Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
وأما وقت ثبوت الملك فهو وقت وجود الغصب لأن الملك في الضمان يستند إلى وقت وجود الغصب فكذا في المضمون فيظهر في الكسب والغلة والربح وأما شرط ثبوت الملك في المضمون فما هو شرط ثبوت الملك في الضمان وهو اختيار الضمان عند أبي حنيفة رحمه الله فالمغصوب قبل اختيار الضمان على حكم ملكه عنده فإنه لو أراد أن لا يختار الضمان حتى يهلك المغصوب على ملكه ويكون له ثواب هلاكه على ملكه ويخاصم الغاصب في القيمة له ذلك وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله هذا ليس بشرط ويثبت الملك قبل الاختيار في الضمان والمضمون جميعا وعلى هذا الأصل يبنى الصلح عن المغصوب الذي لا مثل له على إضعاف قيمته أنه جائز عنده وعندهما لا يجوز ووجه البناء أنه لما وجب الضمان بنفس الهلاك عندهما وهو مال مقدر والزيادة عليه تكون ربا ولما توقف الوجوب على اختيار المالك عنده ولم يوجد منه الاختيار كان الصلح تقديرا لقيمة المغصوب هذا القدر وتمليكا للمغصوب به كأنه باعه من الغاصب به فجاز والله سبحانه وتعالى أعلم وأما صفة الملك الثابت للغاصب في المضمون فلا خلاف بين أصحابنا في أن الملك الثابت له يظهر في حق نفاذ التصرفات حتى لو باعه أو وهبه أو تصدق به قبل أداء الضمان ينفذ كما تنفذ هذه التصرفات في المشترى شراء فاسدا واختلفوا في أنه هل يباح له الانتفاع به بأن يأكله بنفسه أو يطعمه غيره قبل أداء الضمان فإذا حصل فيه فضل هل يتصدق بالفضل قال أبو حنيفة رضي الله عنه ومحمد رحمه الله لا يحل له الانتفاع حتى يرضى صاحبه وإن كان فضل يتصدق بالفضل وقال أبو يوسف رحمه الله يحل له الانتفاع ولا يلزمه التصدق بالفضل إن كان فيه فضل وهو قول الحسن وزفر رحمهما الله وهو القياس وقول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله استحسان وجه القياس أن المغصوب مضمون لا شك فيه وهو مملوك للغاصب من وقت الغصب على أصل أصحابنا فلا معنى للمنع من الانتفاع وتوقيف الحل على رضا غير المالك كما في سائر أملاكه ويطيب له الربح لأنه ربح ما هو مضمون ومملوك وربح ما هو مضمون غير مملوك يطيب له عنده لما نذكر فربح المملوك المضمون أولى وجه الاستحسان ما روي أنه عليه الصلاة والسلام أضافه قوم من الأنصار فقدموا إليه شاة مصلية فجعل عليه الصلاة والسلام يمضغه ولا يسيغه فقال عليه الصلاة والسلام إن هذه الشاة لتخبرني أنها ذبحت بغير حق فقالوا هذه الشاة لجار لنا ذبحناها لترضيه ( ( ( لنرضيه ) ) ) بثمنها فقال عليه الصلاة والسلام أطعموها الأسارى أمر بأن يطعموها الأسارى ولم ينتفع به ولا أطلق لأصحابه الانتفاع بها ولو كان حلالا طيبا لأطلق مع خصاصتهم وشدة حاجتهم إلى الأكل ولأن الطيب لا يثبت إلا بالملك المطلق وفي هذا الملك شبهة العدم لأنه يثبت من وقت الغصب بطريق الاستناد والمستند يظهر من وجه ويقتصر على الحال من وجه فكان في وجوده من وقت الغصب شبهة العدم فلا يثبت به الحل والطيب ولأن الملك من وجه حصل بسبب محظور أو وقع محظورا بابتدائه فلا يخلو من خبث ولأن إباحة الانتفاع قبل الإرضاء يؤدي إلى تسليط السفهاء على أكل أموال الناس بالباطل وفتح باب الظلم على الظلمة وهذا لا يجوز وعلى هذا يخرج ما إذا غصب حنطة فطحنها أنه لا يحل له الانتفاع بالدقيق حتى يرضي صاحبه ولو غصب حنطة فزرعها قال أبو حنيفة ومحمد يكره له أن ينتفع به حتى يرضي صاحبه ويتصدق بالفضل وقال أبو يوسف لا يكره له الانتفاع به قبل أداء الضمان ولا يلزمه التصدق بالفضل فظاهر هذا الإطلاق يدل على أن عندهما يكره الانتفاع به حتى يرضى صاحبه بأداء الضمان
وفرق أبو يوسف بين الزرع والطحن فقال في الطحن مثل قولهما أنه لا يحل الانتفاع به حتى يرضى صاحبه لأن الحنطة لم تهلك بالطحن وإنما تغيرت صفتها من التركيب إلى التفريق فكان عين الحنطة قائمة فكان حق المالك فيها قائما خلاف الزرع لأن البذر يهلك بالزراعة لأنه يغيب في الأرض فيخرج من أن يكون مالا متقوما فلم يبق للمالك فيه حق فلم يكره الانتفاع به وكذلك قال أبو يوسف رحمه الله فيمن غصب نوى فصار نخلا أنه يحل الانتفاع به كما في الحنطة إذا زرعها وقال في الودي إذا غرسه فصار نخلا أنه يكره الانتفاع به حتى يرضى صاحبه لأن النوى يعفن ويهلك والودي يزيد في نفسه وروي عن أبي حنيفة في الشاة إذا ذبحها فشواها أنه لا يسع له أن يأكلها ولا يطعم أحدا حتى يضمن القيمة وإن كان صاحبها غائبا أو حاضرا لا يرضى بالضمان لا يحل له أكلها وإذا دفع الغاصب قيمتها يحل له الأكل كذلك إذا ضمنه المالك القيمة أو ضمنه الحاكم وهذا عندي ليس باختلاف رواية بل هذه الرواية تفسير للأولى لأن قوله حتى يرضى صاحبه بحله يحتمل الإرضاء بأداء الضمان ويحتمل الإرضاء باختيار الضمان فالمذكور ههنا مفسر فيحمل المجمل على المفسر فيحمل قوله حتى يرضيه على الإرضاء باختيار الضمان ورضاه لا على الإرضاء بأداء الضمان توفيقا بين الروايتين فلا يحل له الانتفاع به قبل اختيار الضمان ويحل بعده سواء أدى الضمان أو لا وهذا قولهما وهو قياس قول أبي يوسف رحمه الله في الشاة المشوية أنه يحل له الانتفاع بها فيأكلها ويطعمها من شاء سواء أدى الضمان أم لا ولا خلاف في أنه إذا أدى الضمان أنه يحل له الأكل وكذلك إذا أبرأ ( ( ( أبرأه ) ) ) عن الضمان وكذلك إذا ضمنه المالك القيمة أو ضمنه القاضي لأن القاضي لا يضمنه إلا بعد طلبه فكان منه اختيارا للضمان ورضا به وعلى هذا يخرج ما إذا غصب عبدا فاستغله فنقصته الغلة أنه يضمن النقصان والغلة له ويتصدق بها في قولهما وعند أبي يوسف هي طيبة أما ضمان النقصان فلأن الاستغلال وقع إتلافا فيضمن قدر ما أتلف ويطيب له قدر المضمون لأن ذلك القدر ليس بربح والنهي وقع عن الربح وأما الغلة فللغاصب عندنا وعند الشافعي رحمه الله للمالك وهي فريعة مسألة المنافع وقد مرت في موضعها وأما التصدق بالغلة وهي الأجرة عندهما فلأنها خبيثة لحصولها بسبب خبيث فكان سبيلها التصدق ولأبي يوسف أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن ربح ما لم يضمن وهذا ربح مضمون والجواب أن التحريم لعدم الضمان يدل على التحريم لعدم الملك من طريق الأولى لأن الملك فوق الضمان ولو غصب أرضا فزرعها كرا فنقصتها الزراعة وأخرجت ثلاثة أكرار يغرم النقصان ويأخذ رأس المال ويتصدق بالفضل أما ضمان النقصان فلأن الغاصب نقص الأرض بالزراعة وذلك إتلاف منه والعقار مضمون بالإتلاف بلا خلاف وأما التصدق بالفضل فلحصوله بسبب خبيث وهي الزراعة في أرض الغصب وإن كان البذر ملكا له ويطيب له قدر النقصان وقدر البذر لما ذكرنا أن النهي ورد عن الربح وذا ليس بربح فلم يحرم والله أعلم وعلى هذا يخرج ما إذا غصب ألفا فاشترى جارية فباعها بألفين ثم اشترى بالألفين جارية فباعها بثلاثة آلاف أنه يتصدق بجميع الربح في قولهما وعند أبي يوسف رحمه الله لا يلزمه التصدق بشيء لأنه ربح مضمون مملوك لأنه عند أداء الضمان يملكه مستندا إلى وقت الغصب ومجرد الضمان يكفي للطيب فكيف إذا اجتمع الضمان والملك وهما يقولان الطيب كما لا يثبت بدون الضمان لا يثبت بدون الملك من طريق الأولى وفي هذا الملك شبهة العدم على ما بينا فيما تقدم فلا يفيد الطيب ولو اشترى بالألف جارية تساوي ألفين فوهبها أو اشترى به طعاما يساوي ألفين فأكله لم يتصدق بشيء لأنه لم يحصل له الربح ولأن الخبث إنما يثبت بشبهة عدم الملك والشبهة توجب التصدق إما لا توجب التضمين
وعلى هذا يخرج ما إذا خلط المستودع إحدى الوديعتين بالأخرى خلطا لا يتميز أن المخلوط يصير ملكا له عند أبي حنيفة رحمه الله لكن لا يطيب له حتى يرضى صاحبه على ما نذكره إن شاء الله تعالى ولو اشترى بالدراهم المغصوبة شيئا هل يحل له الانتفاع به أو يلزمه التصدق ذكر الكرخي رحمه الله وجعل ذلك على أربعة أوجه إما أن يشير إليها وينقد منها وأما أن يشير إليها وينقد من غيرها وأما أن يشير إلى غيرها وينقد منها وإما أن يطلق إطلاقا وينقد منها وإذا ثبت الطيب في الوجوه كلها إلا في وجه واحد وهو أن يجمع بين الإشارة إليها والنقد منها وذكر أبو نصر الصفار والفقيه أبو الليث رحمهما الله أنه يطيب في الوجوه كلها وذكر أبو بكر الإسكاف رحمه الله أنه لا يطيب في الوجوه كلها وهو الصحيح وجه قول أبي نصر وأبي الليث رحمهما الله تعالى أن الواجب في ذمة المشتري دراهم مطلقة والمنقودة بدل عما في الذمة أما عند عدم الإشارة فظاهر وكذا عند الإشارة لأن الإشارة إلى الدراهم لا تفيد التعيين فالتحقت الإشارة إليها بالعدم فكان الواجب في ذمته دراهم مطلقة والدراهم المنقودة بدلا عنها فلا يخبث المشترى والكرخي كذلك يقول إذا لم تتأكد الإشارة بمؤكد وهو النقد منها فإذا تأكدت بالنقد منها تعين المشار إليه فكان المنقود بدل المشترى فكان خبيثا وجه قول أبي بكر أنه استفاد بالحرام ملكا من طريق الحقيقة أو الشبهة فيثبت الخبث وهذا لأنه إن أشار إلى الدراهم المغصوبة فالمشار إليه إن كان لا يتعين في حق الاستحقاق يتعين في حق جواز العقد بمعرفة جنس النقد وقدره فكان المنقود بدل المشترى من وجه نقد منها أو من غيرها وإن لم يشر إليها ونقد منها فقد استفاد بذلك سلامة المشترى فتمكنت الشبهة فيخبث الربح وإطلاق الجواب في الجامعين والمضاربة دليل صحة هذا القول ومن مشايخنا من اختار الفتوى في زماننا بقول الكرخي تيسيرا للأمر على الناس لازدحام الحرام وجواب الكتب أقرب إلى التنزه والاحتياط والله تعالى أعلم ولأن دراهم الغصب مستحقة الرد على صاحبها وعند الاستحقاق ينفسخ العقد من الأصل فتبين أن المشترى كان مقبوضا بعقد فاسد فلم يحل الانتفاع به ولو تزوج بالدراهم المغصوبة امرأة وسعه أن يطأها بخلاف الشراء لما ذكرنا أن عند الاستحقاق ينفسخ الشراء والنكاح لا يحتمل الفسخ ولو كان المغصوب ثوبا فاشترى به جارية لا يسعه أن يطأها ولو تزوج عليه امرأة حل له وطؤها لما قلنا والله عز وجل أعلم وأما الذي يتعلق بحال نقصان المغصوب فالكلام فيه في موضعين أحدهما في بيان ما يكون مضمونا من النقصان وما لا يكون مضمونا منه والثاني في بيان طريق معرفة النقصان أما الأول فنقول وبالله التوفيق إذا عرض في يد الغاصب ما يوجب نقصان قيمة المغصوب والعارض لا يخلو إما أن يكون تغير ( ( ( بغير ) ) ) السعر وإما أن يكون فوات جزء من المغصوب أو فوات صفة مرغوب فيها أو معنى مرغوب فيه فإن كان تغير ( ( ( بغير ) ) ) السعر لم يكن مضمونا لأن المضمون نقصان المغصوب ونقصان السعر ليس بنقصان المغصوب بل لفتور يحدثه الله تعالى عز شأنه في قلوب العباد لا صنع للعبد فيه فلا يكون مضمونا وإن كان فوات جزء من المغصوب أو فوات صفة مرغوب فيها أو معنى مرغوب فيه فالمغصوب لا يخلو إما أن يكون من غير أموال الربا وإما أن يكون من أموال الربا فإن كان من غير أموال الربا يكون مضمونا إذا لم يكن للمغصوب منه فيه صنع ولا اختيار لأنه هلك بعض المغصوب صورة ومعنى أو معنى لا صورة وهلاك كل المغصوب مضمون بكل القيمة فهلاك بعضه يكون مضمونا بقدره لما ذكرنا أن ضمان الغصب ضمان جبر الفائت فيتقدر بقدر الفوات
وعلى هذا يخرج ما إذا سقط عضو من المغصوب في يد الغاصب بآفة سماوية أو لحقه زمانة أو عرج أو شلل أو عمى أو عور أو صمم أو بكم أو حمى أو مرض آخر أنه يأخذه المولى ويضمنه النقصان لوجود فوات جزء من البدن أو فوات صفة مرغوب فيها ولو زال البياض من عينه في يد المولى أو أقلع الحمى رد على الغاصب ما أخذه منه بسبب النقصان لأنه تبين أن ذلك النقصان لم يكن موجبا للضمان لانعدام شرط الوجوب وهو العجز عن الانتفاع على طريق الدوام وكذلك لو أبق المغصوب من يد الغاصب من عبد أو أمة إذا لم يكن أبق قبل ذلك أو زنت الجارية المغصوبة أو سرقت إذا لم تكن زنت قبل ذلك لفوات معنى مرغوب فيه وهو الصيانة عن هذه القاذورات ولهذا كانت عيوبا موجبة للرد في باب البيع وجعل الآبق على المالك وهل يرجع به على الغاصب قال أبو يوسف رحمه الله لا يرجع وقال محمد رحمه الله يرجع وجه قوله أن الجعل من ضرورات رد المغصوب لأن رد المغصوب واجب على الغاصب ولا يمكنه الرد إلا بإعطاء الجعل فكان من ضرورات الرد فيكون عليه مؤنة الرد وجه قول أبي يوسف رحمه الله أن الجعل إنما يجب بحق الملك ( ( ( المالك ) ) ) والملك للمغصوب منه فيكون الجعل عليه كمداواة الجراحة ولو قتل العبد المغصوب أو الجارية المغصوبة في يد الغاصب قتيلا أو جنى على حر أو عبد في نفس أو ما دونها جناية رد إلى مولاه ويقال له ادفعه بجنايته أو افده لأن الملك له ويرجع المولى على الغاصب بالأقل من قيمته ومن أرش الجناية لأن هذا الضمان إنما وجب بسبب كان في ضمانه ولو استهلك لرجل مالا يخاطب المولى بالبيع أو الفداء ويرجع على الغاصب بالأقل من قيمته ومما أداه عنه من الدين لما قلنا ولو قتل المغصوب نفسه في يد الغاصب ضمن الغاصب قيمته بالغصب ولا يضمن قيمته بقتل نفسه لأن قتله نفسه هدر فصار كموته حتف أنفه ولو كان المغصوب أمة فولدت ثم قتلت ولدها ثم ماتت ضمن قيمة الأم ولا يضمن قيمة الولد لأنه أمانة وكذلك إذا كبر المغصوب في يد الغاصب من الغلام والجارية بأن غصب عبدا شابا فشاخ في يد الغاصب أو جارية شابة فصارت عجوزا في يده ضمن النقصان لأن الكبر يوجب فوات جزء أو صفة مرغوب فيها وكذلك إذا غصب جارية ناهدا فانكسر ثديها في يد الغاصب لأن نهود الثديين صفة مرغوب فيها ألا يرى إلى قوله عز وجل وكواعب أترابا وأما نبات اللحية للأمرد فليس بمضمون لأنه ليس بنقصان بل هو زيادة في الرجال ألا ترى أن حلق اللحية يوجب كمال الدية وكذلك لو غصب عبدا قارئا فنسي القرآن العظيم أو محترفا فنسي الحرفة يضمن لأن العلم بالقرآن والحرفة معنى مرغوب فيه وأما حبل الجارية المغصوبة بأن غصب جارية فحبلت في يده فإن كان المولى أحبلها في يد الغاصب لا شيء على الغاصب لأن النقصان حصل بفعل المولى فلا يضمنه الغاصب كما لو قتلها المولى في يد الغاصب وكذلك لو حبلت في يد الغاصب من زوج كان لها في يد المولى لأن الوطء من الزوج حصل بتسليط المولى فصار كأنه حصل منه أو حدث في يده وإن حبلت في يد الغاصب من زنا أخذها المولى وضمنه نقصان الحبل والكلام في قدر الضمان قال أبو يوسف رحمه الله ينظر إلى ما نقصها الحبل وإلى أرش عيب الزنا فيضمن الأكثر ويدخل الأقل فيه وهذا استحسان والقياس أن يضمن الأمرين جميعا وروي عن محمد رحمه الله أنه أخذ بالقياس وجه القياس أن الحبل والزنا كل واحد منهما عيب على حدة فكان النقصان الحاصل بكل واحد منهما نقصانا على حدة فيفرد بضمان على حدة
وجه الاستحسان أن الجمع بين الضمانين غير ممكن لأن نقصان الحبل إنما حصل بسبب الزنا فلم يكن نقصانا بسبب على حدة حتى يفرد بحكم على حدة فلا بد من إيجاب أحدهما فأوجبنا الأكثر لأن الأقل يدخل في الأكثر ولا يتصور دخول الأكثر في الأقل فإن ردها الغاصب حاملا فماتت في يد المولى من الولادة فبقي ولدها ضمن الغاصب جميع قيمتها عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما لا يضمن إلا نقصان الحبل خاصة وجه قولهما أن الرد وقع صحيحا من الغاصب في القدر المردود وهو ما وراء الفائت بالحبل والهلاك بعد الرد حصل في يد المالك بسبب وجد في يده وهو الولادة فلا يكون مضمونا على الغاصب كما لو ماتت بسبب آخر وكما لو باع جارية حبلى فولدت عند المشتري ثم ماتت من نفاسها أنه لا يرجع المشتري على البائع بشيء كذا هذا وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن الموت حصل بسبب كان في ضمان الغاصب وهو الحبل أو الزنا لأن ذلك أفضى إلى الولادة والولادة أفضت إلى الموت فكان الموت مضافا إلى السبب السابق وإذا حصل الهلاك بذلك السبب تبين أن الرد لم يصح لانعدام شرط صحته وهو أن يكون الرد مثل الأخذ من جميع الوجوه فصار كأنها ولدت في يد الغاصب فماتت من الولادة ولو كان كذلك يضمن الغاصب جميع قيمتها كذا هذا بخلاف مسألة البيع لأن الواجب هناك هو التسليم ابتداء لا الرد وقد وجد التسليم فخرج عن العهدة وبخلاف الحرة إذا زنا بها مكرهة فماتت من الولادة أنه لا يضمن لأنها غير مضمونة بالأخذ ليلزمه الرد على وجه الأخذ بخلاف الأمة ولو كانت الجارية زنت في يد الغاصب ثم ردها على المالك فحدث في يده ونقصها الضرب ضمن الغاصب الأكثر من نقصان الضرب ومما نقصها الزنا في قول أبي حنيفة عليه الرحمة وعندهما ليس عليه إلا نقصان الزنا وجه قولهما أن النقصان حصل في يد المالك بسبب آخر ولأبي حنيفة رحمه الله أن النقصان حصل بسبب كان في ضمان الغاصب فيضاف إلى حين وجود السبب في يد الغاصب بسبب وجد في يده وهو الضرب فلا يكون مضمونا على الغاصب كما لو حصل في يد المالك فأبو حنيفة رضي الله عنه نظر إلى وقت وجود السبب وهما نظرا إلى وقت ثبوت الحكم وهو النقصان ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله فيمن اشترى عبدا فوجده مباح الدم فقتل في يد المشتري إنه ينتقض العقد ويرجع على البائع بكل القيمة وكذلك لو كان سارقا فقطع في يده رجع بنصف الثمن اعتبارا للسبب السابق وعندهما يقتصر الحكم على الحال ويكون في ضمان المشتري ويرجع على البائع بنقصان العيب فإن قيل كيف يضاف النقصان إلى سبب كان في ضمان الغاصب وذلك السبب لم يوجب ضربا جارحا فكيف يضاف نقصان الجرح إليه ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله في شهود الزنا إذا رجعوا بعد إقامة الجلدات أنهم لا يضمنون بنقصان الجرح لأن شهادتهم لم توجب ضربا جارحا فلم يضف نقصان الجرح إليها كذا هذا قيل له إن النقصان لا يضاف إلى السبب السابق ههنا كما لا يضاف إلى شهادة الشهود هناك إلا أنه وجب الضمان ههنا لأن وجوب ضمان الغصب لا يقف على الفعل فيستند الضرب إلى سبب كان في يد الغاصب ولا يستند إليه أثره فيصير كأنها ضربت في يد الغاصب فانجرحت عند الضرب لا بالضرب ولو كان كذلك لضمن الغاصب كذا هذا وإنما اعتبر الأكثر من نقصان الضرب ومن نقصان الزنا لما ذكرنا فيما تقدم أن النقصانين جميعا حصلا بسبب واحد فتعذر الجمع بين الضمانين فيجب الأكثر ويدخل الأقل فيه والله أعلم
ولو كانت الجارية المغصوبة سرقت في يد الغاصب فردها على المالك فقطعت عنده يضمن الغاصب نصف قيمتها في قول أبي حنيفة رحمه الله وعندهما لا يضمن إلا نقصان السرقة والكلام في هذه المسألة في الطرفين جميعا على نحو الكلام في المسألة الأولى إلا أن أبا حنيفة رحمه الله اعتبر نقصان القطع ههنا ولم يعتبر نقصان عيب السرقة واعتبر نقصان عيب الزنا هناك لأن نقصان القطع يكون أكثر من نقصان السرقة ظاهرا وغالبا فدخل الأقل في الأكثر بخلاف نقصان عيب الزنا لأنه قد يكون أكثر من نقصان الضرب لذلك اختلف اعتباره والله سبحانه وتعالى أعلم ولو حمت الجارية المغصوبة في يد الغاصب فردها على المولى فماتت في يده من الحمى التي كانت في يد الغاصب لم يضمن الغاصب إلا ما نقصها الحمى في قولهم جميعا لأن الموت يحصل بالآلام التي لا تتحملها النفس وإنها تحدث شيئا فشيئا إلى أن يتناهى فلم يكن الموت حاصلا بسبب كان في ضمان الغاصب فلا يضمن إلا قدر نقصان الحمى ولو غصب جارية محمومة أو حبلى أو بها جراحة أو مرض آخر سوى الحمى فماتت من ذلك في يد الغاصب فهو ضامن لقيمتها وبها ذلك فرق بين هذا وبين ما إذا ماتت في يد المولى بحبل كان في يد الغاصب حيث جعل هنالك موتها في يد المالك كموتها في يد الغاصب ولم يجعل ههنا موتها في يد الغاصب كموتها في يد المالك ووجه الفرق أن الهلاك هناك حصل بسبب كان في ضمان الغاصب وهو الحبل لأنه يفضي إليه فأضيف إليه كأنه حصل في يده فتبين أن الرد لم يصح لعدم شرط الصحة على ما بينا والهلاك ههنا إن حصل بسبب كان في يد المولى لكن لم يحصل بسبب كان في ضمانه لأن الحبل لم يكن مضمونا عليه فإذا غصبها فقد صارت مضمونة بالغصب لأن انعقاد سبب الهلاك لا يمنع دخولها في ضمان الغاصب لأن وجوب ضمان الغصب لا يقف على فعل الغاصب فإذا هلك في يده تقرر الضمان لكن منقوصا بما بها من المرض لأنها لم تدخل في ضمان الغصب إلا كذلك والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا يخرج ما إذا غصب جارية سمينة فهزلت في يد الغاصب إن عليه نقصان الهزال ولو عادت سمينة في يده فردها لا شيء عليه لأن نقصان الهزال انجبر بالسمن فصار كأن لم يكن أصلا وكذا إذا قلعت سنها في يده فنبتت فردها لأنها لما نبتت ثانيا جعل كأنها لم تقلع وكذا إذا قطعت يدها في يده فردها مع الأرش لما قلنا والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا يخرج نقصان الولادة أنه مضمون على الغاصب لفوات جزء من المغصوب بالولادة إلا إذا كان له جابر فينعدم الفوات من حيث المعنى وجملة الكلام في الجارية المغصوبة إذا نقصتها الولادة أن الأمر لا يخلو إما إن كان الأم أو الولد جميعا قائمين في يد الغاصب وإما إن هلكا جميعا في يده وإما إن هلك أحدهما وبقي الآخر فإن كانا قائمين ردهما على المغصوب منه ثم ينظر إن كان في قيمة الولد وفاء لنقصان الولادة انجبر به ولا شيء على الغاصب وإن لم يكن في قيمته وفاء بالنقصان انجبر بقدره وضمن الباقي استحسانا وهو قول أصحابنا الثلاثة رضي الله عنهم والقياس أن لا يجوز وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله ولو لم يكن في الولد وفاء بالنقصان وقت الرد ثم حصل به وفاء بعد الرد لم يعتبر ذلك لأن الزيادة لم تحصل في ضمان الغاصب فلا تصلح لجبر النقصان وقالوا إن نقصان الحبل على هذا الخلاف بأن غصب جارية حائلا فحملت في يد الغاصب فردها إلى المالك فولدت عنده ونقصتها الولادة وفي الولد وفاء لا يضمن الغاصب شيئا خلافا لزفر رحمه الله لوعلى ( ( ( وعلى ) ) ) هذا الخلاف إذا بيعت بيعا فاسدا وهي حامل فولدت في يد المشتري ونقصتها الولادة وفي الولد وفاء فرد المشتري الجارية مع الولد إلى البائع أنه لا يضمن شيئا خلافا لزفر
وعلى هذا الخلاف إذا كان له جارية للتجارة فحال عليها الحول وقيمتها ألف درهم فولدت فنقصتها الولادة مائتي درهم وفي الولد وفاء بالنقصان أنه يبقى الواجب في جميع الألف ولا يسقط منه شيء وعند زفر رحمه الله يبقى فيما وراء النقصان ويسقط بقدره وجه قول زفر رحمه الله في مسألة الغصب أنه وجد سبب وجوب الضمان وهو النقصان فيجب الضمان جبرا له لأن ضمان الغصب ضمان جبر الفائت وقد حصل الفوات فلا بد له من جابر والولد لا يصلح جابرا له لأن الفائت ملك المغصوب منه والولد ملكه أيضا ولا يعقل أن يكون ملك الإنسان جابرا لملكه فلزم جبره بالضمان ولنا أن هذا نقصان صورة لا معنى فلا يكون مضمونا كنقصان السن والسمن والقطع وقد مر والدليل على أن هذا ليس نقصانا معنى أن سبب الزيادة والنقصان واحد وهو الولادة واتحاد سبب الزيادة والنقصان يمنع تحقق النقصان من حيث المعنى لأن الزيادة مال متقوم مثل الفائت فالسبب الذي فوت أفاد له مثله من حيث المعنى فلم يحصل الفوات إلا من حيث الصورة والصورة غير مضمونة بالقيمة في ضمان العدوان وقد خرج الجواب عن قوله إن جبر ملكه بملكه غير معقول لأن ما ذكرنا يمنع تحقق النقصان من حيث المعنى فيمتنع تحقق الفوات من حيث المعنى فلا حاجة إلى الجابر وإن هلكا جميعا في يد الغاصب ضمن قيمة الأم يوم غصب لتحقق الغصب فيها ولم يضمن قيمة الولد عندنا لأنه غير مغصوب وعند الشافعي رحمه الله يضمن لوجود الغصب فيه وقد مرت المسألة في صدر الكتاب وإن كان الغاصب قتل الولد أو باعه ضمن قيمته مع قيمة أمه لأن الولد إن كان أمانة في يد الغاصب عندنا فالأمانة تصير مضمونة بوجود سبب الضمان فيها وقد وجد على ما بينا فيما تقدم فإن كانت قيمة الأم ألف درهم فنقصتها الولادة مائة درهم والولد يساوي مائتين ضمن قيمة الأم يوم الغصب ألف درهم وضمن من الولد نصف قيمته مائة درهم يدخل ذلك النصف في قيمة الأم وإن شئت ضمنته قيمة الأم يوم ولدت وقيمة الولد بأمه وكل ذلك سواء لأن النقصان إذا انجبر بالولد كان الواجب من الضمان في الحاصل ألف ( ( ( ألفا ) ) ) ومائة فإن اعتبرت قيمة الأم تامة بقي نصف قيمة الولد وإن اعتبرت قيمة الأم تسعمائة بقي كل قيمة الولد وإن هلك أحدهما وبقي الآخر فإن هلك الولد قبل الرد رد الأم وضمن نقصان الولادة وليس عليه ضمان الولد عندنا لأنه هلك أمانة فإن هلكت الأم وبقي الولد ضمن قيمة الأم يوم غصب ورد الولد ولا تجبر الأم بالولد وإن كان في قيمة الولد وفاء بقيمة الأم بخلاف ضمان النقصان أنه يجبر بالولد لأن الجبر هناك لاتحاد سبب النقصان والزيادة وهو الولادة ولم توجد ههنا لأن الولادة سبب لحصول الولد وليست سببا لهلاك الأم لأنها لا تفضي إلى الهلاك غالبا فلم يتحد السبب فيتعذر الجبر والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا يخرج ما إذا غصب ثوبا فقطعه ولم يخطه إن للمغصوب منه أن يضمنه النقصان غير أن النقصان إن كان يسيرا لا خيار للمغصوب منه وليس له إلا ضمان النقصان لأن ذلك نقص وتعييب فيوجب ضمان نقصان العيب وإن كان فاحشا بأن قطعه قباء أو قميصا فهو بالخيار إن شاء أخذه مقطوعا وضمنه ما نقصه القطع وإن شاء تركه عليه وضمنه قيمة ثوب غير مقطوع لأن القطع الفاحش يفوت بعض المنافع المطلوبة من الثوب ألا ترى أنه لا يصلح لما كان يصلح له قبل القطع فكان استهلاكا له من وجه فيثبت له الخيار وكذلك لو غصب شاة فذبحها ولم يشوها ولا طبخها فالمغصوب منه بالخيار إن شاء أخذ الشاة وضمنه نقصان الذبح وإن شاء تركها عليه وضمنه قيمتها يوم الغصب كذا ذكر في الأصل وسواء سلخها الغاصب وأربها أو لا بعد أن لم يكن شواها ولا طبخها
وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه إن شاء أخذ الشاة ولا شيء له غيرها وإن شاء ضمنه قيمتها يوم الغصب وجه هذه الرواية أن ذبح الشاة إن كان نقصانا صورة فهو زيادة من حيث المعنى لأن المقصود من الشاة اللحم والذبح وسيلة إلى هذا المقصود فلم يكن نقصانا بل كان زيادة حيث رفع عنه مؤنة الوسيلة فكان الغاصب محسنا في الذبح وقد قال الله تبارك وتعالى ما على المحسنين من سبيل فإذا اختار أخذ اللحم لا يلزمه شيء آخر إلا أنه ثبت له خيار الترك عليه ويضمنه القيمة لفوات مقصود ما في الجملة وجه رواية الأصل أن الشاة كما يطلب منها اللحم يطلب منها مقاصد أخر من الدر والنسل والتجارة فكان الذبح تفويتا لبعض المقاصد المطلوبة منها فكان تنقيصا لها واستهلاكا من وجه فيثبت له خيار تضمين النقصان وخيار تضمين القيمة كما في مسألة الثوب وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا غصب من إنسان عينا من ذوات القيم أو من ذوات الأمثال ونقلها إلى بلدة أخرى فالتقيا والعين في يد الغاصب وقيمتها في ذلك المكان أقل من قيمتها في مكان الغصب إن للمغصوب منه أن يطالبه في ذلك المكان بقيمتها التي في مكان الغصب لأن ( ( ( لأنها ) ) ) قيم الأعيان ( ( ( أعيان ) ) ) تختلف باختلاف الأماكن بالزيادة والنقصان فإذا نقلها إلى ذلك المكان وقيمتها فيه أقل من قيمتها في مكان الغصب فقد نقصها من حيث المعنى بالنقل فلو أجبر على أخذ العين لتضرر به من جهة الغاصب فيثبت له الخيار إن شاء طالبه بالقيمة التي في مكان الغصب وإن شاء انتظر العود إلى مكان الغصب بخلاف ما إذا وجده في البلد الذي غصبه فيه وقد انتقص السعر إنه لا يكون له خيار لأن النقصان هناك ما حصل بصنعه لأنه حصل بتغير السعر ولا صنع للعبد في ذلك بل هو محض صنع الله عز وجل أعني مصنوعه فلم يكن مضمونا عليه ولو كانت قيمة العين في المكان المنقول إليه مثل قيمتها في مكان الغصب أو أكثر ليس له ولاية المطالبة بالقيمة لأن الحكم الأصلي للغصب هو وجوب رد العين حال قيام العين والمصير إلى القيمة لدفع الضرر وههنا يمكن الوصول إلى العين من غير ضرر يلزمه فلا يملك العدول إلى القيمة ولو كان المغصوب دراهم أو دنانير فليس له أن يطالبه بالقيمة وإن اختلف السعر لأن الدراهم والدنانير جعلت أثمان الأشياء ومعنى الثمنية لا يختلف باختلاف الأماكن عادة لأنه ليس لها حمل ومؤنة لعزتها وقلتها عادة فلم يكن النقل نقصانا لها باختلاف الأماكن للحاجة إلى الحمل والمؤنة ولم يوجد فلم يكن له ولاية المطالبة بالقيمة وله أن يطالبه برد عينها لأنه هو الحكم الأصلي للغصب والمصير إلى القيمة لعارض العجز أو الضرر ولم يوجد هذا إذا كانت العين المغصوبة قائمة في الغاصب فأما إذا كانت هالكة فالتقيا فإن كانت من ذات ( ( ( ذوات ) ) ) القيم أخذ قيمتها التي كانت وقت الغصب لأنها إذا هلكت تبين أن الغصب السابق وقع إتلافا من حين وجوده والحكم يثبت من حين وجود سببه وإن كان من ذوات الأمثال ينظر إن كان سعرها في المكان الذي التقيا فيه أقل من سعرها في مكان الغصب فالمغصوب منه بالخيار إن شاء أخذ القيمة التي للعين في مكان الغصب وإن شاء انتظر ولا يجبر على أخذ المثل في هذا المكان لما ذكرنا أنه نقص العين بالنقل إلى هذا المكان لما بينا أن اختلاف قيمة الأشياء التي لها حمل ومؤنة يختلف باختلاف المكان لمكان الحمل والمؤنة فالجبر على الأخذ في هذا المكان يكون إضرارا به فيثبت له الخيار إن شاء أخذ القيمة وإن شاء انتظر كما لو كانت العين قائمة وقيمتها في هذا المكان أقل
وإن كانت قيمتها في هذا المكان مثل قيمتها في مكان الغصب كان للمغصوب منه أن يطالبه بالمثل لأنه لا ضرر فيه على أحد وإن كانت قيمتها في مكان الخصومة أكثر من قيمتها في مكان الغاصب ( ( ( الغصب ) ) ) فالغاصب بالخيار إن شاء أعطى المثل في مكان الخصومة وإن شاء أعطى القيمة في مكان الغصب لأن في إلزام تسليم المثل في مكان الخصومة ضررا بالغاصب وفي التأخير إلى العود إلى مكان الغصب ضررا بالمغصوب منه فيسلم إليه في هذا المكان القيمة التي له في مكان الغصب إلا أن يرضى المغصوب منه بالتأخير والله أعلم وإن كان المغصوب من أموال الربا لا يجوز بيعه بجنسه متفاضلا كالمكيلات والموزونات فانتقص في يد الغاصب بصنعه أو بغير صنعه فليس للمغصوب منه أن يأخذه ( ( ( يأخذ ) ) ) منه ويضمنه قيمة النقصان لأنه يؤدي إلى الربا وعلى هذا يخرج ما إذا غصب حنطة فعفنت في يد الغاصب أو ابتلت أو صب الغاصب فيها ماء فانتقصت قيمتها إن صاحبها بالخيار إن شاء أخذها بعينها ولا شيء له غيرها وإن شاء تركها على الغاصب وضمنه مثل ما غصبت وليس له أن يأخذها ويضمنه النقصان وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله له ذلك بناء على أن الجودة بانفرادها لا قيمة لها في أموال الربا عندنا وعنده لها قيمة والمسألة مرت في كتاب البيوع وإذا لم تكن متقومة لا تكون مضمونة لأن المضمون هو المال المتقوم ولأنها إذا لم تكن متقومة تؤدي إلى الربا ولو غصب درهما صحيحا أو دينارا صحيحا فانكسر في يده أو كسره إن كان في موضع لا يتفاوت الصحيح والمكسر في القيمة لا شيء على الغاصب وإن كان في موضع يتفاوت فصاحبها بالخيار إن شاء أخذه بعينه ولا شيء له غيره وإن شاء تركه عليه وضمنه مثل ما أخذ وليس له أن يأخذه بعينه ويضمنه النقصان عندنا خلافا للشافعي رحمه الله بناء على الأصل الذي ذكرنا وإن كان المغصوب إناء فضة أو ذهب فانهشم في يد الغاصب أو هشمه فالمالك بالخيار إن شاء أخذه بعينه ولا شيء له غيره وإن شاء ضمنه قيمته من خلاف الجنس لأن الجودة لا قيمة لها بانفرادها فأما مع الأصل فمتقومة خصوصا إذا حصلت بصنع العباد فلا بد من التضمين والتضمين بالمثل غير ممكن لأنه لا مثل له فوجب التضمين بالقيمة ثم لا سبيل إلى تضمينه بجنسه لأنه يؤدي إلى الربا فلزم تضمينه بخلاف جنسه بخلاف الدراهم والدنانير لأن هناك إيجاب المثل ممكن وهو الأصل في الباب فلا يعدل عن الأصل من غير ضرورة ولو قضى عليه بالقيمة من خلاف الجنس ثم تفرقا قبل التقابض من الجانبين لا يبطل القضاء عند أصحابنا الثلاثة رضي الله عنهم لأن القيمة قامت مقام العين وعند زفر رحمه الله يبطل لأنه صرف وكذلك آنية الصفر والنحاس والشبه والرصاص إن كانت تباع وزنا فهي وآنية الذهب والفضة سواء لأنها إذا كانت تباع وزنا لم تخرج بالصناعة عن حد الوزن فكانت موزونة فكانت من أموال الربا كالذهب والفضة فإذا انهشمت في يد الغاصب نفسه أو غيره فحدث فيها عيب فاحش أو يسير إن شاء أخذه كذلك ولا شيء له غيره وإن شاء تركه عليه بالقيمة من الدراهم والدنانير ولا يكون التقابض فيه شرطا بالإجماع وكذلك هذا الحكم في كل مكيل وموزون إذا نقص من وصفه لا من الكيل والوزن وإن كانت تباع عددا فانكسرت أو كسرت إن كان ذلك لم يورث فيه عيبا فاحشا فليس لصاحبه فيه خيار الترك ولكنه يأخذها ويضمنه نقصان القيمة وإن كان أورث عيبا فاحشا فصاحبها بالخيار إن شاء أخذها وأخذ قيمة النقصان وإن شاء تركها عليه وضمنه قيمتها صحيحا
وعلى هذا يخرج ما إذا غصب عصيرا فصار خلا في يده أو لبنا حليبا فصار مخيضا أو عنبا فصار زبيبا أو رطبا فصار تمرا إن المغصوب منه بالخيار إن شاء أخذ ذلك الشيء بعينه ولا شيء له غيره لأن هذه من أموال الربا فلم تكن الجودة فيها بانفرادها متقومة فلا تكون متقومة وإن شاء تركه على الغاصب وضمنه مثل ما غصب لما ذكرنا فيما تقدم وأما طريق معرفة النقصان فهو أن يقوم صحيحا ويقوم وبه العيب فيجب قدر ما بينهما لأنه لا يمكن معرفة قدر النقصان إلا بهذا الطريق والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الذي يتعلق بحال زيادة المغصوب فنقول وبالله التوفيق إذا حدثت زيادة في المغصوب في يد الغاصب فالزيادة لا تخلو إما إن كانت منفصلة عن المغصوب وإما إن كانت متصلة به فإن كانت منفصلة عنه أخذها المغصوب منه مع الأصل ولا شيء عليه للغاصب سواء كانت متولدة من الأصل كالولد والثمرة واللبن والصوف أو ما هو في حكم المتولد كالأرش والعقر أو غير متولدة منه أصلا كالكسب من الصيد والهبة والصدقة ونحوها لأن المتولد منها نماء ملكه فكان ملكه وما هو في حكم المتولد بدل جزء مملوك أو بدل ما له حكم الجزء فكان مملوكا له وغير المتولد كسب ملكه فكان ملكه وأما بدل المنفعة وهو الأجرة بأن آجر الغاصب المغصوب يملكه الغاصب عندنا ويتصدق به خلافا للشافعي رحمه الله بناء على أن المنافع ليست بأموال متقومة بأنفسها عندنا حتى لا تضمن بالغصب والإتلاف وإنما يتقوم بالعقد وأنه وجد من الغاصب وعنده هي أموال متقومة بأنفسها مضمونة بالغصب والإتلاف كالأعيان وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم والله أعلم وإن كانت متصلة به فإن كانت متولدة كالحسن والجمال والسمن والكبر ونحوها أخذها المالك مع الأصل ولا شيء عليه للغاصب لأنها نماء ملكه وإن كانت غير متولدة منه ينظر إن كانت الزيادة عين مال متقوم قائم في المغصوب وهو تابع للمغصوب فالمغصوب منه بالخيار على ما نذكر إن شاء الله تعالى وإن لم تكن عين مال متقوم قائم أخذها المغصوب منه ولا شيء للغاصب وإن كانت عين مال متقوم ولكنه ليس ببيع للمغصوب بل هي أصل بنفسها تزول عن ملك المغصوب منه وتصير ملكا للغاصب للضمان وبيان هذا في مسائل إذا غصب من إنسان ثوبا فصبغه الغاصب بصبغ نفسه فإن صبغه أحمر أو أصفر بالعصفر والزعفران وغيرهما من الألوان سوى السواد فصاحب الثوب بالخيار إن شاء أخذ الثوب من الغاصب وأعطاه ما زاد الصبغ فيه أما ولاية أخذ الثوب فلأن الثوب ملكه لبقاء اسمه ومعناه وأما ضمان ما زاد الصبغ فيه فلأن للغاصب عين مال متقوم قائم فلا سبيل إلى إبطال ملكه عليه من غير ضمان فكان الأخذ بضمان رعاية للجانبين وإن شاء ترك الثوب على الغاصب وضمنه قيمة ثوبه أبيض يوم الغصب لأنه لا سبيل إلى جبره على أخذ الثوب إذ لا يمكنه أخذه إلا بضمان وهو قيمة ما زاد الصبغ فيه ولا سبيل إلى جبره على الضمان لانعدام مباشرة سبب وجوب الضمان منه وقيل له خيار ثالث وهو أن له ترك الثوب على حاله وكان الصبغ فيه للغاصب فيباع الثوب ويقسم الثمن على قدر حقهما كما إذا انصبغ لا بفعل أحد لأن الثوب ملك المغصوب منه والصبغ ملك الغاصب والتمييز متعذر فصارا شريكين في الثوب فيباع الثوب ويقسم الثمن بينهما على قدر حقهما وإنما كان الخيار للمغصوب منه لا للغاصب وإن كان للغاصب فيه ملك أيضا وهو الصبغ لأن الثوب أصل والصبغ تابع له فتخيير صاحب الأصل أولى من أن يخير صاحب التبع وليس للغاصب أن يحبس الثوب بالعصفر لأنه صاحب تبع وإن صبغه أسود اختلف فيه قال أبو حنيفة رحمه الله صاحب الثوب بالخيار إن شاء تركه على الغاصب وضمنه قيمة ثوبه أبيض وإن شاء أخذ الثوب ولا شيء للغاصب بل يضمنه النقصان وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله السواد وسائر الألوان سواء
وهذا بناء على أن السواد نقصان عند أبي حنيفة رضي الله عنه لأنه يحرق الثوب فينقصه وعندهما زيادة كسائر الألوان وقيل إنه لا خلاف بينهم في الحقيقة وجواب أبي حنيفة رحمه الله في سواد ينقص وجوابهما في سواد يزيد وقيل كان السواد يعد نقصانا في زمنه وزمنهما كان يعد زيادة فكان اختلاف زمان والله سبحانه وتعالى أعلم وأما العصفر إذا نقص الثوب بأن كانت قيمة الثوب ثلاثين فعادت قيمته بالصبغ إلى عشرين فإنه ينظر إلى قدر ما يزيد هذا الصبغ لو كان في ثوب يزيد هذا الصبغ قيمته ولا ينقص فإن كان يزيده قدر خمسة دراهم فصاحب الثوب بالخيار إن شاء ترك الثوب على الغاصب وضمنه قيمة الثوب أبيض ثلاثين درهما وإن شاء أخذ الثوب وأخذ من الغاصب خمسة دراهم كذا قال محمد رحمه الله لأن العصفر نقص من هذا الثوب عشرة دراهم إلا أن يقدر خمسة فيه صبغ فانجبر نقصان الخمسة به أو صارت الخمستان قصاصا وبقي نقصان خمسة دراهم فيرجع عليه بخمسة وكذلك السواد على هذا والله أعلم ولو صبغ الثوب المغصوب بعصفر نفسه وباعه وغاب ثم حضر صاحب الثوب يقضى له بالثوب ويستوثق منه بكفيل أما القضاء بالثوب لصاحب الثوب فلما ذكرنا أن الثوب أصل والصبغ تابع له فكان صاحب الثوب صاحب أصل فكان اعتبار جانبه أولى وأما الاستيثاق بكفيل فلأن للغاصب فيه عين مال متقوم قائم ولو وقع الثوب المغصوب في صبغ إنسان فصبغ به أو هبت الريح بثوب إنسان فألقته في صبغ غيره فانصبغ به فإن كان الصبغ عصفرا أو زعفرانا فصاحب الثوب بالخيار إن شاء أخذ الثوب وأعطاه ما زاد الصبغ فيه لما مر وإن شاء امتنع لما ذكرنا أنه لا سبيل إلى جبره على الضمان لانعدام مباشرة سبب وجوب الضمان منه فيباع الثوب فيضرب كل واحد منهما بحقه فيضرب صاحب الثوب بقيمة ثوبه أبيض لأن حقه في الثوب الأبيض وصاحب الصبغ يضرب بقيمة الصبغ في الثوب وهو قيمة ما زاد الصبغ فيه لأن حقه في الصبغ القائم في الثوب لا في الصبغ المنفصل وإنما ثبت الخيار لصاحب الثوب لا للغاصب لما بينا وإن كان سوادا أخذه صاحب الثوب ولا شيء عليه من قيمة الصبغ بل يضمنه النقصان إن كان غاصبا لأن النقصان حصل في ضمانه وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله وعندهما حكمه حكم سائر الألوان على ما بينا والله سبحانه وتعالى أعلم وكذلك السمن يخلط بالسويق المغصوب أو يخلط به فالسويق بمنزلة الثوب والسمن بمنزلة الصبغ لأن السويق أصل والسمن كالتابع له ألا ترى أنه يقال سويق ملتوت ولا يقال سمن ملتوت وأما العسل إذا خلط بالسمن أو اختلط به فكلاهما أصل وإذا خلط المسك بالدهن أو اختلط به فإن كان يزيد الدهن ويصلحه كان المسك بمنزلة الصبغ وإن كان دهنا لا يصلح بالخلط ولا تزيد قيمته كالأدهان المنتنة فهو هالك ولا يعتد به والله أعلم ولو غصب من إنسان ثوبا ومن إنسان صبغا فصبغه به ضمن لصاحب الصبغ صبغا مثل صبغه لأنه أتلف عليه صبغه وهو من ذوات الأمثال فيكون مضمونا بالمثل فبعد ذلك حكمه وحكم ما إذا صبغ الثوب المغصوب بصبغ نفسه سواء لأنه ملك الصبغ بالضمان وقد بينا ذلك ولو غصب من إنسان ثوبا ومن آخر صبغا فصبغه فيه ثم غاب ولم يعرف فهذا وما إذا انصبغ بغير فعل أحد سواء استحسانا والقياس أن لا يكون لصاحب الصبغ على صاحب الثوب سبيل وجه القياس ما ذكرنا أن الصبغ صار مضمونا عليه لوجود الإتلاف منه فملكه بالضمان وزال عند ملك صاحبه وجه الاستحسان أنه إذا غاب الغاصب على وجه لا يعرف لا يمكن اعتبار فعله في إدارة الحكم عليه فيجعل كأنه حصل لا بصبغ أحد ولو غصب ثوبا وعصفرا من رجل واحد فصبغه به فالمغصوب منه يأخذ الثوب مصبوغا ويبرى ( ( ( ويبرئ ) ) ) الغاصب من الضمان في العصفر والثوب استحسانا
والقياس أن يضمن الغاصب عصفرا مثله ثم يصير كأنه صبغ ثوبه بعصفر نفسه فيثبت الخيار لصاحب الثوب لما ذكرنا أنه أتلف عليه عصفره وملكه بالضمان فهذا رجل صبغ ثوبا بعصفر نفسه فيثبت الخيار لصاحب الثوب وجه الاستحسان أن المغصوب منه واحد فالغاصب خلط مال المغصوب منه بماله وخلط مال الإنسان بماله لا يعد استهلاكا له بل يكون نقصانا فإذا اختار أخذ الثوب فقد أبرأه عن النقصان ولو كان العصفر لرجل والثوب لآخر فرضيا أن يأخذاه كما يأخذ الواحد أن لو كانا له فليس لهما ذلك لأن المالك ههنا اختلف فكان الخلط استهلاكا والله سبحانه وتعالى أعلم ولو غصب إنسان عصفرا وصبغ به ثوب نفسه ضمن عصفرا مثله لأنه استهلك عليه عصفره وله مثل فيضمن مثله وليس لصاحب العصفر أن يحبس الثوب لأن الثوب أصل والعصفر تبع له والسواد في هذا بمنزلة العصفر في قول أبي حنيفة رضي الله عنه أيضا لأن هذا ضمان الاستهلاك والألوان كلها في حكم ضمان الاستهلاك سواء والله أعلم ولو غصب دارا فجصصها ثم ردها قيل لصاحبها أعطه ما زاد التجصيص فيها إلا أن يرضى صاحب الدار أن يأخذ الغاصب جصه لأن للغاصب فيها عين مال متقوم قائم وهو الجص فلا يجوز إبطال حقه عليه من غير عوض فيخير صاحب الدار لأنه صاحب أصل فإن شاء أخذها وغرم للغاصب ما زاد التجصيص فيها وإن شاء رضي بأن يأخذ جصه ولو غصب مصحفا فنقطه روي عن أبي يوسف رحمه الله أن لصاحبه أخذه ولا شيء عليه وقال محمد رحمه الله صاحبه بالخيار إن شاء أعطاه ما زاد النقط فيه وإن شاء ضمنه قيمته غير منقوط وجه قوله أن النقط زيادة في المصحف فأشبه الصبغ في الثوب وجه ما روى عن أبي يوسف أن النقط أعيان لا قيمة لها فلم يكن للغاصب فيه عين مال متقوم قائم بقي مجرد عمله وهو النقط ومجرد العمل لا يتقوم إلا بالعقد ولم يوجد ولأن النقط في المصحف مكروه ألا ترى إلى ما روي عنه أنه قال جردوا القرآن وإذا كان التجريد مندوبا إليه كان النقط مكروها فلم يكن زيادة فكان لصاحب المصحف أخذه ولو غصب حيوانا فكبر في يده أو سمن أو ازدادت قيمته بذلك فلصاحبه أن يأخذه ولا شيء عليه للغاصب لأنه ليس للغاصب فيه عين مال متقوم قائم وإنما الزيادة نماء ملك المالك وكذلك لو غصب جريحا مريضا فداواه حتى برأ وصح لما قلنا ولا يرجع الغاصب على المالك بما أنفق لأنه أنفق على مال الغير بغير إذنه فكان متبرعا وكذلك لو غصب أرضا فيها زرع أو شجر فسقاه الغاصب وأنفق عليه حتى انتهى بلوغه وكذلك لو كان نخلا أطلع فأبره ولقحه وقام عليه فهو للمغصوب منه ولا شيء للغاصب فيما أنفق لما قلنا ولو كان حصد الزرع فاستهلكه أو جد ( ( ( جذ ) ) ) من الثمر شيئا أو جز الصوف أو حلب كان ضامنا لأنه أتلف مال الغير بغير إذنه فيضمن ولو غصب ثوبا ففتله أو غسله أو قصره فلصاحبه أن يأخذه ولا شيء للغاصب لأنه ليس للغاصب عين مال متقوم قائم فيه أما الفتل فإنه تغير ( ( ( تغيير ) ) ) الثوب من صفة إلى صفة وأما الغسل فإنه إزالة الوسخ عن الثوب وإعادة له في الحالة الأولى والصابون أو الحرض فيه يتلف ولا يبقى وأما القصارة فإنها تسوية أجزاء الثوب فلم يحصل في المغصوب زيادة عين مال متقوم قائم ولوغصب ( ( ( فيه ) ) ) من مسلم خمرا فخللها فلصاحبها أن يأخذ الخل من غير شيء لأن الخل ملكه لأن الملك كان ثابتا له في الخمر وإذا صار خلا حدث الخل على ملكه وليس للغاصب فيه عين مال متقوم قائم لأن الملح الملقى في الخمر يتلف فيها فصارت ( ( ( فصار ) ) ) كما لو تخللت بنفسها في يده ولو كان كذلك لأخذه من غير شيء كذا هذا
وقيل موضوع المسألة أنه خللها بالنقل من الظل إلى الشمس لا بشيء له قيمة وهو الصحيح وعلى هذا يخرج ما إذا غصب جلد ميتة ودبغه أنه إن دبغه بشيء لا قيمة له كالماء والتراب والشمس كان لصاحبه أن يأخذه ولاشيء عليه للغاصب لأن الجلد كان ملكه وبعدما صار مالا بالدباغ بقي على حكم ملكه وليس لصاحبه فيه عين مال متقوم قائم إنما فيه مجرد فعل الدباغ ومجرد العمل لا يتقوم إلا بالعقد ولم يوجد هذا إذا أخذه من منزله فدبغه فأما إذا كانت الميتة ملقاة على الطريق فأخذ جلدها فدبغه فلا سبيل له على الجلد لأن الإلقاء في الطريق إباحة للأخذ كإلقاء النوى وقشور الرمان على قوارع الطرق ولو هلك الجلد المغصوب بعدما دبغه بشيء لا قيمة له لا ضمان عليه لأن الضمان لو وجب عليه إما أن يجب بالغصب السابق وإما أن يجب بالإتلاف لا سبيل إلى الأول لأنه لا قيمة له وقت الغصب ولا سبيل إلى الثاني لأنه لم يوجد الإتلاف من الغاصب وإن استهلكه يضمن بالإجماع لأنه كان ملكه قبل الدباغ وبعدما صار مالا بالدباغ بقي على حكم ملكه لا حق للغاصب فيه وإتلاف مال مملوك للغير بغير إذنه لا حق له فيه يوجب ( ( ( فيوجب ) ) ) الضمان ولو دبغه بشيء متقوم كالقرظ والعفص ونحوهما فلصاحبه أن يأخذه ويغرم له ما زاد الدباغ فيه لأنه ملك صاحبه وللغاصب فيه عين ملك متقوم قائم فلزم مراعاة الجانبين وذلك فيما قلنا وليس له أن يضمنه قيمة الجلد لأنه لو ضمنه قيمته يوم الغصب ولم يكن له قيمة يوم الغصب ولو هلك في يده بعدما دبغه لا ضمان عليه لما بينا ولو استهلكه فكذلك عند أبي حنيفة رضي الله عنه وذكر في ظاهر الرواية أن على قولهما يضمن قيمته مدبوغا ويعطيه المالك ما زاد الدباغ فيه وذكر الطحاوي رحمه الله في مختصره أن عندهما يغرم قيمته إن لو كان الجلد ذكيا غير مدبوغ وجه قولهما أنه أتلف مالا متقوما مملوكا بغير إذن مالكه فيوجب الضمان كما إذا دبغه بشيء لا قيمة له فاستهلكه وإنما قلنا ذلك أما المالية والتقوم فلأن الجلد بالدباغ صار مالا متقوما وأما الملك فلأنه كان ثابتا له قبل الدباغ وبعده بقي على حكم ملكه ولهذا وجب عليه الضمان فيما إذا دبغه بما لا قيمة له كذا هذا ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن التقوم حدث بصنع الغاصب فلا يجب الضمان عليه لأن الأصل أن الحادث بفعل الإنسان حقا له فلا يمكن إيجاب الضمان عليه فالتحق هذا الوصف بالعدم فكان هذا إتلاف مال لا قيمة له من حيث المعنى فلا يجب الضمان ولأن تقوم الجلد تابع لما زاد الدباغ فيه لأنه حصل بالدباغ وما زاد الدباغ مضمون فيه فكذا ما هو تابع له يكون ملحقا به والمضمون ببدل لا يضمن بالقيمة عند الإتلاف كالمبيع قبل القبض بخلاف ما إذا دبغه بشيء لا قيمة له لأن هناك ما زاد الدباغ فيه غير مضمون فلم يوجد الأصل فلا يلحق به غيره وإن كان الجلد ذكيا فدبغه فإن دبغه بما لا قيمة له فلصاحبه أن يأخذه ولا شيء عليه لما ذكرنا أنه ملك صاحبه وليس للغاصب فيه عين مال متقوم قائم وليس له أن يضمن الغاصب شيئا لأن الجلد قائم لم ينتقص ولو دبغه بما له قيمة فصاحبه بالخيار إن شاء ضمنه قيمته غير مدبوغ وإن شاء أخذه وأعطاه ما زاد الدباغ فيه لما ذكرنا في الثوب المغصوب إذا صبغه أصفر أو أحمر بصبغ نفسه ولو أن الغاصب جعل هذا الجلد أديما أو زقا أو دفترا أو جرابا أو فروا لم يكن للمغصوب منه على ذلك سبيل لأنه صار شيئا آخر حيث تبدل الاسم والمعنى فكان استهلاكا له معنى ثم إن كان الجلد ذكيا فله قيمته يوم الغصب وإن كان ميتة فلا شيء
ولو غصب عصيرا ( ( ( عصير ) ) ) لمسلم ( ( ( المسلم ) ) ) فصار خمرا في يده أو خلا ضمن عصيرا مثله لأنه هلك في يده بصيرورته خمرا أو خلا والعصير من ذوات الأمثال فيكون مضمونا بالمثل والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما حكم اختلاف الغاصب والمغصوب منه إذا قال الغاصب هلك المغصوب في يدي ولم يصدقه المغصوب منه ولا بينة للغاصب فإن القاضي يحبس الغاصب مدة لو كان قائما لأظهره في تلك المدة ثم يقضي عليه بالضمان لما قلنا فيما تقدم إن الحكم الأصلي للغصب هو وجوب رد عين المغصوب والقيمة خلف عنه فما لم يثبت العجز عن الأصل لا يقضى بالقيمة التي هي خلف ولو اختلفا في أصل الغصب أو في جنس المغصوب ونوعه أو قدره أو صفته أو قيمته وقت الغصب فالقول في ذلك كله قول الغاصب لأن المغصوب منه يدعي عليه الضمان وهو ينكر فكان القول قوله إذ القول في الشرع قو ( ( ( قول ) ) ) المنكر ولو أقر الغاصب بما يدعي المغصوب منه وادعى الرد عليه لا يصدق إلا ببينة لأن الإقرار بالغصب إقرار بوجود سبب وجود الضمان منه فهو بقوله رددت عليك يدعي انفساخ السبب فلا يصدق من غير بينة وكذلك لو ادعى الغاصب أن المغصوب منه هو الذي أحدث العيب في المغصوب لا يصدق إلا ببينة لأن الإقرار بوجود الغصب منه إقرار بوجود الغصب بجميع أجزائه في ضمانه فهو يدعي إحداث العيب من المغصوب منه ويدعي خروج بعض أجزائه عن ضمانه فلا يصدق إلا ببينة ولو أقام المغصوب منه البينة أنه غصب الدابة ونفقت عنده وأقام الغاصب البينة أنه ردها إليه وإنها نفقت عنده فلا ضمان عليه لأن من الجائز أن شهود المغصوب منه اعتمدوا في شهادتهم على استصحاب الحال لما أنهم علموا بالغصب وما علموا بالرد فبنوا الأمر على ظاهر بقاء المغصوب في يد الغاصب إلى وقت الهلاك وشهود الغاصب اعتمدوا في شهادتهم بالرد حقيقة الأمر وهو الرد لأنه أمر لم يكن فكانت الشهادة القائمة على الرد أولى كما في شهود الجرح مع شهود التزكية وروي عن أبي يوسف رحمه الله أن الغاصب ضامن والله تعالى أعلم ولو أقام المغصوب منه البينة أنه غصب منه هذا العبد ومات عنده وأقام الغاصب البينة أن العبد مات في يد مولاه قبل الغصب لم ينتفع بهذه الشهادة لأن موته في يد مولاه قبل الغصب لا يتعلق به حكم فلم تقبل الشهادة عليه والتحقت بالعدم فيجب العمل بشهادة شهود المغصوب منه ولأن من الجائز أن شهود الغاصب اعتمدوا استصحاب الحال وهو حال اليد التي كانت عليه للمولى لجواز أنهم علموها ثابتة ولم يعلموا ( ( ( يعلموها ) ) ) بالغصب وظنوا تلك اليد قائمة فاستصحبوها وشهود المغصوب منه اعتمدوا في شهادتهم تحقق الغصب فكانت شهادتهم أولى بالقبول ولو أقام المغصوب منه البينة أن الغاصب غصب هذا العبد يوم النحر بالكوفة وأقام الغاصب البينة أنه كان يوم النحر بمكة هو والعبد فالضمان واجب على الغاصب لأن بينة الغاصب لا يتعلق بها حكم فالتحقت بالعدم فبقيت بينة المغصوب منه بلا معارض فلزم العمل بها وقال محمد رحمه الله في الإملاء إذا أقام الغاصب البينة أنه مات في يد المغصوب منه وأقام المغصوب منه البينة أنه مات في يد الغاصب فالبينة بينة الغاصب لما ذكرنا أن بينته قامت على إثبات أمر لم يكن وهو الرد وبينة المغصوب منه قامت على إبقاء ما كان على ما كان وهو الغصب فكانت بينة الرد أولى والله سبحانه وتعالى أعلم ولو أقام المغصوب منه البينة أن الدابة نفقت عند الغاصب من ركوبه وأقام الغاصب البينة أنه ردها إليه فالبينة بينة المغصوب منه وعلى الغاصب القيمة لأن بينة الغاصب لا تدفع بينة المغصوب منه لأنها قامت على رد المغصوب ومن الجائز أنه ردها ثم غصبها ثانيا وركبها فنفق في يده فأمكن الجمع بين البينتين
وكذلك لو شهد شهود صاحب الدابة أن الغاصب قتلها وشهد شهود الغاصب أنه ردها إليه لما قلنا كما إذا قال رجل لآخر غصبنا منك ألفا ثم قال كنا عشرة قال أبو يوسف رحمه الله لا يصدق وقال زفر رحمه الله يصدق وجه قوله إن قوله غصبنا منك حقيقة للجمع والعمل بحقيقة اللفظ واجب وفي الحمل على الواحد ترك للعمل بالحقيقة فيصدق وجه قول أبي يوسف أن العمل بالحقيقة واجب ما أمكن وههنا لا يمكن لأن قوله غصبنا إخبار عن وجود الغصب من جماعة مجهولين فلو عملنا بحقيقة ( ( ( بحقيقته ) ) ) لألغينا كلامه ولا شك أن العمل بالمجاز أولى من الإلغاء والله أعلم فصل وأما مسائل الإتلاف فالكلام فيها أن الإتلاف لا يخلو إما إن ورد على بني آدم وإما إن ورد على غيرهم من البهائم والجمادات فإن ورد على بني آدم فحكمه في النفس وما دونها نذكره في كتاب الجنايات إن شاء الله تعالى وإن ورد على غير بني آدم فإنه يوجب الضمان إذا استجمع شرائط الوجوب فيقع الكلام فيه في ثلاثة مواضع في بيان كونه سببا لوجوب الضمان وفي بيان شروط وجوب الضمان وفي بيان ماهية الضمان الواجب أما الأول فلا شك أن الإتلاف سبب لوجوب الضمان عند استجماع شرائط الوجوب لأن إتلاف الشيء إخراجه من أن يكون منتفعا به منفعة مطلوبة منه عادة وهذا اعتداء وإضرار وقد قال الله سبحانه وتعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وقال عليه الصلاة والسلام لا ضرر ولا إضرار في الإسلام وقد تعذر نفي الضرر من حيث الصورة فيجب نفيه من حيث المعنى بالضمان ليقوم الضمان مقام المتلف فينتفي الضرر بالقدر الممكن ولهذا وجب الضمان بالغصب فبالإتلاف أولى لأنه في كونه اعتداء وإضرارا فوق الغصب فلما وجب بالغصب فلأن يجب بالإتلاف أولى سواء وقع إتلافا له صورة ومعنى بإخراجه عن كونه صالحا للانتفاع أو معنى بإحداث معنى فيه يمنع من الانتفاع به مع قيامه في نفسه حقيقة لأن كل ذلك اعتداء وإضرار وسواء ( ( ( سواء ) ) ) كان الإتلاف مباشرة بإيصال الآلة بمحل التلف أو تسبيبا بالفعل في محل يفضي إلى تلف غيره عادة لأن كل واحد منهما يقع اعتداء وإضرارا فيوجب الضمان وبيان ذلك في مسائل إذا قتل دابة إنسان أو أحرق ثوبه أو قطع شجرة إنسان أو أراق عصيره أو هدم بناءه ضمن سواء كان المتلف في يد المالك أو في يد الغاصب لتحقق الإتلاف في الحالين غير أن المغصوب إن كان منقولا وهو في يد الغاصب يخير المالك إن شاء ضمن الغاصب وإن شاء ضمن المتلف لوجود سبب وجوب الضمان من كل واحد منهما فإن ضمن الغاصب فالغاصب يرجع بما ضمن على المتلف لأنه ملك المغصوب بالضمان فتبين إن الإتلاف ورد على ملكه وإن ضمن المتلف لا يرجع بالضمان على أحد وإن كان عقارا ضمن المتلف ولا يضمن الغاصب عندهما وعند محمد رحمه الله الجواب فيه وفي المنقول سواء بناء على أن العقار غير مضمون بالغصب عندهما وعنده مضمون به فكان له أن يضمن أيهما شاء كما في المنقول وكذلك إذا نقص مال إنسان بما لا يجري فيه الربا ضمن النقصان سواء كان في يد المالك أو في يد الغاصب لأن النقص إتلاف جزء منه وتضمينه ممكن لأنه لا يؤدي إلى الربا فيضمن قدر النقصان بخلاف الأموال الربوبية ( ( ( الربوية ) ) ) على ما مر غير أن النقصان إن كان بفعل غير الغاصب فالمغصوب منه بالخيار إن شاء ضمن الغاصب ويرجع الغاصب على الذي نقص وإن شاء ضمن الذي نقص وهو لا يرجع على أحد لما قلنا
ولو غصب عبدا قيمته ألف درهم فازداد في يد الغاصب حتى صارت قيمته ألفين فقتله إنسان خطأ فالمالك بالخيار إن شاء ضمن الغاصب قيمته وقت الغصب ألف درهم وإن شاء ضمن القاتل قيمته وقت القتل ألفين لأنه وجد سببا وجوب الضمان الغصب والقتل والزيادة الحادثة في يد الغاصب غير مضمونة بالغصب وهي مضمونة بالقتل لذلك ضمن الغاصب ألفا والقاتل ألفين فإن ضمن القاتل فإنه لا يرجع على أحد وإن ضمن الغاصب فالغاصب يرجع على عاقله القاتل بألفين ويتصدق بالفضل على الألف وأما الرجوع عليهم بألفين فلأنه ملك المغصوب بالضمان فتبين أن القتل ورد على عبد الغاصب فيضمن قيمته وأما التصدق بالفضل على الألف فلتمكن الخبث فيه لاختلال الملك وينبغي أن يكون هذا على أصل أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أظهر فأما على أصل أبي يوسف رحمه الله فالفضل طيب له ولا يلزمه التصدق به وإن قتله الغاصب بعد الزيادة خطأ فالمغصوب منه بالخيار إن شاء ضمنه الغاصب قيمته يوم الغصب ألف درهم وإن شاء ضمن عاقلته قيمته يوم القتل ألفي درهم وهو الصحيح بخلاف المغصوب إذا كان حيوانا سوى بني آدم فقتله الغاصب بعد الزيادة أنه لا يضمن قيمته إلا يوم الغصب ألف درهم عند أبي حنيفة رحمه الله وقد بينا له الفرق بينهما فيما تقدم ولو قتل العبد نفسه في يد الغاصب بعد حدوث الزيادة ضمن الغاصب قيمته يوم الغصب ألفا لأن قتله نفسه يهدر فيلحق بالعدم كأنه مات بنفسه ولو كان كذلك يضمن قيمته يوم الغصب ألف درهم كذا هذا ولو كانت الجارية ولدت ولدا فقتلت ولدها ثم ماتت الجارية فعلى الغاصب قيمتها يوم الغصب ألف درهم وليس عليه ضمان الولد لأن قتلها ولدها هدر ولا حكم له فالتحق بالعدم كأنه مات حتف أنفه فهلك أمانة وبقيت الأم مضمونة بالغصب ولو أودع رجلان رجلا كل واحد منهما ألف درهم فخلط المستودع أحد الألفين بالآخر خلطا لا يتميز ضمن لكل واحد منهما ألفا وملك المخلوط في قول أبي حنيفة رحمه الله لأن الخلط وقع إتلافا معنى وعندهما هما بالخيار بين أن يأخذا ذلك ويقتسماه بينهما وبين أن يضمناه والمسألة مرت في كتاب الوديعة ثم قال محمد رحمه الله ولا يسع المودع أكل هذه الدراهم حتى يؤدي مثلها إلى أصحابها وهذا صحيح لا خلاف فيه لأن عندهما لم ينقطع حق المالك وعند أبي حنيفة رحمه الله إن انقطع وثبت الملك للمستودع لكن فيه خبث فيمنع من التصرف ( ( ( الصرف ) ) ) فيه حتى يرضى صاحبه ولو أن رجلا له كران اغتصب رجل أحدهما أو سرقه ثم إن المالك أودع الغاصب أو السارق ذلك الآخر فخلطه بكر الغصب ثم ضاع ذلك كله ضمن كر الغصب ولم يضمن كر الوديعة بسبب الخلط لأنه خلط ملكه بملكه وذلك ليس باستهلاك فلا يجب الضمان عليه بسبب الخلط وبقي الكر المضمون وكر الأمانة في يده على حالهما فصار كأنهما هلكا قبل الخلط ولو خلط الغاصب دراهم الغصب بدراهم نفسه خلطا لا يتميز ضمن مثلها وملك المخلوط لأنه أتلفها بالخلط وإن مات كان ذلك لجميع الغرماء والمغصوب منه أسوة الغرماء لأنه زال ملكه عنها وصار ملكا للغاصب ولو اختلطت دراهم الغصب بدراهم نفسه بغير صنعه فلا يضمن وهو شريك للمغصوب منه لأن الاختلاط من غير صنعه هلاك وليس بإهلاك فصار كما لو تلفت بنفسها وصارا شريكين لاختلاط الملكين على وجه لا يتميز والله أعلم ولو صب ماء في طعام في يد إنسان فأفسده وزاد في كيله فلصاحب الطعام أن يضمنه قيمته قبل أن يصب فيه الماء وليس له أن يضمنه طعاما مثله ولا يجوز أن يضمنه مثل كيله قبل صب الماء وكذلك لو صب ماء في دهن أو زيت لأنه لا سبيل إلى أن يضمنه مثل الطعام المبلول والدهن المصبوب فيه الماء لأنه لا مثل له ولا سبيل إلى أن يضمنه مثل كيل الطعام قبل صب الماء فيه لأنه لم يكن منه غصب متقدم حتى لو غصب ثم صب فعليه مثله والله أعلم
ولو فتح باب قفص فطار الطير منه وضاع لم يضمن في قولهما وقال محمد رحمه الله يضمن وقال الشافعي رحمه الله إن طار من فوره ذلك ضمن وإن مكث ساعة ثم طار لا يضمن وجه قول محمد أن فتح باب القفص وقع إتلافا للطير تسبيبا لأن الطيران للطير طبع له فالظاهر أنه يطير إذا وجد المخلص فكان الفتح إتلافا له تسبيبا فيوجب الضمان كما إذا شق زق إنسان فيه دهن مائع فسال وهلك وهذا وجه قول الشافعي رحمه الله أيضا إلا أنه يقول إذا مكث ساعة لم يكن الطيران بعد ذلك مضافا إلى الفتح بل إلى اختياره فلا يجب الضمان وجه قولهما أن الفتح ليس بإتلاف مباشرة ولا تسبيبا أما المباشرة فظاهرة الانتفاء وأما التسبيب فلأن الطير مختار في الطيران لأنه حي وكل حي له اختيار فكان الطيران مضافا إلى اختياره والفتح سببا محضا فلا حكم له كما إذا حل القيد عن عبد إنسان حتى أبق إنه لا ضمان عليه لما قلنا كذا هذا بخلاف شق الزق الذي فيه دهن مائع لأن المائع سيال بطبعه بحيث لا يوجد منه الاستمساك عند عدم المانع إلا على نقض العادة فكان الفتح تسببا للتلف فيجب الضمان وعلى هذا الخلاف إذا حل رباط الدابة أو فتح باب الاصطبل حتى خرجت الدابة وضلت وقالوا إذا حل رباط الزيت أنه إن كان ذائبا فسال منه ضمن وإن كان السمن جامدا فذاب بالشمس وزال لم يضمن لما ذكرنا أن المائع يسيل بطبعه إذا وجد منفذا بحيث يستحيل استمساكه عادة فكان حل الرباط إتلافا له تسبيبا فيوجب الضمان بخلاف الجامد لأن السيلان طبع المائع لا طبع الجامد وهو وإن صار مائعا لكن لا بصنعه بل بحرارة الشمس فلم يكن التلف مضافا إليه لا مباشرة ولا تسبيبا فلا يضمن والله أعلم وعلى هذا يخرج ما إذا غصب صبيا صغيرا حرا من أهله فعقره سبع أو نهشته حية أو وقع في بئر أو من سطح فمات إن على عاقلة الغاصب الدية لوجود الإتلاف من الغاصب تسبيبا لأنه كان محفوظا بيد وليه إذ هو لا يقدر على حفظ نفسه بنفسه فإذا فوت حفظ الأهل عنه ولم يحفظه بنفسه حتى أصابته آفة فقد ضيعه فكان ذلك منه إتلافا تسبيبا والحر إن لم يكن مضمونا بالغصب يكون مضمونا بالإتلاف مباشرة كان أو تسبيبا ولو قتله إنسان خطأ في يد الغاصب فلأوليائه أن يتبعوا أيهما شاؤوا الغاصب أو القاتل أما القاتل فلوجود الإتلاف منه مباشرة وأما الغاصب فلوجود الإتلاف منه تسبيبا لما ذكرنا والتسبب ينزل منزلة المباشرة في وجوب الضمان كحفر البئر على قارعة الطريق والشهادة على القتل حتى لو رجع شهود القصاص ضمنوا فإن اتبعوا القاتل بالمال لا يرجع على أحد وإن اتبعوا الغاصب فالغاصب يرجع على القاتل لأن الغصب بأداء الضمان قام مقام المستحق في حق ملك الضمان وإن تعذر أن يقوم مقامه في حق ملك المضمون كغاصب المدبر إذا قتل المدبر في يده واختار المالك تضمين الغاصب يرجع بالضمان على القاتل وإن لم يملك نفس المدبر بأداء الضمان كذا هذا وكذلك لو وقع عليه حائط إنسان فالغاصب ضامن ويرجع على عاقلة صاحب الحائط إن كان تقدم إليه لما قلنا ولو قتله إنسان في يد الغاصب عمدا فأولياؤه بالخيار إن شاؤوا قتلوا القاتل وبرىء الغاصب وإن شاؤوا اتبعوا الغاصب بالدية على عاقلته ويرجع عاقلة الغاصب في مال القاتل عمدا ولا يكون لهم القصاص أما ولاية القصاص من القاتل فلوجود القتل العمد الخالي عن الموانع
وأما ولاية اتباع الغاصب بالدية فلوجود الإتلاف منه تسبيبا على ما بينا فإن قتلوا القاتل بريء الغاصب لأنه لا يجمع بين القصاص والدية في نفس واحدة في قتل واحد وإن اتبعوا الغاصب فالدية على عاقلته ترجع عاقلته على مال القاتل ولا يكون لهم أن يقتصوا من القاتل لأن القصاص لم يصر ملكا لهم بأداء الضمان إذ هو لا يحتمل التمليك فلم يقم الغاصب مقام الولي في ملك القصاص فسقط القصاص وينقلب مالا والمال يحتمل التمليك فجاز أن يقوم الغاصب مقام الولي في ملك المال ولو قتل الصبي إنسانا في يد الغاصب فرده على الولي وضمن عاقلة الصبي لم يكن لهم أن يرجعوا على الغاصب بشيء لأنه لا سبيل إلى إيجاب ضمان الغصب لأن الحر غير مضمون بالغصب ولا سبيل إلى إيجاب ضمان الإتلاف لأن الغاصب إنما يصير متلفا إياه تسبيبا بجناية غيره عليه لا بجنايته على غيره ولو قتل الصبي نفسه أو أتى على شيء من نفسه من اليد والرجل وما أشبه ذلك أو أركبه الغاصب دابة فألقى نفسه منها فالغاصب ضامن عند أبي يوسف وعند محمد لا يضمن وجه قول محمد أن فعله على نفسه هدر فالتحق بالعدم فصار كأنه مات حتف أنفه أو سقطت يده بآفة سماوية ولو كان كذلك لا ضمان عليه كذا هذا والجامع أنه لو وجب الضمان لوجب بالغصب والحر غير مضمون بالغصب ولهذا لو جنى على غيره لا يضمن الغاصب كذا هذا وجه قول أبي يوسف أن الحر إن لم يكن مضمونا بالغصب فهو مضمون بالإتلاف مباشرة أو تسبيبا وقد وجد التسبيب من الغاصب حيث ترك حفظه عن أسباب الهلاك في الحالين جميعا فكان متلفا إياه تسبيبا فيجب الضمان عليه ولا يرجع الغاصب على عاقلة الصبي بما ضمن لأن حكم فعله على نفسه لا يعتبر فلا يمكن إيجابه على العاقلة والله أعلم ولو غصب مدبرا فمات في يده ضمن بالإجماع ولو غصب أم ولد فماتت في يده من غير آفة لم يضمن عند أبي حنيفة وقد ذكرنا المسألة في موضعها ولو ماتت في يده بآفة على الوجه الذي بينا أنه يضمن في الصبي الحر فإن الغاصب يغرم قيمتها حالة في ماله لوجود الإتلاف منه تسبيبا وأم الولد مضمونة بالإتلاف بلا خلاف ولهذا وجب الضمان في الصبي الحر ففي أم الولد أولى والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما شرائط وجوب هذا الضمان فمنها أن يكون المتلف مالا فلا يجب الضمان بإتلاف الميتة والدم وجلد الميتة وغير ذلك مما ليس بمال وقد ذكرنا ذلك في كتاب ( ( ( كتب ) ) ) البيوع ومنها أن يكون متقوما فلا يجب الضمان بإتلاف الخمر والخنزير على المسلم سواء كان المتلف مسلما أو ذميا لسقوط تقوم الخمر والخنزير في حق المسلم ولو أتلف مسلم أو ذمي على ذمي خمرا أو خنزيرا يضمن عندنا خلافا للشافعي رحمه الله والدلائل مرت في مسائل الغصب ولو أتلف ذمي على ذمي خمرا أو خنزيرا ثم أسلما أو أسلم أحدهما أما في الخنزير فلا يبرأ المتلف عن الضمان الذي لزمه سواء أسلم الطالب أو المطلوب أو أسلما جميعا لأن الواجب بإتلاف الخنزير القيمة وإنها دراهم أو دنانير والإسلام لا يمنع من قبض الدراهم والدنانير وأما في الخمر فإن أسلما جميعا أو أسلم أحدهما وهو الطالب المتلف عليه برئت ذمة المطلوب وهو المتلف وسقطت عنه الخمر بالإجماع ولو أسلم المطلوب أولا ثم أسلم الطالب أو لم يسلم ففي قول أبي يوسف وهو روايته عن أبي حنيفة يبرأ المطلوب من الخمر ولا يتحول إلى القيمة كما لو أسلم الطالب وعند محمد وزفر وعافية بن زيد القاضي وهو روايتهم عن أبي حنيفة لا يبرأ المطلوب ويتحول ما عليه من الخمر إلى القيمة كما لو كان الإتلاف بعد الإسلام أنه يضمن قيمتها للذمي فكذا إذا أتلف بعد الإسلام وقد ذكرنا المسألة في كتاب البيوع ولو كسر على إنسان بربطا أو طبلا يضمن قيمته خشبا منحوتا عند أبي حنيفة رحمه الله
وذكر في المنتقى خشبا ألواحا وعندهما لا يضمن وجه قولهما أن هذا آلة اللهو والفساد فلم يكن متقوما كالخمر ولأبي حنيفة رحمه الله أنه كما يصلح للهو والفساد يصلح للانتفاع به من وجه آخر فكان مالا متقوما من ذلك الوجه وكذلك لو أراق لإنسان مسكرا أو منصفا فهو على هذا الاختلاف والمسألة قد ذكرناها في كتاب البيوع ولو أحرق بابا منحوتا عليه تماثيل منقوشة ضمن قيمته غير منقوش بتماثيل لأنه لا قيمة لنقش التماثيل لأن نقشها محظور وإن كان صاحبه قطع رؤوس التماثيل ضمن قيمته منقوشا لأنه لا يكون تمثالا بلا رأس ألا ترى أنه ليس بمحظور فكان النقش منقوشا ولو أحرق بساطا فيه تماثيل رجال ضمن قيمته مصورا لأن التمثال على البساط ليس بمحظور لأن البساط يوطأ فكان النقش متقوما ولو هدم بيتا مصورا ضمن قيمة البيت والصور غير مضمونة لأن الصور على البيت لا قيمة لها لأنه محظور فأما الصبغ فمتقوم ولو قتل جارية مغنية ضمن قيمتها غير مغنية لأن الغناء لا قيمة له لأنه محظور هذا إذا كان الغناء زيادة في الجارية فأما إذا كان نقصانا فيها فإنه يضمن قدر قيمتها وعلى هذا تخرج المباحات التي ليست بمملوكة لأحد لأنها غير مضمونة بالإتلاف لعدم تقومها إذ التقوم يبنى على العزة والحظر ولا يتحقق ذلك إلا بالإحراز والاستيلاء وأما المباح المملوك وهو مال الحزبي ( ( ( الحربي ) ) ) فلا يجب الضمان بإتلافه أيضا وإن كان متقوما لفقد شرط آخر نذكره إن شاء الله تعالى وإن شئت قلت ومنها أن يكون مملوكا فلا يجب الضمان بإتلاف المباحات التي لا يملكها أحد والتخريج على شرط التقوم أصح لأن كون الشيء مملوكا في نفسه ليس بشرط لوجوب الضمان فإن الموقوف مضمون بالإتلاف وليس بمملوك أصلا أرض بين شريكين زرعها أحدهما وتراضيا على أن يعطي الذي لم يزرع نصف البذر ويكون الخارج بينهما فهذا لا يخلو إما إن كان الزرع نبت وإما إن كان لم ينبت فإن كان قد نبت جاز لأن هذا بيع الحشيش بالحنطة وأنه جائز وإن كان لم ينبت لم يجز لأنه لا يدري ما بقي تحت الأرض مما تلف مع أن ذلك ليس بمال متقوم فلا يجوز بيعه فإن نبت الزرع وطلب الذي لم يزرع القسمة قسم وأمر الذي زرع أن يقلع ما في نصيب الشريك لأن نصيبه مشغول بملكه فيجبر على تفريغه وتضمينه نقصان الزراعة والله أعلم ومنها أن يكون المتلف من أهل وجوب الضمان عليه حتى لو أتلفت مال إنسان بهيمة لا ضمان على مالكها لأن فعل العجماء جبار فكان هدرا ولا إتلاف من مالكها فلا يجب الضمان عليه ومنها أن يكون في الوجوب فائدة فلا ضمان على المسلم بإتلاف مال الحربي ولا على الحربي بإتلاف مال المسلم في دار الحرب وكذا لا ضمان على العادل إذا أتلف مال الباغي ولا على الباغي إذا أتلف مال العادل لأنه لا فائدة في الوجوب لعدم إمكان الوصول إلى الضمان لانعدام الولاية فأما العصمة فليست بشرط لوجوب ضمان المال إلا أن الصبي مأخوذ بضمان الإتلاف وإن لم تثبت عصمة المتلف في حقه وكذا يجب الضمان بتناول مال الغير حال المخمصة مع إباحة التناول وكذا كسر آلات الملاهي مباح وهي مضمونة بالإتلاف عند أبي حنيفة رحمه الله ولا يلزم إذا أتلف مال إنسان بإذنه إنه لا يجب الضمان لأن عدم الوجوب ليس لعدم العصمة بل لعدم الفائدة لأنه لو وجب الضمان عليه لكان له أن يرجع عليه بما ضمن فلا يفيد والله أعلم وكذلك العلم بكون المتلف مال الغير ليس بشرط لوجوب الضمان حتى لو أتلف مالا على ظن أنه ملكه ثم تبين أنه ملك غيره ضمن لأن الإتلاف أمر حقيقي لا يتوقف وجوده على العلم كما في الغصب على ما مر إلا أنه إذا علم بذلك يضمن ويأثم وإذا لم يعلم يضمن ولا يأثم لأن الخطأ مرفوع المؤاخذة شرعا لما ذكرنا في مسائل الغصب والله سبحانه وتعالى أعلم
وأما بيان ماهبة ( ( ( ماهية ) ) ) الضمان الواجب بإتلاف ما سوى بني آدم فالواجب به ما هو الواجب بالغصب وهو ضمان المثل إن كان المتلف مثليا وضمان القيمة إن كان مما لا مثل له لأن ضمان الإتلاف ضمان اعتداء والاعتداء لم يشرع إلا بالمثل فعند الإمكان يجب العمل بالمثل المطلق وهو المثل صورة ومعنى وعند التعذر يجب المثل معنى وهو القيمة كما في الغصب والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب كتاب الحجر والحبس في هذا الكتاب فصلان فصل في الحجر وفصل في الحبس أما الحجر فالكلام فيه يقع في ثلاثة مواضع أحدها في بيان أسباب الحجر والثاني في بيان حكم الحجر والثالث في بيان ما يرفع الحجر أما الأول فقد اختلف فيه قال أبو حنيفة عليه الرحمة الأسباب الموجبة للحجر ثلاثة ما لها رابع الجنون والصبا والرق وهو قول زفر وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي وعامة أهل العلم رحمهم الله تعالى والسفه والتبذير ومطل الغنى وركوب الدين وخوف ضياع المال بالتجارة والتلجئة والإقرار لغير الغرماء من أسباب الحجر أيضا فيجري عندهم في السفيه المفسد للمال بالصرف إلى الوجوه الباطلة وفي المبذر الذي يسرف في النفقة ويغبن في التجارات وفيمن يمتنع عن قضاء الدين مع القدرة عليه إذا ظهر مطله عند القاضي وطلب الغرماء من القاضي أن يبيع عليه ماله ويقضي به دينه وفيمن ركبته الديون وله مال فخاف الغرماء ضياع أمواله بالتجارة فرفعوا الأمر إلى القاضي وطلبوا منه أن يحجر عليه أو خافوا أن يلجىء ( ( ( يلجئ ) ) ) أمواله فطلبوا من القاضي أن يحجره عن الإقرار إلا للغرماء فيجري الحجر في هذه المواضع عندهم وعنده لا يجري وما روي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه كان لايجري الحجر إلا على ثلاثة المفتي الماجن والطبيب الجاهل والمكاري المفلس وليس المراد منه حقيقة الحجر وهو المعنى الشرعي الذي يمنع نفوذ التصرف ألا ترى أن المفتي لو أفتى بعد الحجر وأصاب في الفتوى جاز ولو أفتى قبل الحجر وأخطأ لا يجوز وكذا الطبيب لو باع الأدوية بعد الحجر نفذ بيعه فدل أنه ما أراد به الحجر حقيقة وإنما أراد به المنع الحسي أي يمنع هؤلاء الثلاثة عن عملهم حسا لأن المنع عن ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن المفتي الماجن يفسد أديان المسلمين والطبيب الجاهل يفسد أبدان المسلمين والمكاري المفلس يفسد أموال الناس في المفازة فكان منعهم من ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا من باب الحجر فلا يلزمه التناقض بحمد الله تعالى عز شأنه ولو حجر القاضي على السفيه ونحوه لم ينفذ حجره عند أبي حنيفة رحمه الله حتى لو تصرف بعد الحجر ينفذ تصرفه عنده وإن كان الحجر ههنا محل الاجتهاد لأن الحجر من القاضي قضاء منه وقضاء في المجتهدات إنما ينفذ ويصير كالمتفق عليه إذا لم يكن نفس القضاء محل الاجتهاد فأما إذا كان فلا بخلاف سائر المجتهدات التي لا يرجع الاجتهاد فيها إلى نفس القضاء وقد ذكرنا الفرق في كتاب أدب القاضي واختلف أبو يوسف ومحمد فيما بينهما في السفيه أنه هل يصير محجورا عليه بنفس السفه أم يقف الانحجار على حجر القاضي قال أبو يوسف لا يصير محجورا إلا بحجر القاضي وقال محمد ينحجر بنفس السفه من غير الحاجة إلى حجر القاضي وحجة العامة قوله تبارك وتعالى فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل جعل الله لكل واحد من المذكورين وليا منهم السفيه وعند أبي حنيفة رحمه الله لا ولي للسفيه لأنه إذا كان له ولي دل أنه مولى عليه فلا ينفذ تصرفه كالصبي والمجنون وقوله تبارك وتعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم نهي عن إعطاء الأموال السفهاء وعنده يدفع إليه ماله إذا بلغ خمسا وعشرين سنة وإن كان سفيها وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم باع على معاذ ماله بسبب ديون ركبته