عقدت جمعتان في بلد إحداهما قبل الأخرى وعرفت الأولى منهما نظرت فإن لم يكن مع واحدة منهما إمام أو كان الإمام مع الأولى فالجمعة هي الأولى والثانية باطلة وبأي شيء يعتبر السبق فيه قولان أحدهما بالفراغ لانه لا يحكم بصحتها إلا بعد الفراغ منها فوجب أن يعتبر السبق بالفراغ والثاني يعتبر بالإحرام لأنها بالإحرام تنعقد فلا يجوز أن تنعقد بعدها جمعة فإن كان الإمام مع الثانية ففيه قولان أحدهما أن الجمعة هي الأولى لانها جمعة أقيمت شروطها فكانت هي الجمعة والثاني أن الجمعة هي الثانية لان في تصحيح الأولى افتياتا على الإمام وتفويتا للجمعة على عامة الناس وإن كانت الجمعتان في وقت واحد من غير إمام بطلتا لانه ليس إحداهما أولى من الأخرى فوجب إبطالهما كما نقول فيمن جمع بين أختين في عقد واحد وإن لم يعلم هل كانتا في وقت واحد أو في وقتين بطلتا لانه ليس كونهما في وقت واحد بأولى من تقدم إحداهما على الأخرى فحكم ببطلانهما وإن علم أن إحداهما قبل الأخرى ولم تتعين حكم ببطلانهما لان كل واحدة من الطائفتين شك في إسقاط الفرض والفرض لا يسقط بالشك وفيما يجب عليهم قولان أحدهما تلزمهم الجمعة إن كان الوقت باقيا لان التي تقدمت لما لم تتعين لم يثبت حكمها فصارت كأن لم تكن والثاني يصلون الظهر لانا تيقنا أن المتقدمة منهما جمعة صحيحة فوجب أن يصلوا الظهر احتياطا وإن علمت السابقة منهما ثم أشكلت حكم ببطلانهما لانه لا يمكن التوقف إلى أن تعرف لانه يؤدي إلى فوات الوقت أو فواتهما بالموت فوجب الحكم ببطلانهما وبالله التوفيق باب صلاة العيدين صلاة العيدين سنة وقال أبو سعيد الاصطخري هي فرض على الكفاية والمذهب الأول لما روى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم سأله عن الإسلام فقال صلى الله عليه وسلم خمس صلوات كتبهن الله على عباده فقال هل علي غيرها قال لا إلا أن تطوع ولانها صلاة مؤقتة لا تشرع لها الإقامة فلم تجب بالشرع كصلاة الضحى وإن اتفق أهل بلد على تركها وجب قتالهم على قول الاصطخري وهل يقاتلون على المذهب فيه وجهان أحدهما لا يقاتلون لانه تطوع فلا يقاتلون على تركها كسائر التطوع والثاني يقاتلون لانه من شعائر الإسلام ولان في تركها تهاونا بالشرع بخلاف شعائر التطوع لانها تفعل فرادى فلا يظهر تركها كما يظهر في صلاة العيد فصل في وقت صلاة العيدين ووقتهما ما بين طلوع الشمس إلى أن تزول والأفضل أن يؤخرها حتى ترتفع الشمس قيد رمح والسنة أن يؤخر صلاة الفطر ويعجل الأضحى لما روى عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب أن يقدم الأضحى ويؤخر الفطر ولان الأفضل أن يخرج صدقة الفطر قبل الصلاة فإذا أخر الصلاة اتسع الوقت لاخراج صدقة الفطر والسنة أن يضحي بعد صلاة الإمام فإذا عجل بادر إلى الأضحية فصل استحباب الصلاة في المصلى
والسنة أن تصلى صلاة العيد في المصلى إذا كان مسجد البلد ضيقا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى المصلى ولان الناس يكثرون في صلاة العيد فإذا كان المسجد ضيقا تأذى الناس فإن كان في الناس ضعفاء استخلف في مسجد البلد من يصلي بهم لما روي أن عليا رضي الله عنه استخلف أبا مسعود الأنصاري رضي الله عنه ليصلي بضعفة الناس في المسجد وإن كان يوم مطر صلى في المسجد لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال أصابنا مطر في يوم عيد فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وروي أن عمر وعثمان رضي الله عنهما صليا في المسجد في المطر وإن كان المسجد واسعا فالمسجد أفضل من المصلى لان الأئمة لم يزالوا يصلون صلاة العيد بمكة في المسجد ولان المسجد أشرف وأنظف قال الشافعي رحمه الله فإن كان المسجد واسعا فصلى في الصحراء فلا بأس وإن كان ضيقا فصلى فيه ولم يخرج إلى المصلى كرهت لانه إذا ترك المسجد وصلى في الصحراء لم يكن عليهم ضرر وإذا ترك الصحراء وصلى في المسجد الضيق تأذوا بالزحام وربما فات بعضهم الصلاة فكره فصل في الأكل قبل الصلاة والسنة أن يأكل في يوم الفطر قبل الصلاة ويمسك في يوم النحر حتى يفرغ من الصلاة لما روى بريدة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ويوم النحر لا يأكل حتى يرجع فيأكل من لحم نسيكته والسنة أن يأكل التمر ويكون وترا لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترا فصل في الاغتسال للعيدين والسنة أن يغتسل للعيدين لما روي أن عليا وابن عمر رضي الله عنهما كانا يغتسلان ولانه يوم عيد يجمع فيه الكافة للصلاة فسن فيه الغسل لحضورها كالجمعة وفى وقت الغسل قولان أحدهما بعد الفجر كغسل الجمعة وروى البويطي أنه يجوز أن يغتسل قبل الفجر لان الصلاة تقام في أول النهار وتقصدها الناس من البعد فيجوز تقديم الغسل حتى لا يفوتهم فجوز على هذا القول أن يغتسل بعد نصف الليل كما يقول في أذان الصبح ويستحب ذلك لمن يحضر الصلاة ولمن لا يحضر لان القصد إظهار الزينة والجمال فإن لم يحضر الصلاة اغتسل للزينة والجمال والسنة أن يتنظف بحلق الشعر وبقلم الأظفار وقطع الرائحة لانه يوم عيد فسن فيه ما ذكرناه كيوم الجمعة والسنة أن يتطيب لما روى الحسن بن علي عليه السلام قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتطيب بأجود ما نجد في العيد فصل في لبس أحسن الثياب والسنة أن يلبس أحسن ثيابه لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس في العيدين برد حبرة فصل في شهود النساء العيدين ويستحب أن يحضر النساء غير ذوات الهيئات لما روت أم عطية قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج العواتق وذوات الخدور والحيض في العيد فأما الحيض فكن يعتزلن المصلى ويشهدن الخير ودعوة المسلمين وإذا أردن الحضور تنظفن بالماء ولا يتطيبن ولا يلبسن الشهرة من الثياب لقوله صلى الله عليه وسلم لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن تفلات أي غير عطرات ولانها إذا تطيبت ولبست الشهرة من الثياب دعا ذلك إلى الفساد قال الشافعي رحمه الله ويزين الصبيان بالمصبغ والحلي ذكورا كانوا أو إناثا لانه يوم زينة وليس على الصبيان تعبد فلا يمنعون من لبس الذهب فصل في التبكير للصلاة والسنة أن يبكر إلى الصلاة ليأخذ موضعه كما قلنا في الجمعة والمستحب أن يمشي ولا يركب لان النبي صلى الله عليه وسلم ما ركب في عيد ولا جنازة ولا بأس أن يركب في العود لانه غير قاصد إلى قربة فصل في التنفل قبل خروج الإمام
وإذا حضر جاز أن يتنفل إلى أن يخرج الإمام لما روي عن أبي بردة وأنس والحسن وجابر بن زيد أنهم كانوا يصلون يوم العيد قبل خروج الإمام ولانه ليس بوقت منهي عن الصلاة فيه ولا هناك ما هو أهم من الصلاة فلم يمتنع من الصلاة كما ( لو صلى ) بعد العيد والسنة أن لا يخرج الإمام إلا في الوقت الذي يوافي فيه الصلاة لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج في يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة والسنة أن يمضي إليهما في طريق ويرجع في أخرى لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الفطر والأضحى فيخرج من طريق ويرجع ( من ) أخرى فصل في النداء للعيدين ولا يؤذن لها ولا يقام لما روى ابن عباس رضي الله عنه قال شهدت العيد مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبى بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فكلهم صلوا العيد قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة والسنة أن ينادى لها الصلاة جامعة لما روي عن الزهري أنه كان ينادي به فصل في صفة صلاة العيد وصلاة العيد ركعتان لقول عمر رضي الله عنه صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم وقد خاب من افترى والسنة أن تصلى جماعة لنقل الخلف عن السلف والسنة أن يكبر في الأولى سبع تكبيرات سوى تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع وفي الثانية خمس تكبيرات سوى تكبيرة القيام والركوع لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في الفطر في الأولى سبعا وفي الثانية خمسا سوى تكبيرة الصلاة والتكبيرات قبل القراءة لما روى كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يكبر في العيدين في الركعة الأولى سبعا وفي الثانية خمسا قبل القراءة فإن حضر وقد سبقه الإمام بالتكبيرات أو ببعضها لم يقض لانه ذكر مسنون فات محله فلم يقضه كدعاء الاستفتاح وقال في القديم يقضي لان محله القيام وقد أدركه وليس بشيء والسنة أن يرفع يديه مع كل تكبيرة لما روي أن عمر رضي الله عنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة في العيد ويستحب أن يقف بين كل تكبيرتين بقدر ( آية ) يذكر الله تعالى لما روي أن الوليد بن عقبة خرج يوما على عبد الله وحذيفة والأشعري وقال إن هذا العيد غدا فكيف التكبير فقال عبد الله بن مسعود تكبر وتحمد ربك وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وتكبر وتفعل مثل ذلك فقال الأشعري وحذيفة صدق والسنة أن يقرأ بعد الفاتحة بقاف واقتربت لما روى أبو واقد الليثي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفطر والأضحى بقاف واقتربت الساعة والسنة أن يجهر فيهما بالقراءة لنقل الخلف عن السلف فصل في الخطبة بعد الصلاة والسنة إذا فرغ من الصلاة أن يخطب لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أبا بكر ثم عمر رضي الله عنهما كانوا يصلون العيد قبل الخطبة والمستحب أن يخطب على المنبر لما روى جابر رضي الله عنه قال شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم الأضحى فلما قضى خطبته نزل عن منبره ويسلم على الناس إذا أقبل عليهم كما قلنا في الجمعة وهل يجلس قبل الخطبة فيه وجهان أحدهما لا يجلس لان في الجمعة إنما يجلس لفراغ المؤذن من الأذان وليس في العيد أذان والثاني يجلس وهو المنصوص في الأم لانه يستريح بها ويخطب خطبتين يفصل بينهما بجلسة
ويجوز أن يخطب من قعود لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم العيد على راحلته ولان صلاة العيد تجوز قاعدا فكذلك خطبتها بخلاف الجمعة والمستحب أن يستفتح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات والثانية بسبع لما روي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنه قال هو من السنة ويأتى ببقية الخطبة على ما ذكرناه في الجمعة من ذكر الله تعالى وذكر رسوله صلى الله عليه وسلم والوصية بتقوى الله وقراءة القرآن فإن كان في عيد الفطر علمهم صدقة الفطر وإن كان في الأضحى علمهم الأضحية لان النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته لا يذبحن أحدكم حتى يصلي ويستحب للناس استماع الخطبة لما روي عن أبي مسعود البدري أنه قال يوم عيد من شهد الصلاة معنا فلا يبرح حتى يشهد الخطبة فإن دخل رجل والإمام يخطب فإن كان في المصلى استمع الخطبة ولا يشتغل بصلاة العيد لان الخطبة من سنن العيد ويخشى فوتها والصلاة لا يخشى فوتها فكان الاشتغال بالخطبة أولى وإن كان في المسجد ففيه وجهان قال أبو علي بن أبي هريرة يصلي تحية المسجد ولا يصلي صلاة العيد لان الإمام لم يفرغ من سنة العيد فلا يشتغل بالقضاء وقال أبو إسحاق المروزي يصلي العيد لانها أهم من تحية المسجد وآكد وإذا صلاها سقط بها التحية فكان الاشتغال بها أولى كما لو حضر وعليه مكتوبة فصل فيمن يصلي العيد روى المزني أنه تجوز صلاة العيد للمنفرد والمسافر والعبد والمرأة وقال في الإملاء والقديم والصيد والذبائح لا يصلى العيد حيث لا تصلى الجمعة فمن أصحابنا من قال فيها قولان أحدهما أنهم لا يصلون لان النبي صلى الله عليه وسلم كان بمنى مسافرا يوم النحر فلم يصل ولانها صلاة تشرع لها الخطبة واجتماع الكافة فلم يفعلها المسافر كالجمعة والثاني أنهم يصلون وهو الصحيح لانها صلاة نفل فجاز لهم فعلها كصلاة الكسوف ومن أصحابنا من قال يجوز لهم فعلها قولا واحدا وتأول ما قال في الإملاء والقديم على أنه أراد به ألا يصلي بالاجتماع والخطبة حيث لا تصلى الجمعة لان في ذلك افتياتا على السلطان فصل في الشهادة على الرؤية إذا شهد شاهدان يوم الثلاثين بعد الزوال برؤية الهلال ففيه قولان أحدهما لا يقضي والثاني يقضي وهو الصحيح فإن أمكن جمع الناس وصلى بهم في يومهم فإن لم يمكن صلى بهم من الغد لما روى أبو عمير بن أنس عن عمومته قالوا قامت بينة عند النبي صلى الله عليه وسلم بعد الظهر أنهم رأوا الهلال هلال شوال فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يفطروا وأن يخرجوا من الغد إلى المصلى وإن شهدا ليلة الحادي والثلاثين صلوا قولا واحدا ولا يكون ذلك قضاء لان فطرهم غدا لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون وعرفتكم يوم تعرفون باب التكبير التكبير سنة في العيدين لما روى نافع عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج في العيدين مع الفضل بن العباس وعبد الله بن العباس وعلي وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن بن أم أيمن رضي الله عنهم رافعا صوته بالتهليل والتكبير فيأخذ طريق الحدادين حتى يأتي المصلى وأول وقت تكبير الفطر إذا غابت الشمس من ليلة الفطر لقوله عز وجل ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم وإكمال العدة بغروب الشمس من ليلة الفطر وأما آخره ففيه طريقان من أصحابنا من قال فيه ثلاثة أقوال أحدهما ما روى المزني أنه يكبر إلى أن يخرج الإمام إلى الصلاة لانه إذا حضر فالسنة أن يشتغل بالصلاة فلا معنى للتكبير والثاني ما رواه البويطى أنه يكبر حتى تفتتح الصلاة لان الكلام مباح قبل أن تفتتح الصلاة فكان التكبير مستحبا
والثالث قاله في القديم حتى ينصرف الإمام لان الإمام والمأمومين مشغولون بالذكر إلى أن يفرغوا من الصلاة فسن لمن لم يكن في الصلاة أن يكبر ومن أصحابنا من قال هو على قول واحد أنه يكبر إلى أن تفتتح الصلاة وتأول رواية المزني على ذلك لانه إذا خرج إلى المصلى افتتح الصلاة وقوله في القديم حتى ينصرف الإمام لانه ما لم ينصرف مشغول بالتكبير في الصلاة ويسن التكبير المطلق في عيد الفطر وهل يسن التكبير المقيد في أدبار الصلوات فيه وجهان أحدهما لا يسن لانه لم ينقل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني أنه يسن لانه عيد يسن له التكبير المطلق فيسن له التكبير المقيد كالأضحى والسنة في التكبير أن يقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثا لما روى ابن عباس أنه قال الله أكبر ثلاثا وعن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال رأيت الأئمة رضي الله عنهم يكبرون بعد أيام التشريق بعد الصلاة ثلاثا وعن الحسن مثله قال في الأم وإن زاد زيادة فليقل بعد الثلاث الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله والله أكبر لان النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك على الصفا ويستحب رفع الصوت بالتكبير لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج في العيدين رافعا صوته بالتهليل والتكبير لانه إذا رفع صوته سمع من لم يكبر فيكبر فصل في التكبير في الأضحى وأما تكبير الأضحى ففي وقته ثلاثة أقوال أحدهما يبتدأ بعد الظهر من يوم النحر إلى أن يصلى الصبح من آخر أيام التشريق والدليل على أنه يبتدأ بعد الظهر قوله عز وجل فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله والمناسك تقضى يوم النحر ضحوة وأول صلاة تلقاهم الظهر والدليل على أنه يقطعه بعد الصبح أن الناس تبع للحاج وآخر صلاة يصليها الحاج بمنى صلاة الصبح ثم يخرج والثاني يبتدأ بعد غروب الشمس من ليلة العيد قياسا على عيد الفطر ويقطعه إذا صلى الصبح من آخر أيام التشريق لما ذكرناه والثالث أنه يبتدأ بعد صلاة الصبح من يوم عرفة ويقطعه بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق لما روى عمر وعلي رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر في دبر كل صلاة بعد صلاة الصبح يوم عرفة إلى بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق فصل في التكبير في أيام التشريق السنة أن يكبر في هذه الأيام خلف الفرائض لنقل الخلف عن السلف وهل يكبر خلف النوافل فيه طريقان من أصحابنا من قال يكبر قولا واحدا لانها صلاة راتبة فأشبهت الفرائض ومنهم من قال فيه قولان أحدهما يكبر لما قلناه والثاني لا يكبر لان النفل تابع للفرض والتابع لا يكون له تبع ومن فاتته صلاة في هذه الأيام فأراد قضاءها في غيرها لم يكبر خلفها لان التكبير يختص بهذه الأيام فلا يفعل فى غيرها وإن قضاها في هذه الأيام ففيه وجهان أحدهما يكبر لان وقت التكبير باق والثاني لا يكبر لان التكبير خلف هذه الصلوات يختص بوقتها وقد فات الوقت فلم يقض باب صلاة الكسوف وصلاة الكسوف سنة لقوله صلى الله عليه وسلم إن الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله عز وجل فإذا رأيتموهما فقوموا وصلوا والسنة أن يغتسل لها لانها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة فيسن لها الغسل كصلاة الجمعة والسنة أن تصلى حيث تصلى الجمعة لان النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ولانه يتفق في وقت لا يمكن قصد المصلى فيه وربما يجلى قبل أن يبلغ المصلى فيفوت فكان الجامع أولى