Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

Bölüm V05/P363–V05/P365

فصل وإن وقف على من يجوز الوقف عليه ثم على من لا يجوز الوقف عليه مثل أن يقف على أولاده ثم على البيع صح الوقف أيضا ويرجع بعد انقراض من جاز الوقف عليه أقارب الواقف مساكين كانوا أولى به لا على سبيل الوجوب كما أنهم أولى بزكاته وصلاته مع وعدمه واحد ويحتمل أن لا يصح الوقف لأنه جمع بين ما يجوز وما لا يجوز فأشبه تفريق الصفقة فصل وإن كان الوقف منقطع الابتداء مثل أن يقفه على من لا يجوز الوقف عليه كنفسه أو أم ولده أو عبده أو كنيسة أو مجهول فإن لم يذكر له ما لا يجوز الوقف عليه فالوقف باطل وكذلك إن جعل مآله مما لا يجوز الوقف عليه لأنه أخل بأحد شرطي الوقف فبطل كما لو وقف ما لا يجوز وقفه وإن جعل له ما لا يجوز الوقف عليه مثل أن يقفه على عبده ثم على المساكين ففي صحته وجهان بناء على تفريق الصفقة وللشافعي فيه قولان كالوجهين فإذا قلنا يصح وهو قول القاضي وكان من لا يجوز الوقف عليه ممن لا يمكن اعتبار انقراضه كالميت والمجهول والكنائس صرف في الحال إلى من يجوز الوقف عليه لأننا لما صححنا الوقف مع اعتباره وإن كان من لا يجوز الوقف عليه يمكن اعتبار انقراضه كأم ولده وعبد معين ففيه وجهان أحدهما أنه ينصرف في الحال إلى من يجوز الوقف عليه كالتي قبلها ذكره أبو الخطاب الثاني أنه ينصرف في الحال إلى مصرف الوقف المنقطع إلى أن ينقرض من لا يجوز الوقف عليه فإذا انقرض صرف إلى من يجوز وهذا الوجه الذي ذكره القاضي وابن عقيل لأن الواقف إنما جعله وقفا على من يجوز بشرط انقراض هذا فلا يثبت بدونه وفارق ما لا يمكن اعتبار انقراضه فإنه تعذر اعتباره ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين فصل وإن كان الوقف صحيح الطرفين منقطع الوسط مثل أن يقف على ولده ثم على عبيده ثم على المساكين خرج في صحة الوقف وجهان كمنقطع الانتهاء ثم ينظر فيما لا يجوز الوقف عليه فإن لم يمكن اعتبار انقراضه ألغيناه إذا قلنا بالصحة وإن أمكن اعتبار انقراضه فهل يعتبر أو يلغى على وجهين كما تقدم وإن كان منقطع الطرفين صحيح الوسط كرجل وقف على عبيده ثم على أولاده ثم على الكنيسة خرج في صحته أيضا وجهان ومصرفه بعد من يجوز إلى مصرف الوقف المنقطع مسألة قال ( ومن وقف في مرضه الذي مات فيه أو قال هو وقف بعد موتي ولم يخرج من الثلث وقف منه بقدر الثلث إلا أن تجيز الورثة ) وجملته أن الوقف في مرض الموت بمنزلة الوصية في اعتباره من ثلث المال ثلث المال لأنه تبرع فاعتبر في مرض الموت من الثلث كالعتق والهبة وإذا خرج من الثلث جاز من غير رضا الورثة ولزم ما زاد على الثلث لزم الوقف منه في قدر الثلث ووقف الزائد على إجازة الورثة لا نعلم في هذا خلافا عند القائلين بلزوم الوقف وذلك لأن حق الورثة تعلق بالمال بوجود المرض فمنع التبرع بزيادة على الثلث كالعطايا والعتق فأما إذا قال هو وقف بعد موتي فظاهر كلام الخرقي أنه يصح ويعتبر من الثلث كسائر الوصايا وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وقال القاضي لا يصح هذا لأنه تعليق للوقف على شرط وتعليق الوقف على شرط غير جائز بدليل ما لو علقه على شرط في حياته وحمل كلام الخرقي على أنه قال قفوا بعد موتي فيكون وصية بالوقف لا إيقافا وقال أبو الخطاب قول الخرقي هذا يدل على جواز تعليق الوقف على شرط

Bölüm V05/P365–V05/P366

ولنا على صحة الوقف بالمعلق بالموت ما احتج به الإمام أحمد رضي الله عنه أن عمر وصى فكان في وصيته هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثمغا صدقة وذكر بقية الخبر وقد ذكرناه في غير هذا الموضع ورواه أبو داود بنحو من هذا وهذا نص في مسألتنا ووقفه هذا كان بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لأنه اشتهر في الصحابة فلم ينكر فكان إجماعا ولأن هذا تبرع معلق بالموت فصح كالهبة والصدقة المطلقة أو نقول صدقة معلقة بالموت فأشبهت غير الوقف ويفارق هذا التعليق على شرط في الحياة بدليل الهبة المطلقة والصدقة وغيرهما وذلك لأن هذا وصية والوصية أوسع من التصرف في الحياة بدليل جوازها بالمجهول والمعدوم وللمجهول وللحمل وغير ذلك وبهذا يتبين فساد قياس من قاس على هذا الشرط بقية الشروط فصل ولا يجوز تعليق ابتداء الوقف على شرط في الحياة مثل أن يقول إذا جاء رأس الشهر فداري وقف أو فرسي حبيس أو إذا ولد لي ولد أو إذا قدم لي غائبي ونحو ذلك ولا نعلم في هذا خلافا لأنه نقل للملك فيما لم يبن على التغليب والسراية فلم يجز تعليقه على شرط كالهبة وسوى المتأخرون من أصحابنا بين تعليقه بالموت وتعليقه بشرط في الحياة ولا يصح لما ذكرنا من الفرق بينهما فيما قبل هذا فصل وإن علق انتهاءه على شرط نحو قوله داري وقف إلى سنة أو إلى أن يقدم الحاج لم يصح في أحد الوجهين لأنه ينافي مقتضى الوقف فإن مقتضاه التأبيد وفي الآخر يصح لأنه منقطع الانتهاء فأشبه ما لو وقفه على منقطع الانتهاء فإن حكمنا بصحته ها هنا فحكمه حكم منقطع الانتهاء فصل وإن قال هذا وقف على ولدي سنة ثم على المساكين صح وكذلك إن قال هذا وقف على ولدي مدلا حياتي ثم هو بعد موتي للمساكين صح لأنه وقف متصل الابتداء والانتهاء وإن قال وقف على المساكين ثم على أولادي صح ويكون وقفا على المساكين ويلغى قوله على أولادي لأن المساكين لا انقراض لهم فصل واختلفت الرواية عن أحمد في الوقف في مرضه على بعض ورثته فعنه لا يجوز ذلك فإن فعل وقف على إجازة سائر الورثة قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم فيمن أوصى لأولاد بنيه بأرض توقف عليهم فقال إن لم يرثوه فجائز فظاهر هذا أنه لا يجوز الوقف عليهم في المرض اختاره أبو حفص العكبري وابن عقيل وهو مذهب الشافعي والرواية الثانية يجوز أن يقف عليهم ثلثه كالأجانب فإنه قال في رواية جماعة منهم الميموني يجوز للرجل أن يقف في مرضه على ورثته فقيل له أليس تذهب أنه لا وصية لوارث فقال نعم والوقف غيرالوصية لأنه لا يباع ولا يورث ولايصير ملكا للوارثة ينتفعون بغلته وقال في رواية أحمد بن الحسن فإنه صرح في مسألته بوقف ثلثه على بعض ورثته دون بعض فقال جائز قال الخبري وأجاز هذا الأكثرون واحتج أحمد رضي الله عنه بحديث عمر رضي الله عنه أنه قال هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثمغا صدقه والعبد الذي فيه والسهم الذي بخيبر ورقيقه الذي فيه والمائة وسق الذي أطعمني محمد صلى الله عليه وسلم تليه حفصة ما عاشت ثم يليه ذو الرأي من أهله لا يباع ولا يشترى ينفقه حيث يرى من السائل والمحروم وذوي القربي ولا حرج على من وليه إن أكل أو اشترى رقيقا رواه أبو داود بنحو من هذا فالحجة أنه جعل لحفصة أن تلي وقفه وتأكل منه وتشتري رقيقا قال الميموني قلت لأحمد إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإيقاف وليس في الحديث الوارث قال فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أمره وهو ذا قد وقفها على ورثته وحبس الأصل عليهم جميعا ولأن الوقف ليس في معنى المال لأنه لا يجوز التصرف فيه فهو كعتق الوارث

Bölüm V05/P366–V05/P367

ولنا إنه تخصيص لبعض الورثة بماله في مرضه فمنع منه كالهبات ولأن كل من لا تجوز له الوصية بالعين لا تجوز بالمنفعة كالأجنبي فيما زاد على الثلث وأما خبر عمر فإنه لم يخص بعض الورثة بوقفه والنزاع إنما هو في تخصيص بعضهم وأما جعل الولاية لحفصه فليس ذلك وقفا عليها فلا يكون ذلك واردا في محل النزاع وكونه انتفاعا بالغلة لا يقتضي جواز التخصيص بدليل ما لو أوصى لورثته بمنفعة عبد لم يجز ويحتمل أن يحمل كلام أحمد في رواية الجماعة على أنه وقف على جميع الورثة ليكون على وفق حديث عمر وعلى وفق الدليل الذي ذكرنا فصل فإن وقف داره وهي تخرج من الثلث بين ابنه وبنته نصفين في مرض موته فعلى رواية الجماعة يصح الوقف ويلزم لأنه لما كان يجوز له تخصيص البنت بوقف الدار كلها فبنصفها أولى وعلى الرواية التي نصرناها إن أجاز الابن ذلك جاز وإن لم يجزه بطل الوقف فيما زاد على نصيب البنت وهو السدس ويرجع إلى الابن ملكا فيكون له النصف وقفا والسدس ملكا مطلقا والثلث للبنت جميعه وقفا ويحتمل أن يبطل الوقف في نصف ما وقف على البنت وهو الربع ويبقى ثلاثة أرباع الدار وقفا ونصفها للابن وربعها للبنت والربع الذي بطل الوقف فيه بينهما أثلاثا للابن ثلثاه وللبنت ثلثه وتصح المسألة من اثني عشر للابن ستة أسهم وقفا وسهمان وللبنت ثلاثة أسهم وقفا وسهم ملكا ولو وقفها على ابنه وزوجته نصفين وهي تخرج من الثلث فرد الابن صح الوقف على الابن في نصفها وعلى المرأة في ثمنها وللابن إبطال الوقف في ثلاثة أثمانها فترجع إليه ملكا على الوجه الأول وعلى الوجه الثاني يصح الوقف على الابن في نصفها وهو أربعة أسباغ نصيبه ويرجع إليه في حصته ملكا ويصح الوقف في أربعة أسباع الثمن الذي للمرأة وباقية يكون لها ملكا فاضرب سبعة في ثمانية تكون ستة وخمسين للابن ثمانية وعشرون وقفا واحد وعشرون ملكا وللمرأة أربعة أسهم وقفا وثلاثة ملكا وهكذا ذكر أصحاب الشافعي فأما إن كانت الدار جميع ملكه فوقفها كلها فعلى ما اخترناه الحكم فيها كما لو كانت تخرج من الثلث فإن الوارث في جميع المال كالأجنبي في الزائد عن الثلث وأما على ما رواه الجماعة فإن الوقف يلزم في الثلث من غير اختيار الورثة وفيما زاد فلهما إبطال الوقف فيه وللابن إبطال التسوية فإن اختار إبطال التسوية دون إبطال الوقف خرج فيه وجهان أحدهما أنه يبطل الوقف في التسع ويرجع إليه ملكا فيصير له النصف وقفا والتسع ملكا ويكون للبنت السدس والتسعان وقفا لأن الابن إنما ملك إبطال الوقف في ماله دون ما لغيره والوجه الثاني أن له إبطال الوقف في السدس ويصير له النصف وقفا والتسع ملكا وللبنت الثلث وقفا ونصف التسع ملكا لئلا تزداد البنت على الابن في الوقف وتصح المسألة في هذا الوجه من ثمانية عشر للابن تسعة وقفا وسهمان ملكا وللبنت ستة أسهم وقفا وسهم ملكا وقال أبو الخطاب له إبطال الوقف في الربع كله ويصير له النصف وقفا والسدس ملكا ويكون للبنت الربع وقفا ونصف السدس ملكا كما لو كانت الدار تخرج من الثلث وتصح من اثني عشر مسألة قال ( وإذا خرب الوقف ولم يرد شيئا بيع واشترى بثمنه ما يرد على أهل الوقف وجعل وقفا كالأول وكذلك الفرس الحبيس إذا لم يصلح للغزو بيع واشترى بثمنه ما يصلح للجهاد ) وجملة ذلك أن الوقف إذا خرب وتعطلت منافعه كدار انهدمت أو أرض خربت وعادت مواتا ولم تكن عمارتها أو مسجدا انتقل أهل القرية عنه وصار في موضع لا يصلى فيه أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضعه أو تشعب جميعه فلم تمكن عمارته ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه بيع جميعه

Bölüm V05/P367–V05/P368

قال أحمد في رواية أبي داود إذا كان في المسجد خشبتان لهما قيمة جاز بيعهما وصرف ثمنهما عليه وقال في رواية صالح يحول المسجد خوفا من اللصوص وإذا كان موضعه قذرا قال القاضي يعني إذا كان ذلك يمنع من الصلاة فيه ونص على جواز بيع عرصته في رواية عبد الله وتكون الشهادة في ذلك على الإمام قال أبو بكر وقد روى علي بن سعيد أن المساجد لا تباع وإنما تنقل آلتها قال وبالقول الأول أقول لإجماعهم على جواز بيع الفرس الحبيس يعني الموقوفة على الغزو إذا كبرت فلم تصلح للغزو وأمكن الانتفاع بها في شيء آخر مثل أن تدور في الرحى أو يحمل عليها تراب أو تكون الرغية في نتاجها أو حصانا يتخذ للطراق فإنه يجوز بيعها ويشتري بثمنها ما يصلح للغزو نص عليه أحمد وقال محمد بن الحسن إذا خرب المسجد أو الوقف عاد إلى ملك واقفه لأن الوقف إنما هو تسبيل المنفعة فإذا زالت منفعته زال حق الموقوف عليه منه فزال ملكه عنه وقال مالك والشافعي لا يجوز بيع شيء من ذلك لقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يباع أصلها ولا تبتاع ولا توهب ولا تورث ولأن ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه لا يجوز بيعه مع بقاء تعطلها كالمعتق والمسجد أشبه الأشياء بالمعتق ولنا ما روى أن عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد لما بلغه أنه قد نقب بيت المال الذي بالكوفة انقل المسجد الذي بالتمارين واجعل بيت المال في قبلة المسجد فإنه لن يزال في المسجد مصل وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه فكان إجماعا ولأن فيما ذكرناه استبقاء الوقف بمعناه عند تعذر إبقائه بصورته فوجب ذلك كما لو استولد الجارية الموقوفة أو قبلها وقبلها غيره قال ابن عقيل الوقف مؤبد فإذا لم يمكن تأبيده على وجه يخصصه استبقاء الغرض وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى وإيصال الابدال جرى مجرى الأعيان وجمودنا على العين مع تعطله تضييع للغرض ويقرب هذا من الهدي إذا عطب في السفر فإنه يذبح في الحال وإن كان يختص بموضع فلماتعذر تحصيل الغرض بالكلية استوفى منه ماأمكن وترك مراعاة المحل الخاص عند تعذره لأن مراعاته مع تعذره تفضي إلى فوات الانتفاع بالكلية وهكذا الوقف المعطل المنافع ولنا على محمد بن الحسن أنه إزالة ملك على وجه القربة فلا يعود إلى مالكة باختلاله وذهاب منافعه كالعتق فصل وظاهر كلام الخرقي أن الوقف إذا بيع فأي شيء اشتري بثمنه مما يرد على أهل الوقف جاز سواء كان من جنسه أو من غير جنسه لأن المقصود المنفعة لا الجنس لكن تكون المنفعة مصروفة إلى المصلحة التي كانت الأولى تصرف فيها لأنه لا يجوز تغيير المصرف مع إمكان المحافظه عليه كما لا يجوز تغيير الوقف بالبيع مع إمكان الانتفاع به فصل وإذا لم يف ثمن الفرس الحبيس لشراء فرس أخرى أعين به في شراء فرس حبيس يكون بعض الثمن نص عليه أحمد لأن المقصود استبقاء منفعة الوقف الممكن استبقاؤها وصيانتها عن الضياع ولا سبيل إلى ذلك إلا بهذه الطريق فصل وإن لم تتعطل مصلحة الوقف بالكلية لكن قلت وكان غيره أنفع منه وأكثر رد على أهل الوقف لم يجز بيعه لأن الأصل تحريم البيع وإنما أبيح للضرورة صيانة لمقصود الوقف عن الضياع مع إمكان تحصيله ومع الانتفاع وإن قل ما يضيع المقصود اللهم إلا أن يبلغ في قلة النفع إلى حد لا يعد نفعا فيكون وجود ذلك كالعدم فصل قال أحمد في رواية أبي داود في مسجد أراد أهله رفعه من الأرض ويجعل تحته سقاية وحوانيت فامتنع بعضهم من ذلك

Bölüm V05/P368–V05/P370

فينظر إلى قول أكثرهم واختلف أصحابنا في تأويل كلام أحمد فذهب ابن حامد إلى أن هذا في مسجد أراد أهله إنشاءه ابتداء واختلفوا كيف يعمل وسماه مسجدا قبل بنائه تجوزا لأن مآله إليه أما بعد كونه مسجدا لا يجوز جعله سقاية ولا حوانيت وذهب القاضي إلى ظاهر اللفظ وهو أنه كان مسجدا فأراد أهله رفعه وجعل ما تحته سقاية لحاجتهم إلى ذلك والأول أصح وأولى وإن خالف الظاهر فإن المسجد لا يجوز نقله وإبداله وبيع ساحته وجعلها سقاية وحوانيت إلا عند تعذر الانتفاع به والحاجة إلى سقاية وحوانيت لا تعطل نفع المسجد فلا يجوز صرفه في ذلك ولو جاز جعل أسفل المسجد سقاية وحوانيت لهذه الحاجة لجاز تخريب المسجد وجعله سقاية وحوانيت ويجعل بدله مسجدا في موضع آخر وقال أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه في مسجد ليس بحصين من الكلاب وله منارة فرخص في نقضها وبناء حائط المسجد بها للمصلحة فصل ولا يجوز أن يغرس في المسجد شجرة نص عليه أحمد وقال إن كانت غرست النخلة بعد أن صار مسجدا فهذه غرست بغير حق فلا أحب الأكل منها ولو قلعها الإمام لجاز وذلك لأن المسجد لم يبن لهذا وإنما بني لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن ولأن الشجرة تؤذي المسجد وتمنع المصلين من الصلاة في موضعهها ويسقط ورقها في المسجد وثمرها وتسقط عليها العصافير والطير فتبول في المسجد وربما اجتمع الصبيان في المسجد من أجلها ورموها بالحجارة ليسقط ثمرها فأما إن كانت النخلة في أرض فجعلها صاحبها مسجدا والنخلة فيها فلا بأس قال أحمد في موضع لا بأس يعني أن يبيعها من الجيران وقال في رواية أبي طالب في النبقة لا تباع وتجعل للمسلمين وأهل الدرب يأكلونها وذلك والله أعلم لأن صاحب الأرض لما جعلها مسجدا والنخلة فيها فقد وقف الأرض والنخلة معها ولم يعين مصرفها فصارت كالوقف المطلق الذي لم يعين له مصرف وقد ذكرنا فيه في إحدى الروايات أنه للمساكين فأما إن قال صاحبها هذه وقف على المسجد فينبغي أن يباع ثمرها ويصرف إليه كما لو وقفها على المسجد وهي في غيره قال أبو الخطاب عندي أن المسجد إذا احتاج إلى ثمن ثمرة الشجرة بيعت وصرف ثمنها في عمارته قال وقول أحمد يأكلها الجيران محمول على أنهم يعمرونه فصل وما فضل من حصر المسجد وزيته ولم يحتج إليه جاز أن يجعل في مسجد آخر أو يتصدق من ذلك على فقراء جيرانه وغيرهم وكذلك إن فضل من قصبه أو شيء من نقضه قال أحمد في مسجد بني فبقي من خشبه أو قصبه أو شيء من نقضه فقال يعان به مسجد آخر أو كما قال وقال المروذي سألت أبا عبد الله عن بواري المسجد إذا فضل منه الشيء أو الخشبة قال يتصدق به ورأى أنه قد احتج بكسوة البيت إذا تحرقت تصدق بها وقال في موضع آخر قد كان شيبة يتصدق بخلقان الكعبة وروى الخلال بإسناده عن علقمة عن أمة أن شيبة بن عثمان الحجبي جاء إلى عائشة رضي الله عنها فقال يا أم المؤمنين إن ثياب الكعبة تكثر عليها فننزعها فنحفر لها آبارا فندفنها فيها حتى لا تلبسها الحائض والجنب قالت عائشه بئس ما صنعت ولم تصب إن ثياب الكعبة إذا نزعت لم يضرها من لبسها من حائض أو جنب ولكن لو بعتها وجعلت ثمنها في سبيل الله والمساكين فكان شيبة يبعث بها إلى اليمن فتباع فيضع ثمنها حيث أمرته عائشة وهذه قصة مثلها ينتشر ولم ينكر فيكون إجماعا ولأنه مال الله تعالى لم يبق له مصرف فصرف إلى المساكين كالوقف المنقطع

Bölüm V05/P370–V05/P371

فصل إذا جنى الوقف جناية توجب القصاص وجب سواء كانت الجناية على الموقوف عليه أو على غيره فإن قتل بطل الوقف فيه وإن قطع كان باقيه وقفا كما لو تلف بفعل الله تعالى وإن كانت الجناية موجبة للمال لم يكن تعلقها برقبته لأنه لا يمكن بيعها ويجب أرشها على الموقوف عليه لأنه ملكه تعلق أرشه برقبته فكان على مالكه كأم الولد ولا يلزمه أكثر من قيمته كأم الولد وإن قلنا الوقف لا يملك فالأرش في كسبه لأنه تعذر تعلقه برفبته لكونها لا تباع وبالموقوف عليه لأنه لا يملكه فكان في كسبه كالحر يكون في ماله ويحتمل أن يكون في بيت المال كأرش جناية الحر المعسر وهذا احتمال ضعيف جدا فإن الجناية إنما تكون في بيت المال في صورة تحملها العاقلة عند عدمها وجناية العبد لا تحملها العاقلة وإن كان الوقف على المساكين فينبغي أن يكون الأرش في كسبه لأنه ليس له مستحق معين يمكن إيجاب الأرش عليه ولا يمكن تعلقه برقبته لتعذر بيعها فتعين في كسبه ويحتمل أن يجب في بيت المال فصل وإن جنى على الوقف جناية موجبة للمال وجب لأن ماليته لم تبطل ولو بطلت ماليته لم يبطل أرش الجناية عليه فإن قتل وجبت قيمته وليس للموقوف عليه العفو عنها لأنه لا يختص بها ويشتري بها مثل المجني عليه يكون وقفا وقال بعض الشافعية يختص الموقوف عليه بالقيمة إن قلنا إنه يملك الموقوف لأنه بدل ملكه ولنا إنه ملك لا يختص به فلم يختص ببدله كالعبد المشترك والمرهون وبيان عدم الاختصاص ظاهر فإنه يتعلق به حق البطن الثاني فلم يجز إبطاله ولا نعلم قدر ما يستحق هذا منه فنعفو عنه فلم يصح العفو عن شيء منه كما لو أتلف رجل رهنا أخذت منه قيمته فجعلت رهنا ولم يصح عفو واحد منهما عنه وإن كانت الجناية عمدا محضا من مكافىء له فالظاهر أنه لا يجب القصاص لأنه محل لا يختص به الموقوف عليه فلم يجز أن يقتص من قاتله كالعبد المشترك وقال بعض أصحاب الشافعي يكون ذلك إلى الإمام فإن قطعت يد العبد أو طرف من أطرافه فالقصاص له وله استيفاؤه لأنه لا يشاركه فيه غيره وإن كان القطع لا يوجب القصاص أو يوجبه فعفي عنه وجب نصف قيمته فإن أمكن أن يشتري بها عبد كامل وإلا اشتري بها شقص من عبد فصل ويجوز تزويج الأمة الموقوفة لأنه عقد على منفعتها أشبه الإجارة ولأن الموقوف عليه لا يملك استيفاء هذه المنفعة فلا يتضرر بتمليك غيره إياها ووليها الموقوف عليه لأنها ملكه والمهر له لأنه بدل نفعها أشبه الأجر في الإجارة ويحتمل أن لا يجوز تزويجها لأنه عقد على نفعها في العمر فيفضي إلى تفويت نفعها في حق البطن الثاني ولأن النكاح يتعلق به حقوق من وجوب تمكين الزوج من استمتاعها ومبيتها عنده فتفوت خدمتها في الليل على البطن الثاني إلا أن تطلب التزويج فيتعين تزويجها لأنه حق لها طلبته فتتعين الإجابة إليه وما فات من الحق به فات تبعا لإيفائها حقها فوجب ذلك كما يجب تزويج الأمة غير الموقوفة إذا طلبت ذلك وإذا زوجها فولدت من الزوج فولدها وقف معها لأن ولد كل ذات رحم تثبت لها حرمة حكمه حكمها كأم الولد والمكاتبة وإن أكراها أجنبي فوطئها أو طاوعته فعليه الحد إذا انتفت الشبهة وعليه المهر لأهل الوقف لأنه وطىء جارية غيره أشبه الأمة المطلقة وولدها يكون وقفا معها وإن وطئها بشبهة يعتقدها حرة فالولد حر ولو كان الواطىء عبدا وتجب قيمته لأنه كان من سبيله أن يكون مملوكا فمنعه اعتقاد الحرية من الرق فوجبت قيمته يشترى بها عبد يكون رقيقا وتعتبر قيمته يوم تضعه حيا لأنه لا يمكن تقويمه قبل ذلك

Bölüm V05/P371–V05/P372

فصل وليس للموقوف عليه وطء الأمة الموقوفة لأنا لا نأمن حبلها فتنقض أو تتلف أو تخرج من الوقف بكونها أم ولد ولأن ملكه ناقص فإن وطىء فلا حد عليه للشبه ولا مهر عليه لأنه لو وجب لوجب له ولا يجب للإنسان شيء على نفسه والولد حر لأنه من وطىء شبهة وعليه قيمة الولد يشتري بها عبد مكانه وتصير أم ولد لأنه أحبلها بحر في ملكه فإذا مات عتقت ووجبت قيمتها في تركته لأنه أتلفها على من بعده من البطون فيشتري بها جارية تكون وقفا مكانها وإن قلنا إن الموقوف عليه لا يملكها لم تصر أم ولد له لأنها غير مملوكة له فصل وإن أعتق العبد الموقوف لم ينفذ عتقه لأنه يتعلق به حق غيره ولأن الوقف لازم فلا يمكن إبطاله وإن كان نصف العبد وقفا ونصفه طلقا فأعتق صاحب الطلق لم يسر عتقه إلى الوقف لأنه إذا لم يعتق بالمباشرة فبالسراية أولى مسألة قال ( وإذا حصل في يد بعض أهل الوقف خمسة أوسق ففيه الزكاة وإذا صار الوقف للمساكين فلا زكاة فيه ) وجملة ذلك أن الوقف إذا كان شجرا فأثمر أو أرضا فزرعت وكان الوقف على قوم بأعيانهم فحصل لبعضهم من الثمرة أو الحب نصاب ففيه الزكاة وبهذا قال مالك والشافعي وروي عن طاوس ومكحول لا زكاة فيه لأن الأرض ليست مملوكة له فلم تجب عليهم زكاة في الخارج منها كالمساكين ولنا إنه استغل من أرضه أو شجرة نصابا فلزمته زكاته كغير الوقف يحققه أن الوقف الأصل والثمرة طلق والملك فيها تام له التصرف فيها بجميع التصرفات وتورث عنه فتجب فيها الزكاة كالحاصلة من أرض مستأجرة له وقولهم إن الأرض غير مملوكة له ممنوع وإن سلمنا ذلك فهو مالك لمنفعتها ويكفي ذلك في وجوب الزكاة بدليل الأرض المستأجرة أما المساكين فلا زكاة عليهم فيما يحصل في أيديهم سواء حصل في يد بعضهم نصاب من الحبوب والثمار أو لم يحصل ولا زكاة عليهم قبل تفريقها وإن بلغت نصبا لأن الوقف على المساكين لا يتعين لواحد منهم بدليل أن كل واحد منهم يجوز حرمانه والدفع إلى غيره وإنما ثبت الملك فيه بالدفع والقبض لما أعطيه من غلته ملكا مستأنفا فلم تجب عليه فيه زكاة كالذي يدفع إليه من الزكاة وكما لو وهبه أو اشتراه وفارق الوقف على قوم بأعيانهم فإنه يعين لكل واحد منهم حق في نفع الأرض وغلتها ولهذا يجب إعطاؤه ولا يجوز حرمانه فصل ويصح الوقف على القبيلة العظيمة كقريش وبني هاشم وبني تميم وبني وائل ونحوهم ويجوز الوقف على المسلمين كلهم وعلى أهل إقليم ومدينة كالشام ودمشق ونحوهم ويجوز للرجل أن يقف على عشيرته وأهل مدينته وقال الشافعي في أحد قوليه لا يصح الوقف على من لا يمكن استيعابهم وحصرهم في غير المساكين وأشباههم لأن هذا تصرف في حق الآدمي فلم يصح مع الجهلة كما لو قال وقفت على قوم لنا إن من صح الوقف عليه إذا كان عدده محصيا صح وإن لم يكن محصيا كالفقراء والمساكين وماذكره يبطل بالوقف على الفقراء والمساكين ومتى كان الوقف على من لا يمكن حضرهم فلا زكاة على واحد منهم فيما يصح له لما ذكرناه في المساكين ولا في جملة الوقف لما ذكرناه من قبل مسألة قال ( وما لا ينتفع به إلا بالإتلاف مثل الذهب والورق والمأكول والمشروب فوقفه غير جائز ) وجملته أن ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالدنانير والدراهم والمطعوم والمشروب والشمع وأشباهه لا يصح وقفه في قول عامة الفقهاء وأهل العلم إلا شيئا يحكى عن مالك والأوزاعي في وقف الطعام أنه يجوز ولم يحكه أصحاب مالك وليس بصحيح لأن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة وما لا ينتفع به إلا بالإتلاف لا يصح فيه ذلك وقيل في الدراهم والدنانير يصح وقفها على قول من أجاز إجارتها ولا يصح

Bölüm V05/P372–V05/P374

لأن تلك المنفعة ليست المقصود الذي خلقت له الأثمان ولهذا لا تضمن في الغصب فلم يجز الوقف له كوقف الشجر على نشر الثياب والغنم على دوس الطين والشمع ليتجمل به فصل والمراد بالذهب والفضة هاهنا الدراهم والدنانير وما ليس بحلي لأن ذلك هو الذي يتلف بالانتفاع به أما الحلي فيصح وقفه للبس والعارية لما روى نافع قال ابتاعت حفصة حليا بعشرين ألفا فحبسته على نساء آل الخطاب فكانت لا تخرج زكاته رواه الخلال بإسناده ولأنه عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها دائما فصح وقفها كالعقار لأنه يصح تحبيس أصلها وتسبيل الثمرة فصح وقفها كالعقار وبهذا قال الشافعي وقد روي عن أحمد أنه لا يصح وقفها وأنكر الحديث عن حفصه في وقفه وذكره ابن أبي موسى إلا أن القاضي تأوله على أنه لا يصح الحديث فيه ووجه هذه الرواية أن التحلي ليس هو المقصود الأصلي من الأثمان فلم يصح وقفها عليه كما لو وقف الدنانير والدراهم والأول هو المذهب لما ذكرناه والتحلي من المقاصد المهمة والعادة جارية به وقد اعتبره الشرع في إسقاط الزكاة عن متخذه وجوز إجارته لذلك ويفارق الدراهم والدنانير فإن العادة لم تجر بالتحلي به ولا اعتبره الشرع في إسقاط زكاته ولا ضمان نفعه في الغضب بخلاف مسألتنا فصل ولا يصح وقف الشمع لأنه يتلف بالانتفاع به فهو كالمأكول والمشروب ولا ما يسرع إليه الفساد من المشمومات والرياحين وأشباهها لأنها تتلف على قرب من الزمان فأشبهت المطعوم ولا وقف ما لا يجوز بيعه كأم الولد والمرهون والكلب والخنزير وسائر سباع البهائم التي لا تصلح للصيد وجوارح الطير التي لايصاد بها لأنه نقل للملك فيها في الحياة فأشبه البيع ولأن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة ومالا منفعة فيه لا يحصل فيه تسبيل المنفعة والكلب أبيح الانتفاع به على خلاف الأصل للضرورة فلم يجز التوسع فيها والمرهون في وقفه إبطال حق المرتهن منه فلم يجز إبطاله ولا يصح الوقف فيما ليس بمعين كعبد في الذمة ودار وسلاح لأن الوقف إبطال لمعنى الملك فيه فلم يصح في عبد مطلق كالعتق فصل قال أحمد فيمن وصى بفرس وسرج ولجام مفضض يوقف في سبيل الله فهو على ما وقف ووصى وإن بيع الفضة من السرج واللجام وجعل في وقف مثله فهو أحب إلي لأن الفضة لا ينتفع بها ولعله يشتري بتلك الفضة سرجا ولجاما فيكون أنفع للمسلمين فقيل له تباع الفضة وتجعل في نفقته قال لا فأباح أن يشتري بفضة السرج واللجام سرجا ولجاما لأنه صرف لهما في جنس ما كانت عليه حين لم ينتفع بهما فيه فأشبه الفرس الحبيس إذا عطب فلم ينتفع به في الجهاد جاز بيعه وصرف ثمنه في مثله ولم يجز إيقافها على الفرس لأنه صرف لها إلى غير جهتها مسألة قال ( ويصح الوقف فيما عدا ذلك ) وجملة ذلك أن الذي يجوز وقفه ما جاز بيعه وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه وكان أصلا يبقى بقاء متصلا كالعقار والحيوانات والسلاح والأثاث وأشباه ذلك قال أحمد في رواية الأثرم إنما الوقف في الدور والأرضين على ما وقف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال فيمن وقف خمس نخلات على مسجد لا بأس به وهذا قول الشافعي وقال أبو يوسف لايجوز وقف الحيوان ولا الرقيق ولا العروض إلا الكراع والسلاح والغلمان والبقر والآلة في الأرض الموقوفة تبعا لها لأن الحيوان لا يقاتل عليه فلم يجز وقفه كما لو كان الوقف إلى مدة وعن مالك في الكراع والسلاح روايتان

Bölüm V05/P374–V05/P375

ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال أما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله متفق عليه وفي رواية وأعتده أخرجه البخاري قال الخطابي الاعتاد ما يعده الرجل من المركوب والسلاح وآلة الجهاد وروي أن أم معقل جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبا معقل جعل ناضحه في سبيل الله وإني أريد الحج أفأركبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اركبيه فإن الحج والعمرة من سبيل الله ولأنه يحصل فيه تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة فصح وقفه كالعقار والفرس الحبيس ولأنه يصح وقفه مع غيره فصح وقفه وحده كالعقار فصل قال أحمد رحمه الله في رجل له دار في الربض أو قطيعة فأراد التنزه منها قال يقفها قال القطائع ترجع إلى الأصل إذا جعلها للمساكين فظاهر هذا إباحة وقف السواد وهو في الأصل وقف ومعناه أن وقفها يطابق الأصل لا أنها تصير بهذا القول وقفا مسألة قال ( ويصح وقف المشاع ) وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف وقال محمد بن الحسن لا يصح وبناه على أصله في أن القبض شرط وأن القبض لا يصح في المشاع ولنا إن في حديث عمر أنه أصاب مائة سهم من خيبر واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فيها فأمره بوقفها وهذا صفة المشاع ولأنه عقد يجوز على بعض الجملة مفرزا فجاز عليه مشاعا كالبيع أو عرصة يجوز بيعها فجاز وقفها كالمفرزة ولأن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة وهذا يحصل في المشاع كحصوله في المفرز ولا نسلم اعتبار القبض وإن سلمنا فإذا صح في البيع صح في الوقف فصل وإن وقف داره على جهتين مختلفتين مثل أن يقفها على أولاده وعلى المساكين نصفين أو أثلاثا أو كيفما كان جاز وسواء جعل مآل الموقوف على أولاده وعلى المساكين أو على جهة أخرى سواهم لأنه إذا جاز وقف الجزء مفردا جاز وقف الجزأين وإن أطلق الوقف فقال أوقفت داري هذه على أولادي وعلى المساكين فهي بينهما نصفين لأن إطلاق الإضافة إليهما تقتضي التسوية بين الجهتين ولا تتحقق التسوية إلا بالتنصيف وإن قال وقفتها على زيد وعمرو والمساكين فهي بينهم أثلاثا فصل فإن أريد تمييز الوقف عن المطلق بالقسمة فذلك مبني على القسمة هل هي بيع أو إفراز حق والصحيح أنها إفراز حق فينظر فإن لم يكن فيها رد جازت القسمة وإن كان فيها رد من جانب أصحاب الوقف جازت أيضا لأنه شراء لشيء من المطلق وإن كان من صاحب المطلق لم يجز لأنه شراء بعض الوقف وبيعه غير جائز وإن كان المشاع وقفا على جهتين فأراد أهله قسمته انبنى على ما ذكرنا ولم يجز فيما إذا كان فيها رد بحال ومتى جازت القسمة في الوقف وطلبها أحد الشريكين أو ولي الوقف أجبر الآخر لأن كل قسمة جازت من غير رد ولا ضرر فهي واجبة مسألة قال ( وإذا لم يكن الوقف على معروف أو بر فهو باطل )

Bölüm V05/P375–V05/P376

وجملة ذلك أن الوقف لا يصح إلا على من يعرف كولده وأقاربه ورجل معين أو على بر كبناء المساجد والقناطر وكتب الفقه والعلم والقرآن والمقابر والسقايات وسبيل الله ولا يصح على غير معين كرجل وامرأة لأن الوقف تمليك للعين أو للمنفعة فلا يصح على غير معين كالبيع والإجارة ولا على معصية كبيت النار والبيع والكنائس وكتب التوراة والإنجيل لأن ذلك معصية فإن هذه المواضع بنيت للكفر وهذه الكتب مبدلة منسوخة ولذلك غضب النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى مع عمر صحيفة فيها شيء من التوراة وقال أفي شك أنت يا ابن الخطاب ألم آت بها بيضاء نقية لوكان موسى أخي حيا ما وسعه إلا اتباعي ولولا أن ذلك معصية ما غضب منه والوقف على قناديل البيعة وفرشها ومن يخدمها ويعمرها كالوقف عليها لأنه يراد لتعظيمها وسواء كان الواقف مسلما أو ذميا قال أحمد في نصارى وقفوا على البيعة ضياعا كثيرة وماتوا ولهم أبناء نصارى فأسلموا والضياع بيد النصارى فلهم أخذها وللمسلمين عونهم حتى يستخرجوها من أيديهم وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافا وذلك لأن ما لا يصح من المسلم الوقف عليه لا يصح من الذمي كالوقف على غير معين فإن قيل فقد قلتم إن أهل الكتاب إذا عقدوا عقودا فاسدة وتقابضوا ثم أسلموا وترافعوا إلينا لم ننقض ما فعلوه فكيف أجزتم الرجوع فيما وقفوه على كنائسهم قلنا الوقف ليس بعقد معاوضة وإنما هو إزالة للملك في الموقوف على وجه القرية فإذا لم يقع صحيحا لم يزل الملك فيبقى بحاله كالعتق وقد روي عن أحمد رحمه الله في نصراني أشهد في وصيته أن غلامه فلانا يخدم البيعة خمس سنين ثم هو حر ثم مات مولاه وخدم سنة ثم أسلم ما عليه قال هو حر ويرجع على الغلام بأجره خدمة مبلغ أربع سنين وروي عنه قال هو حر ساعة مات مولاه لأن هذه معصية وهذه الرواية أصح وأوفق لأصوله ويحتمل أن قوله ويرجع عليه بخدمته أربع سنين لم يكن لصحة الوصية بل لأنه إنما أعتقه بعوض يعتقدان صحته وإذا تعذر العوض بإسلامه كان عليه ما يقوم مقامه كما لو تزوج الذمي ذمية على ذلك ثم أسلم فإنه يجب عليه المهر كذا ها هنا يجب عليه العوض والأول أولى فصل ولا يصح الوقف على من لا يملك كالعبد القن وأم الولد والمدبر والميت والحمل والملك والجن والشياطين قال أحمد فيمن وقف على ممالكيه لا يصح الوقف حتى يعتقهم وذلك لأن الوقف تمليك فلا يصح على من لا يملك فإن قيل قد جوزتم الوقف على المساجد والسقايات وأشباهها وهي لا تملك قلنا الوقف على المسلمين إلا أنه عين في نفع خاص لهم فإن قيل فينبغي أن يصح الوقف على الكنائس ويكون الوقف على أهل الذمة قلنا الجهة التي عين صرف الوقف فيها ليست نفعا بل هي معصية محرمة يزادون بها عقابا وإثما بخلاف المساجد ولا يصح الوقف على العبد وإن قلنا إنه يملك بالتمليك لأن الوقف يقتضي تحبيس الأصل والعبد لا يملك ملكا لازما ولا يصح الوقف على المكاتب وإن كان يملك لأن ملكه غير مستقر ولا على مرتد ولا حربي لأن أموالهم مباحة في الأصل ويجوز أخذها منهم بالقهر والغلبة فما يتجدد لهم أولى والوقف لا يجوز أن يكون مباح الأخذ لأنه تحبيس الأصل فصل ويصح الوقف على أهل الذمة لأنهم يملكون ملكا محترما ويجوز أن يتصدق عليهم فجاز الوقف عليهم كالمسلمين ويجوز أن يقف المسلم عليه لما روي أن صفية بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وسلم وقفت على أخ لها يهودي ولأن من جاز أن يقف الذمي عليه جاز أن يقف عليه المسلم كالمسلم ولو وقف على من ينزل كنائسهم وبيعهم من المارة والمجتازين صح أيضا لأن الوقف عليهم لا على الموضع

Bölüm V05/P376–V05/P378

فصل وينظر في الوقف من شرطه الواقف لأن عمر رضي الله عنه جعل وقفه إلى حفصة تليه ما عاشت ثم إلى ذوي الرأي من أهلها ولأن مصرف الوقف يتبع فيه شرط الواقف فكذلك الناظر فيه فإن جعل النظر لنفسه جاز وإن جعله إلى غيره فهو له فإن لم يجعله لأحد أو جعله لإنسان فمات نظر فيه الموقوف عليه لأنه ملكه ونفعه له فكان نظره إليه كملكه المطلق ويحتمل أن ينظر فيه الحاكم اختاره ابن أبي موسى ويحتمل أن يكون الوجهان مبنيين على أن الملك هل ينتقل فيه إلى الموقوف عليه أو إلى الله تعالى فإن قلنا هو للموقوف عليه فالنظر فيه إليه لأنه ملكه عينه ونفعه وإن قلنا هو لله فالحاكم ينوب فيه ويصرفه إلى مصارفه لأن مال الله فكان النظر فيه إلى حاكم المسلمين كالوقف على المساكين وأما الوقف على المساكين والمساجد ونحوها أو على من لا يمكن حصرهم واستيعابهم فالنظر فيه إلى الحاكم لأنه ليس له مالك متعين ينظر فيه وله أن يستنيب فيه لأن الحاكم لا يمكنه تولي النظر بنفسه ومتى كان النظر للموقوف عليه إما بجعل الواقف ذلك له أو لكونه أحق بذلك عند عدم ناظر سواه وكان واحدا مكلفا رشيدا فهو أحق بذلك رجلا كان أو امرأة عدلا كان أو فاسقا لأنه ينظر لنفسه فكان له ذلك في هذه الأحوال كالطلق ويحتمل أن يضم إلى الفاسق أمين حفظا لأصل الوقف عن البيع أو التضييع وإن كان الوقف لجماعة رشيدين فالنظر للجميع لكل إنسان في نصيبه وإن كان الموقوف عليه غير رشيد إما لصغر أو سفه أو جنون قام وليه في النظر مقامه كما يقوم مقامه في ماله المطلق وإن كان النظر لغير الموقوف عليه أو لبعض الموقوف عليه بتولية الواقف أو الحاكم لم يجز أن يكون إلا أمينا فإن لم يكن أمينا وكانت توليته من الحاكم لم تصح وأزيلت يده وإن وإن ولاه الواقف وهو فاسق أو ولاه وهو عدل وصار فاسقا ضم إليه أمين ينحفظ به الوقف ولم تزل يده ولأنه أمكن الجمع بين الحقين ويحتمل أن لا يصح توليته وأنه ينعزل إذا فسق في أثناء ولايته لأنها ولاية على حق غيره فنافاها الفسق كما لو ولاه الحاكم وكما لو لم يمكن حفظ الوقف منه مع بقاء ولايته على حق غيره فإنه متى لم يمكن حفظه منه أزيلت ولايته فإن مراعاة حفظ الوقف أهم من إبقاء ولاية الفاسق عليه فصل ونفقة الوقف من حيث شرط الواقف لأنه لما اتبع شرطه في سبيله وجب اتباع شرطه في نفقته فإن لم يمكن فمن غلته لأن الوقف اقتضى تحبيس أصله وتسبيل نفعه ولا يحصل ذلك إلا بالإنفاق عليه فكان ذلك من ضرورته وإن تعطلت منافع الحيوان الموقوف فنفقته على الموقوف عليه لأنه ملكه ويحتمل وجوبها في بيت المال ويجوز بيعه على ما سلف بيانه كتاب الهبة والعطية مسألة قال ( ولا تصح الهبة والصدقة فيما يكال أو يوزن إلا بقبضه ) وجملة ذلك أن الهبة والصدقة والهدية والعطية معانيها متقاربة وكلها تمليك في الحياة بغير عوض واسم العطية شامل لجميعها وكذلك الهبة والصدقة والهدية متغايرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة وقال في اللحم الذي تصدق به على بريرة هو عليها صدقة ولنا هدية فالظاهر أن من أعطى شيئا يتقرب به إلى الله تعالى للمحتاج فهو صدقة ومن دفع إلى إنسان شيئا للتقرب إليه والمحبة له فهو هدية وجميع ذلك مندوب إليه ومحثوث إليه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال تهادوا تحابوا وأما الصدقة فما ورد في فضلها أكثر من أن يمكننا حصره وقد قال تعالى إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم البقرة 271

Bölüm V05/P378–V05/P379

إذا ثبت هذا فإن المكيل والموزون لا تلزم فيه الصدقة والهبة إلا بالقبض وهو قول أكثر الفقهاء منهم النخعي والثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة والشافعي وقال مالك وأبو ثور يلزم ذلك بمجرد العقد لعموم قوله عليه السلام العائد في هبته كالعائد في قيئه ولأنه إزالة ملك بغير عوض فلزم بمجرد العقد كالوقف والعتق وربما قالوا تبرع فلا يعتبر فيه القبض كالوصية والوقف ولأنه عقد لازم ينقل الملك فلم يقف لزومه على القبض كالبيع ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإن ما قلناه مروي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولم يعرف لهما في الصحابة مخالف فروي عروة عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر رضي الله عنه نحلها جذاذ عشرين وسقا من ماله بالعالية فلما مرض قال يا بنية ما أحد أحب إلى غني بعدي منك ولا أحد أعز علي فقرا منك وكنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا ووددت أنك حزتيه أو قبضتيه وهو اليوم مال الوارث أخواك وأختك فاقتسموا على كتاب الله عز وجل وروى ابن عيينة عن الزهري عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد القاري أن عمر بن الخطاب قال مابال أقاوم ينحلون أولادهم فإذا مات أحدهم قال ما لي وفي يدي وإذا مات هو قال كنت نحلته ولدي لا نحلة يجوزها الولد دون الوالد فإن مات ورثه وروى عثمان أن الوالد يحوز لولده إذا كانوا صغارا قال المروذي اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة ولأنها هبة غير مقبوضة فلم تلزم كما لو مات قبل أن يقبض فإن مالكا يقول لا يلزم الورثة التسليم والخبر محمول على المقبوض ولا يصح القياس على الوقف والوصية والعتق لأن الوقف إخراج ملك إلى الله تعالى فخالف التمليكات والوصية تلزم في حق الوارث والعتق إسقاط حق وليس بتمليك ولأن الوقف والعتق لا يكون في محل النزاع في المكيل والموزون فصل وقولالخرقي لا يصح يحتمل أن يريد لا يلزم ويحتمل أن يريد لا يثبت بها الملك قبل القبض فإن الملك حكم الهبة والصحة اعتبار الشيء في حق حكمه وأما صحته بمعنى انعقاد اللفظ بحيث إذا انضم إليه القبض اعتبر ويثبت حكمه فلا يصح حمل لفظ على نفيه لعدم الخلاف فيه ولأنه قال في سياق المسألة كما يصح في البيع وقد تقرر في البيع أن المكيل والموزون صحيح قبل القبض وإنما ينتفي الضمان وإطلاقه في التصرفات وقوله ما يكال يوزن ظاهرة العموم في كل موزون ومكيل وخصه أصحابنا المتأخرون بما ليس بمتعين فيه كالقفيز من صبرة والرطل من زبرة وقد ذكرنا ذلك في البيع ورجحنا العموم فصل والواهب بالخيار قبل القبض إن شاء أقبضها وأمضاها وإن شاء رجع فيها ومنعها ولا يصح قبضها إلا بإذنه فإن قبضها الموهوب له بغير إذنه لم تتم الهبة ولم يصح القبض وحكي عن أبي حنيفة أنه إذا قبضها في المجلس صح وإن لم يأذن له لأن الهبة قامت مقام الإذن في القبض لكونها دالة على رضاه بالتمليك الذي لم يتم إلا بالقبض ولنا إنه قبض الهبة بغير إذن الواهب فلم يصح كما بعد المجلس أوكما لو نهاه عن قبضها ولأن التسليم غير مستحق على الواهب فلا يصح التسليم إلا بإذنه كما لو أخذ المشتري المبيع من البائع قبل تسليم ثمنه ولا يصح جعل الهبة إذنا في القبض بدليل ما بعد المجلس ولو أذن الواهب في القبض ثم رجع عن الإذن أو رجع في الهبة صح رجوعه لأن ذلك ليس بقبض وإن رجع بعد القبض لم ينفع رجوعه لأن الهبة تمت فصل وإذا مات الواهب أو الموهوب له قبل القبض بطلت الهبة سواء كان قبل الإذن في القبض أو بعده ذكره القاضي في موت الواهب لأنه عقد جائز فبطل بموت أحد المتعاقدين كالوكالة والشركة وقال أحمد في رواية أبي طالب وأبي الحارث في رجل أهدى هدية فلم تصل إلى المهدي إليه حتى مات فإنها تعود إلى صاحبها ما لم يقبضها

Bölüm V05/P379–V05/P380

وروي بإسناده عن أم كلثوم بنت سلمة قالت لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة قال لها إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي مسك ولا أرى النجاشي إلا قد مات ولا أرى هديتي مردودة علي فإن ردت فهي لك قالت فكان ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وردت عليه هديته فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية من مسك وأعطى أم سلمة بقية المسك والحلة وإن مات صاحب الهدية قبل أن تصل إلى المهدى إليه رجعت إلى ورثة المهدي وليس للرسول حملها إلى المهدى إليه إلا أن يأذن له الوارث ولو رجع المهدي في هديته قبل وصولها إلى المهدى إليه صح رجوعه فيها والهبة كالهدية وقال أبو الخطاب إذا مات الواهب قام وارثه مقامه في الإذن في القبض والفسخ وهذا ما يدل على أن الهبة لا تنفسخ بموته وهذا قول أكثر أصحاب الشافعي لأنه عقد مآله إلى اللزوم فلم ينفسخ بالموت كالبيع المشروط فيه الخيار وكذلك يخرج فيما إذا مات الموهوب له بعد قبوله وإن مات أحدهما قبل القبول أو ما يقوم مقامه بطلت وجها واحدا لأن العقد لم يتم فأشبه ما لو أوجب البيع فمات أحدهما قبل القبول من المشتري وإذا قلنا الهبة لا تبطل فمات أحدهما بعد الإذن في القبض بطل الإذن وجها واحدا لأن الميت إن كان هو الواهب فقد انتقل حقه في الرجوع في الهبة إلى وارثه فلم يلزم بغير إذنه وإن كان الموهوب له فلم يوجد الإذن لوارثه فلم يملك القبض بغير إذن فصل وإن وهبه شيئا في يد المتهب كوديعة أو مغصوب فظاهر كلام أحمد أن الهبة تلزم من غير قبض ولا مضي مدة يتأتى القبض فيها فإنه قال في رواية ابن منصور إذا وهب لامرأته شيئا ولم تقبضه فليس بينه وبينها خيار هي معه في البيت فظاهر هذا أنه لم يعتبر قبضا ولا مضي مدة يتأتى القبض فيها لكونها معه في البيت فيدها على ما فيه وقال القاضي لا بد من مضي مدة يتأتى فيها القبض وقد روي عن أحمد رواية أخرى أنه يفتقر إلى إذن في القبض وقد مضى تعليل ذلك وتفصيله في الرهن ومذهب الشافعي كمذهبنا في الاختلاف في اعتبار الإذن واعتبار مضي مدة يتأتى القبض فيها مسألة قال ( ويصح في غير ذلك بغير قبض إذا قبل كما يصح في البيع ) يعني أن غير المكيل والموزون تلزم الهبة فيه بمجرد العقد ويثبت الملك في الموهوب قبل قبضه وروي ذلك عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا الهبة جائزة إذا كانت معلومة قبضت أو لم تقبض وهو قول مالك وأبي ثور وعن أحمد رواية أخرى لا تلزم الهبة في الجميع إلا بالقبض وهو قول أكثر أهل العلم قال المروذي اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي على أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة ويروى ذلك عن النخعي والثوري والحسن بن صالح والعنبري والشافعي وأصحاب الرأي لما ذكرنا في المسألة الأولى

Bölüm V05/P380–V05/P382

ووجه الرواية الأولى أن الهبة أحد نوعي التمليك فكان منها ما لا يلزم قبل القبض ومنها ما يلزم قبله كالبيع فإن فيه ما لا يلزم قبل القبض وهو الصرف وبيع الربويات ومنه ما يلزم قبله وهو ما عدا ذلك فأما حديث أبي بكر فلا يلزم فإن جذاذ عشرين وسقا يحتمل أنه أراد به عشرين وسقا مجذوذة فيكون مكيلا غير معين وهذا لا بد فيه من القبض وإن أراد نخلا يجذ عشرين وسقا فهو أيضا غير معين ولا تصح الهبة فيه قبل تعيينه فيكون معناه وعدتك بالنحلة وقول عمر أراد به عن التحيل بنحة الوالد ولده نحلة موقوفة على الموت فيظهر أني نحلت ولدي شيئا ويمسكه في يده ويستغله فإذا مات أخذه ولده بحكم النحلة التي أظهرها وإن مات ولده أمسكه ولم يعط ورثة ولده شيئا وهذا على الوجه محرم فنهاهم عن هذا حتى يحوزها الولد دون والده فإن مات ورثها ورثته كسائر ماله وإذا كان المقصود هذا اختص بهبة الولد وشبهه على أنه قد روي عن علي وابن مسعود خلاف ذلك فتعارضت أقوالهم فصل قول الخرقي إذا قبل يدل على أنه إنما يستغني عن القبض في موضع وجد فيه الإيجاب والقبول والإيجاب أن يقول وهبتك أو أهديت إليك أو أعطيتك أو هذا لك ونحوه من الألفاط الدالة على هذا المعنى والقبول أن يقول قبلت أو رضيت أو نحو هذا وذكرالقاضي وأبو الخطاب أن الهبة والعطية لا تصح كلها إلا بإيجاب وقبول ولابد منهما سواء وجد القبض أو لم يوجد وهذا قول أكثر أصحاب الشافعي لأنه عقد تمليك فافتقر إلى الإيجاب والقبول كالنكاح والصحيح أن المعاطاة والأفعال الدالة على الإيجاب والقبول كافية ولا يحتاج إلى لفظ وهذا اختيار ابن عقيل فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهدي ويهدى إليه ويعطي ويعطى ويفرق الصدقات ويأمر سعاته بتفريقها وأخذها وكان أصحابه يفعلون ذلك ولم ينقل عنهم في ذلك إيجاب ولا قبول ولا أمر به ولا تعليمه لأحد ولو كان ذلك شرطا لنقل عنهم نقلا مشهورا وكان ابن عمر على بعير لعمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بعنيه فقال هو لك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو لك يا عبد الله بن عمر فاصنع به ما شئت ولم ينقل قبول النبي صلى الله عليه وسلم من عمر ولا قبول ابن عمر من النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان شرطا لفعله النبي صلى الله عليه وسلم وعلمه ابن عمر ولم يكن ليأمره أن يصنع به ما شاء قبل أن يقبله وروى أبو هرير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتي بطعام سأل عنه فإن قالوا صدقة قال لأصحابه كلوا ولم يأكل وإن قالوا هدية ضرب بيده فأكل معهم ولا خلاف بين العلماء فيما علمناه في أن تقديم الطعام بين يدي الضيفان إذن في الأكل وأنه لا يحتاج إلى قبول بقوله ولأنه وجد ما يدل على التراضي بنقل الملك فاكتفي به كما لو وجد الإيجاب والقبول قال ابن عقيل إنما يشترط الإيجاب والقبول مع الإطلاق وعدم العرف القائم بين المعطي والمعطى لأنه لم يكن عرف يدل على الرضا فلا بد من قول دال عليه أما مع قرائن الأحوال والدلائل فلا وجه لتوقيفه على اللفظ ألا ترى أنا اكتفينا بالمعاطاة في البيع واكتفينا بدلالة الحال في دخول الحمام وهو إجارة وبيع أعيان فإذا اكتفينا بالمعاوضات مع تأكدها بدلالة الحال وأنها تنقل الملك من الجانبين فلأن نكتفي به في الهبة أولى فصل والقبض فيما لا ينقل بالتخلية بينه وبينه لا حائل دونه وفيما ينقل بالنقل وفي المشاع بتسليم الكل إليه فإن أبى الشريك أن يسلم نصيبه قيل للمتهب وكل الشريك في قبضه لك ونقله فإن أبى نصب الحاكم من يكون في يده لهما فينقله ليحصل القبض لأنه لا ضرر على الشريك في ذلك ويتم به عقد شريكه فصل وتصح هبة المشاع وبه قال مالك والشافعي قال الشافعي سواء في ذلك ما أمكن قسمته

Bölüm V05/P382–V05/P383

أو لم يمكن وقال أصحاب الرأي لا تصح هبة المشاع الذي يمكن قسمته لأن القبض شرط في الهبة ووجوب القسمة يمنع صحة القبض وتمامه فإن كان مما لا يمكن قسمته صحت هبته لعدم ذلك فيه وإن هب واحد اثنين شيئا مما ينقسم لم يجز عند أبي حنيفة وجاز عند صاحبيه وإن وهب اثنان اثنين شيئا مما ينقسم لم يصح في قياس قولهم لأن كل واحد من المتهبين قد وهب له جزء مشاع ولنا إن وفد هوازن لما جاؤوا يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يرد عليهم ما غنمه منهم قال ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم رواه البخاري وهذا هبة المشاع وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وقد جاءه رجل ومعه كبة من شعر فقال أخذت هذه من المغنم لأصلح بردعة لي فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك وروى عمرو بن سملة الضمري قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتينا الروحاء فرأينا حمار وحش معقورا فأردنا أخذه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوه فإنه يوشك أن يجيء صاحبه فجاء رجل من بهز وهو الذي عقره فقال يا رسول الله شأنكم الحمار فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يقسمه بين الناس رواه الإمام أحمد والنسائي ولأنه يجوز بيعه فجازت هبته كالذي لا ينقسم ولأنه مشاع فأشبه ما لا ينقسم وقولهم إن وجوب القسمة يمنع صحة القبض لا يصح فإنه لم يمنع صحته في البيع فكذا ها هنا ومتى كانت الهبة لاثنين فقبضاه بإذنه ثبت ملكهما فيه وإن قبضه أحدهما ثبت الملك في نصيبه دون نصيب صاحبه فصل ومتى قلنا إن القبض شرط في الهبة لم تصح الهبة فيما لا يمكن تسليمه كالعبد الآبق والجمل الشارد والمغصوب لغير غاصبه ممن لا يقدر على أخذه من غاصبه وبهذا يقول أبو حنيفة والشافعي لأنه عقد يفتقر إلى القبض فلم يصح في ذلك كالبيع وإن وهب المغصوب لغاصبه أو لم يتمكن من أخذه منه صح لأنه ممكن قبضه وليس لغير الغاصب القبض إلا بإذن الواهب فإن وكل المالك الغاصب في تقبيضه صح وإن وكل المتهب الغاصب في القبض له فقبل ومضى زمن يمكن قبضه فيه صار مقبوضا وملكه المتهب وبرىء الغاصب من ضمانه وإن قلنا القبض ليس بشرط في الهبة فمالا يعتبر فيه القبض من ذلك احتمل أن لا يعتبر في صحته القدرة على التسليم وهو قول أبي ثور لأنه تمليك بغير عوض أشبه الوصية ويحتمل أن لا تصح هبته لأنه لا يصح بيعه فلم تصح هبته كالحمل في البطن وكذلك يخرج في هبة الطير في الهواء والسمك في الماء إذا كان مملوكا فصل ولا تصح هبة الحمل في البطن واللبن في الضرع وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور لأنه مجهول معجوز عن تسليمه وفي الصوف على الظهر وجهان بناء على صحة بيعه ومتى أذن له في جز الصوف وحلب الشاة كان إباحة وإن وهب دهن سمسمة قبل عصره أو زيت زيتونه أو جفته لم يصح وبهذا قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم لهم مخالفا ولا تصح هبة المعدوم كالذي تثمر شجرته أو تحمل أمته لأن الهبة عقد تمليك في الحياة فلم تصح في هذا كله كالبيع فصل قال أحمد في رواية أبي داود وحرب لا تصح هبة المجهول وقال في رواية حرب إذا قال شاة من غنمي يعني وهبتها لك لم يجز به قال الشافعي ويحتمل أن الجهل إذا كان في حق الواهب منع الصحة لأنه غرر في حقه وإن كان من الموهوب له لم يمنعها لأنه غرر في حقه فلم يعتبر في حقه العلم بما يوهب له كالموصى له وقال مالك تصح هبة المجهول لأنه تبرع فصح في المجهول كالنذر والوصية ووجه الأول أنه عقد تمليك لا يصح تعليقه بالشروط فلم يصح في المجهول كالبيع بخلاف النذر والوصية

Bölüm V05/P383–V05/P384

فصل ولا يصح تعليق الهبة بشرط لأنها تمليك لمعين في الحياة فلم يجز تعليقها على شرط كالبيع فإن علقها على شرط كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة إن رجعت هديتنا إلى النجاشي فهي لك كان وعدا وإن شرط في الهبة شروطا تنافي مقتضاها نحو أن يقول وهبتك هذا بشرط أن لا تهبه أو لا تبيعه أو بشرط أن تهبه أو تبيعه أو بشرط أن تهب فلانا شيئا لم يصح الشرط وفي صحه الهبة وجهان بناء على الشروط الفاسدة في البيع وإن وقت الهبة فقال وهبتك هذا سنة ثم يعود إلي لم يصح لأنه عقد تمليك لعين فلم يصح مؤقتا كالبيع فصل وإن وهب أمة واستثنى ما في بطنها صح في قياس قول أحمد فيمن أعتق أمه واستثنى ما في بطنها لأنه تبرع بالأم دون ما في بطنها فأشبه العتق وبه يقول في العتق النخعي وإسحاق وأبو ثور وقال أصحاب الرأي تصح الهبة ويبطل الاستثناء ولنا إنه لم يهب الولد فلم يملك الموهوب له كالمنفصل وكالموصى به فصل وإذا كان له في ذمة إنسان دين فوهبه له أو أبرأه منه أو أحله منه صح وبرئت ذمة الغريم منه وإن رد ذلك فلم يقبله لأنه إسقاط فلم يفتقر إلى القبول كإسقاط القصاص والشفعة وحد القذف وكالعتق والطلاق وإن قال تصدقت به عليك صح فإن القرآن ورد في الإبراء بلفظ الصدقة بقول الله تعالى ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا النساء 93 وإن قال عفوت لك عنه صح لأن الله تعالى قال إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح البقرة 237 يعني به الإبراء من الصداق وإن قال أسقطته عنك صح لأنه أتى بحقيقة اللفظ الموضوع له وإن قال ملكتك إياه صح لأنه بمنزلة هبته إياه فصل فإن وهب الدين لغير من هو في ذمته أو باعه إياه لم يصح وبه قال في البيع أبو حنيفة والثوري وإسحاق قالأحمد إذا كان لك رجل طعام قرضا فبعه من الذي هو عليه بنقد ولا تبعه من غيره بنقد ولا نسيئة وإذا أقرضت رجلا دراهم أو دنانير فلا تأخذ من غيره عرضا بما لك عليه وقال الشافعي إن كان الدين على معسر أو مماطل أو جاحد له لم يصح البيع لأنه معجوز عن تسليمه وإن كان على مليء باذل له فقيه قولان أحدهما يصح لأنه ابتاع بمال ثابت في الذمة فصح كما لو اشترى في ذمته ويشترط أن يشتريه بعين أو يتقايضان في المجلس لئلا يكون بيع دين بدين ولنا إنه غير قادر على تسليمه فلم يصح كبيع الآبق فأما هبته فيحتمل أن لا تصح كالبيع ويحتمل أن تصح لأنه لا غرر فيها على المتهب ولا الواهب فصح كهبة الأعيان فصل تصح البراءة من المجهول إذا لم يكن لهما سبيل إلى معرفته وقال أبو حنيفة تصح مطلقا وقال الشافعي لا تصح إلا أنه إذا أراد ذلك قال أبرأتك من درهم إلى ألف لأن الجهالة إنما منعت لأجل الغرر فإذا رضي بالجملة فقد زال الغرر وصحت البراءة ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجلين اختصما إليه في مواريث درست اقتسما وتوخيا الحق قم استهما ثم تحالا رواه أبو داود ولأنه إسقاط فصح في المجهول والطلاق وكما لو قال من درهم إلى ألف ولأن الحاجة داعية إلى تبرئة الذمة ولا سبيل إلى العلم بما فيها فلو وفقت صحة البراءة على العلم لكان سدا لباب عفو الإنسان عن أخيه المسلم وتبرئة ذمته فلم يجز ذلك كالمنع من العتق وأما إن كان من عليه الحق يعلمه ويكتمه المستحق خوفا من أنه إذا علمه لم يسمح بإبرائه منه فينبغي أن لا تصح البراءة فيه لأن فيه تغريرا بالمشتري وقد أمكن التحرز منه وقال أصحابنا لو أبرأه من مائة وهو يعتقد أنه لا شيء له عليه وكان له عليه مائة ففي صحة البراءة وجهان أحدهما صحتها لأنها صادفت ملكه فأسقطته كما لو علمها والثاني لا تصح

Bölüm V05/P384–V05/P385

لأنه أبرأة مما لا يعتقد أنه عليه فلم يكن ذلك إبراء في الحقيقة وأصل الوجهين ما لو باع مالا كان لموروثه يعتقد أنه باق لموروثه وكان موروثه قد مات وانتقل ملكه إليه فهل يصح فيه وجهان وللشافعي قولان في البيع وفي صحة الإبراء وجهان مسألة قال ( ويقبض للطفل أبوه أو وصيه أو الحاكم أو أمينه بأمره ) وجملة ذلك أن الطفل لا يصح قبضه لنفسه ولا قبوله لأنه ليس من أهل التصرف ووليه يقوم مقامه في ذلك فإن كان له أب أمين فهو وليه لأنه أشفق عليه وأقرب إليه وإن مات أبوه الأمين وله وصي فوليه وصية لأن الأب أقامه مقام نفسه فجرى مجرى وكيله وإن كان الأب غير مأمون لفسق أو جنون أو مات عن غير وصي فأمينه الحاكم ولا يلي ماله غير هؤلاء الثلاثة وأمين الحاكم يقوم مقامه وكذلك وكيل الأب والوصي فيقوم كل واحد منهم مقام الصبي في القبول والقبض إن احتيج إليه لأن ذلك قبول لما للصبي فيه حظ فكان إلى الولي كالبيع والشراء ولا القبض والقبول من غير هؤلاء قال أحمد في رواية صالح في صبي وهبت له هبة أو تصدق عليه بصدقة فقبضت الأم ذلك وأبوه حاضر فقال لا أعرف للأم قبضا ولا يكون إلا للأب وقال عثمان رضي الله عنه أحق من يجوز على الصبي أبوه وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم فيه خلافا لأن القبض إنما يكون من المتهب أو نائبه والولي نائب بالشرع فصح قبضه له أما غيره فلا نيابة له ويحتمل أن يصح القبض والقبول من غيرهم عند عدمهم لأن الحاجة داعية إلى ذلك فإن الصبي قد يكون في مكان لا حاكم فيه وليس له أب ولا وصي ويكون فقيرا لا غنى به عن الصدقات فإن لم يصح قبض غيرهم له انسد باب وصولها إليه فيضيع ويهلك ومراعاة حفظه عن الهلاك أولى من مراعاة الولاية فعلى هذا للأم القبض له وكل من يليه من أقاربه وغيرهم وإن كان الصبي مميزا فحكمه حكم الطفل في قيام وليه مقامه لأن الولاية لا تزول عنه قبل البلوغ إلا أنه إذا قبل لنفسه وقبض لها صح لأنه من أهل التصرف فإنه يصح بيعه وشراؤه بإذن الولي فها هنا أولى ولا يحتاج إلى إذن الولي ها هنا لأنه محض مصلحة ولا ضرر فيه فصح من غير إذن وليه كوصيته وكسب المباحات ويحتمل أن يقف صحة القبض منه على إذن وليه دون القبول لأن القبض يحصل به مستوليا على المال فلا يؤمن تضييعه له وتفريطه فيه فيتعين حفظه عن ذلك بوقفه على إذن وليه كقبضه لوديعته وأما القبول فيحصل له به الملك من غير ضرر فجاز من غير إذن كاحتشاشه واصطياده فصل فإن وهب الأب لابنه شيئا قام مقامه في القبض والقبول إن احتيج إليه قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا وهب لولده الطفل دارا بعينها أو عبدا بعينه وقبضه له من نفسه وأشهد عليه إن الهبة تامة هذا قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وروينا معنى ذلك عن شريح وعمر بن عبد العزيز ثم إن كان الموهوب مما يفتقر إلى قبض اكتفى بقوله قد وهبت هذا لابني وقبضته له لأنه يغني عن القبول كما ذكرنا ولا يغني قوله قد قبلته لأن القبول لا يغني عن القبض وإن كان مما لا يفتقر اكتفي بقوله قد وهبت هذا لابني ولا يحتاج إلى ذكر قبض ولا قبول قال ابن عبد البر أجمع الفقهاء على أن هبة الأب لابنه الصغير في حجره لا يحتاج إلى قبض وأن الإشهاد فيها يغني عن القبض وإن وليها أبوه لما رواه مالك عن الزهري عن ابن المسيب أن عثمان قال من نحل ولدا له صغيرا لم يبلغ أن يحوز نحلة فأعلن ذلك وأشهد على نفسه فهي جائزة وإن وليها أبوه وقال القاضي لا بد في هبة الولد من أن يقول قد قبلته وهذا مذهب الشافعي لأن الهبة عندهم لا تصح إلا بإيجاب وقبول

Bölüm V05/P385–V05/P386

وقد ذكرنا من قبل أن قرائن الأحوال ودلالتها تغني عن لفظ القبول ولا أدل على القبول من كون القابل هو الواهب فاعتبار لفظ لا يفيد معنى من غير ورود الشرع به تحكم لا معنى له مع مخالفته لظاهر حال النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وليس هذا مذهبا لأحمد فقد فال في روابة حرب في رجل أشهد بسهم من ضيعته وهي معروفة لابنه وليس له ولد غيره فقال أحب إلي أن يقول عند الإشهاد قد له فإن سها قال إذا كان مفرزا رجوت فقد ذكر أحمد أنه يكتفي بقوله قد قبضته وأنه يرجو أن يكتفي مع التمييز بالإشهاد فحسب وهذا موافق للإجماع المذكور عن سائر العلماء وقال بعض أصحابنا يكتفي بأحد لفظين إما أن يقول قد قبلته أو قبضته لأن القبول يغني عن القبض وظاهر كلام أحمد ما ذكرناه ولا فرق بين الأثمان وغيرها فيما ذكرنا وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وقال مالك إن وهب له ما يعرف بعينه كالأثمان لم يجز إلا أن يضعها على يد غيره لأن الأب قد يتلف ذلك ويتلف بغير سببه ولا يمكن أن يشهد على شيء بعينه فلا ينفع القبض شيئا ولنا إن ذلك مما لا تصح هبته فإذا وهبه لابنه الصغير وقبضه له وجب أن تصح كالعروض فصل وإن كان الواهب للصبي غير الأب من أوليائه فقال أصحابنا لا بد من أن يوكل من يقبل للصبي ويقبض له ليكون الإيجاب منه والقبول والقبض من غيره كما في البيع بخلاف الأب فإنه يجوز أن يوجب ويقبل ويقبض لكونه يجوز أن يبيع لنفسه والصحيح عندي أن الأب وغيره في هذا سواء لأنه عقد يجوز أن يصدر منه ومن وكيله فجاز له أن يتولى طرفيه كالأب وفارق البيع فإنه لا يجوز أن يوكل من يشتري له ولأن البيع عقد معاوضة ومرابحة فيتهم في عقده لنفسه والهبة محض مصلحة لا تهمة فيها وهو ولي فيه فجاز أن يتولى طرق العقد كالأب ولأن البيع منع منه لما يأخذه من العوض لنفسه من مال الصبي وهو هاهنا يعطي ولا يأخذ فلا وجه لمنعه من ذلك وتوقيفه على توكيل غيره ولأننا قد ذكرنا أنه يستغني بالإيجاب والإشهاد إلى القبض والقبول فلا حاجة إلى التوكيل فيهما مع غناه عنهما فصل فأما الهبة من الصبي لغيره فلا تصح سواء أذن فيها الولي أو لم يأذن لأنه محجور عليه لحفظ نفسه فلم يصح تبرعه كالسفيه وأما العبد فلا يجوز أن يهب إلا بإذن سيده لأنه مال لسيده وماله مال لسيده فلا يجوز له إزالة ملك سيده عنه بغير إذنه كالأجنبي وله أن يقبل الهبة بغير إذن سيده نص عليه أحمد لأنه تحصيل للمال للسيد فلم يعتبر إذنه فيه كالألفاظ وما وهبه لسيده لأنه من اكتسابه فأشبه اصطياده مسألة قال ( وإذا فاضل بين ولده في العطية أمر برده كأمر النبي صلى الله عليه وسلم ) وجملة ذلك أنه يجب على الإنسان التسوية بين أولاده في العطية إذا لم يختص أحدهم بمعنى يبيح التفضيل فإن خص بعضهم بعطيته أو فاضل بينهم فيها أثم ووجبت عليه التسوية بأحد أمرين إما رد ما فضل به البعض وإما إتمام نصيب الآخر قال طاوس لا يجوز ذلك ولا رغيف محترق وبه قال ابن المبارك وروي معناه عن مجاهد وعروة وكان الحسن يكرهه ويجيزه في القضاء وقال مالك والليث والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ذلك جائز وروي معنى ذلك عن شريح وجابر بن زيد والحسن بن صالح لأن أبا بكر رضي الله عنه نحل عائشة ابنته جذاذ عشرين وسقا دون سائر ولده واحتج الشافعي بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشير أشهد على هذا غير فأمره بتأكيدها دون الرجوع فيها ولأنها عطية تلزم بموت الأب فكانت جائزة كما لو سوى بينهم

Bölüm V05/P386–V05/P387

ولنا ما روى النعمان بن بشير قال تصدق علي أبي ببعض ماله فقالت أمي عمرة بنت رواحة لا أرضى حتى تشهد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشهده على صدقته فقال أكل ولدك أعطيت مثله قال لا قال فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم قال فرجع أبي فرد تلك الصدقة وفي لفظ قال فأرجعه وفي لفظ قال فأردده وفي لفظ سو بينهم وهو حديث صحيح متفق عليه وهو دليل على التحريم لأنه سماه جورا وأمر برده وامتنع من الشهادة عليه والجور حرام والأمر يقتضي الوجوب ولأن بعضهم يورث بينهم العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم فمنع منه كتزويج المرأة على عمتها أو خالتها وقول أبي بكر لا يعارض النبي صلى الله عليه وسلم ولا يحتج به معه ويحتمل أن أبا بكر رضي الله عنه خصها بعطيته لحاجتها وعجزها عن الكسب والتسبب فيه مع اختصاصها بفضلها وكونها أم المؤمنين زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من فضائلها ويحتمل أن يكون قد نحلها ونحل غيرها من ولده أو نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها فأدركه الموت قبل ذلك ويتعين حمل حديثه على أحد هذه الوجوه لأن حمله على مثل محل النزاع منهي عنه وأقل أحو الهالكراهة والظاهر من حال أبي بكر اجتناب المكروهات وقول النبي صلى الله عليه وسلم فأشهد على هذا غيري ليس بأمر لأن أدنى أحوال الأمر الاستحباب والندب ولا خلاف في كراهة هذا وكيف يجوز أن يأمره بتأكيد مع أمره برده وتسميته إياه جورا وحمل الحديث على هذا حمل لحديث النبي صلى الله عليه وسلم على التناقض والتضاد ولو أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإشهاد غيره امتثل بشير أمره ولم يرد وإنما هذا تهديد له على هذا فيفيد ما أفاده النهي عن إتمامه والله أعلم فصل فإن خص بعضهم لمعنى يقتضي تخصيصه مثل اختصاصه بحاجة أو زمانة أو عمى أو كثرة عائلة أو اشتغاله بالعلم أو نحوه من الفضائل أو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه أو بدعته أو لكونه يستعين بما يأخذه على معصية الله أو ينفقه فيها فقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك لقوله في تخصيص بعضهم بالوقف لا بأس به إذا كان لحاجة وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة والعطية في معناه ويحتمل ظاهر لفظه المنع من التفضيل والتخصيص على كل حال لكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل بشيرا في عطيته والأول أولى إن شاء الله لحديث أبي بكر ولأن بعضهم اختص بمعنى يقتضي العطية فجاز أن يختص بها كما لو اختص القرابة وحديث بشير قضية في عين لا عموم لها وترك النبي صلى الله عليه وسلم الاستفصال يجوز أن يكون لعلمه بالحال فإن قيل لو علم بالحال لماقال ألك ولد غيره قلنا يحتمل أن يكون السؤال ها هنا لبيان العلة كما قال عليه السلام للذي سأله عن بيع الرطب بالتمر أينقص الرطب إذا يبس قال نعم فلا إذا وقد علم أن الرطب ينقص لكان نبه السائل بهذا على علة المنع من البيع كذا هاهنا فصل ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب التسوية وكراهة التفضيل قال إبراهيم كانوا يستحبون أن يسووا بينهم حتى في القبل إذا ثبت هذا فالتسوية المستحبة أن يقسم بينهم على حسب قسمة الله تعالى الميراث فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين وبهذا قال عطاء وشريح وإسحاق ومحمد بن الحسن قال شريح لرجل قسم ماله بين ولده ارددهم إلى سهام الله تعالى وفرائضه وقال عطاء ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن المبارك تعطى الأنثى مثل ما يعطى الذكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبشير بن سعد سو بينهم وعلل ذلك بقوله أيسرك أن يستووا في برك قال نعم قال فسو بينهم والبنت كالابن في استحقاق برها وكذلك في عطيتها

Bölüm V05/P387–V05/P388

وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سووا بين أولادكم في العطية ولو كنت مؤثرا لآثرت النساء على الرجال رواه سعيد في سننه ولأنه عطية في الحياة فاستوى فيها الذكر والأنثى كالنفقة والكسوة ولنا إن الله تعالى قسم بينهم فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين وأولى ما اقتدى بقسمة الله ولأن العطية في الحياة أحد حالي العطية فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين كحالة الموت يعني الميراث يحققه أن العطية استعجال لما يكون بعد الموت فينبغي أن تكون على حسبه كما أن معجل الزكاة قبل وجوبها يؤديها على صفة أدائها بعد وجوبها وكذلك الكفارات المعجلة ولأن الذكر أحوج من الأنثى من قبل أنهما إذا تزوجا جميعا فالصداق والنفقة ونفقة الأولاد على الذكر والأنثى لها ذلك فكان أولى بالتفضيل لزيادة حاجته وقد قسم الله تعالى الميراث ففضل الذكر مقرونا بهذا المعنى فتعلل به ويتعدى ذلك إلى العطية في الحياة وحديث بشير قضية في عين وحكاية حال لا عموم لها وإنما ثبت حكمها فيما ماثلها ولا نعلم حال أولاد بشير هل كان فيهم أنثى أو لا ولعل النبي صلى الله عليه وسلم قد علم أنه ليس له إلا ولد ذكر ثم تحمل التسوية على القسمة على كتاب الله تعالى ويحتمل أنه أراد التسوية في أصل العطاء لا في صفته فإن القسمة لا تقتضي التسوية من كل وجه وكذلك الحديث الآخر ودليل ذلك قول عطاء ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى وهذا خبر عن جميعهم على أن الصحيح من خبر ابن عباس أنه مرسل فصل وليس عليه التسوية بين سائر أقاربه ولا إعطاؤهم على قدر مواريثهم سواء كانوا من جهة واحدة كإخوة وأخوات وأعمام وبني عم أو من جهات كبنات وأخوات وغيرهم وقال أبو الخطاب المشروع في عطية الأولاد وسائر الأقارب أن يعطيهم على قدر ميراثهم فإن خالف وفعل فعليه أن يرجع ويعمهم بالنحلة لأنهم في معنى الأولاد فثبت فيهم مثل حكمهم ولنا إنها عطية لغير الأولاد في صحته فلم تجب عليه التسوية كما لو كانوا غير وارثين ولأن الأصل إباحة تصرف الإنسان في ماله كيف شاء وإنما وجبت التسوية بين الأولاد بالخبر وليس غيرهم في معناهم لأنهم استووا في وجوب بر والدهم فاستووا في عطيته وبهذا علل النبي صلى الله عليه وسلم حين قال أيسرك أن يستووا في برك قال نعم قال فسو بينهم ولم يوجد هذا في غيرهم ولأن للوالد الرجوع فيما أعطى ولده فيمكنه أن يسوي بينهم باسترجاع ما أعطاه لبعضهم ولا يمكن ذلك في غيرهم ولأن الأولاد لشدة محبة الوالد لهم وصرف ماله إليهم عادة يتنافسون في ذلك ويشتد عليهم تفضيل بعضهم ولا يساويهم في ذلك غيرهم فلا يصح قياسه عليهم ولا نص في غيرهم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم لبشير زوجة ولم يأمره بإعطائها شيئا حين أمره بالتسوية بين أولاده ولم يسأله هل لك وارث غير ولدك فصل والأم في المنع من المفاضلة بين الأولاد كالأب لقول النبي صلى الله عليه وسلم اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم ولأنها أحد الوالدين فمنعت بالتفضيل كالأب ولأن ما يحصل بتخصيص الأب بعض ولده من الحسد والعداوة يوجد مثله في تخصيص الأم بعض ولدها فثبت لها مثل حكمه في ذلك

Sorular