Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
وعند الشافعي رحمه الله بشريطة الموت عليها وهي مسألة كتاب الصلاة ومنها أنه لا يجب عليه شيء من العبادات عندنا لأن الكفار غير مخاطبين بشرائع هي عبادات عندنا وعند الشافعي رحمه الله يجب عليه وهي من مسائل أصول الفقه وأما الذي يرجع إلى ماله فثلاثة أنواع حكم الملك وحكم الميراث وحكم الدين أما الأول فنقول لا خلاف في أنه إذا أسلم تكون أمواله على حكم ملكه ولا خلاف أيضا في أنه إذا مات أو قتل أو لحق بدار الحرب تزول أمواله عن ملكه واختلف في أنه تزول بهذه الأسباب مقصورا على الحال أم بالردة من حين وجودها على التوقف فعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ملك المرتد لا يزول عن ماله بالردة وإنما يزول بالموت أو القتل أو باللحاق بدار الحرب وعند أبي حنيفة رضي الله عنه الملك في أمواله موقوف على ما يظهر من حاله وعلى هذا الأصل بني حكم تصرفات المرتد إنها جائزة عندهما كما تجوز من المسلم حتى لو أعتق أو دبر أو كاتب أو باع أو اشترى أو وهب نفذ ذلك كله وعقدت ( ( ( وعقدة ) ) ) تصرفاته موقوفة لوقوف أملاكه فإن أسلم جاز كله وإن مات أو قتل أو لحق بدار الحرب بطل كله وجه قولهما أن الملك كان ثابتا له حالة الإسلام لوجود سبب الملك وأهليته وهي الحرية والردة لا تؤثر في شيء من ذلك ثم اختلفا فيما بينهما في كيفية الجواز فقال أبو يوسف رحمه الله جوازها جواز تصرف الصحيح وقال محمد رحمه الله جواز تصرفات المريض مرض الموت وجه قول محمد رحمه الله أن المرتد على شرف التلف لأنه يقتل فأشبه المريض مرض الموت وجه قول أبي يوسف إن اختيار الإسلام بيده فيمكنه الرجوع إلى الإسلام فيخلص عن القتل والمريض لا يمكنه دفع المرض عن نفسه فأنى يتشابهان وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أنه وجد سبب زوال الملك وهو الردة لأنها سبب لوجوب القتل والقتل سبب لحصول الموت فكان زوال الملك عند الموت مضافا إلى السبب السابق وهو الردة ولا يمكنه اللحاق بدار الحرب بأمواله لأنه لا يمكن من ذلك بل يقتل فيبقي ماله فاضلا عن حاجته فكان ينبغي أن يحكم بزوال ملكه للحال إلا أنا توقفنا فيه لاحتمال العود إلى الإسلام لأنه إذا عاد ترتفع الردة من الأصل ويجعل كأن لم يكن فكان التوقف في الزوال للحال لاشتباه العاقبة فإن أسلم تبين أن الردة لم تكن سببا لزوال الملك لارتفاعها من الأصل فتبين أن تصرفه صادف محله فيصح وإن قتل أو مات أو لحق بدار الحرب تبين أنها وقعت سببا للزوال من حين وجودها فتبين أن الملك كان زائلا من حين وجود الردة لأن الحكم لا يتخلف عن سببه فلم يصادف التصرف محله فبطل فأما قبل ذلك كان ملكه موقوفا فكانت تصرفاته المبنية عليه موقوفة ضرورة وأجمعوا على أنه يصح استيلاده حتى إنه لو استولد أمته فادعى ولدها أنه يثبت النسب وتصير الجارية أم ولد له أما عندهما فلأن المحل مملوك له ملكا تاما وأما عند أبي حنيفة رحمه الله فلأن الملك الموقوف لا يكون أدنى حالا من حق الملك ثم حق الملك يكفي لصحة الاستيلاد فهذا أولى وأجمعوا على أنه يصح طلاقه وتسليمه الشفعة لأن الردة لا تؤثر في ملك النكاح والثابت للشفيع حق لا يحتمل الإرث ومعاوضته موقوفة بالإجماع لأنها مبنية على المساواة
وأما المرتدة فلا يزول ملكها عن أموالها بلا خلاف فتجوز تصرفاتها في مالها بالإجماع لأنها لا تقتل فلم تكن ردتها سببا لزوال ملكها عن أموالها بلا خلاف فتجوز تصرفاتها وإذا عرف حكم ملك المرتد وحال تصرفاته المبنية عليه فحال المرتد لا يخلو من أن يسلم أو يموت أو يقتل أو يلحق بدار الحرب فإن أسلم فقد عاد على حكم ملكه القديم لأن الردة ارتفعت من الأصل حكما وجعلت كأن لم تكن أصلا وإن مات أو قتل صار ماله لورثته وعتق أمهات أولاده ومدبروه ومكاتبوه إذا أدى إلى ورثته وتحل الديون التي عليه وتقضى عنه لأن هذه أحكام الموت وكذلك إذا لحق بدار الحرب مرتدا وقضى القاضي بلحاقه لأن اللحاق بدار الحرب بمنزلة الموت في حق زوال ملكه عن أمواله المتروكة في دار الإسلام لأن زوال الملك عن المال بالموت حقيقة لكونه مالا فاضلا عن حاجته لانتهاء حاجته بالموت وعجزه عن الانتفاع به وقد وجد هذا المعنى في اللحاق لأن المال الذي في دار الإسلام خرج من أن يكون منتفعا به في حقه لعجزه عن الانتفاع به فكان في حكم المال الفاضل عن حاجته لعجزه عن قضاء حاجته به فكان اللحاق بمنزلة الموت في كونه مزيلا للملك فإذا قضى القاضي باللحاق يحكم بعتق أمهات أولاده ومدبريه ويقسم ماله بين ورثته وتحل ديونه المؤجلة لأن هذه أحكام متعلقة بالموت وقد وجد معنى وأما المكاتب فيؤدي إلى ورثته فيعتق وإذا عتق فولاؤه للمرتد لأنه المعتق ولو لحق بدار الحرب ثم عاد إلى دار الإسلام مسلما فهذا لا يخلو من أحد وجهين أحدهما أن يعود قبل قضاء القاضي بلحاقه بدار الحرب والثاني أن يعود بعد ذلك فإن عاد قبل أن يقضي القاضي بلحاقه عاد على حكم أملاكه في المدبرين وأمهات الأولاد وغير ذلك لما ذكرنا أن هذه الأحكام متعلقة بالموت واللحوق بدار الحرب ليس بموت حقيقة لكنه يلحق بالموت إذا اتصل به قضاء القاضي باللحاق فإذا لم يتصل به لم يلحق فإذا عاد يعود على حكم ملكه وإن عاد بعد ما قضى القاضي باللحاق فما وجد من ماله في يد ورثته بحاله فهو أحق به لأن ولده جعل خلفا له في ماله فكان تصرفه في ماله بطريق الخلافة له كأنه وكيله فله أن يأخذ ما وجده قائما على حاله وما زال ملك الوارث عنه بالبيع أو بالعتق فلا رجوع فيه لأن تصرف الخلف كتصرف الأصل بمنزلة تصرف الوكيل وأما ما أعتق الحاكم من أمهات أولاده ومدبريه فلا سبيل عليهم لأن الإعتاق مما لا يحتمل الفسخ وكذا المكاتب إذا كان أدى المال إلى الورثة لا سبيل عليه أيضا لأن المكاتب عتق بأداء المال والعتق لا يحتمل الفسخ وما أدى إلى الورثة إن كان قائما أخذه ( ( ( أخذ ) ) ) وإن زال ملكهم عنه لا يجب عليهم ضمانه كسائر أمواله لما بينا وإن كان لم يؤد بدل الكتابة بعد يؤخذ بدل الكتابة وإن عجز عاد رقيقا له ولو رجع كافرا إلى دار الإسلام وأخذ طائفة من ماله وأدخلها إلى دار الحرب ثم ظهر المسلمون عليه فإن رجع بعد ما قضى بلحاقه فالورثة أحق به وإن وجدته قبل القسمة أخذته مجانا بلا عوض وإن وجدته بعد القسمة أخذته بالقيمة في ذوات القيم لأنه إذا لحق وقضى بلحاقه فقد زال ملكه إلى الورثة فهذا مال مسلم استولى عليه الكافر وأحرزه بدار الحرب ثم ظهر المسلمون على الدار فوجده المالك القديم فالحكم فيه ما ذكرنا وإن رجع قبل الحكم باللحاق ففيه روايتان في رواية هذا ورجوعه بعد الحكم باللحاق سواء وفي رواية أنه يكون فيئا لا حق للورثة فيه أصلا والله سبحانه وتعالى أعلم ولو جنى المرتد جناية ثم لحق بدار الحرب ثم عاد إلينا ثانيا فما كان من حقوق العباد كالقتل والغصب والقذف يؤخذ به وما كان من حقوق الله تبارك وتعالى كالزنا والسرقة وشرب الخمر يسقط عنه لأن اللحاق يلتحق بالموت فيورث شبهة في سقوط ما يسقط بالشبهات
ولو فعل شيئا من ذلك بعد اللحاق بدار الحرب ثم مات لم يؤخذ بشيء منه لأن فعله لم ينعقد موجبا لصيرورته في حكم أهل الحرب هذا الذي ذكرنا حكم ماله الذي خلفه في دار الإسلام وأما الذي لحق به في دار الحرب فهو ملكه حتى لو ظهر المسلمون عليه يكون فيئا لأن ملك الورثة لم يثبت في المال المحمول إلى دار الحرب فبقي على ملك المرتد وهو غير معصوم فكان محل التملك بالاستيلاء لسائر أموال أهل الحرب وأما حكم الميراث فنقول لا خلاف بين أصحابنا رضي الله عنهم في أن المال الذي اكتسبه في حالة الإسلام يكون ميراثا لورثته المسلمين إذا مات أو قتل أو لحق وقضي باللحاق وقال الشافعي رحمه الله هو فيء واحتج بما روي عن رسول الله أنه قال لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر نفى أن يرث المسلم الكافر ووارثه مسلم فيجب أن لا يرثه ولنا ما روي أن سيدنا عليا رضي الله عنه قتل المستورد العجلي بالردة وقسم ماله بين ورثته المسلمين وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ولم ينقل أنه أنكر منكر عليه فيكون إجماعا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولأن الردة في كونها سببا لزوال الملك كالموت على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه على ما قررناه فإذا ارتد فهذا مسلم مات فيرثه المسلم فكان هذا إرث المسلم من المسلم لا من الكافر فقد قلنا بموجب الحديث بحمد الله تعالى وأما على أصلهما فالردة إن كانت لا توجب زوال الملك يمكن احتمال العود إلى الإسلام ألا ترى أنه يجبر على الإسلام فيبقى على حكم الإسلام في حق حكم الإرث وذلك جائز ألا ترى أنه بقي على حكم الإسلام في حق المنع من التصرف في الخمر والخنزير فجاز أن يبقى عليه في حق حكم الإرث أيضا فلا يكون إرث المسلم من الكافر فيكون عملا بالحديث أيضا واختلفوا في المال الذي اكتسبه في حال الردة قال أبو حنيفة رضي الله عنه هو فيء وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله هو ميراث وجه قولهما أن كسب الردة ملكه لوجود سبب الملك من أهل الملك في محل قابل ولا شك أن المرتد أهل الملك لأن أهلية الملك بالحرية والردة لا تنافيها بل تنافي ما ينافيها وهو الرق إذ المرتد لا يحتمل الاسترقاق وإذا ثبت ملكه فيه احتمل الانتقال إلى ورثته بالموت أو ما هو في معنى الموت على ما بينا وجه قول أبي حنيفة رحمه الله ما ذكرنا أن الردة سبب لزوال الملك من حين وجودها بطريق الظهور على ما بينا ولا وجود للشيء مع وجود سبب زواله فكان الكسب في الردة مالا لا مالك له فلا يحتمل الإرث فيوضع في بيت مال المسلمين كاللقطة ثم اختلفوا فيما يورث من مال المرتد أنه يعتبر حال الوارث وهي أهلية الوراثة وقت الردة أم وقت الموت أم من وقت الردة إلى وقت الموت فعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعتبر أهلية الوراثة وقت الموت لأن ملك المرتد إنما يزول عندهما بالموت فتعتبر الأهلية في ذلك الوقت لا غير وعن أبي حنيفة رضي الله عنه روايتان في رواية يعتبر وقت الردة لا غير حتى لو كان أهلا وقت الردة ورث وإن زالت أهليته بعد ذلك وفي رواية يعتبر دوام الأهلية من وقت الردة إلى وقت الموت وجه هذه الرواية أن الإرث يثبت بطريق الاسناد ( ( ( الاستناد ) ) ) لا بطريق الظهور لأن الموت أمر لا بد منه للإرث والقول بالإرث بطريق الظهور إيجاب الإرث قبل الموت ولا سبيل إليه فإذا وجد الموت يثبت الإرث ثم يستند إلى وقت وجود الردة وزوال الأهلية فيما بين الوقتين يمنع من الإسناد ( ( ( الاستناد ) ) ) فيشترط دوام الأهلية من وقت الردة إلى وقت الموت حتى لو كان بعض الورثة مسلما وقت الردة ثم ارتد عن الإسلام قبل موت المرتد لا يورث وكذا إذا مات قبل موته أو المرأة انقضت عدتها قبل موته
وجه الرواية الأولى أن الإرث يتبع زوال الملك والملك زال بالردة من وقت وجودها فيثبت الإرث في ذلك الوقت بطريق الظهور قوله هذا إيجاب الإرث قبل الموت قلنا هذا ممنوع بل هذا إيجاب الإرث بعد الموت لأن الردة في معنى الموت لأنها تعمل عمل الموت في زوال الملك على ما بينا فكانت الردة موتا معنى وكذا اختلف أبو يوسف ومحمد رحمهما الله فيما إذا لحق بدار الحرب وقضى القاضي باللحاق أنه تعتبر أهلية الوراثة وقت القضاء باللحاق أم وقت اللحاق فعند أبي يوسف رحمه الله وقت القضاء وعند محمد رحمه الله تعتبر وقت اللحاق وجه قول محمد أن وقت الإرث وقت زوال الملك وملك المرتد إنما يزول باللحاق لأن به يعجز عن الانتفاع بماله المتروك في دار الإسلام إلا أن العجز قبل القضاء غير متقرر لا حتمال العود فإذا قضى تقرر العجز وصار العود بعده كالممتنع عادة فكان العامل في زوال الملك هو اللحاق فتعتبر الأهلية وقتئذ وجه قول أبي يوسف أن الملك لا يزول إلا بالقضاء فكان المؤثر في الزوال هو القضاء وعلى هذا الاختلاف المرتدة إذا لحقت بدار الحرب لأن المعنى لا يوجب الفصل ولو ارتد الزوجان معا ثم جاءت بولد ثم قتل الأب على ردته فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من حين الردة يرثه لأنه علم أن العلوق حصل في حالة الإسلام قطعا وإن جاءت به لستة أشهر فصاعدا من حين الردة لم يرثه لأنه يحتمل أنه علق في حالة الردة فلا يرث مع الشك ولو ارتد الزوج دون المرأة أو كانت له أم ولد مسلمة ورثه مع ورثته المسلمين وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر لأن الأم مسلمة فكان الولد على حكم الإسلام تبعا لأمه فيرث أباه ولو مات مسلم عن امرأته وهي حامل فارتدت ولحقت بدار الحرب فولدت هناك ثم ظهرنا على الدار فإنه لا يسترق ويرث أباه لأنه مسلم تبعا لأبيه ولو لم تكن ولدته حتى سبيت ثم ولدته في دار الإسلام فهو مسلم مرقوق مسلم تبعا لأبيه مرقوق تبعا لأمه ولا يرث أباه لأن الرق من أسباب الحرمان ولو تزوج المرتد مسلمة فولدت له غلاما أو وطىء أمة مسلمة فولدت له فهو مسلم تبعا للأم ويرث أباه لثبوت النسب وإن كانت الأم كافرة لا يحكم بإسلامه لأنه لم يوجد إسلام أحد الأبوين والله سبحانه أعلم وأما حكم الدين فعند أبي يوسف ومحمد ديون المرتد في كسب الإسلام والردة جميعا لأن كل ذلك عندهما ميراث وأما عند أبي حنيفة عليه الرحمة فقد ذكر أبو يوسف عنه أنه في كسب الردة إلا أن لا يفي به فيقضي الباقي من كسب الإسلام وروى الحسن رحمه الله عنه أنه في كسب الإسلام إلا أن لا يفي به فيقضي الباقي من كسب الردة وقال الحسن رحمه الله دين الإسلام في كسب الإسلام ودين الردة في كسب الردة وهو قول زفر رحمه الله والصحيح رواية الحسن لأن دين الإنسان يقضى من ماله لا من مال غيره وكذا دين الميت يقضى من ماله لا من مال وارثه لأن قيام الدين يمنع زوال ملكه إلى وارثه بقدر الدين لكون الدين مقدما على الإرث فكان قضاء دين كل ميت من ماله لا من مال وارثه وماله كسب الإسلام فأما كسب الردة فمال جماعة المسلمين فلا يقضى منه الدين إلا لضرورة فإذا لم يف به كسب الإسلام مست الضرورة فيقضى الباقي منه والله أعلم فصل وأما حكم ولد المرتد فولد المرتد لا يخلو من أن يكون مولودا في الإسلام أو في الردة فإن كان مولودا في الإسلام بأن ولد للزوجين ولد وهما مسلمان ثم ارتدا لا يحكم بردته ما دام في دار الإسلام لأنه لما ولد وأبواه مسلمان فقد حكم بإسلامه تبعا لأبويه فلا يزول بردتهما لتحول التبعية إلى الدار إذ الدار وإن كانت لا تصلح لإثبات التبعية ابتداء عند استتباع الأبوين تصلح للإبقاء لأنه أسهل من الابتداء فما دام في دار الإسلام يبقى على حكم الإسلام تبعا للدار
ولو لحق المرتدان بهذا الولد بدار الحرب فكبر الولد وولد له ولد وكبر ثم ظهر عليهم أما حكم المرتد والمرتدة فمعلوم وقد ذكرنا أن المرتد لا يسترق ويقتل والمرتدة تسترق ولا تقتل وتجبر على الإسلام بالحبس وأما حكم الأولاد فولد الأب يجبر على الإسلام ولا يقتل لأنه كان مسلما بإسلام أبويه تبعا لهما فلما بلغ كافرا فقد ارتد عنه والمرتد يجبر على الإسلام إلا أنه لا يقتل لأن هذه ردة حكمية لا حقيقية لوجود الإيمان حكما بطريق التبعية لا حقيقة فيجبر على الإسلام لكن بالحبس لا بالسيف إثباتا للحكم على قدر العلة ولا يجبر ولد ولده على الإسلام لأن ولد الولد لا يتبع الجد في الإسلام إذ لو كان كذلك لكان الكفار كلهم مرتدين لكونهم من أولاد آدم ونوح عليهما الصلاة والسلام فينبغي أن تجري عليهم أحكام أهل الردة وليس كذلك بالإجماع وإن كان مولودا في الردة بأن ارتد الزوجان ولا ولد لهما ثم حملت المرأة من زوجها بعد ردتها وهما مرتدان على حالهما فهذا الولد بمنزلة أبويه له حكم الردة حتى لو مات لا يصلى عليه لأن المرتد لا يرث أحدا ولو لحقا بهذا الولد بدار الحرب فبلغ وولد له أولاد فبلغوا ثم ظهر على الدار وسبوا جميعا يجبر ولد الأب وولد ولده على الإسلام ولا يقتلون كذا ذكر محمد في كتاب السير وذكر في الجامع الصغير أنه لا يجبر ولد ولده على الإسلام وجه ما ذكر في السير أن ولد الأب تبع لأبويه فكان محكوما بردته تبعا لأبويه وولد الولد تبع له فكان محكوما بردته تبعا له والمرتد يجبر على الإسلام إلا أنه لا يقتل لأن هذه ردة حكمية فيجبر على الإسلام بالحبس لا بالقتل وجه المذكور في الجامع أن هذا الولد إنما صار محكوما بردته تبعا لأبيه والتبع لا يستتبع غيره وأما حكم الاسترقاق فذكر في السير أنه يسترق الإناث والذكور الصغار من أولاده لأن أمهم مرتدة وهي تحتمل الاسترقاق والولد كما تبع الأم في الرق يتبعها في احتمال الاسترقاق وأما الكبار فلا يسترقون لانقطاع التبعية بالبلوغ ويجبرون على الإسلام وذكر في الجامع الصغير الولدان فيء أما الأول فلأن أمه مرتدة وأما الآخر فلأنه كافر أصلي لأن تبعية الأبوين في الردة قد انقطعت بالبلوغ وهو كافر فكان كافرا أصليا فاحتمل الاسترقاق ولو ارتدت امرأة وهي حامل ولحقت بدار الحرب ثم سبيت وهي حامل كان ولدها فيئا لأن السبي لحقه وهو في حكم جزء الأم فلا يبطل بالانفصال من الأم والذمي الذي نقض العهد ولحق بدار الحرب بمنزلة المرتد في سائر الأحكام من الإرث والحكم بعتق أمهات الأولاد والمدبرين ونحو ذلك لأن المعنى الذي يوجب لحاقه اللحاق بالموت في الأحكام التي ذكرنا لا يفصل إلا أنهما يفترقان من وجه وهو أن الذمي يسترق والمرتد لا يسترق وجه الفرق أن شرع الاسترقاق للتوسل إلى الإسلام واسترقاق المرتد لا يقع وسيلة إلى الإسلام لما ذكرنا أنه رجع بعد ما ذاق طعم الإسلام وعرف محاسنه فلا يرجى فلاحه بخلاف الذمي والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بيان أحكام البغاة فالكلام فيه في مواضع في تفسير البغاة وفي بيان ما يلزم إمام أهل العدل عند خروجهم عليه وفي بيان ما يصنع بهم وبأموالهم عند الظفر بهم والاستيلاء على أموالهم وفي بيان من يجوز قتله منهم ومن لا يجوز وفي بيان حكم إصابة الدماء والأموال من الطائفتين وفي بيان ما يصنع بقتلى الطائفتين وفي بيان حكم قضاياهم أما تفسير البغاة فالبغاة هم الخوارج وهم قوم من رأيهم أن كل ذنب كفر كبيرة كانت أو صغيرة يخرجون على إمام أهل العدل ويستحلون القتال والدماء والأموال بهذا التأويل ولهم منعة وقوة
وأما بيان ما يلزم إمام العدل عند خروجهم فنقول وبالله التوفيق إن علم الإمام أن الخوارج يشهرون السلاح ويتأهبون للقتال فينبغي له أن يأخذهم ويحبسهم حتى يقلعوا عن ذلك ويحدثوا توبة لأنه لو تركهم لسعوا في الأرض بالفساد فيأخذهم على أيديهم ولا يبدؤهم الإمام بالقتال حتى يبدؤوه ( ( ( يبدءوه ) ) ) لأن قتالهم لدفع شرهم لا لشر شركهم لأنهم مسلمون فما لم يتوجه الشر منهم لا يقاتلهم وإن لم يعلم الإمام بذلك حتى تعسكروا وتأهبوا للقتال فينبغي له أن يدعوهم إلى العدل والرجوع إلى رأي الجماعة أولا لرجاء الإجابة وقبول الدعوة كما في حق أهل الحرب وكذا روي أن سيدنا عليا رضي الله عنه لما خرج عليه أهل حر وراء ندب إليهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ليدعوهم إلى العدل فدعاهم وناظرهم فإن أجابوا كف عنهم وإن أبوا قاتلهم لقوله تعالى فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله وكذا قاتل سيدنا علي رضي الله عنه أهل حروراء بالنهروان بحضرة الصحابة رضي الله عنهم تصديقا لقوله عليه الصلاة والسلام لسيدنا علي إنك تقاتل على التأويل كما تقاتل على التنزيل والقتال على التأويل هو القتال مع الخوارج ودل الحديث على إمامة سيدنا علي رضي الله عنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم شبه قتال سيدنا علي رضي الله عنه على التأويل بقتاله على التنزيل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتاله بالتنزيل فلزم أن يكون سيدنا علي محقا في قتاله بالتأويل فلو لم يكن إمام حق لما كان محقا في قتاله إياهم ولأنهم ساعون في الأرض بالفساد فيقتلون دفعا للفساد على وجه الأرض وإن قاتلهم قبل الدعوة لا بأس بذلك لأن الدعوة قد بلغتهم لكونهم في دار الإسلام ومن المسلمين أيضا ويجب على كل من دعاه الإمام إلى قتالهم أن يجيبه إلى ذلك ولا يسعه التخلف إذا كان عنده غنا ( ( ( غنى ) ) ) وقدرة لأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية فرض فكيف فيما هو طاعة والله سبحانه وتعالى الموفق وما روي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه إذا وقعت الفتنة بين المسلمين فينبغي للرجل أن يعتزل الفتنة ويلزم بيته محمول على وقت خاص وهو أن لا يكون إمام يدعو ( ( ( يدعوه ) ) ) إلى القتال وأما إذا كان فدعاه يفترض عليه الإجابة لما ذكرنا وأما بيان ما يصنع بهم وبأموالهم عند الظفر بهم والاستيلاء على أموالهم فنقول الإمام إذا قاتل أهل البغي فهزمهم وولوا مدبرين فإن كانت لهم فئة ينحازون إليها فينبغي لأهل العدل أن يقتلوا مدبرهم ويجهزوا على جريحهم لئلا يتحيزوا إلى الفئة فيمتنعوا فيها ( ( ( بها ) ) ) فيكروا على أهل العدل وأما أسيرهم فإن شاء الإمام قتله استئصالا لشأفتهم وإن شاء حبسه لاندفاع شره بالأسر والحبس وإن لم يكن لهم فئة يتحيزون إليها لم يتبع مدبرهم ولم يجهز على جريحهم ولم يقتل أسيرهم لوقوع الأمن عن شرهم عند انعدام الفئة وأما أموالهم التي ظهر أهل العدل عليها فلا بأس بأن يستعينوا بكراعهم وسلاحهم على قتالهم كسرا لشوكتهم فإذا استغنوا عنها أمسكها الإمام لهم لأن أموالهم لا تحتمل التملك بالاستيلاء لكونهم مسلمين ولكن يحبسها عنهم إلى أن يزول بغيهم فإذا زال ردها عليهم وكذا ما سوى الكراع والسلاح من الأمتعة لا ينتفع به ولكن يمسك ويحبس عنهم إلى أن يزول بغيهم فيدفع إليهم لما قلنا ويقاتل أهل البغي بالمنجنيق والحرق والغرق وغير ذلك مما يقاتل به أهل الحرب لأن قتالهم لدفع شرهم وكسر شوكتهم فيقاتلون بكل ما يحصل به ذلك وللإمام أن يوادعهم لينظروا في أمورهم ولكن لا يجوز أن يأخذوا على ذلك مالا لما ذكرنا من قبل
وأما بيان من يجوز قتله منهم ومن لا يجوز فكل من لا يجوز قتله من أهل الحرب من الصبيان والنسوان والأشياخ والعميان لا يجوز قتله من أهل البغي لأن قتلهم لدفع شر قتالهم فيختص بأهل القتال وهؤلاء ليسوا من أهل القتال فلا يقتلون إلا إذا قاتلوا فيباح قتلهم في حال القتال وبعد الفراغ من القتال إلا الصبيان والمجانين على ما ذكرنا في حكم أهل الحرب والله سبحانه وتعالى أعلم وأما العبد المأسور من أهل البغي فإن كان قاتل مع مولاه يجوز قتله وإن كان يخدم مولاه لا يجوز قتله ولكن يحبس حتى يزول بغيهم فيرد عليهم وأما الكراع فلا يمسك ولكنه يباع ويحبس ثمنه لمالكه لأن ذلك أنفع له ولا يجوز للعادل أن يبتدىء بقتل ذي رحم محرم منه من أهل البغي مباشرة وإذا أراد هو قتله له أن يدفعه وإن كان لا يندفع إلا بالقتل فيجوز له أن يتسبب ليقتله غيره بأن يعقر دابته ليترجل فيقتله غيره بخلاف أهل الحرب فإنه يجوز قتل سائر ذوي الرحم المحرم منه مباشرة وتسببا ابتداء إلا الوالدين ووجه الفرق أن الشرك في الأصل مبيح لعموم قوله تبارك وتعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم إلا أنه خص منه الأبوان بنص خاص حيث قال الله تبارك وتعالى وصاحبهما في الدنيا معروفا فبقي غيرهما على عموم النص بخلاف أهل البغي لأن الإسلام في الأصل عاصم لقوله عليه السلام ( ( ( وسلم ) ) ) فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم والباغي مسلم إلا أنه أبيح قتل غير ذي الرحم المحرم من أهل البغي دفعا لشرهم لا لشوكتهم ودفع الشر يحصل بالدفع والتسبيب ليقتله غيره فبقيت العصمة عما وراء ذلك بالدليل العاصم وأما بيان حكم إصابة الدماء والأموال من الطائفتين فنقول لا خلاف في أن العادل إذا أصاب من أهل البغي من دم أو جراحة أو مال استهلكه أنه لا ضمان عليه وأما الباغي إذا أصاب شيئا من ذلك من أهل العدل فقد اختلفوا فيه قال أصحابنا إن ذلك موضوع وقال الشافعي رحمه الله إنه مضمون وجه قوله أن الباغي جان فيستوي في حقه وجود المنعة وعدمها لأن الجاني يستحق التغليظ دون التخفيف ولنا ما روي عن الزهري أنه قال وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون فاتفقوا أن كل دم استحل بتأويل القرآن فهو موضوع وكل مال استحل بتأويل القرآن فهو موضوع وكل فرج استحل بتأويل القرآن فهو موضوع ومثله لا يكذب فانعقد الإجماع من الصحابة رضي الله عنهم على ما قلنا وإنه حجة قاطعة والمعنى في المسألة ما نبه عليه الصحابة رضي الله عنهم وهو أن لهم في الاستحلال تأويلا في الجملة وإن كان فاسدا لكن لهم منعة والتأويل الفاسد عند قيام المنعة يكفي لرفع الضمان كتأويل أهل الحرب ولأن الولاية من الجانبين منقطعة لوجود المنعة فلم يكن الوجوب مفيدا لتعذر الاستيفاء فلم يجب ولو فعلوا شيئا من ذلك قبل الخروج وظهور المنعة أو بعد الانهزام وتفرق الجمع يؤخذون به لأن المنعة إذا انعدمت الولاية وبقي مجرد تأويل فاسد فلا يعتبر في دفع الضمان ولو قتل تاجر من أهل العدل تاجرا آخر من أهل العدل في عسكر أهل البغي أو قتل الأسير من أهل العدل أسيرا آخر أو قطع ثم ظهر عليه فلا قصاص عليه لأن الفعل لم يقع موجبا لتعذر الاستيفاء وانعدام الولاية كما لو قطع في دار الحرب لأن عسكر أهل البغي في حق انقطاع الولاية ودار الحرب سواء والله عز وجل أعلم ثم لا خلاف في أن العادل إذا قتل باغيا لا يحرم الميراث لأنه لم يوجد قتل نفس بغير حق لسقوط عصمة نفسه وأما الباغي إذا قتل العادل يحرم الميراث عند أبي يوسف وعند أبي حنيفة ومحمد إن قال قتلته وكنت على حق وأنا الآن على حق لا يحرم الميراث وإن قال قتلته وأنا أعلم أني على باطل يحرم
وجه قول أبي يوسف أن تأويله فاسد إلا أنه ألحق بالصحيح عند وجود المنعة في حق الدفع لا في حق الاستحقاق فلا يعتبر في حق استحقاق الميراث وجه قولهما أنا نعتبر تأويله في حق الدفع والاستحقاق لأن سبب استحقاق الميراث هو القرابة وإنها موجودة إلا أن قتل نفس بغير حق سبب الحرمان فإذا قتله على تأويل الاستحلال والمنعة موجودة اعتبرناه في حق الدفع وهو دفع الحرمان فأشبه الضمان إلا أنه إذا قال قتلته وأنا أعلم إني على باطل يحرم الميراث لأن التأويل الفاسد إنما يلحق بالصحيح إذا كان مصرا عليه فإذا لم يصر فلا تأويل له فلا يندفع عنه الضمان والله سبحانه وتعالى أعلم وأما بيان ما يصنع بقتلى الطائفتين فنقول وبالله تعالى التوفيق أما قتلى أهل العدل فيصنع بهم ما يصنع بسائر الشهداء لا يغسلون ويدفنون في ثيابهم ولا ينزع عنهم إلا ما لا يصلح كفنا ويصلى عليهم لأنهم شهداء لكونهم مقتولين ظلما وقد روي أن زيد بن صرحان ( ( ( صوحان ) ) ) اليمني كان يوم الجمل تحت راية سيدنا علي رضي الله عنهما فأوصى في رمقه لا تنزعواعني ثوبا ولا تغسلوا عني دما وارمسوني في التراث ( ( ( التراب ) ) ) رمسا فإني رجل محاج أحاج يوم القيامة وأما قتلى أهل البغى فلا يصلي عليهم لأنه روي أن سيدنا عليا رضي الله عنه ما صلى على أهل حروراء ولكنهم يغسلون ويكفنون ويدفنون لأن ذلك من سنة موتى بني سيدنا آدم عليه السلام ويكره أن تؤخذ رؤوسهم وتبعث إلى الآفاق وكذلك رؤوس أهل الحرب لأن ذلك من باب المثلة وأنه منهي لقوله صلى الله عليه وسلم لا تمثلوا فيكره إلا إذا كان في ذلك وهن لهم فلا بأس به لما روي أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه جز رأس أبي جهل عليه اللعنة يوم بدر وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبا جهل كان فرعون هذه الأمة ولم ينكر عليه ويكره بيع السلاح من أهل البغي وفي عساكرهم لأنه إعانة لهم على المعصية ولا يكره بيع ما يتخذ منه السلاح كالحديد ونحوه لأنه لا يصير سلاحا إلا بالعمل ونظيره أنه يكره بيع المزامير ولا يكره بيع ما يتخذ منه المزمار وهو الخشب والقصب وكذا بيع الخمر باطل ولا يبطل بيع ما يتخذ منه وهو العنب كذا هذا والله سبحانه وتعالى أعلم وأما بيان حكم قضاياهم فنقول الخوارج إذا ولوا قاضيا فالأمر لا يخلو من أحد وجهين إما إن ولوا رجلا من أهل البغي وإما إن ولوا رجلا من أهل العدل فإن ولوا رجلا من أهل البغي فقضى بقضايا ثم رفعت قضاياه إلى قاضي أهل العدل لا ينفذها لأنه لا يعلم كونها حقا لأنهم يستحلون دماءنا وأموالنا فاحتمل إنه قضى بما هو باطل على رأي الجماعة فلا يجوز له تنفيذه مع الاحتمال ولو كتب قاضي أهل البغي إلى قاضي أهل العدل بكتاب فإن علم أنه قضى بشهادة أهل العدل أنفذه لأنه تنفيذا ( ( ( تنفيذ ) ) ) لحق ظاهرا وإن كان لا يعلم لا ينفذه لأنه لا يعلم كونه حقا فلا يجوز تنفيذه لقوله تعالى ( ( ( تبارك ) ) ) ولا تقف ما ليس لك به علم وإن ولوا رجلا من أهل العدل فقضى فيما بينهم بقضايا ثم رفعت قضاياه إلى قاضي أهل العدل نفذها لأن التولية إياه قد صحت ولأنه يقدر على تنفيذ القضايا بمنعتهم وقوتهم فصحت التولية والظاهر أنه قضى على رأي أهل العدل فلا يملك إبطاله كما إذا رفعت قضايا قاضي أهل العدل إلى بعض قضاة أهل العدل وما أخذوا من البلاد التي ظهروا عليها من الخراج والزكاة التي ولاية أخذها للإمام لا يأخذه الإمام ثانيا لأن حق الأخذ للإمام لمكان حمايته ولم توجد إلا أنهم يفتون بأن يعيدوا الزكاة استحسانا لأن الظاهر أنهم لا يصرفونها إلى مصارفها فأما الخراج فمصرفه المقاتلة
وهم يقاتلون أهل الحرب والله تعالى أعلم كتاب الغصب جمع محمد رحمه الله في كتاب الغصب بين مسائل الغصب وبين مسائل الإتلاف وبدأ بمسائل الغصب فنبدأ بما بدأ به فنقول وبالله التوفيق معرفة مسائل الغصب في الأصل مبنية على معرفة حد الغصب وعلى معرفة حكم اختلاف الغاصب والمغصوب منه أما حد الغصب فقد اختلف العلماء فيه قال أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما هو إزالة يد المالك عن ماله المتقوم على سبيل المجاهرة والمغالبة بفعل في المال وقال محمد رحمه الله الفعل في المال ليس بشرط لكونه غصبا وقال الشافعي رحمه الله هو إثبات اليد على مال الغير بغير إذنه والإزالة ليست بشرط أما الكلام مع الشافعي رحمه الله فهو احتج لتمهيد أصله بقوله سبحانه وتعالى وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا جعل الغصب مصدر الأخذ فدل أن الغصب والأخذ واحد والأخذ إثبات اليد إلا أن الإثبات إذا كان بإذن المالك يسمى إيداعا وإعارة وإبضاعا في عرف الشرع وإذا كان بغير إذن المالك يسمى في متعارف الشرع غصبا ولأن الغصب إنما جعل سببا لوجوب الضمان بوصف كونه تعديا فإذا وقع الإثبات بغير إذن المالك وقع تعديا فيكون سببا لوجوب الضمان بوصف كونه تعديا والدليل عليه أن غاصب الغاصب ضامن وإن لم يوجد منه إزالة يد المالك لزوالها بغصب الغاصب الأول وإزالة الزائل محال والله سبحانه وتعالى أعلم ولنا الاستدلال بضمان الغصب من وجهين أحدهما أن المالك استحق إزالة يد الغاصب عن الضمان فلا بد وأن يكون الغصب منه إزالة يد المالك لأن الله تبارك وتعالى لم يشرع الاعتداء إلا بالمثل بقوله سبحانه وتعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم والثاني أن ضمان الغصب لا يخلو إما أن يكون ضمان زجر وإما أن يكون ضمان جبر ولا سبيل إلى الأول لأنه يجب على من ليس من أهل الزجر ولأن الانزجار لا يحصل به فدل أنه ضمان جبر والجبر يستدعي الفوات فدل أنه لا بد من التفويت لتحقق الغصب ولا حجة له في الآية لأن الله تعالى فسر أخذ الملك تلك السفينة بغصبه إياها كأنه قال سبحانه وتعالى وكان وراءهم ملك يغصب كل سفينة وهذا لا يدل على أن كل أخذ غصب بل هي حجة عليه لأن غصب ذلك الملك كان إثبات اليد على السفينة مع إزالة أيدي المساكين عنها فدل على أن الغصب إثبات على وجه يتضمن الإزالة وأما قوله الغصب إنما أوجب الضمان لكونه تعديا فمسلم لكن التعدي في الإزالة لا في الإثبات لأن وقوعه تعديا بوقوعه ضارا بالمالك وذلك بإخراجه من أن يكون منتفعا به في حق المالك وإعجازه عن الانتفاع به وهو تفسير تفويت اليد وإزالتها فأما مجرد الإثبات فلا ضرر فيه فلم يكن الإثبات تعديا وعلى هذا الأصل يخرج زوائد الغصب أنها ليست بمضمونة سواء كانت منفصلة كالولد واللبن والثمرة أو متصلة كالسمن والجمال لأنها لم تكن في يد المالك وقت غصب الأم فلم توجد إزالة يده عنها فلم يوجد الغصب وعند محمد مضمونة لأن الغصب عنده إثبات اليد على مال الغير بغير إذن مالكه وقد وجد الغصب وهل تصير مضمونة عندنا بالبيع والتسليم والمنع أو الاستهلاك أو الاستخدام جبرا أما المنفصلة فلا خلاف بين أصحابنا رضي الله عنهم في أنها تصير مضمونة بها وأما المتصلة فذكر في الأصل أنها تصير مضمونة بالبيع والتسليم ولم يذكر الخلاف وصورة المسألة إذا غصب جارية قيمتها ألف درهم فازدات ( ( ( فازدادت ) ) ) في بدنها خيرا حتى صارت قيمتها ألفي درهم فباعها وسلمها إلى المشتري فهلكت في يده فالمالك بالخيار إن شاء ضمن المشتري قيمتها ألفي درهم وإن شاء ضمن البائع فإن اختار تضمين المشتري ضمنه قيمتها يوم القبض ألفي درهم وإن اختار تضمين البائع ضمنه بالبيع والتسليم قيمتها ألفي درهم أيضا كذا ذكر في الأصل ولم يذكر الخلاف
وحكى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله الخلاف أن على قول أبي حنيفة رحمه إن شاء ضمن المشتري قيمتها يوم القبض ألفي درهم وإن شاء ضمن الغاصب قيمتها يوم الغصب ألف درهم وليس له أن يضمنه زيادة بالبيع والتسليم وكذا ذكره الحاكم الشهيد في المنتقى وحكى الخلاف وهكذا ذكر الطحاوي في مختصره إلا أنه ذكر الاستهلاك مطلقا فقال إلا أن يستهلكها وفسره الجصاص في شرحه مختصر الطحاوي فقال إلا أن يكون عبدا أو جارية فيقتل وهذا هو الصحيح إن المغصوب إذا كان عبدا أو جارية فقتله الغاصب خطأ يكون المالك بالخيار إن شاء ضمن الغاصب قيمته يوم الغصب وإن شاء ضمن عاقلة القاتل قيمته وقت القتل زائدة في ثلاث سنين وجه قولهما أن البيع والتسليم غصب لأنه تفويت إمكان الأخذ لأن المالك كان متمكنا من أخذه منه قبل البيع والتسليم وبعد البيع والتسليم لم يبق متمكنا وتفويت إمكان الأخذ تفويت اليد معنى فكان غصبا موجبا للضمان وهذا لأن تفويت يد المالك إنما كان غصبا موجبا للضمان لكونه إخراج المال من أن يكون منتفعا به في حق المالك وإعجازه عن الانتفاع بماله وهذا يحصل بتفويت إمكان الأخذ فيوجب الضمان ولهذا يجب الضمان على غاصب الغاصب ومودع الغاصب والمشتري من الغاصب كذا هذا ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن الأصل مضمون بالغصب الأول فلا يقع البيع والتسليم غصبا له لأن غصب المغصوب لا يتصور والزيادة المتصلة لا يتصور إفرادها بالغصب لتصير مغصوبة بالبيع والتسليم بخلاف الزيادة المنفصلة فإن إفرادها بالغصب بدون الأصل متصور فلم تكن مغصوبة بالغصب الأول لانعدامها فجاز أن تصير مغصوبة بالبيع والتسليم فهذا الفرق بين الزيادتين وبخلاف القتل لأن قتل المغصوب متصور لأن محل القتل غير محل الغصب فمحمل ( ( ( فمحل ) ) ) القتل هو الحياة ومحمل ( ( ( ومحل ) ) ) الغصب هو مالية العين فتحقق الغصب لا يمنع تحقق القتل إلا أن المضمون واحد والمستحق للضمان واحد فيخير ولأن الأصل مضمون بالغصب السابق لا شك فيه فيصير مملوكا للغاصب من ذلك الوقت بلا خلاف بين أصحابنا رحمهم الله وأما الزيادة المتصلة فالزيادة حدثت ( ( ( حصلت ) ) ) على ملك الغاصب لأنها نماء ملكه فتكون ملكه فكان البيع والتسليم والمنع والاستخدام والاستهلاك في غير بني آدم تصرفا في ملك نفسه فلا يكون مضمونا عليه كما لو تصرف في سائر أملاكه بخلاف الزيادة المنفصلة لأنا أثبتنا الملك بطريق الاستناد فالمستند يظهر من وجه ويتقصر ( ( ( ويقتصر ) ) ) على الحال من وجه فيعمل بشبهة الظهور في الزوائد المتصلة وبشبه ( ( ( وبشبهة ) ) ) الاقتصار في المنفصلة إذ لا يكون العمل به على العكس ليكون عملا بالشبهين بقدر الإمكان وأما على طريق الظهور المحض فتخريجهما مشكل والله تعالى الموفق بخلاف القتل لأن العبد إنما يضمن بالقتل من حيث إنه آدمي لا من حيث إنه مال والغاصب إنما ملكه بالضمان من وقت الغصب من حيث إنه مال لا من حيث إنه آدمي لأنه من حيث إنه آدمي لا يحتمل التملك فلم يكن هو بالقتل متصرفا في ملك نفسه لهذا افترقا والله سبحانه وتعالى أعلم ثم على أصلهما ( ( ( أصلها ) ) ) إذا اختار المالك تضمين البائع هل يثبت له الخيار بين أن يضمنه ألفي درهم وقت البيع وبين أن يضمنه ألف درهم وقت الغصب قال بعض مشايخنا يثبت وهذا غير سديد لأن التخيير بين القليل والكثير عند اتحاد الذمة من باب السفه بخلاف التخيير بين البائع والمشتري عند أبي حنيفة رحمه الله لأن هناك الذمة مختلفة فمن الجائز أن يكون أحدهما مليا والآخر مفلسا فكان التخيير مفيدا وبخلاف القتل لأن ضمان القتل ضمان الدم وأنه مؤجل إلى ثلاث سنين وضمان الغصب ضمان المال وأنه حال فكان التخيير مفيدا
ثم إذا ضمن المالك الغاصب قيمة المغصوب وقت الغصب أو وقت البيع والتسليم جاز البيع لأنه تبين أنه باع ملك نفسه والثمن له لأنه بدل ملكه وإن ضمن المشتري قيمته وقت القبض بطل البيع ورجع المشتري بالثمن على البائع لأنه تبين أنه أخذه بغير حق وليس له أن يرجع على البائع بالضمان ولو غصب من إنسان شيئا فجاء آخر وغصبه منه فهلك في يده فالمالك بالخيار إن شاء ضمن الأول وإن شاء ضمن الثاني أما تضمين الأول فلوجود فعل الغصب منه وهو تفويت يد المالك وأما تضمينه الثاني فلأنه فوت يد الغاصب الأول ويده يد المالك من وجه لأنه يحفظ ماله ويتمكن من رده على المالك ويستقر بهما الضمان في ذمته فكانت منفعة يده عائدة إلى المالك فأشبهت يد المودع وقد وجد من كل واحد منهما سبب وجوب الضمان إلا أن المضمون واحد فخيرنا المالك لتعين المستحق فإن اختار أن يضمن الأول رجع بالضمان على الثاني لأنه ملك المغصوب من وقت غصبه فتبين أن الثاني غصب ملكه وإن اختار تضمين الثاني لا يرجع على أحد لأنه ضمن بفعل نفسه وهو تفويت يد المالك من وجه على ما بينا وكذلك إن استهلكه الغاصب الثاني ومتى اختار تضمين أحدهما هل يبرأ الآخر عن الضمان بنفس الاختيار ذكر في الجامع أنه يبرأ حتى لو أراد تضمينه بعد ذلك لم يكن له ذلك وروى ابن سماعة رحمه الله في نوادره عن محمد أنه لا يبرأ ما لم يرض من اختار تضمينه أو يقضى به عليه وجه رواية النوادر أن عند وجود الرضا أو القضاء بالضمان صار المغصوب ملكا للذي ضمنه لأنه باعه منه فلا يملك الرجوع بعد تمليكه كما لو باعه من الأول فأما قبل وجود الرضا أو القضاء بالضمان صار المغصوب ملكا للذي ضمنه لأنه باعه منه فلا يملك الرجوع بعد تمليكه كما لو باعه من الأول فأما قبل وجود الرضا أو القضاء فلم يوجد منه التمليك من أحدهما فله أن يملكه من أيهما شاء وجه رواية الجامع ما ذكرنا أنه باختياره تضمين الغاصب الآخر أظهر أنه راض بأخذ الأول وأنه بمنزلة المودع وباختيار تضمين الأول أظهر أن الثاني ما أتلف عليه شيئا لأنه لم يفوت يده والله سبحانه وتعالى أعلم ولو باع الغاصب المغصوب من الثاني فهلك في يده يتخير المالك فيضمن أيهما شاء فإن ضمن الغاصب جاز بيعه والثمن له لما ذكرنا وإن ضمن المشتري بطل البيع ولا يرجع بالضمان على البائع ولكنه يرجع بالثمن عليه لما ذكرنا وكذلك لو استهلكه المشتري ولو كان المغصوب عبدا فأعتقه المشتري من الغاصب ثم أجاز المالك البيع نفذ إعتاقه استحسانا وعند محمد وزفر رحمهما الله لا ينفذ قياسا ولاخلاف في أنه لو باعه المشتري ثم أجاز المالك البيع الأول أنه لا ينفذ البيع الثاني وجه القياس ما روي عن رسول الله أنه قال لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم ولا ملك للمشتري في العبد لأنه ملك المغصوب منه فلا ينعقد إعتاقه فيه فينفذ عليه عند الإجازة ولهذا لم ينفذ بيعه وجه الاستحسان أن إعتاق المشتري صادف ملكا على التوقف فينعقد على التوقف كالمشتري من الوارث عبدا من التركة المستغرقة بالدين إذا أعتقه ثم أبرأ الغرماء الميت عن ديونهم والدليل على أن الإعتاق صادف ملكا على التوقف أن سبب الملك انعقد على التوقف وهو البيع المطلق الخالي عن الشرط ممن هو من أهل البيع في محل قابل إلا أنه لم ينفذ دفعا للضرر عن المالك ولا ضرر عليه في التوقف فيتوقف وإذا توقف سبب الملك يتوقف الملك فيتوقف الإعتاق بخلاف البيع فإنه يعتمد شروطا أخر ألا ترى أنه لا يجوز بيع المنقول قبل القبض مع قيام الملك لمعنى الغرر وفي توقيف نفاذ البيع الأول تحقيق معنى الغرر
ولو أودع الغاصب المغصوب فهلك في يد المودع يتخير المالك في التضمين فإن ضمن الغاصب لا يرجع بالضمان على أحد لأنه تبين أنه أودع ملك نفسه وإن ضمن المودع يرجع على الغاصب لأنه غره بالإيداع فيرجع عليه بضمان الغرر وهو ضمان الالتزام في الحقيقة ولو استهلكه المودع فالجواب على القلب من الأول أنه إن ضمن الغاصب فالغاصب يرجع بالضمان على المودع لأنه تبين أنه استهلك ماله وإن ضمن المودع لم يرجع على الغاصب لأنه ضمن بفعل نفسه فلا يرجع على أحد ولو آجر الغاصب المغصوب أو رهنه من إنسان فهلك في يده يتخير المالك فإن ضمن الغاصب لا يرجع على المستأجر والمرتهن لأنه تبين أنه آجر ورهن ملك نفسه إلا أن في الرهن يسقط دين المرتهن على ما هو حكم هلاك الرهن وإن ضمن المستأجر أو المرتهن يرجع على الغاصب بما ضمن والمرتهن يرجع بدينه أيضا أما رجوع المرتهن بالضمان فلا شك فيه لصيرورته مغرورا وأما رجوع المستأجر فلأنه وإن استفاد ملك المنفعة لكن بعوض وهو الأجرة فيتحقق الغرور فأشبه المودع ولو استهلكه المستأجر أو المرتهن يتخير المالك إلا أنه إن ضمن الغاصب يرجع على المستأجر والمرتهن لأنه تبين أنه آجر ملك نفسه ورهن ملك نفسه فاستهلكه المستأجر والمرتهن وإن ضمن المستأجر أو المرتهن لم يرجع على أحد لأنه ضمن بفعل نفسه والله سبحانه وتعالى أعلم ولو أعاره الغاصب فهلك في يد المستعير يتخير المالك وأيهما ضمن لا يرجع بالضمان على صاحبه أما الغاصب فلا شك فيه لأنه أعاد ( ( ( أعار ) ) ) ملك نفسه فهلك في يد المستعير وأما المستعير فلأنه استفاد ملك المنفعة فلم يتحقق الغرور والله تعالى أعلم وعلى هذا تخرج منافع الأعيان المنقولة المغصوبة إنها ليست بمضمونة عندنا وعند الشافعي رحمه الله مضمونة نحو ما إذا غصب عبدا أو دابة فأمسكه أياما ولم يستعمله ثم رده على مالكه لأنه لم يوجد تفويت يد المالك عن المنافع لأنها أعراض تحدث شيئا فشيئا على حسب حدوث الزمان فالمنفعة الحادثة على يد الغاصب لم تكن موجودة في يد المالك فلم يوجد تفويت يد المالك عنها فلم يوجد الغصب وعنده حد الغصب إثبات اليد على مال الغير بغير إذن مالكه وقد وجد في المنافع والمنفعة مال بدليل أنه يجوز أخذ العوض عنها في الإجارة وتصلح مهرا في النكاح فتحقق الغصب فيها فيجب الضمان وعلى هذا يخرج ما إذا غصب دارا أو عقارا فإنهدم شيء من البناء أو جاء سيل فذهب بالبناء والأشجار أو غلب الماء على الأرض فبقيت تحت الماء أنه لا ضمان عليه في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وأبي يوسف الآخر وعند محمد وهو قول أبي يوسف الأول يضمن وهو قول الشافعي رحمه الله وأما الشافعي فقد مر على أصله في تحديد الغصب أنه إثبات اليد على مال الغير بغير إذن مالكه وهذا يوجد في العقار كما يوجد في المنقول وأما محمد رحمه الله تعالى فقد مر على أصله في حد الغصب أنه إزالة يد المالك عن ماله والفعل في المال ليس بشرط وقد وجد تفويت يد المالك عن العقار لأن ذلك عبارة عن إخراج المال من أن يكون منتفعا به في حق المالك أو إعجاز المالك عن الانتفاع به وهذا كما يوجد في المنقول يوجد في العقار فيتحقق الغصب والدليل عليه مسألة ذكرناها في الرجوع عن الشهادات وهي إن من ادعى على آخر دارا فأنكر المدعى عليه فأقام المدعي شاهدين وقضى القاضي بشهادتهما ثم رجعا يضمنان كما لو كانت الدعوى في المنقول فقد سوى بين العقار والمنقول في ضمان الرجوع فدل أن الغصب الموجب للضمان يتحقق فيهما جميعا وأما أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله فمرا على أصلهما أن الغصب إزالة يد المالك عن ماله بفعل في المال ولم يوجد في العقار
والدليل على أن هذا شرط تحقق الغصب الاستدلال بضمان الغصب فإن أخذ الضمان من الغاصب تفويت يده عنه بفعل في الضمان فيستدعي وجود مثله منه في المغصوب ليكون اعتداء المثل ( ( ( بالمثل ) ) ) وعلى أنهما إن سلما تحقق الغصب في العقار فالأصل في الغصب أن لا يكون سببا لوجوب الضمان لأن أخذ الضمان من الغاصب إتلاف ماله عليه ألا ترى أنه تزول يده وملكه عن الضمان فيستدعي وجود الإتلاف منه إما حقيقة أو تقديرا لأن الله سبحانه وتعالى لم يشرع الاعتداء إلا بالمثل قال الله سبحانه وتعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ولم يوجد ههنا الإتلاف من الغاصب لا حقيقة ولا تقديرا أما الحقيقة فظاهرة وأما التقدير فلأن ذلك بالعقل ( ( ( بالنقل ) ) ) والتحويل والتغييب عن المالك على وجه لا يقف على مكانه ولهذا لو حبس رجلا حتى ضاعت مواشيه وفسد زرعه لا ضمان عليه والعقار لا يحتمل النقل والتحويل فلم يوجد الإتلاف حقيقة وتقديرا فينتفي الضمان لضرورة النص وعلى هذا الاختلاف إذا غصب عقارا فجاء إنسان فأتلفه فالضمان على المتلف عندهما لأن الغصب لا يتحقق في العقار فيعتبر الإتلاف وعند محمد يتحقق الغصب فيه فيتخير المالك فإن اختار تضمين الغاصب فالغاصب يرجع بالضمان على المتلف وإن اختار تضمين المتلف لا يرجع على أحد لأنه ضمن بفعل نفسه وأما مسألة الرجوع عن الشهادة فمن أصحابنا من منعها وقال إن محمدا رحمه الله بنى الجواب على أصل نفسه فأما على قولهما فلا يضمنان ومنهم من سلم ولا بأس بالتسليم لأن ضمان الرجوع ضمان إتلاف لا ضمان غصب والعقار مضمون بالإتلاف بلا خلاف وعلى هذا يخرج ما إذا غصب صبيا حرا من أهله فمات في يده من غير آفة أصابته بأن مرض في يده فمات أنه لا يضمن لأن كون المغصوب مالا شرط تحقق الغصب والحر ليس بمال ولو مات في يده بآفة بأن عقره أسد أو نهشته حية ونحو ذلك يضمن لوجود الإتلاف منه تسبيبا والحر يضمن بالإتلاف مباشرة وتسبيبا على ما نذكره في مسائل الإتلاف إن شاء الله تعالى ولو غصب مدبرا فهلك في يده يضمن لأن المدبر مال متقوم إلا أنه امتنع جواز بيعه إذا كان مدبرا مطلقا مع كونه مالا متقوما لانعقاد سبب الحرية للحال وفي البيع إبطال السبب على ما عرف وكذلك لو غصب مكاتبا فهلك في يده لأنه عبد ما بقي عليه درهم على لسان رسول الله فكان مالا متقوما ومعتق البعض بمنزلة المكاتب على أصل أبي حنيفة فكان مضمونا بالغصب كالمكاتب وعلى أصلهما هو حر عليه دين والحر لا يضمن بالغصب ولو غصب أم ولد إنسان فهلكت عنده ( ( ( عندهم ) ) ) لم يضمن عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما يضمن وأم الولد لا تضمن بالغصب ولا بالقبض في البيع الفاسد ولا بالإعتاق كجارية بين رجلين جاءت بولد فادعياه جميعا ثم أعتقها أحدهما لا يضمن لشريكه شيئا ولا تسعى هي في شيء أيضا عنده وعندهما يضمن في ذلك كله كالمدبر ولقب المسألة أن أم الولد هل هي متقومة من حيث إنها مال أم لا ولا خلاف أنها متقومة بالقتل ولا خلاف في أن المدبر متقوم وجه قولهما أنه ( ( ( أنها ) ) ) كانت مالا متقوما والاستيلاد لا يوجب المالية والتقوم لأنه لا يثبت به إلا حق الحرية فإنه لا يبطل المالية والتقوم كما في المدبر
وجه قول أبي حنيفة رضي الله عنه أن الاستيلاد إعتاق لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في جاريته مارية أعتقها ولدها فظاهره يقتضي ثبوت العتق للحال في جميع الأحكام إلا أنه تأخر في حق بعض الأحكام فمن ادعى التأخر في حق سقوط المالية والتقوم فعليه الدليل بخلاف المدبر لأن التدبير ليس بإعتاق للحال على معنى أنه لا يثبت به العتق للحال أصلا وإنما الموجود للحال مباشرة سبب العتق من غير عتق وهذا لا يمنع بقاء المالية والتقويم ويمنع جواز البيع لما قلنا وعلى هذا يخرج ما إذا غصب جلد ميتة لذمي أو لمسلم فهلك في يده أو استهلكه أنه لا يضمن لأن الميتة والدم ليسا بمال في الأديان كلها ولو دبغه الغاصب وصار مالا فحكمه نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى وعلى هذا يخرج ما إذا غصب خمرا لمسلم أو خنزيرا له فهلك في يده أنه لا يضمن سواء كان الغاصب مسلما أو ذميا لأن الخمر ليست بمال متقوم في حق المسلم وكذا الخنزير فلا يضمنان بالغصب ولو غصب خمرا أو خنزيرا لذمي فهلك في يده يضمن سواء كان الغاصب ذميا أو مسلما غير أن الغاصب إن كان ذميا فعليه في الخمر مثلها وفي الخنزير قيمته وإن كان مسلما فعليه القيمة فيهما جميعا وهذا عندنا وقال الشافعي لا ضمان على غاصب الخمر والخنزير كائنا من كان وجه قوله أن حرمة الخمر والخنزير ثابتة في حق الناس كافة لقوله سبحانه وتعالى في صفة الخمور إنه رجس من عمل الشيطان وصفة المحل لا تختلف باختلاف الشخص وقوله عليه السلام حرمت الخمر لعينها أخبر عليه السلام كونها محرمة وجعل علة حرمتها عينها فتدور الحرمة مع العين وإذا كانت محرمة لا تكون مالا لأن المال ما يكون منتفعا به حقيقة مباح الانتفاع به شرعا على الإطلاق ولنا ما روي عنه أنه قال في الحديث المعروف فأعلموهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين وللمسلم الضمان إذا غصب منه خله وشاته ونحو ذلك إذا هلك في يد الغاصب فيلزم أن يكون للذمي الضمان إذا غصب منه خمره أو خنزيره ليكون لهم ما للمسلمين عملا بظاهر الحديث وأما الكلام في المسألة من حيث المعنى فبعض مشايخنا قالوا الخمر مباح في حق أهل الذمة وكذا الخنزير فالخمر في حقهم كالخل في حقنا والخنزير في حقهم كالشاة في حقنا في حق الإباحة شرعا فكان كل واحد منهما مالا متقوما في حقهم ودليل الإباحة في حقهم أن كل واحد منهم منتفع به حقيقة لأنه صالح لإقامة مصلحة البقاء والأصل في أسباب البقاء هو الإطلاق إلا أن الحرمة في حق المسلم تثبت نصا غير معقول المعنى أو معقول المعنى لمعنى لا يوجد ههنا أو يوجد لكنه يقتضي الحل لا الحرمة وهو قوله تعالى إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون لأن الصد لا يوجد في الكفرة والعداوة فيما بينهم واجب الوقوع ولأنها سبب المنازعة والمنازعة سبب الهلاك وهذا يوجب الحل لا الحرمة فلا تثبت الحرمة في حقهم وبعضهم قالوا إن الحرمة ثابتة في حقهم كما هي ثابتة في حق المسلمين لأن الكفار مخاطبون بشرائع هي حرمات عندنا وهو الصحيح من الأقوال على ما عرف في أصول الفقه وعلى هذا طريق وجوب الضمان وجهان أحدهما أن الخمر وإن لم يكن مالا متقوما في الحال فهي بعرض أن تصير مالا متقوما في الثاني بالتخلل والتخليل ووجوب ضمان الغصب والإتلاف يعتمد كون المحل المغصوب والمتلف مالا متقوما في الجملة ولا يقف على ذلك للحال ألا ترى أن المهر والجحش وما لا منفعة له في الحال مضمون بالغصب والإتلاف والثاني أن الشرع منعنا عن التعرض لهم بالمنع عن شرب الخمر وأكل الخنزير لما روي عن سيدنا علي كرم الله وجهه أنه قال أمرنا بأن نتركهم وما يدينون ومثله لا يكذب
وقد دانوا شرب الخمر وأكل الخنزير فلزمنا ترك التعرض لهم في ذلك وبقي الضمان بالغصب والإتلاف يفضي إلى التعرض لأن السفيه إذا علم أنه إذا غصب أو أتلف لا يؤاخذ بالضمان يقدم على ذلك وفي ذلك منعهم وتعرض لهم من حيث المعنى والله أعلم ولو كان لمسلم خمر غصبها ذمي أو مسلم فهلكت عند الغاصب أو خللها فلا ضمان عليه ولو استهلكها يضمن خلا مثلها لأن الغصب حين وجوده لم ينعقد سببا لوجوب الضمان ولم يوجد من الغاصب صنع آخر لأن الهلاك ليس من صنعه فلا يضمن وإن استهلكه فقد وجد منه صنع آخر سوى الغصب وهو إتلاف خل مملوك للمغصوب منه فيضمن ولو غصب مسلم من نصراني صليبا له فهلك في يده يضمن قيمته صليبا لأنه مقر على ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا يخرج ما إذا استخدم عبد رجل بغير أمره أو بعثه في حاجة أو قاد دابة له أو ساقها أو ركبها أو حمل عليها بغير إذن صاحبها إنه ضامن بذلك سواء عطب في تلك الخدمة أو في مضيه في حاجته أو مات حتف أنفه لأن يد المالك كانت ثابتة عليه وإذا أثبت يد التصرف عليه فقد فوت يد المالك فيتحقق الغصب ولو دخل دار إنسان بغير إذنه وليس في الدار أحد فهلك في يده لم يضمن في قولهما وعند محمد يضمن وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم ولو جلس على فراش غيره أو بساط غيره بغير إذنه فهلك لا يضمن بالإجماع لأن تفويت يد المالك فيما يحتمل النقل لا يحصل بدون النقل فلم يتحقق الغصب فلا يجب الضمان والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما حكم الغصب فله في الأصل حكمان أحدهما يرجع إلى الآخرة والثاني يرجع إلى الدنيا أما الذي يرجع إلى الآخرة فهو الإثم واستحقاق المؤاخذة إذا فعله عن علم لأنه معصية وارتكاب المعصية على سبيل التعمد سبب لاستحقاق المؤاخذة وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال من غصب شبرا من أرض طوقه الله تعالى من سبع أرضين يوم القيامة وإن فعله لا عن علم بأن ظن أنه ملكه فلا مؤاخذة عليه لأن الخطأ مرفوع المؤاخذة شرعا ببركة دعاء النبي بقوله عليه الصلاة والسلام ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا وقوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وأما الذي يرجع إلى الدنيا فأنواع بعضها يرجع إلى حال قيام المغصوب وبعضها يرجع إلى حال هلاكه وبعضها يرجع إلى حال نقصانه وبعضها يرجع إلى حال زيادته أما الذي يرجع إلى حال قيامه فهو وجوب رد المغصوب على الغاصب والكلام في هذا الحكم في ثلاثة مواضع في بيان سبب وجوب الرد وفي بيان شرط وجوبه وفي بيان ما يصير المالك به مستردا أما السبب فهو أخذ مال الغير بغير إذنه لقوله عليه الصلاة والسلام على اليد ما أخذت حتى ترد وقوله عليه الصلاة والسلام لا يأخذ أحدكم مال صاحبه لاعبا ولا جادا فإذا أخذ أحدكم عصا صاحبه فليرد عليه ولأن الأخذ على هذا الوجه معصية والردع عن المعصية واجب وذلك برد المأخوذ ويجب رد الزيادة المنفصلة كما يجب رد الأصل لوجود سبب وجوب الرد فيه ومؤنة الرد على الغاصب لأنها من ضرورات الرد فإذا وجب عليه الرد وجب عليه ما هو من ضروراته كما في رد العارية وأما شرط وجوب الرد فقيام المغصوب في يد الغاصب حتى لو هلك في يده أو استهلك صورة ومعنى أو معنى لا صورة ينتقل الحكم من الرد إلى الضمان لأن الهالك لا يحتمل الرد
وعلى هذا يخرج ما إذا كان المغصوب حنطة فزرعها الغاصب أو نواة فغرسها حتى صارت شجرة أو بيضة فحضنها حتى صارت دجاجة أو قطنا فغزله أو غزلا فنسجه أو ثوبا فقطعه أو خاطه قميصا أو لحما فشواه أو طبخه أو شاة فذبحها وشواها أو طبخها أو حنطة فطحنها أو دقيقا فخبزه أو سمسما فعصره أو عنبا فعصره أو حديدا فضربه سيفا أو سكينا أو صفرا أو نحاسا فعمله آنية أو ترابا له قيمة فلبنه أو اتخذه خزفا أو لبنا فطبخه آجرا ونحو ذلك أنه ليس للمالك أن يسترد شيئا من ذلك عندنا ويزول ملكه بضمان المثل أو القيمة وعند الشافعي له ولاية الاسترداد ولا يزول ملكه وجه قوله أن ذات المغصوب وعينه قائم بعد فعل الغاصب وإنما فات بعض صفاته فلا يبطل حق الاسترداد كما إذا غصب ثوبا فقطعه ولم يخطه أو صبغه أحمر أو أصفر لأن الملك في المغصوب كان ثابتا للمالك والعارض وهو فعل الغاصب محظور فلا يصلح سببا لثبوت الملك له فيلحق بالعدم فيبقى المغصوب على ملك المالك فتبقى له ولاية الاسترداد ولنا أن فعل الغاصب في هذه المواضع وقع استهلاكا للمغصوب إما صورة ومعنى أو معنى لا صورة فيزول ملك المالك عنه وتبطل ولاية الاسترداد كما إذا استهلكه حقيقة ودلالة تحقق الاستهلاك أن المغصوب قد تبدل وصار شيئا آخر بتخليق الله تعالى وإيجاده لأنه لم تبق صورته ولا معناه الموضوع له في بعض المواضع ولا اسمه وقيام الأعيان بقيام صورها ومعانيها المطلوبة منها وفي بعضها إن بقيت الصورة فقد فات معناه الموضوع له المطلوب منه عادة فكان فعله استهلاكا للمغصوب صورة ومعنى أو معنى فيبطل حق الاسترداد إذ الهالك لا يحتمل الرد كالهالك الحقيقي ولأنه إذا حصل الاستهلاك يزول ملك المالك لأن الملك لا يبقى في الهالك كما في الهالك الحقيقي فتنقطع ولاية الاسترداد ضرورة ولأن الاستهلاك يوجب ضمان المثل أو القيمة للمالك لوقوعه اعتداء عليه أو إضرارا به وهذا يوجب زوال ملكه عن المغصوب لما نذكره إن شاء الله تعالى وإذا زال ملك المالك بالضمان يثبت الملك للغاصب في المضمون لوجود سبب الثبوت في محل قابل وهو إثبات الملك على مال غير مملوك لأحد وبه تبين أن فعله الذي هو سبب لثبوت الملك مباح لا حظر فيه فجاز أن يثبت الملك به وعلى هذا يخرج ما إذا غصب لبنا أو آجرا أو ساجة فأدخلها في بنائه أنه لا يملك الاسترداد عندنا وتصير ملكا للغاصب بالقيمة خلافا للشافعي رحمه الله فهو على أصله المعهود في جنس هذه المسائل أن فعل الغاصب محظور فلا يصلح سببا لثبوت الملك لكون الملك نعمة وكرامة فالتحق فعله بالعدم شرعا فبقي ملك المغصوب منه كما كان ولنا أن المغصوب بالإدخال في البناء والتركيب صار شيئا آخر غير الأول لاختلاف المنفعة إذ المطلوب من المركب غير المطلوب من المفرد فصار بها تبعا له فكان الإدخال إهلاكا معنى فيوجب زوال ملك المغصوب منه ويصير ملكا للغاصب ولأن الغاصب يتضرر بنقض البناء والمالك وإن كان يتضرر بزوال ملكه أيضا لكن ضرره دون ضرر الغاصب لأنه يقابله عوض فكان ضرر الغاصب أعلى فكان أولى بالدفع ولهذا لو غصب من آخر خيطا فخاط به بطن نفسه أو دابته ينقطع حق المالك كذا هذا وذكر الكرخي رحمه الله أن موضوع مسألة الساجة ما إذا بنى الغاصب في حوالي الساجة لا على الساجة فأما إذا بنى على نفس الساجة لا يبطل ملك المالك بل ينقض وهو اختيار الفقيه أبي جعفر الهندواني رحمه الله لأن البناء إذا لم يكن على نفس الساجة لم يكن الغاصب متعديا بالبناء لينقض إزالة للتعدي وإذا كان البناء عليها كان متعديا على الساجة فيزال تعديه بالنقض والصحيح أن الجواب في الموضعين والخلاف في الفصلين ثابت لأنه كيفما كان لا يمكنه رد الساجة إلا بنقض البناء ولزوم ضرر معتبر هذا موضوع المسألة حتى لو كان يمكنه الرد بدون ذلك لا ينقطع حق المالك بالاتفاق بل يؤمر بالرد
ولو بيعت الدار في حياة الغاصب أو بعد وفاته كان صاحب هذه الأشياء أسوة الغرماء في الثمن فلا يكون أخص بشيء من ذلك لأن ملكه قد زال عن العين إلى القيمة فبطل اختصاصه بالعين وكذلك لو غصب خوصا فجعله زنبيلا لا سبيل للمغصوب منه عليه وهو بمنزلة الساجة إذا جعلها بناء ولو غصب نخلة فشقها فجعلها جذوعا كان له أن يأخذ الجذوع لأن عين المغصوب قائمة وإنما فرق الأجزاء فأشبه الثوب إذا قطعه ولم يخطه ولو غصب أرضا فبنى عليها أو غرس فيها لا ينقطع ملك المالك ويقال للغاصب اقلع البناء والغرس وردها فارغة لأن الأرض بحالها لم تتغير ولم تصر شيئا آخر ألا ترى أنها لم تتركب بشيء وإنما جاورها البناء والغرس بخلاف الساجة لأنها ركبت وصارت من جملة البناء ألا يرى أنه يسمى الكل بناء واحدا فإن كانت الأرض تنقص بقلع ذلك فللمالك أن يضمن له قيمة البناء والغرس مقلوعا ويكون له البناء والغرس لأن الغاصب يتضرر بالمنع من التصرف في ملك نفسه بالقلع والمالك أيضا يتضرر بنقصان ملكه فلزم رعاية الجانبين وذلك فيما قلنا ولو غصب تبر ذهب أو فضة فصاغه إناء أو ضربه دراهم أو دنانير فللمغصوب منه أن يأخذه ولا يعطيه شيئا لأجل الصياغة على قول أبي حنيفة رحمه الله وفي قولهما لا سبيل له على ذلك وعلى الغاصب مثل ما غصب وأجمعوا على أنه إذا سبكه ولم يصغه أو جعله مربعا أو مطولا أو مدورا أن له أن يسترده ولا شيء عليه وجه قولهما أن صنع الغاصب وقع استهلاكا لأن المغصوب بالصياغة صار شيئا آخر فأشبه ما إذا غصب حديدا فاتخذه سيفا أو سكينا وجه قوله أن استهلاك الشيء إخراجه من أن يكون منتفعا به منفعة موضوعة له مطلوبة منه عادة ولم يوجد ههنا لأن المطلوب من الذهب والفضة الثمينة ( ( ( الثمنية ) ) ) وهي باقية بعدما استحدث الصنعة فلم يتحقق الاستهلاك فبقي على ملك المغصوب منه ولو غصب صفرا أو نحاسا أو حديدا فضربه آنية ينظر إن كان يباع وزنا فهو على الخلاف الذي ذكرنا في الذهب والفضة لأنه لم يخرج بالضرب والصناعة عن حد الوزن وإن كان يباع عددا ليس له أن يسترده بلا خلاف لأنه خرج عن كونه موزونا بخلاف الذهب والفضة لأن الوزن فيهما أصل لا يتصور سقوطه أبدا ولو غصب ثوبا فقطعه ولم يخطه أو شاة فذبحها ولم يشوها ولا طبخها لا ينقطع حق المالك إذ الذبح ليس باستهلاك بل هو تنقيص وتعييب فلا يوجب زوال الملك بل يوجب الخيار للمالك على ما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى وأما بيان ما يصير المالك به مستردا للمغصوب فنقول وبالله التوفيق الأصل أن المالك يصير مستردا للمغصوب بإثبات يده عليه لأنه صار مغصوبا بتفويت يده عنه فإذا أثبت يده عليه فقد أعاده إلى يده فزالت يد الغاصب ضرورة إلا أن يغصبه ثانيا وعلى هذا تخرج المسائل إذا كان المغصوب عبدا فاستخدمه أو ثوبا فلبسه أو دابة فركبها أو حمل عليها صار مستردا له ويبرأ الغاصب من الضمان لما قلنا سواء علم المالك أنه ملكه أو لم يعلم لأن إثبات اليد على العين أمر حسي لا يختلف بالعلم أو الجهل ولهذا لم يكن العلم شرطا لتحقق الغصب فلا يكون شرطا لبطلانه وكذلك لو كان طعاما فأكله لأنه أثبت يده عليه فبطلت يد الغاصب وكذا إذا أطعمه الغاصب يبرأ عن الضمان عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا يبرأ وجه قوله أنه غره في ذلك حيث أطعمه ولم يعلمه أنه ملكه فلا يسقط عنه الضمان ولنا أنه أكل طعام نفسه فلا يستحق الضمان على غيره كما لو كان في يد الغاصب فاستهلكه وقوله غره الغاصب ممنوع بل هو الذي اغتر بنفسه حيث تناول من غير بحث أنه ملكه أو ملك الغاصب والمغتر بنفسه لا يستحق الضمان على غيره
ولو كان المغصوب عبدا فآجره من الغاصب للخدمة أو ثوبا فآجره منه للبس أو دابة للركوب وقبل الغاصب الإجارة برىء عن الضمان لأن الإجارة إذا صحت صارت يد الغاصب على المحل يد إجارة وأنها يد محقة فتبطل يد الغصب ضرورة فيبرأ عن الضمان حين وجبت عليه الإجارة بالإجارة وقالوا في الغاصب إذا آجر العبد المغصوب من مولاه ليبني له حائطا معلوما إنه يسقط ضمان الغصب حين يبتدىء بالبناء لأن البراءة عن الضمان في الموضعين جميعا متعلقة بوجوب الأجرة والأجرة في استئجار العبد والثوب تجب بالتسليم وهو التخلية وههنا تجب بالعمل لا بنفس التخلية لذلك افترقا ولو زوج الأمة المغصوبة من الغاصب لا يبرأ عن الضمان في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله وعند أبي يوسف يبرأ بناء على أن المشتري هل يصير قابضا بالتزويج أم لا وقد ذكرنا المسألة في كتاب البيوع في بيان حكم البيع ولو استأجر الغاصب لتعليم العبد المغصوب عملا من الأعمال فهو جائز لكنه لا يصير مستردا للعبد ولا يبرأ الغاصب عن الضمان بل هو في يد الغاصب على ضمانه حتى لو هلك قبل أن يأخذ في ذلك العمل أو بعده ضمن وكذلك لو استأجره لغسل الثوب المغصوب لأن الإجارة ههنا ما وقعت على المغصوب فلم تثبت يد الإجارة عليه لتبطل عنه يد الغاصب فبقي في يد الغصب كما كان فبقي مضمونا كما كان بخلاف استئجار المغصوب على ما بينا وإذا رد الغاصب الثاني المغصوب على الغاصب الأول برىء لأن يده يد المالك من وجه فيصح الرد عليه والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الذي يتعلق بحال هلاك المغصوب فنوعان أحدهما وجوب الضمان على الغاصب والثاني ملك الغاصب المضمون أما وجوب الضمان الكلام ( ( ( فالكلام ) ) ) فيه في مواضع في بيان كيفية الضمان وفي بيان شرط وجوبه وفي بيان وقت وجوبه وفي بيان ما يخرج به الغاصب عن عهدته أما الأول فالمغصوب لا يخلو إما أن يكون مما له مثل وإما أن يكون مما لا مثل له فإن كان مما له مثل كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة فعلى الغاصب مثله لأن ضمان الغصب ضمان اعتداء والاعتداء لم يشرع إلا بالمثل قال الله تبارك وتعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم والمثل المطلق هو المثل صورة ومعنى فأما القيمة فمثل من حيث المعنى دون الصورة ولأن ضمان الغصب ضمان جبر الفائت ومعنى الجبر بالمثل أكمل منه من القيمة فلا يعدل عن المثل إلى القيمة إلا عند التعذر وقال زفر رحمه الله الجوز والبيض مضمونان بالقيمة لا بالمثل وقد ذكرنا المسألة في كتاب البيوع وإن كان مما لا مثل له من المذروعات والمعدودات المتفاوتة فعليه قيمته لأنه تعذر إيجاب المثل صورة ومعنى لأنه لا مثل له فيجب المثل معنى وهو القيمة لأنها المثل الممكن والأصل في ضمان القيمة ما روي أن رسول الله قضى في عبد بين شريكين أعتق أحدهما نصيبه بنصف قيمته للذي لم يعتق والنص الوارد في العبد يكون واردا في إتلاف كل ما لا مثل له دلالة والله سبحانه وتعالى أعلم وأما شرط وجوب الضمان فشرط وجوب ضمان المثل والقيمة على الغاصب عجزه عن رد المغصوب فما دام قادرا على رده على الوجه الذي أخذ ( ( ( أخذه ) ) ) لا يجب عليه الضمان لأن الحكم الأصلي للغصب هو وجوب رد عين المغصوب لأن بالرد يعود عين حقه إليه وبه يندفع الضرر عنه من كل وجه والضمان خلف عن رد العين وإنما يصار إلى الخلف عند العجز عن رد الأصل وسواء عجز عن الرد بفعله بأن استهلكه أو بفعل غيره بأن استهلكه غيره أو بآفة سماوية بأن هلك بنفسه لأن المحل إنما صار مضمونا بالغصب السابق لأن فعله ذلك لا بالهلاك لأن الهلاك ليس صنعه لكن عند الهلاك يتقرر الضمان لأن عنده يتقرر العجز عن رد العين فيتقرر الضمان وعلى هذا يخرج ما إذا ادعى الغاصب هلاك المغصوب ولم يصدقه المغصوب منه إنه يطلب منه بينة
فإن أقامها وإلا حبسه القاضي مدة يغلب على ظنه أنه لو كان في يده لأظهره ثم قضى عليه بالضمان لأن بذلك ثبت عجزه عن رد العين فيحبس كمن كان عليه دين فطولب به فادعى الإفلاس ومن شرط الخطاب بأداء الضمان أن يكون المثل موجودا في أيدي الناس حتى لو غصب شيئا له مثل ثم انقطع عن أيدي الناس لا يخاطب بأدائه للحال لأنه ليس بمقدور بل يخاطب بالقيمة ولو اختصما في حال انقطاعه عن أيدي الناس فقد اختلف أصحابنا الثلاثة قال أبو حنيفة يحكم على الغاصب بقيمته يوم يختصمون وقال أبو يوسف رحمه الله يوم الغصب وقال محمد رحمه الله يوم الانقطاع وجه قوله أن الغصب أوجب المثل على الغاصب والمصير إلى القيمة للتعذر والتعذر حصل بسبب الانقطاع فتعتبر قيمته يوم الانقطاع كما لو استهلكه في ذلك الوقت وجه قول أبي يوسف رحمه الله أن سبب وجوب ضمان المثل عند القدرة والقيمة عند العجز هو الغصب والحكم يعتبر من وقت وجود سببه وجه قول أبي حنيفة عليه الرحمة أن الواجب كان مثل المغصوب وبالانقطاع عن أيدي الناس لم يبطل الواجب لأن الأصل أن ما ثبت يبقى لتوهم الفائدة وتوهم العود ههنا ثابت ألا ترى أن للمالك أن يختار الإنتظار إلى وقت إدراكه فيأخذ المثل وإذا بقي المثل واجبا بعد الانقطاع فإنما انتقل ( ( ( ينتقل ) ) ) حقه من المثل إلى القيمة بالخصومة فتعتبر قيمته وقت الخصومة فأما علم الغاصب بكون المغصوب ملك غيره فليس بشرط لوجوب الضمان حتى لو أخذ مالا على وجه يحق له أخذه ظاهرا وفي الباطن بخلافه كما إذا اشترى شيئا أو ملكه بوجه من الوجوه فتصرف فيه ثم تبين أنه مستحق يضمن لكن لا إثم عليه لأن العلم ليس بشرط لتحقق الغصب وهو شرط ثبوت المؤاخذة قال الله سبحانه وتعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وأما وقت وجوب الضمان فوقت وجود الغصب لأن الضمان يجب بالغصب ووقت ثبوت الحكم وقت وجود سببه فتعتبر قيمة المغصوب يوم الغصب حتى لا يتغير بتغير السعر لأن السبب لم يتغير ولا تغير المحل أيضا لأن تراجع السعر لفتور يحدثه الله سبحانه وتعالى في قلوب عباده وأما بيان ما يخرج به الغاصب عن عهدة الضمان فالذي يخرج به عن عهدته شيئان أحدهما أداء الضمان إلى المالك أو من يقوم مقامه لأن الأصل في طريق الخروج عن عهدة الواجب أداؤه ولو هلك المغصوب في يد الغاصب الثاني فأدى القيمة إلى الغاصب الأول يبرأ عن الضمان في الرواية المشهورة وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يبرأ إلا بقضاء القاضي وجه هذه الرواية أن الضمان الواجب عليه للمالك فلا يسقط عنه إلا بالأداء إلى المالك وجه الرواية المشهورة أن الضمان خلف عن العين قائم مقامه ثم لو رد العين برىء عن الضمان فكذا إذا رد القيمة لأن ذلك رد العين من حيث المعنى والثاني الإبراء وهو نوعان صريح وما يجري مجرى الصريح ودلالة ( ( ( دلالة ) ) ) أما الأول فنحو أن يقول أبرأتك عن الضمان أو أسقطته عنك أو وهبته منك وما أشبه ذلك فيبرأ عن الضمان لأنه أسقط حق نفسه وهو من أهل الإسقاط والمحل قابل للسقوط فيسقط وأما الثاني فهو أن يختار المالك تضمين أحد الغاصبين فيبرأ الآخر لأن اختيار تضمين أحدهما إبراء للآخر دلالة لما ذكرنا فيما تقدم فيبرأ إما بنفس الاختيار أو بشريطه رضا من اختار تضمينه أو القضاء على اختلاف الروايتين اللتين ذكرناهما ولو أبرأه عن ضمان العين وهي قائمة في يده صح الإبراء وسقط عنه الضمان عند أصحابنا الثلاثة رحمهم الله وقال زفر رحمه الله لا يصح وجه قوله أن الإبراء إسقاط وإسقاط الأعيان لا يعقل فالتحق بالعدم وبقيت العين مضمونة كما كانت وإذا هلكت ضمن ولنا أن العين صارت مضمونة بنفس الغصب لأن الغصب سبب لوجوب الضمان فكان هذا إبراء عن الضمان بعد وجود سبب وجوبه فيصح كالعفو عن القصاص بعد الجرح قبل الموت
ولو أجل المغصوب منه الغاصب ببدل الغصب صح التأجيل عند أصحابنا وعند زفر لا يصح استدلالا بالقرض ولنا عدم اللزوم في القرض لكونه جاريا مجرى الإعارة لما بين في كتاب القرض والأجل لا يلزم في العواري وهذا المعنى لا يوجد في الغصب فيلزمه وهذا لأن الأصل هو لزوم التأجيل لأنه تصرف صدر من أهله في محله وهو الدين إلا أن عدم اللزوم في باب القرض لضرورة الإعارة ولم يوجد ههنا فيلزم على الأصل والله تعالى أعلم وأما ملك الغاصب المضمون فالكلام في هذا الحكم في مواضع في بيان أصل الحكم أنه سبب أم لا وفي بيان وقت ثبوته وفي بيان صفة الحكم الثابت أما الأول فقد اختلف العلماء فيه قال أصحابنا رحمهم الله يثبت إذا كان المحل قابلا للثبوت ابتداء وقال الشافعي رحمه الله لا يثبت أصلا حتى إن من غصب عبدا واكتسب في يد الغاصب ثم هلك العبد وضمن الغاصب قيمته فالكسب ملك للغاصب عندنا وعنده ملك للمالك ولو أبق العبد المغصوب من يد الغاصب وعجز عن رده إلى المالك فالمغصوب منه بالخيار إن شاء انتظر إلى أن يظهر وإن شاء لم ينتظر وضمن الغاصب قيمته ولو ضمنه قيمته ثم ظهر العبد ينظر إن أخذ صاحبه القيمة بقول نفسه التي سماها ورضي بها أو بتصادقهما عليه أو بقيام البينة أو بنكول الغاصب عن اليمين فلا سبيل له على العبد عندنا وعنده يأخذ عبده بعينه ولو كان المغصوب مدبرا يعود على ملك المالك بالإجماع وجه قوله أن المالك لا بد له من سبب والغصب لا يصلح سببا لأنه محظور والملك نعمة وكرامة فلا يستفاد بالمحظور ولأن ضمان الغصب لا يقابل العين وإنما يقابل اليد الفائتة فلا تملك به العين كما في غصب المدبر ولنا أن ملك الغاصب يزول عن الضمان فلو لم يزل ملك المغصوب منه عن المضمون لم يكن الاعتداء بالمثل ولأنه إذا زال ملك الغاصب عن الضمان وأنه بدل المغصوب لأنه مقدر بقيمته وملك المغصوب منه البدل بكماله لو لم يزل ملكه عن المغصوب لاجتمع البدل والمبدل في ملك المالك وهذا لا يجوز وإذا زال ملك المالك عن المغصوب فالغاصب أثبت يده على مال قابل للملك لا ملك لأحد فيه فيملكه كما يملك الحطب والحشيش بإثبات يده عليهما وبه تبين أن ما هو سبب الملك فهو مباح لا حظر فيه فجاز أن يثبت به الملك بخلاف المدبر لأنه لا يحتمل ابتداء الملك فيزول ملك المالك لكن لا يملكه الغاصب لعدم قبول المحل للمتملك ( ( ( التملك ) ) ) ابتداء وههنا بخلافه والله أعلم ولو أخذ صاحبه القيمة بقول الغاصب بأن اختلفا في القيمة وقضى القاضي بالقيمة بقول الغاصب وبيمينه ثم ظهر العبد ذكر في ظاهر الرواية أن المغصوب منه بالخيار إن شاء رضي بالمأخوذ وترك العبد عند الغاصب وإن شاء رد المأخوذ وأخذ العبد لأنه تبين أن المأخوذ بعض بدل العين لا كله فلم يملك بدل المغصوب بكماله فيثبت له الخيار وإن أراد استرداد العبد فللغاصب أن يحبس العبد حتى يأخذ القيمة ولو مات العبد في يد الغاصب قبل رد القيمة لا يرد القيمة ولكن يأخذ من الغاصب فضل القيمة إن كان في قيمة العبد فضل على ما أخذه وإن لم يكن فيها فضل فلا شيء له سوى القيمة وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه إذا ظهر العبد وقيمته أكثر مما قاله الغاصب فالمغصوب منه بالخيار على ما بينا فأما إذا كانت قيمته مثل ما قال الغاصب أو أقل منه فلا سبيل لصاحبه عليه وهكذا فصل الكرخي رحمه الله لأنه رضي بزوال ملكه بهذا البدل وفي ظاهر الرواية أثبت الخيار من غير تفصيل ولو اختلفا في زيادة القيمة فادعى الغاصب أنها حدثت بعد التضمين وادعى المغصوب منه أنها كانت قبله كان الجصاص يقول من تلقاء نفسه إن القول قول الغاصب لأن التمليك قد صح فلا يفسخ الشك