İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî)
وقد رأت المالكية أن توجب الترتيب للمقضية من جهة الوقت لا من جهة الفعل لقوله عليه الصلاة والسلام فليصلها إذا ذكرها قالوا فوقت المنسية هو وقت الذكر ولذلك وجب أن تفسد عليه الصلاة التي هو فيها في ذلك الوقت وهذا لا معنى له لأنه إن كان وقت الذكر وقتا للمنسية فهو بعينه أيضا وقت للحاضرة أو وقت للمنسيات إذا كانت أكثر من صلاة واحدة وإذا كان الوقت واحدا من قبل الترتيب بينها كالترتيب الذي يوجد في أجزاء الصلاة الواحدة فإنه ليس إحدى الصلاتين أحق بالوقت من صاحبتها إذ كان وقتا لكليهما إلا أن يقوم دليل الترتيب وليس هاهنا عندي شيء يمكن أن يجعل أصلا في هذا الباب لترتيب المنسيات إلا الجمع عند من سلمه فإن الصلوات المؤداة أوقاتها مختلفة والترتيب في القضاء إنما يتصور في الوقت الواحد بعينه للصلاتين معا فافهم هذا فإن فيه غموضا وأظن مالكا رحمه الله إنما قاس ذلك على الجمع وإنما صار الجميع إلى استحسان الترتيب في المنسيات إذا لم يخف فوات الحاضرة لصلاته عليه الصلاة والسلام الصلوات الخمس يوم الخندق مرتبة وقد احتج بهذا من أوجب القضاء على العامد ولا معنى لهذا فإن هذا منسوخ وأيضا فإنه كان تركا لعذر وأما التحديد في الخمس فما دونها فليس له وجه إلا أن يقال إنه إجماع فهذا حكم القضاء الذي يكون في فوات جملة الصلاة وأما القضاء الذي يكون في فوات بعض الصلوات فمنه ما يكون سببه النسيان ومنه ما يكون سببه سبق الإمام للمأموم أعني أن يفوت المأموم بعض صلاة الإمام فأما إذا فات المأموم بعض الصلاة فإن فيه مسائل ثلاثا إحداها متى تفوت الركعة والثانية هل إتيانه بما فاته بعد صلاة الإمام أداء أو قضاء والثالث متى يلزمه حكم صلاة الإمام ومتى لا يلزمه ذلك أما متى تفوته الركعة فإن في ذلك مسألتين إحداهما إذا دخل والإمام قد أهوى إلى الركوع والثانية إذا كان مع الإمام في الصلاة فسها أن يتبعه في الركوع أو منعه ذلك ما وقع من زحام أو غيره أما المسألة الأولى فإن فيها ثلاثة أقوال أحدها وهو الذي عليه الجمهور أنه إذا أدرك الإمام قبل أن يرفع رأسه من الركوع وركع معه فهو مدرك للركعة وليس عليه قضاؤها وهؤلاء اختلفوا هل من شرط هذا الداخل أن يكبر تكبيرتين تكبيرة للإحرام وتكبيرة للركوع أو يجزيه تكبيرة الركوع وإن كانت تجزيه فهل من شرطها أن ينوي بها تكبيرة الإحرام أم ليس ذلك من شرطها فقال بعضهم بل تكبيرة واحدة تجزئه إذا نوى بها تكبيرة الافتتاح وهو مذهب مالك والشافعي والاختيار عندهم تكبيرتان وقال قوم لا بد من تكبيرتين وقال قوم تجزىء واحدة وإن لم ينو بها تكبيرة الافتتاح والقول الثاني أنه إذا ركع الإمام فقد فاتته الركعة وأنه لا يدركها ما لم يدركه قائما وهو الثالث أنه إذا انتهى إلى الصف الاخر وقد رفع الإمام رأسه ولم يرفع بعضهم فأدرك ذلك أنه يجزيه لأن بعضهم أئمة لبعض وبه قال الشعبي وسبب هذا الاختلاف تردد اسم الركعة بين أن يدل على الفعل نفسه الذي هو الانحناء فقط أو على الانحناء والوقوف معا وذلك أنه قال عليه الصلاة والسلام من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة قال ابن المنذر ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن كان اسم الركعة ينطلق عنده على القيام والانحناء معا قال إذا فاته قيام الإمام فقد فاتته الركعة ومن كان اسم الركعة ينطلق عنده على الانحناء نفسه جعل إدراك الانحناء إدراكا للركعة والاشتراك الذي عرض لهذا الاسم إنما هو من قبل تردده بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي وذلك أن اسم الركعة ينطلق لغة على الانحناء وينطلق شرعا على القيام والركوع والسجود فمن رأى أن اسم الركعة ينطلق في قوله عليه الصلاة والسلام من أدرك ركعة على الركعة الشرعية ولم يذهب مذهب الأخذ ببعض ما تدل عليه الأسماء قال لا بد أن يدرك مع الإمام الثلاثة الأحوال أعني القيام والانحناء والسجود
ويحتمل أن يكون من ذهب إلى اعتبار الانحناء فقط أن يكون اعتبر أكثر ما يدل عليه الاسم هاهنا لأن من أدرك الانحناء فقد أدرك منها جزأين ومن فاته الانحناء إنما أدرك منها جزءا واحدا فقط فعلى هذا يكون الخلاف آيلا إلى اختلافهم في الأخذ ببعض دلالة الأسماء أو بكلها فالخلاف يتصور فيها من الوجهين جميعا وأما من اعتبر ركوع من في الصف من المأمومين فلأن الركعة من الصلاة قد تضاف إلى الإمام فقط وقد تضاف إلى الإمام والمأمومين فسبب الاختلاف هو الاحتمال في هذه الإضافة أعني قوله عليه الصلاة والسلام من أدرك ركعة من الصلاة وما عليه الجمهور أظهر وأما اختلافهم في هل تجزيه تكبيرة واحدة أو تكبيرتان أعني المأموم إذا دخل في الصلاة والإمام راكع فسببه هل من شرط تكبيرة الإحرام أن يأتي بها واقفا أم لا فمن رأى أن من شرطها الموضع الذي تفعل فيه تعلقا بالفعل أعني بفعله عليه الصلاة والسلام وكان يرى أن التكبير كله فرض قال لا بد من تكبيرتين ومن رأى أنه ليس الصلاة والسلام وتحريمها التكبير وكان عنده أن تكبيرة الإحرام هي فقط الفرض قال يجزيه أن يأتي بها وحدها وأما من أجاز أن يأتي بتكبيرة واحدة ولم ينو بها تكبيرة الإحرام فقيل يبنى على مذهب من يرى أن تكبيرة الإحرام ليست بفرض وقيل إنما يبنى على مذهب من يجوز تأخير نية الصلاة عن تكبيرة الإحرام لأنه ليس معنى أن ينوي تكبيرة الإحرام إلا مقارنة النية للدخول في الصلاة لأن تكبيرة الإحرام لها وصفان النية المقارنة والأولية أعني وقوعها في أول الصلاة فمن اشترط الوصفين قال لا بد من النية المقارنة ومن اكتفى بالصفة الواحدة اكتفى بتكبيرة واحدة ولم تقارنها النية وأما المسألة الثانية وهي إذا سها عن اتباع الإمام في الركوع حتى سجد الإمام فإن قوما قالوا إذا فاته إدراك الركوع معه فقد فاتته الركعة ووجب عليه قضاؤها وقوم قالوا يعتد بالركعة إذا أمكنه أن يتم من الركوع قبل أن يقوم الإمام إلى الركعة الثانية وقوم قالوا يتبعه ويعتد بالركعة ما لم يرفع الإمام رأسه من الانحناء في الركعة الثانية وهذا الاختلاف موجود لأصحاب مالك وفيه تفصيل واختلاف بينهم بين أن يكون عن نسيان أو أن يكون عن زحام وبين أن يكون في جمعة أو في غير جمعة وبين اعتبار أن يكون المأموم عرض له هذا في الركعة الأولى أو في الركعة الثانية وليس قصدنا تفصيل المذهب ولا تخريجه وإنما الغرض الإشارة إلى قواعد المسائل وأصولها فنقول إن سبب الاختلاف في هذه المسألة هو هل من شرط فعل المأموم أن يقارن فعل الإمام أو ليس من شرطه ذلك وهل هذا الشرط هو في جميع أجزاء الركعة الثلاثة أعني القيام والانحناء والسجود أم إنما هو شرط في بعضها ومتى يكون إذا لم يقارن فعله فعل الإمام اختلافا عليه أعني أن يفعل هو فعلا والإمام فعلا ثانيا فمن رأى أنه شرط في كل جزء من أجزاء الركعة الواحدة أعني أن يقارن فعل المأموم فعل الإمام وإلا كان اختلافا عليه وقد قال عليه الصلاة والسلام فلا تختلفوا عليه قال متى لم لم يعتد بالركعة ومن اعتبره في بعضها قال هو مدرك للركعة إذا أدرك فعل الركعة قبل أن يقوم إلى الركعة الثانية وليس ذلك اختلافا عليه فإذا قام إلى الركعة الثانية فإن اتبعه فقد اختلف عليه في الركعة الأولى وأما من قال إنه يتبعه ما لم ينحن في الركعة الثانية فإنه رأى أنه ليس من شرط فعل المأموم أن يقارن بعضه بعض فعل الإمام ولا كله وإنما من شرطه أن يكون بعده فقط وإنما اتفقوا على أنه إذا قام من الانحناء في الركعة الثانية أنه لا يعتد بتلك الركعة إن اتبعه فيها لأنه يكون في حكم الأولى والإمام في حكم الثانية وذلك غاية الاختلاف عليه
وأما المسألة الثانية من المسائل الثلاث الأول التي هي أصول هذا الباب وهي هل إتيان المأموم بما فاته من الصلاة مع الإمام أداء أو قضاء فإن في ذلك ثلاثة مذاهب قوم قالوا إن ما يأتي به بعد سلام الإمام هو قضاء وإن ما أدرك ليس هو أول صلاته وقوم قالوا إن الذي يأتي به بعد سلام الإمام هو أداء وإن ما أدرك هو أول صلاته وقوم فرقوا بين الأقوال والأفعال فقالوا يقضي في الأقوال يعنون في القراءة ويبني في الأفعال يعنون الأداء فمن أدرك ركعة من صلاة المغرب على المذهب الأول أعني مذهب القضاء قام إذا سلم الإمام إلى ركعتين يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة من غير أن يجلس بينهما وعلى المذهب الثاني أعني على البناء قام إلى ركعة واحدة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة ويجلس ثم يقوم إلى ركعة يقرأ فيها بأم القرآن فقط وعلى المذهب الثالث يقوم إلى ركعة فيقرأ فيها بأم القرآن وسورة ثم يجلس ثم يقوم إلى ركعة ثانية يقرأ فيها أيضا بأم القرآن وسورة وقد نسبت الأقاويل الثلاثة إلى المذهب والصحيح عن مالك أنه يقضى في الأقوال ويبنى في الأفعال لأنه لم يختلف قوله في المغرب أنه إذا أدرك منها ركعة أن يقوم إلى الركعة الثانية ثم يجلس ولا اختلاف في قوله إنه يقضي بأم القرآن وسورة وسبب اختلافهم أنه ورد في بعض روايات الحديث المشهور فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا والإتمام يقتضي أن يكون ما أدرك هو أول صلاته وفي بعض فاقضوا والقضاء يوجب أن ما أدرك هو آخر صلاته فمن ذهب مذهب الإتمام قال ما أدرك هو أول صلاته ومن ذهب مذهب القضاء قال ما أدرك هو آخر صلاته ومن ذهب مذهب الجمع جعل القضاء في الأقوال والأداء في الأفعال وهو ضعيف أعني أن يكون بعض الصلاة أداء وبعضها قضاء واتفاقهم على وجوب الترتيب في أجزاء الصلاة وعلى أن موضع تكبيرة الإحرام هو افتتاح الصلاة ففيه دليل واضح على أن ما أدرك هو أول صلاته لكن تختلف نية المأموم والإمام في الترتيب فتأمل هذا ويشبه أن يكون هذا هو أحد ما راعاه من قال ما أدرك فهو آخر صلاته وأما المسألة الثالثة من المسائل الأول وهي متى يلزم المأموم حكم صلاة الإمام في الاتباع فإن فيها مسائل إحداها متى يكون مدركا لصلاة الجمعة والثانية متى يكون مدركا معه لحكم سجود السهو أعني سهو الإمام والثالثة متى يلزم المسافر الداخل وراء إمام يتم الإتمام إذا أدرك من صلاة الإمام بعضها فأما المسألة الأولى فإن قوما قالوا إذا أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة ويقضي ركعة ثانية وهو مذهب مالك والشافعي فإن أدرك أقل صلى ظهرا أربعا وقوم قالوا بل يقضي ركعتين أدرك منها ما أدرك وهو مذهب أبي حنيفة وسبب الخلاف في هذا هو ما يظن من التعارض بين عموم قوله عليه الصلاة والسلام ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا وبين مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة فإنه من صار إلى عموم قوله عليه الصلاة والسلام وما فاتكم فأتموا أوجب أن يقضي ركعتين وإن أدرك منها أقل من ركعتين ومن كان المحذوف عنده في قوله عليه الصلاة والسلام فقد أدرك الصلاة أي فقد أدرك حكم الصلاة وقال دليل الخطاب يقتضي أن من أدرك أقل من ركعة فلم يدرك حكم الصلاة والمحذوف في هذا القول محتمل فإنه يمكن أن يراد به فضل الصلاة ويمكن أن يراد به وقت الصلاة ويمكن أن يراد به حكم الصلاة ولعله ليس هذا المجاز في أحدهما أظهر منه في الثاني فإن كان الأمر كذلك كان من باب المجمل الذي لا يقتضي حكما وكان الاخر بالعموم أولى وإن سلمنا أنه أظهر في أحد هذه يرى ذلك لم يكن هذا الظاهر معارضا للعموم إلا من باب دليل الخطاب والعموم أقوى من دليل الخطاب عند الجميع ولا سيما الدليل المبني على المحتمل أو الظاهر
وأما من يرى أن قوله عليه الصلاة والسلام فقد أدرك الصلاة أنه يتضمن جميع هذه المحذوفات فضعيف وغير معلوم من لغة العرب إلا أن يتقرر أن هناك اصطلاحا عرفيا أو شرعيا وأما مسألة اتباع المأموم للإمام في السجود أعني في سجود السهو فإن قوما اعتبروا في ذلك الركعة أعني أن يدرك من الصلاة معه ركعة وقوم لم يعتبروافي ذلك فمن لم يعتبر ذلك فمصيرا إلى عموم قوله عليه الصلاة والسلام إنما جعل الإمام ليؤتم به ومن اعتبر ذلك فمصيرا إلى مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام فقد أدرك الصلاة ولذلك اختلفوا في المسألة الثالثة فقال قوم إن المسافرإذا أدرك من صلاة الإمام الحاضر أقل من ركعة لم يتم وإذا أدرك ركعة لزمه الإتمام فهذا حكم القضاء الذي يكون لبعض الصلاة من قبل سبق الإمام له وأما حكم القضاء لبعض الصلاة الذي يكون للإمام والمنفرد من قبل النسيان فإنهم اتفقوا على أن ما كان منها ركنا فهو يقضى أعني فريضة وأنه ليس يجزي منه إلا الإتيان به وفيه مسائل اختلفوا فيها بعضهم أوجب فيهاالقضاء وبعضهم أوجب فيها الإعادة مثل من نسي أربع سجدات من أربع ركعات سجدة من كل ركعة فإن قوما قالوا يصلح الرابعة بأن يسجد لها ويبطل ما قبلها من الركعات ثم يأتي بها وهو قول مالك وقوم قالوا تبطل الصلاة بأسرها ويلزمه الإعادة وهي إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل وقوم قالوا يأتي بأربع سجدات متوالية وتكمل بها صلاته وبه قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وقوم قالوا يصلح الرابعة ويعتد بسجدتين وهو مذهب الشافعي وسبب الخلاف في هذا مراعاة الترتيب فمن راعاه في الركعات والسجدات أبطل الصلاة ومن راعاه في السجدات أبطل الركعات ما عدا الأخيرة قياسا على قضاء ما الترتيب أجاز سجودها معا في ركعة واحدة لا سيما إذا اعتقد أن الترتيب ليس هو واجبا في الفعل المكرر في كل ركعة أعني السجود وذلك أن كل ركعة تشتمل على قيام وانحناء وسجود والسجود مكرر فزعم أصحاب أبي حنيفة أن السجود لما كان مكررا لم يجب أن يراعى فيه التكرير في الترتيب ومن هذا الجنس اختلاف أصحاب مالك فيمن نسي قراءة أم القرآن من الركعة الأولى فقيل لا يعتد بالركعة ويقضيها وقيل يعيد الصلاة وقيل يسجد للسهو وصلاته تامة وفروع هذا الباب كثيرة وكلها غير منطوق به وليس قصدنا هاهنا إلا ما يجري مجرى الأصول الباب الثالث من الجملة الرابعة في سجود السهو والسجود المنقول في الشريعة في أحد موضعين إما عند الزيادة أو النقصان اللذين يقعان في أفعال الصلاة وأقوالها من قبل النسيان لا من قبل العمد وإما عند الشك في أفعال الصلاة فأما السجود الذي يكون من قبل النسيان لا من قبل الشك فالكلام فيه ينحصر في ستة فصول الفصل الأول في معرفة حكم السجود الثاني في معرفة مواضعه من الصلاة الثالث في معرفة الجنس من الأفعال والأفعال التي يسجد لها الرابع في صفة سجود السهو الخامس في معرفة من يجب عليه سجود السهو السادس بماذا ينبه المأموم الإمام الساهي على سهوه الفصل الأول اختلفوا في سجود السهو هل هو فرض أو سنة فذهب الشافعي إلى أنه سنة وذهب أبو حنيفة إلى أنه فرض لكن من شروط صحة الصلاة وفرق مالك بين السجود للسهو في الأفعال وبين السجود للسهو في الأقوال وبين الزيادة والنقصان فقال سجود السهو الذي يكون للأفعال الناقصة واجب وهو عنده من شروط صحة الصلاة هذا في المشهور وعنه أن سجود السهو للنقصان واجب وسجود الزيادة مندوب
والسبب في اختلافهم اختلافهم في حمل أفعاله عليه الصلاة والسلام في ذلك على الوجوب أو على الندب فأما أبو حنيفة فحمل أفعاله عليه الصلاة والسلام في السجود على الوجوب إذا كان هو الأصل عندهم إذ جاء بيانا لواجب كما قال عليه الصلاة والسلام صلوا كما رأيتموني أصلي وأما الشافعي فحمل أفعاله في ذلك على الندب وأخرجها عن الأصل بالقياس وذلك أنه لما كان السجود عند الجمهور ليس ينوب عن فرض وإنما ينوب عن ندب رأى أن البدل عما ليس بواجب ليس هو بواجب وأما مالك فتأكدت عنده الأفعال أكثر من الأقوال لكونها من صلب الصلاة أكثر من الأقوال أعني أن الفروض التي هي أفعال هي أكثر من فروض الأقوال فكأنه رأى أن الأفعال آكد من الأقوال وإن كان ليس ينوب سجود السهو إلا عما كان منها ليس بفرض وتفريقه أيضا بين سجود النقصان والزيادة على الرواية الثانية ليكون سجود النقصان شرع بدلا مما سقط من أجزاء الصلاة وسجود الزيادة كأنه استغفار لا بدل الفصل الثاني اختلفوا في مواضع سجود السهو على خمسة أقوال فذهبت الشافعية إلى أن سجود السهو موضعه أبدا قبل السلام وذهبت الحنفية إلى أن موضعه أبدا بعد السلام وفرقت المالكية فقالت إن كان السجود لنقصان كان قبل السلام وإن كان لزيادة كان بعد السلام وقال أحمد بن حنبل يسجد قبل السلام في المواضع التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل السلام ويسجد بعدالسلام في المواضع التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد السلام فما كان من سجود في غير تلك المواضع يسجد له أبدا قبل السلام وقال أهل الظاهر لا يسجد للسهو إلا في المواضع الخمسة التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط وغير ذلك إن كان فرضا أتى به وإن كان ندبا فليس عليه شيء والسبب في اختلافهم أنه عليه الصلاة والسلام ثبت عنه أنه سجد قبل السلام وسجد بعد السلام وذلك أنه ثبت من حديث ابن بحينة أنه قال صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم قام فلم يجلس فقام الناس معه فلما قضى صلاته سجد سجدتين وهو جالس وثبت أيضا أنه سجد بعد السلام في حديث ذي اليدين المتقدم إذ سلم من اثنتين فذهب الذين جوزوا القياس في سجود السهو أعني الذين رأوا تعدية الحكم في المواضع التي سجد فيها عليه الصلاة والسلام إلى أشباهها في هذه الاثار الصحيحة ثلاثة مذاهب أحدها مذهب الترجيح والثاني مذهب الجمع والثالث مذهب الجمع والترجيح فمن رجح حديث ابن بحينة قال السجود قبل السلام واحتج لذلك بحديث أبي سعيد الخدري الثابت أنه عليه الصلاة والسلام قال إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثا أم أربعا فليصل ركعة وليسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم فإن كانت الركعة التي صلاها خامسة شفعها بهاتين السجدتين وإن كانت رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان قالوا ففيه السجود للزيادة قبل السلام لأنها ممكنة الوقوع خامسة واحتجوا لذلك أيضا بما روي عن ابن شهاب أنه قال كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم السجود قبل السلام وأما من رجح حديث ذي اليدين فقال السجود بعد السلام واحتجوا لترجيح هذا الحديث بأن حديث ابن بحينة قد عارضه حديث المغيرة بن شعبة أنه عليه الصلاة والسلام قام من اثنتين ولم يجلس ثم سجد بعد السلام قال أبو عمر ليس مثله في النقل فيعارض به واحتجوا أيضا لذلك بحديث ابن مسعود الثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى خمسا ساهيا وسجد لسهوه بعد السلام وأما من ذهب مذهب الجمع فإنهم قالوا إن هذه الأحاديث لا تتناقض وذلك أن السجود فيها بعد السلام إنما هو في الزيادة والسجود قبل السلام في النقصان فوجب أن يكون حكم السجود في سائر المواضع كما هو في هذا الموضع قالوا وهو أولى من حمل الأحاديث على التعارض
الجمع والترجيح فقال يسجد في المواضع التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على النحو الذي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك هو حكم تلك المواضع وأما المواضع التي لم يسجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فالحكم فيها السجود قبل السلام فكأنه قاس على المواضع التي سجد فيها عليه الصلاة والسلام قبل السلام ولم يقس على المواضع التي سجد فيها بعد السلام وأبقى سجود المواضع التي سجد فيها على ما سجد فيها فمن جهة أنه أبقى حكم هذه المواضع على ما وردت عليه وجعلها متغايرة الأحكام هو ضرب من الجمع ورفع للتعارض بين مفهومها ومن جهة أنه عدى مفهوم بعضها دون بعض وألحق به المسكوت عنه فذلك ضرب من الترجيح أعني أنه قاس على السجود الذي قبل السلام ولم يقس على الذي بعده وأما من لم يفهم من هذه الأفعال حكما خارجا عنها وقصر حكمها على أنفسها وهم أهل الظاهر فاقتصروا بالسجود على هذه المواضع فقط وأما أحمد بن حنبل فجاء نظره مختلطا من نظر أهل الظاهر ونظر أهل القياس وذلك أنه اقتصر بالسجود كما قلنا بعد السلام على المواضع التي ورد فيها الأثر ولم يعده وعدى السجود الذي ورد في المواضع التي قبل السلام ولكل واحد من هؤلاء أدلة يرجح بها مذهبه من جهة القياس أعني لأصحاب القياس وليس قصدنا في هذا الكتاب في الأكثر ذكر الخلاف الذي يوجبه القياس كما ليس قصدنا ذكر المسائل المسكوت عنها في الشرع إلا في الأقل وذلك إما من حيث هي مشهورة وأصل لغيرها وإما من حيث هي كثيرة الوقوع والمواضع الخمسة التي سها فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدها أنه قام من اثنتين على ما جاء في حديث ابن بحينة والثاني أنه سلم من اثنتين على ما جاء في حديث ذي اليدين والثالث أنه صلى خمسا على ما في حديث ابن عمر خرجه مسلم والبخاري والرابع أنه سلم من ثلاث على ما في حديث عمران بن الحصين والخامس السجود عن الشك على ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري وسيأتي بعد واختلفوا لماذا يجب سجود السهو فقيل يجب للزيادة والنقصان وهو الأشهر وقيل للسهو نفسه وبه قال أهل الظاهر والشافعي الفصل الثالث وأما الأقوال والأفعال التي يسجد لها فإن القائلين بسجود السهو لكل نقصان أو زيادة وقعت في الصلاة على طريق السهو اتفقوا على أن السجود يكون عن سنن الصلاة دون الفرائض ودون الرغائب فالرغائب لا شيء عندهم فيها أعني إذا سها عنها في الصلاة ما لم يكن أكثر من رغيبة واحدة مثل ما يرى مالك أنه لا يجب سجود من نسيان تكبيرة واحدة ويجب من أكثر من واحدة وأما الفرائض فلا يجزىء عنها إلا الإتيان بها وجبرها إذا كان السهو عنها مما لا يوجب إعادة الصلاة بأسرها على ما تقدم فيما يوجب الإعادة وما يوجب القضاء أعني على من ترك بعض أركان الصلاة
وأما سجود السهو للزيادة فإنه يقع عند الزيادة في الفرائض والسنن جميعا فهذه الجملة لا اختلاف بينهم فيها وإنما يختلفون من قبل اختلافهم فيما هو منها فرض أو ليس بفرض وفيما هو منها سنة أو ليس بسنة وفيما هو منها سنة أو رغيبة مثال ذلك أن عند مالك ليس يسجد لترك القنوت لأنه عنده مستحب ويسجد له عند الشافعي لأنه عنده سنة وليس يخفى عليك هذا مما تقدم القول فيه من اختلافهم بين ما هو سنة أو فريضة أو رغيبة وعند مالك وأصحابه سجود السهو للزيادة اليسيرة في الصلاة وإن كانت من غير جنس الصلاة وينبغي أن تعلم أن السنة والرغيبة هي عندهم من باب الندب وإنما تختلفان عندهم بالأقل والأكثر أعني في تأكيد الأمر بها وذلك راجع إلى قرائن أحوال تلك العبادة ولذلك يكثر اختلافهم في هذا الجنس كثيرا حتى إن بعضهم يرى أن في بعض السنن ما إذا تركت عمدا إن كانت فعلا أو فعلت عمدا إن كانت تركا أن حكمها حكم الواجب أعني في تعلق الإثم بها وهذا موجود كثيرا لأصحاب مالك وكذلك تجدهم قد اتفقوا ما خلا أهل الظاهر على أن تارك السنن المتكررة بالجملة آثم مثل ما لو ترك إنسان الوتر أو ركعتي الفجر دائما لكان مفسقا آثما فكأن العبادات بحسب هذا النظر منها ما هي فرض بعينها وجنسها مثل الصلوات الخمس ومنها ما هي سنة بعينها فرض بجنسها مثل الوتر وركعتي الفجر وما أشبه ذلك من السنن وكذلك قد تكون عند بعضهم الرغائب رغائب بعينها سنن بجنسها مثل ما حكيناه عن مالك من إيجاب السجود لأكثر من تكبيرة واحدة أعني للسهو عنها ولا تكون فيما أحسب عند هؤلاء سنة بعينها وجنسها وأما أهل الظاهر فالسنن عندهم هي سنن بعينها لقوله عليه الصلاة والسلام للأعرابي الذي سأله عن فروض الإسلام أفلح إن صدق دخل الجنة إن صدق وذلك بعد أن قال له والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه يعني الفرائض وقد تقدم هذا الحديث واتفقوا من هذا الباب على سجود السهو لترك الجلسة الوسطى واختلفوا فيها هل هي فرض أو سنة وكذلك اختلفوا هل يرجع الإمام إذا سبح به إليها أو ليس يرجع وإن رجع فمتى يرجع قال الجمهور يرجع ما لم يستو قائما وقال قوم يرجع ما لم يعقد الركعة الثالثة وقال قوم لا يرجع إن فارق الأرض قيد شبر وإذا رجع عند الذين لا يرون رجوعه فالجمهور على أن صلاته جائزة وقال قوم تبطل صلاته الفصل الرابع وأما صفة سجود السهو فإنهم اختلفوا في ذلك فرأى مالك أن حكم سجدتي السهو إذا كانت بعد السلام أن يتشهد فيها ويسلم منها وبه قال أبو حنيفة لأن السجود كله عنده بعد السلام وإذا كانت قبل السلام أن يتشهد لها فقط وأن السلام من الصلاة هو سلام منها وبه قال الشافعي إذ كان السجود كله عنده قبل السلام وقد روي عن مالك أنه لا يتشهد للتي قبل السلام وبه قال جماعة قال أبو عمر أما السلام من التي بعد السلام فثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما التشهد فلا أحفظه من وجه ثابت
وسبب هذا الاختلاف هو اختلافهم في تصحيح ما ورد من ذلك في حديث ابن مسعود أعني من أنه عليه الصلاة والسلام تشهد ثم سلم وتشبيه سجدتي السهو بالسجدتين الأخيرتين من الصلاة فمن شبهها بها لم يوجب لها التشهد وبخاصة إذا كانت في نفس الصلاة وقال أبو بكر بن المنذر اختلف العلماء في هذه المسألة على ستة أقوال فقالت طائفة لا تشهد فيها ولا تسليم وبه قال أنس بن مالك والحسن وعطاء وقال قوم مقابل هذا وهو أن فيها تشهدا وتسليما وقال قوم فيها تشهد فقط بدون تسليم وبه قال الحكم وحماد والنخعي وقال قوم مقابل هذا وهو أن فيها تسليما وليس فيها تشهد وهو قول ابن سيرين والقول الخامس إن شاء تشهد وسلم وإن شاء لم يفعل وروي ذلك عن عطاء والسادس قول أحمد بن حنبل أنه إن سجد بعد السلام تشهد وإن سجد قبل السلام لم يتشهد وهو الذي حكيناه نحن عن مالك قال أبو بكر قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كبر فيها أربع تكبيرات وأنه سلم وفي ثبوت تشهده فيها نظر الفصل الخامس اتفقوا على أن سجود السهو من سنة المنفرد والإمام واختلفوا في المأموم يسهو وراء الإمام هل عليه سجود أم لا فذهب الجمهور إلى أن الإمام يحمل عنه السهو وشذ مكحول فألزمه السجود في خاصة نفسه وسبب اختلافهم اختلافهم فيما يحمل الإمام من الأركان عن المأموم وما لا يحمله واتفقوا على أن الإمام إذا سها أن المأموم يتبعه في سجود السهو وإن لم يتبعه في سهوه واختلفوا متى يسجد المأموم إذا فاته مع الإمام بعض الصلاة وعلى الإمام سجود سهو فقال قوم يسجد مع الإمام ثم يقوم لقضاء ما عليه وسواء أكان سجوده قبل السلام أم بعده وبه قال عطاء والحسن والنخعي والشعبي وأحمد وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال قوم يقضي ثم يسجد وبه قالابن سيرين وإسحاق وقال قوم إذا سجد قبل التسليم سجدهما معه وإن سجد بعد التسليم سجدهما بعد أن يقضي وبه قال مالك والليث والأوزاعي وقال قوم يسجدهما مع الإمام ثم يسجدهما ثانية بعد القضاء وبه قال الشافعي وسبب اختلافهم اختلافهم أي أولى وأخلق أن يتبعه في السجود مصاحبا له أو باع واجب لقوله عليه الصلاة والسلام إنما جعل الإمام ليؤتم به واختلفوا هل موضعها للمأموم هو موضع السجود أعني في آخر الصلاة أو موضعها هو وقت سجود الإمام فمن آثر مقارنة فعله لفعل الإمام على موضع السجود ورأى ذلك شرطا في الاتباع أعني أن يكون فعلهما واحدا حقا قال يسجد مع الإمام وإن لم يأت بها في موضع السجود ومن آثر موضع السجود قال يؤخرها إلى آخر الصلاة ومن أوجب عليه الأمرين أوجب عليه السجود مرتين وهو ضعيف الفصل السادس واتفقوا على أن السنة لمن سها في صلاته أن يسبح له وذلك للرجل لما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال ما لي أراكم أكثرتم من التصفيق من نابه شيء في صلاته فليسبح فإنه إذا سبح التفت إليه وإنما التصفيق للنساء فقال مالك وجماعة إن التسبيح للرجال والنساء وقال الشافعي وجماعة للرجال التسبيح وللنساء التصفيق والسبب في اختلافهم اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام وإنما التصفيق للنساء فمن ذهب إلى أن معنى ذلك أن التصفيق هو حكم النساء يصفقن ولا يسبحن ومن فهم من ذلك الذم للتصفيق قال الرجال والنساء في التسبيح سواء وفيه ضعف لأنه خروج عن الظاهر بغير دليل إلا أن تقاس المرأة في ذلك على الرجل والمرأة كثيرا ما يخالف حكمها في الصلاة حكم الرجل ولذلك يضعف القياس
وأما سجود السهو الذي هو لموضع الشك فإن الفقهاء اختلفوا فيمن شك في صلاته فلم يدر كم صلى واحدة أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا على ثلاثة مذاهب فقال قوم يبني على اليقين وهو الأقل ولا يجزيه التحري ويسجد سجدتي السهو وهو قول مالك والشافعي وداود وقال أبو حنيفة إن كان أول أمره فسدت صلاته وإن تكرر ذلك منه تحرى وعمل على غلبة الظن ثم يسجد سجدتين بعد السلام وقالت طائفة إنه ليس عليه إذا شك لا رجوع إلى يقين ولا تحر وإنما عليه السجود فقط إذا شك والسبب في اختلافهم تعارض ظواهر الاثار الواردة في هذا الباب وذلك أن في هذا الباب ثلاثة آثار أحدها حديث بالبناء على اليقين وهو حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان خرجه مسلم والثاني حديث ابن مسعود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال إذا سها أحدكم في صلاته فليتحر وليسجد سجدتين وفي رواية أخرى عنه فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتي السهو ويتشهد ويسلم والثالث حديث أبي هريرة خرجه مالك والبخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس وفي هذا المعنى أيضا حديث عبد الله بن جعفر خرجه أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدها ويسلم الأحاديث مذهب الجمع ومذهب الترجيح والذين ذهبوا مذهب الترجيح منهم من لم يلتفت إلى المعارض ومنهم من رام تأويل المعارض وصرفه إلى الذي رجح ومنهم من جمع الأمرين أعني جمع بعضها ورجح بعضها وأول غير المرجح إلى معنى المرجح ومن من جمع بين بعضها وأسقط حكم البعض فأما من ذهب مذهب الجمع في بعض والترجيح في بعض مع تأويل غير المرجح وصرفه إلى المرجح فمالك بن أنس فإنه حمل حديث أبي سعيد الخدري على الذي لم يستنكحه الشك وحمل حديث أبي هريرة على الذي يغلب عليه الشك ويستنكحه وذلك من باب الجمع وتأول حديث ابن مسعود على أن المراد بالتحري هنالك هو الرجوع إلى اليقين فأثبت على مذهبه الأحاديث كلها وأما من ذهب مذهب الجمع بين بعضها وإسقاط البعض وهو الترجيح من غير تأويل المرجح عليه فأبو حنيفة فإنه قال إن حديث أبي سعيد إنما هو حكم من لم يكن عنده ظن غالب يعمل عليه وحديث ابن مسعود على الذي عنده ظن غالب وأسقط حكم حديث أبي هريرة وذلك أنه قال ما في حديث أبي سعيد وابن مسعود زيادة والزيادة يجب قبولها والأخذ بها وهذا أيضا كأنه ضرب من الجمع وأما الذي رجح بعضها وأسقط حكم البعض فالذين قالوا إنما عليه السجود فقط وذلك أن هؤلاء رجحوا حديث أبي هريرة وأسقطوا حديث أبي سعيد وابن مسعود ولذلك كان أضعف الأقوال فهذا ما رأينا أن نثبته في هذا القسم من قسمي كتاب الصلاة وهو القول في الصلاة المفروضة فلنصر بعد إلى القول في القسم الثاني من الصلاة الشرعية وهي الصلوات التي ليست فروض عين كتاب الصلاة الثاني ولأن الصلاة التي ليست بمفروضة على الأعيان منها ما هي سنة ومنها ما هي نفل ومنها ما هي فرض على الكفاية وكانت هذه الأحكام منها ما هو متفق عليه ومنها ما هو مختلف فيه رأينا أن نفرد القول في واحدة واحدة من هذه الصلوات وهي بالجملة عشر ركعتا الفجر والوتر والنفل وركعتا دخول المسجد والقيام في رمضان والكسوف والاستسقاء والعيدان وسجود القرآن فإنه صلاة فيشتمل هذا الكتاب على عشرة أبواب
والصلاة على الميت نذكرها على حدة في باب أحكام الميت على ما جرت به عادة الفقهاء وهو الذي يترجمونه بكتاب الجنائز الباب الأول القول في الوتر واختلفوا في الوتر في خمسة مواضع منها في حكمه ومنها في صفته ومنها في وقته ومنها في القنوت فيه ومنها في صلاته على الراحلة أما حكمه فقد تقدم القول فيه عند بيان عدد الصلوات المفروضة وأما صفته فإن مالكا رحمه الله استحب أن يوتر بثلاث يفصل بينها بسلام وقال أبو حنيفة الوتر ثلاث ركعات من غير أن يفصل بينها بسلام وقال الشافعي الوتر ركعة واحدة ولكل قول من هذه الأقوال سلف من الصحابة والتابعين والسبب في اختلافهم اختلاف الاثار في هذا الباب وذلك أنه ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من حديث عائشة أنه كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منهابواحدة وثبت عن ابن عمر أن رسولاالله صلى الله عليه وسلم قال صلاة الليل مثنى مثنى فإذا رأيت أن الصبح يدركك فأوتر بواحدة وخرج مسلم عن عائشة أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي ثلاث عشرة ركعة ويوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها وخرج أبو داود عن أبي أيوب الأنصاري أنه عليه الصلاة والسلام قال الوتر حق على كل مسلم فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل وخرج أبو داود أنه كان يوتر بسبع وتسع وخمس وخرج عن عبد الله بن قيس قال قلت لعائشة بكم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر قالت كان يوتر بأربع وثلاث وست وثلاث وثمان وثلاث وعشر وثلاث ولم يكن يوتر بأنقص من سبع ولا بأكثر من ثلاث عشرة وحديث ابن عمر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال المغرب وتر صلاة النهار فذهب العلماء في هذه الأحاديث مذهب الترجيح فمن ذهب إلى أن الوتر ركعة واحدة فمصيرا إلى قوله عليه الصلاة والسلام فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة وإلى حديث عائشة أنه كان يوتر بواحدة ومن ذهب إلى أن الوتر ثلاث من غير أن يفصل بينها وقصر حكم الوتر على الثلاث فقط فليس يصح له أن يحتج بشيء مما في هذا الباب لأنها كلها تقتضي التخيير ما عدا حديث ابن عمر أنه قال عليه الصلاة والسلام المغرب وتر صلاة النهار فإن لأبي حنيفة أن يقول إنه إذا شبه شيء بشيء وجعل حكمهما واحدا كان المشبه به أحرى أن يكون بتلك الصفة ولما شبهت المغرب بوتر صلاة النهار وكانت ثلاثا وجب أن يكون وتر صلاة الليل ثلاثا وأما مالك فإنه تمسك في هذا الباب بأنه عليه الصلاة والسلام لم يوتر قط إلا في أثر شفع فرأى أن ذلك من سنة الوتر وأن أقل ذلك ركعتان فالوتر عنده على الحقيقة إما إن يكون ركعة واحدة ولكن من شرطها أن يتقدمها شفع وإما أن يرى أن الوتر المأمور به هو يشتمل على شفع ووتر فإنه إذا زيد على الشفع وتر صار الكل وترا ويشهد لهذا المذهب حديث عبد الله بن قيس المتقدم فإنه سمى الوتر فيه العدد المركب من شفع ووتر ويشهد لاعتقاده أن الوتر هو الركعة الواحدة أنه كان يقول كيف يوتر بواحدة ليس قبلها شيء وأي شيء يوتر له وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم توتر له ما قد صلى فإن ظاهر هذا القول أنه كان يرى أن الوتر الشرعي هو عدد الوتر بنفسه أعني الغير مركب من الشفع والوتر ذلك أن هذا هو وتر لغيره وهذا التأويل عليه أولى والحق في هذا أن ظاهر هذه الأحاديث يقتضي التخيير في صفة الوتر من الواحدة إلى التسع على ما روي ذلك من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
والنظر إنما هو في هل من شرط الوتر أن يتقدمه شفع منفصل أم ليس ذلك من شرطه فيشبه أن يقال ذلك من شرطه لأنه هكذا كان وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشبه أن يقال ليس ذلك من شرطه لأن مسلما قد خرج أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا انتهى إلى الوتر أيقظ عائشة فأوترت وظاهره أنها كانت توتر دون أن تقدم على وترها شفعا وأيضا فإنه خرج من طريق عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر بتسع ركعات يجلس في الثامنة والتاسعة ولا يسلم إلا في التاسعة ثم يصلي ركعتين وهو جالس فتلك إحدى عشرة ركعة فلما أسن وأخذ اللحم أوتر بسبع ركعات لم يجلس إلا في السادسة والسابعة ولم يسلم إلا في السابعة ثم يصلي ركعتين وهو جالس فتلك تسع ركعات وهذا الحديث الوتر فيه متقدم على الشفع ففيه حجة على أنه ليس من شرط الوتر أن يتقدمه شفع وأن الوتر ينطلق على الثلاث ومن الحجة في ذلك ما روى أبو داود عن أبي بن كعب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر ب سبح اسم ربك الأعلى و قل يا أيها الكافرون و قل هو الله أحد وعن عائشة مثله وقالت في الثالثة ب قل هو الله أحد والمعوذتين وأما وقته فإن العلماء اتفقوا على أن وقته من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر لورود ذلك من طرق شتى عنه عليه الصلاة والسلام ومن أثبت ما في ذلك ما خرجه مسلم عن أبي نضرة العوفي أن أبا سعيد أخبرهم أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الوتر فقال الوتر قبل الصبح واختلفوا في جواز صلاته بعد الفجر فقوم منعوا ذلك وقوم أجازوه ما لم يصلي الصبح وبالقول الأول قالأبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة وسفيان الثوري وبالثاني قال الشافعي ومالك وأحمد وسبب اختلافهم معارضة عمل الصحابة في ذلك بالاثار وذلك أن ظاهر الاثار الواردة في ذلك أن لا يجوز أن يصلى بعد الصبح كحديث أبي نضرة المتقدم وحديث أبي حذيفة العدوي في هذا خرجه أبو داود وفيه وجعلها لكم ما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر ولا خلاف بين أهل الأصول أن ما بعد إلى بخلاف ما قبلها إذا كانت غاية وأن هذا وإن كان من باب دليل الخطاب فهو من أنواعه المتفق عليها مثل قوله ثم أتموا الصيام إلى الليل وقوله إلى المرافق لا خلاف بين العلماء أن ما بعد الغاية بخلاف ما قبل الغاية وأما العمل المخالف في ذلك للأثر فإنه روي عن ابن مسعود وابن عباس وعباده بن الصامت وحذيفة وأبي الدرداء وعائشة أنهم كانوا يوترون بعد الفجر وقبل صلاة الصبح ولم يرو عن غيرهم من الصحابة خلاف هذا وقد رأى قوم أن مثل هذا هو داخل في باب الإجماع ولا معنى لهذا فإنه ليس ينسب إلى ساكت قول قائل أعني أنه ليس ينسب إلى الإجماع من لم يعرف له قول في المسألة وأما هذه المسألة فكيف يصح أن يقال إنه لم يرو في ذلك خلاف عن الصحابة وأي خلاف أعظم من خلاف الصحابة الذين رووا هذه الأحاديث أعني خلافهم لهؤلاء الذين أجازوا صلاة الوتر بعد الفجر والذي عندي في هذا أن هذا من فعلهم ليس مخالفا الاثار الواردة في ذلك أعني في إجازتهم الوتر بعد الفجر بل إجازتهم ذلك هو من باب القضاء لا من باب الأداء وإنما يكون قولهم خلاف الاثار لو جعلوا صلاته بعد الفجر من باب الأداء فتأمل هذا وإنما يتطرق الخلاف لهذه المسألة من باب اختلافهم في هل القضاء في العبادة المؤقتة يحتاج إلى أمر جديد أم لا أعني غير أمر الأداء وهذا التأويل بهم أليق فإن أكثر ما الوتر قبل الصلاة وبعد الفجر وإن كان الذي نقل عن ابن مسعود في ذلك قول
أعني أنه كان يقول إن وقت الوتر من بعد العشاء الاخرة إلى صلاة الصبح فليس يجب لمكان هذا أن يظن بجميع من ذكرناه من الصحابة أنه يذهب هذا المذهب من قبل أنه أبصر يصلي الوتر بعد الفجر فينبغي أن تتأمل صفة النقل في ذلك عنهم وقد حكى ابن المنذر في وقت الوتر عن الناس خمسة أقوال منها القولان المشهوران اللذان ذكرتهما والقول الثالث أنه يصلي الوتر وإن صلى الصبح وهو قول طاووس والرابع أنه يصليها وإن طلعت الشمس وبه قال أبو ثور والأوزاعي والخامس أنه يوتر من الليلة القابلة وهو قول سعيد بن جبير وهذا الاختلاف إنما سببه اختلافهم في تأكيده وقربه من درجة الفرض فمن رآه أقرب أوجب القضاء في زمان أبعد من الزمان المختص به ومن رآه أبعد أوجب القضاء في زمان أقرب ومن رآه سنة كسائر السنن ضعف عنده القضاء إذ القضاء إنما يجب في الواجبات وعلى هذا يجيء اختلافهم في قضاء صلاة العيد لمن فاتته وينبغي أن لا يفرق في هذا بين الندب والواجب أعني أن من رأى أن القضاء في الواجب يكون بأمر متجدد أن يعتقد مثل ذلك في الندب ومن رأى أنه يجب بالأمر الأول أن يعتقد مثل ذلك في الندب وأما اختلافهم في القنوت فيه فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يقنت فيه ومنعه مالك وأجازه الشافعي في أحد قوليه في النصف الاخر من رمضان وأجازه قوم في النصف الأول من رمضان وقوم في رمضان كله والسبب في اختلافهم في ذلك اختلاف الاثار وذلك أنه روي عنه صلى الله عليه وسلم القنوت مطلقا وروي عنه القنوت شهرا وروي عنه أنه آخر أمره لم يكن يقنت في شيء من الصلاة وأنه نهى عن ذلك وقد تقدمت هذه المسألة وأما صلاة الوتر على الراحلة حيث توجهت به فإن الجمهور على جواز ذلك لثبوت ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام أعني أنه كان يوتر على الراحلة وهو ما يعتمدونه في الحجة على أنها ليست بفرض إذ كان قد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يتنفل على الراحلة ولم يصح عنه أنه صلى قط مفروضة على الراحلة وأما الحنفية فلمكان اتفاقهم معهم على هذه المقدمة وهو أن كل صلاة مفروضة لا تصلى على الراحلة واعتقادهم أن الوتر فرض وجب عندهم من ذلك ألا تصلى على الراحلة وردوا الخبر بالقياس وذلك ضعيف وذهب أكثر العلماء إلى أن المرء إذا أوتر ثم نام فقام يتنفل أنه لا يوتر ثانية لقوله عليه الصلاة والسلام لا وتران في ليلة خرج ذلك أبو داود وذهب بعضهم إلى أنه يشفع الوتر الأول بأن يضيف إليه ركعة ثانية ويوتر أخرى بعد التنفل شفعا وهي المسألة التي يعرفونها بنقض الوتر وفيه ضعف من وجهين أحدهما أن الوتر ليس ينقلب إلى النفل بتشفيعه والثاني أن التنفل بواحدة غير معروف من الشرع وتجويز هذا ولا تجويزه هو سبب الخلاف في ذلك فمن راعى من الوتر المعنى المعقول وهو ضد الشفع قال ينقلب شفعا إذا أضيف إليه ركعة ثانية ومن راعى منه المعنى الشرعي قال ليس ينقلب شفعا لأن الشفع نفل والوتر سنة مؤكدة أو واجبة الباب الثاني في ركعتي الفجر واتفقوا على أن ركعتي الفجر سنة لمعاهدته عليه الصلاة والسلام على فعلها أكثر منه على سائر النوافل ولترغيبه فيها ولأنه قضاها بعد طلوع الشمس حين نام عن الصلاة واختلفوا من ذلك في مسائل إحداها في المستحب من القراءة فيهما فعند مالك المستحب أن يقرأ فيهما بأم القرآن فقط وقال الشافعي لا بأس أن يقرأ فيهما بأم القرآن مع سورة قصيرة وقال أبو حنيفة لا توقيف فيهما في القراءة يستحب وأنه يجوز أن يقرأ فيهما المرء حزبه من الليل والسبب في اختلافهم اختلاف قراءته عليه الصلاة والسلام في هذه الصلاة واختلافهم في تعيين القراءة في الصلاة وذلك أنه روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يخفف ركعتي الفجر على ما روته عائشة قالت حتى أني أقول أقرأ فيهما بأم القرآن أم لا
فظاهر هذا أنه كان يقرأ فيهما بأم القرآن فقط وروي عنه من طريق أبي هريرة خرجه أبو داود أنه كان يقرأ فيهما ب قل هو الله أحد و قل يا أيها الكافرون فمن ذهب مذهب حديث عائشة اختار قراءة أم القرآن فقط ومن ذهب مذهب الحديث الثاني اختار أم القرآن وسورة قصيرة ومن كان على أصله في أنه لا تتعين القراءة في الصلاة لقوله تعالى فاقرؤوا ما تيسر منه قال يقرأ فيهما ما أحب والثانية في صفة القراءة المستحبة فيهما فذهب مالك والشافعي وأكثر العلماء إلى أن المستحب فيهما هو الإسرار وذهب قوم إلى أن المستحب فيهما هو الجهر وخير قوم في ذلك بين الإسرار والجهر والسبب في ذلك تعارض مفهوم الاثار وذلك أن حديث عائشة المتقدم المفهوم من ظاهره أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ فيهما سرا ولولا ذلك لم تشك عائشة هل قرأ فيهما بأم القرآن أم لا وظاهر ما روى أبو هريرة أنه كان يقرأ فيهما ب قل يا أيها الكافرون و قل هو الله أحد أن قراءته عليه الصلاة والسلام فيهما كانت جهرا ولولا ذلك ما علم أبو هريرة ما كان يقرأ فيهما فمن ذهب مذهب الترجيح بين هذين الأثرين قال إما باختيار الجهر إن رجح حديث أبي هريرة وإما باختيار الإسرار إن رجح حديث عائشة ومن ذهب مذهب ي الفجر وأدرك الإمام في الصلاة أو دخل المسجد ليصليهما فأقيمت الصلاة فقال مالك إذا كان قد دخل المسجد فأقيمت الصلاة فليدخل مع الإمام في الصلاة ولا يركعهما في المسجد والإمام يصلي الفرض وإن كان لم يدخل المسجد فإن لم يخف أن يفوته الإمام بركعة فليركعهما خارج المسجد وإن خاف فوات الركعة فليدخل مع الإمام ثم يصليهما إذا طلعت الشمس ووافق أبو حنيفة مالكا في الفرق بين أن يدخل المسجد أو لا يدخله وخالفه في الحد في ذلك فقال يركعهما خارج المسجد ما ظن أنه يدرك ركعة من الصبح مع الإمام وقال الشافعي إذا أقيمت الصلاة المكتوبة فلا يركعهما أصلا لا داخل المسجد ولا خارجه وحكى ابن المنذر أن قوما جوزوا ركوعهما في المسجد والإمام يصلي وهو شاذ والسبب في اختلافهم اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة فمن حمل هذا على عمومه لم يجز صلاة ركعتي الفجر إذا أقيمت الصلاة المكتوبة لا خارج المسجد ولا داخله ومن قصره على المسجد فقد أجاز ذلك خارج المسجد ما لم تفته الفريضة أو لم يفته منها جزء ومن ذهب مذهب العموم فالعلة عنده في النهي إنما هو الاشتغال بالنفل عن الفريضة ومن قصر ذلك على المسجد فالعلة عنده إنما هو أن تكون صلاتان معا في موضع واحد لمكان الاختلاف على الإمام كما روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال سمع قوم الإقامة فقاموا يصلون فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصلاتان معا أصلاتان معا قال وذلك في صلاة الصبح والركعتين اللتين قبل الصبح وإنما اختلف مالك وأبو حنيفة في القدر الذي يراعى من فوات صلاة الفريضة من لجماعة للمشتغل بركعتي الفجر إذا كان فضل صلاة الجماعة عندهم أفضل من ركعتي الفجر فمن رأى أنه بفوات ركعة منها يفوته فضل صلاة الجماعة قال يتشاغل بها ما لم تفته ركعة من الصلاة المفروضة ومن رأى أنه يدرك الفضل إذا أدرك ركعة من الصلاة لقوله عليه الصلاة والسلام من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة أي قد أدرك فضلها وحمل ذلك على عمومه في تارك ذلك قصدا أو بغير اختيار قال يتشاغل بها ما ظن أنه يدرك ركعة منها و مالك إنما يحمل هذا الحديث والله أعلم على من فاتته الصلاة دون قصد منه لفواتها ولذلك رأى أنه إذا فاتته منها ركعة فقد فاته فضلها وأما من أجاز ركعتي الفجر في المسجد والصلاة تقام فالسبب في ذلك أحد أمرين إما أنه لم يصح عنده هذا الأثر أو لم يبلغه
قال أبو بكر بن المنذر هو أثر ثابت أعني قوله عليه الصلاة والسلام إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة وكذلك صححه أبو عمر بن عبد البر وإجازة ذلك تروى عن ابن مسعود والرابعة في وقت قضائها إذا فاتت حتى صلى الصبح فإن طائفة قالت يقضيها بعد صلاة الصبح وبه قال عطاء وابن جريج وقال قوم يقضيها بعد طلوع الشمس ومن هؤلاء من جعل لها هذا الوقت غير المتسع ومنهم من جعله لها متسعا فقال يقضيها من لدن طلوع الشمس إلى وقت الزوال ولا يقضيها بعد الزوال وهؤلاء الذين قالوا بالقضاء ومنهم من استحب ذلك ومنهم من خير فيه والأصل في قضائها صلاته لها عليه الصلاة والسلام بعد طلوع الشمس حين نام عن الصلاة الباب الثالث في النوافل واختلفوا في النوافل هل تثنى أو تربع أو تثلث فقال مالك والشافعي صلاة ركعتين وقال أبو حنيفة إن شاء ثنى أو ثلث أو ربع أو سدس أو ثمن دون أن يفصل بينها بسلام وفرق قوم بين صلاة الليل وصلاة النهار فقالوا صلاة الليل مثنى مثنى وصلاة النهار أربع والسبب في اختلافهم اختلاف الاثار الواردة في هذا الباب وذلك أنه ورد في هذا الباب من حديث ابن عمر أن رجلا سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن صلاة الليل فقال صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ماقد صلى وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين وبعد المغرب ركعتين وبعد الجمعة ركعتين وقبل العصر ركعتين فمن أخذ بهذين الحديثين قال صلاة الليل والنهار مثنى مثنى وثبت أيضا من حديث عائشة أنها قالت وقد وصفت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا قالت فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن توتر قال يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي وثبت عنه أيضا من طريق أبي هريرة أنه قال عليه الصلاة والسلام من كان يصلي بعد الجمعة فليصل أربعا وروى الأسود عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل تسع ركعات فلماأسن صلى سبع ركعات فمن أخد أيضا بظاهر هذه الأحاديث جوز التنفل بالأربع والثلاث دون أن يفصل بينها بسلام والجمهور على أنه لا يتنفل بواحدة وأحسب أن فيه خلافا شاذا الباب الرابع في ركعتي دخول المسجد جمهور على أن ركعتي دخول المسجد مندوب إليها من غير إيجاب وذهب أهل الظاهر إلى وجوبها وسبب الخلاف في ذلك هل الأمر في قوله عليه الصلاة والسلام إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين محمول على الندب أو على الوجوب فإن الحديث متفق على صحته فمن تمسك في ذلك بما اتفق عليه الجمهور من أن الأصل هو حمل الأوامر المطلقة على الوجوب حتى يدل الدليل على الندب ولم ينقدح عنده دليل ينقل الحكم من الوجوب إلى الندب قال الركعتان واجبتان ومن انقدح عنده دليل على حمل الأوامر هاهنا على الندب أو كان الأصل عنده في الأوامر أن تحمل على الندب حتى يدل الدليل على الوجوب فإن هذا قد قال به قوم قال الركعتان غير واجبتين لكن الجمهور إنما ذهبوا إلى حمل الأمر هاهنا على الندب لمكان التعارض الذي بينه وبين الأحاديث التي تقتضي بظاهرها أو بنصها أن لا صلاة مفروضة إلا الصلوات الخمس التي غيره وذلك أنه إن حمل الأمر هاهنا على الوجوب لزم أن تكون المفروضات أكثر من خمس ولمن أوجبها أن الوجوب هاهنا إنما هو متعلق بدخول المسجد لا مطلقا كالأمر بالصلوات المفروضة وللفقهاء أن تقييد وجوبها بالمكان شبيه بتقييد وجوبها بالزمان ولأهل الظاهر أن المكان المخصوص ليس من شرط صحة الصلاة والزمان من شرط صحة الصلاة المفروضة
واختلف العلماء من هذا الباب فيمن جاء المسجد وقد ركع ركعتي الفجر في بيته هل يركع عند دخول المسجد أم لا فقال الشافعي يركع وهي رواية أشهب عن مالك وقال أبو حنيفة لا يركع وهي رواية ابن القاسم عن مالك وسبب اختلافهم معارضة عموم قوله عليه الصلاة والسلام إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين وقوله عليه الصلاة والسلام لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الصبح فههنا هنا عمومان وخصوصان أحدهما في الزمان والاخر في الصلاة وذلك أن حديث الأمر بالصلاة عند دخول المسجد عام في الزمان خاص في الصلاة والنهي عن الصلاة بعد الفجر إلا ركعتي الصبح خاص في الزمان عام في الصلاة فمن استثنى خاص الصلاة من عامها رأى الركوع بعد ركعتي الفجر ومن استثنى خاص الزمان من عامه لم يوجب ذلك وقد قلنا إن مثل هذا التعارض إذا وقع فليس يجب أن يصار إلى أحد التخصيصين إلا بدليل وحديث النهي لا يعارض به حديث الأمر الثابت والله أعلم فإن ثبت الحديث وجب طلب الدليل من موضع آخر الباب الخامس في قيام رمضان وأجمعوا على أن قيام شهر رمضان مرغب فيه أكثر من سائر الأشهر لقوله عليه الصلاة والسلام من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وأن التراويح التي جمع عليها عمر بن الخطاب الناس ورغب فيها وإن كانوا اختلفوا أي أفضل أهي أو الصلاة آخر الليل أعني التي كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن الجمهور على أن الصلاة آخر الليل أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة ولقول عمر فيها والتي تنامون عنها أفضل واختلفوا في المختار من عدد الركعات التي يقوم بها الناس في رمضان فاختار مالك في أحد قوليه و أبو حنيفة والشافعي وأحمد وداود القيام بعشرين ركعة سوى الوتر وذكر ابن القاسم عن مالك أنه كان يستحسن ستا وثلاثين ركعة والوتر ثلاث وسبب اختلافهم اختلاف النقل في ذلك وذلك أن مالكا روى عن يزيد بن رومان قال كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب بثلاث وعشرين ركعة وخرج ابن أبي شيبة عن داود ابن قيس قال أدركت الناس بالمدينة في زمان عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان يصلون ستا وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث وذكر ابن القاسم عن مالك أنه الأمر القديم يعني القيام بست وثلاثين ركعة الباب السادس في صلاة الكسوف اتفقوا على أن صلاة كسوف الشمس سنة وأنها في جماعة واختلفوا في صفتها وفي صفة القراءة فيها وفي الأوقات التي تجوز فيها وهل من شروطها الخطبة أم لا وهل كسوف القمر ككسوف الشمس ففي ذلك خمس مسائل أصول في هذا الباب المسألة الأولى ذهب مالك والشافعي وجمهور أهل الحجاز وأحمد أن صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان وذهب أبو حنيفة والكوفيون إلى أن صلاة الكسوف ركعتان على هيئة صلاة العيد والجمعة والسبب في اختلافهم اختلاف الاثار الواردة في هذا الباب ومخالفة القياس لبعضها وذلك أنه ثبت من حديث عائشة أنها قالت خسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس فقام فأطال القيام ثم ركع فأطال الركوع ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول ثم رفع فسجد ثم رفع فسجد ثم فعل في الركعة الاخرة مثل ذلك ثم انصرف وقد تجلت الشمس ولما ثبت أيضا من هذه الصفة في حديث ابن عباس أعني من ركوعين في ركعة قال أبو عمر هذان الحديثان من أصح ما روي في هذا الباب فمن أخذ بهذين قبل النقل قال صلاة الكسوف ركعتان في ركعة وورد أيضا من حديث أبي بكرة وسمرة بن جندب وعبد الله بن عمر والنعمان بن بشير أنه صلى في الكسوف ركعتين كصلاة العيد
قال أبو عمر بن عبد البر وهي كلها آثار مشهورة صحاح ومن أحسنها حديث أبي قلابة عن النعمان بن بشير قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكسوف نحو صلاتكم يركع ويسجد ركعتين ركعتين ويسأل الله حتى تجلت الشمس فمن رجح هذه الاثار لكثرتها وموافقتها للقياس أعني موافقتها لسائر الصلوات قال صلاة الكسوف ركعتان قال القاضي خرج مسلم حديث سمرة قال أبو عمر وبالجملة فإنما صار كل فريق منهم إلى ما ورد عن سلفه ولذلك رأى بعض أهل العلم أن هذا كله على التخيير وممن قال بذلك الطبري قال القاضي وهو الأولى فإن الجمع أولى من الترجيح قال أبو عمر وقد روي في صلاة الكسوف عشر ركعات في ركعتين وثمان ركعات في ركعتين وست ركعات في ركعتين وأربع ركعات في ركعتين لكن من طرق ضعيفة قال أبو بكر بن المنذر وقال إسحاق بن راهويه كل ما ورد من ذلك فمؤتلف غير مختلف لأن الاعتبار في ذلك لتجلي الكسوف فالزيادة في الركوع إنما تقع بحسب اختلاف التجلي في الكسوفات التي صلى فيها وروي عن العلاء بن زياد أنه كان يرى أن المصلي ينظر إلى الشمس إذا رفع رأسه من الركوع فإن كانت قد تجلت سجد وأضاف إليها ركعة ثانية وإن كانت لم تنجل ركع في الركعة الواحدة ركعة ثانية ثم نظر إلى الشمس فإن كانت تجلت سجد وأضاف إليها ثانية وإن كانت لم تنجل ركع ثالثة في الركعة الأولى وهكذا حتى تنجلي وكان إسحاق بن راهويه يقول لا يتعدى بذلك أربع ركعات في كل ركعة لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك وقال أبو بكر بن المنذر وكان بعض أصحابنا يقول الاختيار في صلاة الكسوف عين وإن شاء ثلاثة وإن شاء أربعة ولم يصح عنده ذلك قال وهذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى في كسوفات كثيرة قال القاضي هذا الذي ذكره هو الذي خرجه مسلم ولا أدري كيف قال أبو عمر فيها إنها وردت من طرق ضعيفة وأما عشر ركعات في ركعتين فإنما أخرجه أبو داود فقط المسألة الثانية واختلفوا في القراءة فيها فذهب مالك والشافعي إلى أن القراءة فيها سر وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق بن راهويه يجهر بالقراءة فيها والسبب في اختلافهم اختلاف الاثار في ذلك بمفهومها وبصيغها وذلك أن مفهوم حديث ابن عباس الثابت أنه قرأ سرا لقوله فيه عنه عليه الصلاة والسلام فقام قياما نحوا من سورة البقرة وقد روي هذا المعنى نصا عنه أنه قال قمت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما سمعت منه حرفا وقد روي أيضا من طريق ابن إسحاق عن عائشة في صلاة الكسوف أنها قالت تحريت قراءته فحزرت أنه قرأ سورة البقرة فمن رجح هذه الأحاديث قال القراءة فيها سر ولمكان ما جاء في هذه الاثار استحب مالك والشافعي أن يقرأ في الأولى البقرة وفي الثانية آل عمران وفي الثالثة بقدر مائة وخمسين آية من البقرة وفي الرابعة بقدر خمسين آية من البقرة وفي كل واحدة أم القرآن ورجحوا أيضا مذهبهم هذا بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال صلاة النهار عجماء ووردت هاهنا أيضا أحاديث مخالفة لهذه فمنها أنه روي أنه عليه الصلاة والسلام قرأ في إحدى الركعتين من صلاة الكسوف بالنجممفهوم هدا أنه جهر وكان أحمد وإسحاق يحتجان لهذا المذهب بحديث سفيان بن الحسن عن الزهري عن عروة عن ع 9 ائشة أن النبي عليه الصلاة والسلام جهر بالقراءة في كسوف الشمس قال أبو عمر سفيان بن الحسن ليس بالقوي وقال وقد تابعه على ذلك عن الزهري عن عبد الرحمن بن سليمان بن كثير وكلهم ليس في حديث الزهري مع أن حديث ابن إسحاق المتقدم عن عائشة يعارضه
واحتج هؤلاء أيضا لمذهبهم بالقياس الشبهي فقالوا صلاة سنة تفعل في جماعة نهارا فوجب أن يجهر فيها أصله العيدان والاستسقاء وخير في ذلك كله الطبري وهي طريقة الجمع وقد قلنا إنها أولى من طريقة الترجيح إذا أمكنت ولا خلاف في هذا أعلمه بين الأصوليين المسألة الثالثة واختلفوا في الوقت الذي تصلى فيه فقال الشافعي تصلى في جميع الأوقات المنهي عن الصلاة فيها وغير المنهي وقال أبو حنيفة لا تصلى في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها وأما مالك فروى عنه ابن وهب أنه قال لا يصلى لكسوف الشمس إلا في الوقت الذي تجوز فيه النافلة وروى ابن القاسم أن سنتها أن تصلى ضحى إلى الزوال وسبب اختلافهم في هذه المسألة اختلافهم في جنس الصلاة التي لا تصلى في الأوقات المنهي عنها فمن رأى أن تلك الأوقات تختص بجميع أجناس الصلاة لم يجز فيها صلاة كسوف ولا غيرها ومن رأى أن تلك الأحاديث تختص بالنوافل وكانت الصلاة عنده في الكسوف سنة أجاز ذلك ومن رأى أيضا أنها من النفل لم يجزها في أوقات النهي وأما رواية ابن القاسم عن مالك فليس لها وجه إلا تشبيهها بصلاة العيد المسألة الرابعة واختلفوا أيضا هل من شروطها الخطبة بعد الصلاة فذهب الشافعي إلى أن ذلك من شرطها وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه لا خطبة في صلاة الكسوف والسبب في اختلافهم اختلاف العلة التي من أجلها خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس لما انصرف من صلاة الكسوف على ما في حديث عائشة وذلك أنها روت أنه لما انصرف من الصلاة وقد تجلت الشمس حمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته الحديث فزعم الشافعي أنه إنما خطب لأن من سنة هذه الصلاة الخطبة كالحال في صلاة العيدين والاستسقاء وزعم بعض من قال بقول أولئك أن خطبة النبي عليه الصلاة والسلام إنما كانت يؤمئذ لأن الناس زعموا أن الشمس إنما كسفت لموت إبراهيم ابنه عليه السلام المسألة الخامسة واختلفوا في كسوف القمر فذهب الشافعي إلى أنه يصلى له جماعة وعلى نحو ما يصلى في كسوف الشمس وبه قال أحمد وداود وجماعة وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه لا يصلى له في جماعة واستحبوا أن يصلي الناس له أفذاذا ركعتين كسائر الصلوات النافلة وسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى يكشف ما بكم وتصدقوا خرجه البخاري ومسلم فمن فهم هاهنا من الأمر بالصلاة فيهما معنى واحدا وهي الصفة التي فعلها في كسوف الشمس رأى الصلاة فيها في جماعة ومن فهم من ذلك معنى مختلفا لأنه لم يرو عنه عليه الصلاة والسلام أنه صلى في كسوف القمر مع كثرة دورانه قال المفهوم من ذلك أقل ما ينطلق عليه اسم صلاة في الشرع وهي النافلة فذا وكأن قائل هذا القول يرى أن الأصل هو أن يحمل اسم الصلاة في الشرع إذا ورد الأمر بها على أقل ما ينطلق عليه هذا الاسم في الشرع إلا أن يدل الدليل على غير ذلك فلما دل فعله عليه الصلاة والسلام في كسوف الشمس على غير ذلك بقي المفهوم في كسوف القمر على أصله والشافعي يحمل فعله في كسوف الشمس بيانا لمجمل ما أمر به من الصلاة فيهما فوجب الوقوف عند ذلك وزعم أبو عمر بن عبد البر أنه روي عن ابن عباس وعثمان أنهما صليا في القمر في جماعة ركعتين في كل ركعة ركوعان مثل قول الشافعي وقد استحب قوم الصلاة للزلزلة والريح والظلمة وغير ذلك من الايات قياسا على كسوف القمر والشمس لنصه عليه الصلاة والسلام على العلة في ذلك وهو كونهاآية وهو من أقوى أجناس القياس عندهم لأنه قياس العلة التي نص عليها لكن لم ير هذا مالك ولا الشافعي ولا جماعة من أهل العلم
وقال أبو حنيفة إن صلى للزلزلة فقد أحسن وإلا فلا حرج وروي عن ابن عباس أنه صلى لها مثل صلاة الكسوف الباب السابع في صلاة الاستسقاء أجمع العلماء على أن الخروج إلى الاستسقاء والبروز عن المصر والدعاء إلى الله تعالى والتضرع إليه في نزول المطر سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلفوا في الصلاة في الاستسقاء فالجمهور على أن ذلك من سنة الخروج إلى الاستسقاء إلا أبا حنيفة فإنه قال ليس من سنة الصلاة وسبب الخلاف أنه ورد في بعض الاثار أنه استسقى وصلى وفي بعضها لم يذكر فيها صلاة ومن أشهر ما ورد في أنه صلى وبه أخذ الجمهور حديث عباد بن تميم عن عمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر فيهما بالقراءة ورفع يديه حذو منكبيه وحول رداءه واستقبل القبلة واستسقى خرجه البخاري ومسلم وأما الأحاديث التي ذكر فيها الاستسقاء وليس فيها ذكر للصلاة فمنها حديث أنس بن مالك خرجه مسلم أنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فادع الله فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة ومنها حديث عبد الله بن زيد المازني وفيه أنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة ولم يذكر فيه صلاة وزعم القائلون بظاهر هذا الأثر أن ذلك مروي عن عمر بن الخطاب أعني أنه خرج إلى المصلى فاستسقى ولم يصل والحجة للجمهور أنه من لم يذكر شيئا فليس هو بحجة على من ذكره والذي يدل عليه اختلاف الاثار في ذلك ليس عندي فيه شيء أكثر من أن الصلاة ليست من شرط صحة الاستسقاء إذ قد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قد استسقى على المنبر لا أنها ليست من سننه كما ذهب إليه أبو حنيفة وأجمع القائلون بأن الصلاة من سننه على أن الخطبة أيضا من سننه لورود ذلك في الأثر قال ابن المنذر ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الاستسقاء وخطب واختلفوا هل هي قبل الصلاة أو بعدها لاختلاف الاثار في ذلك فرأى قوم أنها بعد الصلاة قياسا على صلاة العيدين وبه قال الشافعي ومالك وقال الليث بن سعد الخطبة قبل الصلاة قال ابن المنذر قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استسقى فخطب قبل الصلاة وروي عن عمر بن الخطاب مثل ذلك وبه نأخذ قال القاضي وقد خرج ذلك أبو داود من طرق ومن ذكر الخطبة فإنما ذكرها في علمي قبل الصلاة واتفقوا على أن القراءة فيها جهرا واختلفوا هل يكبر فيها كما يكبر في العيدين فذهب مالك إلى أنهيكبر فيهاكما يكبر في سائر الصلوات وذهب الشافعي إلى أنه يكبر فيها كما يكبر في العيدين وسبب الخلاف اختلافهم في قياسها على صلاة العيدين وقد احتج الشافعي لمذهبه في ذلك بما روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فيها ركعتين كما يصلى في العيدين واتفقوا على أن من سنتها أن يستقبل الإمام القبلة واقفا ويدعو ويحول رداءه رافعا يديه على ما جاء في الاثار واختلفوا في كيفية ذلك ومتى يفعل ذلك فأما كيفية ذلك فالجمهور على أنه يجعل أعلاه أسفله وما على يمينه على شماله وما على شماله على يمينه وقال الشافعي بل يجعل أعلاه أسفله وما على يمينه منه على يساره وما على يساره على يمينه
وسبب الاختلاف اختلاف الاثار في ذلك وذلك أنه جاء في حديث عبد الله بن زيد أنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى يستسقي فاستقبل القبلة وقلب رداءه وصلى ركعتين وفي بعض رواياته قلت أجعل الشمال على اليمين واليمين على الشمال أم أجعل أعلاه أسفله أنه قال بل اجعل الشمال على اليمين واليمين على الشمال وجاء أيضا في حديث عبد الله هذا أنه قال استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه خميصة له سوداء فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه وأما متى يفعل الإمام ذلك فإن مالكا والشافعي قالا يفعل ذلك عند الفراغ من الخطبة وقال أبو يوسف يحول رداءه إذا مضى صدر من الخطبة وروي ذلك أيضا عن مالك وكلهم يقول إنه إذا حول الإمام رداءه قائما حول الناس أرديتهم جلوسا لقوله عليه الصلاة والسلام إنما جعل الإمام ليؤتم بهإلا محمد بن الحسن والليث بن سعد وبعض أصحاب مالك فإن الناس عندهم لا يحولون أرديتهم بتحويل الإمام لأنه لم ينقل ذلك في صلاته عليه الصلاة والسلام بهم وجماعة من العلماء على أن الخروج لها وقت الخروج إلى صلاة العيدين إلا أبا بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم فإنه قال إن الخروج إليها عند الزوال وروى أبو داود عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الاستسقاء حين بدا حاجب الشمس الباب الثامن في صلاة العيدين أجمع العلماء على استحسان الغسل لصلاة العيدين وأنهما بلا أذان ولا إقامة لثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من أحدث من ذلك معاوية في أصح الأقاويل قاله أبو عمر وكذلك أجمعوا على أن السنة فيها تقديم الصلاة على الخطبة لثبوت ذلك أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما روي عن عثمان بن عفان أنه أخر الصلاة وقدم الخطبة لئلا يفترق الناس قبل الخطبة وأجمعوا أيضا على أنه لا توقيت في القراءة في العيدين وأكثرهم استحب أن يقرأ في الأولى ب بسبح وفي الثانية بالغاشية لتواتر ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واستحب الشافعي القراءة فيهما ب ق والقرآن المجيد و اقتربت الساعة لثبوت ذلك عنه عليه الصلاة والسلام واختلفوا من ذلك في مسائل أشهرها اختلافهم في التكبير وذلك أنه حكى في ذلك أبو بكر بن المنذر نحوا من اثني عشر قولا إلا أنا نذكر من ذلك المشهور الذي يستند إلى صحابي أو سماع فنقول ذهب مالك إلى أن التكبير في الأولى من ركعتي العيدين سبع مع تكبيرة الإحرام قبل القراءة وفي الثانية ست مع تكبيرة القيام من السجود وقال الشافعي في الأولى ثمان وفي الثانية ست مع تكبيرة القيام من السجود وقال أبو حنيفة يكبر في الأولى ثلاثا بعد تكبيرة الإحرام يرفع يديه فيها ثم يقرأ أم القرآن وسورة ثم يكبر راكعا ولا يرفع يديه فإذا قام إلى الثانية كبر ولم يرفع يديه وقرأ فاتحة الكتاب وسورة ثم كبر ثلاث تكبيرات يرفع فيها يديه ثم يكبر للركوع ولا يرفع فيها يديه وقال قوم فيها تسع في كل ركعة وهو مروي عن ابن عباس والمغيرة بن شعبة وأنس ابن مالك وسعيد بن المسيب وبه قال النخعي
وسبب اختلافهم اختلاف الاثار المنقولة في ذلك عن الصحابة فذهب مالك رحمه الله إلى ما رواه عن ابن عمر أنه قال شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة فكبر في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة وفي الاخرة خمسا قبل القراءة لأن العمل عنده بالمدينة كان على هذا وبهذا الأثر بعينه أخذ الشافعي إلا أنه تأول في السبع أنه ليس فيها تكبيرة الإحرام كما ليس في الخمس تكبيرة القيام ويشبه أن يكون مالك إنما أصاره إلى أن يعد تكبيرة الإحرام في السبع ويعد تكبيرة القيام زائدا على الخمس المروية أن العمل ألفاه على ذلك فكأنه عنده وجه من الجمع بين الأثر والعمل وقد ئشة وعن عمرو بن العاص وروي أنه سئل أبو موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في الأضحى والفطر فقال أبو موسى كان يكبر أربعا على الجنائز فقال حذيفة صدق فقال أبو موسى كذلك كنت أكبر في البصرة حين كنت عليهم وقال قوم بهذا وأما أبو حنيفة وسائر الكوفيين فإنهم اعتمدوا في ذلك على ابن مسعود وذلك أنه ثبت عنه أنه كان يعلمهم صلاة العيدين على الصفة المتقدمة وإنما صار الجميع إلى الأخذ بأقاويل الصحابة في هذه المسألة لأنه لم يثبت فيها عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء ومعلوم أن فعل الصحابة في ذلك هو توقيف إذ لا مدخل للقياس في ذلك وكذلك اختلفوا في رفع اليدين عند كل تكبيرة فمنهم من رأى ذلك وهو مذهب الشافعي ومنهم من لم ير الرفع إلا في الاستفتاح فقط ومنهم من خير واختلفوا فيمن تجب عليه صلاة العيد أعني وجوب السنة فقالت طائفة يصليها الحاضر والمسافر وبه قال الشافعي والحسن البصري وكذلك قال الشافعي إنه يصليها أهل البوادي ومن لا يجمع حتى المرأة في بيتها وقال أبو حنيفة وأصحابه إنما تجب صلاة الجمعة والعيدين على أهل الأمصار والمدائن وروي عن علي أنه قال لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع وروي عن الزهري أنه قال لا صلاة فطر ولا أضحى على مسافر والسبب في هذا الاختلاف اختلافهم في قياسها على الجمعة فمن قاسها على الجمعة كان مذهبه فيها على مذهبه في الجمعة ومن لم يقسها رأى أن الأصل هو أن كل مكلف مخاطب بها حتى يثبت استثناؤه من الخطاب قال القاضي قد فرقت السنة بين الحكم للنساء في العيدين والجمعة وذلك أنه ثبت أنه عليه الصلاة والسلام أمر النساء بالخروج للعيدين ولم يأمر بذلك في الجمعة وكذلك اختلفوا في الموضع معة من الثلاثة الأميال إلى مسيرة اليوم التام واتفقوا على أن وقتها من شروق الشمس إلى الزوال واختلفوا فيمن لم يأتهم علم بأنه العيد إلا بعد الزوال فقالت طائفة ليس عليهم أن يصلوا يومهم ولا من الغد وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور وقال آخرون يخرجون إلى الصلاة في غداة ثاني العيد وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق قال أبو بكر بن المنذر وبه نقول لحديث رويناه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أمرهم أن يفطروا فإذا أصبحوا أن يعودوا إلى مصلاهم قال القاضي خرجه أبو داود إلا أنه عن صحابي مجهول ولكن الأصل فيهم رضي الله عنهم حملهم على العدالة واختلفوا إذا اجتمع في يوم واحد عيد وجمعة هل يجزىء العيد عن الجمعة فقال قوم يجزىء العيد عن الجمعة وليس عليه في ذلك اليوم إلا العصر فقط وبه قال عطاء وروي ذلك عن ابن الزبير وعلي وقال قوم هذه رخصة لأهل البوادي الذين يردون الأمصار للعيد والجمعة خاصة كما روي عن عثمان أنه خطب في يوم عيد وجمعة فقال من أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظر ومن أحب أن يرجع فليرجع وروي نحوه عن عمر بن عبد العزيز وبه قال الشافعي وقال مالك وأبو حنيفة إذا اجتمع عيد وجمعة فالمكلف مخاطب بهما جميعا العيد على أنه سنة والجمعة على أنها فرض ولا ينوب أحدهما عن الاخر وهذا هو الأصل إلا أن يثبت في ذلك شرع يجب المصير إليه