İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
فهو كخلية الطريق وإمكان المسير وعنه رواية ثالثة أن المحرم ليس بشرط في الحج الواجب قال الأثرم سمعت أحمد يسأل هل يكون الرجل محرما لأم امرأته يخرجها إلى الحج فقال أما في حجة الفريضة فأرجو لأنها تخرج إليها مع النساء ومع كل من أمنته وأما في غيرها فلا والمذهب الأول وله العمل وقال ابن سيرين ومالك والأوزاعي والشافعي ليس المحرم شرطا في حجها بحال قال ابن سرين تخرج مع رجل من المسلمين لا بأس به وقال مالك تخرج مع جماعة النساء وقال الشافعي تخرج مع حرة مسلمة ثقة وقال الأوزاعي تخرج مع قوم عدول تتخذ سلما تصعد عليه وتنزل ولا يقربها رجل إلا أنه يأخذ رأس البعير وتضع رجلها على ذراعه قال ابن المنذر تركوا القول بظاهر الحديث واشترط كل واحد منهم شرطا لا حجة معه عليه واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة وقال لعدي بن حاتم يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا جوار معها لا تخاف إلا الله ولأنه سفر واجب فلم يشترط له المحرم كالمسلمة إذا تخلصت من أيدي الكفار ولنا ما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا ومعها ذو محرم وعن ابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم فقام رجل فقال يا رسول الله إني كنت في غزوة كذا وانطلقت امرأتي حاجة فقال النبي صلى الله عليه وسلم انطلق فاحجج مع امرأتك متفق عليهما وروى ابن عمر وأبو سعيد نحوا من حديث أبي هريرة قال أبو عبد الله أما أبو هريرة فيقول يوما وليلة ويروى عن أبي هريرة لا تسافر سفرا أيضا وأما حديث أبي سعيد يقول ثلاثة أيام قلت ما تقول أنت قال لا تسافر سفرا قليلا ولا كثيرا إلا مع ذي محرم وروى الدارقطني بإسناده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم وهذا صريح في الحكم ولأنها أنشأت سفرا في دار الإسلام فلم يجز بغير محرم كحج التطوع وحديثهم محمول على الرجل بدليل أنهم اشترطوا خروج غيرها معها فجعل ذلك لغير المحرم الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثنا أولى مما اشترطوا بالتحكم من غير دليل ويحتمل أنه أراد أن الزاد والراحلة يوجب الجح مع كمال بقية الشروط ولذلك اشترطوا تخلية الطريق وإمكان المسير وقضاء الدين ونفقة العيال واشترط مالك إمكان الثبوت على الراحلة وهي غير مذكورة في الحديث واشترط كل واحد منهم في محل النزاع شرطا من عند نفسه لا من كتاب ولا من سنة فما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالاشتراط ولو قدر التعارض فحديثنا أخص وأصح وأولى بالتقديم وحديث عدي يدل على وجود السفر لا على جوازه ولذلك لم يجز في غير الحج المفروض ولم يذكر فيه خروج غيرها معها وقد اشترطوا ها هنا خروج غيرها معها وأما الأسيرة إذا تخلصت من أيدي الكفار فإن سفرها سفر ضرورة لا يقاس عليه حالة الاختيار ولذلك تخرج فيه وحدها ولأنها تدفع ضررا متيقنا يتحمل الضرر المتوهم فلا يلزم تحمل ذلك من غير ضرر أصلا فصل والمحرم زوجها أو من تحرم عليه على التأييد بنسب أو سبب مباح كأبيها وابنها وأخيها من نسب أو رضاع لما روى أبو سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو ذو محرم منها رواه مسلم قال أحمد ويكون زوج أم المرأة محرما لها يحج بها ويسافر الرجل مع أم ولد وجده فإذا كان أخوها من الرضاعة خرجت معه وقال في أم امرأته ويكون محرما فلها في حج الفرض دون غيره
قال الأثرم كأنه ذهب إلا أنها لم تذكر في قوله ولا يبدين زينتهن النور 31 الآية فأما من تحل له في حال كعبدها وزوج أختها فليسا بمحرم لها نص عليه أحمد لأنهما غير مأمونين عليها ولا تحرم عليهما على التأييد فهما كالأجنبي وقد روي عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سفر المرأة مع عبدها ضيعة أخرجه سعيد وقال الشافعي عبدها محرم لها لأنه يباح له النظر إليها فكان محرما لها كذي رحمها والأول أولى ويفارق ذا الرحم لأنه مأمون عليها وتحرم عليه على التأبيد وينتقض ما ذكروه بالقواعد من النساء وغير أولي الإربة من الرجال وأما أم الموطوءة بشبهة أو المزني بها أو ابنتهما فليس بمحرم لهما لأن تحريمهما بسبب غير مباح فلم يثبت به حكم المحرمية كالتحريم الثابت باللعان وليس له الخلوة بهما ولا النظر إليهما لذلك والكافر ليس بمحرم للمسلمة وإن كانت ابنته قال أحمد في يهودي أو نصراني أسلمت ابنته لا يزوجها ولا يسافر معها ليس هو لها بمحرم وقال أبو حنيفة والشافعي هو محرم لها لأنها محرمة عليه على التأييد ولنا أن إثبات المحرمية يقتضي الخلوة بها فيجب أن لا تثبت لكافر على مسلمة كالحضانة للطفل ولأنه لا يؤمن عليها أن يفتنها عن دينها كالطفل وما ذكروه يبطل بأم المزني بها وابنتها والمحرمة باللعان وبالمجوسي مع ابنته ولا ينبغي أن يكون في المجوسي خلاف فإنه لا يؤمن عليها ويعتقد حلها نص عليه أحمد في مواضع ويشترط في المحرم أن يكون بالغا عاقلا قيل لأحمد فيكون الصبي محرما قال لا حتى يحتلم لأنه لا يقوم بنفسه فكيف يخرج مع امرأة وذلك لأن المقصود بالمحرم حفظ المرأة ولا يحصل إلا من البالغ العاقل فاعتبر ذلك فصل ونفقة المحرم في الحج عليها نص عليه أحمد لأنه من سبيلها فكان عليها نفقته كالراحلة فعلى هذا يعتبر في استطاعتها أن تملك زادا وراحلة لها ولمحرمها فإن امتنع محرمها من الحج معها مع بذلها له نفقته فهي كمن لا محرم لها لأنها لا يمكنها الحج بغير محرم وهل يلزمه إجابتها إلى ذلك على روايتين نص عليهما والصحيح أنه لا يلزمه الحج معها لأن في الحج مشقة شديدة وكلفة عظيمة فلا تلزم أحدا لأجل غيره كما لم يلزمه أن يحج عنها إذا كانت مريضة فصل وإذا مات محرم المرأة في الطريق فقال أحمد إذا تباعدت مضت فقضت الحج قيل له قدمت من خراسان فمات وليها ببغداد فقال تمضي إلى الحج وإذا كان الفرض خاصة فهو آكد ثم قال لا بد لها من أن ترجع وهذا لأنها لا بد لها من السفر بغير محرم فمضيها إلى قضاء حجها أولى لكن إن كان حجها تطوعا وأمكنها الإقامة في بلد فهو أولى من سفرها بغير محرم فصل وليس للرجل منع امرأته من حجة الإسلام وبهذا قال النخعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وهو الصحيح من قول الشافعي وله قول آخر له منعها منه بناء على أن الحج على التراخي ولنا إنه فرض فلم يكن له منعها منه كصوم رمضان والصلوات الخمس ويستحب أن تستأذنه في ذلك نص عليه أحمد فإن أذن وإلا خرجت بغير إذنه فأما حج التطوع فله منعها منه وقال ابن المنذر أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن له منعها من الخروج إلى الحج التطوع وذلك لأن حق الزوج واجب فليس لها تفويته بما ليس بواجب كالسيد مع عبده وليس له منعها من الحج المنذور لأنه واجب عليها أشبه حجة الإسلام فصل ولا تخرج إلى الحج في عدة الوفاة نص عليه أحمد قال ولها أن تخرج إليه في عدة الطلاق المبتوت وذلك لأن لزوم المنزل والمبيت فيه واجب في عدة الوفاة وقدم على الحج لأنه يفوت والطلاق المبتوت لا يجب فيه ذلك وأما عدة الرجعية فالمرأة فيه بمنزلتها في طلب النكاح لأنها زوجة وإذا خرجت للحج فتوفي زوجها وهي قريبة رجعت لتعتد في منزلها وإن تباعدت مضت في سفرها ذكره الخرقي في موضع آخر
مسألة قال ( فمن فرط فيه حتى توفي أخرج عنه من جميع ماله حجة وعمرة ) وجملة ذلك أن من وجب عليه الحج وأمكنه فعله وجب عليه على الفور ولم يجز له تأخيره وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وقال الشافعي يجب الحج وجوبا موسعا وله تأخيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر على الحج وتخلف بالمدينة لا محاربا ولا مشغولا بشيء وتخلف أكثر الناس قادرين على الحج ولأنه إذا أخره ثم فعله في السنة الأخرى لم يكن قاضيا له دل على أن وجوبه على التراخي ولنا قول الله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا آل عمران 97 وقوله وأتموا الحج والعمرة لله البقرة 196 والأمر على الفور وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أراد الحج فليعجل رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وفي رواية أحمد وابن ماجه فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة قال أحمد ورواه الثوري ووكيع عن أبي إسرائيل عن فضيل بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أخيه الفضل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا قال الترمذي لا نعرفه إلا من هذا الوجه وفي إسناده مقال وروى سعيد بن منصور بإسناده عن عبد الرحمن ابن سابط قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه مرض حابس أو سلطان جائر أو حاجة ظاهرة فليمت على أي حال شاء يهوديا أو نصرانيا وعن عمر نحوه من قوله وكذلك عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم ولأنه أحد أركان الإسلام فكان واجبا على الفور كالصيام ولأن وجوبه بصفة التوسع يخرجه عن رتبة الواجبات لأنه يؤخر إلى غير غاية ولا يأثم بالموت قبل فعله لكونه فعل ما يجوز له فعله وليس على الموت أمارة يقدر بعدها على فعله فإنما النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة سنة ثمان وإنما أخره سنة تسع فيحتمل أنه كان له عذر من عدم الاستطاعة أو كره رؤية المشكرين عراة حول البيت فأخر الحج حتى بعث أبا بكر ينادي أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ويحتمل أنه أخره بأمر الله تعالى لتكون حجة الوداع في السنة التي استدار فيها الزمان كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ويصادف وقفة الجمعة ويكمل الله دينه ويقال إنه اجتمع يومئذ أعياد أهل كل دين ولم يجتمع قبله ولا بعده فأما تسمية فعل الحج قضاء فإنه يسمى بذلك قال الله تعالى ثم ليقضوا تفثهم الحج 29 وعلى أنه لا يلزم من الوجوب على الفور تسمية القضاء فإن الزكاة تجب على الفور ولو أخرها لا تسمى قضاء والقضاء الواجب على الفور إذا أخره لا يسمى قضاء القضاء ولو غلب على ظنه في الحج أنه لا يعيش إلى سنة أخرى لم يجز له تأخيره فلو أخره لا يسمى قضاء إذا ثبت هذا عدنا إلى شرح مسألة الكتاب فنقول متى توفي من وجب عليه الحج ولم يحج وجب أن يخرج عنه من جميع ماله ما يحج به عنه ويعتمر سواء فاته بتفريط أو بغير تفريط وبهذا قال الحسن وطاوس والشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يسقط بالموت فإن وصى بها فهي من الثلث وبهذا قال الشعبي والنخعي لأنه عبادة بدنية فتسقط بالموت كالصلاة ولنا ما روى ابن عباس أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيها مات ولم يحج قال حجي عن أبيك وعنه أن امرأة نذرت أن تحج فماتت فأتى أخوها النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك فقال أرأيت لو كان على أختك دين أما كنت قاضيه قال نعم قال فاقضوا دين الله فهو أحق بالقضاء رواهما النسائي
وروى هذا أبو داود الطيالسي عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه حق استقر عليه تدخله النيابة والعمرة كالحج فلم يسقط بالموت كالدين ويخرج عليه الصلاة فإنها لا تدخلها النيابة والعمرة كالحج في القضاء فإنها واجبة وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا رزين أن يحج عن أبيه ويعتمر ويكون ما يحج به ويعتمر من جميع ماله لأنه دين مستقر فكان من جميع المال كدين الآدمي فصل ( ويستناب من يحج عنه من حيث وجب عليه إما من بلده أو من الموضع الذي أحصر فيه وبهذا قال الحسن وإسحاق ومالك في النذر وقال عطاء في الناذر إن لم يكن نوى مكانا فمن ميقاته واختاره ابن المنذر وقال الشافعي فيمن عليه حجة الإسلام يستأجر من يحج عنه من الميقات لأن الإحرام لا يجب من دونه ولنا أن الحج واجب على الميت من بلده فوجب أن ينوب عنه منه لأن القضاء يكون على وفق الأداء كقضاء الصلاة والصيام وكذلك الحج في الحكم في حج النذر والقضاء فإن كان له وطنان استنيب من أقربهما فإن وجب عليه الحج بخراسان ومات ببغداد أو وجب عليه ببغداد فمات بخراسان فقال أحمد يحج عنه من حيث وجب عليه لا من حيث موته ويحتمل أن يحج عنه من أقرب المكانين لأنه لو كان حيا في أقرب المكانين لم يجب عليه الحج من أبعد منه فكذلك نائبه فإن أحج عنه من دون ذلك قال القاضي إن كان دون مسافة القصر أجزأه لأنه في حكم القريب وإن كان أبعد لم يجزئه لأنه لم يؤد الواجب بكماله ويحتمل أن يجزئه فيكون مسيئا كمن وجب عليه الإحرام من الميقات فأحرم من دونه فصل فإن خرج للحج فمات في الطريق حج عنه من حيث مات لأنه أسقط بعض ما وجب عليه فلم يجب ثانيا وكذلك إن مات نائبه استنيب من حيث مات لذلك ولو أحرم بالحج ثم مات صحت النيابة عنه فيما بقي من النسك سواء كان إحرامه لنفسه أو لغيره نص عليه لأنها عبادة تدخلها النيابة فإذا مات بعد فعل بعضها قضي عنه باقيها كالزكاة فصل فإن لم يخلف تركة تفي بالحج من بلده حج عنه من حيث تبلغ وإن كان عليه دين لآدمي تحاصا ويؤخذ للحج حصته فيحج بها من حيث تبلغ وقال أحمد في رجل أوصى أن يحج عنه ولا تبلغ النفقة قال يحج عنه من حيث تبلغ النفقة للراكب من غير مدينته وهذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم لأنه قال في رجل أوصى بحجة واجبة ولم يخلف ما يتم به حجة هل يحج عنه من المدينة أو من حيث تتم الحجة فقال ما يكون الحج عندي إلا من حيث وجب عليه وهذا تنبيه على سقوط عمن عليه دين لا تفي تركته به وبالحج فإنه إذا أسقطه مع عدم المعارض فمع المعارض بحق الآدمي المؤكد أولى وأحرى ويحتمل أن يسقط عمن عليه دين وجها واحدا لأن حق الآدمي المعين أولى بالتقديم لتأكده وحقه حق الله تعالى مع أنه لا يمكن أداؤه على الوجه الواجب فصل وإن أوصى بحج تطوع فلم يف ثلثه بالحج من بلده حج به من حيث بلغ أو يعان به في الحج نص عليه وقال التطوع ما يبالي من أين كان ويستناب عن الميت ثقة بأقل ما يوجد إلا أن يرضى الورثة بزيادة أو يكون قد أوصى بشيء فيجوز ما أوصى به ما لم تزد على الثلث فصل يستحب أن يحج الإنسان عن أبويه إذا كانا ميتين أو عاجزين لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا رزين فقال حج عن أبيك واعتمر و سألت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيها مات ولم يحج فقال حجي عن أبيك ويستحب البداءة بالحج عن الأم إن كان تطوعا أو واجبا عليهما نص عليه أحمد في التطوع
لأن الأم مقدمة في البر قال أبو هريرة جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من أحق الناس بحسن صحابتي قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أبوك رواه مسلم والبخاري وإن كان الحج واجبا على الأب دونها بدأ به لأنه واجب فكان أولى من التطوع وروى زيد بن أرقم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حج الرجل عن والديه يقبل منه ومنهما واستبشرت أرواحهما في السماء وكتب عند الله برا وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حج عن أبويه أو قضى عنهما مغرما بعث يوم القيامة مع الأبرار وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حج عن أبيه أو أمه فقد قضى عنه حجته وكان له فضل عشر حجج روى ذلك كله الدارقطني مسألة قال ( ومن حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه رد ما أخذ وكانت الحجة عن نفسه ) وجملة ذلك أنه ليس لمن لم يحج حجة الإسلام أن يحج عن غيره فإن فعل وقع إحرامه عن حجة الإسلام وبهذا قال الأوزاعي والشافعي وإسحاق وقال أبو بكر عبد العزيز يقع الحج باطلا ولا يصح ذلك عنه ولا عن غيره وروي ذلك عن ابن عباس لأنه لما كان من شروط طواف الزيارة تعيين النية فمتى نواه لغيره ولم ينو لنفسه لم يقع عن نفسه وقال الحسن وإبراهيم وأيوب السختياني وجعفر بن محمد ومالك وأبو حنيفة يجوز أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه وحكي عن أحمد مثل ذلك وقال الثوري إن كان يقدر على الحج عن نفسه حج نفسه وإن لم يقدر على الحج عن نفسه حج عن غيره واحتجوا بأن الحج مما تدخله النيابة فجاز أن يؤديه عن غيره من لم يسقط فرضه عن نفسه كالزكاة ولنا ما روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول لبيك عن شبرمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شبرمة قال قريب لي قال حججت قط قال لا قال فاجعل هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وهذا لفظه ولأنه حج عن غيره قبل الحج عن نفسه فلم يقع عن الغير كما لو كان صبيا ويفارق الزكاة فإنه يجوز أن ينوب عن الغير وقد بقي عليه بعضها وها هنا لا يجوز أن يحج عن الغير من شرع في الحج قبل إتمامه ولا يطوف عن غيره من لم يطف عن نفسه إذا ثبت هذا فإن عليه رد ما أخذ من النفقة لأنه لم يقع الحج عنه فأشبه ما لو لم يحج فصل وإن أحرم بتطوع أو نذر من لم يحج حجة الإسلام وقع عن حجة الإسلام وبهذا قال ابن عمر وأنس والشافعي وقال مالك والثوري وأبو حنيفة وابن المنذر يقع ما نواه وهو رواية أخرى عن أحمد وقول أبي بكر لما تقدم ولنا أنه أحرم بالحج وعليه فرضه فوقع عن فرضه كالمطلق ولو أحرم بتطوع وعليه منذورة وقعت عن المنذورة لأنها واجبة فهي كحجة الإسلام والعمرة كالحج فيما ذكرنا لأنها أحد النسكين فأشبهت الآخر والنائب كالمنوب عنه في هذا فمتى أحرم النائب بتطوع أو نذر عمن لم يحج حجة الإسلام وقعت عن حجة الإسلام لأن النائب يجري مجرى المنوب عنه وإن استناب رجلين في حجة الإسلام ومنذور أو تطوع فأيهما سبق بالإحرام وقعت حجته عن حجة الإسلام وتقع الأخرى تطوعا أو عن النذر لأنه لا يقع الإحرام عن غير حجة الإسلام ممن هي عليه فكذلك من نائبه فصل إذا كان الرجل قد أسقط فرض أحد النسكين عنه دونون الآخر جازاز أن ينوبوبن غيره فيميما أدى فرفر دون الآلآخر وليس ل لبي واواوالعبد أن ينوبا في الحج عن غيرهما لأنهما لم يسقطا فرض الحج عن أنفسهما فهما كالحر البالغ في ذلك وأولى منه
ويحتمل أن لهما النيابة في حج التطوع دون الفرض لأنهما من أهل التطوع دون الفرض ولا يمكن أن تقع الحجة التي نابا فيها عن فرضهما لكونهما ليسا من أهله فبقيت لمن فعلت عنه وعلى هذا لا يلزمهما رد ما أخذا لذلك كالبالغ الحر الذي قد حج عن نفسه فصل إذا أحرم بالمنذورة من عليه حجة الإسلام فوقعت عن حجة الإسلام فالمنصوص عن أحمد أن المنذورة لا تسقط عنه وهو قول ابن عمر وأنس وعطاء لأنها حجة واحدة فلا تجزىء عن حجتين كما لو نذر حجتين فحج واحدة ويحتمل أن يجزىء لأنه قد أتى بالحجة ناويا بها نذره فأجزأته كما لو كان ممن أسقط فرض الحج عن نفسه وقد نقل أبو طالب عن أحمد فيمن نذر أن يحج وعليه حجة مفروضة فأحرم عن النذر وقعت عن المفروض ولا يجب عليه شيء آخر وهذامثل ما لو نذر صوم يوم يقدم فلان فقدم م في يوم من رمضان فنفنواه عن فرضرضونذره علعلى رواية و وهذا قول ل ن عباس وعكعكعكرمة وروى سعيد بإسناده عن ابن عباس وعكرمة أنهما قالا في رجل نذر أن يحج ولم يكن حج الفريضة قال يجزىء لهما جميعا وسئل حجة عن نذره وعن حجة الإسلام أرأيتم لو أن رجلا نذر أن يصلي أربع ركعات فصلى العصر أليس ذلك يجزئه من العصر ومن النذر قال وذكرت قولي لابن عباس فقال أصبت أو أحسنت مسألة قال ( ومن حج وهو غير بالغ فبلغ أو عبد فعتق فعليه الحج ) قال ابن المنذر أجمع أهل العلم إلا من شذ عنهم ممن لا يعتد بقوله خلافا على أن الصبي إذا حج في حال صغره والعبد إذا حج في حال رقه ثم بلغ الصبي وعتق العبد أن عليهما حجة الإسلام إذا وجدا إليها سبيلا كذلك قال ابن عباس وعطاء والحسن والنخعي والثوري ومالك والشافعي وإسحاق أبو ثور وأصحاب الرأي قال الترمذي وقد أجمع أهل العلم عليه وقال الإمام أحمد عن محمد بن كعب القرظي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أريد أن أجدد في صدور المؤمنين عهدا أيما صبي حج به أهله فمات أجزأت عنه فإن أدرك فعليه الحج وأيما مملوك حج به أهله فمات أجزأت عنه فإن أعتق فعليه الحج رواه سعيد في سننه والشافعي في مسنده عن ابن عباس من قوله ولأن الحج عبادة بدنية فعلها قبل وقت وجوبها فلم يمنع ذلك وجوبها عليه في وقتها كما لو صلى قبل الوقت وكما لو صلى ثم بلغ في الوقت فصل فإن بلغ الصبي أو عتق العبد بعرفة أو قبلها غير محرمين فأحرما ووقفا بعرفة وأنما المناسك أجزأهما عن حجة الإسلام لا نعلم فيه خلافا لأنه لم يفتهما شيء من أركان الحج ولا فعلا شيئا منها قبل وجوبه وإن كان البلوغ والعتق وهما محرمان أجزأهما أيضا عن حجة الإسلام كذلك قال ابن عباس وهو مذهب الشافعي وإسحاق وقاله الحسن في العبد وقال مالك لا يجزئهما اختاره ابن المنذر وقال أصحاب الرأي لا يجزىء العبد فأما الصبي فإن جدد إحراما بعد أن احتلم قبل الوقوف أجزأه وإلا فلا لأن إحرامهما لم ينعقد واجبا فلا يجزىء عن الواجب كما لو بقيا على حالهما ولنا أنه أدرك الوقوف حرا بالغا فأجزأه كما لو أحرم تلك الساعة قال أحمد قال طاوس عن ابن عباس إذا عتق العبد بعرفة أجزأت عنه حجته فإن عتق بجمع لم تجزىء عنه وهؤلاء يقولون لا تجزىء ومالك يقوله أيضا وكيف لا يجزئه وهو لو أحرم تلك الساعة كان حجه تاما وما أعلم أحدا قال لا يجزئه إلا هؤلاء والحكم فيما إذا أعتق العبد وبلغ الصبي بعد خروجهما من عرفة فعادا إليها قبل طلوع الفجر ليلة النحر كالحكم فيما إذا كان ذلك فيها
لأنهما قد أدركا من الوقت ما يجزىء ولو كان لحظة وإن لم يعودا أو كان ذلك بعد طلوع الفجر من يوم النحر لم يجزئهما عن حجة الإسلام ويتمان حجهما تطوعا لفوات الوقوف المفروض ولا دم عليهما لأنهما حجا تطوعا بإحرام صحيح من الميقات فأشبها البالغ الذي يحج تطوعا فإن قيل فلم لا قلتم إن الوقوف إذا فعلاه يصير فرضا كما قلتم في الإحرام الذي أحرم به قبل البلوغ يصير بعد بلوغه فرضا قلنا إنما اعتددنا له بإحرامه الموجود بعد بلوغه وما قبل بلوغه تطوع لم ينقلب فرضا ولا اعتد له به فالوقوف مثله فنظيره أن يبلغ وهو واقف بعرفة فإنه يعتد له بما أدرك من الوقوف ويصير فرضا دون ما مضى فصل وإذا بلغ الصبي أو عتق العبد قبل الوقوف أو في وقته وأمكنهما الإتيان بالحج لزمهما ذلك لأن الحج واجب على الفور فلا يجوز تأخيره مع إمكانه كالبالغ الحر وإن فاتهما الحج لزمتهما العمرة لأنها واجبة أمكن فعلها فأشبهت الحج ومتى أمكنهما ذلك فلم يفعلا استقر الوجوب عليهما سواء كانا موسرين أو معسرين لأن ذلك وجب عليهما بإمكانه في وضعه فلم يسقط بفوات القدرة بعده فصل والحكم في الكافر يسلم والمجنون يفيق حكم الصبي في جميع ما فصلناه إلا أن هذين لا يصح منهما إحرام ولو أحرما لم ينعقد إحرامهما لأنهما من غير أهل العبادات ويكون حكمهما حكم من لم يحرم فصل وقد بقي من أحكام حج العبد أربعة فصول أحدها في حكم إحرامه الثاني في حكم نذره للحج الثالث في حكم ما يلزمه من الجنايات على إحرامه الرابع حكم إفساده وفواته الفصل الأول في إحرامه وليس للعبد أن يحرم بغير إذن سيده لأنه يفوت به حقوق سيده الواجبة عليه بالتزام ما ليس بواجب فإن فعل انعقد إحرامه صحيحا لأنها عبادة بدنية فصح من العبد الدخول فيها بغير إذن سيده كالصلاة والصوم ولسيده تحليله في إحدى الروايتين لأن في بقائه عليه تفويتا لحقه من منافعه بغير إذنه فلم يلزم ذلك سيده كالصوم المضر ببدنه وهذا اختيار ابن حامد وإذا حلله منه كان حكمه حكم المحصر والثانية ليس له تحليله وهو اختيار أبي بكر لأنه لا يمكنه التحلل من تطوعه فلم يملك تحليل عبده والأول أصح لأنه التزوم التطوع باختيار نفسه فنظيره أن يحرم عبده بإذنه وفي مسألتنا يفوت حقه الواجب بغير اختياره فأما إن أحرم بإذن سيده فليس له تحليله وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة له ذلك لأنه ملكه منافع نفسه فكان له الرجوع فيها كالمعير يرجع في العارية ولنا أنه عقد لازم عقده بإذن سيده فلم يكن لسيده منعه منه كالنكاح ولا يشبه العارية لأنها ليست لازمة ولو أعاره شيئا ليرهنه لم يكن له الرجوع فيه ولو باعه سيده بعد ما أحرم فحكم مشتريه في تحليله حكم بائعه سواء لأنه اشتراه مسلوب المنفعة أشبه الأمة المزوجة والمستأجرة فإن علم المشتري بذلك فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة فأشبه ما لو اشترى معيبا يعلم عيبه وإن لم يعلم فله الفسخ لأنه يتضرر بمضي العبد في حجه لفوات منافعه إلا أن يكون إحرامه بغير إذن سيده ونقول له تحليله فلا يملك الفسخ لأنه يمكنه دفع الضرر عنه ولو أذن له سيده في الإحرام ثم رجع قبل أن يحرم وعلم العبد برجوعه قبل الإحرام فهو كمن لم يأذن له وإن لم يعلم حتى أحرم فهل يكون حكمه حكم من أحرم بإذن سيده على وجهين بناء على الوكيل هل ينعزل بالعزل قبل العلم على روايتين الفصل الثاني إذا نذر العبد الحج صح نذره لأنه مكلف فانعقد نذره كالحر ولسيده منعه من المضي فيه لأن فيه تفويت حق سيده الواجب فمنع منه كما لو لم ينذر ذكره القاضي وابن حامد وروي عن أحمد أنه قال لا يعجبني منعه من الوفاء به وذلك لما فيه من أداء الواجب فيحتمل أن ذلك على الكراهة لا على التحريم لما ذكرنا ويحتمل التحريم لأنه واجب فلم يملك منعه منه كسائر الواجبات والأول أولى
فإن أعتق لزمه الوفاء به بعد حجة الإسلام فإن أحرم به أو لا انصرف إلى حجة الإسلام كالحر إذا نذر حجا الفصل الثالث في جناياته وما جنى على إحرامه لزمه حكمه وحكمه فيما يلزمه حكم الحر المعسر فرضه الصيام وإن تحلل بحصر عدو أو حلله سيده فعليه الصيام لا يتحلل قبل فعله كالحر وليس لسيده أن يحول بينه وبين الصوم نص عليه لأنه صوم واجب أشبه صوم رمضان فإن ملكه السيد هديا وأذن له في إهدائه وقلنا إنه يملكه فهو كالهدي الواجب لا يتحلل إلا به وإن قلنا لا يملكه ففرضه الصيام وإن أذن له سيده في تمتع أو قران فعليه الصيام بدلا عن الهدي الواجب بهما وذكر القاضي أن على سيده تحمل ذلك عنه لأنه بإذنه فكان على من أذن فيه كما لو فعله النائب بإذن المستنيب وليس بجيد لأن الحج للعبد وهذا من موجباته فيكون عليه كالمرأة إذا حجت بإذن زوجها ويفارق من حج عن غيره فإن الحج للمستنيب فموجبه عليه وإن تمتع أو قارن بغير إذن سيده فالصيام عليه بغير خلاف وإن أفسد حجه فعليه أن يصوم لذلك لأنه لا مال له فهو كالمعسر من الأحرار الفصل الرابع إذا وطىء العبد قبل التحلل الأول فسد ويلزمه المضي في فاسده كالحر لكن إن كان الإحرام مأذونا فيه فليس لسيده إخراجه منه لأنه ليس له منعه من صحيحه فلم يكن له منعه من فاسده وإن كان الإحرام بغير إذنه فله تحليله منه لأنه يملك تحليله من صحيحه فالفاسد أولى وعليه القضاء سواء كان الإحرام مأذونا فيه أو غير مأذون ويصح القضاء في حال رقه لأنه وجب فيه فصح منه الصلاة والصيام ثم إن كان الإحرام الذي أفسده مأذونا فيه فليس له منعه من قضائه لأن إذنه في الحج الأول إذن في موجبه ومقتضاه ومن موجبه القضاء لما أفسده فإن كان الأول غير مأذون فيه احتمل أن لا يملك منعه من قضائه لأنه واجب وليس للسيد منعه من الواجبات واحتمل أن له منعه منه لأنه يملك منعه من الحج الذي شرع فيه بغير إذنه فكذلك هذا فإن أعتق قبل القضاء فليس له فعله قبل حجة الإسلام لأنها آكد فإن أحرم بالقضاء انصرف إلى حجة الإسلام وبقي القضاء في ذمته وإن عتق في أثناء الحجة الفاسدة وأدرك من الوقوف ما يجزئه أجزأه القضاء عن حجة الإسلام لأن المقضي لو كان صحيحا أجزأه فكذلك قضاؤه وإن أعتق بعد ذلك لم يجزئه القضاء عن حجة الإسلام لأن المقضي لا تجزئه فكذلك قضاؤه والمدبر والمعلق عتقه بصفة وأم الولد والمعتق بعضه حكمه حكم القن فيما ذكرناه مسألة قال ( وإذا حج بالصغير جنب ما يتجنبه الكبير وما عجز عنه من عمل الحج عمل عنه ) وجملة ذلك أن الصبي يصح حجه فإن كان مميزا أحرم بإذن وليه وإن كان غير مميز أحرم عنه وليه فيصير محرما بذلك وبه قال مالك والشافعي وروي عن عطاء والنخعي وقال أبو حنيفة لا ينعقد إحرام الصبي ولا يصير محرما بإحرام وليه لأن الإحرام سبب يلزم به حكم فلم يصح من الصبي كالنذر ولنا ما روى ابن عباس قال رفعت امرأة صبيا فقالت يا رسول الله ألهذا حج قال نعم ولك أجر رواه مسلم وغيره من الأئمة وروى البخاري عن السائب بن يزيد قال حج بي مع النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن سبع سنين ولأن أبا حنيفة قال يجتنب ما يجتنبه المحرم ومن اجتنب ما يجتنبه المحرم كان إحرامه صحيحا والنذر لا يجب به شيء بخلاف مسألتنا والكلام في حج الصبي في فصول أربعة في الإحرام عنه أو منه وفيما يفعله بنفسه أو بغيره وفي حكم جناياته على إحرامه وفيما يلزمه من القضاء والكفارة الفصل الأول في الإحرام عنه إن كان مميزا أحرم بإذن وليه وإن أحرم بدون إذنه لم يصح
لأن هذا عقد يؤدي إلى لزوم مال فلم ينعقد من الصبي بنفسه كالبيع وإن كان غير مميز فأحرم عنه من له ولاية على ماله كالأب والوصي وأمين الحاكم صح ومعنى إحرامه عنه أنه يعقد له الإحرام فيصح للصبي دون الولي كما يعقد النكاح له فعلى هذا يصح أن يعقد الإحرام عنه سواء كان محرما أو حلالا ممن عليه حجة الإسلام أو كان قد حج عن نفسه فإن أحرمت أمه عنه صح لقول النبي صلى الله عليه وسلم ولك أجر ولا يضاف الأجر إليها إلا لكونه تبعا لها في الإحرام قال الإمام أحمد في رواية حنبل يحرم عنه أبوه أو وليه واختاره ابن عقيل وقال المال الذي يلزم بالإحرام لا يلزم الصبي وإنما يلزم من أدخله في الإحرام في أحد الوجهين وقال القاضي ظاهر كلام أحمد أنه لا يحرم عنه إلا وليه لأنه لا ولاية للأم على ماله والإحرام يتعلق به إلزام مال فلا يصح من غير ذي ولاية كشراء شيء له فأما غير الأم والولي من الأقارب كالأخ والعم وابنه فيخرج فيهم وجهان بناء على القول في الأم أما الأجانب فلا يصح إحرامهم عنه وجها واحدا الفصل الثاني أن كل ما أمكنه فعله بنفسه لزمه فعله ولا ينوب غيره عنه فيه كالوقوف والمبيت بمزدلفة ونحوهما وما عجز عنه عمله الولي عنه قال جابر خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاجا ومعنا النساء والصبيان فأحرمنا عن الصبيان رواه سعيد في سننه ورواه ابن ماجه في سننه فقال فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم ورواه الترمذي قال فكنا نلبي عن النساء ونرمي عن الصبيان قال ابن المنذر كل من حفظت عنه من أهل العلم يرى الرمي عن الصبي الذي لا يقدر على الرمي كان ابن عمر يفعل ذلك وبه قال عطاء والزهري ومالك والشافعي وإسحاق وعن ابن عمر أنه كان يحج صبيانه وهم صغار فمن استطاع منهم أن يرمي رمى ومن لم يستطع أن يرمي رمى عنه وعن أبي إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه طاف بابن الزبير في خرقة رواهما الأثرم قال الإمام أحمد يرمي عن الصبي أبواه أو وليه قال القاضي إن أمكنه أن يناول النائب الحصى ناوله وإن لم يمكنه استحب أن يوضع الحصى في يده فيرمي عنه وإن وضعها في يد الصغير ورمى بها فجعل يده كالآلة فحسن ولا يجوز أن يرمي عنه إلا من قد رمى عن نفسه لأنه لا يجوز أن ينوب عن الغير وعليه فرض نفسه وأما الطواف فإنه إن أمكنه المشي مشى وإلا طيف به محمولا أو راكبا فإن أبا بكر طاف بابن الزبير في خرقة ولأن الطواف بالكبير محمولا لعذر يجوز فالصغير أولى ولا فرق بين أن يكون الحامل له حلالا أو حراما ممن أسقط الفرض عن نفسه أو لم يسقطه لأن الطواف للمحمول لا للحامل ولذلك صح أن يطوف راكبا على بعير وتعتبر النية في الطائف به فإن لم ينو الطواف عن الصبي لم يجزئه لأنه لما لم يعتبر النية من الصبي اعتبرت من غيره كما في الإحرام فإن نوى الطواف عن نفسه وعن الصبي احتمل وقوعه عن نفسه كالحج إذا نوى به عن نفسه وغيره واحتمل أن يقع عن الصبي كما لو طاف بكبير ونوى كل واحد منهما عن نفسه لكون المحمول أولى واحتمل أن يلغو لعدم التعيين لكون الطواف لا يقع عن غير معين وأما الإحرام فإن الصبي يجرد كما يجرد الكبير وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تجرد الصبيان إذا دنوا من الحرم قال عطاء يفعل بالصغير كما يفعل الكبير ويشهد به المناسك كلها إلا أنه لا يصلي عنه الفصل الثالث في محظورات الإحرام
وهي قسمان ما يختلف عمده وسهوه كاللباس والطيب وما لا يختلف كالصيد وحلق الشعر وتقليم الأظفار ( فالأول ) لا فدية على الصبي فيه لأن عمده خطأ ( والثاني ) عليه فيه الفدية وإن وطىء أفسد حجه ويمضي في فاسده وفي القضاء عليه وجهان ( أحدهما ) لا يجب لئلا تجب عبادة بدنية على من ليس من أهل التكليف ( والثاني ) يجب لأنه إفساد موجب للفدية فأوجب القضاء كوطء البالغ فإن قضى بعد البلوغ بدأ بحجة الإسلام فإن أحرم بالقضاء قبلها انصرف إلى حجة الإسلام وهل تجزئه عن القضاء ينظر فإن كانت الفاسدة قد أدرك فيها شيئا من الوقوف بعد بلوغه أجزأ عنهما جميعا وإلا لم يجزئه كما قلنا في العبد على ما مضى الفصل الرابع فيما يلزمه من الفدية قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن جنايات الصبيان لازمة لهم في أموالهم وذكر أصحابنا في الفدية التي تجب بفعل الصبي وجهين أحدهما هي في ماله لأنها وجبت بجنايته أشبهت الجناية على الآدمي والثاني على الولي وهو قول مالك لأنه حصل بعقده أو إذنه فكان عليه كنفقة حجه فأما النفقة فقال القاضي ما زاد على نفقة الحضر ففي مال الولي لأنه كلفه ذلك ولا حاجة به إليه وهذا اختيار أبي الخطاب وحكى عن القاضي أنه ذكر في الخلاف أن النفقة كلها على الصبي لأن الحج له فنفقته عليه كالبالغ ولأن فيه مصلحة له بتحصيل الثواب له ويتمرن عليه فصار كأجر المعلم والطبيب والأول أولى فإن الحج لا يجب في العمر إلا مرة ويحتمل أن لا يجب فلا يجوز تكليفه بذل ماله من غير حاجة للتمرن عليه والله أعلم فصل إذا أغمي على بالغ لم يصح أن يحرم عنه رفيقه وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة يصح ويصير محرما بإحرام رفيقه عنه استحسانا لأن ذلك معلوم من قصده ويلحقه مشقة في تركه فأجزأ عنه إحرام غيره ولنا أنه بالغ فلم يصر محرما بإحرام غيره كالنائم ولو أنه أذن في ذلك وأجازه لم يصح فمع عدم هذا أولى أن لا يصح مسألة قال ( ومن طيف به محمولا كان الطواف له دون حامله ) أما إذا طيف به محمولا لعذر فلا يخلو إما أن يقصدا جميعا عن المحمول فيصح عنه دون الحامل بغير خلاف نعلمه أو يقصدا جميعا عن الحامل فيقع عنه أيضا ولا شيء للمحمول أو يقصد كل واحد منهما الطواف عن نفسه فإنه يقع للمحمول دون الحامل وهذا أحد قولي الشافعي والقول الآخر يقع للحامل لأنه الفاعل وقال أبو حنيفة يقع لهما لأن كل واحد منهما طائف بنية صحيحة فأجزأ الطواف عنه كما لو لم ينو صاحبه شيئا ولأنه لو حمله بعرفات لكان الوقوف عنهما كذا ها هنا وهذا القول حسن ووجه الأول أنه طواف أجزأه عن المحمول فلم يقع عن الحامل كما لو نويا جميعا المحمول ولأنه طواف واحد فلا يقع عن شخصين والراكب لا يقع طوافه إلا عن واحد وأما إذا حمله في عرفة فما حصل الوقوف بالحمل فإن المقصود الكون في عرفات وهما كائنان بها والمقصود ها هنا الفعل وهو واحد فلا يقع عن شخصين ووقوعه عن المحمول أولى لأنه لم ينو بطوافه إلا لنفسه والحامل لم يخلص قصده بالطواف لنفسه فإنه لو لم يقصد الطواف بالمحمول لما حمله فإن تمكنه من الطواف يقف على حمله فصار المحمول مقصودا لهما ولم يخلص قصد الحامل لنفسه فلم يقع عنه لعدم التعيين وقال أبو حفص العبكري في شرحه لا يجزىء الطواف عن واحد منهما لأن فعلا واحدا لا يقع عن اثنين وليس أحدهما أولى به من الآخر وقد ذكرنا أن المحمول به أولى لخلوص نيته لنفسه وقصد الحامل له ولا يقع عن الحامل لعدم التعيين فإن نوى أحدهما نفسه دون الآخر صح الطواف له وإن عدمت النية منهما أو نوى كل واحد منهما الآخر لم يصح لواحد منهما باب ذكر المواقيت
مسألة قال أبو القاسم رحمه الله وميقات أهل المدينة من ذي الحليفة وأهل الشام ومصر والمغرب من الجحفة وأهل اليمن من يلملم وأهل الطائف ونجد من قرن وأهل المشرق من ذات عرق ) وجملة ذلك أن المواقيت المنصوص عليها الخمسة التي ذكرها الخرقي رحمه الله وقد أجمع أهل العلم على أربعة منها وهي ذو الحليفة والجحفة وقرن ويلملم واتفق أئمة النقل على صحة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فمن ذلك ما روى ابن عباس قال وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن ولأهل اليمن يلملم قال فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد الحج والعمرة فمن كان دونهن فمهله من أهله وكذلك أهل مكة يهلون منها وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يهل أهل المدينة من ذي الحليفة وأهل الشام من الجحفة وأهل نجد من قرن قال ابن عمر وذكر لي ولم أسمعه أنه قال وأهل اليمن من يلملم متفق عليهما فأما ذات عرق فميقات أهل المشرق في قول أكثر أهل العلم وهو مذهب مالك وأبي ثور وأصحاب الرأي وقال ابن عبد البر أجمع أهل العلم على أن إحرام العراقي من ذات عرق إحرام من الميقات وروي عن أنس أنه كان يحرم من العقيق واستحسنه الشافعي وابن المنذر وابن عبد البر وكان الحسن بن صالح يحرم من الربذة وروي ذلك عن خصيف والقاسم بن عبد الرحمن وقد روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق العقيق قال الترمذي وهو حديث حسن قال ابن عبد البر العقيق أولى وأحوط من ذات عرق وذات عرق ميقاتهم بإجماع واختلف أهل العلم فيمن وقت ذات عرق فروى أبو داود والنسائي وغيرهما بإسنادهم عن القاسم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق وعن أبي الزبير أنه سمع جابرا سئل عن المهل قال سمعته وأحسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول مهل أهل المدينة من ذي الحليفة والطريق الآخر من الجحفة ومهل أهل العراق من ذات عرق ومهل أهل نجد من قرن رواه مسلم في صحيحه وقال قوم آخرون إنما وقتها عمر رضي الله عنه فروى البخاري بإسناده عن ابن عمر قال لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرنا وهو جور عن طريقنا وإنا إن أردنا قرنا شق علينا قال فانظروا حذوها من طريقكم فحد لهم ذات عرق ويجوز أن يكون عمر ومن سأله لم يعلموا توقيت النبي صلى الله عليه وسلم ذات عرق فقال ذلك برأيه فأصاب ووافق قول النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان كثير الإصابة رضي الله عنه وإذا ثبت توقيتها عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عمر فالإحرام منه أولى إن شاء الله تعالى فصل وإذا كان الميقات قرية فانتقلت إلى مكان آخر فموضع الإحرام من الأولى وإن انتقل الاسم إلى الثانية لأن الحكم تعلق بذلك الموضع فلا يزول بخرابه وقد رأى سعيد بن جبير رجلا يريد أن يحرم من ذات عرق فأخذ بيده حتى خرج به من البيوت وقطع الوادي فأتى به المقابر فقال هذه ذات عرق الأولى مسألة قال ( وأهل مكة إذا أرادوا العمرة فمن الحل وإذا أرادوا الحج فمن مكة ) أهل مكة ومن كان بها سواء كان مقيما بها أو غير مقيم
لأن كل من أتى على ميقات كان ميقاتا له وكذلك كل من كان بمكة فهي ميقاته للحج وإن أراد العمرة فمن الحل لا نعلم في هذا خلافا ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم متفق عليه وكانت بمكة يومئذ والأصل في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم حتى أهل مكة يهلون منها يعني للحج وقال أيضا ومن كان أهله دون الميقات فمن حيث ينشىء حتى يأتي ذلك على أهل مكة وهذا في الحج فأما في العمرة فميقاتها في حقهم الحل من أي جوانب الحرم شاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإعمار عائشة من التنعيم وهو أدنى الحل إلى مكة وقال ابن سيرين بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل مكة التنعيم وقال ابن عباس يا أهل مكة من أتى منكم العمرة فليجعل بينه وبينها بطن محسر يعني إذا أحرم بها من ناحية المزدلفة وإنما لزم الإحرام من الحل ليجمع في النسك بين الحل والحرم فإنه لو أحرم من الحرم لما جمع بينهما فيه لأن أفعال العمرة كلها في الحرم بخلاف الحج فإنه يفتقر إلى الخروج إلى عرفة فيجتمع له الحل والحرم والعمرة بخلاف ذلك ومن أي الحل أحرم جاز وإنما أعمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة من التنعيم لأنها أقرب الحل إلى مكة وقد روي عن أحمد في المكي كلما تباعد في العمرة فهو أعظم للأجر هي على قدر تعبها وأما إن أراد المكي الإحرام بالحج فمن مكة للخبر الذي ذكرنا ولأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما فسخوا الحج أمرهم فأحرموا من مكة قال جابر أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم لما حللنا أن نحرم إذا توجهنا من الأبطح رواه مسلم وهذا يدل على أنه لا فرق بين قاطني مكة وبين غيرهم ممن هو بها كالمتمتع إذا حل ومن فسخ حجه بها ونقل عن أحمد فيمن اعتمر في أشهر الحج من أهل مكة أنه يهل بالحج من الميقات فإن لم يفعل فعليه دم والصحيح خلاف هذا لما دلت عليه الأحاديث الصحيحة ويحتمل أن أحمد إنما أراد أن المتمتع يسقط عنه الدم إذا خرج إلى الميقات ولا يسقط إذا أحرم من مكة وهذا في غير المكي أما المكي فلا يجب عليه دم متعة بحال لقول الله تعالى ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام البقرة 196 وذكر القاضي فيمن دخل مكة يحج عن غيره ثم أراد أن يعتمر بعده لنفسه أو دخل يحج لنفسه ثم أراد أن يعتمر لغيره أو دخل بعمرة لنفسه ثم أراد أن يحج أو يعتمر لغيره أو دخل بعمرة لغيره ثم أراد أن يحج أو يعتمر لنفسه أنه في جميع ذلك يخرج إلى الميقات فيحرم منه فإن لم يفعل فعليه دم قال وقد قال أحمد في رواية عبد الله إذا اعتمر عن غيره ثم أراد الحج لنفسه يخرج إلى الميقات أو اعتمر عن نفسه يخرج إلى الميقات وإن دخل مكة بغير إحرام ثم أراد الحج يخرج إلى الميقات واحتج له القاضي بأنه جاوز الميقات مريدا للنسك غير محرم لنفسه فلزمه دم إذا أحرم دونه كمن جاوز الميقات غير محرم وعلى هذا لو حج عن شخص واعتمر عن آخر أو اعتمر عن إنسان ثم حج أو اعتمر عن آخر فكذلك وظاهر كلام الخرقي أنه لا يلزمه الخروج إلى الميقات في هذا كله لما ذكرنا من أن كل من كان بمكة كالقاطن بها وهذا حصل بمكة على وجه مباح فأشبه المكي وما ذكره القاضي تحكم لا يدل عليه خبر ولا يشهد له أثر وما ذكره من المعنى فاسد لوجوه أحدها أنه لا يلزم أن يكون مريدا للنسك عن نفسه حال مجاوزة الميقات فإنه قد يبدو له بعد ذلك والثاني أن هذا لا يتناول من أحرم عن غيره والثالث أنه لو وجب بهذا الخروج إلى الميقات للزم المتمتع والمفرد لأنهما تجاوزا الميقات مريدين لغير النسك الذي أحرما به
والرابع أن المعنى في الذي يجاوز الميقات غير محرم أنه فعل ما لا يحل له فعله وترك الإحرام الواجب عليه في موضعه فأحرم من دونه فصل ومن أي الحرم أحرم بالحج جاز لأن المقصود من الإحرام به الجمع في النسك بين الحل والحرم وهذا يحصل بالإحرام من أي موضع كان فجاز كما يجوز أن يحرم بالعمرة من أي موضع كان من الحل ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع إذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى فأهلوا من البطحاء ولأن ما اعتبر فيه الحرم استوت فيه البلدة وغيرها كالنحر فصل فإن أحرم من الحل نظرت فإن أحرم من الحل الذي يلي الموقف فعليه دم لأنه أحرم من دون الميقات وإن أحرم من الجانب الآخر ثم سلك الحرم فلا شيء عليه نص عليه أحمد في رجل أحرم للحج من التنعيم فقال ليس عليه شيء وذلك لأنه أحرم قبل ميقاته فكان كالمحرم قبل بقية المواقيت ولو أحرم من الحل ولم يسلك الحرم فعليه دم لأنه لم يجمع بين الحل والحرم فصل وإن أحرم بالعمرة م الحرم انعقد إحرامه بها وعليه دم لتركه الإحرام من الميقات ثم إن خرج إلى الحل قبل الطواف ثم عاد أجزأه لأنه قد جمع بين الحل والحرم وإن لم يخرج حتى قضى عمرته صح أيضا لأنه قد أتى بأركانها وإنما أخل بالإحرام من ميقاتها وقد جبره فأشبه من أحرم من دون الميقات بالحج وهذا قول أبي ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وأحد قولي الشافعي والقول الثاني لا تصح عمرته لأنه نسك فكان من شرطه الجمع بين الحل والحرم كالحج فعلى هذا وجود هذا الطواف كعدمه وهو باق على إحرامه حتى يخرج إلى الحل ثم يطوف بعد ذلك ويسعى وإن حلق قبل ذلك فعليه دم وكذلك كل ما فعله من محظورات إحرامه فعليه فديته وإن وطىء أفسد عمرته ويمضي في فاسدها وعليه دم لإفسادها ويقضيها بعمرة من الحل ثم إن كانت العمرة التي أفسدها عمرة الإسلام أجزأه قضاؤها عن عمرة الإسلام وإلا فلا مسألة قال ( ومن كان منزله دون الميقات فميقاته من موضعه ) يعني إذا كان مسكنه أقرب إلى مكة من الميقات كان ميقاته مسكنه هذا قول أكثر أهل العلم وبه يقول مالك وطاوس والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وعن مجاهد قال يهل من مكة ولا يصح فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث ابن عباس فمن كان دونهن مهله من أهله هذا صريح والعمل به أولى فصل إذا كان مسكنه قرية فالأفضل أن يحرم من أحد جانبيها وإن أحرم من أقرب إلى جانبيها جاز وهكذا القول في المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كانت قرية والحلة كالقرية فيما ذكرنا وإن كان مسكنه منفردا فميقاته مسكنه أو حذوه وكل ميقات فحذوه بمنزلته ثم إن كان مسكنه في الحل فإحرامه منه للحج والعمرة معا وإن كان في الحرم فإحرامه للعمرة من الحل ليجمع في النسك بين الحل والحرم كالمكي وأما الحج فينبغي أن يجوز له الإحرام من أي الحرم شاء كالمكي مسألة قال ( ومن لم يكن طريقه على ميقات فإذا حاذى أقرب المواقيت إليه أحرم ) وجملة ذلك أن من سلك طريقا بين ميقاتين فإنه يجتهد حتى يكون إحرامه بحذو الميقات الذي هو إلى طريقه أقرب لما روينا أن أهل العراق قالوا لعمر إن قرنا جور عن طريقنا فقال انظروا حذوها من طريقكم فوقت لهم ذات عرق ولأن هذا مما يعرف بالاجتهاد والتقدير فإذا اشتبه دخله الاجتهاد كالقبلة
فصل فإن لم يعرف حذو الميقات المقارب لطريقه احتاط فأحرم من بعد بحيث يتيقن أنه لم يجاوز الميقات إلا محرما لأن الإحرام قبل الميقات جائز وتأخيره عنه لا يجوز فالاحتياط فعل ما لا شك فيه ولا يلزمه الإحرام حتى يعلم أنه قد حاذاه لأن الأصل عدم وجوبه فلا يجب بالشك فإن أحرم ثم علم بعد أنه قد جاوز ما يحاذيه من المواقيت غير محرم فعليه دم وإن شك في أقرب الميقاتين إليه فالحكم في ذلك على ما ذكرنا في المسألة قبلها وإن كانتا متساويتين في القرب إليه أحرم من حذو أبعدهما مسألة قال ( وهذه المواقيت لأهلها ولمن مر عليها من غير أهلها ممن أراد حجا أو عمرة ) وجملة ذلك أن من سلك طريقا فيها ميقات فهو ميقاته فإذا حج الشامي من المدينة فمر بذي الحليفة فهي ميقاته وإن حج من اليمن فميقاته يلملم وإن حج من العراق فميقاته ذات عرق وهكذا كل من مر على ميقات غير ميقات بلده صار ميقاتا له سئل أحمد عن الشامي يمر بالمدينة يريد الحج من أين يهل قال من ذي الحليفة قيل فإن بعض الناس يقول يهل من ميقاته من الجحفة فقال سبحان الله أليس يروي ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن وهذا قول الشافعي وإسحاق وقال أبو ثور في الشامي يمر بالمدينة له أن يحرم من الجحفة وهو قول أصحاب الرأي وكانت عائشة إذا أرادت الحج أحرمت من ذي الحليفة وإذا أرادت العمرة أحرمت من الجحفة ولعلهم يحتجون بأن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل الشام الجحفة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ولأنه ميقات فلم يجز تجاوزه بغير إحرام لمن يريد النسك كسائر المواقيت وخبرهم أريد به من لم يمر على ميقات آخر بدليل ما لو مر بميقات غير ذي الحليفة لم يجز له تجاوزه بغير إحرام بغير خلاف وقد روى سعيد عن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لمن ساحل من أهل الشام الجحفة ولا فرق بين الحج والعمرة في هذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم فهن لهن ولمن أتى عليهم من غير أهلهن ممن كان يريد حجا أو عمرة فصل فإن مر من غير طريق ذي الحليفة فميقاته الجحفة سواء كان شاميا أو مدنيا لما روى أبو الزبير أنه سمع جابرا يسأل عن المهل فقال سمعته أحسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول مهل أهل المدينة من ذي الحليفة والطريق الآخر من الجحفة رواه مسلم ولأنه مر على أحد المواقيت دون غيره فلم يلزمه الإحرام قبله كسائر المواقيت ويحتمل أن أبا قتادة حين أحرم أصحابه دونه في قصة صيده للحمار الوحشي إنما ترك الإحرام لكونه لم يمر على ذي الحليفة فأخر إحرامه إلى الجحفة إذ لو مر عليها لم يجز له تجاوزها من غير إحرام ويمكن حمل حديث عائشة في تأخيرها إحرام العمرة إلى الجحفة على هذا وأنها لا تمر في طريقها على ذي الحليفة لئلا يكون فعلها مخالفا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ولسائر أهل العلم مسألة قال ( والاختيار أن لا يحرم قبل ميقاته فإن فعل فهو محرم ) ( لا خلاف في أن من أحرم قبل الميقات يصير محرما تثبت في حقه أحكام الإحرام قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم ولكن الأفضل الإحرام من الميقات ويكره قبله روي نحو ذلك عن عمر وعثمان وبه قال الحسن وعطاء ومالك وإسحاق وقال أبو حنيفة الأفضل الإحرام من بلده وعن الشافعي كالمذهبين وكان علقمة والأسود وعبد الرحمن وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم
واحتجوا بما روت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أو وجبت له الجنة شك عبد الله أيهما قال رواه أبو داود وفي لفظ رواه ابن ماجه من أهل بعمرة من بيت المقدس غفر له وأحرم ابن عمر من إيليا وروى النسائي وأبو داود بإسناديهما عن الضبي بن معبد قال أهللت بالحج والعمرة فلما أتيت العذيب لقيني سليمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وأنا أهل بهما فقال أحدهما ما هذا بأفقه من بعيره فأتيت عمر فذكرت له ذلك فقال هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم وهذا إحرام به قبل الميقات وروي عن عمر وعلي رضي الله عنهما في قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله البقرة 196 إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحرموا من الميقات ولا يفعلون إلا الأفضل فإن قيل إنما فعل هذا لتبيين الجوا قلنا قد حصل بيان الجواز بقوله كما في سائر المواقيت ثم لو كان كذلك لكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يحرمون من بيوتهم ولما تواطؤوا على ترك الأفضل واختيار الأدنى وهم أهل التقوى والتفضل وأفضل الخلق ولهم من الحرص على الفضائل والدرجات ما لهم وقد روى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أيوب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمتع أحدكم بحله ما استطاع فإنه لا يدري ما يعرض له في إحرامه وروى الحسن أن عمران بن حصين أحرم من مصره فبلغ ذلك عمر فغضب وقال يتسامع الناس أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم من مصره وقال إن عبد الله بن عامر أحرم من خراسان فلما قدم على عثمان لامه فيما صنع وكرهه له رواهما سعيد والأثرم قال البخاري كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان ولأنه أحرم قبل الميقات فكره كالإحرام بالحج قبل أشهره ولأنه تغرير بالإحرام وتعرض لفعل محظوراته وفيه مشقة على النفس فكره كالوصال في الصوم قال عطاء انظروا هذه المواقيت التي وقتت لكم فخذوا برخصة الله فيها فإنه عسى أن يصيب أحدكم ذنبا في إحرامه فيكون أعظم لوزره فإن الذنب في الإحرام أعظم من ذلك فأما حديث الإحرام من بيت المقدس ففيه ضعف يرويه ابن أبي فديك ومحمد بن إسحاق وفيهما مقال ويحتمل اختصاص هذا ببيت المقدس دون غيره ليجمع بين الصلاة في المسجدين في إحرام واحدولذلك أحرم ابن عمر منه ولم يكن يحرم من غيره إلا من الميقات وقول عمر للضبي هديت لسنة نبيك يعني في القران فالجمع بين الحج والعمرة لا في الإحرام من قبل الميقات فإن سنة النبي صلى الله عليه وسلم الإحرام من الميقات بين ذلك بفعله وقوله وقد بين أنه لم يرد ذلك إنكاره على عمران بن حصين إحرامه من مصره وأما قول عمر وعلي فإنهما قالا إتمام العمرة أن تنشئها من بلدك ومعناه أن تنشىء لها سفرا من بلدك تقصد له ليس أن تحرم بها من أهلك قال أحمد كان سفيان يفسره بهذا وكذلك فسره به أحمد ولا يصح أن يفسر بنفس الإحرام فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما أحرموا بها من بيوتهم وقد أمرهم الله بإتمام العمرة فلو حمل قولهم على ذلك لكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه تاركين لأمر الله ثم إن عمر وعليا ما كانا يحرمان إلا من الميقات أفتراهما يريان أن ذلك ليس بإتمام لها ويفعلانه هذا لا ينبغي أن يتوهمه أحد ولذلك أنكر عمر على عمران إحرامه من مصره واشتد عليه وكره أن يتسامع الناس مخافة أن يؤخذ به أفتراه كره إتمام العمرة واشتد عليه أن يأخذ الناس بالأفضل هذا لا يجوز فيتعين حمل قولهما في ذلك على ما حمله عليه الأئمة والله أعلم
مسألة قال ( ومن أراد الإحرام فجاوز الميقات غير محرم رجع فأحرم من الميقات فإن أحرم من مكانه فعليه دم وإن رجع محرما إلى الميقات ) وجملة ذلك أن من جاوز الميقات مريدا للنسك غير محرم فعليه أن يرجع إليه ليحرم منه إن أمكنه سواء تجاوزه عالما به أو جاهلا علم تحريم ذلك أو جهله فإن رجع إليه فأحرم منه فلا شيء عليه لا نعلم في ذلك خلافا وبه يقول جابر بن زيد والحسن وسعيد بن جبير والثوري والشافعي وغيرهم لأنه أحرم من الميقات الذي أمر بالإحرام منه فلم يلزمه شيء كما لو لم يتجاوزه وإن أحرم من دون الميقات فعليه دم سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع وبهذا قال مالك وابن المبارك وظاهر مذهب الشافعي أنه إن رجع إلى الميقات فلا شيء عليه إلا أن يكون قد تلبس بشيء من أفعال الحج كالوقوف وطواف القدوم فيستقر الدم عليه لأنه محصل محرما في الميقات قبل التلبس بأفعال الحج فلم يلزمه دم كما لو أحرم منه وعن أبي حنيفة إن رجع إلى الميقات فلبى سقط عنه الدم وإن لم يلب لم يسقط وعن عطاء والحسن والنخعي لا شيء على من ترك الميقات وعن سعيد بن جبير لا حج لمن ترك الميقات ولنا ما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ترك نسكا فعليه دم روي موقوفا ومرفوعا ولأنه أحرم دون ميقاته فاستقر عليه الدم كما لو لم يرجع أو كما لو طاف عند الشافعي أو كما لو لم يلب عند أبي حنيفة ولأنه ترك الإحرام من ميقاته فلزمه الدم كما ذكرنا ولأن الدم وجب لتركه الإحرام من الميقات ولا يزول هذا برجوعه ولا بتلبيته وفارق ما إذا رجع قبل إحرامه فأحرم منه فإنه لم يترك الإحرام منه ولم يهتكه فصل ولو أفسد المحرم من دون الميقات حجه لم يسقط عنه الدم وبه قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وقال الثوري وأصحاب الرأي يسقط لأن القضاء واجب ولنا أنه واجب عليه بموجب هذا الإحرام فلم يسقط بوجوب القضاء كبقية المناسك وكجزاء الصيد فصل فأما المجاوز للميقات ممن لا يريد النسك فعلى قسمين أحدهما لا يريد دخولول الحرم بل ل يريد حاجاجفيما سواه ه فهذا لا يلزمه الإحرارا بغير خلالاف ولا ا ا شيء عليه في ترك الإحرام وقد أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بدرا مرتين وكانوا يسافرون للجهاد وغيره فيمرون بذي الحليفة فلا يحرمون ولا يرون بذلك بأسا ثم متى بدا لهذا الإحرام وتجدد له العزم عليه أحرم من موضعه ولا شيء عليه هذا ظاهر كلام الخرقي وبه يقول مالك والثوري والشافعي وصاحبا أبي حنيفة وحكى ابن المنذر عن أحمد في الرجل يخرج لحاجة وهو لا يريد الحج فجاوز ذا الحليفة ثم أراد الحج يرجع إلى ذي الحليفة فيحرم وبه قال إسحاق ولأنه أحرم من دون الميقات فلزمه الدم كالذي يريد دخول الحرم والأول أصح وكلام أحمد يحمل على من يجاوز الميقات ممن يجب عليه الإحرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد حجا أو عمرة ولأنه حصل دون الميقات على وجه مباح فكان له الإحرام منه كأهل ذلك المكان ولأن هذا القول يفضي إلى أن من كان منزله دون الميقات إذا خرج إلى الميقات ثم عاد إلى منزله وأراد الإحرام لزمه الخروج إلى الميقات ولا قائل به وهو مخالف لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان منزله دون الميقات فمهله من أهله
القسم الثاني من يريد دخول الحرم إما إلى مكة أو غيرها فهم على ثلاثة أضرب أحدها من يدخلها لقتال مباح أو من خوف أو لحاجة متكررة كالحشاش والحطاب وناقل الميرة والفيح ومن كانت له ضيعة يتكرر دخوله وخروجه إليها فهؤلاء لا إحرام عليهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح مكة حلالا وعلى رأسه المغفر وكذلك أصحابه ولم نعم أحرم يومئذ ولو أوجبنا الإحرام على كل من يتكرر دخوله أفضى إلى أن يكون جميع زمانه محرما فسقط للحرج وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يجوز لأحد دخول الحرم بغير إحرام إلا من كان دون الميقات لأنه يجاوز الميقات مريدا للحرم فلم يجز بغير إحرام كغيره ولنا ما ذكرناه وقد روى الترمذي أن النبي دخل يوم الفتح مكة وعلى رأسه عمامة سوداء وقال هذا حديث حسن صحيح ومتى أراد هذا النسك بعد مجاوزة الميقات أحرم من موضعه كالقسم الذي قبله وفيه الخلاف ما فيه النوع الثاني من لا يكلف الحج كالعبد والصبي والكافر إذا أسلم بعد مجاوزة الميقات أو عتق العبد وبلغ الصبي وأرادوا الإحرام فإنهم يحرمون من موضعهم ولا دم عليهم وبهذا قال عطاء ومالك والثوري والأوزاعي وإسحاق وهو قول أصحاب الرأي في الكافر يسلم والصبي يبلغ وقالوا في العبد عليه دم وقال الشافعي في جميعهم على كل واحد منهم دم وعن أحمد في الكافر يسلم كقوله ويتخرج في الصبي والعبد كذلك قياسا على الكافر يسلم لأنهم تجاوزوا الميقات بغير إحرام وأحرموا دونه فلزمهم الدم كالمسلم البالغ العاقل ولنا أنهم أحرموا من الموضع الذي وجب عليهم الإحرام منه فأشبهوا المكي ومن قريته دون الميقات إذا أحرم منها وفارق من يجب عليه الإحرام إذا تركه لأنه ترك الواجب عليه النوع الثالث المكلف الذي يدخل لغير قتال ولا حاجة متكررة فلا يجوز له تجاوز الميقات غير محرم وبه قال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وقال بعضهم لا يجب الإحرام عليه وعن أحمد ما يدل على ذلك وقد روي عن ابن عمر أنه دخلها بغير إحرام ولأنه أحد الحرمين فلم يلزم الإحرام لدخوله كحرم المدينة ولأن الوجوب من الشرع ولم يرد من الشارع إيجاب ذلك على كل داخل فبقي على الأصل ووجه الأولى أنه لو نذر دخولها لزمه الإحرام ولو لم يكن واجبا لم يجب بنذر الدخول كسائر البلدان إذا ثبت هذا فمتى أراد هذا الإحرام بعد تجاوز الميقات رجع فأحرم منه فإن أحرم من دونه فعليه دم كالمريد للنسك فصل ومن دخل الحرم بغير إحرام ممن يجب عليه الإحرام فلا قضاء عليه وهذا قول الشافعي وقال أبو حنيفة يجب عليه أن يأتي بحجة أو عمرة فإن أتى بحجة الإسلام في سنته أو منذورة أو عمرة أجزأته عن عمرة الدخول استحسانا لأن مروره على الميقات مريدا للحرم يوجب الإحرام فإذا لم يأت به وجب قضاؤه كالمنذور ولنا أنه مشروع لتحية البقعة فإذا لم يأت به سقط كتحية المسجد فإن قيل تحية المسجد غير واجبة قلنا إلا أن النوافل المرتبات تقضى وإنما سقط القضاء لما ذكرنا فأما إن تجاوز الميقات ورجع ولم يدخل الحرم فلا قضاء عليه بغير خلاف نعلمه سواء أراد النسك أو لم يرده فصل ومن كان منزله دون الميقات خارجا من الحرم فحكمه في مجاوزة قريته إلى ما يلي الحرم حكم المجاوز للميقات في هذه الأحوال الثلاث لأن موضعه ميقاته فهو في حقه كالمواقيت الخمسة في حق الآفاقي مسألة قال ( ومن جاوز الميقات غير محرم فخشي إن رجع إلى الميقات فاته الحج أحرم من مكانه وعليه دم ) لا خلاف في أن من خشي فوات الحج برجوعه إلى الميقات أنه يحرم من موضعه فيما نعلمه إلا أنه روي عن سعيد بن جبير من ترك الميقات فلا حج له وما عليه الجمهور أولى فإنه لو كان من أركان الحج لم يختلف باختلاف الناس والأماكن كالوقوف والطواف
وإذا أحرم من دون الميقات عند خوف الفوات فعليه دم لا نعلم فيه خلافا عند من أوجب الإحرام من الميقات لقول النبي صلى الله عليه وسلم من ترك نسكا فعليه دم وإنما أبحنا له الإحرام من موضعه مراعاة لإدراك الحج فإن مراعاة ذلك أولى من مراعاة واجب فيه مع فواته ومن لم يمكنه الرجوع لعدم الرفقة أو الخوف من عدو أو لص أو مرض أو لا يعرف الطريق ونحو هذا مما يمنع الرجوع فهو كخائف الفوات في أنه يحرم من موضعه وعليه دم باب ذكر الإحرام مسألة قال أبو القاسم ( ومن أراد الحج وقد دخل أشهر الحج فإذا بلغ الميقات فالاختيار له أن يغتسل ) قوله وقد دخل أشهر الحج يدل على أنه لا ينبغي أن يحرم بالحج قبل أشهره وهذا هو الأولى فإن الإحرام بالحج قبل أشهره مكروه لكونه إحراما به قبل وقته فأشبه الإحرام به قبل ميقاته ولأن في صحته اختلافا فإن أحرم به قبل أشهره صح وإذا بقي على إحرامه إلى وقت الحج جاز نص عليه أحمد وهو قول النخعي ومالك والثوري وأبي حنيفة وإسحاق وقال عطاء وطاوس ومجاهد والشافعي يجعله عمرة لقول الله تعالى الحج أشهر معلومات تقديره وقت الحج أشهر أو أشهر الحج معلومات فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ومتى ثبت أنه وقته لم يجز تقديم إحرامه عليه كأوقات الصلوات ولنا قول الله تعالى يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج البقرة 189 فدل على أن جميع الأشهر ميقات ولأنه أحد نسكي القران فجاز الإحرام به في جميع السنة كالعمرة أو أحد الميقاتين فصح الإحرام قبله كميقات المكان والآية محمولة على أن الإحرام به إنما يستحب فيها وعلى كل حال فمن أراد الإحرام استحب له أن يغتسل قبله في قول أكثر أهل العلم منهم طاوس والنخعي ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي لما روى خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل عند الإحرام و أمر عائشة أن تغتسل عند الإهلال بالحج وهي حائض ولأن هذه العبادة يجتمع لها الناس فسن لها الاغتسال كالجمعة وليس ذلك واجبا في قول عامة أهل العلم قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الإحرام جائز بغير اغتسال وأنه واجب وحكي عن الحسن أنه قال إذا نسي الغسل يغتسل إذا ذكر وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله قيل له عن بعض أهل المدينة من ترك الغسل عند الإحرام فعليه دم لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء وهي نفساء اغتسلي فكيف الطاهر فأظهر التعجب من هذا القول وكان ابن عمر يغتسل أحيانا ويتوضأ أحيانا وأي ذلك فعل أجزأه ولا يجب الاغتسال ولا نقل الأمر به إلا لحائض أو نفساء ولو كان واجبا لأمر به غيرهما ولأنه لأمر مستقبل فأشبه غسل الجمعة فصل فإن لم يجد ماء لم يسن له التيمم وقال القاضي لأنه غسل مشروع فناب عنه التيمم كالواجب ولنا أنه غسل مسنون فلم يستحب التيمم عند عدمه كغسل الجمعة وما ذكره منتقض بغسل الجمعة ونحوه من الأغسال المسنونة والفرق بين الواجب والمسنون أن الواجب يراد لإباحة الصة والتيمم يقوم مقامه في ذلك والمسنون يراد للتنظيف وقطع الرائحة والتيمم لا يحصل هذا بل يزيد شعثا وتغبيرا ولذلك افترقا في الطهارة الصغرى فلم يشرع تجديد التيمم ولا تكرار المسح به فصل ويستحب التنظف بإزالة الشعث وقطع الرائحة ونتف الإبط وقص الشارب وقلم الأظفار وحلق العانة لأنه أمر يسن له الاغتسال والطيب فمن له هذا كالجمعة ولأن الإحرام يمنع قطع الشعر وقلم الأظفار فاستحب فعله قبله لئلا يحتاج إليه في إحرامه فلا يتمكن منه مسألة قال ( ويلبس ثوبين نظيفين )
يعني إزارا ورداء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين قال ابن المنذر ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا لم يجد إزارا فليلبس السراويل وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين ولأن المحرم ممنوع من لبس المخيط في شيء من بدنه يعني بذلك ما يخاط على قدر الملبوس عليه كالقميص والسراويل ولو لبس إزارا موصا أو اتشح بثوب مخيط جاز ويستحب أن يكونا نظيفين إما جديدين وإما غسيلين لأننا أحببنا له التنظيف في بدنه فكذلك في ثيابه كشاهد الجمعة والأولى أن يكونا أبيضين لقول النبي صلى الله عليه وسلم خير ثيابكم البياض فألبسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم مسألة قال ( ويتطيب ) وجملة ذلك أنه يستحب لمن أراد الإحرام أن يتطيب في بدنه خاصة ولا فرق بين ما يبقى عينه كالمسك والغالية أو أثره كالعود والبخور وماء الورد هذا قول ابن عباس وابن الزبير وسعد بن أبي وقاص وعائشة وأم حبيبة ومعاوية وروي عن محمد بن الحنفية وأبي سعيد الخدري وعروة والقاسم والشعبي وابن جريج وكان عطاء يكره ذلك وهو قول مالك وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر رضي الله عنهم واحتج مالك بما روى يعلى بن أمية أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب فسكت النبي صلى الله عليه وسلم يعني ساعة ثم قال اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات وانزع عنك الجبة واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك متفق عليه ولأنه يمنع من ابتدائه فمنع استدامته كاللبس ولنا قول عائشة كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت قالت وكأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم متفق عليه وفي لفظ لمسلم طيبته بأطيب الطيب وقالت بطيب فيه مسك وفي لفظ النسائي كأني أنظر إلى وبيص طيب المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديثهم في بعض ألفاظه عليه جبة بها أثر خلوق رواه مسلم وفي بعضها وهو متضمخ بالخلوق وفي بعضها عليه ردع من زعفران وهذه الألفاظ تدل على طيب الرجل كان من الزعفران وهو منهي عنه للرجال في غير الإحرام ففيه أولى وقد روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتزعفر الرجل ولأن حديثهم في سنة ثمان وحديثنا في سنة عشر قال ابن جريج كان شأن صاحب الجبة قبل حجة الوداع قال ابن عبد البر لا خلاف بين جماعة أهل العلم بالسير والآثار أن قصة صاحب الجبة كانت عام حنين بالجعرانة سنة ثمان وحديث عائشة في حجة الوداع سنة عشر فعند ذلك إن قدر التعارض فحديثنا ناسخ لحديثهم فإن قيل فقد روى محمد بن المنتشر قال سمعت ابن عمر ينهى عن الطيب عند الإحرام فقال لأن أطلي بالقطران أحب إلي من ذلك قلنا تمام الحديث قال فذكرت ذلك لعائشة فقالت يرحم الله أبا عبد الرحمن قد كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطوف في نسائه ثم يصبح ينضح طيبا فإذا صار الخبر حجة على من احتج به فإن فعل النبي صلى الله عليه وسلم حجة على ابن عمر وغيره وقياسهم يبطل بالنكاح فإنه يمنع ابتداءه دون استدامته فصل وإن طيب ثوبه فله استدامة لبسه ما لم ينزعه
فإن نزعه لم يكن له أن يلبسه فإن لبسه افتدى لأن الإحرام يمنع ابتداء الطيب ولبس المطيب دون الاستدامة وكذلك إن نقل الطيب من موضع من بدنه إلى موضع آخر افتدى لأنه تطيب في إحرامه وكذا إن تعمد مسه بيده أو نحاه من موضعه ثم رده إليه فأما إن عرق الطيب أو ذاب بالشمس فسال من موضعه إلى موضع آخر فلا شيء عليه لأنه ليس من فعله فجرى مجرى الناسي قالت عائشة كنا نخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراها النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهاها رواه أبو داود مسألة قال ( فإن حضر وقت صلاة مكتوبة وإلا صلى ركعتين ) المستحب أن يحرم عقيب الصلاة فإن حضرت صلاة مكتوبة أحرم عقيبها وإلا صلى ركعتين تطوعا وأحرم عقيبهما استحب ذلك عطاء وطاوس ومالك والشافعي والثوري وأبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وقد روي عن أحمد أن الإحرام عقيب الصلاة وإذا استوت به راحلته وإذا بدأ بالسير سواء لأن الجميع قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق صحيحة قال الأثرم سألت أبا عبد الله أيما أحب إليك الإحرام في دبر الصلاة أو إذا استوت به راحلته فقال كل ذلك قد جاء في دبر الصلاة وإذا علا البيداء وإذا استوت به ناقته فوسع في ذلك كله قال ابن عباس ركب النبي صلى الله عليه وسلم راحلته حتى استوت على البيداء أهل هو وأصحابه وقال أنس لما ركب راحلته واستوت به أهل وقال ابن عمر أهل النبي صلى الله عليه وسلم حين استوت به راحلته قائمة رواه البخاري والأولى الإحرام عقيب الصلاة لما روى سعيد بن جبير قال ذكرت لابن عباس إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الإحرام حين فرغ من صلاته ثم خرج فلما ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته واستوت به قائمة أهل فأدرك ذلك منه قوم فقالوا أهل حين استوت به الراحلة وذلك أنهم لم يدركوا إلا ذلك ثم سار حتى علا البيداء فأهل فأدرك ذلك منه قوم فقالوا أهل حين علا البيداء رواه أبو داود والأثرم وهذا لفظ الأثرم وهذا فيه بيان وزيادة علم فيتعين حمل الأمر عليه ولو لم يقله ابن عباس لتعين حمل الأمر عليه جمعا بين الأخبار المختلفة وهذا على سبيل الاستحباب وكيف ما أحرم جاز لا نعلم أحدا خالف في ذلك مسألة قال ( فإن أراد التمتع وهو اختيار أبي عبد الله فيقول اللهم إني أريد العمرة ) وجملة ذلك أن الإحرام يقع بالنسك من وجوه ثلاثة تمتع وإفراد وقران فالتمتع أن يهل بعمرة مفردة من الميقات في أشهر الحج فإذا فرغ منها أحرم بالحج من عامه والإفراد أن يهل بالحج مفردا والقران أن يجمع بينهما في الإحرام بهما أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف فأي ذلك أحرم به جاز قالت عائشة خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بحج متفق عليه فهذا هو التمتع والإفراد والقران وأجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء واختلفوا في أفضلها فاحتار إمامنا التمتع ثم الإفراد ثم القران وممن روي عنه اختيار التمتع ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وعائشة والحسن وعطاء وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد والقاسم وسالم وعكرمة وهو أحد قولي الشافعي وروى المروذي عن أحمد إن ساق الهدي فالقران أفضل وإن لم يسقه فالتمتع أفضل